الجزء 1 · صفحة 1
الكتاب: شرح «الزيادات، لمحمد بن الحسن الشيباني (132 هـ - 189 هـ)»
المؤلف: فخر الدين حسن بن منصور بن محمود الأوزجندي الفرغاني المعروف بقاضي خان (ت 592 هـ)
حقق نصوصه: دكتور قاسم أشرف نور أحمد
قرظه: الأستاذ محمد تقى العثماني، الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي
أصل الكتاب: رسالة علمية لنيل درجة الدكتوراه من كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، عن تحقيق الكتاب كاملا
الناشر: المجلس العلمي - كراتشي، باكستان
عام النشر: 1421 هـ - 2000 م
عدد الأجزاء: 6 متسلسلة الترقيم
(وصَوّرتها دار إحياء التراث العربي - بيروت)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 22 ذو الحجة 1443
الجزء 1 · صفحة 5
5)
تقريظ العلامة المحدث الفقية القاضي الشيخ محمد تقي العثماني حفظه الله
نائب رئيس مجمع الفقه الإسلامي بجدة ونائب رئيس جامعة دار العلوم كراتشي وشيخ الحديث بها
?
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن الكتب الستّة للإمام محمد بن الحسن الشيبانيّ رحمه الله تعالى أساس للمذهب الحنفيّ عوّل عليه فقهاء الحنفية في كل عصر ومصر إجماعًا منهم على أنه المصدر الموثوق لمعرفة المذهب، وأن ما جاء فيه يسمّى "ظاهر الرواية" ولفوق رتبة على ما جاء في الكتب الأخرى المنسوبة إلى الإمام محمّد أو غيره من أئمة المذهب الحنفيّ. ومن هُنا تناول الفقهاء الحنفية هذه الكتب دراسة وشرحًا، وتفريعًا وتأصيلا، حتى صارت شروحها مصدرًا لكلّ من قام بتدوين المذهب وتأليفه.
ومن المؤسف جدّا، أنّ هذه الكتب الستّة وشروحها الضافية افتقد اليوم معظمها فلا يوجد منها إلا الجامع الصغير والجامع الكبير وأبواب من المبسوط الذي يسمّى الأصل. وأمّا من الشروح الكبيرة فلا يوجد إلا شرح السير الكبير للسرخسى رحمه الله تعالى، والشروح الباقية لا يوجد منها إلا نسخ يسيرة خطية في بعض المكتبات.
وإن كتاب "الزيادات" من أهمّ الكتب الستّة التي تسمّى ظاهر الرواية ألّفه الإمام محمد رحمه الله تعالى بعد "الجامع الكبير" وجمع فيه المسائل التي فاتته فيه، ومن ثمّ سماها "الزيادات" لكون مسائلها زائدة على "الجامع الكبير". ولكن لا يوجد منه ولو نسخة واحدة حتى في المكتبات التي عُنيت بالحفاظ على تراثنا العتيق. ومن أهمّ شروح هذا الكتاب "شرح الزيادات" للقاضى خان رحمه الله تعالى، وإنّ اسم "القاضي خان" رحمه الله تعالى يُغنينا عن التنويه بأهمية هذا الكتاب، فإنه معروف في الفقهاء الحنفية
الجزء 1 · صفحة 6
6)
بتمكنه في الفقه، وتضلعه في المذهب، وكون فتاواه مصدرًا موثوقًا لفروع الحنفية. وبما أنه رحمه الله تعالى سلك في شرح الزيادات مسلك التأصيل، حيث بدأ في كل باب ببيان القواعد والضوابط الفقهية المتعلقة بذلك الباب، ثم فرّع عليها الأمثلة والتفاريع، فإنه مفيد للغاية لدارسى الفقه الحنفيّ.
وإن هذا الكتاب، على أهميته، لم يزل كنزًا مخبوءًا في صورة نسخ خطيّة في بعض المكتبات، لم يتوجّه أحد إلى تحقيقه وإخراجه إلى أن وفّق الله ? ابن أختى الفاضل الدكتور الشيخ قاسم أشرف، حفظه الله تعالى، فاختار تحقيق هذا الكتاب والعمل عليه موضوعًا لرسالة الدكتوراه في كلية الشريعة لجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض. ونظرًا إلى ضخامة الكتاب، كان بإمكانه أن يختار جزءا من الكتاب لتسجيله كرسالة الدكتوراه، ولكنه، حفظه الله تعالى، كان يرغب في خدمة العلم والفقه أكثر مما يرغب في الحصول على شهادة الدكتوراه فأثار همّته لخدمة الكتاب كلّه، حتى أنجز هذا العمل الجليل مشكورًا، على الرغم من العقبات الكؤودة في هذا السبيل، التي بيّنها في مقدمته، ولم تفتر همّته عن الرحلة إلى بعض البلاد الإسلامية التي رجا من مكتباتها أن يحصل على شئ يُعينه في إخراج الكتاب بشكل مقبول.
ولم يألُ المحقّق جهدًا في تحقيق الكتاب ومقارنة مخطوطاته، وتصحيح عباراته، وشرح العويص منها، والتعليق على ما يحتاج إلى التعليق، وتنقيح مسائل الكتاب بمساعدة كتب المذهب الأخرى، لأن جُهده هذا يتجلّى في كل صفحة من صفحات هذا الكتاب الذي يقدّمه الآن بين أيدى أهل العلم بما تُقرّ الأعين وتبهج الصدور.
ولا أطيل في التعريف بالكتاب والثناء عليه، فإنه الآن بمتناول القارئ الكريم، والطِيب يُعرف بنفحاته غنيًا عن إطراء المادحين، وثناء المعرّفين.
وأدعو الله ? أن يبارك في عمر المحقّق وعلمه وعمله، ويوفّقه لأضعاف أمثاله بصدق وإخلاص، ويجعل عمله هذا ثقلا في حسناته، ويتوجّه بالقبول في جنابه، وينفع به طلاب العلم في كل زمان ومكان. إنه ? على كل شئ قدير، وبالإجابة جدير.
محمد تقى العثمانى
دار العلوم كراتشى 14
ليلة الجمعة 17/ جمادى الأولى سنة 1421 هـ
الجزء 1 · صفحة 7
7)
تقريظ العلامة الفقيه الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلى حفظه الله
عضو مجمع الفقه الإسلامي بجدة ورئيس قسم الفقه الإسلامي بجامعة دمشق - كلية الشريعة
?
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
فمما لا شك فيه أنه لولا الإمام محمد بن الحسن الشيباني ?، وقيامه بتصنيف وجَمع فقهِ الإمام أبي حنيفة ?، لضاعَ الفقه الحنفي، وضياعه خسارة كبرى للثروة الفقهية الأصيلة، فكان من تقدير الله وإحسانه وفضله أن قيّض الله تعالى للأمة الإمام ابن الحسن، الشامي الأصل.
ويعدّ كتاب "الزيادات" أحد الكتب الستّة المعروفة بكتب ظاهر الرواية، أي الراجحة النقل، والثابتة النسبة للإمام محمد.
وتُوّج هذا الكتاب بالشرح النفيس والأصل للعلامة الحجة قاضى خان الذي نثَر دُررَه، وأحاط بمدلولات ومعاني هذا الكتاب، فتحقق الخير، واكتملت المعرفة بالشرح والمتن، مع التعليق وإبراز الفروق الفقهية، والاستدلال بالقواعد الفقهية، والتي أحسن المحقّق جمعَها وتصنيفها حتى بلغت (1045) قاعدة فقهية، وهذا وحده استقراء وتتبع يانع، بالإضافة لفهارس علمية كثيرة أخرى.
والذي يلاحظ الإنسان على كتب ظاهر الرواية أنها انتقالا من الأصل أو
الجزء 1 · صفحة 8
8)
المبسوط، ومرورًا بالجامعين الصغير والكبير وبكتابي السير الصغير والكبير وتتويجها بالزيادات، تتناسب مع المبدأ والتحصيل العلمي الطبيعي في تلقي العلم شيئًا فشيئًا.
وسجّلت هذه الكتب هذه الظاهرة، بحسب ما تلقّاه الإمام محمد عن أستاذه أبي حنيفة، فدوّنه وأفرغته ذاكرته بدءًا من المعلومات الأولية، ثم الموسوعية.
والذي يسعد بحق أن هيّأ الله تعالى الأخ الفاضل السيد قاسم أشرف ليكون نشره لكتاب "شرح الزيادات" خاتمة لنشر كتب ظاهر الرواية المخطوطة تباعًا، حتى تعمّ الفائدة، وتكتمل المعارف الفقهية وعمله في تحقيق هذا الكتاب وفّى الغاية، وحقّق الأمل، وأجاد وأحسن في كل ما قام به من جهود مضنية، كان الصبر يحليها، والعلم والإتقان يجلّيها، والحب والإكبار للفقه يزيدها طلاوة وسعة، كما هو واضح في منهج التحقيق الذي أشار إليه في مقدمته الضافية، وتميّزت بالسعة والشمول، وبالأمانة العلمية الواضحة، وفّقه الله وأحسن إليه، وجعل جهده العلمي الطيب زيادة في حسناته، وسببًا لشهرته، وتثقيلا لميزان صفحته وعمله المبرور، فهو سليل العلم والفضل عن أبيه وأسرته في الباكستان.
والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
أ - د: وهبة الزحيلى
رئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه
بجامعة دمشق - كلية الشريعة
8/ 10/ 1998 م
الجزء 1 · صفحة 9
9)
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله رب العالمين القائل في كتابه العزيز: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} (1)، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين القائل "مَن يُرد الله به خيرا يُفَقّهه في الدين" (2). ورضي الله تعالى عن صحابته وآله أجمعين، ومَن تبعهم بإحسان و سار على هَدْيهم وسَننهم إلى يوم الدين.
وبعد: فلقد كان الفقه الإسلامي من أهم الأسس والعوامل التي ساهمت في بناء الأمة الإسلامية، وتكوين حضارتها، لأنه فقه يقوم على العدالة، ويشرع الحقوق، ويصونها، ويكفل للإنسان السعادة في الدارين، ويحقق مصالحه في كل زمان ومكان ويرسم له النهج القويم في جميع مجالات حياته.
ومن هنا، ترى الفقه الإسلامي هو الأساس الذي تستند إليه الدولة الإسلامية وتستمدّ منه دستورها وأصولها.
وكان الفقه الإسلامي يمثّل في بداية التشريع مجموعة من الأحكام والفتاوى صدرت عن الرسول ? في مناسبات كثيرة متجلّية في جانبي الإفتاء والقضاء.
ثم بدأت دائرة الفقه تتسع تدريجيا بعد وفاته ? كما يبدو من فتاوى الصحابة ? واستنباطاتهم فيما استجدّ من الحوادث، وما نزل بهم من
(1) سورة التوبة: 122.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، الحديث 71، ومسلم في صحيحه الحديث 2389، وأحمد في مسنده 1/ 306، 4/ 92.
الجزء 1 · صفحة 10
10)
وقائع ونوازل، وكانوا يعتمدون في كل ذلك على كتاب الله تعالى ويستهدون بهدي النبي ? وفتاويه التي حفظوها عنه.
ثم جاء دور التابعين، فازدهر الفقه بمزيد من الأحكام والفتاوى التي صدرت عن تلاميذ الصحابة من التابعين، وازداد نشاطا في دور الفقهاء والأئمة المجتهدين، وتوسّعت دائرة الفقه والاحتهاد في ضوء الكتاب والسنة، وتشعّبت الفروع بشكل مدهش سدا لمتطلبات العصر.
وإن من سِمات الشريعة الإسلامية أن الله تعالى تكفّل بحفظها، ومِن حِفظِه لها أنه جعل العلماءَ ورثَةَ الأنبياء الذين لم يرثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، وجعل التفقّهَ في أمور الدين خيرا وأعظم قُربة. ولقد أدرك سلفنا الصالح هذا الفضل العظيم فشعروا بالمسئولية، ونذروا أنفسهم وأوقاتهم وكافة وسائلهم في سبيل العلم والتعلم، وحرصوا على حفظ علوم الدين بأساليب ونظم شتى من القضاء والإفتاء، والكتابة والإملاء، والتسجيل والتدوين، حتى تكوّنت للأمّة الإسلامية ثروة علميّة هائلة في كافّة مجالات علوم الدين.
وطالب العلم إذا أجال بصرَه فيما خلفة الأوائل من هذا، الكنوز العلمية الضخمة، التي لا تزال حبيسة في خزائن المخطوطات، دون أن يستفاد منها، أدرك عظم المسئولية الملقاة على عاتقه، فجدير بكل طالب علم أن يطلع على هذا التراث العظيم المتمثل في ذلك الكمّ الهائل، ليرى قدر جهد المبذول فيها مع عدم توفر إمكانات الطباعة وقلة الوسائل في تلك العصور؛ لكي يحسّ بأهمية إبراز هذه الكنوز الدفينة إلى حيّز الوجود بعد إخراجها من الأدراج التي يعلوها الغبار وقاية من التلف والتآكل.
هكذا ترى أعظم ثروة علمية تناقلتها الشفاه، وتوارثتها الأجيال، وسجّلتها الأقلام في الإسلام هي الثروة الفقهية، لأنها تشكّل منهاجا يهيمن علي أفعال المكلفين، ويبيّن ما يتحتّم عليهم من دقيق وجليل.
وإن تحقيق كتب التراث - مع ما فيه من العناء - عمل ممتع ومفيد، مفيد للباحث نفسه حيث يساعد على تنمية قدراته العلمية، ويزيد في حصيلته الفقهية ويعوّده على ضبط
الجزء 1 · صفحة 11
11)
عبارات الفقهاء وفهم مسالكهم في الاستنباط وتأسيس القواعد الفقهية، ومفيد لأهل العلم عمومًا وطلاب العلم خصوصًا ليستفيدوا من ذلك النتاج الفكري الشامخ الذي خلفه أسلافهم الأوائل الذين طوّروا الفكر الإنساني، وشيّدوا حضارة رائدة، لا يمكن أن تصل إليها أيّ حضارة إنسانية أخرى، ومفيد للفنّ الذي يتطرق إليه الكتاب المراد تحقيقه، وخاصةً إذا كان هذا الكتاب لمن له باع طويل وملكة راسخة في ذلك الفن.
كما أن التواني والتساهل في أداء هذا الواجب يجعل هذه الذخيرة العلمية عرضة لمزيد من التلف والضياع، ويحرم الأمة من ثمراتها وتلك الأفكار العلمية الثمينة والاجتهادات الشرعية، كما تلف عمل كثير من جهابذة الفقهاء.
ومما لا شك فيه أن طلبَ العلمِ الشرعي ونشرَه من أفضل القربات ومن خير ما صُرفت له الجهودُ والأوقات، ولقد منّ اللهُ علي بفضله وهداني بتوفيقه فسَلَكتُ طريق طلب العلم الشرعي، وعزمتُ على أن أتابع التحصيلَ العلمي، حتى وقع اختياري من بين هذا التراث الغالي على تحقيق كتاب "شرح الزيادات" للإمام قاضي خان، حيث تقدمت به إلى كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض لتسجيل رسالةِ الدكتوراه في الفقه الإسلامي، فتمّت الموافقة بعنوان: "دراسة وتحقيق "شرح الزيادات" للإمام قاضي خان البخاري" المتوفى سنةَ اثنتين وتسعين وخمس مائة الهجرية.
وهذا الكتاب يمثّل عملا متميزا مبتكرا بحيث نهج فيه المؤلف على منهج التأصيل، كما أنه إكمال لمصادر المذهب الأولية، فإن "الزيادات" للإمام محمد بن الحسن الشيباني - رحمه الله تعالى - من كتب ظاهر الرواية، أحد المراجع الأساسية المعول عليها في المذهب الحنفي، ولكن رغم أهميته ومكانته وحاجة العلماء والفقهاء والقضاة إليه، لم يحظ المتن والشرح بالعناية طباعة وتحقيقا، بل كان ومازال مخطوطا، بل إنه من الصعب العسير أن نطّلع على مسائل "الزيادات" لعدم وجود مخطوطات المتن مستقلة إلا ما تضمّن به شرحه (1)، كما وصل إلينا "السير الكبير" للشيباني متمثلا في "شرح السير الكبير" للسرخسي.
(1) انظر الفصل الثالث من القسم الدراسي.
الجزء 1 · صفحة 12
12)
وأضِف إلى ذلك كله أن الإمام محمد بن الحسن الشيبانى ? (132 هـ - 189 هـ) له مكانة عظيمة بين الفقهاء المجتهدين، وله آراء ذات قيمة فقهية، واجتمع فيه ما لم يجتمع لغيره من أصحاب أبى حنيفة، من خصائص فقه العراق وفقه الحجاز وفقه الشام فقد تلقّى فقه العراق عن شيخيه أبى حنيفة وأبى يوسف، وتلقى فقه الحجاز عن شيخ المدينة الإمام مالك، وتلقّى فقه الشام عن شيخ الشام الإمام الأوزاعى، ثم تولى القضاء الذي أفاده علما وتجربة، وقرّب فقهه من الناحية العملية الواقعية، وأثر عن الإمام الشافعي ? ثناءٌ بالغ في حق شيخه محمدِ الشيباني، مدوّنٌ في كتب التاريخ، وحكى المورخ الشهير ابنُ العِمَاد الحنبلي قولَ الإمام الشافعي: "لو أنصَف الناس الفقهاءَ لَعَلموا أنهم لم يَروا مثلَ محمد بن الحسن، وما جالستُ فقيها قطُّ أفقَهَ من محمد، ولا فتق لساني بالفقه مثلَه، لقد كان يُحسن من الفقه وأسبابه شيئا يَعجِز عنه الأكابر" وقال أيضًا: "ما رأيت رجلا أعلم بالحلال والحرام والعلل والناسخ والمنسوخ من محمد بن الحسن" (1).
وكتب "ظاهر الرواية" التي رويت عن الإمام محمد ? برواية الثقات، هي: المبسوط والجامع الصغير والجامع الكبير والسير الصغير والسير الكبير والزيادات، وهي عماد النقل والمرجع الأساسي في الفقه الحنفي، ولذلك عُني بها الفقهاء من القديم، وشرح هذه الكتب عدد كبير من الأئمة والفقهاء في عصور متلاحقة، فشرحوها وخرّجوا مسائلها وأصّلوا أصولها وفرّعوا عليها، منهم الإمام الطحاوي والكرخي والجصاص الرازي وأبو الليث السمرقندي والسرخسي والبزدوي وصدر الشهيد ابن مازه وعلاء الدين السمرقندي وفخر الدين قاضي خان والحَصيري وشمس الأئمة الكردري وغيرهم، ولم تزل تلك الشروح محفوظة في خزانات العالم.
وقد نشرت كتب ظاهر الرواية كلها، كاملة أو ناقصة، محققة أو غير محققة، إلا "الزيادات"، فإنه لا يزال مخطوطا مخفيا في خزانات العالم، بعيدا عن متناول أهل العلم، وسبب تأليفه أن الإمام محمدا ? لما فرغ من تأليف "الجامع الكبير" تذكّر فروعا آخر لم يذكرها فيه، فصنّف كتابا آخر ليذكر فيه تلك الفروع، وسماه "الزيادات"، ثم تذكّر
(1) "شذرات الذهب" 2/ 323.
الجزء 1 · صفحة 13
13)
فروعا أخرى، فصنّف كتابا آخر وسمّاه "زيادات الزيادات".
تبين بذلك أن "الزيادات" يُعدّ بمثابة تكملة "الجامع الكبير"، و"الجامع الكبير" من أهمّ مصنفات الإمام محمد وأعمقها وأدقها فقها، لاحتوائه على مسائل عَويصة وفروق فقهية دقيقة وعلل خفية، وروى ابن أبي العوام بسنده عن الأخفش ثناء بالغا في حق هذا الكتاب (1) الذي يعدّ معيارا لدى الفقهاء يختبر به تفاوت مداركهم ومبلغ يقظتهم في الفقه.
وكتاب الزيادات الذي ألّفه بعد الجامع الكبير استدراكا لما فاته، يُعدّ من أبدع كتب الإمام محمد، مروي عنه بطريق الشهرة، وعني كثير من الفقهاء بشرحه عناية كاملة، منهم الإمام السرخسي، وبرهان الدين بن مازه والإمام العتّابي، والإمام قاضي خان وشمس الأئمة الكَردري وغيرهم، إلا أننا لانجد الآن في خزائن مخطوطات العالم سِوى شرح العتابي وشرح قاضي خان.
والإمام فخر الدين قاضي خان أحد الأعلام المجتهدين البارزين، له مكانة سامية بين الفقهاء الحنفية حيث يُعدّ من "طبقة المجتهدين في المسائل"، وكبار الفقهاء المتأخرين من ابن الهمام وابن نجيم والزيلعي والحصكفي وابن عابدين كلهم يعتمدون على تصحيحه وترجيحه. وفتاواه الشهيرة نالت أسمى مكانة في الإفتاء، وتداولتها أيدي الفقهاء في كل زمان ومكان.
ويعتبر "شرح الزيادات" لقاضي خان أقوم وأنفس شرح للكتاب، والمزية الجلية المنفردة التي يتحلّى بها هذا الكتاب وتزيد قيمتَه العلمية هي أن الإمام قاضي خان سلَك فيه على "مسلك التأصيل"، ويراد به الاعتناء بتمهيد الأصول من القواعد العامّة والضوابط الفقهية أوّلا ثم التفريع عليها ثانيا، حيث التزم في مستهلّ الأبواب من بداية الكتاب إلى نهايته، بوضع تمهيد يشتمل على بيان القواعد والضوابط الفقهية التي تنبني عليها الفروع التي ذكرها الإمام محمد في الباب، وبذلك تسهل معرفة وجوه التفريعات.
ولا شك أن هذا المسلك - أي "مسلك التأصيل" - يقرّب المسائل إلى الأذهان وينمّي عقلية الباحث ويروض فكره، ويربّى ملكته الفقهية المؤهلة للاستدلال والترجيح، القادرة
(1) انظر مقدمة "الجامع الكبير" ص 2 للأستاذ أبي الوفاء الأفغاني.
الجزء 1 · صفحة 14
14)
على تفريع المسائل من القواعد العامة.
يقول الأستاذ الدكتور علي أحمد الندوي في كتابه "القواعد والضوابط المستخلصة من التحرير في شرح الجامع" الكبير للإمام الحصيري تلميذ قاضي خان:
"عرف الإمام قاضي خان بمكانته المرموقة عند الحنفية وبفتاواه الشهيرة بالفتاوى الخانية كما تقدم، ولكنك تجد جهوده في جانب التأصيل مغمورة إلى الآن، وذلك يرجع إلى عدم ظهور كتابه "شرح الزيادات"، فإنه يمثل ظاهرة تقعيد الأصول ثم التفريع عليها خيرَ تمثيل، ويضع لبنة جديدة في هذا المجال، رغم وجود محاولات سابقة أخرى، بما يتميز من الدقة والثقة والإحكام" (1).
فهو كتاب فقه وتفقيه، وحافل بالنفائس ومتميز بخصائص علمية، ويضمّ كمًا هائلا من القواعد والضوابط الفقهية، ومنها ما لا يتوافر في كتب القواعد المتداولة، ولا شك أن هذه القواعد ثروة ثمينة للتراث الفقهى، والكتاب حقيق بأن يعدّ مصدرا هامًا في مجال علم القواعد.
أهميّة وأسباب تحقيق هذا الكتاب باختصار:
ولقد دعاني لتحقيق هذا الكتاب الجليل أسباب عديدة، أهمها ما يلي:
1 - خدمة الفقه الإسلامي وطلابِه بإحياء كتب الفقهاء السابقين للاستفادة من علمهم وجهودهم، فإن تحقيق كتب فقهية يساعد على تنمية قُدرات الباحث العلمية، ويزيد في حصيلته الفقهية، ويعوّده على ضبط عبارات الفقهاء وفهم مسالكهم في الاستنباط.
1 - إنه إكمال كتب ظاهر الرواية، المرجع الأول والمصدر الأساسي للفقه الحنفي الذي لا يمكن الغناء عنه، فإخراجه إتمام لمصادر المذهب الأولية.
2 - إحياء المتن والشرح مع التحقيق والدراسة، فكلاهما مخطوط لم يتيسر الوصول إليهما.
3 - علُوّ منزلة الكتاب الفقهية فإنه كتاب ثاني يظهر في شروح كتب "ظاهر الرواية" بعد "شرح السير الكبير" للسرخسي.
(1) "القواعد والضوابط" ص 170.
الجزء 1 · صفحة 15
15)
4 - إبراز مصدر معتمد للقواعد الفقهية واستخلاص القواعد والضوابط منه.
5 - إبراز جهود الإمام قاضي خان الفقهية ومنهجه العلمي، فلم تُدرس حياته ومآثره حسب علمي، إصالة أو تبعًا إلى الآن.
6 - ثاني كتاب يظهر من مؤلفات الإمام قاضي خان بعد فتاواه الشهيرة، لأن "فتاوى قاضي خان" هو الكتاب الوحيد المتناول بين أيدينا من مؤلفاته.
7 - إحياء كتاب نادر من الكتب المعدودة المؤلفة على طراز "مسلك التأصيل"، ولعلّه أول كتاب من هذا الطراز المتميز يخرج إلى النور بعد التحقيق.
تبين بذلك أن الكتاب نموذج رائع للتراث الفقهي الأصيل، وجدير بالتحقيق والدراسة، وإحياء هذا الكتاب ونشره بتحقيق علمي يُسهم إسهاما ملحوظا في مجال الفقه الإسلامي.
الصعوبات التي واجهتها في إعداد الرسالة:
لقد واجهتُ في إعداد هذه الرسالة بعض الصعوبات والعقبات، وكان من أبرزها:
أولا: حجم الرسالة: تحقيق هذا المخطوط وفق المنهج العلمي، كان يستدعي جهدا علميا طويلا مضنيا (1) بحيث يمكن أن يشترك فيه أكثر من واحد، وذلك نظرا إلى ضخامته وكثرة صفحاته (555 لوحة - 1110 صفحة)، ولدقّة مسائله وجَمعِه بين القواعد والفروع، إلا أن رغبتي في إحياء هذا الكتاب القيّم حدَت بي إلى أن أقوم بهذا العمل لكي لا يظل التحقيق مبتورا، فشمّرت عن ساعد الجد متوكلا على الله تعالى، فسجّلت تحقيق الكتاب كله.
ثانيا: عدم الحصول على نسخة "الزيادات":
(1) التحقيق أمر دقيق يحتاج إلى كثير من الجهد والعناية، ولقد عبّر الجاحظ في كتابه "الحيوان" عن صعوبة إعادة النص، إذ يرى أن مشقّة الكتابة الجديدة أيسر وأسهل من التصحيح والتنقيح، فقال: "لربما أراد مؤلف أن يصحّح تصحيحا أو كلمةً ساقطة فيكون إنشاء عشر ورقات مِن حرّ اللفظ وشريف المعاني أيسر عليه من إتمام ذلك النص، حتى يردّه إلى موضعه من اتصال الكلام". "كتاب الحيوان" للجاحظ ص 1/ 97.
الجزء 1 · صفحة 16
16)
بذلتُ الجهد الممكن في جَمع نُسخ هذا المخطوط وتصويره من أماكن مختلفة، ولقد اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على خمس نسخ خطيّة، والنسخة التي جعلتها أصلا معتمدا عليه تقع في مجلدين، في 555 لوحة = 1110 صفحة. ومما لا شك فيه أن ذاك العمل وكتابة النص للكتاب كله وفق المنهج العلمي، والمقارنة بين النسخ استغرقت مدةً طويلة، وكان من العراقيل في سير العمل أنني لم أتمكّن من الحصول على نسخة المتن: "الزيادات"، رغم محاولات عديدة ورحلات علمية، ومن الملاحظ أن عبارة المتن ممزوجة ومختلطة مع الشرح في جميع النسخ الموجودة.
ثالثا: نسَختُ المخطوط أوّلا وفق المنهج العلمي، ثم قابلتُه على أربع نسخ مختارة، وأثبتت الفروق في الهامش، ثم تكرّرت عملية المقارنة وإثبات النص المختار عندما عثرتُ بعد سنتين من العمل على أقدم نسخة قيّمة عريقة، نُسِخت في بخارى من أصل المصنف ?، وفي حياته. وقد ظفرتُ بها أثناء رحلة علمية إلى استنبول، قمت بها بعد أن وافقت عليها الجامعة مشكورة، فجعلتها أصلا معتمدا عليه، وعدّلت النص المعتمد من جديد، وهذه النسخة وإن كانت أكثر عَناء وصعوبة في القراءة بسبب عدم تنقيط عباراتها إلا أنها أقدم نسخة وأوثقها، وخالية من الأخطاء إلى حدّ كبير، فلا يمكن الاستغناء عنها والاستهانة بقدرها.
رابعا: عدم وجود أكثرِ المصادر التي عزا إليها الشارح، منها ما هو مخطوط، ومنها ما هو مفقود، فيصعُبُ على الباحث توثيق النصوص منها.
خامسا: نظرا إلى طبيعة العمل من كثرة الكتابة والتعديل فيه، ومصالح التحقيق من حسن التنسيق ودقّة في التصحيح قمتُ شخصيا بطباعة هذا الكتاب على الكمبيوتر وتنسيقه وتصحيحه، ولكنه أدّى كل ذلك إلى زيادة حجم العمل والضغط الشديد وتحمّل العَناء البالغ.
ورغم المصاعب والمشاكل المذكورة حاولت التغلّب عليها، وإن الله ? قد شملني بلطفه وإحسانه وجوده وكرمه، فذلّلها لي، وبفضل الله وتوفيقه. ثم كان لتشجيع فضيلة المشرف/ حفظه الله دور كبير في شق الطريق إلى الإمام. وفي الواقع هانَت هذه
الجزء 1 · صفحة 17
17)
المتاعب أمام تحقيق الهدف النبيل وهو إحياء هذا الكتب القيم بشكل يليق به.
هذا وقد وفقني الله ? بالقيام بتحقيقه وخدمة نصوصه، فله الفضل والمنة، إلا أنني أعترف بتقصيري وقلّة بضاعتي على الرغم من الجهود التي بذلتها حسب إمكانياتي في تحقيق هذا الكتاب، علما بأنني جعلت نصب عيني إثبات النصوص الصحيحة، وتقديمها كما هي عند المؤلف - بقدر الإمكان - فإن كنت قد أصبتُ في جهدي فهو فضل من الله وتوفيقه، وإن كان غير ذلك فمني ومن الشيطان، وأعوذ بالله من شره وهمزه ونفثه.
الجزء 1 · صفحة 18
18)
الخطة العامّة للرسالة
تتكون الرسالة من مقدمة وقسمين:
المقدمة: وهي تشتمل على ما يلي:
- أهمية تحقيق هذا الكتاب.
- سبب اختيار الموضوع.
- بعض الصعوبات التي واجهها المحقق.
- خطة الرسالة العامة.
القسم الأول: الدراسة
وهذا القسم يشتمل على ثلاثة فصول:
الفصل الأول: نبذة مختصرة عن الإمام محمد بن الحسن الشيباني ويشتمل على المباحث التالية:
1 - اسمه ونسبه ومولده ووفاته.
2 - نشأته وطلبه العلم.
3 - شيوخه وتلامذته.
4 - ثناء الأئمة عليه.
5 - منزلته العلمية.
6 - مؤلفاته: - كتب ظاهر الرواية.
- أسانيد كتب الإمام محمد.
الفصل الثاني: ترجمة الإمام قاضي خان
ويحتوي على المباحث التالية:
1 - حياته الذاتية:
اسمه ونسبه ولقبه ومولده وموطنه ووفاته
الجزء 1 · صفحة 19
19)
2 - نشأته وأسرته وطلبه للعلم.
3 - عصره وما تميز به:
دراسة موجزة عن عصر المؤلف، والحالة السياسية والاجتماعية والعلمية في عصره باختصار.
4 - شيوخه وتلاميذه.
5 - منزلته الفقهية.
6 - مؤلفاته.
الفصل الثالث: الزيادات وشرحه لقاضي خان:
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: كتاب الزيادات للشيباني:
ويحتوي على نقاط تالية:
1 - "الزيادات" من كتب ظاهر الرواية
2 - نسخ الزيادات في مكتبات العالم
3 - مرتّب الزيادات
4 - موضوع الزيادات ومحتواه.
5 - أسلوب الكتاب ومنهجه.
6 - شروح الزيادات.
المبحث الثاني: نبذة عن الكتاب "شرح الزيادات".
ويشمل على مباحث:
1 - عنوان الكتاب ونسبته إلى المؤلف.
2 - أهمية الكتاب ومنزلته العلمية.
3 - منهج المؤلف في شرح الكتاب.
4 - تقويم الكتاب:
(أ) محاسن الكتاب.
الجزء 1 · صفحة 20
20)
(ب) الملحوظات على الكتاب.
5 - مصادر الكتاب التي اعتمد عليها الشارح.
6 - وصف نسخ المخطوط.
القسم الثاني التحقيق:
المنهج المتبع في تحقيق المخطوط:
حققت الكتاب من أوله إلى آخره، وقد سرتُ في تحقيق هذا الكتاب على ضوء المنهج التالي:
أولا: إخرج نصّ الكتاب على أقرب صورةٍ وضَعَه عليها المؤلف، وذلك باتخاذ الخطوات التالية:
(أ) تمّ اختيار نسخة مكتبة فيض الله آفندي لتكون أصلا، لكمالها وأقدميتها وأنها نُسِخت من أصل المصنف، وفي حياته وفي بلده، كما تم اختيار أربع نسخ أخرى للمقابلة.
(ب) اعتماد النسخة الأصلية والمحافظة على نصّها، إلا إذا تبيّن أن هناك خطأ واضحا لا يستقيم معه الكلامُ أو نقصا يحسن إثباته، فصوّبته وأثبتته من النسخ الأخرى، وجعلته بين معكوفتين وأشرت إلى ذلك في الهامش.
(ج) قابلت النسخة المعتمدة بسائر النسخ المختارة، وأثبتت الاختلاف بين النسخ في الهامش، وحاولت كل الجهد لإخراج نص صحيح سليم.
ثانيا: كتبت النص وفقَ قواعد الإملاء الحديثة، مع وضع علامات الترقيم المتعارف عليها، وضَبطتُ ما يحتاج ضبطُه.
ثالثا: عزوت الآيات إلى مواضعها في القرآن الكريم مع ضبطها بالشكل.
رابعا: خرّجت الأحاديث والآثار معتمِدا بذكر الكتاب والباب ورقم الحديث في الكتب التي يوجد فيها ذلك، ورقم الجزء والصفحة في غيرها، وراعيت فيها الاختصار تجنبا عن الإطالة. وقد اجتهدت في تخريج الحديث قدر الإماكن حسب النص الذي ذكره المؤلف أو أقربَ نص له، فإن وجدت الحديث مع اختلاف في اللفظِ لا يغيّر المعنى اكتفيت بتخريجه غالبا لأن المؤلف قد يذكر الحديث بالمعنى، فإن كان الاختلاف يغيّر المعنى ذكرت
الجزء 1 · صفحة 21
21)
النص مع التخريج.
خامسا: أرجعت المسائل الأساسية الكثيرة إلى مظانها قدر الإمكان، ووثّقتها من المراجع المعتمدة، وقد بذلت أقصى جهدي لأجل ذلك، ولا يخفى أن هذه المسائل، من الصعب توثيقها لنُدرتها ودقّتها، وبما أن هذا الكتاب في ذاته مصدر موثوق عند الفقهاء، اكتفيت بتوثيق المسائل الرئيسية في الباب التي تتفرّع عليها الجزئيات المتناثِرة.
سادسا: وثّقت القواعد والضوابط الفقهية من مصادرها المعتمدة قدر الإمكان.
سابعا: وثقت المذاهب الفقهية من مصادرها الأصلية.
ثامنا: استكملت آراء الفقهاء من المذاهب الأربعة في المسائل التي ذكر المؤلف فيها خلافا.
تاسعا - بيّنت معاني المصطلحات الفقهية والأصولية الدقيقة، وبما أن هذا الكتاب يعتبر مرجعا للمتمرّسين في الفقه، فاستغنيت عن بيان المصطلحات المعروفة لدى عامّة أهل العلم.
عاشرا: شرحت الألفاظ المبهمة والكلماتِ الغريبة شرحا موجَزا.
الحادي عشر: علّقت على المواضع التي أرى أنها بحاجة إلى مزيد إيضاح وبيان، بخاصة عند عرض القواعد والضوابط الفقهية.
الثاني عشر: ترجمت الأعلام الواردة في الكتاب بإيجاز.
الثالث عشر: عرّفت الأماكن والبلدان الغير معروفة.
الرابع عشر: وضعت الفهارس الفنية لما احتواه القسم المحقق.
وتشمل ما يلي:
1 - فهرس الآيات القرآنية.
2 - فهرس الأحاديث والآثار.
3 - فهرس القواعد والضوابط الفقهية التي استخلصتها من شرح الزيادات، ورتّبته على ترتيب أبجدي حتى بلغت (1045) قاعدة أو ضابطة فقهية، وهذا يعتبر خلاصة وثمرة جهود الإمام قاضي خان في مجال التأصيل، كما أنه لبّ وجوهر ثمين للكتاب.
الجزء 1 · صفحة 22
22)
4 - فهرس الفروق الفقهية. ولقد اعتنيت بهذا الفهرس لما أنه جانب علميّ متميّز للكتاب، وقد اهتمّ بها الإمام محمد الشيباني وقاضي خان رحمهما الله.
5 - فهرس الأعلام المترجم لها في قسم الدراسة.
6 - فهرس الأعلام الواردة في الكتاب.
7 - فهرس الكتب الواردة في الكتاب.
8 - فهرس الأماكن والبلدان.
9 - فهرس الأشعار.
10 - فهرس المصادر والمراجع للتحقيق.
11 - فهرس محتويات الكتاب. اعتنيت بإعداد فهرسة المسائل والفوائد العلمية مفصّلةً لزيادة الفائدة المرجوة، وتيسير الاستفادة من هذا المرجع العلمي الشامخ.
شكر وتقدير:
وأخيرا أشكر الله ? على ما منّ عليّ ووفقني لإكمال هذه الرسالة، ولولا فضل الله على ورحمته لما تمكّنت منه، ويطيب لي ويسرني - وقد انتهيت من رسالتي هذه - أن أتقدم بالشكر والتقدير إلى كل من أسهم في إنجاز هذه الرسالة، وأوّل من أخصّ بالشكر والعرفان شيخي الفاضل، الأستاذ الدكتور مساعد بن قاسم الفالح/ حفظه الله ورعاه لتوليه الإشراف على هذه الرسالة، والذي منحني الشيء الكثير من وقته وجهده، وأمدّني بعلمه وخبرته ما سهّل عليّ الكثير من صعوبات الرسالة ومشاقّها، فلا أملك له إلا الدعاء، فجزاه الله عني خير الجزاء، وله مني كل تقدير واحترام بالغ.
كما أتقدم بالشكر والامتنان إلى المسؤولين في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، هذا الصرح العلمي الشامخ الذي يحتضن الطلاب من أرجاء المعمورة، وتوفّر لهم كافة السبل والوسائل لينهلوا من مَنهله الدفّاق، وإلى كلية الشريعة ممثلة في عميدها ووكيلها ورئيس قسم الفقه/ حفظهم الله جميعًا، لما بذلوه من خدمات وجهد في سبيل إنجاز هذه الرسالة، ولما يقدمون من تسهيلات للعلم وطلابه.
الجزء 1 · صفحة 23
23)
ولا يفوتني أن أشكر المسئولين في الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام آباد لما أتاحوا لي هذه الفرصة الثمينة، ووافقوا على إيفادي إلى جامعة الإمام بالرياض، أسأل الله ? أن يُجزل لهم المثوبةَ على ما قدموا للعلم وطلابه.
كما لا يفوتني أن أتقدم بعميق شكري وامتناني إلى جميع أساتذتي وإخواني وأهلي وأقاربي الذين كانت لهم يد العون لإنجاز هذه الرسالة، وأخصّ بالذكر هنا فضيلة الأستاذ الدكتور علي أحمد الندوي حفظه الله، الذي له فضل كبير في اختيار هذا الموضوع، واستفدت من سعة علمه وتحقيقاته القيّمة ونصائحه الغالية طوال هذه الفترة، فللجميع مني خالص الحب والتقدير والاحترام، وجزاهم الله كلّ خير، وأدّخر شكري لهم دعوات في ظهر الغيب إلى رب السموات والأرض.
ولله الحمد والشكر من قبلُ ومن بعدُ على ما يسّره من إنجاز هذه الرسالة على هذا الوجه.
وفي الختام أسأل الله العلي القدير وباسمه العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن يتقبله مني ويجعله في ميزان حسناتي يوم القيامة، ويرزقني العلم النافع والعمل الصالح، إنه جواد كريم. ولله الحمد في الأولى والآخرة، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، وصلّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
* * *
الجزء 1 · صفحة 24
24)
القسم الدراسي
الفصل الأول
نبذة مختصرة عن الإمام محمد بن الحسن الشيباني صاحب "الزيادات"
ويشتمل على المباحث التالية:
1 - اسمه ونسبه ومولده.
2 - نشأته وطلبه العلم.
3 - شيوخه وتلامذته.
4 - منزلته العلمية.
5 - وفاته.
6 - مؤلفاته.
- كتب ظاهر الرواية.
- أسانيد كتب الإمام محمد.
الجزء 1 · صفحة 25
25)
الفصل الأول نبذة مختصرة عن الإمام محمد بن الحسن الشيباني
اسمه ونسبه ومولده:
هو أبو عبد الله محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني. واكتفى المترجمون له في بيان نسبه بهذا القدر فقط.
أما نسبته إلى "شيبان" (1)، فالذي يفيده أكثر كتب التراجم هو أنه منهم بالولاء (2)، ويرى بعض أنه ينتمي إلى شيبان نسبًا، كما ذكر الإمام عبد القاهر البغدادي الشافعي (429 هـ) في كتابه "التحصيل في أصول الفقه" (3)، واختاره ابن الأثير الجزري في كتابه "اللباب" حيث قال في ترجمة الإمام محمد: "وهو أيضًا نسبة إلى الجد وهو أبو محمد الحسن بن أحمد بن محمد بن علي بن مخلد بن شيبان النيسابوري المخلدي الشباني نسبة إلي جده (4). وأقرّه الحافظ السيوطي (911 هـ) في "جزيل المواهب" (5).
(1) "الشيباني": بفتح الشين وسكون الياء المعجمة وفتح الباء، نسبة إلى بني شيبان بن ذهل بن ثعلبة قبيل كبير من بكر بن وائل، ينسب إليه خلق كثير من الصحابة والتابعين والأمراء والعلماء من كل فن، والذي ازدهر في تاريخ الفقه الإسلامي بإثنين من الأئمة العظام في الفقه والحديث، هما الإمام محمد بن الحسن الشيباني، والإمام أحمد بن حنبل الشيباني. "اللباب في تهذيب الأنساب" لعز الدين بن الأثير الجزري، 2/ 219.
(2) انظر: "أخبار أبي حنيفة وأصحابه" للصيمري ص 120، "مناقب أبي حنيفة وصاحبيه" للذهبي ص 79، "تاريخ بغداد" 2/ 172، "الوافي بالوفيات" للصفدي، 2/ 331، "تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس" للديار بكري 2/ 333، "الأعلام" للزركلي 6/ 80، "معجم المؤلفين" 9/ 208، "بلوغ الأماني في سيرة الإمام محمد بن الحسن الشيباني" للكوثري ص 4.
(3) انظر الأعلام للزركلي 4/ 48.
(4) "اللباب في تهذيب الأنساب" لابن الأثير الجزري، 2/ 219.
(5) "جزيل المواهب في اختلاف المذاهب" ق/ 8 ب، مخطوط بمكتبة دار العلوم ندوة العلماء =
الجزء 1 · صفحة 26
26)
أما أصله: فقيل هو من دمشق من قرية تسمى حرستا. (1) وقيل أصله من الجزيرة، وأن أباه كان في جند الشام فقدم واسطا بالعراق وفيها ولد له محمد. (2) وقيل: هو مولى لبني شيبان، وأصلهم من قرية بين فلسطين والرملة، ثم انتقلوا إلى الكوفة (3)، وقيل: أصله من قرية قرب الرملة. (4) وأكثر المترجمين له على القول الأول.
أما مولده المكاني فإنه ولد بواسط بالعراق بعد انتقال والده إليها، ولا أعلم خلافا بين المترجمين في هذا. (5)
وأما مولده الزماني: فمختلف فيه: فقيل: سنة إحدى وثلاثين ومائة من الهجرة. (6) وقيل: سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وهو الذي عليه جمهور المؤرخين (7).
وقال ابن عبد البر: سنة خمس وثلاثين ومائة. (8)
= الهند، الحديث برقم 768.
(1) انظر: تاريخ بغداد 2/ 172، مناقب أبي حنيفة لموفق بن أحمد المكي الكردري 2/ 419، الجواهر المضية في طبقات الحنفية 3/ 123، تاج التراجم ص 237 طبقات الفقهاء لطاش كبرى زاده ص: 17، الأعلام 6/ 80، معجم المؤلفين 9/ 207.
(2) انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي، الجزء الأول من القسم الأول ص 80 - 81، الفوائد البهية في تراجم الحنفية ص: 163، بلوغ الأماني ص: 4 - 5.
(3) انظر: "أخبار أبي حنيفة وأصحابه" ص: 126، "مفتاح السعادة ومصباح السيادة" لطاش كبرى زاده، 2/ 241.
(4) انظر: "بلوغ الأماني"، للشيخ محمد زاهد بن الحسن الكوثري، ص 4.
(5) انظر: تاريخ بغداد 2/ 172، مناقب أبي حنيفة 2/ 419، الفهرست ص: 257.
(6) انظر: الانتفاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء ص: 174 الأعلام 6/ 80.
(7) انظر مثلا: تاريخ بغداد 2/ 172، مناقب أبي حنيفة 2/ 420، تهذيب الأسماء واللغات الجزء الأول من القسم الأول ص: 81، مفتاح السعادة ومصباح السيادة 2/ 242 طبقات الفقهاء لطاش كبرى زاده ص: 17، تاريخ التراث العربي، المجلد الأول الجزء الثالث ص: 54.
(8) الانتفاء ص 174. وقد قال الكوثري: إن هذا سهو محض، بلوغ الأماني ص: 5.
الجزء 1 · صفحة 27
27)
نشأته واتصاله بحلقة الإمام أبي حنيفة:
أما نشأته، فقد كانت في الكوفة، حيث تلقى العلم على فقهاءها المشهورين، وقد كان أبوه ثريا، فنشأ محمد نشأة سعيدة، وكان ذكيا، قويّ الذاكرة، سريع الخاطر، جميل الخِلق والخُلق، سمينا خفيف الروح، ذا صحة وقوة. (1)
وجاء في وصفه أن أباه قدم به إلى الإمام أبي حنيفة، فقال الإمام لوالده: احلق رأسه وألبسه الخُلقان (2) ففعل، فزاد عند الحلق جمالا. (3) ومنذ أن بلغ سن التمييز تعلم القرآن وحفظ منه ما تيسر له حفظه، وبدأ يحضر دروس اللغة العربية والحديث في الكوفة التي كانت تزخر بكثير من العلوم كالحديث والفقه وعلوم اللغة العربية ونحوها. (4)
وذكر محمد زاهد الكوثري: أن محمدا لما بلغ أربع عشرة سنة حضر مجلس أبي حنيفة ليسأ له عن مسألة نزلت به، فسأله قائلا: ما تقول في غلام احتلم بالليل بعد ما صلى العشاء هل يعيد العشاء؟ قال: نعم، فقام وأخذ نعله وأعاد العشاء في زاوية المسجد. وهو أول ما تعلم من أبي حنيفة، فلما رأه يعيد الصلاة أعجبه ذلك، وقال: إن هذا الصبي يفلح إن شاء الله تعالى، وكان كما قال. (5) ثم ألقى الله سبحانه في قلبه حب التفقه في دين الله بعد أن رأى جلال مجلس الفقه فعاد إلى المجلس يريد التفقه. (6)
(1) انظر الفهرست لابن النديم ص: 257، تاج التراجم ص: 237، طبقات الفقهاء لطاش كبرى زاده ص: 17، بلوغ الأماني ص: 5.
(2) الخُلقان، جمع الخَلَق، وهو البالي من الثياب والجلد وغيرها. والمقصود به هنا هو الثياب البالي. انظر: القاموس المحيط، باب القاف، فصل الخاء ص 1137، المعجم الوسيط، مادة (خلق) 1/ 252.
(3) انظر: مناقب أبي حنيفة 2/ 420.
(4) انظر: بلوغ الأماني ص: 5.
(5) انظر القصة في مناقب أبي حنيفة للكردري 2/ 428 ففيه بيان مجيئه إلى الإمام وسؤاله وجواب الإمام له.
(6) بلوغ الأماني في سيرة محمد بن الحسن الشيباني ص 5 - 6.
الجزء 1 · صفحة 28
28)
وسأله أبو حنيفة عن مسألة كانت أكبر من مستوى سِنّه وثقافته بدليل أن أبا حنيفة قال له: أأخذتَ هذه المسألة من غيرك أم أنشأتها من نفسك؟ فقال محمد: من عندي، فقال أبو حنيفة: "سألت سؤال الرجال، أدِم الاختلاف إلينا وإلى الحلقة" (1).
وأخذ محمد بعد هذا يديم الاختلاف إلى حلقة أبي حنيفة، وكانت طريقة هذا الإمام في تعليم تلاميذه تقوم على منهج يربّي ملكةَ البحث والتفكير والمناظرة، فهو لايلقي آراءه إلقاءً، ولكنه كان يشير المسائل، ثم يشرك تلاميذه في تمحصيها ومناقشتها، ولا يسمح بتدوينها إلا بعد الاتفاق على رأي فيها، وفي هذا الجو العلمي المثمر كانت مواهب محمد الشيباني تتجلى كل يوم.
مشايخه في الفقه والحديث:
تبين مما سبق أن الإمام محمد الشيباني بدأ حياته الفقهية بحضور حلقات الإمام أبي حنيفة، وبعد وفاته تفقّه بأبي يوسف، ثم رحل إلى الإمام مالك وسمع منه الموطأ، فهؤلاء الأئمة الثلاثة هم أبرز أساتذة الإمام محمد، ثم كثر مشايخه وتنوعت ثقافته، وسمع منهم سماعا كثيرا (2)، أذكر بإيجاز فيما يلي بعض شيوخه الذين لهم أكبر الأثر في تدوين شخصية محمد العلمية، لتتبين مصادر تلقي العلم للإمام محمد.
1 - الإمام أبو حنيفة (150 هـ): هو "الإمام العَلَم" (3)؛ "فقيه الملة" (4) النعمان بن ثابت بن زَوْطي، الكوفي، مولى بني تَيم بن ثعلبة.
وُلد في زمن جماعة كثيرة من الصحابة ? (5)، ورأى أنس بن مالك غير
(1) "مناقب الإمام الأعظم" 2/ 155، "بلوغ الأماني" ص 6.
(2) "الأنساب" للسمعاني، 7/ 433.
(3) "تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام"، للذهبي، 141 - 160 هـ، ص 305.
(4) "سير أعلام النبلاء" 6/ 390، ودول الإسلام 11/ 103.
(5) "عقود الجمان في مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان" لمحمد بن يوسف الصالحي الشافعي، ص 179.
الجزء 1 · صفحة 29
29)
مرة بالكوفة إذ قدمها أنس (1).
وروى عن عطاء بن أبي رباح، وهو أكبر شيخ له وأفضلهم، وروى عن الشعبي، وعبد الرحمن بن هُرمز الأعرج وعمرو بن دينار، وعطية العوفي، وابن شهاب الزهري، وعطاء بن السائب، وهشام بن عروة وحماد بن أبي سليمان وبه تفقه، وخلقٍ كثير (2).
وعُني بطلب الآثار، وارتحل في ذلك؛ وأما الفقه والتدقيق في الرأي وغوامضه، فإليه المنتهى والناس عليه عيال (3)، وهذا مستفاد من قول الإمام الشافعي: "الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة (4).
وقال الإمام الذهبي: "الإمامة في الفقه ودقائقه مسلّمة إلى هذا الإمام، وهذا أمر لا شك فيه". "وكان من أذكياء بني آدم، جمع الفقه والعبادة والورع والسخاء" (5).
تفقه به جماعة من الكبار، منهم: زفر بن الهذيل، وأبو يوسف القاضي، وابنه حماد بن أبي حنيفة، والحسن بن زياد اللؤلؤي، ومحمد بن الحسن، وأسد بن عمرو القاضي، والقاسم بن معن، وروى عنه من المحدثين والفقهاء عدّة لا يُحصون.
وقال يحيى بن معين: كان أبو حنيفة ثقة لا يحدّث بالحديث إلا بما يحفظه، ولا يحدّث بما لا يحفظه (6). وقال يحيى بن سعيد القطّان: "لا نكذب الله، ما سمعنا أحسن من رأي أبي حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله" (7). وعن ابن المبارك قال: "ما رأيت رجلا أوقر في مجلسه ولا أحسن سمتًا وعلمًا من أبي حنيفة" (8).
(1) "تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام"، للذهبي ص 306.
(2) انظر: "سير أعلام النبلاء" 6/ 392.
(3) "سير أعلام النبلاء" 6/ 392.
(4) المصدر السابق 6/ 403.
(5) "سير أعلام النبلاء" 6/ 403. "العِبَر في خبر من عَبَر"، للذهبي 1/ 164.
(6) "سير أعلام النبلاء" 6/ 394.
(7) "سير أعلام النبلاء" 6/ 402.
(8) "تاريخ الإسلام"، للذهبي ص 312.
الجزء 1 · صفحة 30
30)
وكان خزّازًا ينفق من كسبه ولا يقبل جوائز السلطان تورعًا، وله دار وصُنّاع ومعاش متّسع، وكان معدودًا من الأجواد والأسخياء، والأولياء الأذكياء، مع الدين والعبادة والتهجد وكثر التلاوة وقيام الليل ? (1).
والإمام محمد الشيباني كان من أجل تلامذته لتأثره بإمامه، لا سيما في طرق الاستنباط وتفريع المسائل، فكان يوافق شيخَه في أغلب المسائل ويخالفه في بعضها.
ومحمد في فترة تلمذه للإمام أبي حنيفة لم يكن يكتفي بالسماع والمشاركة في تحقيق المسائل، فقد كان مع هذا يدوّن ويسجّل ويحرص على ذلك حرصًا شديدًا، وكان لذلك أثر كبير في حياة محمد الباكرة بما قام به بعد أن استحصد علمه بتدوبن الفقه وتصنيفه في سورة لم يسبق بها، وكانت نبراسًا لسائر الفقهاء من بعده.
قال زفر: كنا نختلف إلى أبي حنيفة ومعنا أبو يوسف ومحمد بن الحسن، فكنا نكتب عنه، فقال يومًا لأبي يوسف: ويحك يا يعقوب لا تكتب ما تسمعه مني فإني قد أرى الرأي اليوم فأتركه غدًا، والرأي غدًا فأتركه بعد غد (2).
وكان أبو حنيفة وهو الأستاذ الذي اهتم بتربية الرجال أكثر من اهتمامه بتأليف الكتب - يؤثر تلميذه بمزيد من رعايته وحدبه، وهكذا قامت الصلة بين الأستاذ والتلميذ على التقدير والحب والرعاية والعطف، تخلّف محمد عن الحلقة يومًا، وعرف الأستاذ أن تلميذه مريض فذهب يعوده (3)، ومرض أبو يوسف مرضًا خيف عليه منه، فعاده أبو حنيفة وكان معه تلميذه محمد (4).
2 - الإمام محمد بن يوسف (183 هـ): هو يعقوب بن إبراهيم، الإمام المجتهد المحدث، قاضي القضاة، ولد في الكوفة سنة 113 هـ. وحدّث عن هشام بن
(1) "تاريخ الإسلام"، للذهبي ص 306.
(2) "تاريخ بغداد" 13/ 402، وانظر "حسن التقاضي في سيرة الإمام أبي يوسف القاضي" للشيخ الكوثري ص 12، ط/ الخانجي.
(3) مناقب الكردري 2/ 155.
(4) تاريخ بغداد 14/ 246.
الجزء 1 · صفحة 31
31)
عروة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وأبي حنيفة، ولزمه وتفقّه به، وهو أنبل تلامذته وأعلمهم، وعن أبي يوسف: صحبت أبا حنيفة سبع عشرة سنه (1).
وحدّث عنه يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وعلي بن الجعد، وأسد بن الفرات، وأحمد بن منيع ... وعدد كثير.
وقال أحمد بن حنبل: "أول ما كتبت الحديث اختلفتُ إلى أبي يوسف". وعن ابن معين: "أبو يوسف صاحب حديث، صاحب سُنَّة (2). وقال النسائي: "أبو يوسف القاضي ثقة (3).
وقال محمد بن الحسن: "مرض أبو يوسف في زمن أبي حنيفة مرضًا خيف عليه منه، فعاده أبو حنيفة ونحن معه، فلما خرج من عنده وضع يديه على عتبة بابه، وقال: إن يمت هذا الفتى فإنه أعلم من عليها، وأومأ إلى الأرض (4). ومما يدل على عظيم شغفه بالعلم أنه اشتغل به إلى أن لفَظَ نَفَسه الأخير. قاله الإمام السرخسي (5).
وكان قد سكن بغداد وتولّى القضاء بها لثلاثة من الحلفاء: المهدي وابنه الهادي ثم هارون الرشيد، وكان الرشيد يكرمه ويجلّه، وهو أول من دُعي بقاضي القضاة (6).
روى الشيخ زاهد الكوثري عن إسماعيل بن حماد أنه قال: "كان محمد بن الحسن يبكر إلى مجلس الحديث ونبكر إلى أبي يوسف، فيجيء وقد مضت المسائل، ونحن
(1) "سير أعلام النبلاء" 8/ 470.
(2) "سير أعلام النبلاء" 8/ 470.
(3) مقدمة "إعلاء السنن" 3/ 71.
(4) "وفيات الأعيان، لابن خلكان" 6/ 382.
(5) يرجع للتفصيل "المبسوط" 4/ 23، "الطبقات السنية" 1/ 190.
(6) المصدر السابق 6/ 379. وقال الخطيب في تاريخ: "وهو أول من دُعي بقاضي القضاة في الإسلام". 14/ 24، وانظر: "مجموع فتاوى" لشيخ الإسلام ابن تيمية 20/ 304، و"الألقاب الإسلامية في التاريخ والوثائق والآثار" لدكتور حسن الباشا ص 424.
الجزء 1 · صفحة 32
32)
نتحدث، فيعيد عليه أبو يوسف ما مضى، فجاء يومًا ونحن نتحدث، فسأله أبو يوسف عن مسألة مرت من المسائل، فأجاب محمد عنها بخلاف ما مضى، فقال أبو يوسف ليس هذا الجواب، فتنازعا فيها، فقال محمد: "ليس هذا قوله، إلى أن دعا بالكتاب فإذا الجواب كما قال محمد بن الحسن. قال أبو يوسف هكذا يكون الحفظ (1).
3 - الإمام مالك (179 هـ): هو شيخ الإسلام، إمام دار الهجرة، أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر ... الأصبحي المدني. كان فقيهًا محدثًا يعد من التابعين، وكانت أمه قد حملت به لمدة سنتين ولد في سنة 93 هـ، عام موت أنس خادم رسول الله ?.
وطلب العلم وهو حَدَث ابن بضع عَشْرة سنة ... فأخذ عن نافع، وسعيد المقبُري، وعامر بن عبد الله بن زبير، وابن المنكدر، والزهري، وعبد الله بن دينار، وخلق كثير جدًّا، كما يظهر من "الموطأ".
وتأهّل للفتيا، وجلس للإفادة، وله إحدى وعشرون سنة، وحدّث عنه جماعة وهو شاب طريّ، وقصده طلبة العلم من الآفاق، وحدّث عنه شيوخه: عمّه أبو سُهَيل، ويحيى بن أبي كثير، والزهري، ويحيى بن سعيد وغيرهم. ومن أقرانه: مَعْمَر، وابن جُريج، وأبو حنيفة، وعمرو بن الحارث، وشعبة، والثوري، والليث، وسفيان بن عُيَينة، وأبو إسحاق الفَزاري، ومحمد بن الحسن الفقيه، وعبد الرحمن بن القاسم ... وغيرهم (2).
ومن كلمات الأئمة في الثناء عليه: قال ابن عيينة: مالك عالم أهل الحجاز، وهو حجّة زمانه. وقال الشافعي - وصَدَق وبرَّ -: إذا ذكُر العلماء فمالك النجم (3).
ولم يكن بالمدينة عالم من بعد التابعين يشبه مالكًا في العلم، والفقه، والجلالة، والحفظ. وما زال العلماء قديمًا وحديثًا لهم أتمّ اعتناء برواية "الموطأ" ومعرفته، (4). ورواية
(1) "بلوغ الأماني في سيرة الإمام محمد بن الحسن الشيباني" ص 35.
(2) سير أعلام النبلاء 8/ 48 - 55.
(3) سير أعلام النبلاء 8/ 57 - 70.
(4) سير أعلام النبلاء 8/ 85.
الجزء 1 · صفحة 33
33)
الإمام محمد للموطأ هي من أحسن الروايات من بين عدة روايات ضبطًا وصحة.
توفي سنة (179 هـ). ودُفن بالبقيع، ? رحمة واسعة (1).
4 - ابن جُريج المكّي (150 هـ): عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، الإمام، الحافظ، شيخ الحرم، أبو خالد، القرشي، الأموي، المكي، صاحب التصانيف (2).
حدّث عن عطاء بن أبي رباح فأكثر وجوّد، وعن ابن أبي مُلَيكة، ونافع مولى ابن عمر وميمون بن مِهْران وعمرو بن دينار، وابن المنكدر. وحدّث عنه: الأوزاعي، والليث، والسفيانان، وابن عليّة، ويحيى بن سعيد القطّان، ويحيى بن أبي زائدة، ووكيع، وعبد الرزاق بن همّام، وأمم سواهم (3)، ومنهم الإمام محمد الشيباني (4).
قال الذهبي: قد قدم عبد الملك بن جُريج إلى العراق قبل موته، وحدّث بالبصرة، وأكثر، ويبدو أن الإمام محمّدًا رحل إلى البصرة فسمع منه. توفي سنة (150 هـ).
5 - مِسْعَر بن كِدام (153 هـ): هو مسعر بن كدام بن ظُهَيْر بن عُبَيْدة بن الحارث، الإمام الثبْت، شيخ العراق، أبو سَلَمَة الهلالي الكوفي، الحافظ.
قال أحمد بن حنبل: الثقة كشعبة ومسعر. وقال وكيع: شك مسعر كيقين غيره (5).
روى عن عديّ بن ثابت، وعمرو بن مُرّة، وقتادة بن دِعامة، وسعيد بن إبراهيم، وزياد بن علاقة، وسعيد بن أبي بردة، ... وخلق كثير. وروى عنه سفيان بن عيينة، ويحيى القطّان، وسليمان التَّيْمي، وابن المبارك، ومحمد بن بِشر، ويحيى بن آدم ... وخلق سواهم (6). وسمع منه الإمام محمد أيضًا (7).
(1) انظر: المصدر نفسه 8/ 130 - 132.
(2) المصدر نفسه 6/ 352.
(3) سير أعلام النبلاء 6/ 326، 372.
(4) انظر "الطبقات" لابن سعد 7/ 336، ترجمة الإمام محمد.
(5) سير أعلام النبلاء 7/ 164، 166، 167، 173.
(6) المصدر نفسه 7/ 163 - 164.
(7) انظر "الأنساب" للسمعاني 7/ 433، "مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه" للذهبي ص: 79.
الجزء 1 · صفحة 34
34)
6 - عمر بن ذَرّ الهمداني (153 هـ): ابن عبد الله بن زرارة، الإمام الزاهد العابد، أبو ذر الهمداني، الكوفي (1).
وثّقه النسائي ويحيى بن معين والدارقطني، واحتج به البخاري دون مسلم (2).
وقد حدّث عن أبيه، وأبي وائل، ومجاهد، وسعيد بن جُبير، ومعاذة العدوية، وعطاء بن أبي رباح. وروى عنه: ابن المبارك، ووكيع، وإسحاق الأزرق، ويونس بن بُكير، وابن عيينة، وعبد الرحمن بن مهدي، والخُرَيبي، وروى عنه أبو حنيفة مع تقدمه. ومن جملة من تلقّى عنه محمد بن الحسن الشيباني (3).
7 - مُحِلّ بن مُحْرِز الضَّبِّيّ الكوفي (153 هـ): روى عن أبي وائل وإبراهيم النخعي وعامر الشعبي، وروى عنه يحيى القطان وجرير ووكيع، وعلي بن مسهر، وخلاد بن يحيى، ومنهم الإمام محمد أيضًا (4).
8 - الأوزاعي (157 هـ): هو عبد الرحمن بن عمرو بن يُحْمَد، شيخ الإسلام، وعالم أهل الشام، أبو عمرو الأوزاعي. وكان مولده في حياة الصحابة، سنة (88 هـ) في مدينة بعلبك (5). أحد الأئمة المجتهدين وبن أفاضل المحدثين.
حدّث عن: عطاء بن أبي رباح، وأبي جعفر الباقر، وعمرو بن شعيب، ومكحول، وقتادة، والزهري، ويحيى بن أبي كثير، ومحمد بن سيرين، وابن المنكدر، وميمون بن مهران، ونافع مولى بن عمر، والوليد بن هشام، وخلق كثير من التابعين وغيرهم.
روى عنه: ابن شهاب الزهري ويحيى بن أبي كثير - وهما من شيوخه - وشعبة والثوري ومالك وسعيد بن عبد العزيز وابن المبارك وأبو إسحاق الفزاري والوليد بن مسلم
(1) سير أعلام النبلاء 6/ 385، وتاريخ الإسلام ص 537.
(2) سير أعلام النبلاء 6/ 386، 388.
(3) انظر "تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة" لابن حجر ص 361، ترجمة الإمام محمد، و"الأنساب" للسمعاني 7/ 433، و"مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه" للذهبي ص 79.
(4) انظر: "الطبقات الكبرى" لابن سعد 7/ 336، ترجمة الإمام محمد.
(5) انظر: سير أعلام النبلاء 7/ 107 - 109.
الجزء 1 · صفحة 35
35)
وخلق كثير (1). ومن تلاميذه الإمام محمد بن الحسن (2) أخذ عنه فقه أهل الشام.
وكان له مذهب مستقل مشهور، عمل به فقهاء الشام مدة وفقهاء الأندلس، ثم فني (3). وكان رأسًا في العلم والعمل، وجَمَّ المناقب، ومع علمه كان بارعًا في الكتابة والترسّل.
قال الوليد بن مسلم: "ما رأيت أكثر اجتهادًا في العبادة من الأوزاعي". وقال أبو مسهر: "كان يحيى الليل صلاةً وقرآنًا وبكاءً". وقال النووي: "أجمع العلماء على إمامة الأوزعي وعلو مرتبته" (4). وقال الإمام مالك: "كان الأوزاعي إمامًا يقتدى به" (5).
9 - عبد الله بن المبارك: هو عبد الله بن المبارك أبو عبد الرحمن المروزي مولى بني حنظلة، ولد سنة (118 هـ) (6)، وتوفي في العراق سنة (181 هـ) (7).
طلب العلم والحديث، وطاف البلاد مشرقا ومغربا يجمع الحديث ويأخذ عن شيوخ الأمصار، أخذ عن هشام بن عروة وإسماعيل بن أبي خالد، وسليمان الأعمش، وسليمان التيمي وحميد الطويل، وعبد الله بن عون، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومعمر بن راشد، وابن جريج، وابن أبي ذئب، ومالك، والثوري، وشعبة، والأزواعي، والليث (8).
ومن أشهر من أخذ عنه العلم: داود العطار، وسفيان بن عيينة، وأبو إسحاق
(1) سير أعلام النبلاء 7/ 108.
(2) انظر: "تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة" لابن حجر ص 361، "الأنساب" للسمعاني 7/ 117، و"مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه" للذهبي ص 79.
(3) سير أعلام النبلاء 7/ 117، وانظر: "تقريب التهذيب" ص 347، برقم 3967.
(4) "تهذيب الأسماء والصفات" للنووي 1/ 299.
(5) "تاريخ دمشق" لابن عساكر 10/ 206 المقدمة.
(6) "تاريخ بغداد" 10/ 153.
(7) "تاريخ بغداد" 10/ 168،، وانظر: "الفكر السامي" 1/ 198.
(8) "تذكرة الحفاظ" 152 - 153، "الفكر السامي" 3/ 193، "تاريخ بغداد" 10/ 155.
الجزء 1 · صفحة 36
36)
الفزاري، ويحيى بن معين، ويعقوب الدورقي، والإمام محمد وغيرهم (1).
قال عنه أحمد بن حنبل: "لم يكن في زمان ابن المبارك أطلب منه" (2). وقال عنه ابن معين: "كان متثبتًا ثقة وكان عالمًا صحيح الحديث" (3). وقال النسائي: "لا نعلم في عصر ابن المبارك أجل من ابن المبارك ولا أعلى منه ولا أجمع لكل خصلة محمودة منه" (4).
10 - مالك بن مِغْول (159 هـ): ابن عاصم بن غزيّة بن خَرَشة، الإمام، الثقة، والمحدّث، أبو عبد الله البجلي، الكوفي.
حدّث عن الشعبي، وعبد الله بن بُريدة، ونافع العُمَري، وعطاء بن أبي رباح. وروى عنه: شعبة، والثوري، ومسعر، وابن عيينة، وابن المبارك، ووكيع، وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم (5). ومن جملة تلاميذه: الإمام محمد بن الحسن (6).
قال أحمد: "ثقة، ثبت في الحديث". وقال ابن معين وأبو حاتم: "ثقة" (7).
11 - يونس بن أبي إسحاق (159 هـ): عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي الكوفي، محدّث الكوفة. كان أحد العلماء الصادقين، يُعدّ في صغار التابعين.
حدّث عن أنس بن مالك، وناجية بن كعب، والشعبي، ومجاهد، وأبي بُردة، وأبي بكر ابْنَي أبي موسى الأشعري. وروى عنه: ابنه عيسى، وابن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان، ووكيع، وابن مهدي، ويحيى بن آدم، ومحمد بن يوسف الفِريابي، وقبيصة،
(1) "ميزان الاعتدال" 2/ 12011، و"تهذيب التهذيب" 3/ 192، "الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي" لمحمد بن الحسن الحجوي 2/ 172، 199، و"تذكرة الحفاظ" 237، 505.
(2) "مقدمة إعلام السنن" 3/ 82.
(3) "مقدمة إعلام السنن" 3/ 83.
(4) "مقدمة إعلام السنن" 3/ 83.
(5) سير أعلام النبلاء 7/ 174.
(6) "الأنساب" للسمعاني 7/ 433، "مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه" للذهبي ص 79.
(7) "سير أعلام النبلاء" 7/ 174، 175.
الجزء 1 · صفحة 37
37)
وعلي بن محمد المدائني، وخلق كثير، وهو من بيت العلم والحفاظ (1).
وهو أحد مشايخ الإمام محمد في الحديث (2). قال عبد الرحمن بن مهدي، والنسائي: "ليس به بأس" (3).
12 - سفيان الثوري (161 هـ): سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب، شيخ الإسلام، إمام الحفّاظ، سيد العلماء العاملين في زمانه، أبو عبد الله الثوري الكوفي المجتهد، مصنّف كتاب "الجامع".
ومن شيوخ أبي عبد الله: إبراهيم بن ميسرة، وأيوب السختياني، وبُكير بن عطاء، وجعفر الصادق، وحمّاد بن أبي سليمان، وحُمَيد الطويل، وراشد بن كَيْسان، وربيعة الرأي، وجمّ غفير من المحدثين.
وحدّث عنه من القدماء خلق، منهم: الأعمش، وأبان بن تغلب، وابن جريج، وجعفر الصادق، وأبو حنيفة، والأوزاعي، ومسعر، وشعبة، وجرير بن عبد الحميد، وسفيان بن عيينة، وأبو داود الطيالسي (4). ومن جملة الرواة عنه: الإمام محمد (5).
أثني عليه الأئمة ثناءً عطرًا، إذ قال شعبة وابن عيينة، وأبو عاصم، ويحيى بن معين وغيرهم: "سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث" (6). وقال ابن حجر: هو "ثقة، حافظ، فقيه، عابد، إمام، حجة" (7).
13 - داود الطائي (162 هـ): الإمام الفقيه، الزاهد، أبو سليمان، داود بن نُفير
(1) "سير أعلام النبلاء" 7/ 26.
(2) انظر: "الجواهر المضية" 3/ 650 - 651.
(3) انظر: "سير أعلام النبلاء" 7/ 26، 27.
(4) انظر: "سير أعلام النبلاء" 7/ 229، 230، 234، 236.
(5) انظر: "تعجيل المنفعة لزوائد رجال الأئمة الأربعة" لابن حجر ص 361، ترجمة الإمام محمد، "الأنساب" 7/ 433، و"مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه" للذهبي ص 79.
(6) "سير أعلام النبلاء" 7/ 236.
(7) "التهذيب" لابن حجر ص 244، برقم 2445.
الجزء 1 · صفحة 38
38)
الطائي، الكوفي. ولد بعد المأة بسنوات، وكان من كبار أئمة الفقه والرأي.
روى عن عبد الملك بن عُمير، وحميد الطويل، وهشام بن عروة وسليمان الأعمش، وجماعة. وحدّث عنه: ابن عُلَيّة، وزافر بن سليمان، ومصعب بن المقدام، وإسحاق بن منصور السلولي، وأبو نُعَيم، وآخرون.
روى الطحاوي بسنده قال: "سمعت إسماعيل بن حمّاد بن أبي حنيفة، يقول: قال محمد بن الحسن: "كنت أتي داود الطائي، في بيته فأسأله عن المسألة، فإن وقع في قلبه أنها مما أحتاج إليه لأمر ديني، أجابني فيها، وإن وقع في قلبه أنها من مسائلنا هذه، تبسّم في وجهي وقال: "إن لنا شغلًا، إن لنا شغلًا" (1).
وذكر الذهبي في "المناقب" و"التاريخ" قول الإمام محمد: "بلغني أن داود الطائي كان يسأل عني وعن حالي فإذا أخبر قال: "إن عاش فسيكون له شأن" (2).
وقال الإمام الذهبي: "ومناقب داود كثيرة، كان رأسًا في العلم والعمل" (3).
14 - القاسم بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ?، أبو عبد الله الهذَلي المسعودي الكوفي. الإمام الفقيه المجتهد، قاضي الكوفة، ومفتيها في زمانه، وكان ثقة، نحويًا، أخباريًا، كبير الشأن، لم يأخذ على القضاء معلومًا، نقله أحمد بن حنبل.
وقال أبو حاتم: "ثقة كان أروى الناس للحديث، والشعر، وأعلمهم بالعربية والفقه". قال الذهبي: "كان عفيفًا صارمًا، من أكبر تلامذة الإمام أبي حنيفة".
والإمام محمد يُعتبر من جملة أصحابه (4). توفّي في سنة (175 هـ) (5).
(1) "الجواهر المضية" 2/ 194 - 195، برقم 583.
(2) "مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبه" ص 80، وانظر "تاريخ الإسلام" ص 360، ترجمة محمد بن الحسن.
(3) "سير أعلام النبلاء" 7/ 425.
(4) انظر: "الجواهر المضية" 2/ 708 - 709.
(5) "سير أعلام النبلاء" 8/ 191.
الجزء 1 · صفحة 39
39)
هؤلاء أشهر أساتذة الإمام محمد، وليس من الميسور الإحاطة بجميع شيوخه في هذا المختصر، والذي يطلع على "الموطأ" برواية الإمام محمد، و"كتاب الآثار"، و"كتاب الحجّة على أهل المدينة" يظهر له وفرة شيوخ الإمام محمد الشيباني، ومكانته في الحديث إلى جانب مكانته في الفقه والاجتهاد، وسرد الشيخ زاهد الكوثري في "بلوغ الأماني" من شيوخ الإمام محمد - غير ما ذكرنا سابقًا - أسماء نحو سبعين شيخًا، فيهم: الكوفي، والبصري، والمدني، والمكي، والواسطي، والشامي، واليمامي، ثم قال: "وغير هؤلاء من أهل تلك البلاد وغيرها، ولم يزهد في الرواية عن أقرانه وعمن هو دونه، كما هو شأن الأكابر في روايتهم عن الأصاغر" (1).
تلاميذه:
لقد أخذ العلم من الإمام محمد خلق كثير من العلماء والأئمة الأعلام، أثرى بهم العلم وانتشر في كل مكان، وأذكر باختصار أشهرهم وأكثرهم أخذا للعلم وتعليما للناس:
1 - الإمام الشافعي: وهو محمد بن إدريس بن العبّاس بن عثمان بن شافع، أبو عبد الله، القُرشي ثم المطلبي الشافعي المكّي، الإمام، عالم العصر، ناصر الحديث، فقيه الملة. ولد بغَرّة سنة (150 هـ)، ومات أبوه إدريس شابًا. فنشأ بمكة.
من أجلّ تلامذة الإمام محمد، أشار إليه الذهبي بقوله: "وأفقه أصحاب محمد: أبو عبد الله الشافعي ... " (2).
وأخذ العلم عن: مُسلم بن خالد الزنجي مفتي مكة، وداود بن عبد الرحمن العطّار، وسفيان بن عيينة، وسعيد بن سالم، وفُضيل بن عياض، وعدة.
وارتحل إلى المدينة، - وهو ابن نيف وعشرين سنة وقد تأهل للإمامة، فحمل عن مالك بن أنس "الموطأ" عَرَضه من حفظه وحمل عن إبراهيم بن أبي يحيى فأكثر.
(1) "بلوغ الأماني في سيرة الإمام محمد بن الحسن الشيباني" ص 7، 8.
(2) "سير أعلام النبلاء" 5/ 236، ترجمة الإمام حماد بن أبي سيمان.
الجزء 1 · صفحة 40
40)
وأخذ باليمن عن مطرِّف بن مازن، وهشام بن يوسف القاضي، وطائفة، وببغداد عن: محمد بن الحسن فقيه العراق، ولازمه وحمل عنه وِقر بعير. وصنّف التصانيف، ودوّن العلم، وصنّف في أصول الفقه وفروعه، وبَعُد صيته، وتكاثر عليه الطلبة (1).
حدّث عنه: الحُميدي، وأبو عبيد القاسم بن سلّام، وأحمد بن حنبل ... ، وأبو يعقوب يوسف البُويطي، وأبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي، وحرملة بن يحيى، وإسحاق بن راهويه. يقول الشافعي: "حفظت القرآن وأنا ابنُ سبع سنين، وحفظت "الموطأ" وأنا ابن عشرة".
وقال المبرد: "كان الشافعي من أشعر الناس، وآدب الناس، وأعرفهم بالقراءات". وقال أحمد بن حنبل: "الشافعي فيلسوف في أربعة أشياء: في اللغة، واختلاف الناس، والمعاني، والفقه" (2).
2 - شعيب الكيساني (204 هـ): شعيب بن سليمان بن سليم بن كَيْسان بن شعيب الكيساني، من أصحاب محمد وأبي يوسف. وهو والد سليمان الكيساني.
قال شعيب: "أملى علينا محمد بن الحسن، قال: قال أحد قضاتنا القاسم بن مَعْن: إذا اختلف الزوجان في متاع البيت فجميع ما في البيت بينهما نصفَيْن.
ورى عنه ابنه أنه قال: أملى علينا أبو يوسف، قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي للرجل أن يحدث من الحديث إلا بما يحفظه، من يوم سمعه إلى يوم يحدث به (3).
3 - أبو سليمان الجوزجاني "توفي بعد 200 هـ): العلامة الإمام، أبو سليمان موسى بن سليمان الجوزجاني الحنفي، صاحب أبي يوسف ومحمد. حدّث عنهما، وعن ابن المبارك. وحدث عنه: القاضي أحمد بن محمد البِرتي، وبشر بن موسى، وأبو حاتم الرازي، وآخرون.
كان محدثًا ورعًا فقيهًا عاش للعلم ولازم العلماء، كان صاحب رأي وكان صدوقًا.
(1) "سير أعلام النبلاء" 10/ 5 - 7، 12.
(2) "سير أعلام النبلاء" 10/ 11، 17، 45، 57، 80، 81.
(3) انظر "الطبقات السنية" 4/ 73 برقم 963، "الجواهر" 2/ 253، برقم 646.
الجزء 1 · صفحة 41
41)
عرض عليه المأمون القضاء، فامتنع، واعتلّ بأنه ليس بأهل لذلك، فأعفاه، ونبل عند الناس لامتناعه (1).
وهو راوي كتب محمد بن الحسن الشيباني لاسيما "الأصل" والسير الصغير، وكتاب الرهن، وكتاب الصلاة، وكلها أخذها رواية في شيخه محمد بن الحسن. (2)
4 - خلف بن أيوب سنة (205 هـ): الإمام المحدّث الفقيه، مفتي المشرق، أبو سعيد العامري البلخي الحنفي الزاهد عالم أهل بلخ (3) ذكره ابن حِبّان "في الثقات" (4).
تفقه على أبي يوسف وابن أبي ليلى وزفر ومحمد بن الحسن، وصحب مدةً إبراهيم بن أدهم (5). وروى عنه الإمام أحمد، وأبو كُريب ويحيى بن معين.
5 - إبراهيم المروزي (210 هـ): إبراهيم بن رُستم، أبو بكر، المَرْوزي: أحد الأئمة الأعلام، سمع منصور بن عبد الحميد، وهو شيخ يروي عن أنس بن مالك، وسمع أيضًا مالك بن أنس، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وسفيان الثوري وغيرهم.
سئل عن يحيى بن معين، ققال: "ثقة" (6).
تفقه على الإمام محمد الشيباني وسمع من مالك وغيره وقدم بغداد غير مرة فروى عنه أئمة الحديث أمثال أحمد بن حنبل وغيره وعرض عليه المأمون القضاء فأبى.
6 - أبو يعلى الرازي سنة (211 هـ): معلّى بن منصور الرازي، العلامة، الحافظ، الفقيه، أبو يعلى الحنفي، نزيل بغداد ومُفتيها.
(1) "سير أعلام النبلاء" 10/ 194، 195، ترجمة 142.
(2) "الفهرست" لابن النديم ص 290، وفي "الفوائد البهية" ص 216.
(3) المصدر نفسه 9/ 541.
(4) انظر: "تهذيب التهذيب" 3/ 147.
(5) انظر: "تهذيب التهذيب" 3/ 147، و"الطبقات السنية" 3/ 209، برقم 835، و"الأنساب" للسمعاني، ترجمة الإمام محمد 7/ 434.
(6) انظر: "الطبقات السنية" 1/ 194 - 196، برقم 37، و"الجواهر المضية" 1/ 80، برقم 18، و"تاج التراجم" ص 2 - 3، و"الفوائد البهية" ص 167.
الجزء 1 · صفحة 42
42)
وحدّث عن: عكرمة بن إبراهيم الأزدي وشريك القاضي ومالك بن أنس، وحماد بن زيد، وأبي عوانة، وهشيم، والليث بن سعد، وابن المبارك، والقاضي أبي يوسف، وتفقه به مدة، وكتب عنه خلق كثير، وأحكم الفقه والحديث (1). وحدّث عنه: أبو ثور الفقيه، ومحمد بن إسماعيل البخاري في غير "الصحيح"، ويعقوب بن شيبة وخلق كثير.
وقال أحمد بن كامل: "كان معلّى من كبار أصحاب أبي يوسف، ومحمد، ومن ثقاتهم في النقل والرواية" (2)، وله "كتاب النوادر" رواها عن أبي يوسف ومحمد.
7 - أسد بن الفرات (213 هـ): هو الإمام العلامة القاضي الأمير مقدّم المجاهدين أبو عبد الله، أسد بن الفرات بن سنان (3).
روى عن مالك بن أنس "الموطأ" وعن يحيى بن أبي زائدة (4)، ثم ارتحل إلى المشرق، فلقي من أصحاب أبي حنيفة أبا يوسف ومحمد بن الحسن، وسمع الفقه بمصر على عبد الرحمن بن القاسم، وعنه دوّن "الأسدية" وقدم بها القيروان، فسمعها خلق كثير، منهم سحنون وغيره، ثم أظهر مذهب أبي حنيفة وأخذه الناس عنه، وانتشرت إمامته (5).
وكان أسد إمام العراقيين بالقيروان كافة، مشهورًا بالفضل والدين، وبذلك هو يعتبر حاملَ لواء فقه العراقيين، وفقه أهل المدينة بتلك الديار في آن واحد (6)، ويعتبر أسد بن الفرات من أبرز تلاميذ الإمام محمد بن الحسن من أهل المغرب.
ولما حضر عنده أول مرة قال له: "إني غريب قليل النفقة والسماع منك نذر قليل والطلبة عندك كثر" فقال له الإمام محمد: اسمع مع العراقيين بالنهار وقد جعلت لك الليل
(1) "سير أعلام النبلاء" 10/ 365 - 366.
(2) المصدر نفسه 10/ 368، و"تاريخ بغداد" 13/ 190، و"تهذيب الكمال" للمزي لوحة 1353.
(3) "سير أعلام النبلاء" 10/ 225.
(4) "سير أعلام النبلاء" 10/ 226.
(5) "معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان" لأبي زيد الدباغ وأبي الفضل التنوخي 2/ 3 - 4 - 5.
(6) "معالم الإيمان" 2/ 18.
الجزء 1 · صفحة 43
43)
وحدك فتبيت عندي وأسمعك".
قال أسد بن الفرات: "فكنت أبيت عنده وكنت معه في شقته وكان يسكن الدور العلوي فينزل إليّ ويجعل بين يديه قدحًا فيه ماء، ثم يأخذ القراءة فإذا أطال عليه الليل ورآني نعست ملأ يده ونضح في وجهي الماء فأنتبه، فكان ذلك دأبي ودأبه حتى أتيت على ما أريد من السماع" ولهذا يقول الشيخ أسد بن الفرات: "لا أعلم من أئمة العلم من كان يصبر صبر محمد بن الحسن الشيباني في تعليم تلاميذه ولا من يؤثر إيثاره في الإنفاق عليهم خلا أستاذه الأعظم أبي حنيفة النعمان".
وكان شجاعًا حازمًا صاحب رأي. واستعمله زيادة الله الأغلبي على جيشه وأسطوله البحري ووجّهه لفتح جزيرة صقلية عام 212 هـ على رأس عشرة آلاف جندي فدخلها فاتحًا، وتوفي إثر جراحات أصابته وهو يحاصر سركوسة عام 213 هـ، ودفن فيها (1).
8 - أبو حفص الكبير (217 هـ): أحمد بن حفص العجلي الكبير، المعروف بأبي حفص الكبير أحد كبار أصحاب الإمام محمد ورواة كتبه، ولُد سنة (150 هـ) (2).
وذكره الإمام الذهبي في "السّير" فقال: "أحمد بن حفص الفقيه العلامة، شيخ ما وراء النهر، أبو حفص البخاري الحنفي، فقيه المشرق، ووالد العلامة شيخ الحنفية أبي عبد الله محمد بن أحمد بن حفص الفقيه.
ارتحل، وصحب محمد بن الحسن مدّة، وبرع في الرأي، وسمع من وكيع بن الجراح، وأبي أسامة (3). وتفقه عليه طائفة كبيرة. توفي ببخارى سنة (217 هـ) (4).
9 - علي بن معبد (218 هـ): ابن شدّاد، الإمام الحافظ الفقيه، أبو الحسن وأبو محمد، العَبْديّ الرقي، من كبار الأئمة (5)؛ ومن أصحاب محمد بن الحسن (6).
(1) "الأعلام" للزركلي 1/ 298.
(2) "الفوائد البهية" ص 18.
(3) "سير أعلام النبلاء" 10/ 157 - 159.
(4) "سير أعلام النبلاء" 10/ 159.
(5) المصدر نفسه 10/ 630، برقم 219.
(6) انظر: "طبقات الفقهاء" للشيرازي ص 139، و"الجواهر المضية" 2/ 604.
الجزء 1 · صفحة 44
44)
قال أبو حاتم: "ثقة" (1). روى له الترمذي والنسائي (2).
وروى عن الإمام محمد "الجامع الكبير" و"الصغير" عرض عليه المأمون القضاء بمصر، فأبى وعتذر (3).
10 - عيسى بن أبان (220 هـ): فقيه العراق، تلميذ محمد بن الحسن، وقاضي البصرة (4). وكان عيسى سَهْلًا فقيهًا، سريع الإنفاذ للأحكام، وكان سخيًا عفيفًا، ولي القضاء عشر سنين (5).
وله تصانيف وذكاء مفرط، وفيه سخاء وجود زائد (6). قال أبو خازم القاضي: "ما رأيت لأهل البصرة حدثًا أذكى من عيسى بن أبان وبشر بن الوليد" (7).
ومن كتبه: "إثبات القياس"، و"اجتهاد الرأى"، و"الجامع" في الفقه، و"الحجة الصغيرة" في الحديث (8).
وعن محمد بن سماعة أنه قال: "كان عيسى بن أبان يصلي معنا - أي في المسجد الذي يصلي فيه الإمام محمد بن الحسن الشيباني ويقعد فيه لمجلس الفقه - وكنت أدعوه أن يأتي محمد بن الحسن، فيقول - عيسى بن أبان -: "هؤلاء قوم يخالفون الحديث، وكان عيسى حسنَ الحفظ للحديث، فصلى معنا يومًا الصبح - وكان يومَ مجلس محمد - فلم أفارقه حتى جلس في المجلس، فلما فرغ محمد أدنيته منه وقلت: هذا ابن أخيك أبان بن
(1) "الجرح والتعديل" 6/ 205.
(2) "تهذيب الكمال" للمزي، لوحة 992، "مخطوط"، تصوير دار المأمون للتراث بدمشق.
(3) انظر: "سير أعلام النبلاء" 10/ 631 - 632، و"تهذيب الكمال" لوحة 993، و"الجواهر المضية" 2/ 215.
(4) "سير أعلام النبلاء" 10/ 440، وانظر "الجواهر المضية" 2/ 678.
(5) "أخيار القضاة" لوكيع 2/ 170 - 172.
(6) انظر: "سير أعلام النبلاء" 1/ 440.
(7) "طبقات الفقهاء" للشيرازي ص 137.
(8) انظر: "الأعلام" للزركلي 5/ 283.
الجزء 1 · صفحة 45
45)
صدقة الكاتب، ومعه ذكاء ومعرفة بالحديث، وأنا أدعوه إليك فيأتى ويقول: إنا نخالف الحديث. فأقبل عليه - محمد - وقال له: "يا بنيّ ما الذي رأيتنا نخالفه من الحديث؟ لا تشهد علينا حتى تسمع منا. فسأله يومئذ عن خمسة وعشرين بابًا من الحديث، فجعل محمد بن الحسن يجيبه عنها، ويخبره بما فيها من المنسوخ ويأتي بالشواهد والدلائل.
فالتفت - عيسى بن أبان - إليّ بعدما خرجنا فقال: "كان بيني وبين النور سِترًا فارتفع عني! ما ظننت أنّ في ملك الله مثل هذا الرجل يظهره للناس. ولزم محمد بن الحسن لزومًا شديدًا حتى تفقّه به" (1).
11 - هشام الرازي (211 هـ): هشام بن عبيد الله الرازي السنيّ الفقيه، أحد أئمة السنة. وقال أبو حاتم: "صدوق، وما رأيت أحدًا أعظم قدرًا، ولا أجلّ من هشام بن عبيد الله بالريّ ... " (2). رافق الإمام محمّدًا في سفر الحج من المدينة المنورة (3).
حدّث عن: ابن أبي ذئب، ومالك بن أنس، وحماد بن زيد، وحدّث عنه: بقية بن الوليد، ومحمد بن سعيد العطّار، وأبو حاتم الرازي ... وطائفة سواهم.
وفي داره توفي الإمام محمد بالرّيّ (4).
12 - أبو عُبيد القاسم بن سلّام (224 هـ): الإمام الحافظ المجتهد ذو الفنون، أبو عبيد، القاسم بن سلّام بن عبد الله (5). ولد سنة (151 هـ) (6)، وصحب الإمامين أبا يوسف ومحمد بن الحسن (7)، ولازم الإمام الشافعي وكتب كتبه (8). وهو من أئمة الاجتهاد (9).
(1) "تاريخ بغداد" 11/ 158.
(2) انظر: "سير أعلام النبلاء" 1/ 446. - 447، برقم 145.
(3) "مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه" للذهبي ص 86.
(4) انظر: "سير أعلام النبلاء" 1/ 447، و"طبقات الفقهاء" للشيرازي ص 138.
(5) انظر: "سير أعلام النبلاء" 1/ 490.
(6) انظر: "طبقات النحويين" للزبيدي ص 200، و"غاية النهاية" لابن الجوزي 1/ 549، مشار إليهما في كتاب الدكتور سائد بكداش "أبو عبد القاسم بن سلام" ص 27.
(7) انظر: "مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص 113، مشار إليه في كتاب الدكتور سائد بكداش "أبو عبيد القاسم بن سلام" ص 46، وانظر ترجمة الإمام محمد "مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه" للذهبي ص 80، و"الوافي بالوفيات" للصفدي 2/ 332.
(8) انظر: "الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء" لابن عبد البر ص 107.
(9) انظر: "سير أعلام النبلاء" 1/ 491.
الجزء 1 · صفحة 46
46)
وصنّف التصانيف الموثقة التي سارت بها الركبان. ومنها: "غريب الحديث" المشهور المتداول، ومنها: "الغريب المصنَّف" من أجلّ كتبه في اللغة، وكتابه "الأموال" من أحسن من صنف في الفقه وأجوده (1).
13 - محمد بن سَماعة التميمي (233 هـ): قاضي بغداد، العلامة أبو عبد الله محمد بن سماعة بن عبيد الله بن هلال التميمي الكوفي، صاحب أبي يوسف ومحمد (2).
وُلد سنة (130 هـ)، وكان إمامًا فاضلًا صاحب اختيارات في المذهب وروايات، وهو من الحفّاظ الثقات (3). وله المصنفات الحسان، ومن تصانيفه: "أدب القاضي" و"المحاضر والسجلات" و"النوادر" عن أبي يوسف (4).
ثناء الأئمّة على الإمام محمد الشيباني
نظرا إلى مناقب الإمام محمد العلمية والخلقية ومكانته السامية أشاد كبار الأئمة بفضائله وأكثروا بالثناء عليه، وأكتفي منها بما يلي:
- روي عن الإمام الشافعي ? ثناء بالغ في حق شيخه محمد الشيباني، بأسانيد صحيحة، كما هو مدوّن في تاريخ الخطيب، وكتاب ابن أبي العوام، وكتاب الصيمري، وتهذيب النووي، ومؤلفات الذهبي، ومناقب الكردري، والأنساب للسمعاني. فذكر الحافظ ابن عبد البر: "كان الشافعي ? يثني على محمد بن
(1) المصدر السابق 10/ 494.
(2) انظر: "سير أعلام النبلاء" 1/ 646.
(3) "الوافي بالوفيات" 3/ 139 - 140.
(4) "الأعلام" للزركلي 7/ 24.
الجزء 1 · صفحة 47
47)
الحسن ويفضّله ويقول: ما رأيت قَطّ رجلا سمينًا أعقلَ منه" (1).
- وحكى ابن العماد قول الإمام الشافعي: "لو أنصَف الناس الفقهاءَ لعَلموا أنهم لم يَروا مثلَ محمد بن الحسن، وما جالستُ فقيها قطّ أفقَهَ من محمد، ولا فتق لساني بالفقه مثله، لقد كان يُحسن من الفقه وأسبابه شيئًا يعجز عنه الأكابر" (2).
- وقال الشافعي أيضًا: "ما رأيت رجلا أعلم بالحلال والحرام والعلل والناسخ والمنسوخ من محمد بن الحسن" (3).
- وقال الشافعي: "ما رأت عيناي مثل محمد بن الحسن، ولم تلد النساء مثله" (4).
- ويحكي الإمام الشافعي عن قوة عقله قائلا: "جالستُه عشر سنين، وحملتُ من كلامه حِمل جمل، لو كان كلّم على قدر عقله ما فهمنا كلامَه، ولكنه كان يكلّمنا على قدر عقولنا". (5)
- وعن "الربيع بن سليمان، سمعت الشافعي يقول: لو أشاء أن أقول: نزل القرآن بلغة محمد بن الحسن، لقلته لفصاحته" (6).
- وقال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام: "ما رأيتُ أعلمَ بكتاب الله من محمد بن الحسن" (7).
- وذكر الحافظ الذهبي: "يحكى عن محمد بن الحسن ذكاء مفرط، وعقل تام، وسؤدد، وكثرة تلاوة" (8).
(1) "الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء" لابن عبد البر، ص 174، "الأنساب" للسمعاني 7/ 434.
(2) "شذرات الذهب" 2/ 323.
(3) المصدر السابق.
(4) "مناقب الكردري" 2/ 149.
(5) مناقب أبي حنيفة 2/ 429.
(6) "مناقب أبي حنيفة وصاحبيه" للذهبي، ص 80.
(7) المصدر السابق.
(8) "مناقب أبي حنيفة وصاحبيه" ص 94.
الجزء 1 · صفحة 48
48)
- وشيخه الإمام أبو يوسف ?، كان يقدّر زميله وتلميذه، ويعترف بفضله، جاء في "الأنساب": "عن أبي جعفر الهِندُواني: يُحكى عن أبي يوسف أن محمد بن الحسن كتَب إليه من الكوفة - وأبو يوسف ببغداد -: أما بعد، فإني قادم عليك لزيارتك، فلما ورد عليه كتاب محمد بن الحسن، خطب أبو يوسف ببغداد، وقال: إن الكوفة قد رمَت إليكم أفلاذ كبدها، فهذا محمد بن الحسن قادم عليكم، فهيّئوا له العلم" (1).
وقال الإمام أحمد بن حنبل: إنه أبصر الناس بالعربية (2).
منزلته العلمية:
لقد تبوأ الإمام محمد بن الحسن درجة رفيعة في العلم، ومكانة بارزة بين الأئمة، فقد كان فقيها مجتهدا في الفقه الإسلامي على منهج الإمام أبي حنيفة، المنهج الذي استكمله على أبي يوسف بعد وفاة أبي حنيفة ? جميعًا.
وأكبر شاهد على ذلك أنه توجد له أراء اجتهادية خاصة في بعض الفروع الفقهية، كما يدل ذلك على أنه كانت له أصول فقهية معينة، وقواعد ثابتة، وطرق استنباط خاصة في تلك الفروع، وإن لم يعثر على تلك الأصول والطرق منصوصا عليها عنه. إلا أن أكثرها عرفت باستقراء كثير من فروعه الفقهية من خلال كتبه وشروحها. فقد كان عالما بالكتاب ووجوهه، لأنه المصدر الأصلي في التشريع الإسلامي. وبالحديث المصدر الثاني بعد الكتاب. ويرجع الفضل بعد الله تعالى إلى محمد في نشر فقه أبي حنيفة بين الناس. (3) وانتهت رئاسة الفقه بالعراق إليه بعد الإمام أبي يوسف (4).
وكان غزير العلم، فقد روى الصيمري في وصفه: "أن منزلته في كثرة الرواية والرأي
(1) "الأنساب" للسمعاني 7/ 435.
(2) المصدر السابق.
(3) انظر: تاج التراجم ص 237، الأعلام للزركلي 6/ 80، الفوائد البهية ص: 163.
(4) مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه للذهبي ص 79.
الجزء 1 · صفحة 49
49)
والتصنيف لفنون علوم الحلال والحرام منزلة رفيعة يعظمه أصحابه جدا". (1)
وحكي عن الإمام الشافعي أنه قال: "حملت عن محمد بن الحسن وقر بُختيّ كتبا" (2) أي حمل بعير ذكر. وقال "إني لأعرف الأستاذيّة عليّ لمالك، ثم لمحمد بن الحسن". وقال أيضًا: "ما سألت أحدا عن مسألة إلا تبين لي تغير وجهه إلا محمد بن الحسن" (3).
ومما لا شك فيه أن أوّلياته العلمية المتميزة، وسَبقه في تصنيف الفقه الإسلامي وتدوينِه من حيث سعة المسائل ودقّتها وغزارة مادتها وتنوع العلوم الفقهية، وسيادته في تخريج الفروع الفقهية على القواعد النحوية، وتأسيسه لعلم الفروق الفقهية، والاقتصاد الإسلامي والقانون الدولي الإسلامي يجعله حقيقا لأن يعدّ من أعظم رواد الفقه الإسلامي ونوابغه عبر التاريخ (4).
وفاته:
ولاه الخليفة هارون الرشيد منصب قاضي القضاة، حكاه الحافظ الذهبي قائلا: "ولي قضاء القضاة للرشيد، ونال من الجاه والحشمة ما لا مزيد عليه" (5)، وحمله معه الرّيّ (6) سنة
(1) أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص 120، وانظر مناقب أبي حنيفة للكردري 2/ 426.
(2) تهذيب الأسماء واللغات" للنووي ص 81، تاريخ بغداد 2/ 176، مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه للذهبي ص 81، أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص 123.
(3) "مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه" ص 81. و"أخبار أبي حنيفة وأصحابه" ص 123، 125.
(4) وقد كشف الأستاذ الدكتور علي أحمد الندوي عن مقامه الاجتهادي، وبيّن أوّلياته العلمية، ومكانته في علم الفروق الفقهية، وتضلّعه في علم اللغة والنحو، وريادته في علم الاقتصاد الإسلامي والقانون الدولي الإسلامي، وقدّم نماذج من اتجاهاته الفقهية المستقلة، وفصّله خير تفصيل في كتابه: "الإمام محمد بن الحسن الشيباني نابغة الفقه الإسلامي" فليرجع ص 150 - 222. كما تناوله بالتفصيل الأستاذ الدكتور محمد الدسوقي في الباب الرابع من كتابه "الإمام محمد بن الحسن الشيباني وأثره في الفقه الإسلامي". وانظر الكتاب الأول من سلسلة "أعلام الاقتصاد الإسلامي، للأستاذ شوقي أحمد دنيا.
(5) "مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه" ص 80.
(6) "الرّي" مدينة كبيرة من بلاد الجبل أو بلاد الديلم، والنسبة إليها الرازي على خلاف القياس "تقويم البلدان" ص 420.
الجزء 1 · صفحة 50
50)
189 هـ، وكان بصحبه في رحلته إمامان عظيمان: أبو الحسن علي بن الكسائي النحوي، والإمام محمد بن الحسن الشيباني، فماتا بالريّ فقال الرشيد: دفنت الفقه والنحو بالريّ (1).
ونقل الذهبي عن تلميذه هشام الرازي - الذي توفي محمد بن الحسن في بيته - قصة وفاته فقال: "حضرت محمدا وهو يموت فبكى، فقلت له: أتبكي مع العلم؟ فقال لي: أرأيت إن أوقفني الله تعالى فقال: ما أقدمك الريّ الجهاد في سبيلي أم ابتغاء مرضاتي؟ فماذا أقول؟ ثم مات ?" (2).
(1) "أخبار أبي حنيفة وأصحابه" ص 126.
(2) "مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه" ص 49.
الجزء 1 · صفحة 51
51)
مؤلفات الإمام محمد
إن كتب الإمام محمد ? تمثل المصادر الأولية الأساسية التي يعول عليها في المذهب الحنفي.
قال العلامة محمد أبو زهرة ?: "إن فقه أبي حنيفة خاصة، وفقه العراقيين عامة مدين لمحمد بن الحسن بكتبه، فهي التي حفظته وأبقته للأخلاف مرجعًا يرجع إليه، ومنهلًا يستقى منه" (1).
وكتب الإمام محمد الفقهية ليست كلها في درجة واحدة من حيث الثقة بها، بل يقسمها العلماء من هذه الناحية على قسمين:
القسم الأول: كتب ظاهر الرواية، هي المبسوط والسير الصغير والسير الكبير والجامع الصغير. والجامع الكبير والزيادات وزيادات الزيادات، وتسمى "الأصول" وسميت بظاهر الزواية لأنها رويت عن محمد برواية الثقات، فهي ثابتة عنه، إما متواترة أو مشهورة (2).
والقسم الثاني: كتب الإمام محمد في الفقه لم ترو عنه برواية مشهورة وتسمى "النوادر" أو "غير ظاهر الرواية" لورود تلك الكتب بطريق الآحاد دون الشهرة والتواتر. منها: "الرقيات" و"الكيسانيات" ويقال لها "الأمالي" و"الهارونيات" و "الجرجانيات" و "كتاب النوادر" و "كتاب الكسب" وغيرها (3).
وهناك ثلاثة كتب أخرى من مؤلفات الإمام محمد يمكن إلحاقها بالقسم الأول
(1) "أبو حنيفة، حياته وعصره، آراؤه وفقهه" لأبي زهرة ص 219.
(2) انظر "شرح عقود رسم المفتي" لابن عابدين، ص 19.
(3) انظر: "بلوغ الأماني" ص 64.
الجزء 1 · صفحة 52
52)
لشهرتها وأهميتها والاعتماد عليها، وهي: "موطّأ الإمام محمد" في الحديث، و "كتاب الآثار" في الحديث، و "كتاب الحجة على أهل المدينة" في الحديث والفقه المقارن (1).
والقسم الأول هو عماد النقل والمرجع الأساسي والمعول عليه في الفقه الحنفي، ولذلك عني الفقهاء به من القديم. لذا أكتفي هنا ببيان كتب ظاهر الرواية فقط.
1 - "كتاب الأصل" المعروف بالمبسوط للإمام محمد:
روي هذا الكتاب من تلاميذه بطرق عديدة، ومن أشهرها روايةُ أبي سليمان الجوزجاني (2)، وهي التي انتشرت وأصبحت متداولة بين أهل العلم (3).
سلك الإمام محمد بن الحسن في تصنيف "المبسوط" مسلك أخذ المواضيع الفقهيه موضوعا موضوعا مستقلا، كل موضع منها مستقل عن الآخر، واعتبر كل موضوع من تلك المواضيع وحدة جامعة للمسائل المتفرعة منه، فأصدر كتبا كتبا بحسب الموضوعات الفقهية: الصلاة، والزكاة، والمناسك، والصرف والرهن والشفعة، والوكالة، والإقرار، ونحو ذلك إلى عامة أبواب الفقه، كما أوردها ابن النديم في الفهرست.
ولما جمعت تلك الكتب وضم بعضها إلى بعض تكونت منها مجموعة تصانيف، محتوية على أبواب الفقه بتفاريعها وتفاصيلها فأطلق على تلك المجموعة الكاملة اسم شامل لمجموعها: هو اسم "المبسوط" (4).
(1) انظر: "الإمام محمد بن الحسن الشيباني نابغة الفقه الإسلامي" للدكتور علي أحمد الندوي ص 142 - 144.
(2) تقدم ترجمته في تلاميذ الإمام محمد.
(3) انظر: "عمدة ذوي البصائر شرح الأشباه والنظائر" لابن بيري، إبراهيم بن حسن ق 4/ ب، رسم المفتي 1/ 26.
(4) وجدير بالذكر أن القدر المطبوع من كتاب الأصل لا يبلغ أكثر من عُشريي الكتاب، أما الباقي فلا يزال مخطوطا غير متناول لأهل العلم، وما نشر إلى الآن من تحقيق الشيخ أبي الوفاء الأفغاني وتحقيق الدكتور مجيد خدوري هو ستة عشر كتب فقهية نقط، المطبوعة في خمسة أجزاء، وإن كتاب الأصل يحتوي على 53 كتب فقهية، عدّها الشيخ أبو الوفاء الأفغاني في مقدمته نقلا عن =
الجزء 1 · صفحة 53
53)
ولذلك فإن الفقهاء يذكرونه بهذين الاعتبارين؛ فمرة يعتبرونه كتابا واحدًا، وأخرى يعتبرونه جملة كتب فيقولون: قال محمد في كتاب العارية أو قال محمد في كتاب الوديعة، ويعنون بذلك كتابا من مجموعة كتب المبسوط. وهذا ما درج عليه الإمام قاضي خان في كتابه "شرح الزيادات".
أما منهج الكتاب الذي سار عليه الإمام محمد فأفصحه في فاتحة الكتاب قائلا: "قد بينت لكم قول أبي حنيفة وأبي يوسف وقولي، وما لم يكن خلاف فهو قولنا جميعا" (1). فذلك دأبه في الكتاب حيث يسرد الفروع على مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف مع بيان رأيه في المسائل.
ومن أبرز مزاياه أنه يتناول المسائل الفقهية بأسلوب رائع مع الجزالة والسهولة في التعبير، ويدعمها بالأدلة في كثير من المسائل، ولا يسرد الأدلة إذا كانت الأحاديث والآثار الدالة على المسائل في متناول جمهور الفقهاء، إنما يسردها في مسائل تغرب أدلتها على أكثرهم.
وهذا أوسع كتب الإمام محمد وأغزرها مادة، واهتم ببيان الفرق بين المسائل المتشابهة ظاهرًا والمختلفة باطنا، لاتحاد المناط أو اختلافه.
2 - "الجامع الصغير:
ويروى في سبب تأليفه أن الإمام أبا يوسف طلب من الإمام محمد أن يجمع له كتابًا يرويه عنه عن أبي حنيفة، فجمعه له، ثم عرضه عليه، فأعجبه (2).
وقال العلامة عبد الحي اللكنوي (1304 هـ) نقلًا عن الإمام قاضيخان (592 هـ): "اختلفوا في مصنف "الجامع الصغير"، قال بعضهم: من تأليف أبي يوسف ومحمد؛ وقال بعضهم: هو من تأليف محمد، فإنه حين فرغ من تصنيفه "المبسوط"، أمره أبو يوسف أن
= "الفهرست" لابن نديم.
(1) مقدمة "كتاب الأصل" 1/ 2.
(2) انظر: "رسم المفتي" لابن عابدين 1/ 19.
الجزء 1 · صفحة 54
54)
يصنف كتابًا ويروي عنه، فصنّف، ولم يرتب، وإنَّما رتّبه أبو عبد الله الحسن بن أحمد الزعفراني الفقيه الحنفي (1). ثم عدَّل الإمام أبو طاهر الدباس أحد أقران الإمام الكرخي في ترتيب الكتاب مرّة أخرى" (2).
ومما يدل على عظم شأن هذا الكتاب أن الإمام أبا يوسف كان لا يفارقه في حضر ولا سفر (3).
وأشاد فقهاء المذهب بفضله كثيرًا، فقالوا: "مشايخنا كانوا يعظّمون هذا الكتاب تعظيمًا، ويقدّمونه على سائر الكتب، وكانوا يقولون: لا ينبغي لأحد أن يتقلَّد القضاء ما لم يحفظ مسائل هذا الكتاب" (4).
ونظرًا لأهمية الكتاب تبارت في شرحه أقلام فقهاء المذهب عبر القرون، فوفدت إلينا شروح كثيرة، إذ بلغ عددها أربعين شرحًا. وقد استقصى العلامة عبد الحي اللكنوي ذكر شراحه (5)، وجلّهم جهابذة المذهب، ومنهم الإمام قاضي خان ?.
3 - "الجامع الكبير":
(1) وبسط اللكنوي ترجمته في "كتائب أعلام الأخيار"، برقم 201، ومما أورده قوله: "كان شيخًا إمامًا في الفقه، ثقة، رتب الجامع الصغير الذي صنفه الإمام محمد بن الحسن الشيباني، ترتيبًا حسنًا، وميّز خواص مسائل محمد عما رواه عن أبي يوسف، وجمعها على أحسن ترتيب، وألطف نظام، وجعله مبوبًا، ولم يكن الجامع الصغير قبل مبوبًا بترتيب المسائل".
وجاء في "كشف الظنون" أن المترجم توفي سنة عشر وستمائة تقريبا، حاشية المحقق: الدكتور محمد عبد الفتاح الحلو، "الجواهر المضية في طبقات الحنفية" 2/ 46، برقم 434، وانظر "النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير" ص 22.
(2) انظر: "بلوغ الأماني" ص 62.
(3) المصدر نفسه ص 23.
(4) "شرح الجامع الصغير" ق 1، لحسام الدين عمر بن عبد العزيز البخاري، نسخة مصورة عن مكتبة أحمد الثالث باستنبول، محفوظة بمركز البحث العلمي جامعة أم القرى مكة المكرمة برقم 51.
(5) انظر: "النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير" ص 33 - 45.
الجزء 1 · صفحة 55
55)
"الجامع الكبير" من أهمّ مصنفات الإمام محمد وأعمقها وأدقّها فقها، ويعتبر من أجلّ كتب ظاهر الرواية لاحتوائه على مسائل عَويصة وفروق فقهية دقيقة، وهذا الكتاب يمثل ظاهرة التعليل وضبط الفروع بالأصول خير تمثيل، وكان يحتار في فهمه كبار العلماء، ولذا كان يعدّ معيارا لدى الفقهاء يختبر به تفاوت مداركهم ومبلغ يقظتهم في الفقه. يقول الإمام السرخسي ?: "من أراد امتحان المتبحرين في الفقه، فعليه بأيمان الجامع" (1).
وروى ابن أبي العوام بسنده عن الأخفش ثناء بالغا في حق هذا الكتاب (2).
وقال عنه ابن شجاع: "لم يؤلف في الإسلام مثله في الفقه" (3).
وقال عنه الإمام أبو بكر الرازي في شرحه للجامع الكبير: كنت أقرأ بعض مسائل من الجامع الكبير على بعض المبرزين في النحو (يعني أبا علي الفارسي) فكان يتعجب من تغلغل واضع الكتاب في النحو (4).
وروى الجامع الكبير جماعة من أصحاب الإمام محمد، ومن أشهر رواة الكتاب: أبو سليمان الجوزجاني، وأبو حفص الكبير، وعلي بن معبد بن شدّاد، وهشام بن عبيد الله الرازي، ومحمد بن سَماعة التميمي.
وصنف الإمام محمد الجامع الكبير مرتين: صنفه أولا فرواه عنه أصحابه، ثم أعاد النظر فيه ثانيا، فزاد فيه أبوابا ومسائل كثيرة، وصاغ عباراته في كثير من المواضع حتى صار أحسن لفظا وأغزر معنى، فرواه عنه أصحابه ثانيا (5).
ونظرا إلى صعوبة الكتاب ودقته شرحه عشرات من الأئمة المتقدمين والمتأخرين،
(1) شرح السير الكبير 1/ 252.
(2) انظر مقدمة "الجامع الكبير" ص 2 للأستاذ أبي الوفاء الأفغاني.
(3) انظر: "بلوغ الأماني" ص 63.
(4) انظر: "بلوغ الأماني" ص 63.
(5) انظر "أبو حنيفة، حياته وعصره، آراؤه وفقهه" لأبي زهرة ص 238.
الجزء 1 · صفحة 56
56)
منهم الإمام الطحاوي والكرخي والجصاص الرازي والبزدوي والسرخسي وقاضي خان وغيرهم ولم تزل تلك الشروح مخطوطات محفوظة في خزانات العالم (1).
4 - "السير الصغير":
وهو أول كتاب ألّف في علم القانون الدولي ككتاب مستقل وصل إلينا (2).
وهذا الكتاب يرويه محمد عن شيخه أبي حنيفة، يقول محقق الكتاب في تقديمه: يبدو كأن هذا الكتاب (أي السير الصغير) عبارة عن تلخيص ما ورد في كتاب أستاذه الإمام أبى حنيفه في علم السير الذي أملاه على تلامذته وأصحابه، ويجدر بالذكر منهم الإمام أبو يوسف والإمام محمد بن الحسن الشيباني والإمام زفر وأبو إسحاق الفزاري وغيرهم، فرووا عنه هذا الكتاب، وزادوا، ورتّبوه بترتيبات مختلفة وهذّبوه حتى نسبت هذه الترتيبات الجديدة كلها إلى أصحابها، ولم يصل إلينا منها إلا كتاب الشيباني بكامله وبعض الأجزاء من كتاب أبى إسحاق الفزاري (3).
وهذا الكتاب هو الذي أودعه بكامله الحاكم الشهيد الإمام أبو الفضل محمد بن محمد المروزي في كتابه "المختصر" المعروف بالكافي في فروع الحنفية، الذي لخّص كتب ظاهر الرواية، وشرحه الإمام السرخسي في المبسوط.
5 - "السير الكبير":
هذا الكتاب آخر تصنيف صنّفه الإمام محمد من كتب ظاهر الرواية (4)، يقول الفقيه
(1) وقد أجاد وفصّل الدكتور علي أحمد الندوي في التعريف بهذا الكتاب وبيان خصائصه ومزاياه فيرجع "الإمام محمد بن الحسن الشيباني نابغة الفقه الإسلامي" ص 94 - 132.
(2) وحقّقه أستاذنا الفاضل الدكتور محمود أحمد غازي على إحدى عشرة نسخة خطية، وقدّم له بدراسة وافية في اللغة الانكليزية، كما ترجمه إلى اللغة الانكليزية. ونشره مجمع البحوث الإسلامية، الجامعة الإسلامية العالمية إسلام آباد 1998.
(3) "كتاب السير الصغير" بتحقيق الأستاذ الدكتور محمود أحمد غازي صفحة: (و).
(4) انظر: "شرح السير الكبير" للسرخسي 1/ 1.
الجزء 1 · صفحة 57
57)
ابن بيري: "إذا كانت الواقعة مختلفًا فيها، فالأفضل والمختار للمجتهد أن يأخذ بالدلائل، وينظر إلى الراجح عنده، والمقلّد يأخذ بالتصنيف الأخير وهو "السير" (1).
وقد احتفى الرشيد بهذا الكتاب جدًّا، وأسمعه ابنيه الأمين والمأمون (2).
وهذا الكتاب من جملة الكتب التي تبرز فيها شخصية الإمام محمد محدّثًا وراويةً فنراه يوثّق كلّ قول بنصوص وآثار.
ومن الموضوعات التي اعتنى بها كثيرًا في هذا الكتاب موضوع "الأمان"، فقد عقد بابًا مفصلًا، وأفاض في بحثه، وبنى مسائله على أصول فقهية ونحوية مهمة. ولذلك نوّه الإمام السرخسي بهذا الجانب في شرح الكتاب، فقال: "اعلم بأن أدق مسائل هذا الكتاب وألطفها في أبواب الأمان، فقد جمع بين دقائق علم النحو ودقائق أصول الفقه .... وقيل: ... من أراد امتحان المتبحرين في النحو والفقه فعليه بأمان السير" (3).
كما تعرّض الشيباني لموضوع السير في آخر كتاب الزيادات أيضا.
وكان من منهج الإمام السرخسي في شرحه أنه يغض النظر عن ذكر المسائل التي سبق بيانها في "شرح الزيادات" (4) له، أو المبسوط (5)، ولذلك لما وصل إلى "باب ما يكره في التفريق بين الرقيق في البيع"، اكتفى بقوله: "قد مر هذا الباب في "الزيادات" على هذا النظم والترتيب" (6).
وقال في "باب الأسير والمفقود وما يصنع بما لهما" .... "اعلم بأن أكثر مسائل هذا
(1) "عمدة ذوي البصائر على الأشباه والنظائر" لابن بيري ص/ 3 ب.
(2) "بلوغ الأماني" ص 64.
(3) "شرح السير الكبير" للسرخسي 1/ 253، باب أمان الحر المسلم والصبي والمرأة والعبد والذمي.
(4) أشار السرخسي إلى كتابه "شرح الزيادات" في مواضع من كتابه المبسوط انظر 8/ 122، 21/ 36، 23/ 85، 25/ 147.
(5) انظر "الجزء العاشر من المبسوط" من ص 2 - 144.
(6) "شرح السير الكبير" 5/ 20755.
الجزء 1 · صفحة 58
58)
الباب قد بيناها في "شرح المختصر" في كتاب المفقود، وإنما نذكر ههنا ما لم نبينه ثمة" (1).
تبين من هذين النصين أن الإمام السرخسي ? حرص كلّ الحرص على أن يتحاشى عن التكرار ويضيف في أثناء الشرح بحوثًا ومسائل جديدة لم ينبه إليها في "شرح الزيادات" والمبسوط.
والملحوظ أنه لم يصل إلينا متن الكتاب المذكور بنصه المنقول من الراويين، والذي بين أيدينا هو ما أملاه الإمام السرخسي مع شرحه المذكور.
وقد شرحه الإمام أبو الحسن علي بن الحسين السعدي (461 هـ) صاحب النتف في الفتاوى كما نص على ذلك الإمام قاضيخان في مواضع من فتاواه (2).
6 - "الزيادات":
وهذا الكتاب الذي نحن بصدد إحيائه وتحقيقه متضمنا في "شرح الزيادات" للإمام قاضي خان، وقد أفردت له مبحثا مستقلا في الفصل الثالث.
7 - "زيادات الزيادت":
ألفه بعد إملائه الزيادات على الجامع الكبير استدراكا لما فاته من المسائل. وهو كتاب وجيز يحتوي على سبعة أبواب وهي:
1 - باب طلاق السنة يقع بالوكالة وبالجعل وغيره.
2 - باب من الطلاق والعتاق في الصحة والمرض.
3 - باب قسمة الكيلي من الصنفين بعضه شراء ببعض.
4 - باب من المورايث التي تكون فيها وصية فتبطل الميراث.
5 - باب شراء الرجل ابنه بابنه وهما عبدان وغير ذلك.
6 - باب الولد يكون بين الرجلين الكافرين أحدهما تغلبي والآخر ليس بتغلبي.
7 - باب من صلاة التطوع التي تستقيم أن تكون بإمام أو لا تستقيم.
(1) المصدر نفسه 5/ 1901.
(2) "فتاوى قاضي خان" مطبوع على هامش الفتاوى الهندية 1/ 332.
الجزء 1 · صفحة 59
59)
وقد شرحه شمس الأئمة السرخسي، وسمّاه "النكت"، كما شرحه الإمام العتّابي، وقد طبع الكتاب ممزوجا مع هذين الشرحين باهتمام الأستاذ الشيخ أبي الوفاء الأفغاني في حيدر آباد، سنة 1378 هـ.
أسانيد كتب الإمام محمد:
ومما تجدر الإشارة إليه أن كتب الإمام محمد بن الحسن تتميّز بكونها مروية بأسانيدها، فتذكر في غالب الأثبات والمعاجم على اختلاف القرون أسانيد كثيرة من كتب محمد بن الحسن، منها الآثار والمسند والموطأ والأصول الستة له.
وكان العلامة الجمال الحصيرى تلميذ قاضي خان انفرد في عصره بروايتها سماعا بعلو عن الحسن بن منصور الأوزجندي، عن الظهير الحسن المرغيناني عن عمه أبي القاسم محمد بن عبد العزيز عن شمس الأئمة السرخسي بأسانيده المروية في الكتب الستة وعن الحصيري يرويها الصدر سليمان الأذرعي وعنه الشمس السروجي وعنه القطب عبد الكريم الحلبي وعنه عبد القادر القرشي وعنه القاض الزين المراغي وعنه يحيى بن محمد الآقصرائي وعنه البرهان الكركي وعنه السراج الحانوتي وعنه ابنه محمد وعنه الخير الرملي.
قال العلامة الكوثري بعد أن ساق هذا السند: "وأسانيد مشايخنا إليه مدونة في الأثبات، لكن لا بأس في أن نشير هنا إلى أسانيدنا في كتب محمد بن الحسن المذكورة ... ثم ذكر سنده مفصلا إليه (1).
وذكره الحافظ القُرشي في ترجمة أحمد بني إبراهيم بن عبد الغني بن أبي إسحاق، السروجي (2).
(1) انظر "بلوغ الأماني" ص 67 - 68.
(2) "الجواهر المضية" 1/ 125 - 126.
الجزء 1 · صفحة 60
60)
الفصل الثاني ترجمة الإمام فخر الدين قاضي خان صاحب شرح الزيادات
1 - اسمه ونسبه ونسبته
2 - كنيته ولقبه وشهرته
3 - مولده وموطنه ووفاته
4 - أسرته ونشأته
5 - عصر الإمام قاضي خان
6 - مشايخه
7 - تلامذته
8 - سند الإمام قاضي خان في الفقه
9 - منزلة قاضي خان بين الفقهاء الحنفية وثناء العلماء عليه
10 - تصحيح قاضي خان معتمد ومقدم
الجزء 1 · صفحة 61
61)
الفصل الثاني ترجمة الإمام قاضي خان
اسمه ونسبه ونسبته:
هو الإمام حسن، بن منصور، بن شمس الأئمة محمود، بن عبد العزيز، بن عبد الرزاق، بن أبي نصر، بن جعفر، بن سليمان (1)، الملقّب بفخر الدين، المعروف بقاضي خان، الأوزجندي، الفرغاني، البخاري.
كنيته ولقبه وشهرته:
كنيته: "أبو المفاخر، أو "أبو المحاسن" (2).
لقبه: "فخر الدين"، و "قاضي خان"، يكاد يتفق أهل التراجم على ذلك، فترجم له كمال الدين بن الفوطي في الملقبين بفخر الدين (3).
أما لقبه المعروف "قاضي خان" فهو مما انفرد به واشتهر، حتى غلب على اسمه هذا اللقب، فصار معروفا به عند عامة الفقهاء وأصحاب التراجم، قديما وحديثا، يذكرونه دائما بهذا اللقب، وذكره القرشي في كتاب الألقاب من "الجواهر المضية" (4)، وكذلك
(1) إن معظم أصحاب التراجم اكتفوا عند ذكر نسبه على: "حسن بن منصور بن محمود بن عبد العزيز" فقط، وما أكملته فذلك بعد التتبع في نسب أجداده في كتب التراجم.
(2) "تلخيص مجمع الأداب" لابن الفوطي 2/ 153، "الطبقات السنية"، رقم الترجمة 2420، "مفتاح السعادة" لطاش كبري زاده 2/ 278، "معجم المؤلفين" رقم الترجمة 4470، 1/ 594.
(3) "تلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب" لكمال الدين أبي الفضل عبد الرزاق بن تاج الدين أحمد المعروف بابن الفوطي الشيباني الحنبلي، (642 هـ - 723 هـ) 2/ 153.
(4) "الجواهر المضية" 4/ 425.
الجزء 1 · صفحة 62
62)
اللكنوي في الخاتمة/ الفصل الأول في تعيين المبهمات (1).
وبما أن لقبه هذا غلَب على اسمه الحقيقي، لذا نسبت إليه فتاواه الشهيرة، فاشتهرت باسم: "فتاوى قاضي خان" و "الفتاوى الخانية"، ثم غلب على بعض المتأخرين من الفقهاء اختصار اسم هذا الكتاب، فيذكرون عند إحالاتهم إليه: "وفي قاضي خان" أو: "وفي الخانية" (2).
ثم إنه لم يفصح المؤرّخون عن وجه شهرته بهذا اللقب، إلا أن الظاهر أن سبب شهرته هو توليته منصبَ القضاء، حتى أصبح "قاضى القضاة" (3)، كما يشعر إليه كلام تلميذه الجليل الإمام الحَصيري، وكلام ابن الفوطي، وسوف أتحدث عنه فيما بعد.
مولده وموطنه ووفاته:
مولده:
لم يتطرق المؤرخون وأصحاب التراجم إلى ذكر تاريخ ميلاده، إلا أنه يُستوحى من تاريخ وفيات مشايخه أن ولادته كان في العقد الثاني من القرن السادس، حيث إنه تفقه على شيخه إبراهيم الصفَّار وهو من أقدم شيوخه، وقد كانت وفاة الصفار المذكور سنة
(1) "الفوائد البهية" ص 238.
(2) نجد أمثلة على ذلك بكثرة في "حاشية ابن عابدين" و"الفتاوى التتارخانية" و "الفتاوى الهندية" وغيرها من كتب الفتاوى والشروح.
(3) "القاضي": اسم لوظيفة إلا أنه استعمل كلقب فخري في أواخر العصر الفاطمي وعصر الأيوبيين والمماليك، حين كان يطلق على العلماء وموظفي الدولة عمومًا سواء كانوا متصدرين لوظيفة القضاء أم لغيرها، وجرى عرف العامة على ذلك، وأول من عرف بهذا اللقب سلمان بن ربيعة الباهلي، وهو أول قاض بالكوفة استقضاه عمر بن الخطاب، وأبو أمية شريح بن الحارث القاضي، وأبو يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي صاحب أبي حنيفة، وهو أول من سمي "قاضي القضاة". انظر "الألقاب الإسلامية في التاريخ والوثائق والآثار" دكتور حسن الباشا 1997، مكتبة النهضة المصرية ص 424. "اللباب في تهذيب الأنساب" لعز الدين بن الأثير الجزري" 3/ 8.
الجزء 1 · صفحة 63
63)
534 هـ (1)، فلو فرضنا أن قاضيخان حين تتلمذه على الصفَّار كان عمره في حدود العشرين - وهو الغالب - لوصلنا إلى نتيجة أن ميلاده كان في العقد الثاني - والله أعلم.
موطِنه:
ولد الإمام قاضي خان في أوزجند، وإليه ينسب الأوزْجَنديّ: نسبة إلى أوزْجَند، بالضم والواو والزاي ساكنان، ويقال: الأوزكندي، نسبة إلى أوزكند، بلد بما وراء النهر من نواحي فَرغانة، وهي آخر مدن فرغانة، و "كند" معناه القرية بلغة أهل تلك البلاد، كما يقول أهل الشام: "الكَفْر" (2).
الفَرْغَاني: بفتح الفاء وسكون الراء وفتح الغين المعجمة، هذه النسبة إلى موضعين أحدهما: إلى فرغانة، وهي ولاية وراء الشاش من بلاد المشرق، وراء نهر جيحون وسيحون (3).
والثاني إلى فرغان. قرية من قرى فارس، ينسب إليها أبو الفتح محمد بن إسماعيل الفارسي الفَرغاني (4).
والإمام قاضي خان من فَرغانة الأولى، وهي الآن أهمّ مقاطعة في الجمهورية الإسلامية أوزبيكستان، وكانت فرغانة مسقط رأس العلماء الأجلاء في الإسلام، ينسب إليها كثير من العلماء (5).
(1) "الفوائد البهية" ص 7، ويأتي ترجمة إبراهم الصفار عند ذكر مشايخ قاضي خان.
(2) "معجم البلدان" 1/ 280.
(3) جيحون وسيحون: نهران عظيمان يسمّيان اليوم "أموداريا" و "سرداريا"، ومنابعهما من أواسط آسيا، وطولهما على الترتيب 1850 كم و 2700 كم، وترفدهما أنهار كثيرة، ومعظم مجراهما في أراضي الاتحاد السوفياتي، ويصبّان في بحيرة خوارزم التي تسمى اليوم "بحر آرال". انظر معجم البلدان، وبلدان الخلافة الشرقية ص: 477، 516، 521.
(4) "اللباب في تهذيب الأنساب" لعز الدين بن الأثير الجزري، 2/ 422.
(5) مثل أحمد بن كثير الفرغاني، عاش في عهد الخليفة المتوكل 247 هـ، وله أثر خالد في علم الهيئة. ومنهم أبو جعفر بن محمد بن عبد الله الفرغاني الصوفي نزل بغداد، وصَحب الجنيد. =
الجزء 1 · صفحة 64
64)
وفاته:
قال الإمام الذهبي: "بقي إلى سنة تسع وثمانين وخمس مائة، فإنه أملى في هذا العام" (1)، وترجم له الذهبي في المتوفين على التقريب من أهل الطبقة التاسعة والخمسين من "تاريخ الإسلام" (2)، إلا أن عامة المترجمين له من أبي الوفاء القرشي، وتقي الدين التميمي، وابن العماد الحنبلي، والكفوي، واللكنوي اتفقوا على أنه توفي سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة من الهجرة، وأضاف القرشي والتميمي أنه توفي ليلة الإثنين، خامس عشر من شهر رمضان المبارك، ودُفن عند القضاة السبعة (3).
أسرته ونشأته:
نشأ الإمام قاضي خان ببخارى (4) التي كانت "مجمع الفقهاء ومعدن الفضلاء" (5)، ومركزهم العلمي، وكانت مكتظّة بفطاحل العلماء وجهابذتهم، (كما يتبين من أسماء بعض علماء منطقة بخارى في تلك الفترة الزمنية ذكرتها تحت عنوان: "عصر الإمام قاضي خان)، وقد ذكر بعض المؤرخين أن هذه المدينة الواسعة كان "المسجد الجامع بها معدوم
= انظر بقية علماء فرغانة في "الأنساب" للسمعاني 4/ 367، 368. و "اللباب في تهذيب الأنساب" لعز الدين بن الأثير الجزري، 2/ 422. و "تاريخ بخارى" لأبي بكر محمد بن جعفر النرشخي 348 هـ عرّبه عن الفارسية وحقّقه الدكتور أمين عبد المجيد بدوي، ص 28.
(1) "سير أعلام النبلاء" 21/ 232.
(2) "تاريخ الإسلام" 40/ 398.
(3) انظر "الجواهر المضية" برقم 486، 2/ 95 و "الطبقات السنية" برقم 725، 3/ 117، و "الفوائد البهية" ص 65، "كتائب أعلام الأخيار" للكفوي برقم 381، "شذرات الذهب" للمؤرخ الفقيه ابن العماد الحبلي 4/ 308، "تاج التراجم" لقاسم بن قطلوبغا، برقم 89، ص 82.
(4) بخارى: من أعظم مدن ما وراء النهر وأجلّها، افتتحها سعيد بن عثمان بن عفّان في أيام معاوية ?، وكانت مجمع الفقهاء، ومعدَن الفضلاء، ومنشأ علوم النظر. انظر: "معجم البلدان" لياقوت الحموي 1/ 353.
(5) "آثار البلاد وأخبار العباد" للقزويني، ص 510 دار صادر.
الجزء 1 · صفحة 65
65)
المثال، كثير الاحتفال" (1).
ولكن مما يؤسف له أن المؤرخين له لم يبسطوا القول عن نشأته وتلقيه العلم، رغم أنه تربّى، في أسرة علميّة عريقة، عرفت بالعلم والفقه والقضاء، فأبوه كان عالما وقاضيا (2).
أما جدّه شمس الأئمة محمود بن عبد العزيز، وعمّه الحسين بن علي ظهير الدين المرغيناني، فكانا عَلَمين بارزين في قائمة مشايخه، وكذلك جدّ أبيه كان من كبار الفقهاء، وفيما يلي أذكر باختصار بعض فقهاء أسرته الكبار:
1 - عبد العزيز بن عبد الرزاق، بن أبي نصر بن جعفر بن سليمان، الإمام، المرغيناني، (والد جدّ قاضي خان) روى عنه أولاده (3).
ونقل القرشي عن أبي سعد قال: كان له ست بنين، كلهم يصلح للفتوى والتدريس، فإذا خرج مع أولاده، قالوا: سبعة من المفتين خرجوا من دار واحدة.
مات بمرغينان سنة سبع وسبعين وأربعمائة، وقال الكفوي: وأشهر أبنائه أبو الحسن ظهير الدين على بن عبد العزيز، وشمس الأئمة محمود الأوزجندي، وأشار اللكنوي إلى هذه الأسرة العلمية قائلا: "يأتي ذكر ابنه عن قريب، وابنه محمود الأوزجندي جد قاضي خان حسن بن منصور بن محمود في حرف الميم إن شاء الله تعالى (4).
2 - محمود بن عبد العزيز بن عبد الرزاق، الملقب بشمس الأئمة، الأوزجندي، جد قاضي خان وشيخه، تفقه على الإمام السرخسي.
ترجمَ له الكفوي في "كتائب أعلام الأخيار" فقال: "شيخ الإسلام القاضي محمود بن عبد العزيز، الأوزجندي، جدّ الشيخ الإمام قاضي خان، كان من الفقهاء
(1) "الروض المعطار في خبر الأقطار" للحميري ص 82.
(2) وهذا ما يستوحى من كلام تلميذه الحَصيري في خاتمة "فتاوى قاضي خان" فذكر والد شيخه بالقاضي الإمام الأجل بدر الدين منصور ... 3/ 644.
(3) انظر ترجمته في "الجواهر المضية" برقم 826، و"الطبقات السنية" برقم 1248، و"الأنساب" 522، و"الفوائد البهية" ص 97.
(4) "الفوائد البهية" ص 97.
الجزء 1 · صفحة 66
66)
العظام، والفضلاء الفخام، كان يتصدّر للإفتاء وحلّ مشكلات الأنام فيما شجر بينهم من النزاع، تفقّه على الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي وأخذ عنه" (1).
3 - علي بن عبد العزيز بن عبد الرزاق، الإمام، المعروف بظهير الدين الكبير، أبو الحسن، المرغيناني، (أخ جدّ قاضي خان) تفقّه على أبيه عبد العزيز، وعلى السيد أبى شجاع محمد بن أحمد بن حمزة، وعلى بن برهان الدين الكبير عبد العزيز وغيرهم، وهو جد صاحب "الخلاصة" من جهة الأم، وتفقّه عليه ابنه أبو المحاسن ظهير الدين الحسن بن علي، وقوام الدين أحمد بن عبد الرشيد والد صاحب الخلاصة طاهر بن أحمد. وقال القرشي: هو أحد الإخوة الفضلاء الستة.
والتبس الأمر على كل من القرشي والقاري فذكرا أنه أستاذ فخر الدين قاضيخان، فتعقّب عليه الكفوي واللكنوي بأن أستاذ قاضى خان هو ظهير الدين الحسن بن علي بن عبد العزيز المرغيناني لا أبوه ظهير الدين الكبير. وهو الصحيح فإنه توفي سنة ست وخمسمائة (2).
4 - المعلّى بن عبد العزيز بن عبد الرزاق، "أحد الأخوة الفضلاء الستة" (3).
5 - الحسن بن علي ظهير الدين الكبير بن عبد العزيز بن عبد الرزاق، المرغيناني، الملقّب بظهير الدين، أبو المحاسن. شيخ قاضي خان.
كان فقيها محدّثا، نشر العلمَ إملاء وتصنيفا، ومن مصنفاته: "كتاب الأقضية" والشروط و "الفتاوى" و "الفوائد" وغير ذلك، تفقه على برهان الدين الكبير عبد العزيز بن
(1) انظر "كتائب أعلام الأخيار" لمحمود بن سليمان الكفوي المتوفي 990، ترجمة برقم 299، ص 300، مخطوط بدار الكتب المصرية تحت رقم 84 م. وانظر ترجمته في: "الجواهر المضية" برقم 1626، و"الطبقات السنية" برقم 2441، و "طبقات الفقهاء" لابن كمال باشا ص 33، و"الفوائد البهية" ص 209 و 242.
(2) انظر ترجمته في "الجراهر المضية" برقم 982، و "الطبقات السنية" برقم 1508، و"الفوائد البهية" ص 121 - 123، و "كتائب أعلام الأخيار" برقم 322، و"هدية العارفين" 1/ 694.
(3) ترجمته في "الجواهر المضية" برقم 1679، و "الطبقات السنية" برقم 2523.
الجزء 1 · صفحة 67
67)
عمر بن مازه، وعلى عمّه شمس الأئمة محمود الأوزجندي (جدّ قاضي خان)، وسوف يأتي ذكره في مشايخ قاضي خان.
وفي آخر ترجمته نوّه العلامة اللكنوي بهذه الأسرة النبيلة قائلا: "يأتى ذكر أبيه، وجده، وعمه محمود الأوزجندي، وابن ابن عمه قاضي خان حسن بن منصور بن محمود، وابن أخته طاهر صاحب خلاصة الفتاوى إن شاء الله تعالى (1).
6 - طاهر بن أحمد (2) بن عبد الرشيد بن الحسين، افتخار الدين، البخاري. تلميذ قاضي، خان وابن أخت عمّه.
صاحب "خلاصة الفتاوى" و "خزانة الواقعات" و"النصاب"، كان عديم النظير في زمانه، فريد أئمة الدهر، شيخ الحنفية بما وراء النهر، من أعلام المجتهدين في المسائل، يأتي ذكره في تلامذة قاضي خان.
عصر الإمام قاضي خان:
عاش الإمام قاضي خان ? في القرن السادس الهجري، حيث ولد بأوزجند، فرغانة قبل عام 518 هـ، وتوفي ببخاري عام 592 هـ، أي في أواخر عصر الدولة العباسية. الثانية التي سقطت عام 656 هـ بسقوط بغداد على يد التتار.
وقد كان هذا العصر عصر ضعف وانهيار للدولة العباسية، كثرت الفتن والاضطرابات، ونجمت بجانب الدولة العباسية عدة دول. قال ابن كثير: ولم تكن أيدي بني العباس حاكمة على جميع البلاد فإنه خرج عن بني العباس بلاد المغرب، وبلاد الشام في بعض الأخيان والحرمين في أزمان طويلة. وكذلك أخذت من أيديهم بلاد خراسان وما وراء النهر، وتداولتها الملوك دولا بعد دول حتى لم يبق مع الخليفة منهم إلا بغداد وبعض بلاد العراق؛ وذلك لضعف خلافتهم واشتغالهم بالشهوات وجمع الأموال في أكثر
(1) "الفوائد البهية" ص - 66.
(2) ذكره المولى ابن كمال باشا الرومي من طبقة المجتهدين في المسائل الذين يقدرون على الاجتهاد في المسائل التي لا رواية فيها من صاحب المذهب، ولا يقدرون على مخالفته في الفروع والأصول.
الجزء 1 · صفحة 68
68)
الأوقات" (1).
وعاصَر الإمام قاضي خان من خلفاء بني العباس:
1 - الفضل المسترشد بالله بن المستظهر (512 هـ - 529 هـ).
2 - المنصور الراشد بالله بن المسترشد (529 هـ - 530 هـ).
3 - المقتفي بأمر الله محمد بن المستظهر بالله (530 هـ - 555 هـ).
4 - المستنجد بالله أبو المظفر يوسف بن المقتفي (555 هـ - 566 هـ).
5 - المستضيء بأمر الله أبو محمد الحسن بن يوسف (566 هـ - 575 هـ).
6 - الناصر لدين الله العباس أحمد بن المستضيء (575 هـ - 622 هـ) (2).
وقد كانت القوة المسيطرة على الخلافة في أواخر الدولة العباسية دولة السلاجقة، وهم شعب من شعوب الترك يعرفون باسم العز، هاجروا إلى ما وراء النهر عام 375 هـ. وكان السلطان السلجوقي ملكشاه قد أعطى أنوشتكين - أحمد سقاه بلاطه بلد خوارزم، فبدأ أنوشتكين ملكه لخوارزم عام 470 هـ ثم تعاقب على هذا الملك أحفاده من بعده بإقرار من ملوك السلاجقة، وخضوع من ملوك خوارزم في أغلب الأحيان إلى أن بدأت الخلافات تنشب بينهما حيث طمع ملوك خوارزم في الاستقلال عن السلاجقة، والاستئثار بالسلطة على البلاد التي تحت أيديهم وأعلنوا ذلك، فقامت المعارك بينهما.
وقد كان في كل مدينة حاكم مَحليّ أو نائب من المسلمين يتولى إدارة الشؤون الداخلية والنواحي الدينية، ويقوم بدفع ضريبة للقر اخطائيين.
وكان الحكم المحلى الذي له المشورة في جميع الأمور في بخارى هو: تاج الدين أحمد بن عبد أحمد بن عمر بن مازة، وذلك بعد مقتل الصدر الشهيد، ثم كان الحاكم
(1) انظر: البداية والنهاية لابن كثير 13/ 205.
وبلاد ما وراء النهر يراد به ما وراء نهر جيحون من جهة الشرق، وما كان من جهة غرب النهر فهو خراسان وولاية خوارزم، وهي من أخصب البلاد. انظر: "معجم البلدان" لياقوت الحموي 5/ 45.
(2) ينظر: "البداية والنهاية" 12/ 211، 241، 262، 304، 13/ 106.
الجزء 1 · صفحة 69
69)
محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن محمد بن الصدر الشهيد عمر بن عبد العزيز البخاري الملقب بصدر جهان، وكان الحاكم بسمرقند السلطان عثمان بن إبراهيم بن حسين. (1)
ولا شك أن ضعف الخلافة العباسية، وعدم الاستقرار السياسي، وكثرة الحروب كان له الأثر الكبير على الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والعلمية في ذلك العصر، إلا أنه رغم الاضطراب السياسي وأحداث داخلية وخارجية كانت هناك حركات علمية ونهضة أدبية في بخارى وسمرقند وما جاورها من البلاد الإسلامية، ازدهرت فيها الحضارة والعلوم والآداب، يتمثل ذلك في التأليف والتدريس والقضاء والإفتاء وبناء المدارس الإسلامية والمكتبات العلمية في أنحاء العالم الإسلامي، ومن ذلك ما أسّسه الوزير السلجوقي نظام الملك الحسن بن علي الطوسي 485 هـ، من مدارس نظامية في المدن الإسلامية الكبرى (2).
أنجبَ هذا العصر علماء وفقهاء أفذاذا كانوا أئمّة في العلوم النقلية والعقلية، ووجد فيه أعلام من الفقهاء الذين كان لهم دور كبير في توضيح المذهب وتطويره وتهذيبه، لذلك أصبحت أقوالهم محل الاعتماد والتعويل في الذهب.
وفي هذه الفترة الزمنية التي عاشها الإمام قاضي خان بمدينة بخارى، وجدت بها وما جاورها طائفة من جهابذة العلماء: بعضهم من الطبقة الثالثة: طبقة المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب، وأكثرهم من الطبقة الرابعة: طبقة أصحاب التخريج، والخامسة: طبقة أصحاب الترجيح، وفيما يلي أذكر أشهر فقهاء الحنفية الذين عاصرهم قاضي خان في تلك المنطقة:
1 - ركن الإسلام أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل الزاهد المعروف بالصفار، المتوفى سنة (534 هـ) شيخ قاضي خان.
(1) انظر: الكامل 12/ 257، 258، دائرة المعارف الإسلامية 3/ 411، 602، أوضاع الدول الإسلامية في الشرق الإسلامي لسعيد بن محمد الغامدي/ 185/ 187.
(2) ينظر: "طبقات الشافعية الكبرى" للسبكي، 4/ 256، "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم" للمقدسي، ص 284، "مقدّمة ابن خلدون" 3/ 1225.
الجزء 1 · صفحة 70
70)
2 - صدر الشهيد عمر بن عبد العزيز بن مازة (536 هـ) صاحب "شرح أدب القاضي" للخصاف، أحد جهابذة المذهب.
3 - شمس الأئمة محمود بن عبد العزيز الأوزجندي، جد قاضي خان.
4 - الإمام طاهر بن أحمد بن عبد الرشيد البخاري، المتوفى سنة (542 هـ)، صاحب "خلاصة الفتاوى".
5 - أبو بكر علاء الدين محمد بن أحمد السمرقندي، المتوفى سنة (552 هـ). صاحب "تحفة الفقهاء".
6 - الإمام أبو بكر أحمد بن علي بن عبد العزيز، الظهير البلخي (553 هـ).
7 - قاضي القضاة عليّ بن أحمد بن قاضي القضاة أبي الحسن عليّ بن قاضي القضاة أبي عبد الله، الدامغاني، (583 هـ).
8 - زين الدين أبو نصر أحمد بن محمد بن عمر العتّابي، (586 هـ).
9 - ملك العلماء أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني (587 هـ) صاحب البدائع.
10 - علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني المرغيناني، (593 هـ) صاحب الهداية.
11 - برهان الدين محمود بن أحمد بن عبد العزيز بن عمر بن مازة 551 هـ - 616 هـ صاحب "المحيط البرهاني".
وغيرهم الذين كانوا نجوما ساطعة في سماء العلم، وكل واحد منهم يتبوّأ مركزا علميا مرموقا، وكان لهم أثر كبير في الأجيال من بعدهم في ازدهار العلم وتطور المذهب، وتميّز الإمام قاضي خان بينهم في تمكّنه في الاجتهاد والقضاء والإفتاء، ورسوخه في الفقه الحنفي.
الجزء 1 · صفحة 71
71)
مشايخه:
لقد سبق أن الإمام قاضي خان ترعرع في بيئة علمية وتربّى في أسرة عريقة في العلم والمعرفة، وأنه عاصر كبارا من جهابذة الفقهاء، فالتقى بهم واستفاد منهم، وإن المترجمين له لم يسجّلوا شيئا عن رحلاته العلمية، كما لم يفصّلوا أسماء شيوخه الذين روى عنهم التفسير والحديث والفقه وبقية العلوم، واكتفوا بذكر أربعة من مشايخه المشهورين، ومما لا شك أن عدد مشايخه أكبر من ذلك بكثير، تدل عليه مصنفاته العلمية وما دوّن فيها من آرائهم القيمة، وهذا ما ألمَعَ إليه الإمام الذهبي بقوله: "سمع الكثيرَ من الإمام ظهير الدين الحسن بن علي، ومن إبراهيم بن عثمان الصفاري وطائفة" (1)، وفيما يلي أسجّل نبذة يسيرة. في كبار مشايخه:
1 - إبراهيم بن إسماعيل الصفّار:
هو إبراهيم بن إسماعيل بن أحمد بن إسحاق بن شيث بن الحكم بن أقلد بن أبان بن عُقبة بن يزيد بن رؤبة بن حقانة بن وائل بن هُضَيم بن دينار بن ضُبَيعة بن نِزار بن مَعَدّ بن عدنان، الأنصاري الوائليّ، أبو إسحاق، ركن الإسلام؛ الزاهد، المعروف بالصفار (2).
من بيت علم وفضل، أبوه وجدّه وجدّ أبيه كلهم من أفاضل الحنفية، وهو تفقّه على والده، ذكر القرشي أنه ولد في حدود سنة ستين وأربعمائة، مات ببخارى في السادس والعشرين من ربيع الأول سنة 534 هـ.
وله تصانيف، منها: كتاب تلخيص الزاهدي، وكتاب السنة والجماعة.
وأخذ عنه جماعة، يقول تقي الدين التميمي الداري: واشتغل عليه الجمّ الغفير،
(1) "سير أعلام النبلاء" 21/ 232.
(2) ذكر السمعاني في "الأنساب" عند ذكر الصفّار أنه بفتح الصاد المهملة وتشديد الفاء، في آخره راء مهملة، يقال لمن يبيع الأواني الصفرية، ثم قال: من جملة المشتهرين به أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل الصفّار، المعروف بالزاهد الصفار. انظر "الأنساب" رقم الترجمة 353.
الجزء 1 · صفحة 72
72)
ومن جملتهم قاضي خان ?". وقال ابن الفوطي في ترجمة قاضي خان: "روى عن أبي إسحاق إبراهيم بن إسماعيل بن أبي نصر "الأنصاري البخاري" (1).
قال اللكنوي: كان إماما ورعا زاهدا مثل والده في قمع السلاطين وقهر الملوك، حمله السلطان سنجر بن ملك شاه إلى مَرْو، وأسكنه إياها.
وقال علي القاري في كتابه "الأثمار الجنية في طبقات الحنفية": إبراهيم بن إسماعيل بن أحمد بن إسحاق الأنصاري أبو إسحاق الفقيه، عُرف بالصفّار، تفقّه على والده، وسمع "الآثار للطحاوي" على والده، وكتاب "العالم والمتعلم" لأبى حنيفة على أبى يعقوب السيّارى، بتشديد التحتية بقراءة والده، و"السير الكبير" لمحمد على أبي حفص، و"كتاب الكشف" في مناقب أبي حنيفة، تصنيف عبد الله بن محمد بن يعقوب الحارثي على ولده، وكان من أهل بخارى موصوفا بالزهد والعلم، وكان لا يخاف في الله لومة لائم (2).
2 - شمس الأئمة محمود الأوزجندي، جد قاضي خان:
هو محمود بن عبد العزيز بن عبد الرزاق، الأوزجندي، القاضي، الملقب بشمس الأئمة (3)، جد قاضي خان وشيخه، ويلقب بـ "شيخ الإسلام" أيضا، كما ذكره القرشي
(1) "تلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب" لكمال الدين أبو الفضل عبد الرزاق بن تاج الدين المعروف بابن الفوطي الشيباني الحنبلي، 642 هـ - 723 هـ، 2/ 153.
(2) انظر ترجمته في "الجواهر المضية" برقم 11، "الطبقات السنية" برقم 22، "الفوائد البهية" ص 7، "كتائب أعلام الأخيار" برقم 317، "طبقات الفقهاء" لطاش كبري زاده ص 95، "الأنساب" للسمعاني 353، "التحبير في المعجم الكبير" 1/ 71.
(3) "شمس الأئمة" لقب جماعة من العلماء والفقهاء، مثل عبد العزيز الحلواني، ومحمد السرخسي، ومحمد بن عبد الستار الكَردَري، ومحمود الأوزجندي، وبكر بن محمد الرنجري، وعند الإطلاق في كتب أصحابنا هو شمس الأئمة السرخسي، وفيما عداه يطلق مفيدًا مع الاسم أو النسبة أو بهما، كشمس الأئمة الحلواني، وشمس الأئمة الكردري، وشمس الأئمة محمود الأوزجندي. نصّ عليه اللكنوي وعزاه إلى الكفوي. انظر "الفوائد البهية" ص 242.
الجزء 1 · صفحة 73
73)
والكفوي (1).
ترجمَ له الكفوي في "كتائب أعلام الأخيار" فقال: "شيخ الإسلام القاضي محمود بن عبد العزيز، الأوزجندي، جدّ الشيخ الإمام قاضي خان، كان من الفقهاء العظام، والفضلاء الفخام، كان يتصدّر للإفتاء وحل مشكلات الأنام فيما شجر بينهم من النزاع، تفقّه على الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي وأخذ عنه" (2).
تفقّه عليه الإمام قاضي خان كما صرّح به الكفوي واللكنوي (3)، ودوّن بعض آرائه في كتابه "شرح الزيادات" (4).
وتكرّر ذكره في كتب الفتاوى والشروح، ونقل القرشي بعض آرائه في الجواهر (5)، وله بعض المصنف في الفقه، استفاد منها ابن الهمام في "فتح القدير"، وأشار إليه بقوله: وفي فوائد شمس الإسلام الأوزجندي ... (6).
(1) وأفاد العلامة الكفوي في ترجمته أن لقب "شيخ الإسلام" يطلق على من تصدر للإفتاء، وحل المشكلات فيما شجر بينهم من النزاع والخصام من الفقهاء العظام، وقد اشتهر بها من أخيار المائة الخامسة والسادسة علَم منهم: شيخ الإسلام أبو الحسن على السُّغْدي، وشيخ الإسلام على بن محمد الإسبيجابي، وشيخ الإسلام برهان الدين على المرغيناني صاحب الهداية، وشيخ الإسلام محمود الأوزجندي وغيرهم، كذا ذكره اللكنوي نقلا عن الكفوي. "الفوائد البهية" ص 241.
(2) انظر "كتائب أعلام الأخيار" لمحمود بن سليمان الكفوي المتوفي 990، ترجمة برقم 294، ص 300، مخطوط بدار الكتب المصرية تحت رقم 84 م. وانظر ترجمته في: "الجواهر المضية" برقم 1625، و "الطبقات السنية" برقم 2441، و "طبقات الفقهاء" لابن كمال باشا ص 33، و "الفوائد البهية" ص 209 و 242.
(3) "الفوائد البهية" ص 64.
(4) فمثلا نقل عنه قاضي خان في كتاب الأيمان باب الحنث في المين، بقولة: "وبه كان يُفتي جدّي الشيخ الإمام شمس الأئمة محمود الأوزجندي" ص 345.
(5) "الجواهر المضية" ترجمة برقم 1625، 3/ 446.
(6) "فتح القدير" 3/ 147.
ولقد سعدت برؤية نسخة من هذا الكتاب أثناء زيارتي لمكتبة مراد ملا باستنبول، تقع في مجلدين: =
الجزء 1 · صفحة 74
74)
3 - ظهير الدين الحسن بن علي ظهير الدين الكبير المرغيناني:
هو الحسن بن علي ظهير الدين الكبير بن عبد العزيز بن عبد الرزاق بن أبي نصر، المرغيناني، الملقّب بظهير الدين، أبو المحاسن.
تفقّه على برهان الدين الكبير عبد العزيز بن عمر بن مازه، وعلى عمّه شمس الأئمة محمود الأوزجندي (جدّ قاضي خان)، وزكى الدين الخطيب مسعود بن الحسن الكُشَانيّ، وهم تفقهوا على شمس الأئمة السرخسي.
والإمام فخر الدين قاضي خان الذي هو ابن ابن عمّه قرابة، كان من أجل تلامذته ولازَمَه ملازمة طويلة (1)، وأكثَرَ في السماع منه، أشار إليه الإمام الذهبي والعلامة قاسم بن قطلوبغا بقوله: "سمعَ الكثيرَ من الإمام ظهير الدين حسن بن علي بن عبد العزيز" (2).
وتفقّه عليه ابن أخته افتخار الدين طاهر صاحب "خلاصة الفتاوى"، وهو آخر المتفقهين عليه، وظهير الدين محمد بن أحمد صاحب "الفتاوى الظهيرية"، وذكر عبد القادر القرشي أنه روى عنه صاحبُ الهداية "كتابَ الترمذيّ" بالإجازة، بسماعه من برهان الأئمة عبد العزيز بن عمر.
وقال برهان الإسلام الزَّرنوجي، تلميذ صاحب الهداية في كتابه الشهير "تعليم المتعلّم": أنشدنا الشيخ الإمام ظهير الدين، مفتي الأمة، حسن بن علي المعروف بالمرغيناني:
= المجلد الأول في 235 ورق برقم 1119 والمجلد الثاني في 184 ورق برقم 1125، وهو كتاب نفيس قيّم مقارن بين المذاهب، يجمع بين الأدلة والمسائل.
(1) وجدير بالتنبيه هنا أنه اشتبه هذا الأمر على القرشي وعليّ القاري، فقالا في ترجمة والده عليّ بن عبد العزيز: "هو أستاذ فخر الدين قاضيخان، وهو أحد الإخوة الفضلاء الستة"، تعقّب عليه الكفوي قائلا: "قلت: أستاذ قاضي خان ظهير الدين الحسن بن علي بن عبد العزيز المرغيناني، لا أبوه ظهير الدين الكبير"، كما تعقّب عليهما اللكنوي، وأجاد فيما أفاد، فليرجع "الفوائد البهية" ص 26، 63.
(2) "سير أعلام النبلاء" 21/ 232، "تاج التراجم" ص 82.
الجزء 1 · صفحة 75
75)
الجاهلونَ فَمَوتَى قبلَ مَوْتهمُ ... والعَاِلمُونَ وإن ماتُوا فأحياءُ
وكان الإمام ظهير الدين فقيها محدّثا، نشر العلمَ إملاء وتصنيفا، ومن مصنفاته: "كتاب الأقضية" و "الشروط"، و "الفتاوى" و "الفوائد" وغير ذلك (1).
4 - نظام الدين إبراهيم بن علي المَرْغينَاني:
هو إبراهيم بن علي، المَرْغينَاني، الملَقَّب نظام الدين، أبو إسحاق.
يقول القرشي والتميمي الداري: أحد مشايخ قاضي خان، وأحد مَن انتفع به، وتفقّه عليه، وتخرج به رحمهما الله تعالى (2).
(1) انظر ترجمته في: "الجواهر المضية" برقم 466، "الطبقات السنية" برقم 696، "الفوائد البهية" ص 26، 63، "كتائب أعلام الأخيار" برقم 344.
(2) انظر ترجمته في "الجواهر المضية"، برقم 33، و"الطبقات السنية" برقم 60.
الجزء 1 · صفحة 76
76)
تلامذته
درسَ الإمام قاضي خان وتفقّه على أيدي هؤلاء المشائخ حتى بلغ إلى مرحلة النضج والرسوخ، وبعد أن ارتفع شأنه في العلم وترقّى، وتبوّأ منزلة كبيرة بين علماء زمانه حتى فاق أكثرَ فقهاء ذلك العصر في الفقه، تصدّر للتدريس والإملاء والإفتاء، فانضمّ إلى حلقته كثير من رواد العلم، ولعلّ الإمام قاضيخان كان أجلّ الفقهاء في ذلك العصر وأشهرهم، ومَن كان مثله في العلم والفضل لابدّ أن يكثر تلاميذه، ألمَعَ إليه الإمام الذهبي بقوله: "وأملى مجالسَ كثيرة رأيتها" (1).
وكذلك يدل عليه ما ساقَه القرشي والتميمي والقاري في طبقاتهم من حكاية طريفة، وفيها: "إن محمد بن محمد بن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الفضل الكماري عندما دخل بلاد فرغانة، وجَدَ قاضي خان يتكلم فوق المنبر، وبين يديه العلماء، وهم يكتبون ما يُلمي عليهم (2).
(1) "سير أعلام النبلاء" 21/ 232.
(2) وتمام القصة ما حكاه العلامة اللكلنوي نقلا عن القاري: "وفي "طبقات القاري": محمد بن الفضل أبو الفضل الكمارى - بفتح الكاف والميم - يحكى أن والده وعده بألف دينار عند تمام حفظه المبسوط وكذا لأخيه، فلما حفظه دفع المال لأخيه، وقال له: يكفيك حفظ المبسوط، فخرج مغاضبًا، فانتهى به السفر إلى أن دخل بلاد فرغانة، فوجد قاضي خان يتكلم فوق المنبر، وبين يديه العلماء، وهم يكتبون ما يملى عليهم، فذكر قاضي خان مسألة خلافية بين أبى يوسف ومحمد، فعكس قول أبى يوسف وجعله قول محمد، وقول محمد قول أبي يوسف، فقال له أبو بكر: اعكس، فقال قاضي خان: وإن لم أعكس فقال أبو بكر: إن لم تعكس يرد على قول أبي يوسف كذا وكذا، ويرد على قول محمد كذا وكذا، وذكر عدة مسائل، فترك قاضي خان المنبر واعتنقه، وقال: يا سيدى! لعلك تكون محمد بن الفضل الكماري قال: نعم، فقال: أنت أحق بهذا المجلس منّى، ومات ببخارى سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة" - انتهى -.
ثم تعقّب عليه اللكنوي قائلا: "هذه الحكاية التي حكاها من ملاقاته مع قاضي خان مما لا يمكن =
الجزء 1 · صفحة 77
77)
فتفقّه عليه أجلة العلماء وكبار الفقهاء الذين أصبحوا بعد ذلك أئمة في علوم الدين، وفيما يلي أسوق تراجمَ الفقهاء البارزين من تلاميذه باختصار:
1 - طاهر بن أحمد بن عبد الرشيد بن الحسين، الإمام، افتخار الدين، البخاري:
تلميذ قاضي خان وابن أخت عمّه، أخذ عن أبيه قوم الدين أحمد عن أبيه عبد الرشيد، وأيضًا أخذ عن حماد بن إبراهيم الصفار، وتفقّه على خاله ظهير الدين الحسن بن على المرغيناني، كما تفقّه على الإمام قاضيخان.
"كان عديم النظير في زمانه، فريد أئمة الدهر، شيخ الحنفية بما وراء النهر، من أعلام المجتهدين في المسائل" حيث ذكره العلامة ابن كمال باشا من "طبقة المجتهدين في المسائل" الذين يقدرون على الاجتهاد في المسائل التي لا رواية فيها من صاحب المذهب (1).
وله تصانيف مقبولة، منها "خلاصة الفتاوى" و "خزانة الواقعات" و"النصاب". وقول العلامة اللكنوي: "وقد طالعت من تصانيفه خلاصة الفتاوى، ذكر أنه لخّصه من الواقعات والخزانة، وهو كتاب معتبر عند العلماء معتمد عند الفقهاء (2).
وذكر التميمي وحاجي خليفة أنه توفي سنة 542 هـ بسَرْخَس ثم حمل إلى بخارى.
2 - عبيد الله بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز، ينتهي نسبه
= وقوعها، فإن وفاة قاضي خان وهو حسن بن منصور الفرغاني سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، كما مرّ عند ترجمته، وقد ذكره القارى أيضا في ترجمته، فهل يتصور ملاقاة من توفى سنة 371، فلعله نسى ما قدمت يداه، وأظن أن الملاقى لقاضى خان هو أبو بكر محمد بن محمد بن إبراهيم بن أحمد بن صاحب الترجمة المتوفى سنة 549 على ما نقلناه من "الأنساب". "الفوائد البهية" ص 185. وانظر: "الجواهر المضية" 3/ 301.
وهذه القصة تدل على تمام أدب قاضي خان مع المشايخ وتواضعه، وبعده عن الاستعلاء.
(1) "النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير" لللكنوي ص 9، و "الفوائد البهية" ص 84.
(2) انظر ترجمته في: "الجواهر المضية" برقم 666، "الطبقات السنية" برقم 997، "كتائب أعلام الأخيار" برقم 414، "كشف الظنون" 1/ 702، 718، 703، 2/ 1999، "مفتاح السعادة" 2/ 278، "الفوائد البهية" ص 84.
الجزء 1 · صفحة 78
78)
إلى عُبادة بن الصامت، جمال الدين المحبوبي (1)، الإمام، المعروف بأبي حنيفة الثاني.
ولُد سنة 546 هـ، وكان إماما كاملا معدوم النظير في زمانه، فَرد أوانه في معرفة المذهب والخلاف. قال الإمام الذهبي في "العبر في خبر من غبر": "شيخ الحنفية بما وراء النهر، وأحد من انتهى إليه معرفة المذهب، أخذ عن أبي العلاء عمر بن بكر بن محمد الزرنجري عن أبيه شمس الأئمة، وتفقه أيضًا على قاضيخان الأوزجندي".
وممّن تفقّه عليه ابنه أحمد والد تاج الشريعة صاحب "الوقاية"، وحافظ الدين الكبير محمد البخاري، وحميد الدين الضرير على بن محمد البخاري، وبهاء الدين محمد بن أحمد الاسبيجابي، والظهير أبو بكر أحمد بن علي البلخي وغيرهم.
له تصانيف منها: "شرح الجامع الصغير"، و "كتاب الفروق"، توفي ببخارى في جمادى الأولى سنة 630 هـ (2).
3 - يوسف بن أحمد بن أبي بكر، الخاصِي (3)، نجم الدين، جمال الأئمة:
كان إمامًا فاضلا، أخذ عن أبي بكر محمد بن عبد الله من أقران عمر النسفي، وعن الصدر الشهيد حسام الدين عمر، وعن الحسن قاضي خان، جمع "الفتاوى" المشهورة، ورتّب "فتاوى" الصدر الشهيد و "واقعاته".
وحكى اللكنوي عن القارى أنه كان في أوائل المائة السادسة، وأن له "الفتاوى" و "مختصر الفصول"، وذكر حاجي خليفة وفاته عند ذكر "الفصول في الأصول" سنة أربع وثلاثين وستمائة (4).
(1) "المحبوبي": نسبة إلى محبوب بن الوليد بن عبادة بن الصامت، أحد أجداده. انظر "الفوائد البهية" ص 108.
(2) انظر ترجمته في: "العبر" للذهبي 23/ 112، "دول الإسلام" للذهبي 2/ 135، "الجواهر المضية" برقم 891، "الطبقات السنية" برقم 1362، "الفوائد البهية" ص 108، "كتائب إعلام الأخيار" برقم 395، "شذرات الذهب" 5/ 137.
(3) "الخاصي": نسبة إلى الخاص، قرية من قرى خوارزم، "الفوائد البهية" ص 226.
(4) انظر ترجمته في: "الجواهر المضية" برقم 1831، "الطبقات السنية" برقم 2714، "كشف =
الجزء 1 · صفحة 79
79)
4 - الإمام محمود بن أحمد بن عبد السيد بن عثمان بن نصر بن عبد الملك (1)، الملقّب بجمال الدين، المكنى بأبي المحامد، البخاري، الشهير بالحَصيري: (2).
وُلد ببُخارى سنة (546 هـ). كان إمامًا فاضلا، انتهت إليه رئاسة المذهب في زمانه، تفقّه على الإمام قاضيخان الذي كان أجلّ الفقهاء في ذلك العصر وأشهرهم، فلازمه الحصيري خلال إقامته في بخارى وجعله أسوةً وسندًا في مجال الفقه الحنفي، وكان من تلامذته الخاصة حتى بلغ رتبة الكمال.
وبعد وفاة شيخه قاضي خان سنة 592 هـ خرج من بخارى، فسمع صحيح مسلم وغيره بنيسابور من الإمام أبي الحسن المؤيد الطوسي، وسمع من الإمام المحدث أبي سعد الصفار النيسابوري الشافعي، والإمام منصور الفُراوي، وسمع بحلب من الإمام افتخار الدين الهاشمي، ثم توجّه إلى دمشق واستقرّ به.
ودرّس في المدرسة النورية بدمشق خمسا وعشرين سنة (3)، وتفقّه به طائفة كبيرة منهم: الملك المعظم عيسى بن أبي بكر الأيوبي (623 هـ) مصنف "أصول الجامع الكبير"، وصدر الدين الخِلاطي، وسِبط: ابن الجوزي، والإمام صدر الدين سليمان بن وهيب الأذرِعي صاحب "منتخب شرح الزيادات" الذي ألفه قاضي خان، والعلامة شهاب الدين الرازي، والعلامة مَجد الدين الموصلي، صاحب المتن المشهور "المختار" وشرحه
= الظنون" 2/ 1222، "الفوائد البهية" ص 226، "تاج التراجم" برقم 391.
(1) انظر ترجمته في: "تكملة إكمال الإكمال في الأنساب والأسماء والألقاب، لابن الصابوني ص 127، 128، سير أعلام النبلاء 23/ 52. الجواهر المضية برقم 1611، الطبقات السنية برقم 2419، الفوائد البهية ص 205، كتائب أعلام الأخيار برقم 417، طبقات الفقهاء لطاش كبري زاده ص 107، التكملة لوفيات النقلة 6/ 288، تذكرة الحفاظ 4/ 1425، العبر 5/ 152، النجوم الزاهرة 6/ 313، شذرات الذهب 5/ 182، كشف الظنون 1/ 563، 568، 727.
(2) "الحَصِيري": بفتح الحاء، نسبة إلى محلّة ببخارى ينُسج بها الحَصير. "تاج التراجم" ص 69، "تكملة إكمال الإكمال" ص 128، "سير أعلام النبلاء" 23/ 53.
(3) "العبر في خبر من عبر" للذهبي، 3/ 228.
الجزء 1 · صفحة 80
80)
"الاختيار". وكثيرون، وروى عنه الحديث جمال الدين الحافظ ابن الصابوني صاحب "تكملة إكمال الإكمال"، والقاضي تقي الدين سليمان الحنبلي وغيرهم.
شغَف بكتب الإمام محمد وروايتها، ومن تصانيفه: شرح الجامع الصغير، وشرح السير الكبير، والطريقة الحَصيرية في علم الخلاف بين الشافعية والحنفية، وخير مطلوب في العلم المرغوب، والنجم الهادي الساري إلى حلّ ألفاظ صحيح البخاري، والوجيز شرح الجامع الكبير (1)، والتحرير شرح الجامع الكبير (2)، سلَك فيهما نهجَ شيخه قاضي خان في "شرح الزيادات" من التأصيل والتقعيد.
كان جمال الدين الحصيري من أبرز تلاميذ قاضيخان، وكثيرا ما ينقل آراء شيخه في مواضع من كتابه "التحرير" فيقول: "قال أستاذنا الإمام قاضيخان" (3).
إجازة قاضيخان للحصيري:
كان الإمام الحصيري موضع الثقة عند شيخه، اعترف له بالنبوغ والإمامة، تدل على ذلك الإجازة الآتية التي منحها شيخه قاضي خان:
"يقول المحتاج إلى رحمة الله تعالى وغفرانه، الشاكر لفضله وإحسانه: الحسنُ بن منصور بن محمود الأوزجَنْدي: قرأ عليّ كثيرًا من الكتب التي ألّفها علماء الإسلام وصدور الأنام في تمهيد قواعد الفقه والأحكام، وتمييز الحلال من الحرام، منها ما رواه محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى نحو المبسوط والجامع الصغير ومنها من اختص بتأليفها محمد رحمه الله تعالى نحو الجامع الكبير والسير الكبير والزيادات، وقد يسر الله تعالى على الشيخ الإمام الجليل الزاهد جمال الدين زين الأنام
(1) ويحقّقه الباحث الأخ الفاضل حميد قائد سيف كرسالته للدكتوراة من المعهد العالي للقضاء، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.
(2) استخلص منه القواعد والضوابط الفقهية الأستاذ الدكتور علي أحمد الندوي، وقدّم له بدراسة وافية، ونال به درجة الدكتوراة بامتياز من جامعة أم القرى بمكة المكرمة.
(3) "التحرير شرح الجامع الكبير" مخطوط، ق 1/ 273.
الجزء 1 · صفحة 81
81)
محمود بن أحمد بن عبد السيد قراءة عامّتها، وإحكام صورها ومبانيها، والوقوف على حقائقها ومعانيها، فبلّغه درجة الإفتاء والدراسة، وارتقى مرقاة الشرف والرئاسة، متّعه الله تعالى بما أعطاه وجعل الجنة مأواه؛ كتبت هذه الأسطر رجاء أن يذكرني بالدعاء الصالح. فإنه أحسن مسئول وأنفس مأمول" (1).
ثم أضاف إلى ذلك التميمي: "ورأيت أيضًا على ظهر النسخة المذكورة بخط الحصيري ما صورته: قال مولانا وسيدنا القاضي الإمام الأجل الأستاذ قاضي القضاة فخر الملة والدين ركن الإسلام والمسلمين، بقية السلف، أستاذ الخلف، مفتي الشرق والصين أبو المفاخر الحسن بن منصور بن محمود بن عبد العزيز متّع الله الإسلام والمسلمين بطول بقائه (2).
"وهذه الإجازة بمثابة تزكية من الإمام قاضيخان لتلميذه النابغة الحصيري، وإنها شهادة إمام خبير لتلميذ نبيه، ويُعَدّ مثل هذا التلميذ عنوان مجد ووسام فخر لأستاذه أيضًا، ثم تعليق الحصيري على الشهادة المذكورة، فيه إشارة واضحة إلى مدى علاقته بأستاذه والاعتراف بعظيم مناقبه" (3).
توفي الحَصيري في صفر سنة 636 هـ، وله تسعون سنة، قال الذهبي: "ازدحم الخلق على نَعشه وحمَله الفقهاء على الرءوس، وكان يوما مشهودا" (4).
5 - محمد بن عبد الستار بن محمد، المعروف بشمس الأئمة، الكَردري (5):
ولد سنة تسع وخمسين وخمسمائة، وقرأ بخوارزم على الشيخ برهان الدين ناصر المطرّزي صاحب "المغرب"، ثم رحَل لطلب العلم إلى ما وراء النهر، وتفقّه بسمرقند
(1) "الطبقات السنية"، رقم الترجمة 2420.
(2) المصادر السابقة.
(3) "القواعد والضوابط المستخلصة من التحرير" للدكتور علي أحمد الندوي، ص 45.
(4) سير أعلام النبلاء 23/ 54، "تاريخ الإسلام" للذهبي ج 17 ترجمة الحصيري.
(5) نسبة إلى الجدّ المنتسب إليه، وكَرْدَر بفتح أوله ثم السكون، ناحية من أعمال جُرجانية خوارزم.
"الجواهر المضية" 3/ 228، و"معجم البلدان" 4/ 510.
الجزء 1 · صفحة 82
82)
وبخارى على مشايخ منهم: القاضي عماد الدين عمر الزرَنْجَرى، وقوام الدين الصفّار، وشرف الدين العقيلي، ونور الدين الصابوني، والإمام زين الدين أحمد العتّابي، وأجلّ أساتذته فخر الدين قاضيخان، وصاحب الهداية على بن أبي بكر المرغيناني.
برع في العلوم، وفاق على أقرانه، وأقر له بالفضل والتقدم أهل زمانه حتى قيل: إنه أحيا علم الفروع وأصوله بعد أبي زيد الدبوسي، "كان أستاذ الأئمة على الإطلاق، والموفود إليه من الآفاق"، وتفقّه عليه خلق كثير، منهم ابن أخته العلامة محمد بن محمود بن عبد الكريم المعروف بالإمام خواهرزاده، وحميد الدين الضرير على الرامُشي، وحافظ الدين محمد بن محمد بن نصر البخاري وغيرهم.
مات ببخارى يوم الجمعة تاسع المحرم سنة اثنتين وأربعين وستمائة (1).
6 - صدر الإسلام طاهر بن برهان الدين محمود صاحب "المحيط البرهاني" بن تاج الدين الصدر السعيد أحمد بن برهان الدين الكبير عبد العزيز بن عمر بن مازه.
كان من أعيان الفقهاء الحنفية، له اليد الطولى في الفروع والأصول، ومشاركة تامّة في المعقول والمنقول، أخذ عن أبيه صاحب المحيط، كما تفقّه على فخر الدين قاضي خان.
ومن تصانيفه: "الفوائد" و "الفتاوى" (2).
7 - نجم الأئمة الحكيمي:
لم أجد اسمه ونسبه في كتب التراجم، إنما ذكر القرشي والكفوي أنه تلميذ قاضي خان، وأستاذ ركن الدين الوالجاني الخوارزمى الذي كان إمامًا جليلا كثير العلم، والذي تفقّه عليه صاحب "القنية" (3).
(1) انظر ترجمته في: "سير أعلام النبلاء" 23/ 112، "الجواهر المضية" برقم 1377، "الطبقات السنية" برقم 2095، "الوافي بالوفيات" 3/ 254، "تاج التراجم" برقم 246، "هدية العارفين" 2/ 122، "الفوائد البهية" ص 176، "كتائب أعلام الأخيار" برقم 418.
(2) ترجمته في: "تاج التراجم" برقم 124 ص 110 و "الفوائد البهية" ص 85.
(3) ترجمته في: كتاب الألقاب من "الجواهر المضية" برقم 2104 ج 4/ 441، "الطبقات السنية" برقم 3026، "كتائب أعلام الأخيار" برقم 416 "الفوائد البهية" ص 220.
الجزء 1 · صفحة 83
83)
سند الإمام قاضي خان في الفقه:
ذكر الحافظ القُرشي في ترجمة أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني بن أبي إسحاق، السروجي (710 هـ) سندَه في الفقه الذي يحتوي على سند الإمام قاضي خان أيضا فقال:
"قرأ على الإمام أبي الربيع صدر الدين سليمان، عن الشيخ جمال الدين محمود الحصيري ... عن الإمام فخر الدين الحسن بن منصور قاضي خان، عن الإمام ظهير الدين الحسن بن علي بن عبد العزيز المرغيناني، عن الإمام سراج الأئمة برهان الدين عبد العزيز بن مازة، وشمس الدين محمود جدّ قاضي خان، كلاهما عن شمس الأئمة السرخسي، عن الإمام أبي محمد عبد العزيز الحلواني، عن أبي علي الحسن بن خضر النسفي، عن الإمام أبي بكر محمد بن الفضل البخاري، عن عبد الله بن أبي حفص، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمد بن الحسن، عن الإمام أبي حنيفة" (1).
منزلة قاضي خان بين الفقهاء الحنفية وثناء العلماء عليه:
احتل الإمام قاضي خان مكانة مرموقة بارزة بين الفقهاء الحنفية، تتجلّى منزلته بوضوح من حيث إن الذين كتبوا في "طبقات الفقهاء الحنفية" (2) من المحقق ابن كمال باشا (ت 940 هـ)، وعصام الدين أبو الخير طاش كبري زاده (ت 968 هـ)، والعلامة ابن عابدين (ت 1252 هـ)، والعلامة عبد الحي اللكنوي (3)، اتفقت كلمتهم على أن الإمام قاضيخان
(1) "الجواهر المضية" 1/ 125 - 126.
(2) يقول العلامة اللكنوي في أهمية معرفة طبقات الفقهاء: "وهذا أمر لا بد للمفتى من معرفته لينزل الناس منازلهم، ويضعهم في مواضعهم، فإن من لا يعرف مراتب الفقهاء ودرجاتهم يقع في الخبط بتقديم من لا يستحق التقديم، وتأخير من يليق بالتقديم، وكم من عالم من علماء زماننا ومن قبلنا لم يعلم بطبقات فقهاءنا، فرجح أقوال من هو أدنى، وهجر تصريحات من هو أعلى" "النافع الصغير" ص 5.
(3) جعلل المحقق ابن كمال باشا الفقهاءَ الحنفية سبعَ طبقات، وذلك في رسالته المسمّاة "طبقات الفقها"، مخطوطة في معهد الدراسات الإسلامية العليا ببغداد، ذكر ذلك دكتور محمد عبد اللطيف الفرفور في "الوجيز في أصول الاستنباط" ص 534.