إتحاف ذوي الإتقان بحُكم الرِّهانِ
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
إتحاف ذوي الإتقان بحُكم الرِّهانِ
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله مُلهِم الصَّواب، ومُيَسِّرِ الأُمورِ الصَّعابِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدِنا محمَّدٍ خِيرِ مَن أُوتِيَ الحِكمةَ وفَصْلَ الخطاب، وعلى آله وأصحابه السادة الأنجاب.
وبعد:
فيقولُ العَبدُ المُلتَجِيُّ إلى الملِكِ المُتعالي، حسَنُ الحَنَفَيُّ الشُّرُنْبُلاليُّ: قد وَرَدَ سؤال عن بعض من ورثة اشترَى عَقاراً كانَ رَهْناً تحتَ يدِ مُوَرّثهم ووقفه، فما حكم ذلك؟
وأجابَ حنفي بقوله: إِنَّ شِراءَه باطِلٌ، ووَقفَه، باطِلٌ، ثمَّ رُفِعَ إِليَّ فَخالَفتُه بما هو الصَّوابُ، ثمَّ طُلِبَ منّي بيان ذلك، فسطّرتُه لإفادته وبيانِ وَجْهِ استفادتِه، فَإِنَّ الدِّينَ النصيحةُ الله ولرسوله، ورَدُّ الخطأ للصَّوابِ طريقةُ العُلَماءِ الأنجاب بواضحِ الدَّليلِ وصحيح البُرهان، وسميته:
«إتحاف ذوي الإتقان بحُكم الرِّهانِ»
ومُلَخَّصُ الجواب الذي أجبتُ به أنَّ شِراءَ الوَارِثِ ووَقْفَه صحيح نافِذُ بقَدْرِ حِصّتِه من الميراثِ المُصادَفَتِه صحيحَ ملكه، ويبقَى مَوقُوفاً بِقَدْرِ حَصَّةٍ باقي الوَرَثِةِ، وليس للباقين إبطال البيع؛ لأنَّ الوارِثَ لا يملِكُ إبطالَ بيعِ الرَّهنِ لأجنبي في أصح الروايتين؛ لقُولِ الزَّيلَعِيُّ: وفي أصح الروايتين لا ينفسِخُ بيعُ الرَّهنِ، وفي المُختَصَرِ يعني «الكنز» - إشارة إليه، حيثُ قالَ: يُوقَفُ بيعُ الرَّهن على إجازة مُرتهنه، أو قضاء دينه، جَعَلَ الإجازة إليه دونَ الفَسْخِ، وجَعَلَه مُتوقفاً على قضاءِ الدِّينِ. وهذا دليل على أنَّ فسخه لا ينفذ، ووجهه أنَّ الامتناع لحقه كيلا يتضرر، والتَّوقف لا يضُرُّه؛ لأنَّ حقه في الحبس لا يبطل بمُجرَّدِ الانعِقادِ من غيرِ نُفوذ، فبقي متوقفاً، كذا نص الزِّيلَعِيُّ في كتاب الرهن.
وأَمَّا نُفوذُ وَقْفِ المُشتَري بقدرِ حِصَّته فظاهر لمصادقيه ملكه؛ لقول الزيلَمِيِّ في باب الاستحقاق عندَ قَولِ «الكنز»: وصَحْ عَنقُ مُشتَرٍ من غاصب بإجازة بيعه عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن الملك ثبَتَ مُرتباً عليه، وينفذ بنفاذه، وصار كإعتاقِ المُشتَري منَ الرَّاهِنِ فإنَّه مُتوقف، وينفذ بإجازة المرتهن البيع، لأنَّ العِتق من حقوق الملك، والشَّيءُ إذا توقف توفَّفَ بجميع حقوقه، وإذا نفَذ نفَذ بحقوقه، انتهى.
قلت: فهذا نص على نَفاذِ الوَقْفِ بِقَدْرِ حِصَّةِ الوارث، ومثله في غاية البيان، وفتح القدير، وإذا علمتَ هذا فمن قال من أهلِ زَمانِنا مُجيباً للحادِثِةِ أنَّ بي بيع المرهون لوارثِ المُرتهن بيع باطِلٌ، ووَقفَه باطِلٌ؛ فقد أخطأ من وجوه:
وهو أنَّ الباطِلَ غيرُ الفاسِدِ كما هو مَعلومٌ في المَذْهَبِ، وهُما غيرُ المَوقوفِ، والمَوقُوفُ بالمرَّةِ إنَّما هو لغير وارِث، وأمَّا الوارِثُ للبعض فلا يكونُ شِرَاؤُه مَوقُوفاً مطلقاً ولا باطلاً.
فإن قلت: قد رأينا إطلاق الباطل في بيع المرهون؟
قلتُ: هو مُؤوَّلٌ في ألفاظ العُلَماءِ المُجتهدين، ولا يجوزُ في جَوابِ مثل هذه الحادثة لمن يدَّعي الفَتْوَى والتأويل، هو كما قال في وَجيز» الحصيري: قال محمد رحمه الله تعالى: باعَ الرَّاهِنُ، فالبيعُ باطِلٌ؛ أي: موقوف، ولهذا قال محمَّدٌ إِلَّا أَنْ يُجيزه المُرتهِنُ.
ورُوِيَ عن أبي يوسف أنه نافذ، حتّى لو أعتَقَه المُشْتَرِي ينفُذُ؛ لأَنَّه تصرَّفَ في خالص ملكه، وحقه؛ أي: المُرتهن في الحبس لا يبطل بالانتقال؛ كالإرث والإقرار، ولهذا لو أعتَقَه الوارِثُ أو المُقِرُّ له ينفُذُ، انتَهَتْ عبارَتُه رَحِمَهُ اللهُ.
وقال أيضاً في «غاية البيانِ»: وأمَّا المُشتَري من الغاصب إذا أعتَقَ، ثم ملكه الغاصِبُ بالضَّمانِ، فأجازَ الغاصِبُ العتق؛ قالَ علاء الدِّينِ العالم في طريقة الخلاف»: فيه اختِلافُ المشايخ، والأصح أنَّه ينفُذُ، وإليه أَشارَ في «وَقْفِ» هلالِ الرَّأْيِ بن يحيى البصري، وهو من أصحاب أبي يوسُفَ، فَإِنَّه نفَذَ وَقْفُ المُشتَرِي من الغاصب إذا ملكه الغاصِبُ بالضَّمانِ، والوقفُ تحرير الأرض؛ كالإعتاق تحرير العبد، انتَهَى نصُّ «غايةِ البَيان».
وهذا نص على أنَّ وَقْفَ مُشتَرِي الرَّهن صحيح موقوف على إجازة البيع، أو قضاء الدين، وليس للمرتهن فسخ الوقف كالبيع في الأصح؛ لأنه من حقوقه كإعتاقه، وهذا في البيع لمن ليسَ وارثاً للمرتهن، أما إذا كانَ وارِثاً للمرتهن كمسألتنا فشراؤُه نافذ عليه، ووقفه وإعتاقه وتدبيره واستيلاده بقَدْرِ حصته، ويُخَيَّرُ الشَّريك بين الإعتاق والزّمانِ مع اليسار، أو الإعتاق والسعاية مع الإعسار، ويأخُذُ العُقْرَ منه بقَدْرِ حقه في الاستيلاد، وعلى المُستَولدِ ضَمان حصة شريكه معَ كَونِه مُعيراً؛ لأنَّه ضَمان تملك، فلا يختلف بالإعسار واليسار، ولا سعاية على أم الولد.
تنبيه: افترق الحكم بين عتقِ الرَّاهِنِ وعِشقِ المُشتري منه؛ فإنَّ إعتاق الراهن صحيح نافذ، وإعتاق المُشتري منه مَوقُوفٌ، وبه يُقيَّدُ قَولُ أَئِمَّتِنا في بابِ الرَّهنِ: إِنَّ عِشقَ الرَّاهن صحيح نافذ، وسكنوا في ذلك الباب عن حُكمِ عنق المشتري منه.
وقالوا في باب الاستحقاق بتوقفه كشرائه، وكذا تدبيره واستيلاده، فينفُذُ بنفاذ شرائه.
تنبيه آخرُ في وَقْفِ الرَّاهِنِ المَرهُونَ: قال في البحر»: إن افتكه أو مات عن وفاء، عاد إلى الجهة؛ يعني الموقوف عليها، وإن مات عن غيرِ وَفاء عاد وبطل الوَقْفُ، كذا في فتح القدير»، وسكت عن حكمه حال الحياة لو معيراً.
وفي «الإسعاف»: لو وقف المرهون بعد تسليمه، أجبره القاضي على دفع ما عليه إنْ كانَ مُوسِراً، وإنْ كانَ مُعسِراً أبطَلَ الوَقْف وباعه فيما عليه، انتهى وكذا في «الذخيرة» و «المُحيطِ».
قلت: وهذا سند ونص لأحد شِقّي بحث للطَّرسُوسي في «أنفَعِ الوَسائل»، وهو الذي قال عقبه: وإلى الآن لم يترجّح عندي شيء، لا القَولُ بالبطلان، ولا بعدمه.
وقد رَدَّدَ في بحثه بينَ الإِبْطَال وعدَمِه بإعسارِ الرَّاهِنِ، وقد عَلِمْتَ الإبطال بنص «الإسعاف» (ه) و «الذخيرة» و «المُحيط».
وأقول: لقائل أن يقول: إِنَّ البيعَ عندَ الإعسار ليسَ إِلَّا على الرِّوايةِ المُجوِّزةِ للمرتهن فسخَ بيعِ الرَّهْنِ.
وأما على أصح الروايتين من منعه منَ الفَسْخِ فيُقالُ: ليس له أيضاً فَسْخُ الوَقْفِ، والجامع بينَ الوَقْفِ والبيعِ خُروجُ العَينِ عن ملكِ الرَّاهِنِ، وهذا هو الشَّقِّ الثَّاني من ترَدُّدِ الطَّرسُوسي في بحثه، حيثُ قال: إذا أعسَرَ الرَّاهِنُ، فلقائل أن يقول: يرفعُ الأمرَ للقاضي فيفسَخُ بثبوتِ الإعسار، ولقائل أن يعكس هذا ويقول: ينبغي أَنْ لا يُبطِل المُرتَهنُ الوَقْفَ؛ لأنَّ المُرتهنَ لا حق له في الرقبة، والوقفُ صادَفَ الرَّقبَةَ، فَتَوَقَّفَ نفاذه في الحالِ رعاية حقٌّ المُرتهن، ولهذا لا يملكُ فَسْخَ بيعِ الرَّاهِنِ على الصحيح، وحقه لا يبطل بالوَقْفِ، فيبقَى مَوقُوفاً لاحتمالِ عَوْدِ اليَسار، والواقف لا يلي إبطاله للزومه في حقه، ولا جائز أن يليه المرتهن على الصحيح، ولا جائز أن يليه القاضي؛ لأن مذهَبَ الإمامِ عدَمُ الحجر على الحرّ المُكلَّف، ولا يبيع عليه عروضه، وعندهما يبيع القاضي العروضَ، وفي العقار روايتان، ولا يُقالُ به هنا؛ لأنَّه غيرُ مُتمرد، بل حريص على قَضاءِ الدِّينِ، وإِنَّما مَنَعَه عُروضُ الإفلاس، انتَهَى.
قلتُ: ويُؤيدُ هذا الشق الثاني منَ البَحثِ مسألة تحرير الرَّاهن وتدبيره، فإنَّه لا يبطل تحريره ولا تدبيره، ويسعى العبد، وقد عَلِمْتَ أَنَّ الوَقْفَ تحريرُ الأَرضِ كالإعتاق تحرير العبد (؟)، فكما تُؤخَذُ السَّعايةُ في أزمنةٍ غيرِ مُقدَّرة بوقت، كذلك يبقى الوَقْفُ على حكم التَّوقُّفِ حَتَّى يُؤخَذَ من عَلَّةٍ وَفاءِ الدِّينِ للمُرتهنِ رِعايةً لحق الفُقَراءِ ببقاءِ الوَقْفِ وعَوْدِه لهم بعد ذلك، ورعاية لحق المرتهن بالقَدْرِ المُمكن والعقار متحصن لا يطرأ عليه الهلاك سريعاً، بخلاف العبدِ، فَأَخُذُ عَلَّةِ الوَقْفِ لوفاءِ الدين فيه نظر يزيد نظراً على سعاية العبد، لطروءِ مَوتِه أو مَرَضِه أو إباقه أو ثبوتِ حرية سابقة على تدبيره.
ولكن قال في المُحيط وتصح الكتابة، وللمرتهن فَسَخُها؛ لأنَّ الكتابة ممَّا تحتمل الفَسْخَ دَفعاً للضَّرر عنه بطلانِ الرَّهن بعتقها بأداء البدل.
وأقول: فيه بحث؛ لأنَّه يُمكنُ أن يكون تخريجاً على روايةِ جَوازِ فَسْخِ بيعه والأصح عدمه، وعلمْتَ صِحةَ إعتاقِ الرَّاهِنِ ابتِداء.
وقد قال الخصافُ: الوَقفُ لا يُملكُ، والوقفُ بمنزلة المُدبَّر، وقال الزيلعي في كتاب الوقف: البيع لا ينعقد على الوقفِ؛ لأنَّه صارَ مُحرَّراً عن الملكِ والتَّملكِ. وذكر هلال والمُحقِّقُ الكَمالُ بنُ الهُمام) أَنَّ الوَقفَ حكمه حكمُ المُدبر.
وقد علمتَ أنَّ تدبير الرَّاهِنِ لازم، فكذا يكونُ وَقفُه لازماً، فلهذا يُمكنُ أن يكونَ القَولُ ببيع وَقْفِ الرَّاهِنِ جَرْياً على رواية فَسْخِ بيعه لا على الصحيح من عدَمِ فَسخه، فكذا وقفه المُصادَفَتِه ملكاً صحيحاً، فَلْيُتامَّلُ ويُحرَّر.
تتميم لبيان قيمةِ المُعتقِ: قال في المحيط» في بيان القيمة عن الجامع: الراهن إذا أعتق العبد المرهون وهو مُعسِر يُنظَرُ إلى ثلاثة أشياء: إلى قيمته يوم العتق، وإلى ما كانَ مَضموناً بالدين، وإلى ما كانَ محبوساً به، فيسعى العبد في الأقل من هذه الثلاثة.
أما الغني؛ فلانه احتبس بالعتق عند العبد من حقُّ المُرتهن هذا القَدْرَ، فلا يلزمه السعايةُ إِلَّا في هذا القَدْرِ؛ كالعبد المُشتَركِ، إذا أعتَقَ أحدهما وهو مُعير. وأما المضمون بالدِّينِ إذا كانَ أقل؛ فلأنَّ العبد مضمونٌ بِقَدْرِ الدِّينِ بالعقد، وما يحدث من الزّيادةِ المُتَّصلة بعدَ القَبْضِ لم تصر مضمونةٌ، وإن كانت تُحبَسُ للدين، وإن كان المحبوس أقل من المضمون ومن قيمته يسعَى بِقَدْرِه، بأَنْ رَهَنَ عبداً بألف فأدَّى الرَّاهِنُ تسعَ مئةٍ منَ الدَّينِ ثمَّ أعتَقَه وهو مُعير، يسعى العبد في مئةٍ؛ لأنه مضمون بمئة من حيثُ الاعتبار حالة الإعتاق.
ويجوز تزويج المرهونة، ولا يقربها الزَّوجُ إِلَّا إِذا زَوَّجَها قبلَ الرَّهنِ، وتمامُ تفريح ذلك في «المحيط».
والله سبحانه الموفق بمَنْه وكرمه، وذكرتُ هذا القَدْرَ ليعلَمَ مَن يريد الخلاص ن الله سبحانه وتعالى صُعوبة العلم، واستخراج أحكامه الغامضة والمُشكِلَة، ولا من يقدم بمُجرَّدِ رأيه من غير روية ورسوخ قدم في حُكم.
نسأل الله سبحانه العَفْوَ والتوفيق، وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى سائر الأنبياء والمُرسَلينَ والصَّحابة والتابعين وسلَّمَ، في شهر القعدة الحرام سنة سبع وخمسين كان تأليفها، وكتبها مُؤلّفها في شهر شعبان سنةَ ستِّينَ وأَلفٍ، غَفَرَ اللهُ تعالى له وللمسلمين أجمعين. آمين.