الجزء 1 · صفحة 7
نظر الحاذِقِ النّحريرِ في فِكاكِ الرَّهنِ والرُّجوع على المُستَعِيرِ
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
الجزء 1 · صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله وكفَى، وسلامٌ على عباده الذينَ اصْطَفَى وبعد:
فقد قال العبد الفقيرُ حَسَنُ الشُّرنبلاليُّ الحنفي، غفَرَ اللهُ له، وأدامَ عليه جزيلَ فَضْلِهِ الوَفي: رأيتُ جمعَ هذه المسألة في حُكمِ رُجوعِ مُعِيرِ الرَّهنِ بِمَا قَضاهُ مِن دَينِ المُستَعِيرِ وتسليمِ المُرتَهنِ، وقد ساوَى الرَّهنَ أو زادَ قيمةً عنه، وحاصلِ الخِلافِ والاستشكال؛ ليعلمَ الطَّابُ حُكمَها في حال الاشتغال، وسمّيتُها: «نظر الحاذِقِ النّحريرِ في فِكاكِ الرَّهنِ والرُّجوع على المُستَعِيرِ».
قالَ في «الدُّرَرِ والغُرَرِ»: لو افتكه المُعيرُ، ليسَ للمرتهن أن يمتنع عن تسليم الرَّهْنِ؛ لأنَّ أداءه كأداءِ الرَّهنِ، فيُجبَرَ المُرتهنُ على القبولِ، ويرجعُ على الرَّاهِنِ بما أدّى إنْ ساوَى الدِّينُ القيمةَ؛ لأنَّه قضى دينه، وهو مُضطَرٌ فيه، فلا يُوصَفُ بكونه مُتبرِّعاً، وإِنَّما قالَ: إِنْ ساوَى؛ لأنَّه إنْ كانَ أكثر من القيمة يكون في الزّيادةِ على القيمةِ مُتبرِّعاً، فلا يرجعُ بذلك القَدْرِ، وإنْ كانَ أقل من القيمة، فلا يُجبَرُ المُرتهنُ على تسليمِ الرَّهنِ ذكرَهُ تاجُ الشَّريعةِ، انتَهَى.
قلتُ: أما كونه مُتبرِّعاً في الزَّائِدِ، فليسَ مُتَّفقاً عليه؛ لما قالَ الزِّيلَعيُّ: ثمَّ يرجعُ المعيرُ على الرَّاهِنِ بما أدَّى، لما ذكَرْنا أَنَّه غيرُ مُتبرِّعٍ، بل هو مُضطَرٌ فيه.
الجزء 1 · صفحة 9
وذكر في «النّهايةِ» أَنَّه إذا افتكه بأكثر من قيمته؛ بأنْ كانَ الدِّينُ المرهون به أكثر، لا يرجع بالزائد على قيمته، وهذا مُشكل؛ لأنَّ تخليص الرهن لا يحصُلُ بإيفاء بعض الدين، فكانَ مُضطرًا، وباعتبار الاضطرار يثبت حق الرجوع، فكيف يمتنع الرجوع مع بقاء الاضطرار، وهذا لأنَّ عَرَضَه تخليصه لينتفع به، ولا يحصل ذلك إلَّا بأداء الدين كله؛ إذ للمرتهن أن يحبسه حتّى يستوفي الكُلِّ على ما عُرِفَ في مَوضِعه انتهى ما قاله الزيلعيُّ.
وقال سعدي جَلَبي: وقد سَنَحَ لي هذا الاستشكال الذي قاله الزيلعي قبل رؤيتي كلامه في هـ ب هذا المحل، وجوابه مذكور في «الكفاية» و «الدراية»، انتهى.
قلتُ: وذلك أنه ذكر في معراجِ الدّراية ما في النهاية» على جهة تسليمه، ثم قال: فإن قيل: هو لا يتوصل إلى تخليصه مِلْكَهُ إِلَّا بِإيفاء جميعِ الدِّينِ، فلم يَكُنْ متبرعاً.
قلنا: الضمان على المُستَعير باعتبارِ إيفاءِ الدِّينِ من ملكه، فكانَ الضَّمانُ بِقَدْرِ ما يتحقق به الإيفاء، كذا في «الإيضاح»، انتهى.
ثمَّ قَالَ سَعْدِي جَلَبي بعد نقله: إِنَّ للكلامِ مجالاً، انتهى.
فلم يسلم ذلك الجواب عن الاستشكالِ معَ كَونِه مذكوراً في «غاية البيانِ» أيضاً؛ حيث قال فيها: بيانه إذا أعارَه عَبْداً قيمته منةٌ، وَأَذِنَ له أَنْ يَرهَنَه بِمتَتَينِ، فافتكه المُعيرُ بمئتين رجَعَ بمئةٍ؛ لأنَّ العبد لو هلَكَ في يدِ المُرتهنِ صَارَ مُستَوفياً لهذا القَدْرِ، ولم يكُن للمعير أن يرجع بأكثر منه، فكذا إذا قَضَى بنفسه لم يرجع بأكثَرَ منه، ويكونُ متطوعاً في الزيادة التي قضاها.
ولا يُقال: إنَّه لا يتوصل إلى خلاص عبده إلَّا بقضاء الجميع، فلا يكون متبرعاً في الزّيادة؛ لأنَّ استيفاءَ المُرتهن بالهلاكِ كاستيفائه بالمُباشرة، فلا يرجعُ المُعيرُ إذا ولى بالمباشرة إلا بما يرجع به إذا وفى من طريق الحكم. كذا ذكره القدوري في شرحه، انتهى.
الجزء 1 · صفحة 10
وقالَ الشُّمُنِّيُّ: ولا يمتنعُ المُرتهنُ إذا قضَى المُعيرُ دَيْنَه وفَكَ رَهنه؛ لأنَّ المُعِيرَ محتاج إلى ذلك لتخليص مِلْكِهِ، ورَجَعَ المُعير على المرتهن بما أَدَّى؛ لأنَّه قضَى دَينَ الرَّاهِنِ مُضطَراً، فلا يكونُ مُتبرِّعاً، قيَّد بالمُعير؛ لأنَّ الأجنبيَّ إِذا قضَى اللَّينَ للمُرتهن أن يمتنعَ؛ لأنَّه مُتبرِّعٌ؛ لأنَّه لا يسعى في تخليصه ملكه.
واعلَمْ أنَّ صاحبَ «الهدايةِ»، والحاكمَ الشَّهِيدَ في «كافيه» قيَّدا المسألةَ بما إذا كانَتْ قيمةُ المُستعارِ مثلَ الدَّينِ، ولم يُقيّدها المُصنِّفُ وصاحِبُ «الوقاية» تبعاً لـ «مُختَصَرِ الكَرْخي».
ووَجهُ التَّوفيق أنَّ القيد في «الهداية» و «الكافي» وقَعَ اتَّفاقاً لا للاحتراز، انتَهَى. قلتُ: وكيفَ يُدعى أنَّ القيدَ وَقَعَ اتَّفاقاً مع تصريح القُدوري به في «شرحه»، فليتأمَّل ويُحرّر ذلك؛ لاختِلافِ الرِّواية أو غيره، ويُمعَنِ النَّظرُ لِما حاكَ في صَدْر ِسعدي جلبي بقوله: وإنَّ للكلام مجالاً.
وقد اعتَرَضَ قاضي زادَه على الزيلعي حيثُ ذكرَ الزِّيلَعيُّ الإشكال بما يقتضي أنه من جهته، وهو مذكورٌ في النهاية» مع جوابه، فإنْ كانَ الجَوابُ مَرضِيًّا عندَ الزيلعي أيضاً، فلا معنى لاستشكاله كلام صاحب «النهاية» بعد أن رأى السُّؤال والجواب مسطورَينِ في النهاية»، وإنْ لم يكن الجواب المذكورُ مَرضِياً عنده كان عليه أن يُبيِّن محل فَسادِه، ولا ينبغي أن يُعيد السُّؤال المذكور فيها إشكالاً من عند نفسه، انتهى.
وقال أُستاذ مشايخي العلامة على المَقدِسِيُّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ: إِنَّهُ لَمَّا قَوِيَ الإشكال، وضعف الجواب ذكره على ذلك النَّحو؛ إظهاراً مِنَ الزَّيْلَعيُّ أَنَّ الرجوع مُتَّجِة بجميع ما افتك به الرهن لاضطراره، انتهى.
قلتُ: وفي البَزَّازِيَّةِ» أطلَقَ أيضاً، فقال: ولو أعسَرَ الرَّاهِنُ، ولم يقدر على فكه ففكه المعير يرجعُ على الرَّاهِنِ، انتهى.
الجزء 1 · صفحة 11
ويظهر لي أنَّ الإعسار غير قيد مُعتبر، فالمدار على اضطرار المالك.
وأما قوله في «الدُّرَرِ» عن تاج الشَّريعةِ: وإِنْ كانَ أقل من القيمة، فلا يُجبَرُ المُرتهِنُ على تسليمِ الرَّهنِ انتَهَى.
فلم أره في غيره، وظاهِرُ كلامِ المشايخ الجبر مُطلَقاً، لما ذُكِرَ من اضطرارِ المالك، ولم أطلع على كلام تاج الشريعةِ إلَّا فيما نقله عنه في «الدرر»، ومفاد كلامِ غيره بخلافه.
وقال بعضُ أفاضِلِ عَصْري: إِنَّ المُرتهنَ مُود في الزَّائِدِ مِنَ القيمةِ على الدِّينِ، والمودع لا يدفع لغيرِ مُودِعِه، وقد يُجاب عنه أنَّ ذاك في الإيداع القصدي، وهذا في إيداع ضمني، وهو غير مميز، والضّمنيَّاتُ تُخالِفُ القَصدِيَّاتِ، وذُكِرَ مثل هذا في آخرِ الفَصْلِ العشرين من فُصولِ العِمادي.
تنبيه: إذا ماتَ مُستعيرُ الرَّهِنِ مُفلِساً، فالمرتهن يحبسُ الرَّهْنَ على الدَّينِ، ويُجبِرُ المالك على إيفائِه بطلَبِه الرَّهن، وله الرجوع بذلك في مال يظهرُ للميّتِ إنْ وُجِدَ، ولا يكونُ المُرتهنُ كواحدٍ منَ الغُرَماء فيما تركه الرَّاهِنُ، وهي حادثة حالٍ في سنة ثمانٍ وخمسين بعد الألف.
ولم أرَ جَوابَهَا إِلَّا في خزانة الأكمَلِ»، رحِمَ اللهُ مُؤلَّفَها، ولم أرَ غير هذا، ولعلَّ اللهَ سُبحانَه يفتحُ بالمُرادِ معَ الزّيادة عنِ المُفادِ.
وصلَّى الله وسلَّمَ على سيدنا محمد خير العباد.
وكانَ التَّأليفُ والتَّسويدُ في سابعِ جُمادَى الأُولى سنةَ خمسينَ وأَلفٍ، وغفَرَ اللهُ لمُؤلّفها ولوالديه ومشايخه وللمسلمين آمين.
والحمد لله ربِّ العالمينَ، ولا عُدوانَ إِلَّا على الظَّالمينَ، وَحَسبنا الله ونعم الوكيل آمين.