نزهة أعيان الحزبِ بِالنَّظَرِ لمسائلِ الشِّرْبِ
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
نزهة أعيان الحزبِ بِالنَّظَرِ لمسائلِ الشِّرْبِ
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
نزهة أعيان الحزبِ بِالنَّظَرِ لمسائلِ الشِّرْبِ
كتابُ الشِّرْب
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعينُ
الحمد لله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيدنا محمَّدٍ مَنبع الأسرار والعلوم، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، والصَّحابة والتابعينَ بدَوامِ نِعَمِ رَبِّ العالَمينَ.
وبعد:
فيقول العبد الفقيرُ إلى مَولاهُ المُنعِم عليه في السر والعلن، أبو الإخلاص حَسَنُ الشُّرنبلالي الحنَفِيُّ، غَفَرَ الله له ما ظَهَرَ وما خَفِيَ، ولوالديه ومَشَايِخِه ولَطَفَ به وبذُرِّيَّتِه وإخوانِه ومَعارِفِه والمُسلِمينَ. آمين:
هذه صُوَرٌ في حُكمِ بَيعِ الشِّرْبِ معَ الأرضِ، أَظْهَرَها اللهُ سُبحانَه في قالَبِ الوُجودِ منه ليومِ العَرْض، فينبغي أن يحرص على عِلْمِها الحاذِقُ التحرير، وعليها بالنَّواجِذِ َيعَضُّ، رافضاً لغَبيٌّ حَسودٍ لا يسود، وأنَّى له وقد استعاذَ من شره سيِّدُ كلِّ سيد بأمرِ مَن شرَعَ النَّفْلَ والفَرْض، وسمّيتها:
«نزهة أعيان الحزبِ بِالنَّظَرِ لمسائلِ الشَّرْبِ»
ومعرفة صِحَّةِ البيعِ وفَسادِه بالجمع بينَ الأرضِ والشِّرْبِ، وإضافَةِ الثَّمَنِ إليهما، وتقديم ذكرِ الأرضِ، ثمَّ الشِّرْبِ، أو الشِّرْبِ ثُمَّ الأَرضِ، وذكر الثَّمَنِ عَقيبَ ما تقدَّمَ، أو تأخَّرَ، أو تقديمُ الثَّمن، وبيان الخِلافِ في ذلك.
ورَسَمْتُ الصُّورَ بجدول؛ تسهيلاً للطلاب، بحَسَبِ ما اقتضاه الحال بالاستصحاب لِما يشغَلُ من العوائق الصعاب، ثم أذكرُ إن شاء الله تعالى ما يتعلق به من بعض الأحكام راجياً من الله سبحانه وتعالى القبول، إنَّه خَيرُ مَأْمُولٍ وأكرَمُ مَسؤول.
قال شيخ الإسلام العلامةُ قاضي القضاة عبد البر بنُ محمدِ بنِ الشَّحْنَةِ في شرحه منظومة الشيخ الإمام الحبر الهُمامِ قاضي القضاةِ أَمِينِ الدِّينِ أَبي مُحمَّدٍ عبدِ الوَهَّابِ بن أحمدَ بنِ وَهْبانَ المُزَني الدمشقي الحنفي، وُلِدَ قبل الثلاثين وسبع مئة، وتُوفِّيَ في ذي الحجَّةِ سنةَ ثَمانِ وستين وسبع مئة، وهو من أبناء الأربعين سنةً، وكان ماهراً في العربية والفقه والقراءات والأدب، ودَرَّسَ ووَلِيَ قضاء حماةً، وكانَ مشكور السيرة، حليماً حكيماً أميناً عالماً مكيناً، فقيهاً نبيهاً، موصوفاً بالسيرة الحسنة، والنَّفْسِ الأبية، أخذ عن عُلَماءِ الشَّامِ، ثُمَّ انتقل إلى مُباشَرَةِ الحكم بحماة سنة ستين وسبع مئةٍ، وشرَحَ دَرَرَ البِحارِ»، ومات قبلَ مُصَنِّفها رحمهما الله قال ما نصه:
وبعتُكَ أَرْضي ذي وبعتُكَ شِرْبَها بألفٍ فَمَنْعُ دُونَ خُلفِ يُحرَّرُ
قال نقلاً عن «التَّتمَّةِ»: لو ذكر البائع للشَّرْبِ ثمَناً بانْ قالَ: بِعتُكَ هذه الأرض، وبعتُكَ شِرْبَها بمئةٍ، لا يجوز بلا خلاف؛ لأنه يعني: الشرب صار أصلاً من جميع الوجوه. وإذا قال: بِعتُكَ هذه الأرضَ بألف درهم، وبعتُكَ شِرْبَها، هل يجوزُ بَيعُ الشِّرْبِ؟ بعضُهم قال: لا يجوز؛ لأنَّ الشِّرْبَ صار مقصوداً في البيع، وبعضُهم قالوا: يجوز؛ لأنَّه بقي تبعاً؛ لأنَّه لم يذكر له ثمناً، فنظمه الشَّارِحُ ابنُ الشَّحنة فقالَ:
وبعتك أرضي ذي بألف وبعتكا لها الشِّرْب فيه الخلف حقًا يُسَطَّرُ
وهذا البيت لا يدور إلا بإشباع فتحة الكافِ، والله الموفق.
وقلتُ في اختصار شَرْحِه الذي سميتُه تيسير المَقاصِدِ شرحَ نَظْمِ الفَوَائِدِ: إذا لم يُكرز لفظ «بعتُكَ بأنْ قالَ: بِعتُكَ بألف أرضي وشرْبَها، لا وَجْهَ للفسادِ، فيصحُ البَيعُ؛ لانتِفاءِ كَوْنِ الشَّرْبِ أصلاً من جميع الوجوه، كما يُفيده كلامُ الشَّارِحِ رحمه الله تعالى، ولم يتعرض له العلامةُ الشَّارِحُ ابنُ الشَّحَبَةِ، كَالنَّاظِمِ شيخِ الإِسلامِ ابنِ وَهْبَانَ رحمهم الله تعالى.
ويُستَفادُ فَسادُ البيع بالاتفاق فيما إذا قالَ: بِعتُ مع تكريرِ الثَّمَنِ لَكُلِّ؛ كقوله: بعثك أرضي بالف، وبعتُكَ شِرْبَها بألفٍ؛ لكونه صار مقصوداً بالبيع بثَمَنِ خاص، وهذا الجدول لبيانِ الصُّورِ المُمكنةِ الصَّحيحة والفاسدة بحَسَبِ ما يليه ذِكرُ الثَّمن كما علمته، وبه يُعلَمُ الصحيحةُ من غَيْرِها، في هذا الجدول رحِمَ اللَّهُ مُؤَلَّفَه. نسألُ اللهَ التَّوفِيقَ لِما يُرضِيهِ.
بعتك - أرضي ذي – بألف - وبعتُكَ شِربها - 1
بعتك -أرضي ذي – وبعتك شربها – بألف - 2
بعتك – أرضي- وشربي – بألف - 3
بعتك – شربي – وأرضي – بألف - 4
بعتك – شربي – بألف – وأَرضي -5
بعتُكَ – بألفٍ- أَرضِي – وشربي -6
بعتك – بألف – شربي – وأرضي – بألف -7
بألف – بعتك – أرضي- وشربي- 8
بألف- بعتك- شربي- وأَرضِي- 9
بألف- أَرضي- وشربي – بعتك -10
بألف- أرضي- بِعتُكَ- وشربي- 1 1
بألف – شربي- وأرضي- بِعتُكَ- 12
بألف- شربي- بِعتُكَ – وأَرضِي- 13
أَرضِي – وشربي – بألف- بِعتُكَ -14
أرضي- وشربي- بِعتُكَ- بألف- 15
أرضي – بعتك- بألف- وشربي-16
أرضي- بِعتُكَ- وشربي- بألف-17
أَرضِي- بألف- بعتُكَ- وشربي- 18
أرضي- بألف- وشربي- بِعتُكَ- 19
وأرضي- شربي- بألف- بعتك-20
شربي – وأرضي – بِعتُكَ- بألف -21
شربي- بِعتُكَ- بألف- وأرضي-22
شربي- بِعتُكَ- وأرضي- بألف- 23
شربي- بألف – بِعتُكَ- وأَرضِي- 24
شربي- بألف – وأرضي – بعتُكَ- 25
وإذا ذكرَ لِكُلِّ مِنهُما ثَمَناً كَانَ البيعُ فَاسِداً -26
كقوله: بعتُكَ شِرْبي بألفٍ، وبعتُكَ أرضي بألف -27
فهذه الصُّوَرُ في بيع الأرضِ وشربها، فإِنْ كَانَ الشَّرْبُ لأرضِ أُخْرَى وبيعَ مَعَ أرض غيرها، ففي صحة ببيعه خلافٌ، فيأتي مثل جميعِ الصُّورِ المُتقدِّمة على القَولِ بصِحَّةِ بَيعه معَ غَيرِ أرضه، على نحو ما قدمناه.
وأما على القَولِ بعَدَم صِحَّةِ بَيعِه أصلاً، فلا يتأتى تصويرها، وقد نَظَمَ العلامة ابنُ وَهْبانَ رَحِمَهُ اللهُ تعالى القَولَ بالصَّحَّةِ فَقالَ: ولو باعهُ أَرْضَا وَشِرْباً لغَيرها يصح وفي إيجارها الفَرْقُ نَيرُ هذا البيتُ منَ التَّمَّةِ»: باعَ الأرضَ مَعَ شِرْبِ أَرضِ أُخْرَى، لم يذكُرُه مُحمَّدٌ رحمه الله، وحُكي عن أبي نَصرٍ مُحمَّدِ بنِ سلَّامٍ أَنَّه يجوزُ البَيعُ، قالَ الفَقيه أبو جعفَرٍ: وإليه أشار في الكتاب، انتهى.
قُلتُ: الصَّحيحُ عَدَمُ الجواز، قال في الفَتاوَى الصُّغَرَى: إذا باع الأرضَ مَعَ شرْبٍ أرض أُخرَى اختَلَفَ المَشايخ، والصَّحيحُ أَنَّه لا يجوز، ولهذا غيَّرتُ الشَّطرَ الثاني من نَظْمِ الشَّارِحِ، فَقُلتُ:
ولو باعَه أَرْضَاً وشِرْباً لغَيرِها فمنع كالايجارِ الصَّحيح المُحَرَّرُ فصار هذا الشَّطْرُ الثَّاني من البيتِ مُبيِّناً الخلاف في صِحَّةِ بيعِ الشِّرْبِ مَعَ أرض أُخرى، ومُظهِراً أَنَّ الصَّحيحَ عَدَمُ صِحَّةِ بيعه كإجازته معها، وتشبيه عدَمِ صِحَّةِ بيعه بإجارته مفيدٌ الفَرْقَ بينَ صِحَّةِ بيعه على القَولِ الضَّعِيف، وبينَ عَدَمِ صِحَّةِ إجَارَتِهِ
لظهوره.
فلذا قُلنا: إذا أَجْرَ أَرْضَاً مَعَ شِرْبٍ أُخْرَى، لا يجوز، والفَرقُ على غير الصحيح بين البيع والإجارة، حيثُ قيل بصحة بيع شربٍ مَعَ أَرضِ أُخْرَى دُونَ إِجارَتِها مَعَها أَنَّ الشَّرْبَ في حق البيع تبع للأرض من وَجهِ؛ لكونه لا يُقصَدُ لَعَينه، وأصل من وَجهِ من حيث إنه يقول بذاته، فجازَ بَيعُه تبعاً لأي أرض كانت.
وأَمَّا الشَّرْبُ في حق الإجارة فهو تبع من كل وجه؛ إذ لا تنهَيَّأُ الزراعةُ إلَّا به، فلم تَجُزُ إجارَتُهُ معَ أَرضِ أُخْرَى كما لم يجُزْ بَيعُ أطرافِ عبد تبعاً لرَقَبَةِ عبد آخر. تنمَّةٌ لبَيانِ أحكام الشَّرْبِ:
وهو بالكَسْرِ: النَّصيبُ من الماء، قالَ ابنُ وَهْبانَ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: وليسَ يُعارُ المَا ولا هُوْ يُؤْجَرُ وما فيه تمليك ولا هوَ يُمْهَرُ ولا الرَّهْنُ والقَرْضُ التَّصَدُّقُ جائِز ولا البيع بل فيه الإباحة تُذكرُ هذه الثمانية من «النتف»، وتجوز فيه الإباحة كالكلا، وجوز بعض مشايخ بَلْخَ بيعه منفرداً، لتعاملهم، والقياسُ يُترَكُ بالتَّعامُل، وقال قاضيخان: ظاهِرُ الرّواية عدَمُ بَيعِه مُنفَرِداً، وإن تعامل به في قَرْيَةٍ. وإذا تعدى وسقَى أَرْضاً بِشِرْبِ غيره، لا يضمَنُ على الأصح، وعليه الفتوى؛ لأنه قبل الإحراز ليسَ مَمْلوكاً، وإذا أخَذَه مرَّةً بعد أخرَى يُؤَدِّبُه السلطانُ بالضَّرب أو الحَبْسِ إن رأى ذلك.
وإذا كانَ نهر لرجُلٍ يمُرُّ في أرضه، فادَّعَى فيهِ آخَرُ شِرْبَ يومٍ فِي الشَّهِرِ، وَبَرْهَنَ عليه، قضى له به استحساناً؛ لأنَّها شهادة بمعلومٍ في مُعيَّن من ثلاثين يوماً، وكذلك سيل الماء، وإنْ لم يذكُرِ الشَّهرَ لا يُقبَلُ.
نهرٌ لقوم ولرَجُلٍ أرضٌ بجنبه ليس له فيه شِرْبٌ، له أن يشرب ويسقي دابته منه ما لم يكسر ضفته، وليس له دَفْعُ الماء بالقِربِ ليَسقِيَ زَرْعَه أَو شَجَرَه في الأَصَحُ، ولأهلِ النَّهْرِ المَنْعُ بِخِلافِ أَخْذِه الماءَ بالقِربِ ليسقي دوابه، فلا يُمنع منه. نهرٌ مُشتَرَكٌ أذِنَ أصحابه رجُلاً بالسَّفْي منه إِلَّا رَجُلاً ليسَ لَه سَفْيُ أَرضِهِ إِلَّا بإذن الكل.
نهرٌ لقوم جَرَى في أرضِ آخَرِينَ فَانشَقٌ وخَرِبَ بعضُ الأراضي لمُلاكِ الأراضي مطالبة أرباب النهر بإصلاح نَهرِهِم دُونَ عمارة الأراضي. ألفى شاة ميتةً في نهر طاحُونِ فَخَرِبَتْ إنْ كانَ النَّهرُ لا يحتاجُ إلى الكَرْيِ لا يضمَنُ، وإنْ كانَ يحتاجُ وعلم الخراب من ذلك ضَمِنَ.
سقى أرضه بنَوبَتِه ثُمَّ أَرسَلَ الماء إلى النَّهْرِ، فَجَاوَزَ أَرضَهِ، فَامْتَلأَ النَّهْرُ وغَرِقَ أرضُ رَجُلٍ وزَرْعُه بَتُرَابٍ طَرَحَه رجُلٌ آخَرُ في أَسفَلِ النَّهْرِ، فالضَّمان على طارح التُّرابِ لا على مُرسل الماء. بئر في ملكه أو كَلَا، له المَنعُ منَ الدُّخول في ملكه لمَن يُرِيدُ الأَخذَ، وإِنْ كَانَ الكلا على الشركةِ، إِنْ وُجِدَ غيره، وإلَّا فيُقالُ للمالك: إما أن تُمكِّنَ الطَّالب من الدخول، أو تُعطيه ذلك.
له مجرى ماءٍ على سَطْحِ دارِ، فَخَرِبَ السَّطْحُ، فَإِصلاحه على رَبِّ السَّطْحِ كالشفل معَ العُلُو، لكن لا يُجبَرُ على العمارة، ويُقال للذي له حقُّ الأجر: اصنع شيئاً يجري فيه الماء على سطح الجارِ لينفذ الماء إلى مَصَبِّه، كذا في الفَتَاوَى البَزَّازِيَّةِ».
قسموا الشِّرْبَ حالَ غَيبة أحدِهِم وأَوْفَوه قِسْطَه، ليس له النَّقْضُ، وإِلَّا نَقَضَها، بخلاف قسمة الأعيانِ بغيبة أحدهم؛ إذ ليس له النَّقْضُ على كلِّ حالٍ؛ لأنَّ النَّقْضَ في الأعيانِ يُفيدُ؛ لأنَّه رُبَّما يقعُ أجودَ منَ الأُولى في قِسْطِه، وهنا لا يَقَعُ؛ لأنَّه مِثْلُ الأُولى، فلا فائِدَةَ فِي النَّقْضِ.
أحاط الإحياء بالجهات الأربع مما أحياهُ، فَطَريقُه من الرابع للتَّحَوُّلِ إلى الثَّاني، ثمَّ الثَّالث، ثمَّ تعينَ الرَّابِعُ، والله سُبحانَه أَعلَمُ.
انتهى جمعه وتحريره في شهر ربيع الأوَّلِ سنة إحدى وستينَ وألف وحسبنا الله ونعم الوكيلُ، نِعمَ المَولى ونعم النصير، وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.