منة الجليل في قَبُولِ قَولِ الوكيل
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
منة الجليل في قَبُولِ قَولِ الوكيل
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الهادي إلى سَبيلِ الرَّشاد، المُيسِّرِ بفضلِهِ لِمَن توكَّلَ عَلَيْه عزيز المُراد، الذي شَمِلَتْ عِنايتُه مَنِ اعتمد في جميع أحواله عليه، فمنحه من فضله المُرامَ وزادَ، وحفظه بمنيعِ حِرْزه حيثُ اتَّخَذَه وكيلاً كما أمر به خير الأنبياءِ المُصطَفَينَ الأمجادِ، فشرف الوجود به وزانَه، ورفع قدْرَه وعظَمَ مكانه، سيدنا وسندنا محمَّدٌ أكرمُ مَن بلَّغَ الرّسالةَ وأدَّى الأمانة، صلَّى الله وسلَّم عليه وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسَلِينَ، والملائكةِ المُقرَّبِينَ، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذُرِّيَّتِه والتَّابِعِينَ، والأئمة المُجتهدِينَ، ومُقلّديهم إلى يومِ الدِّينِ، آمين.
وبعد:
فيقول العبد الفقير إلى مولاه الغني القديرِ أبو الإخلاص حَسَنُ الشَّرنبلالي الوفائيُّ الحنفي، عامله الله بلطفه الخَفي، وغفر له ولوالديه ولمشايخه وذُرِّيَّتِه ومحبيه والمُنتمِينَ إليه وجميع المسلمين: قد وَردَ سؤال عن وَكيل ادَّعى بعد موت موكله إيصال ما وكله في قبضه من أُجرة أماكن يستغلها له، فلم تُصدّقه الورثة في دعواه الإيصال للمورثِ حال حياته، فهل يُقبل قوله في الدفع بيمينه أم لا بُدَّ من بَيِّنة؟
فأجبْتُ بأنَّه يُقبل قوله بيمينه لبراءةِ ذِمَّتِه ممَّا قبضَ؛ لأنَّه أمين يدَّعي إيصال الأمانة إلى مستحقها، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ولما كانَ ذلكَ مُشتبهاً على المُتفقهة، بل قد حصل سابقاً الإفتاء بخلافه من بعض المشايخ؛ لما يُتَوهَّمُ من عبارة العلَّامَةِ الشَّيخِ زَيْنِ بنِ نُجَيمِ رَحمَهُ اللَّهُ فِي الأشباه والنظائر»، ممَّا ظاهرُه أَنَّه لا يُقبل قول الوكيل المذكور إلَّا ببينة.
ونصه في باب الأمانات: كلُّ أمين ادعى إيصال الأمانةِ إِلى مُستحقها قُبِلَ قوله، كالمُودَع إذا ادعى الرَّدَّ، والوكيلِ والنَّاظِرِ إذا ادعى الصرف إلى الموقوف عليهم، وسواء كان في حياةِ مُستحقها أو بعد موته، إلا في الوكيل بقبض الدِّينِ إذا ادعى بعد موت الموكل أنه قبضه ودفعه له في حياته، لم يُقبل إلَّا ببينة، بخلاف الوكيل بقبض العَينِ والفَرقُ فِي الْوَلْوَالجِيَّةِ. انتهى عبارة «الأشباه والنظائر. وقد تأملتها مراجعاً لكُتُبِ المذهَبِ وأصلها، فلم أر لذلك الذي استثناه أصلاً، بل المخالفة له صريحةٌ بمجالها .. أردتُ إزالة ذلك الاشتباه واللبس، ونقل صريح المذهب بما يدفعُ كل تخمين وحَدْس، وتحقيق المسألة وحصول المُرادِ بما تضمنته عبارة «الْوَلْوَالجِيَّةِ» بعناية مولانا سبحانه الملك الكريم الجواد، طمعاً في جزيل الثَّوابِ بنفع العبادِ ليوم المعاد، وسمّيته:
منة الجليل في قَبُولِ قَولِ الوكيل
ولنشرع في النقل والإيضاح بعناية مولانا الكريم الفتّاح، فنقول لإيضاح المسألة بتقسيمها: إنَّ الوكيل إما أن يكون وكيلاً بقبض دَينِ ثابت لموكله في ذمَّةِ غيره، أو دين استقرضه الموكل بنفسه ووكَّلَه في قبضه من غيره.
وإذا ادعى الوكيل إيصال ما قبضه لموكَّله إما أن تكون دعواه في حياةِ مُوكَّله أو بعد موته، وفي كل منها يُقبل قول الوكيل بيمينه لبراءة ذمته، ودعواه هلاك ما قبض في يده؛ كدعواه الإيصال مقبولة لبراءته بكل حال.
وأمَّا سراية قوله على مُوكَّلِه ليبراً غريمه، فهو خاص بما إذا ادعى الوكيل حال حياة موكله بالقبض.
وأما بعد موته، فلا تثبت براءةُ الغَريمِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ يُقيمُها، أو تصديق الورثة على قبض الوكيل ولو أنكروا إيصاله لموكله.
وأما الوكيل بقبض ما استدانه المُوكَّلُ، فلا يسري قوله على مُوكَّلِه حال حياته إذا أنكر قبضَه على المُفتَى به، كما بعد موته، فلا بُدَّ من البرهان. وهذه عبارةُ الْوَلْوَالجِيَّةِ» تُفيدُ ما قدَّمناه، قال: ولو وُكُل بقبض وديعة ثم مات المُوكَّلُ فقال الوكيل: قَبضْتُ في حياتِه وهَلَكَ، وأنكر الورثة، أو قالَ: دَفعته إليه، صدق، ولو كانَ دَيناً لم يُصدَّقُ؛ لأنَّ الوكيل في المَوضِعَينِ حتَّى أمراً لا يملك، سببه على طريق المجاز في الحذفِ، لكنَّ من حكى أمراً لا استئنافه؛ أي: استئناف. يملك استئنافه إن كانَ فيه إيجابُ الضّمان على الغَيرِ، لا يُصدق، وإن كان فيه نفي الضمان عن نفسه، يُصدَّقُ، والوكيل بقبض الوديعة فيما يحكي ينفي الضمان عن نفسه، فيُصدق، والوكيل بقبض الدين فيما يحكي يُوجِبُ الضّمان على المُوكَّلِ وهو ضمان مثل المقبوض، فلا يُصدَّقُ، انتَهَى عِبارَةُ الْوَلْوَالِجِيَّةِ.
فتأمل استدراكه على ما شَمِلَه ظاهرُ أَوَّلِ كلامه من افتراق حُكمِ الوكيلين، بعد تعليل بما يشملهما معَ افتراقِ حُكمِهما، فإنَّه استدْرَكَ ووَزَّعَ تعليل الحُكمِ بتوفير الطرفين حظهما، ثمَّ دفَعَ الشُّبهة بيانِ اتَّحادِ حُكمِهما الذي هو نفيُّ الضَّمان عن أنفسهما بدعواهما الدَّفع إلى المُوكَّل أو الهلاك في أيديهما.
ثم بيان اختصاص الوكيل في قبض الدِّينِ بعدم قبول قوله في إلزام موكَّلِه بدعواه الدفع إليه في حياته، وإشارته إلى أنَّ المُرادَ بِالدِّينِ دينٌ أَرادَ المُوَكَّلُ إثباته على نفسه باستدانتِه لِقولِ «الْوَلْوَالِجية»:
والوكيل بقبض الدِّينِ فيما يحكى يُوجِبُ الضَّمَانَ على المَوَكَّلِ، وهو ضَمَانُ مِثْلِ المقبوض (؟)؛ لأنَّ الدِّينَ الذي يكون للموكَّل على غيره لا يكون قول الوكيل فيما يُحكى من دفعه لموكَّلِه موجِباً على الموكَّلِ ضَمانَ مِثْلِ المقبوض، لكن قد يُقالُ: المُرادُ بالزَّمانِ ما هو أعمُّ فيشْمَلُ الضَّمان الحكمي الحاصل بقبض مِثْلِ الدين على القابض، ثمَّ يقعُ التَّقاص بما في الذَّمَّتَينِ، فيُرادُ بالدِّينِ دين له، وفيه کلام سنذكُرُه إِنْ شَاءَ اللهُ تعالى.
وعلى كل حالٍ تثبت براءة الوكيل بقوله وإن لم يَببَرَأُ غَرِيمُ المَيِّتِ، كما لا يثبتُ للمقرض شيء على المُوكَّلِ بقول الوكيل: قبضْتُ، ولو كانَ في حياةِ المُوكِّلِ وقد أنكر قبضَ الوكيل على المفتى به.
وإيضاح فهم كلامِ الْوَلْوَالجِيَّةِ بأنْ يُقالَ: إِنَّ قولَه صِدقُ يَحتَمِلُ أَنَّه - أي: الوكيل - يصدقُ في براءةِ نفسه وهو ظاهر، ويحتَمِلُ ما هو أعم، فيصدقُ أيضاً في براءة الوديع، ولا يُقالُ ببراءته؛ لأنَّ قولَ الوكيل لا يسري على المُوكَّلِ بعد موته، لكنه دفع هذا الأخير بقوله: والوكيل بقبض الوديعة فيما يحكي ينفي الضمان عن نفسه، فيُصدق، أي: فلا يُصدَّقُ في براءةِ الوديع.
وقوله: ولو كانَ دَيناً لم يُصدَّقُ، يحتَمِلُ أيضاً أنه لم يُصدَّقُ في براءة نفسه، ويحتمل أنه لم يُصدَّقُ في إلزام مُوكَّلِه، الثاني ظاهر؛ لخروجه عن الوكالة، والأوَّلُ لا يُقالُ به؛ لأنَّ الوكيل أمين بالنظر لبراءةِ ذِمَّتِه، وأمانته لم تبطل بموتِ المُوكِّلِ، بل بطل تصرُّفه وسرايةُ قوله على غيره من المُوكَّلِ والمقبوض منه الدِّينُ. فظهرَ أنَّ المنفي سرايةُ قولِ الوَكيل على غيره فقط، فيبرأ في دعواه دفع الدِّينِ أو هلاكه، كالوكيل بقبض العَينِ؛ وذلك لأنَّ المقبوض في يده أمانةٌ كما سنذكره بصريح النقول على كل حال.
والدين حال قبضه سلَّمه مالكه مُختاراً للوكيل، وسلطه على دفعه للموكل، فالوكيل أمين منَ الطَّرفينِ، ومَن يُطالبه بعد موتِ المُوكَّلِ إِنْ يَكُنْ مالك العَينِ فلا يضمنها مأموره؛ لامتثاله أمره بدفعها للموكل، ولا بهلاكها في يده، فكان القول قوله بيمينه لنفي ضمانه، وإنْ يكُنِ الطَّالب وارثَ المُوكَّلِ بما قبضَه الوكيل، فهو أمين فيما قبضَ.
وقوله مقبول في براءةِ ذِمَّتِه، فغاية ما يلزم من قولِ الْوَلْوَالجِي: ولو كانَ ديناً لم يُصدَّقُ» تخصيص مُتعلّق النفي، أي: لم يُصدَّقُ في لزومِ الدِّينِ عَلَى الموكَّل لو كانَ مُستقرِضاً، ولا في براءة المديون لو كان الموكل دائنا، وسيظهرُ ذلك ويظهرُ وجه صحة ما قلناه في تقسيم المسألة بالاستناد إليها، فنقول: أما براءة الوكيل بقبض الدين سواء كانَ دَيناً للميت على غيره، أو ديناً استقرَضَه وأرادَ إنشاءه وإثباته في ذِمَّتِه بدعواه بعد الموتِ الدَّفع لموكله حال حياته، فلما قال في الحاوي القُدسيّ»: الوكيل بالقبض إذا قبضَ المال كان أمانة في يده كالمودع، والقول قوله مع يمينه في هلاك المالِ وفي تسليمه إلى من أمر به، ويبرأُ هو ولا يصدق على غيره، انتهى.
لأن قوله: ولا يصدق على غيره لا يصحُ إِلَّا في مثلِ صُورتنا هذه، وهي دعوى الدفع في حال الحياةِ معَ إنكار الورثة؛ لأنَّ الموكل لو كان حيا لسرى قول وكيله بالقبض عليه، وبرى غريم الموكَّل من دينه، كما سنذكره، ولما قال في البدائع: ومنها - أي: أحكام الوكلاء - أنَّ المقبوض في يد الوكيل بجهة التوكيل بالبيع والشراء، وقبض الدين والعين وقضاء الدين أمانةٌ بمنزلة الوديعة؛ لأنَّ يدَه يد نيابة عن الموكَّلِ، بمنزلة يد المودع، فيضمن بما يضمن في الودائع، ويبرأُ بما يبرأ فيها، ويكون القول قوله في دفع الضمان عن نفْسِه، انتهى.
والأمينُ لا يخرج عن كونه أميناً بموت الموكل، كما سنذكره نصا. ولما قال في «كافي الحاكِمِ الشَّهيد رحمه اللهُ: وَكَّلَه بقبض دَينِهِ على رَجُلٍ يقتضيه كانَ بمنزلة الوديعة عند الوكيل.
ولما قال في «كافي الحاكم» من باب الوكالة في الدِّينِ: وإذا وكَّل وكيلاً يتقاضى دينه وقبضه، إلى أن قال: وكلُّ وكيل سمينا في هذا الكِتابِ دفَعَ بغيرِ بيِّنة، ولم يكتب براءة فلا ضمان عليه، وهو مُؤتَمنُ إلَّا أن يكون الموكل قال له: لا تدفع إلا بشهود، فإن كانَ قالَه فهو ضامِنٌ، فإنْ قالَ الوَكيلُ: قد أَشْهَدْتُ وجَحَدَ ذلك
الطالب، ولم يكن للوكيل شهودٌ إِلَّا قوله: قد أشهدْتُ، كانَ الوكيل بريئاً منَ الضَّمَانِ بعد أن يحلف على ذلك.
وكذلك لو قال: لا تدفع إلا بمحضر من فُلانٍ، فدفع بغير محضر منه فهو ضامِنٌ، فإن وكله بدفع ما لِفُلانٍ عليه إليه، فارتد الوكيل ثمَّ دفعه إليه، فهو جائز، وإن ارتد الموكَّلُ ثُمَّ قُتِلَ على رِدَّتِه.
أو لحق بدار الحرب، فقالَ الوَكيلُ: دفعتُ المال قبل أن يُقتل أو قبل أن يرتد فالقول قوله.
وإن دفع الموكَّلُ المال إلى الطالب، ثمَّ دفع الوكيل المال الذي معه إليه وهو لا يعلم، فلا ضمان عليه، وهذا مِثْلُ إخراجه من الوكالة وهو لا يعلم.
وكذلك لو أنَّ الطَّالب وهَبَ المال للمطلوب، ثمَّ دفعه الوكيل إليه، فلا ضَمان على الوكيل، وللموكَّلِ أنْ يرجع بالمال على الطالب، ولو دفعه الوكيل وهو يعلمُ بذلك كان ضامناً له، ويرجعُ به الوكيل على الذي قبضه.
ولو لم يكن من ذلك شيء، ولكنَّ الطَّالب ارتدَّ ثم دفع إليه الوكيل المال، فإن قتل أو لحق بدار الحرب فدفع الوكيل إليه باطل، ولا يضمنه الوكيل إلَّا أَنْ يَعلَمَ أَنَّ هذا لا يجوز، فإن علمه ودفَعَ ضمنَ، ويرجعُ الوكيل به في مالِ المُرتد الذي كَسَبَه في الرُدَّةِ، فإن لم يلحَقِ المُرتد بالدَّارِ ولكنَّه أسلم، فقبضه جائز. وقال أبو يوسف ومحمَّدٌ: قبضه جائز أسلم أو قُتِلَ أو لحق بدار الحرب. ولما قال في كافي الحاكم: وإذا وكُل رجُلاً ببيع عبد له ودفعه إليه، فقال الوكيل: قد بعثه من هذا وقبضَتُ الثَّمَنَ منه وهلَكَ، وادعى المشتري ذلك، فهو جائز، والوكيل مُصدَّقُ فيه مع يمينه.
فإن كان الأمر قد ماتَ فقالَ وَرثتُه: لم تَبعه، وقال الوكيل: قد بعثه من فلان بألف وقبضْتُ الثّمن وهلَكَ، وصدَّقَه المُشتَري، فإن كان العبد قائماً بعينه، لم يُصدق الوكيل على البيع إلَّا أنْ يُقيمَ بيِّنةً أنه باعَه في حياةِ الأمر، فإن لم تكن له بينةٌ رُدَّ البيعُ وضَمِنَ الوَكيلُ الثَّمن للمُشتَري، وإنْ كانَ العبد مستهلكاً، فالوكيل مُصدق بعد أن يحلِفَ أَسْتَحْسِنُ ذلك، انتَهَى. ومثله في الأخيرة»، ولما قال في كافي الحاكم»: ولو كانَ؛ أي: المُرتد الذي لحق بدار الحرب وكله ببيع: عبد بعينه فقال الوكيل: بعثه في إسلامه ودفعْتُ الثَّمَنَ إليه، فإن كان العبد قائماً بعينه لم يُصدَّق الوكيل، وإنْ كانَ مُستهلكاً فالقول قوله، والبينة أيضاً بيته. ولما قال أيضاً: ولو وكَّلَتِ المُرتدَّةُ وكيلاً يتقاضى دَيناً لها، أو يقضي عنها ديناً، أو يُخاصم لها في شيءٍ تدَّعيه، أو يُدعى قِبَلَها، ثمَّ لَحِقَتْ بدار الحرب، انتقضَتِ الوكالة، ولا يجوز له فِعْلُ شيءٍ من ذلك بعد لحاقها أو بعد موتها، فإن قال الوكيل: قد فعلته في حياتها فما كان من بيع أو شراء، أو تقاضي دين، أو قضاء مهر، يُصدَّقُ في كلِّ شيءٍ مُستهلك، ولا يُصدَّقُ في القائم بعينه.
ولو قال: قد قَبضْتُ دَيناً لها من فُلانٍ لم يُصدَّقُ على ذلكَ إِلَّا بَيِّنَةٍ، وإِنْ كانَ قائماً بعينه، وإن قال: قد قبضتُ المال الذي قد أعطتني فلانة، وقد كانت أمرته بذلك، فهو مُصدَّقُ إذا كانَ المال. غير قائم بعينه.
وإِذا وَكَّلَتِ المُرتدَّةُ وَكِيلاً بقبض وديعة لها، ثم ماتت، فقال: الوكيل قبضتها ودفعتها إليها، وقال الورثة: قبضتها بعد موتها، فالقول قول الوكيل؛ لأنَّ هذه مُستهلكة، ولم تكن مضمونةً، وكذلك سائر الأمانات، وأما الدين، فلا يُشبه هذا انتهى.
فإِنْ قُلْتَ: يَرِدُ عليكَ قوله هذا في «الكافي»: فأَمَّا الدِّينُ فلا يُشبِهُ هذا.
وكذلك قوله في «الكافي»: الوَكيلُ بالتَّقاضِي والقَبْضِ جائز الأمرِ إنْ كانَ الموكَّل حاضراً أو غائباً أو مريضاً، فإن مات المطلوب، فالوَكيلُ على وكالته في تقاضي ذلك من مال الميت، ولو كانَ المُوكَّلُ هو الميت خرج الوكيل من الوكالة، فإنْ قالَ: قد كُنْتُ قبضَتُ ذلكَ في حَياةِ المُوكَّلِ ودفعت إليه، لم يُصدق على ذلك، انتهى.
ومثله في الخلاصةِ» مَعَ زِيادَةِ: لم يُصدَّقُ إِلَّا بِحُجَّةِ.
وكذلك قال الحَاكِمُ في «الكافي»: ولو وكَّلَه بقبض وديعةٍ له عندَ رَجُلٍ أو عارية، ثمَّ هَلَكَ المُوكَّلُ فقَدْ خَرَجَ الوَكيلُ عن الوكالة، فإنْ قالَ الوَكيلُ: قد كُنْتُ قبضتها في حياتِه وهلَكَتْ عِندِي، أو دفعتها إلى الميت فالقول قوله، وليس هذا مثل الدِّينِ، انتهى.
قُلْتُ: لا يَرِدُ؛ لأنَّ المنفِيَّ في هذه المسائلِ سَرَيانُ قَوْلِ الوَكِيلِ عَلَى المُوَكِّلِ؛ لكونه حتى أمراً لا يمْلِكُ استثنافَه، وفيه إلزام على المُوكَّلِ وَبَرَاءةُ غَرِيْمِه، فلا يُصدق فيه، وليسَ النَّفْي مثناً ولا براءة الوكيل؛ لما قَدَّمَه الحَاكِمُ مُصرحاً به في براءَةِ ذِمَّتِه بقوله: وهذا مِثْلُ ما ذَكَرْناه في كَلامِ «الْوَلْوَالِجِيَّةِ».
وقد ذكَرَ مِثْلَ ما وجَّهْنا به كَلامَ الْوَلْوَالِجِيَّةِ فِي مَجْمَعِ الرِّواياتِ شَرْحِ القُدُورِيِّ، بعْدَ نَقْلِهِ كَلامَ الخُلاصة» الذي قدمناه، فقال ما نه: قال في ملتقى البحاره في كِتابِ الصُّلح: إذا قال المُودَعُ: هَلَكَتِ الوَدِيعَةُ، أَو رَدَدْتُها عليك ... إلى آخره، وتوجَّهَ اليَمينُ على المودع بنفي التهمة عنه، فإنَّ البَرَاءةَ وإن ثَبَتَتْ بقوله، الكنَّها لما لم تظهر ثبَتَتْ بالتُهمَةِ، والدليل على أنَّ البَرَاءةَ تثبت بقوله أنه لو مات المودِعُ قبل أن يحلف كانَتِ البَراءةُ ثابتةٌ حَتَّى لا يحلف وارثه على العلم. والوكيل بالقبض إذا قبض، فالمال أمانة في يده كالمُودَع؛ لأنه لم يأخُذْه بجهة مضمونة؛ أي: عليه؛ لدخوله في التَّصَرُّفِ على سبيلِ النَّبِرُّعِ، والقَولُ له مَعَ يمينه في هَلاكِ المال، وفي تسليمه إلى مَنْ أمَرَه المُوكَّلُ بالتسليم إليه، ويَبَرَ أُهْوَ؛ لأنَّ القول في الشع قول الأمين مع اليمين كالمودع إذا ادعى ردَّ الوديعة فلا يُصَدَّقُ على غيره، يعني الذي ادَّعَى تسليمه؛ لأنَّه مُدَّعِ فِي حَقِّه، فلا يُقبل قوله إلا بينة؛ أي: كانَ القَولُ للمودع في بَراءةِ ذِمَّتِه، ولا يُصدَّقُ في إيجابِ الزَّمانِ على غيره، انتهى.
وقد حصل الاشتباه بنقل صاحِبِ الأشباءِ» تلكَ العِبارة عنِ الْوَلْوَالِجِيَّةِ» في ثلاثة مواضع مُختَصَرة لا على وَجهِ الأَكْمَلِ:
منها: ما تقدم في باب الأمانات، وعَلِمْتَ ما فيه.
والثاني منها ما قاله صاحِبُ الأشباءِ» قبل هذا في كِتابِ المُدايَنَاتِ: تفرع على أنَّ الديون تُقضى بأمثالها مسائل، منها: الوكيل بقبض الدين إذا ادَّعَى بعد موت المُوكِّلِ أَنَّه كانَ قبضه في حَياتِه ودَفعه له، فإنَّه لا يُقْبَلُ قوله إلَّا بيِّنة؛ لأنَّه يُريدُ إيجابَ الزَّمانِ على المَيِّتِ بخِلافِ الوَكيل بقبض العين، كما في وكالة «الْوَلْوَالِجيَّةِ»، انتَهَى.
فقد حصَلَ الاشتباه أيضاً بقوله: لا يُقبَلُ قَولُه إلَّا ببينة، هلِ المَنفِيُّ عام في حقِّهِ وحقٌّ مُوكَّلِه، أو المَنفِيُّ ثُبوتُ الدِّينِ على الآمر فقط، لا براءة الوكيل بالقبض بقوله: قبضته في حَياتِه ودَفَعْتُه له؟
وفيه اشتباه أيضاً من احتمالِ كَونِ الدَّينِ للموكَّل على غيره، أو ديناً أرادَ إنشاءه باستقراضه على نفسه، وقد يُقالُ: إِنَّ المُرادَ دَين أرادَ المُوكَّلُ إنشاءه على نفْسِه، لا دَين له على غيره؛ لأنَّه لا يُقالُ فيه: إنَّ الوَكيل بقبضه يُريدُ بدعواه قبْضَه ودفْعَه للموكَّل إيجابَ الزَّمانِ على الميِّتِ، فعدم قبولِ قَولِ الوَكِيلِ بِالنَّظِرِ للزومِ الدِّينِ على الميِّتِ، أو بالنَّظرِ لبَراءةِ مديون الميّت لو كان دائناً، لا بالنَّظرِ لِبراءةِ ذِمَّةِ الوَكيل ممَّا قبضَه ودفعه بأمرِ مالِكِه لِغيرِه مُطلَقاً.
ووجه إرادة التخصيص بدَينِ على الآمرِ وإِنْ كانَ الحُكْمُ أعم - أعني: براءةَ الوكيل بقوله بعد مَوتِ المُوكَّلِ: قبضْتُه ودفعته - لزومُ الزَّمانِ الحَقيقي باسْتدانة الموكَّل، ولا يُرادُ ما هو أعمُّ فيشْمَلُ اللُّزومَ الحُكميَّ؛ لما قال في «الذَّخيرةِ»: إذا وكل بقبض دَينه فهو جائز.
وفي المسألة نوع إشكال؛ لأنَّ التوكيل بقبض الدين توكيل بالاستقراض معنى؛ لأنَّ الديون تُقضَى بأمثالها، فما قبضه رَبُّ الدِّينِ من المَديون يصير مضموناً عليه، وله على الغَريم مثل ذلك، فيلتقيان قصاصاً، وقد ذكرنا أنَّ التوكيل بالاستقراض غير صحيح.
والجواب: التوكيل بالقبض رِسالةٌ بالاستقراض من حيث المعنى، وليس بتوكيل بالاستقراض؛ لأنَّه لا بُدَّ للوكيل بقبض الدِّينِ من إضافةِ القبض إلى موكَّلِه، بأن يقول: إن فلاناً وَكَّلَني بقبض ما له عليكَ منَ الدِّينِ، كما لا بُدَّ للرَّسولِ في الاستقراض من الإضافة إلى المُرسل، بأن يقول: أرسلني فلان إليكَ يقولُ لك: أقرضني كذا، بخلافِ الوَكيل بالاستقراض فإنَّه يُضيفُ إلى نفْسِه فيقولُ: أَمْرِضْني، فصح ما ادعينا أنَّ هذا رسالة معنى، والرسالة بالاستقراض جائزة، وله أن يتقاضى ديونه كلَّها ويقضيها؛ لأنَّ الدِّينَ اسمُ جنس، فينصَرِفُ إلى الديونِ كلَّها، انتَهَى. ودَفْعُ الشُّبهة بما قدَّمناه وبما قال في «الأخيرةِ»: قالَ مُحمَّدٌ في الجَامِعِ: إذا قال لغيره: ادْفَع إلى فلان ألف درهم، أو قالَ: أَعطِ فلاناً أَلفَ دِرهَمٍ على أَنِّي ضامِنٌ لها، والمدفوع إليه يسْمَعُ هذه المقالة، فدفَعَ المأمور إلى فلان ألف درهم، فالألفُ قرْضُ للدافع على الأمر، وليس للمأمور أن يأخُذَها بعينها من القابض، وللآمرِ أنْ يأخُذَها بعينها منَ القابِضِ؛ لأنَّ شَرْطَ الضَّمَانِ لا يخلو من أحدِ الوَجْهَينِ: إمَّا التَّحملُ بطريق الكفالة، وهو المعهود من لفظةِ الضَّمَانِ.
وإما لجهة الأصالة بالاستقراض. والأول لا وَجهَ إليه، لأنَّ شرْطَ الضَّمان بطريقِ التَّحملِ بِأنْ يكونَ الزَّمانُ ثابتاً في حق الأصل، ولا ضَمان على المدفوع إليه هاهنا ليتحمله الأمر بالكفالة، فتعينت جهة الأصالة بالاستقراض، وصار المدفوع إليه وكيلاً عن الأمر بالقبض، كأنَّ الأمر بالقبض قال للدافع: أقرِضْني ألف درهم وادفعها إلى فلانٍ، فَإِنِّي وَكَّلْتُه بقبضها، فإذا قبضها صارَ قَرْضَاً على الآمر وديعة عند الوكيل.
وهذا القابض إنْ هلَكَ في يده، لا شيء عليه؛ لكونه أميناً، وإن أتلفه كان عليه الضمان، وإنَّما شَرَطَ في الكِتابِ أنْ يكونَ المدفوع إليه حاضراً يسمع الكلام؛ لأنَّ المدفوع إليه يصيرُ وكيلاً عن الأمر بالقبض، والتوكيل لا يصح قبلَ عِلْمِ الوَكِيلِ، فشَرَط حضرته وسماعه ليكون وكيلاً، انتهى.
وهذا نص عن محمَّد رحمه الله ضابط المذهَبَ فِي رَدُّ الشُّبهة الحاصلة في الأشياء.
وفي العبارة التي قدمناها عن «الكافي» و «الخُلاصة»، وتُدفَعُ أيضاً بما قال في الذخيرةِ»: يد الوكيل يدُ أمانة، والدَّرَاهِمُ والدَّنانير يتعيَّنانِ في الأمانات. وتُدفَعُ أيضاً بما قال في «المُنتَقَى»: الوكيل بالبيع لو وَكَّلَ بِقَبْضِ الشَّمنِ من غيرِ أمر الأمر، فقبض وهلك في يده، قال أبو حنيفة رحمه الله: لا ضَمان على القابض، وإِنَّما الضمان على الوكيل.
وفي سرقة شيخ الإسلام رحمه الله: الوكيل بقبض الدِّينِ إِذا وَكَّلَ مَن في عياله بالقبض، صح، حتى لو هلك في يد الثاني يهلك على ربِّ الدِّينِ، كذا في «الذخيرة».
وتُدفَعُ أيضاً بما هو نصُّ الذَّخيرةِ»، قال: رجل استودَع رجلاً متاعاً، ووَكَّلَ رجلاً بقبضه، فدفَعَ المُستودعُ إلى الوكيل غير متاعِ المُوكِّلِ، فدفعه الوكيل إلى
المُوكَّلِ فهلَكَ عندَه، فضمانه على المُوكَّلِ؛ لأنَّه قبضه على أنَّه متاعُه، ولا ضمان على الوكيل؛ لأنَّه حينَ دَفعه إلى الموكَّلِ برِسالة فلانٍ على أَنَّهُ لِفَلانٍ فَقَدْ سَلَّطَه على الدفع إلى فلان، انتهى. وقد ذكر صاحِبُ «الأشباءِ» في «البَحرِ» مثل ما أظهرنا به الحكم في إيضاح كلام الْوَلْوَالِجيَّةَ»، فقال في البَحرِ»: الوكيل بقبض الدِّينِ إذا قال: قبَضْتُ ودَفَعْتُ إلى الموكَّل، فالقول له مع اليمين؛ لأنَّه أمين أخبر عن تنفيذ الأمانة من حيثُ لا يلزم المُوكَّل ضماناً، انتهى.
لأن هذا ظاهر في دَينِ المُوكَّلِ، والإخبارُ حال حياته أو بعد موته؛ إذ لا ضمان على الميت وإنْ برِئَ الغَريمُ بقولِ الوَكيل حال حياةِ المُوكَّل.
وأما إذا كانَ دَيناً أراد إنشاءه على نفسه فكذلكَ الوَكيلُ أخبر عن تنفيذ الأمانة بأمر مالكها، ولا يسري قوله على المُوكَّلِ إذا أنكر القبض، كما لا يسري عليه قول الوكيل بعد الموت، انتهى.
وقال في «البَحرِ»: ومِن حُكمِها -:أي: الوكالة - أنَّ الوكيل أمين فيما في يده، كالمودع فيضمَنُ بما يضمَنُ به المُودَعُ، ويبرأ بما يبرأ به، والقول قوله في دفع الزَّمانِ عن نفْسِه.
ثم قال: فلو دفع له مالاً، وقال: اقضه فلاناً عن ديني، فقال: قضيته، وكذَّبَه صاحبُ الدِّينِ، فالقَولُ للوكيل في براءته، وللدائن في عدمٍ قَبضِه، فلا يسقُطُ دَينُه، وعلى هذا لو أمَرَ المُودعُ بدفعها إلى فلان فادَّعاه وكذَّبَه فلانٌ، انتَهَى.
وقال قاضيخان: الوَكيلُ بقبض الدِّينِ إذا قال: قبضْتُ ودفعْتُ إلى الموكَّلِ كَانَ القول قوله؛ لأنَّه أمين يدَّعي إيصال الأمانة إلى صاحبها، فيُقبَلُ قوله، انتهى.
وظاهره حصول القبولِ بعد موتِ المُوكِّلِ، وإن كانَ الحُكم أعم، فيحصل ثبوتُ الْمدَّعَى.
والموضعُ الثَّالثُ ذكرَه صاحبُ «الأشباه» في كتابِ الوكالة، فقالَ: الوَكيلُ يُقبَلُ قوله بيمينه فيما يدعيه، إلَّا الوكيل بقبض الدين إذا ادعى بعد موتِ الموكَّلِ أَنَّهُ كَانَ قبضه في حياته ودفعه إليه، فإنَّه لا يُقبل قوله إلَّا بَيِّنَةٍ، كما في «فتَاوَى الْوَلْوَالِجي» من الوكالة، وقد ذكرناه في الأمانات، ثمَّ قال: وفي «جامع الفُصُولَينِ» قال كما ذكرنا، لو قال: كنتُ قبضْتُ في حياةِ المُوكَّلِ ودفعته إليه لم يُصَدِّقُ؛ إِذْ أَخبَرَ عَمَّا لا يملِكُ إنشاءه فكانَ مُنْهَماً.
وقَدْ بَحَثَ - أي: صاحبُ «جامعِ الفُصُولَينِ» ـ بأنَّه ينبغي أَنْ يكونَ الوَكيلُ بقبض الوديعة كذلك، ولم يتنبه لما فَرَّقَ به الْوَلْوَالحِيُّ بَينَهُما بِأَنَّ الوَكِيلَ بِقَبْضِ الدِّينِ يُريدُ إيجابَ الزَّمانِ على الميِّتِ؛ إذ الديونُ تُقضَى بأمثالها، بخلافِ الوكيل
يقبض العَينِ، فإنَّه يُريدُ نفي الزَّمانِ عنْ نَفْسِه، انتهى. والاشتباه حاصل فيه أيضاً، وقد كتب على هذا المحل من «الأشباه» شيخُ مشايخنا العلامةُ الشَّيخُ نورُ الدِّينِ عليِّ المَقْدِسَيُّ رحمه الله تعالى ما نصه: أقول بعكس ما قال صاحِبُ جامِعِ الفُصُولَينِ»، وهو: ينبغي أنْ يكونَ الوكيل بقبض الدِّينِ كالوكيل بقبض الوديعةِ في حق براءةِ نفْسِه، وغاية ما ذكَرَ في الْوَلْوَالِجيَّةِ» منَ الفَرْقِ إِنَّما يُؤثر بالنسبة إلى ذِمَّةِ المديون التي كانَتْ مشغولةٌ بالدين، فلا يخرُجُ عنه بقولِ الوكيل بعد موتِ مُوَكِّلِه، وأمَّا بالنسبة إلى نفْسِه فهوَ أمين في حياته وموته، والقول للأمين في حق نفسه، انتهى.
قُلْتُ: لم يُرِدْ صاحِبُ جامِعِ الفُصُولَينِ» عدم قبولِ قولِ الوَكِيلِ بقبض الوديعة في براءة نفسه بقوله بعد موتِ مُوكَّلِه قبضته ودفعته، بل أراد الاعتراض على التعليل لعدم قبولِ قَولِ الوكيل بقبض الدِّينِ، بأنه حيثُ كان عدم قبول قوله لكونه أخبر عمَّا لا يملك إنشاءه، فلم يُقبل قوله: كان ينبغي أن يكونَ الوَكيلُ بقبض العَينِ كذلك، والحال أنه مقبول، فقد ألزَمَ الفارِقَ على فَرْقِه بأن لا يقول ببراءةِ الوَكيل بقبْضِ العَينِ إذا ادعى بعد موتِ مُوكَّلِه أَنَّه دفعها إليه معَ أَنَّ مَ أَنَّه مُصدَّقُ في ن في براءة نفسه.
ووجه إرادة صاحِبِ جامعِ الفُصُولَينِ» كما قدمناه أَنَّه نَقَلَ أَوَّلاً عن فصول العمادي ما نصه: وَكَّلَه بقبض وديعة وعارية ينعزل بموتِ مُوكَّلِه، فلو قال: قبضْتُه في حياته ودفعته إلى المُوكِّلِ، صُدِّقَ، ويأتي من بعد.
ثم نقل أيضاً صاحِبُ جامع الفُصُولَينِ» عنِ العِمَادِيَّةِ» ما نصه فيها: وذكَرَ في وكالة الأصل التوكيل بالتّقاضي، والقبضُ جائز سواء كان المطلوب حاضراً أو غائباً، صحيحاً كان أو مريضاً، بخلافِ التَّوكيل بالخُصومة عند أبي حنيفة؛ يعني: فيُشتَرِطُ رِضًا الخَصمِ بالوكالة، إلَّا ما استثني منه كما هو معلوم في محله. ثمَّ قال: فإن مات المطلوب فالوكيل على وكالته في تقاضي ذلكَ الميت، ولو كان الموكَّل هو الميت، بطلت الوكالة، فإنْ قالَ: كُنْتُ قبضْتُ فِي حَياةِ الموكل ودفعته إليه، لم يُصدَّقُ على ذلك؛ لأنَّه أخبر عمَّا لا يملِكُ إنشاءه، فكانَ متهماً في إقراره، وقد انعزل بموتِ المَوَكَّل.
أقول: على قياس هذا ينبغي ألَّا يُصدَّقَ الوَكيلُ بقبض وديعة أو عارية لو أقر بعد موتِ مُوكَّلِه أَني كنتُ قبضتُه في حياتِه ودَفَعْتُ إليه، وقد مرَّ أنَّه يُصدَّقُ، انتَهَى عبارة صاحِبِ «المَجْمَع».
فقد نقل الحكم مُفترِقاً مُعلّلاً في جانب الوكيل بالتقاضي والقبض بأنَّه أخبر عمَّا لا يملِكُ إنشاءه فكانَ مُتهماً في إقراره، وقد انعزل بموتِ المَوَكَّلِ. ولما كانت تلك العِلَّةُ المُقتضِيةُ عدمَ قَبولِ قَولِ الوَكيل بقبض الدِّينِ جاريةٌ في الوكيل بقبض العَينِ مع كونه مقبول القول، أراد إلزام المعلَّل بها أنْ يقول باتحادِ الحكم مع كونه] مفترقاً؛ لإتيان صاحب الجامع» بالجملة الحالية بقوله، وقد مرّ أَنَّه يُصدِّقُ، انتهى.
فبحثه في التعليل، ولم يُرِدْ نفيَ قَبولِ قولِ الوَكيل بقبض الوديعة، بل إلزام المُعلَّل بذلك القولِ أنْ يقول بضمان قابض الوديعة معَ النَّص الذي قدَّمه بخلافه. فقولُ الشَّيخِ زَينِ: لم يتنبَّة صاحِبُ جامعِ الفُصُولَينِ» لما فَرَّقَ به الْوَلْوَالِجي .... إلى آخره، فيه غَفْلَةٌ عن مُرادِ صاحِبِ «المَجْمَعِ».
وكذلك في كلام العلامة على المَقْدِسِي رحمهم الله، ولكن لم ينبة صاحِبُ جامع الفصولين على المُرادِ من عِبارة «العماديَّةِ» التي هي: لم يُصدِّقِ الوَكيلُ، هلِ المُراد: لم يُصدَّقُ في بَراءةِ ذِمَّتِهِ ممَّا قبَضَ بدعواه الدفع للمُوكَّل بعد موته، أو لم يُصدَّقُ في دَعْوَى القَبضِ ودَفع المالِ إلى المُوكِّلِ؟ فلا يبرأُ الغَريمُ بقوله، لكنَّ ظاهر عبارته أنه لم يُصدَّقُ في براءةِ ذِمَّتِه؛ لتعليله بكونه منهماً في إقراره، ولذلك أورد البحث المذكور. ثم أقول وبالله تعالى التوفيق: ليسَ كلّ منَ السَّلْبِ والإيجاب وارداً على شيءٍ واحد؛ فإنَّ المنفي في مسألةِ الوَكيل بقبض الدِّينِ إنَّما هو القَبْضُ والدَّفْعُ والمُثبت في مسألة التوكيل بقبض الوديعة إنَّما هو براءةُ ذمَّةِ الوَكِيل، فلا يَرِدُ بحث «جامع الفُصُولَينِ» أصلاً؛ لأنَّه إنَّما يَرِدُ لو سُلَّمَ استفادةُ نفي قبولِ قولِ الوَكيل لبراءةِ ذِمَّتِهِ من قول العمادي، ولو كانَ المُوكَّلُ هو الميت بطلت الوكالة، فإنْ قالَ: كنتُ قبضْتُ في حَياةِ المُوكَّل ودفعته إليه لم يُصدَّقُ على ذلك، انتهى.
فإنَّ المنفي دعوى القبض والدَّفع للموَكِّلِ فقط، لا براءةُ ذِمَّةِ الوَكيل؛ لأنَّ اسم الإشارة في قوله: لم يُصدَّقُ على ذلك يرجعُ للمذكور، وليس هو إلا دعوَى القَبْضِ والدفع، ولم تُذكَّرِ البَرَاءةُ ليشملها اسم الإشارة فتكونَ منتفية أيضاً.
وتعليله لعدم تصديقه بكونه أخبر عمَّا لا يملك إنشاءه؛ لعزله بموتِ مُوكَّلِه فبطل ما يترتب عليه، لا يتناول وصفه بكونه أميناً؛ إذْ هو وصفٌ مُستمر به لا يبطل بموت موكله، والتُّهمة في دعواه الدَّفعَ لبراءتِه غير حادثة بالموتِ؛ إذْ هي ثابتةٌ من قَبْلُ، ألا ترى أنَّ مُوكَّلَه يُحلّفُه حال حياته، فبهذا التحقيق لا يَرِدُ البَحثُ أصلاً. وقد علمت صريحَ النَّصُ في براءةِ ذِمَّتِه بقوله مع يمينه مطلقاً، واتحاد حُكمِ الوكيل بقبض الدِّينِ والوَكيلِ بقبْضِ العَينِ في براءةِ ذِمَّتِهما بقولهما معَ اليَمينِ، وبه يتَّضِحُ ما بحثه العلامة عليُّ المَقدِسِيُّ من أنَّه ينبغي أنْ يكونَ الوَكيلُ بقبْضِ الدِّينِ كالوكيل بقبض الوديعة في حق براءة نفْسِه.
لكنَّ كلامَ العَلَّامةِ المَقدِسِيٌّ صريح في أنَّ المُرَادَ بِالدِّينِ في كلامِ الْوَلْوَالِجي دين للميت على غيره وكل في تَقاضِيه وقَبْضِه، وقدَّمنا ما يقتضي أنَّه دَينُ أَرادَ إنشاءه على نفسه أو ما هو أعم، ولكن لا يضرُّ ذلك في صِحَّةِ بحثِهِ لِقَبولِ قولِ كلِّ مِنَ الوكيلين في براءةِ ذِمَّتِه.
وكان ينبغي له وللعلامة ابن نُجَيْمِ رحمهُمُ اللهُ تعالى مُراجَعَةُ «الْوَلْوَالِجِيَّةِ»، وإمعان النظرِ في كلامها وإيضاحُ المُراد منه للطَّالِبِ وَدَفَعُ الشُّبهة عنه، وقَدْ ذَكَرْنا ما تيسر لنا من ذلك بفضلِ اللهِ سُبحانه وتعالى.
وأمَّا براءةُ المَديون؛ كالوكيل بالقَبضِ منه إذا أَقرَّ به فِي حَيَاةِ المُوكَّلِ، فَلِما قَالَ في الحَاوِي القُدْسِي» و «الفَتَاوَى الصُّغَرَى» و «الذَّخِيرةِ»: باعَ المَولَى وَسَلَّمَ، ثُمَّ وَكَّلَ رَجُلاً بقبْضِ الثَّمَنِ، فقالَ الوَكيلُ: َقبضْتُ فضاع، أو دَفَعْتُ إلى الآمِرِ، وَجَحَدَ ذلك مُوَكَّلُه فالقَولُ للوكيل مع يمينه، وبَرِئَ المُشتَرِي مِنَ الثمنِ انتَهَى.
ولو كان المديون ابنَ الوَكيل أو أباه؛ لأنَّه غيرُ منهم في ذلك، كما في المُحيط» وغيره، وبراءة المُشترِي حَصَلَتْ بإقرارِ الوَكِيلِ فِي حَياةِ مُوكَّلِه بخلافِ مسألتِنا، لوقوع الإخبار بعد الموتِ وبه انعزل الوكيل. وفي الذَّخِيرةِ»: الوَكيلُ بقبض الدِّينِ إذا قال: قبضْتُ الدِّينَ مِنَ الغَرِيمِ فَضاعَ مني، أو قال: قد دَفعتُ إلى الطَّالب، صح إقرارُه وبرِئَ الغَريمُ، بخلافِ ما لو أقر بقبض الطالب؛ لأنَّ قبْضَ الطَّالبِ يُبْطِلُ حقٌّ الوكيل في الاستيفاء، وذلكَ مُستثنى. أما قبضُ الوكيل يُقرِّرُ حقه في الاستيفاء، وصح، والقَولُ له مع يمينه في دَعوَى الضياع أو الدفع إلى الطَّالبِ في بابِ إثباتِ الوكالة من «أدَبِ القاضي» للصدرِ الشَّهِيدِ رحمه الله تعالى.
وفي وكالة «الجامع»: الوكيل بالبيع إذا أقرَّ بِقَبْضِ الْمَوَكَّلِ الثَّمَنَ مِنَ المُشتَرِي يصح إقراره ويبرأُ المُشتَرِي عَنِ الثَّمَنِ كما لو أقرَّ بقبض نفْسِه.
فعلى قياس هذا ينبغي أن يصح إقراره بقبض طالب الدِّينِ في المسألةِ المُتقدّمة، وأما براءة المديون بدعوى الوكيل بعد موتِ المُوكِّلِ القَبْضَ، وصدَّقَ الورثة على القبض وأنكروا دفعه للموكَّلِ، فلما قال في البَزَّازِيَّةِ: وَكيلُ البَيعِ زَعَمَ البيع وقبضَ الثّمن وهلاكه عنده وصدَّقَه المُشتري، صحٌ، وإِنْ زَعَمَ الوَكيلُ هذهِ الأُمور بعد موت الأمر وأنكر ورثته وصدَّقَ المُشتري الوكيل فيما قال، إنْ كانَ المبيع هالكاً فالقول للوكيل استحْساناً، وإنْ كانَ قائِماً لا يُصدَّقُ إِلَّا بِيِّنَةٍ يُقيمُها على البيع في حَياةِ المُوكِّلِ.
ومثله في «كافي الحاكم»، ثمَّ قال: فإذا لم يكن له بينةٌ رُدَّ المبيعُ، وَضَمِنَ الوَكِيلُ الثّمن للمُشتَرِي. وفي الذَّخِيرَةِ»: قالَ مُحمَّد رحمه الله في الجامِعِ: رَجُلٌ أمر رجلاً أَنْ يبيع عبداً له ودفعه إليه فقال: بعتُ من فلان بألف درهم وقَبَضْتُ الثَّمَنَ فَهَلَكَ عندي، أو قالَ: دَفعته إلى الأمر وكذَّبَه الأمر في الدفع، أو أقر بالبيع لكن أنكر قبضَ الثَّمن، فالقول قول الوكيل في براءته وبراءةِ المُشتَرِي؛ لأنَّه أَمِينٌ سُلْطَ على بيع العبد من جهةِ المُوكَّلِ وقبَضَ الثَّمن من المشتَرِي، فَقُبِلَ قوله فيما هوَ مُسلَّطٌ عليه، وصارَ الثَّابِتُ بقوله كالثَّابِتِ بالبيِّنة، ولو ثبت إقراره بالبينة لم يضمن الوكيل ويبرأُ المُشتري، كذا هاهنا، انتهى.
والوارث حُكمُه حُكمُ المُورّث، وأمَّا الدَّينُ الذي أرادَ المُوكَّلُ إثباته على نفْسِه فلا يثبت إذا أنكرَ المُوكَّلُ قبْضَ وَكيله؛ لما قال في البَحرِ»: ويُستثنى من قبولِ إقرارِ الوكيل بالقبض على مُوكَّلِه مسألةٌ على المفتى به.
قال في «الواقعاتِ الحُساميَّةِ»: إذا قالَ لآخر: إن فلاناً قالَ: أَقرَضَكَ ألفاً فوَكَّلْتُكَ بقبضها منه، ثمَّ قالَ الوَكيلُ: قبضْتُ، وصدَّقَه المُقرِضُ وأنكَرَ المُوكَّلُ، فالقَولُ للمُوَكِّل.
وعن أبي يُوسُفَ أنَّ القَولَ للوكيل، وجْهُ الأَوَّلِ: أَنَّ المُقرِضَ يدعي على المُوَكِّلِ ثُبوت القرض وهو يُنكِرُ، وجْهُ قَولِ أبي يُوسُفَ: أَنَّ الْمَوَكَّلَ سَلَّطَ الوَكيل على ذلك، فينفُذُ عليه إقراره كما لو وكله بقبض الدِّينِ من مديونه، فقال: قبضْتُ، والفتوى على الأوَّلِ، انتهى.
ومثله في «الذَّخِيرةِ» عن «نَوادِرِ هِشام عن مُحمَّدٍ، وعن «نوادر ابنِ سماعة» عن مُحمَّدٍ مُقتَصِراً على عدَمِ لُزُومِ الدِّينِ من غيرِ حِكاية قَولِ أَبِي يُوسُفَ. ثم قال: ولو قال: ادفَع إلى رسول فلان الألف التي لي عليك، فقال الذي عليه الألفُ: قد دفعت وصدَّقَه الرَّسول وقال: قبضْتُ إِلَّا أَنَّها ضَاعَتْ وكَذَّبَهما الأمرُ في الدفع والقَبْضِ، يبرأُ الغَريمُ عَنِ الدِّينِ، انتَهَى.
وأمَّا براءة الوكيل بقبض القَرض وقد أنكرَ المُوَكَّلُ فلما قال في المبسوط»: إذا قبَضَ وديعة رجُلٍ فقالَ رَبُّ الوديعة: ما وكَّلْتُكَ وحَلَفَ على ذلكَ وضَمِنَ ماله المستودع، رجع المُستودعُ بالمال على القابِضِ إنْ كانَ عنده بعينه؛ لأنَّه ملكه بأداء الضمان، وإنْ قالَ: هلك مني أو دفعته إلى الموَكِّلِ، إِنْ صدَّقَهُ المُستَودِعُ فِي الوَكَالةِ لم يرجع بشيء، وإن كذَّبَه أو لم يُصدِّقه ولم يُكذِّبه، أو صدَّقَه وضَمِنَه كَانَ له أَنْ يضْمَنَه، انتهى.
قاله قاضي زاده في التكملة.
وقوله: أو صدَّقَه وضَمِنَه؛ أي: ضَمِنَ ما يأخُذُه الأصيل لو أنكر الوكالة، ولا يجوز أن يضمنَ ما في يد الوكيل مع تصديقه على الوكالة؛ إذْ ضَمانُ الأمانات باطل كما ذكره في «البحر».
وقوله: إن صدَّقَه المُستودعُ في الوكالة لم يرجع بشيء؛ لأنه بتصديقه كان معترفاً بأن قبضه حقٌّ، فلا يرجعُ عليه بعد زواله كما في شرحِ المَجْمَعِ». وفي كافي الحاكِمِ»: لا يَضَمَنُ إذا صدَّقَه. وهذا ما تيسر للعبد بعناية مولاه سبحانه، وله الشكر والحمد، وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّمَ بتاريخ يوم السبت المبارك سادس عشر الحِجَّةِ الحرام سنة أربع وأربعين وألف، والحمد لله وحده.