تنقيحُ الأحكام في حكم الإبراء والإقرار الخاص والعام
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
تنقيحُ الأحكام في حكم الإبراء والإقرار الخاص والعام
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نَستَعينُ
الحمد لله الَّذِي جَعَلَ الفِقهَ مِن أشْرَفِ العُلومِ قَدْراً، وأَفْخَمِها أَمراً، وأعظَمِها أَجْراً، ومَلَأَ عُيونَ المُؤمِنينَ به نُوراً، وقُلوبَهم المَحفُوظة الحافظة سُروراً، وخَصَّ عِلْمَ الفَتوَى بالمَعْنَمِ الأكبَرِ، والحظ الأَوْفَرِ، والربح الأكثَرِ، والثناءِ الذي يطوي الزَّمانَ، وذكره يُنشَر.
كيف لا وقد قال سيِّدُ المُرسَلينَ صاحِبُ الشَّرِيعَةِ الصَّادِقُ الأمينُ: «مَن يُرِدِ اللهُ به خيراً يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ؟ فهو عُنوانُ السَّعادةِ الأبَديَّة، ومَنهَجُ السِّيادةِ السَّرْمَدِيَّة،» والصَّلاة والسَّلامُ على سيدنا ومَوْلانا محمَّدٍ المُصطَفَى المُختارِ، وعلى آله وأصحابه السَّادَةِ البَرَرة الأخيار.
وبعد:
فيقولُ العبدُ الذَّليلُ الرَّاجي عَفْوَ مَولاه الجليل، حَسَنُ الشِّرنبلالي الحنفي عامله الله بلطفه الخفِيّ: إِنَّه قد ورَدَ سُؤال عن حُكمِ البَراءةِ العامَّةِ، وصُورَتُه: بعد أنِ اعْتَرَفَ فُلانٌ بأنَّ المُخلَّفَ عن مُورّثه كذا وكذا، وقد وصَلَ إليه ما خَصَّه منه وهو ذا، أَبْرَأَ كلُّ من فُلانٍ وفُلانٍ الوارِثَينِ صاحِبَه براءةً عامَّةٌ مُوَسَّعَةَ الأَلفاظِ.
منها: أنه لا يستَحِقُّ فُلانٌ قِبَلَ فُلانٍ حقًّا مُطلَقاً، ولا استحقاقاً ... إلى آخره، وكتب بها حُجَّةً عند حاكم حنفي، ثمَّ تَرافَعا لدى حنفي آخر، وادَّعَى المُبرِئُ على صاحبه بأعيان وديون لم تكُنْ مَنصُوصاً عليها فيما اعترف به، فَتَمَسَّكَ خَصْمُه بالإبراء العام المانع من الدعوى لما قبله، فعرفه الحاكم - بأن الوارِثَ إذا أبرأ إبراء عاما، بأن أقر أنه قبضَ تركةَ مُورثِه، ولم يبقَ له حقٌّ فيها إلا استوفاه، ثمَّ ادَّعَى شيئاً من تركةِ مُورثه وبَرْهَنَ عليه، قبل ذلك منه.
وكذا لو صالح أحد الورثة وأبْرَأَ إبراء عاما، ثمَّ ظَهَرَ شَيءٌ من تركته لم يكُن في وقت الصلح، الأصَحُ جَوازُ دَعواه في حِصَّته، وكذا إذا كانَ في تركتِه دَين على النَّاسِ فَأَخرَجُوه بأن يكون لوارث خاص بطل الصلحُ والحكم بالإبراء، كما ذلك مُصَرَّح به في كتب الحنفية، من كتاب (الأشباه» نقلاً عنِ البَزَّازِيَّةِ» و «الخانِيَّة)، وكما ذلك مُصَرَّح به في كتاب الكَنْزِ» وشرحه البَحْرِ الرائق - تعريفاً شرعياً واستخارَ الله تعالى، وأبطَلَ ونقَضَ حُكمَ البَراءةِ، وكتب به حُجَّةٌ.
ثمَّ تَرافَعَ الخصمان لدى حاكم آخر، وتمَسَّكَ كُلِّ بِحُجَّتِه، فهل البراءة العامَّةُ الصَّادِرة من الوارِثِ لصاحبه مانعةٌ من دعواه بشيءٍ آخرَ منَ التَّركةِ عليه؛ أو الإبطال للبراءة المذكورة من الحاكم الثاني إبطال صحيح معمول به، وما حكاه في حُجَّةِ الإبطالِ منَ النُّقولِ المَذكورةِ مُصَرِّح للإبطال، وسَنَدٌ مُعتَمَدٌ عليه فيه، أو ذلك اشتباه حال لم يُصادف محلا، فلا يُعوَّلُ عليه؟ أوضحوا الجواب أثابَكُمُ الملكُ الوَهَّابُ.
فأَجَبْتُ بأنَّ البَراءةَ العامَّةَ المَذكورةَ الصَّادِرةَ من الوارِثِ لصاحبه صحيحة معمول بها، مانِعةٌ من دَعواه بشيءٍ سابق على البَراءةِ، سواء كانَ عَيناً أَو دَيناً، بميراتٍ أو غيره، وإبطال البَراءةِ غيرُ مُعتبر، وهو مردودٌ على المُبْطِلِ، وما ذكرَ مِنَ النُّقولِ غيرُ مُصحح للإبطال، وليس فيها ما يقتضيه، وإنَّما هو اشتباه لم يُصادف محلًا، فلا يُعوّل عليه. ثمَّ طُلِبَ منّي إيضاح ذلك بالنُّقولِ، فاستَعَنْتُ باللهِ تعالى، وسَطَّرْتُ ذلك طالباً للثّوابِ من الكريمِ الوَهَّاب، مُستَمِدًّا في البيانِ من عناية الملِكِ المَنَّانِ، وسمّيتُه: «تنقيح الأحكام في حُكم الإبراء والإقرار الخاص والعام».
ورتبته على مُقدِّمة، وثلاثة أبواب، وخاتمة.
المُقدِّمةُ: في ألفاظ البراءة:
الباب الأوَّلُ: في إِثباتِ البَرَاءةِ العامَّةِ بالنُّقولِ الجمَّةِ، وفيه دَفْعُ الدَّعَوَى بإثباتِ الإبراء قبل الحكم وبعده، وفيه حُكمُ الإقرار العام، وتقييد الإبراء بما يُبطله، والبراءة المُقيَّدة، والإبراء عن الدين قبل لزومه، وتعليق الإبراء بالشَّرطِ ومعناه، ورَدُّ الإبراء، والإبراء بعدَ قَبضِ الدِّينِ.
الباب الثاني: في رَدَّ إِبطالِ البَراءةِ العامَّةِ بما اشتبه على كثيرين بقولِ الوارِثِ: قبَضْتُ تركةَ مُوَرّثي، أو كلُّ مَن لي عليه دين فهو بريء منه، وفيه إقرار المريض بالقبض والإبراء.
الباب الثالثُ: في رَدُّ إبطالِ البَراءةِ العامَّةِ بمسألة الصلح المذكورة عن «البَزَّازِيَّة».
الخاتمة: في إزالة الاشتباءِ الحاصِلِ بالمسائلِ المُستثناة من الإبراء العام في «الأشباءِ»، وبيان حقيقتها، وعدم استثناء شيء منها من البراءة العامة. وفيها إزالة الاشتباءِ بما ظُنَّ مِنَ الفَرْقِ بينَ إنشاء الإبراء الحاصلِ بالعُمومِ والخُصُوص في كلام صاحب «البحر» رحمه الله تعالى.
المُقدِّمةُ في ألفاظ البَراءةِ
اعلَمْ أنَّ لفظَ البَراءةِ إمَّا أن يكون عاما، وإما أن يكون خاصاً.
فالعام الذي يبرَأُ به عنِ الدِّينِ والعَينِ؛ نحو: لا حَقَّ لِي قِبَلَ فُلانٍ، أَو فُلانٌ بريءٌ من حقي، أو لا دَعوَى لي على فُلانٍ، أو لا خُصومة لي عليه، أو لا خُصومة لي قِبَلَه، أو لا تعلق لي عليه، أو لا دَعوَى لي قبله، أو ليسَ لي معه أمرٌ شرعي، أو لا أستَحِقُ عليه شيئاً، أو أبرَأَتُكَ من حقي، أو أبرَأَتُكَ ممَّا لي قِبَلَكَ.
وأمَّا الخاص: فإما أن يكونَ خاصًا بدين؛ كقوله: أبرَأتُ زيداً من دَينِ كذا، فيختص به، أو عاما في كلِّ دَينِ؛ كقوله: أبرَأتُ زيداً ممَّا لي عليه، فيبرَأُ عن كلِّ دَينِ، ولا يبرأ عن العين.
وأمَّا الخاص بالعَينِ: فإنْ كانَ عنها، فهو غير صحيح من جهة أنَّ له الدعوة بها على المُخاطَبِ، وغيره صحيح من جهة الإبراء عن وَصْفِ الزَّمانِ للمُخاطَبِ، وإنْ كانَ عن دعواها، فهو صحيح، سواء أنشأ الإبراء عن دَعوَى عين خاصة؛ كقوله: أبرَأتُ زيداً عن دَعوَى هذه العين، أو عمَّمَ إنشاء الإبراء عن دَعوَى كلّ عينٍ كالإقرار بالإبراء.
واعلَمْ أنَّ الإبراء إذا حصل لشخص مجهول فهو غير صحيح، وإبراء المعلومِ صحيح، ولو كان ما عليه مجهولاً، وأنَّ قولَ الإنسانِ: قبضت جميع تركةِ مُوَرّثي، أو كلّ مَن لي عليه شيء، أو دَين، أو كلّ مَن لي قِبَلَه حَقٌّ فهو بريء منه، ليسَ إبراء عاما ولا خاصاً.
ولنذكر إيضاح ذلك بكلام ايمينا فأقولُ:
الباب الأوَّلُ: في إثباتِ البراءة العامة بالنُّقولِ الجمَّةِ وفيه دفع الدعوى بإثباتِ الإبراء قبل الحكم وبعده، وفيه حكم الإقرار العام، وتقييد الإبراء بما يُبطله، والبراءةُ المُقيَّدةُ، والإبراء عنِ الدِّينِ قبل لزومه، وتعليق الإبراء بالشَّرطِ أو معناه، ورَدُّ الإبراء، والإبراء بعدَ قَبضِ الدِّينِ. أمَّا صِحَّةُ البَراءةِ العامَّةِ الصَّادرة من كلُّ منَ الوارثين لصاحبه المانعة من الدعوى بشيء سابق عليها؛ فلما قال في المحيط من باب الإقرار بالبراءة وغيرها، قال: هو بري ممَّا لي عليه يتناول الديون؛ لأنَّ كلمةَ «علي» لا تُستَعمَلُ إِلَّا في الديون، فلا يدخُلُ تحتها الأمانات. فإذا قال: «من مالي عنده يتَناوَلُ ما أصله أمانةٌ، ولا يتناولُ ما أَصله غَصْبٌ، أو مضمون؛ لأنَّ كلمة عندَ تُستعمل في الأمانات، لا في المَضمُونَاتِ، ألا ترى أنَّه لو قالَ: لفُلان عندي ألف درهم، كان إقراراً بالأمانة؟
والبراءة عن الأعيان بالإسقاطِ والإبراء باطلةٌ، حتَّى لو قال: أبْرَأَتُكَ عن هذا العين لا يصح؛ لأنَّ العَينَ لا تقبل الإسقاط.
فأَمَّا ثبوتُ البَراءةِ عن الأعيانِ بالنَّفي من الأصل، أو بَرَدُّ العَينِ إلى صاحبه، فهو صحيح، حتى لو قال - يعني: عندَ وُجودِ المُنازع -: لا ملك لي في هذا العَينِ، ثمَّ ادعى أنه ملكه، لم تصح دعواه، وقوله: هو بريء مما لي عنده إخبارٌ عن ثُبوتِ البراءة، وليس بإنشاء للإبراء، فيُحمَلُ على سببٍ تُتَصَوَّرُ البَرَاءةُ بذلك، وهو النَّفي من الأصل، والرَّدُّ إلى صاحبه تصحيحاً لتصرفه.
وإذا قال: بريء مما لي قِبَلَه برِئَ عَنِ الزَّمانِ والأمانة؛ لأنَّ كلمة «قبل» تُستعمل في الأمانات والمضمونات جميعاً، ولا يدخُلُ الدَّرَكُ والعيب فيه نص عليه في بيوع «الأصل» و «الجامع».
ولا تُستعمل في البراءةِ عن الحقوق؛ يعني: التي هي كالدَّرَكِ والعَينِ، فَإِنِ ادَّعَى الطالب بعد ذلك حقا لم تُقبل بيته عليه حتى يشهَدُوا أَنَّه بعدَ البَرَاءَةِ، أو يُوَقِّتُوا وَقتاً بعدها؛ لأنه بهذا اللفظ استفادَ البَراءةَ على نعتِ العموم، والعمل بالعموم واجب حتّى يقوم دليل بالخصوص، فتثبت له البراءة على العموم.
فإذا أبهَمَ الشُّهودُ ولم يُوَقِّتُوا احتمل أن يكون هذا الحق قبل الإبراء فيبرأ عنه بإبرائه، واحتمل أن يكونَ بعده فلم يبرَأ، فوقَعَ الشَّثُ فِي صِحَّةِ الشَّهَادَةِ، فلا يقضي بها مع الشَّكِّ.
ولو قال: برى من قَذْفِهِ إِيَّايَ، ثمَّ طلب بعده، فله ذلك؛ لأنَّ هذا بمنزلة العَفْوِ، ومعناه: أنَّه برى من مُوجبِ قَدْفِهِ إِيَّاي؛ فإنَّ البَراءةَ عن عينِ ا القَدْفِ لا تتحقَّقُ، ومُوجِبُ القَدْفِ لا يسقُطُ بالعفو؛ فإنَّ الغالب فيه حتى الله تعالى.
ولو قال: هو بريءٌ منَ السَّرقة التي ادَّعَيتَ قِبْلَه؛ لا ضَمان عليه، ولا قطع؛ لأنَّ البراءة عن دعوى المالِ صحيحةٌ، وعن القطع لا تصح، فبطَلَت دَعواه في حق المال، فلا يُقطَعُ بغير دعواه.
ولو قال: برثتُ من فُلانٍ أو برى مني فُلانٌ، يتناولُ نَفيَ المُوالاةِ لا البَرَاءةَ عن الحقوق؛ لأنَّه أضاف البراءة إلى نفسه دُونَ الحقوق التي عليه، فلا يصيرُ الحقُّ مذكوراً به، ألا ترى أنَّ البَرَاءةَ من نفس الغير تكونُ إظهاراً للعداوة والوحشة معه، والبراءة من الحقِّ الذي عليه تكون إنعاماً عليه، وإظهاراً للمحبة؟
ولو أقر أنه لا حق له قبل فُلانٍ، يجوز، وفلان بريءٌ من كل قليل وكثيرٍ، دَينِ ووديعة وكفالة، وحَدٌ وسرقةٍ وقَدْفٍ وغيرها؛ لأنَّ قولَه: «لا حق لي نكرةٌ في النفي، والنكرة في النفي تعم، وقوله: «لا حق لي» يتناول سائر أنواع الحقوق المالية وغيرِ المالية، ولفظ «بل» يُستَعمَلُ في العَينِ والدِّينِ والمَضمونِ والأمانة جميعاً، يُقالُ: فُلانٌ قَبِيلُ فُلانٍ؛ أي: ضَمِينُه، ويُقالُ: قِبَل فُلانٍ كذا؛ أي: عنده ما عَينٌ أو دين، بخلافِ ما لو قال: لفُلانٍ قِبلي ألفُ يَتَناوَلُ الدِّينَ دونَ العَينِ؛ لأنَّ لفظ قِبَلَ» يُستَعمَلُ فِي العين والدين جميعاً، لكن ذكر ألفاً واحدةً، والألفُ الواحدة لا تكونُ عَيناً ودَيناً، فرجحنا الدين؛ لأنَّ استعمالَ النَّاسِ لفظ قِبَلَ» في الدِّينِ أكثر. أمَّا هاهنا، فيجوز أن يكونَ المُقر له بريئاً عنِ العَينِ والدِّينِ جميعاً، فأمكَنَ العَمَلُ بعموم هذا اللّفظِ، فحملنا لفظ قِبَلي» على عمومه، ولفظ «حق» على عمومه. وكذا لو قال: فلانٌ برِيءٌ منه حقي برى عن الحقوق كلها، قلتُ: وكذا لو أنشأ الإبراء، فقال: أبرأتُكَ من حقِّ؛ إذ لا يفترقُ الحكم بين الإخبار والإنشاء في هذا، انتهى.
لأنه جعله بريئاً عن حق واحدٍ مُنكَرِ، فلا تُتصَوَّرُ البَرَاءةُ عن حق واحدٍ مُنكَرِ إلَّا بعد البراءة عنِ الكُلِّ، فصار عاما من هذا الوجه، بخلافِ قوله: لفُلانٍ قِبلي حقٌّ؛ لأنَّ الحق مذكور في الإثباتِ لا في النَّفي، ويُتصَوَّرُ الحقُّ الواحد بدونِ ثُبوتِ الكُل، كما يُقالُ: رأيتُ رجُلاً يتناول رجُلاً واحداً، فالخاص لا يُجعَلُ عاماً إِلَّا لضرورة، والضَّرورة في النَّفي، فإِنَّ نَفيَ الأدْنَى لا يُتصَوَّرُ إلَّا بنفي الكُلِّ؛ كقوله: ما رأيتُ رَجُلاً، لا يُتصَوَّرُ نَفي رؤية الواحدِ إِلَّا بِنَفْيِ رُؤيَةِ الكُلِّ، فَجَعَلُ الخاص عاما في النَّفي للضرورة. وإن أقر أنه لا حد له قِبَلَ فُلانٍ، فله أن يدعي سرِقةً فيها قطع؛ لأنَّه إِنَّمَا نَفَى حَدًّا من حقه، وحدُّ السَّرقة خالص حق الله تعالى، لا حق للعبد فيه، فلا يدخُلُ في نَفيه.
ولو قال: لا أَرْشَ له قِبَلَ فُلانٍ، فليس له أن يدعي دِيةَ خَطأ، ولا صُلحاً، ولا كفالة بدية نفس؛ لأنَّ اسم الأَرْشِ يَتَناوَلُ بدَلَ الجناية على الآدمي، وهذه الأشياء بدل الجناية على الآدمي فدخَلَتْ تحت الإقرار.
ولو قال: لا جراحةً لي قِبَلَ فُلانٍ يَتَناوَلُ الجراحة الخطأ والعمد جميعاً، ولا يتناول القتل؛ لأنَّ الجرحَ اسم خاص لما دونَ النَّفْسِ، فَلا يَتَناوَلُ النَّفْسَ؛ لأَنَّ الفعل في النفس إزهاق للحياة، وفيما دُونَها إبانةٌ للجُزء من الجسم، وبينهما مغايرةٌ ومباينةٌ، انتهى عبارة «المُحيط». ومثله في الخلاصة» من فصلِ الإِبراء عن الدعاوى، وفي الخلاصة: ثمَّ في قوله: «لا حق لي قِبَلَ فُلانٍ» يدخُلُ في هذا اللَّفظِ كُلُّ عَيْنٍ ودَينِ، وكلُّ كَفَالَةٍ، أو إجارة، أو جناية، أو حد، انتهى.
ومثله في البحر الرائق»: قال في المبسوط»: ويدخُلُ في قوله: «لا حق لي قبْلَ فُلانٍ، كلُّ عَينٍ أو دين، وكلُّ كفالة، أو جناية، أو إجارة، أو حد، فإنِ ادَّعَى الطَّالب بعد ذلك حقًّا، لم تُقبل بيته عليه حتّى يشْهَدُوا أَنَّه بعد البراءة؛ لأنه بهذا اللفظ استفادها على العموم، انتهى. وقال الشَّيخُ زَينُ الدِّينِ في رسالته في الإبراء ما نصه: وفي الأصل من كتاب الإقرار: «لا حق له قِبَلَ فُلانٍ»، فليس له أن يدَّعِيَ حَدًا، ولا قصاصاً، ولا أَرْشاً، ولا كفالة بنفس ولا مال، ولا ديناً، ولا وديعةً، ولا عاريةً، ولا مُضارَبَةً، ولا مشاركةً، ولا ميراثاً، ولا داراً، ولا أرضاً، ولا عبداً، ولا أمَةً، ولا شيئاً منَ الأشياء، ولا عَرَضاً، ولا غيره إلا شيئاً حَدَثَ بعدَ البَراءةِ، انتَهَى.
وفي شرح المنظومة عن «المُحيط»: لو أبرأ أحد الورثة الباقي، ثمَّ ادَّعَى التّركةَ وأَنكَرُوا، لا تُسمَعُ دَعواه، وإن أقرُّوا بالتّركةِ أُمروا بالرَّدَّ عليه، انتَهَى. وهذا ظاهر فيما إذا لم تكُنِ البَراءةُ عامَّةً، بل في الدين؛ لما علمته، ولما سنذكره من أنه لو أبرأه عاماً، ثمَّ أقرَّ بعده بالمالِ المُبرأ منه، لا يعود بعد سقوطه، انتهى. ولا شك أنَّ الإبراء عن دَعوَى الأعيانِ يُسقِطُ دَعواها كما تسقط بالإبراء العام، فلا تعود، انتهى.
ويكون الأمرُ بالدَّفع له؛ لمُؤاخَذَتِهم بالإقرار بالعَينِ؛ حَمْلاً على إمكانِ تجدِّدِ الملكِ في الأعيانِ ِللمُقرِّ له، لا بعدَمِ منعِ الإبراء، كما سنذكره. وفي «القنية»: لو قالَ: «لا تعلُّق لي على فُلانٍ» فهو كقوله: «لا حق لي قِبَلَه»، فيتَناوَلُ الدُّيون والأعيان.
فلو قال: «لا حق لي عليه يَتَناوَلُ الدُّيونَ دونَ الأعيانِ، أَقرَّ أَنَّه لا دَعوَى له قِبَلَ فلان بوَجهِ مِنَ الوُجُوهِ، ثُمَّ ادَّعَى عليه بحُكمِ الوَكالة لغَيرِه، تُسمَعُ، انتَهَى.
وقال في «جامعِ الفُصُولَينِ»: أبرأه عن جميعِ الدَّعاوَى فادَّعَى عليه مالاً بوَكالة، أو وصاية؛ تُسمَعُ، وهذا بخلافِ ما لو أقر بعين لغيره، فكما لا يملكُ أَنْ يَدَّعيه لنفسه لا يملك أن يدَّعيه لغَيرِه بوَكالةٍ أو وِصايةٍ، انتَهَى.
ومثله في «خزانة المُفتين»، وفيها: ادَّعَى دَيناً فأنكَرَ المُدَّعَى عليه، وأعطاه مع الجحود، أو صالحه وأعطاه، ثمَّ أقامَ البيِّنة على إقرارِ المُدَّعِي أَنَّه أَقرَّ قبلَ الصُّلِحِ وقضاء المال أنَّه لم يكن لي قِبَلَ فُلانٍ شيء، بطَلَ الصُّلحُ والقضاء، وإن لم يقض القاضي عليه حتَّى أقام هذه البينة، بطل المال عنه، ولا يقضي عليه بشيء، انتهى.
وفي المحيط» خِلافُ هذا، قال في المُنتَقَى»: هشام عن محمد لو أقام المُدَّعَى عليه البيِّنةَ أنَّ المُدَّعي أقرَّ قبل الصلح، أو قبل قبض بدَلِه، أنَّه ليس لي على فلانٍ شيء، فالصلحُ ماض؛ لأنَّ المُدَّعَى عليه إنَّما صالحه [على الاعتبار أنَّه افتَدَى يمينه بالصلح، وافتداء اليمين بالمال جائز، فكانَ إقدامه على الصلح اعترافاً منه بصحة الصلح، فبدَعواه بعد ذلك أنَّه لم يصح الصلحُ صارَ مُتَناقِضاً، والمُناقَضَةُ تمنعُ صحة الدعوى، والبيِّنةُ لا تُقبَلُ بدونِ صِحَّةِ الدَّعَوَى.
ألا ترى أنه لو نَكَلَ المُدَّعَى عليه عن اليمين فقَضَى القاضي بالمال عليه للمُدَّعي، ثمَّ أَقامَ المُدَّعَى عليه البيِّنَةَ على إقرارِ المُدَّعِي قبلَ القَضاءِ بِأَنَّه لا حق له عليه، لم تقبل، فكذا هذا.
بخلاف ما لو قضى عليه بالمالِ بيِّنة، ثمَّ أقامَ البيِّنَةَ أَنَّ المُدَّعِيَ أَقرَّ قبلَ القَضَاءِ أَنَّه ليس له عليه شيء بطل المالُ عليه؛ لأنَّه لم يُوجَدُ مِنَ المُدَّعَى عليه الاعتراف بالمالِ، فصحتْ دَعواه، فتُقبَلُ بيته، وإنْ أقامَ البيِّنةَ أنَّه أقر بذلك بعد الصلح والقضاء؛ لأنَّه زعَمَ أَنَّه أخذ الذي صالحه عليه بغير حقٌّ، فيجب عليه رده، بخلاف الإقرار بالصلح؛ لأنه يجوز أن يجب له عليه حقٌّ بعد إقراره وإنْ كانَ القاضي علِمَ بِأَنَّ الرَّجل قد كانَ أقر عنده قبل الصلح بأنه ليس له عليه شيء بطل الصلح، وعِلمُ القاضي هنا بمنزلة الإقرار بعد الصلح، انتهى.
ثم قال في «الخِزانة»: ادَّعَى على رجُلٍ مالاً أو عَيناً، فقالَ المُدَّعَى عليه: إِنَّكَ أقررت في حالِ جواز إقرارك أنْ لا دَعوَى ولا خُصومة لي عليك، وأثبت ذلك بالبينة، تُسمع، وتندفعُ دَعواه، فإذا ادَّعَى على آخر شيئاً وأقامَ المُدَّعَى عليه البيِّنَةَ أنَّك أبرأتني عنِ الدَّعاوَى كلّها في سنة كذا يصح هذا الدَّفعُ المُدَّعَى عليه إِذا قَالَ: أبرأني المُدَّعي من هذه الدعوى، فالقاضي يسألُ المُدَّعَى عليه: أَلَكَ بَيْنَةٌ على المالِ؟ فإن أقامها يحلِفُ المُدَّعي على البراءةِ، وإن لم يكن له بينةٌ على المال يحلفُ المُدَّعَى عليه أولاً على دعواه المال، ودعواه البراءة لا يكون إقراراً على الأصح، فإن خَلَفَ المُدَّعَى عليه تُرِكَ، وإنْ نَكَل يحلِفُ المُدَّعي على البَراءةِ.
وفي «الإيضاح»: دَعوَى البَراءةِ إقرار بالمال عندَ المُتأخرينَ لا عندَ المُتقدِّمينَ، وهو الأصح، كذا في مغني الأحكام: ادَّعَى مالاً فأنكرَ، فَأَقامَ المُدَّعِي بَيِّنَةً أَنَّكَ استَمْهَلتني منذ عشرةِ أَيَّامٍ، وقالَ المُدَّعَى عليه: إِنَّكَ أبرأتني منذ عشرين يوماً، لا تصح دعوى الإبراء، لتأخر تاريخ الاستمهال عن تاريخ الإبراء.
وفي «القنية»: لو قال: ليس لي معه أمر شرعي يبرأ عن دينه وعن دعواه في العين. ولو قال: لا دَعوَى لي عليك اليوم؛ ليس له أن يدعي بعد اليوم، انتهى. وفي التَّرْخانِيَّةِ»: لو أقر أنه ليس لي معَ فُلانٍ شيء؛ كان هذا إبراء عن الأمانات لا عنِ الدِّينِ، انتهى.
وفي الخُلاصةِ»: رجُلٌ أبرأ رجُلاً عنِ الدَّعاوَى والخُصوماتِ، ثمَّ ادَّعَى عليه مالاً بالإرث عن أبيه، إن مات أبوه قبل إبرائه، صح الإبراء، ولا تُسمَعُ دَعواه، وإن لم يعلَمْ بمَوتِ الأب عند الإبراء، انتهى.
ومثله في البزازيَّةِ»، انتَهَى.
وفي جامع الفصولين»: أبرَأه عن جميع الدعاوى، فادَّعَى عليه مالاً بالإرث، فلو ماتَ مُورته قبل إبرانِه لا تُسمَعُ دَعواه، وإن لم يعلم هو بمَوتِ مُورثه عند إبرائه، انتهى.
وفي «العِمَادِيَّةِ»: أبرأ أحد الورثةِ الغَريمَ منَ الدِّينِ يصح في نصيبِ المُبرِي. وفي «العمادِيَّةِ» أيضاً: إذا كان للميت ديون على النَّاسِ فقال واحدٌ مِنَ الوَرَثِةِ: برفت من تركةِ أبي يبرأُ عنِ الدِّينِ بِقَدْرِ حقه منَ التَّركةِ؛ لأنَّ هذا إبراءُ الغَرِيمِ بِقَدْرِ حقه، فيصح، ولو كانَتِ التَّركَةُ عَيناً، لا يصح، انتهى.
وقوله: «برئت» بناءِ الخِطَابِ المُعيَّن يُشيرُ إليه.
قوله بعده: «يبرأُ» عنِ الدينِ، وقَولُه: ولو كانَتْ عَيناً لا يصح؛ لأنَّ الإبراء عنها يُخالِفُ الإبراء عن دعواها، فتكون أمانة عنده بهذا كما سنذكره.
وفي «الفواكِهِ البَدرِيَّةِ»: لو أبرأَهُ مُطلَقاً، أو أقرَّ أَنَّه لا يستحقُ عليه شيئاً، ثمَّ ظهر بعد ذلك أنَّ المُقَرَّ له كانَ قبل الإبراء والإقرار مشغولَ الذَّمَّةِ بشيء من متروكِ أَبِ المُقر، ولم يعلم المُقِرُّ بذلك، ولا بمَوتِ أبيه إلَّا بعد الإقرار والإبراء لا يكون له المطالبة بذلك، ويعمل الإقرار والإبراء عمله، ولا يُعذَرُ المُقِرُّ، انتهى.
وفي «الأشباءِ» من كتابِ المُدايَناتِ: لو أبْرَأَ الوارِثُ مديون مُورثه غير عالمٍ بمَوتِ مُورثِه، ثمَّ بان ميتاً، فبالنظر إلى أنَّه إسقاط يصح، وكذا بالنَّظر إلى كونه تمليكا؟
لأنَّ الوارِثَ لو باعَ عَيناً قبل العلمِ بِمَوتِ المُورثِ، ثُمَّ ظَهَرَ مَوتُه صَحَّ، انتَهَى). وفي فتاوى قاضيخان» ذكر في «الجامع الكبير»: رجل قال: لا حق لي قبل فلان، أو قال: في يدِ فُلانٍ، ثمَّ أَقامَ البيِّنَةَ على عبد في يد المُقَرُ له أَنَّه غَصَبَه منه، أو ادعى عليه ديناً؛ لا تُقبَلُ بيته حتى يشهدَ الشُّهودُ أَنَّه غَصَبَه بعد) الإقرارِ، أو على دين حادث بعد الإقرار.
وكذا لو كتَبَ الرَّجُلُ براءةً لرجُلٍ أنَّه لا حق لي قبلك في عين ولا دين ولا شراء، ثمَّ أَقامَ البيِّنَةَ على شراء عبد من الذي أبرأه، أو على قرض ألف درهم؛ لا تُقبَلُ إلَّا بتاريخ بعد الإقرار، انتهى.
وكذا في خزانة المُفتين، ثمَّ قال فيها: وهذا بخلافِ ما إذا أَقرَّ المُدَّعَى عليه وقال: جميع ما في يدي من القليل والكثير لفُلان، ثمَّ إِنَّهُ مَكَثَ أَيَّاماً فحضَرَ فُلانٌ ليأخُذَ ما في يده، فادَّعَى عَبداً ممَّا في يديه أنَّه له ملكه بعد إقراره، وقال المُدَّعِي: كانَ هذا العبد في يديك يومَ الإقرار، فالقَولُ قَولُ المُدَّعَى عليه، والعبد عبده، إلَّا أن يُقيم المُدَّعي البينة أنه كان في يديه يومَ الإقرار، انتهى.
ومثله في قاضيخان، انتهى. ولكن رأيتُ في «الوَجيز» منَ الفَتاوَى»: إذا قالَ: كُلُّ ما في يدي لفُلانٍ، فحضَرَ فُلانٌ ليأخُذ ما في يده، وادَّعَى أنَّ هذا أيضاً داخل في الإقرارِ، وَادَّعَى الْمُقِرُّ أَنَّه ملكه بعد الإقرار، فالقولُ قَولُ المُقِرُ، إِلَّا أَنْ يُبْرهِنَ المُقَر له على قيامِه وَقتَ الإقرار.
وهذا التَّفريعُ على أصلِ الرّوايةِ، وأمَّا على اختيار مشايخ خُوارِزْمَ وعليه الفتوى، فهذا الكلام محمول على البر والكرامة، فلا يتأتى النزاع، انتهى. وفي «الخلاصة»: لو قال الدين الذي لي على فُلانٍ لفُلانٍ، أو الوديعة التي لي عند فُلانٍ هي لفُلانٍ؛ فهو إقرار، وحقُّ القبض للمُقرِّ، ولكن لو سَلَّمَ إلى المُقَرِّ له برى، وهكذا في الظهيرِيَّةِ» و «خزانة المفتينَ» وغيرهما. وحيثُ أُنجز الكلامُ إلى مسألة الإقرار العام، فاعلَمْ أَنَّه إقرار صحيح مُصرَّح به في كتب المذهب، مُثبِتُ للمُلكِ في الجميع للمُقر له، وليس هبةً، وكتب في ذلك رسالة شيخ مشايخنا العلامةُ الشَّيخُ عليّ المَقدِسي رحمه الله ردَّ فيها على من زعم أنه تمليك وهبةٌ، فيقتضي حكمه من التسليم ونحوه، وذلك هو ما أفتى به الشيخ محمد سراجُ الدِّينِ الحانوتي الحنفي رحمه الله في مسألة ابن العاصي، وهي مسطورة في فتاواهُ، فَلْيُتَنبه لذلك، انتهى. ولو قال: ما لي في يد فلان دارٌ ولا حقٌّ، ولم ينسبها إلى رُسْتاقِ ولا قريةٍ، ثمَّ ادَّعَى أَنَّ له قِبْلَه حقًا بالرَّيِّ في رُسْتاقِ أو في قرية، لم تُقبل بيته، كذا في العِمَادِيَّةِ».
وقال في «العمادِيَّةِ» أيضاً: وفي دَعوَى فَتاوَى قاضيخانُ اتَّفَقَتِ الرواياتُ على أنَّ المُدَّعي لو قال: لا دَعوَى لي قِبَلَ فُلانٍ، ولا خُصومةً لي قِبَلَه؛ يصح حتَّى لا تُسمَعُ دَعواه عليه، إلَّا في حق حادث بعد البراءة، انتهى.
وفي «القنية»: أبرأه بعد الصلح عن جميع دعاويه وخُصوماته، صح، وإن لم يُحكَمْ بِصِحَّةِ الصُّلِحِ، انتَهَى.
وفي الأشباه والنظائر منَ القَولِ في الدِّينِ قال: ومن أحكامِه صِحَّةُ الإبراء عنه، فلا يصِحُ الإِبراء عن الأعيان، والإبراء عن دعواها صحيح، فلو قالَ: أَبْرَأَتُكَ عن دَعوَى هذا العَينِ، صح الإبراء، فلا تُسمَعُ دَعواه بها بعده؛ يعني على المُخاطَبِ دون غيره، كما سنذكره.
ولو قال: برِثْتُ من هذه الدَّارِ ومِن دَعوَى هذه، لا تُسمَعُ دَعواه وبينته، وقوله: برِثْتُ؛ يعني: بضمّ تاءِ برِئتُ» على أنَّها ضميرُ المُتكلّم؛ ليُغايرَ قولَه بعده: ولو قالَ: أبرأتُكَ عنها، انتهى.
ولو قال: أبرَأَتُكَ عنها، وعن خُصومتي فيها؛ فهو باطِلٌ، فله أن يُخاصِمَ، وإِنَّما أبرأه عن ضَمَانِهِ، كذا في البَزَّازِيَّةِ» منَ الصُّلح، انتهى عبارة «الأشباه». قلتُ: يُريدُ بقوله: وله أن يُخاصِمَ مَن خاطبه بقوله: أَبْرَأَتُكَ عنها كما يُخاصِمُ غيره؛ لكونه أبرأ عن عَينٍ، وأمَّا في قوله: أو عن خُصومتي فيها، فليس له أن يُخاصِمَ خاطبه، وله أن يُخاصِمَ غيرَه؛ لأنَّ البَراءَةَ عن دَعوَى العَينِ صحيحةٌ في حقٌّ مَن خاطبه فقط.
وأما قوله: «وإنَّما أبرأه عن ضمانه»، فلا يصلُحُ أن يرجع إلَّا إلى قوله: أَبْرَأَتُكَ عنها؛ لأنَّ الإبراء عن خُصومتِه إِبراء عن دَعواها وعن ضَمانها، ولا بُدَّ من هذا الفَهِمِ في هذا المحل.
ومثله قول «الخُلاصة»: لو قالَ الرَّجلُ لآخر: أبرأتُكَ عن هذه الدَّارِ، وعن خُصومتي في هذه الدَّارِ، أو من دَعوَى هذه الدَّارِ، أو برِثْتَ من هذه الدَّارِ، جازَ ولا حق له فيها، انتهى.
قلتُ: فقوله: «جائز» بمعنى: صح الإبراء في الصُّورَتَينِ الأُولَبَينِ، بالنَّظرِ لمَن خاطبه بالإبراء، ويتعيَّنُ العَطفُ بالواو في: وعن خُصومتي»، كما في هذه النسخة؛ لأن قوله: أبْرَأَتُكَ عن هذه الدَّارِ إبراء عنِ العَينِ، وهو لا يصِحُ إِلَّا بِالنَّظَرِ لَنَفْيِ الضَّمَانِ. وقوله: «ولا حق له فيها» يرجع إلى قوله: «أو برثت من هذه الدَّارِ»، فلا تُسمَعُ دعواه بها على المُخاطَب ولا على غيره، انتهى.
ثم عقبه في الخلاصة بقوله: وفي واقعاتِ النَّاطِفي: رجلٌ قالَ لآخر: أبرأتك عن هذه الدَّارِ، وعن خُصومتي في هذه الدَّارِ، أو عن دعواي في هذه الدَّارِ؛ فهذا كله باطل، حتّى لو ادَّعَى بعد ذلك هذه الدَّارَ، تُسمَعُ، ولو أقامَ البيِّنَةَ، تُقبَلُ، بخلاف ما لو قال: برثْتُ من هذه الدَّارِ أو قالَ برِثْتُ من دَعواي في هذه الدَّارِ؛ فإنَّه يجوز، حتى لا تُسمَعُ دَعواه وبيته بعد ذلك؛ لأنَّه بقوله: «أَبْرَأَتُكَ» خاطَبَ الواحد، وله أن يُخاصِمَ غيره.
أما قوله: «برِئْتُ» فإضافةُ البَراءةِ إلى نفسه، فيبرأُ. انتهى عبارة «الخلاصة»، وعلمت التوجية.
ثمَّ قال في «الأشباء»: وفي «كافي الحاكم» منَ الإِقرار: لا حقٌّ لِي قِبْلَه يبرَأُ عَنِ العَينِ والدِّينِ والكفالة والإجارة والحد والقصاص، انتهى.
ثم قال صاحب «الأشباءِ»: وبه عُلِمَ أَنَّه يبرأُ من الأعيان في الإبراء العام.
فإن قلت: يُناقِضُ هذا قول صاحب «الأشباه»، وفي إجاراتِ البَزَّازِيَّةِ: أَنَّ الإبراء العام إنَّما يُمنَعُ إذا لم يُقرَّ بأنَّ العَينَ للمُدَّعي، فإِنْ أَقرَّ بعدَه أَنَّ العَينَ للمُدَّعِي سلمها له، ولا يمنعه الإبراء، انتهى.
قلت: لا تناقُضَ؛ لأنَّ الكلام في المنعِ إذا أنكر المُدَّعَى عليه الاستحقاق متمسكاً بالإبراء العام، وأمَّا إذا أقرَّ بالعَينِ للمُدَّعي، فالأمرُ بالدَّفع إليه مُتَّجِهُ الزوالِ المانع، وهو إنكار استحقاق مُدَّعيها، والتمسُّكُ عليه بالبراءة عن دعواها، وقد بطل ذلك بإقراره، ولم تكُنْ مملوكة له بالإبراء، ولو تُصُوِّرَ ملكُه، لِزِمَ رَدُّها بإمكانِ تجدد الملكِ فيها مؤاخذة له بإقراره، وتصحيحاً لكلامه على طريق الاقتضاء، والعينُ قابلة لا بعدم منع الإبراء العام من الدعوى، بخلاف الإقرار بالدين بعد الإبراء منه؛ لكونه وَصْفاً قد سقط فلا يعود، انتهى. وعبارة «البَزَّازِيَّةِ» تُفيدُ هذا، ونصها: أبرأ المُستأجِرُ الآجِرَ عن كُلِّ الدَّعاوَى، ثم أدركَ الزَّرعَ، فجاءَ المُستأجِرُ بعدَما رَفَعَ الأجِرُ الغلَّةَ، وَادَّعَى العَلَّةَ، قيلَ: يُسْمَعُ، والأشبه أنَّه لا يُسْمَعُ، ولو رفع الأجرُ الغلَّةَ أَوَّلاً، ثمَّ أبرأه المُستَأْجِرُ عَنِ الدَّعاوَى، لا تُسمعُ دَعواه، وهذا إذا جَحَدَ أن يكونَ الزَّرعُ للمُستأجر، وإِنْ مُقِرًّا أَنَّه للمُستأجر يُؤْمَرُ بالدفع إليه، وكذا إذا أبرأ أحد الورثة الباقين ثمَّ ادَّعَى، ولو أقرُّوا بِالتَّركَةِ يُؤْمَرُونَ بالدفع إليه، انتهى.
ومثله في «الخلاصة»، وليسَ في عبارةِ البَزَّازِيَّةِ ما زادَه صاحبُ «الأشباءِ» في اختصاره عبارتها من قوله: ولا يمنعه الإبراء العام، انتهى.
وإن كان صحيحاً في حد ذاته، لكن فيه إيهام أنَّ الإبراء العام لا عمل له في منع الدعوى بالعين مع الإقرار بها بعده للمُبري.
وقد علمتَ أنَّه مانع، وما ساغ الأمرُ بالدَّفْعِ إِلَّا لَزَوالِ المَانِعِ إِلَّا لإمكانِ تجدُّدِ الملك له فيها بعد الإبراء كما قدمناه، انتهى.
قلت: وكذا لا يردُ النَّقضُ على صاحب الأشباه» بما قاله فيها عن «اليتيمية»: مات عن ورثة فاقتَسَمُّوا التَّركةَ، وأبرأ كلُّ واحدٍ منهم صاحبه من جميع الدعاوى، ثمَّ إنَّ أحد الورثةِ ادَّعَى دَيناً على الميِّتِ وعلى تركةِ المَيِّتِ تُسمَعُ، انتَهَى.
لأَنَّ المُدَّعَى عليه في الحقيقة هو الميت، أو هو المُدَّعِي والوارِثُ قائمٌ مَقامَه كالوكيل؛ لانتفاعِه ببَراءةِ ذِمَّتِه وبقاءِ التَّركةِ على حُكمِ ملكه حَتَّى قُدِّمَ بِقَضاءِ دَينِهِ كتجهيزه، فلم يكُنْ سَماعُ الدَّعوَى بعدم منع الإبراء منها في هذا.
وسنذكر الجوابَ إِنْ شاءَ الله تعالى عن استدراك صاحب «الأشباء» على ما سبق منه بقولِه، لكنْ في مُدايَناتِ القنية»: افتَرَقَ الزَّوجانِ وأبرأ كلُّ واحدٍ منهما صاحبه عن جميعِ الدَّعاوَى، وكانَ للزوج بذرٌ في أرضها وأعيان قائمة، فالحصاد والأعيانُ القائمة لا تدخُلُ في الإبراء عن جميع الدعاوى، انتهى.
ويدخُلُ في الإبراء العام الشُّفعةُ، فهو مُسقِط لها قضاء لا ديانةً، إن لم يقصدها كما في الولوالجِيَّة، وفي الخانيَّة: الإبراء عنِ العَينِ المغصوبة إبراء عن ضمانها، وتصير أمانة في يد الغاصب.
وقالَ زُفَرُ: لا يصح الإبراء، وتبقى مضمونةً، ولو كانتِ العينُ مُستهلكة، صح الإبراء، وبرئ من ضمان قيمتها، انتهى.
وقال في «جامع الفصولين»: قالَ المُدَّعي: لا دَعوَى لِي قِبَلَ زيد، أو لا خُصومةً لي قبله، بطل دعواه عليه إلا في حادث بعده، ولو قال: برثت من دعواي في هذه الدَّارِ لا يبقى له حق فيه، وكذا لو قال: برثت من هذا القن، أو خرجت من هذا القن، لبطل دعواه، ولو قال: أبرَأَتُكَ من هذا القِنِّ يبقى القِن وديعةً عنده، ويبرأُ من ضمانه، انتهى.
وفي «الخلاصة»: أقامَ البيِّنَةَ على إبرائه عنِ المَغصوب لا يكونُ إبراء عن قيمة المغصوب، وإنَّما هو إبراء عن ضَمانِ الرَّدُّ لا عن ضمان القيمة؛ لأنَّ حال قيامه الرَّدُّ واجب عليه لا قيمته، فكان إبراء عما ليس بواجب عليه، انتهى.
قلتُ: يعني ليس بواجب الآنَ حال قيامِ العَينِ حتَّى إذا مُنِعَها بعد الطلب أو استملكها بعد الإبراء، ضَمِنَ، انتهى.
ثم قال في «الأشباه»: فقولهم: الإبراء عن الأعيان باطل؛ معناه: لا تكون ملكاً له بالإبراء، وإلَّا؛ فالإبراء عنها لسُقوطِ الضّمان صحيح، أو يُحمل على الأمانة، انتهى عبارة «الأشباه».
وفي «فتاوى ابنِ الشَّلْبِيِّ»: أقرَّتْ أَنَّها لا تستحقُ ولا تستَوجِبُ قِبَل جماعة من ورثتها عينتهم حال الإشهاد حقا ولا استحقاقاً، ولا دعوى ولا طلباً بوجه، ولا شيئاً منَ الأشياء كلّها مطلقاً، جليلها وحقيرها، قليلها وكثيرها، ولا يميناً بالله تعالى، ولا فِضَّةٌ ولا ذَهَباً، ولا وديعةً ولا عارِيةً، إلى غير ذلك من ألفاظِ البَراءةِ، وثَبَتَ عندَ حاكم شافعي، وحُكِمَ بموجبه، فهل تُسمَعُ دَعوَى ورثتها على أحدٍ من المذكورين بشيء تقدَّمَ على تاريخ البراءة.
فأجابَ الشَّيخُ شِهابُ الدِّينِ الرَّمليُّ الشَّافعي: لا تُسمَعُ دَعوَى ورَثَتِها، ولا أحدٍ منهم بحقِّ لمُورِّثَتِهم مُتقدم على تاريخ الإشهاد؛ لِقِيامِهِم مَقامَ المُورِّثِ، وهو لو كانَ حيَّا لم يُسمَعْ دَعواهُ به؛ لأنَّه سَبَقَ منه ما يُنافيها، والله تعالى أعلَمُ.
وكتب تحت خطه بالموافقة العلامة المُحقِّقُ الشَّيخُ ناصرُ الدِّينِ اللَّقاني المالكي، والشَّيخُ شِهابُ الدِّينِ أحمدُ بنُ ُيونُسَ الشَّلبي الحنفي، وشيخ الإسلام شهابُ الدِّينِ أحمدُ بنُ النَّجَّارِ الحنبلي الفتوحي، رحِمَهُم الله.
وفي «فَتاوَى قارِئِ الهداية»: سُئِلَ إذا أقرَّ شخص بأنَّه لا يستحقُ على فلانٍ حقا، ولا يميناً بالله تعالى إنْ وجَبَ لِما مَضَى منَ الزَّمانِ وإلى تاريخه، ثمَّ ادَّعَى المُقِرُّ بدَعوَى ثانية، هل يحلِفُ؟
أجابَ: لا تُسمَعُ دَعواه عليه، ولا يمين عليه؛ لأنَّ اليمين بعدَ صِحَّةِ الدعوى، انتهى.
وفي «الأشباه»: أبرأه إبراء عاما، ثمَّ أقر بعده بالمالِ المُبري منه، لا يعود بعد سُقوطه، انتهى.
وقال الشيخ زين في رسالته في الإبراء: قال الإمام الطحاوي في كتاب الشروط: إنَّه لا يحلف اتفاقاً بعد الإبراء العام، انتهى.
تنبيه: لو قيد الإبراء فأقر أنَّه لا حق لي على فلانٍ فيما أَعلَمُ، ثمَّ أَقامَ بَيِّنَةٌ له عليه بحق مُسمى قبل هذا الإقرار، فإنَّها تُقبَلُ بيته، وهذه البراءة ليست بشيء، هكذا ذكر في الكتاب، ولم يحكِ فيه خلافاً، ومن مشايخنا مَنْ قالَ: ما ذُكِرَ في الكتابِ قول أبي حنيفة ومحمد، فأما على قول أبي يوسُفَ، لا تصح دعواه، فلا يُقبل منه.
ومنهم من قال: هذا عندهم جميعاً، وكذا إذا قال: في قلبي، أو في رأيي، أو فيما أظُنُّ، أو فيما أحسبُ، أو في حسابي، أو في كتابي؛ فهذا كله باب واحد.
ولو قال: قد علمتُ أنَّه لا حق لي على فُلانٍ لم أقبل منه بينةً، كذا في «خزانة المفتين»، و «التَّرْخانِيَّةِ»: لا أخاصِمُكَ، لا أطلب منك شيئاً من مالي قِبَلَكَ، فهذا ليس بشيء.
وفي شرح المنظومة لابنِ وَهْبانَ أقرّ على ترك الدعوى، تُسمَعُ دَعواه، ولو قال: لا دعوى لي عليه لا تُسمَعُ، قاله شرفُ الأئِمَّةِ المكي، وقال جلالُ الدِّينِ البخارِيُّ: لا تُسمَعُ في الفَصْلَينِ.
وإذا قال: تركته أصلاً؛ يعني ما ادعاه فهو إسقاط لما يدعيه وإبراء، ولو قال: تركتُ دعواي وفَوَّضتُ أمري إلى الآخرةِ، لا تُسمَعُ دَعواه بعده. فبهذا اتَّضَحَ صِحَّةُ البَرَاءةِ العامَّةِ، وصِحَّةُ مَنعِ دَعَوَى المُقِرٌ بِدَعَوَى شَيْءٍ سابق عليها، وارثاً كان أو غيره. تتمة: في البراءةِ المُقيَّدة بقدرٍ: رجلٌ جاءَ بشاهِدَين على رجل بألف درهم، وجاء المطلوب بشاهِدَينِ على البَراءةِ بألف درهم، فهذا على وجوه ثلاثة: أحدها: أن يكون المالُ مُؤرخاً، والبراءة غير مؤرخةٍ، أو كان أحدهما مؤرخاً والآخر لا، ففي الوجه الأوَّلِ إنْ كانَ تاريخ البراءة بقدر تاريخ المال، يُقضَى بالبراءة، وإن لم يكن أحدهما مُؤرّخاً يُعمل بالبراءة، وكذا لو كان تاريخهما سواء يُعمَلُ بالبراءة. وإن كان صك المالِ مُؤرّخاً، والبَرَاءةُ غير مُؤرّخةٍ، أو على العكس، يُعمَل بالبراءة، كذا في التترخانيَّة، وفي «شرح منظومة ابنِ وَهْبانَ»: قالَ لآخر: لا دعوى لي عليك اليوم؛ ليس له أن يدَّعي بعد اليوم بسببٍ مُتقدم.
تنبية: لا يصح الإبراء عنِ الدِّينِ قبلَ لزومِ أَدائِهِ إِلَّا في مسائل نبه عليها في البَحرِه من باب خيارِ الشَّرطِ، فَلْيُتَنبَّة له في حُكمِ البَرَاءةِ، انتهى. ولا يُطلب به كفيل، ولو قرب الأجل، ولا يُمْنَعُ المدينُ مِنَ السَّفِرِ، ولا يحلَّفُ، وإذا سكت المُقر له صح الإقرار، ويرتد برده، وكذلك الإبراء عنِ الدِّينِ.
واختلف المشايخ في اشتراط مجلس الإبراء لصِحَّةِ الرَّد، انتهى.
ولا يصح تعليق الإبراء بصريح الشَّرط، كإنْ أَدَّيتَ إليَّ غداً كذا، فأنتَ بريءٌ من الباقي، ويصح تعليقه بمعنى الشَّرطِ، نحو قوله: أنتَ بريءٌ من كذا على أن تُؤدِّيَ إليَّ غداً كذا؛ لما فيه من معنى التمليك ومعنى الإسقاط، انتهى.
تنبيه مهم علمتَ أنَّ الشَّرط ما كانَ على خَطِرِ الوُجودِ، فلا يصح تعليق الإبراء عنِ الدِّينِ به، كما إذا قالَ لمَديُونِه: إنْ مِنَّ ـ بنصب تاءِ الخِطاب - فأنتَ بريء لا يصح؛ لأنَّه كقوله: إن دخلت الدَّارَ فأنتَ بريء، وأَمَّا لو قالَ: إِنْ مِتُّ - بضم تاء المتكلّم - فأنتَ بريء، أو أنتَ في حِلٌ، جاز؛ لأنَّه وصيةٌ، كما في «العمادية» و «جامعِ الفُصُولَينِ» و «قاضيخان والتَّترْخانِيَّةِ» عَنِ النَّوازِلِ» فَلْيُتَنَبَّه له، فإِنَّه مهم، وفي مُدايَناتِ الأشباه والنظائر»: الإبراء يرتد بالرَّدْ إِلَّا في مسائل: الأولى: إذا أبرأ المُحتال عليه فرَدَّه، لم يرتد.
الثانية: إذا قال المديون: أبرثني، فأبرأه، لا يرتد.
الثالثة: إذا أبرأ الطالب الكفيل فردَّه، لم يرتد، وقيل: يرتد.
والرابعة: إذا قبله ثمَّ ردّه، لم يرتد، انتهى. وإذا عاد إلى التصديق بعدَ الرَّد، فلا شيء له إِلَّا في الوقف، انتهى.
فرع مهم: في «التَّجنيس والمزيد» قال لمكاتبه وهَبتُ لك ما لي عليك، فقال المُكاتَبُ: لا أقبل عتَقَ المُكاتَبُ، والمالُ دَين عليه؛ لأنَّ هبة الدين ممن عليه الدين يصح من غير قبول، ويرتد برده، فلم يظهر انتقاضُ الهبة في حق انتقاض العنق، انتهى.
غريمُ المَيِّتِ إذا أبرأ الميت عنِ الدِّينِ فردَّه وارِثُه، على قولِ محمد لا يصح رده؛ لأنَّ الدَّينَ ليسَ عليه، وعلى قول أبي يوسف يصح؛ لأنه هو المطلوب بالدِّينِ.
وإذا قبض ربُّ الدِّينِ دَينَه، ثمَّ أبرأ المديون منه يرجعُ المَديون على ربِّ الدِّينِ بما قبضه منه في اختيار شمس الأئِمَّةِ السَّرَخسِي، والصدرِ الشَّهِيدِ، وذكرَ خُوَاهَرْ زاده أنَّه لا يرجعُ، وهو اختيار بعض المشايخ، كذا في «العِمَادِيَّةِ».
وقال في «الأشباه»: يرجع إذا أبرأه براءة إسقاط، وإذا أبرأه براءة استيفاء، فلا رجوع، انتهى.
وهِبةُ الدَّينِ كالإبراء منه، إلَّا في مسائل منها لو وهَبَ المُحتالُ الدِّينَ من: المُحالِ عليه، رجَعَ المُحالُ عليه به على المحيل، ولو أبرأه لم يرجع.
ومنها الكفالة كذلك، ومنها توقفها على القبولِ، ومنها لو شهِدَ أحدهما بالإبراء والآخَرُ بالهبة، ففي قَبولِ الشَّهادةِ اختِلافٌ، انتَهَى.
قلتُ: وتوقُفُ صِحَّةِ هِبةِ الدّين على القَبولِ هو قولُ زُفَرَ رِحِمَهُ اللهُ؛ لِما قالَ في «الخلاصة: ذكر الإمامُ السَّرَخسِيُّ في نُسختِه أنَّ هبةَ الدِّينِ لا تصح من غيرِ قَبولِ المديون.
قالَ المُصنِّفُ رحمه الله: وهذا قَولُ زُفَرَ رحِمَه الله، وكأَنَّه اختارَ قولَه، وما ذكرَ في شرح الشّافي قول أصحابنا الثلاثة، وعليه الفتوى، ثمَّ قال: في هبة المرأةِ مهرها لزوجها إنْ لم يقبلِ الزَّوجُ الهبة لا تصحُ الهِبةُ، وقد ذكَرْنا الجوابَ المُختارَ أَنَّه يصِحُ من غيرِ قَبولٍ، انتَهَى.
الوكيل بالبيع إذا قبَضَ الشَّمنَ ثمَّ أبرأَ ذِمَّةَ المُسْتَرِي عَنِ الثَّمَنِ، صح، ويردُّ الثّمنَ على المُشتَري، وإذا كانَ للصَّغير دين فصالح أبوه، أو وصِيُّه على بعض وحَطَّ عنه، إِنْ وجَبَ بمُعاقَدتِه صح الحطُّ، ويضمَنُ عند أبي حنيفة ومحمد كالوكيل إذا أبرأ المُشتريَ عنِ الثَّمن، وإن لم يكُنْ بمُعاقدتِه لا يصح؛ لأنَّه تبرع بماله، كذا في «العمادية».
الباب الثاني: في رَدْ إِبطالِ البَراءةِ العَامَّةِ بما اشتبَهُ مِنَ التَّقولِ، وبيانُ وَجهِ رَدُّه وإظهار أنَّ ما استند إليه ليس وجهاً لِما ظَنَّه الرَّادُ المُبْطِلُ اعلم أنَّ ما صرّح به في «الأشباءِ» من قوله: إِنَّ الوارِثَ إذا أبرأ إبراء عاماً بأن أقر أنه قبضَ تركةَ مُورّثه ولم يبق له فيها حقٌّ إِلَّا اسْتَوَفاهُ، ثُمَّ ادَّعَى شيئاً من تركةِ مُورثه وبرهن عليه، قبل ذلك منه، ليس فيه شيء من الإبراء العام، ولا الخاص، بل هو إقرارٌ مُجرَّدُ، وهو لا يقتضي منعَ الدَّعوَى، فلم يكُنْ من قبيل الإبراء العام الحاصل المخصوص به يقتضي إثبات الحق له دونَ المُقَرُ، كيف وقد بينه وأوضَحَه بأداة الحصر بالصُّورة المذكورة التي ليس فيها خطاب لمُعيَّن يقتضي التمليك منه والاختصاص به دُونَ المُقر؟ فكان ترجمة منه بالإبراء العام، ولم يُمثل له بمثال. ولم أر في كلامٍ أئِمَّتِنا ممَّن ذكر هذه المسألة زيادة هذه الترجمة التي هي الوارث إذا أبرأ إبراء عاماً.
وإِنَّمَا يَبتَدِلُونَ بقولهم: أشهد الولد على نفسه، أو أقر الوارِثُ على نفسه ... إلى آخره كما سنذكره، وبيانُ إِيضاح ذلك بما نذكرُه مِنَ النُّقول. منها ما قال في المُحيط»: لو قال: لا دين لي على أحد، ثمَّ ادَّعَى على رجُلٍ دَيناً، صَحْ؛ لاحتمال أنه وجبَ بعد الإقرار.
وفي نوادر ابنِ رُستم عن محمَّد رحمه الله: لو قالَ: كُلُّ مَن لي عليه دينٌ فهو بريء منه، لا تبرأُ غُرَماؤُه من ديونِهِ إلَّا أن يقصد رجُلاً بعينه، فيقول: هذا بريءٌ مما عليه، أو قبيلة فُلانٍ، وهم يُخصون.
وكذلك لو قال: استَوفَيتُ جميع ما لي على النَّاسِ مِنَ الدِّينِ، لا يصح؛ لِما عُرف في كتاب الهبة من: هبة الدين وإبرائه، انتهى.
ونصه في الهبة: هِبةُ الدِّينِ ممَّن عليه الدّينُ إبراء وإسقاط حقيقة، فالجهالة؛ أي: في الدين لا تمنعُ صِحتَه؛ أي: الإبراء، ولو حلله من كل حقٌّ له عليه ولم يعلم بما عليه، برى حكماً لا ديانةً عند محمَّد، وقال أبو يوسف: برِئَ ديانةً أيضاً، وهو الأصح، كما لو علم بما عليه، انتهى.
وقال في التجنيس والمزيد: وعليه - أي على قول أبي يوسف – الفَتَوَى ثمَّ علله في «المُحيطِ» بقوله: لأنَّ الإبراء إسقاط، ولهذا يصح بلفظ الإسقاط، ولا تفتَقِرُ صِحْتُه إلى القبولِ، وجَهالةُ التّساقط لا تمنعُ صِحةَ الإِسقاطِ؛ لأنَّه مُتَلاش، فلا يرد عليه التّسليم ليفضي إلى المُنازَعَةِ، وصار كالمُشتَرِي إذا أبرأ البائع عن العُيوبِ، صح، وإن لم يُبيِّنِ العُيوبَ، كذا هذا انتهى.
وفي العِمادِيَّةِ»: لو قال: أبرأتُ جميعَ غُرَمائي، لا يصح الإبراءُ، قال أبو اللَّيثِ: وعندي أنه يصح، انتهى.
وفي خزانة المُفتين»: ولو قال: أبرَاتُ جميعَ غُرَمائي لا يجوزُ الإبراءُ، إِلَّا إِذا نص على قومٍ يُحصون، وعند أبي اللَّيثِ رحمه الله صحيح، انتهى.
وفي «قاضيخان» من كتاب الوصايا: رجلٌ قالَ: أَبْرَاتُ جَميعَ غُرَمائي ولم يسمهم، ولم ينو أحداً منهم بقلبه، قال أبو القاسم: رَوَى ابْنُ مُقاتل عن أصحابنا أنَّهم لا يبرؤونَ.
وفي «الظهيريَّةِ»: لو قال: استَوفَيتُ جميع ما لي على النَّاسِ مِنَ الدِّينِ، لا يصح، وكذلك: أبرأت جميعَ غُرَمائي، لا يصح، إلا أن يقول: قبيلة فلان، وهم يُحصونَ، فحينئذ يصح إقراره وإبراؤُه.
وفي الحاوي الحصيري»، وفي الجامع الأصغَرِ»: قالَ: استَوفَيتُ جميع مالي على النَّاسِ منَ الدِّينِ، لا يصح، وكذا لو قال: أبْرَاتُ جَميعَ غُرَمائي، لم يكُن إبراؤُه حتّى ينصَّ في المسألتين على مُعيَّن، ولو: قبيلة فلان وهم يُحصَونَ، فحينئذ صَحُ الإِبراء والإقرار، انتهى.
والإباحةُ من المَجهول جائزةً، وبه يُفتى، فهي تُخالِفُ الإِبراء، قالَ: إِنْ تَناوَلَ فلان من مالي فهو له حلال، فتناوَلَ فُلانٌ قبل العلم لا يضمَنُ، وتجوزُ الإباحة. وإنْ عمَّمَ وقال: كلُّ إنسان، فأكل منه إنسان، قالَ ابنُ سلمةَ: يَضمَنُ؛ لأنَّه إبراء، وإبراء المجهول لا يصح، وقالَ ابنُ سلام: لا يضمَنُ؛ لأنَّه إباحة، والإباحةُ مِنَ المجهول جائزة، وبه يُفتى.
حاللني من كلّ حقٌّ هو لك عليَّ، ففعل، برِئَ عند الثاني ممَّا علم وما لم يعلم، وعليه الفتوى.
وفي «القنية»: جعلتُ غُرَمائي في حل، لا يبرَؤُونَ عندَ عُلمائِنا، وعندَ ابنِ مُقاتل يبرؤونَ.
ولو قال: جعلتُ غَريمي فُلاناً في حل، يبرأ؛ لأنَّه معلوم دونَ الأوَّلِ، (م) عن محمَّدٍ، مَن كانَ لي عليه شيء، فهو في حلّ، لا يبرؤون، ولو خَصَّ فقالَ: فُلانٌ في حل ممَّا عليه يبرأ، ومثله عن أبي يوسف.
ولو قال: رجلٌ كانَ معَه ألف درهم أو متاع، فقال: الألفُ التي كانت معي أمس لم أقرضها أحداً، أو لم يقبضها منّي أحدٌ، ثمَّ ادَّعَى بعدَه غَصْبَها على رَجُلٍ، وأقامَ بينة لا تقبل؛ لأنَّه أكذِّبُهم؛ لأنَّ هذا شيءٌ مُعيَّنٌ.
ولو قال: ليس لي على أحد شيء، أو لم أقرِضُ أحداً شيئاً، ثمَّ قَالَ: البينة على رجلٍ تُقبَلُ؛ لأنَّه ما عيَّنَ.
ولو قال: ما لي بالكوفة دار، أو ما لي في دورها دار، أو قال: ما لي في الدُّنيا دار، أو قال: ما لي على أحد شيء، أو قال: أخذتُ مِن جميع من كان لي عليه شيء؛ فله أن يدَّعي؛ لأنَّه لم يُبرِئ أحداً يُعرَفُ. انتهى عبارة «القُنية».
وفي «المحيط» من باب ما يمنعُ صِحَّةَ الدَّعوَى وما لا يمنعُ: ابن سماعة عن: محمد: لو قال - أي: عند عدم المُنازع -: هذه الدَّارُ ليسَتْ لي، أو لعبد في يده: ليس هذا لي، ثم أقامَ البيِّنَةَ أَنَّها له يُقضَى له؛ لأنَّ قولَه: ليس هذا لي، لم يُثبِتْ حقًا لأحد، وكلُّ إقرار لا يثبت به حق لإنسان، فهو ساقط.
ومثله في الخلاصة: لو قال: هذه الدَّارُ ليسَتْ لي، ثمَّ أَقامَ البيِّنَةَ أَنَّها له، قُبِلَتْ بيته؛ لأنه لم يُقر لرجُلٍ معروف، انتهى.
ثمَّ قَالَ فِي «المُحيط»: وذكرَ هِشام عن محمد: رجلٌ قال: ما لي بالري حقٌّ في دار وأرض، ثمَّ ادَّعَى وأقامَ البيِّنَةَ في دارٍ في يد إنسانِ بالرَّيِّ، تُقبَلُ، انتَهَى. وذكره قاضيخان عن أبي يوسف فقال: وعن أبي يوسف إذا قال: ما لي بالكوفة دار، أو قال: ما لي على أحد مالٌ، ثمَّ ادَّعَى بالكوفة داراً، وادَّعَى مالاً على رجُل، تسمعُ دَعواه؛ لأنَّه لم يُبرِئ إنساناً بعينه، فتُسمَعُ دَعواه، انتهى.
ثم قال في «المحيط»: فإنْ قالَ: ليس لي بالري في رُستاق كذا في يدِ فُلانٍ دار ولا أرض، ولا حق، ولا دَعوَى، ثمَّ أَقامَ البيِّنةَ أنَّ له في يديه داراً، أو أرضاً، لا يُقبل إلَّا أن يُقيم البينةَ أنَّه أخذَه من بعد الإقرارِ، انتهى.
ومثله في «الخُلاصة»، ومثله في قاضي خان، وفي فصول العمادي»: أشهد الابن على نفسه أنه قبض جميع تركةِ والده، ولم يبق له من تركة والده قليل ولا كثير إِلَّا استوفاه، ثمَّ ادَّعَى بعد ذلك داراً في يد الوصي، وقال: هذه من تركة والدي تركها ميراثاً لي، ولم أقبضها، فهو على حُجَّتِه، وأقبل بيته وأقضي له، أرأيت إنْ قالَ: قد استوفيتُ جميع ما ترَكَ والدي منَ الدِّينِ على النَّاسِ وقبضتُ كلَّه، ثمَّ ادَّعَى على إنسان أنَّ لأبيه عليه مالاً؟ لم أقبل بينته عليه، وأقضي له بالدِّينِ، انتهى.
وفي «الظهيريَّةِ»: وصيُّ الميِّتُ إذا دفع ما كانَ في يده من تركةِ المَيِّتِ إلى ولد الميت وأشهد الولد على نفسه أنه قبضَ تركةَ والده ولم يبق له من تركةِ والده قليل ولا كثير إلا قد استوفاه، ثمَّ ادَّعَى في يد الوصي شيئاً، وقال: هذا من تركة والدي، وأقام البينة على ذلك، قبلت بيئته، وكذلك إذا أقرّ الوارث بذلك، ثمَّ ادَّعَى شيئاً أَنَّه تركةُ المَيِّتِ تصِحُ دَعواه، انتهى.
ومثله في «خزانة المُفتين» حَرْفاً بحرفٍ، انتهى.
وفي كتاب الإقرار من «الأصل»: وصي الميِّتُ أَقرَّ أَنَّه قد قبَضَ كُلَّ دَينِ لَفُلانٍ الميت على النَّاسِ، فَادَّعَى غَريمُ المَيِّتِ على الوَصيِّ أَنِّي دَفعتُ إليكَ كذا وكذا، وقال الوَصيُّ: ما قبَضْتُ منك شيئاً، ولا علِمْتُ أَنَّه كَانَ للميِّتِ عليك دين، فالقَولُ للوصي مع يمينه.
ولو قامَتْ بيِّنةٌ على أصلِ الدَّينِ لم يلزم الوَصيَّ شيءٌ؛ لأنَّه لم يقبضُ شيئاً من الرجال بعينه، ولم يُضفه لأحد، وهو مجهول، وكذا في قوله: قبضتُ كلَّ دَينِ لفلان بالكوفة، أو أضاف إلى مصر أو سَوادٍ، وكذا الوكيل بقبض الدين والوديعة ذلك والمضاربة في جميع.، سواء، انتهى.
كذا في «الحاوِي الحَصِيرِي»، ومثله في «الظَّهِيرِيَّةِ»، ومثله في التَّترْخانِيَّة، ومثله في «جامع الفصولين»، ومثله في «الدُّرَرِ والغُرَرِ» عن «الخانيَّةِ»، انتَهَى.
وفي «العماديَّة»: إذا قال الوارثُ: تركتُ حقي، لا يبطل حقه؛ لأنَّ الملك لا يبطل بالترك، والحق يبطل بالتَّركِ حتَّى أن واحداً من الغانمين لو قال قبل القسمة: تركتُ حقي، يبطل حقه، انتهى.
وفي خزانة المُفتين»: لو قال صاحب الأجل: برثتُ منَ الأجل، أو قال: لا حاجة لي في الأجل، لم يبطل الأجل، ولو قال المطلوب للطَّالبِ: برئت مِنَ الأَجلِ - بنصبِ النَّاءِ - يبطل الأجَلُ.
ولو قالَ الطَّالبُ: برنتُ عَنِ الدِّينِ الَّذِي لي على فُلانٍ - برفعِ التَّاءِ - يبرأُ المديون عن الدين، وهو الصَّحيحُ، وإذا قال تركتُ الأجل، ففيه روايتان، انتهى. وقال العمادي: ذكر في الجامع الصَّغير»: عين في يد رجل يقول: هو ليس لي، وهناك من يدَّعي، يكونُ إقراراً بالمُلْكِ للمُدَّعِي، حَتَّى لو ادَّعَى لنفسه لا يُقبَلُ.
قال الإمامُ ظَهِيرُ الدِّينِ في فَتاواه: والحاصل أن قول صاحب اليد: إِنَّ هذا العين ليس لي عندَ وُجودِ المُنازِعِ إقرار بالملك للمنازع على رواية «الجامع الصغير»، وعلى رواية الأصل ليس بإقرار بالملك له، لكن القاضي يسأل ذا اليد أهو ملكُ المُدَّعي؟ فإن أقرَّ به أمره بالتسليم إليه، وإن أنكر يأمرُ المُدَّعي بإقامة البينة عليه، انتهى.
وقال في «الفيض» للبرهانِ الكَرْكي: المُدَّعَى عليه إذا قال: ليس لي، أو المُدَّعى به ليس بملكي، يكون إقراراً للمُدَّعي على قول، ولا يكون إقراراً على قول، وهو الرَّاجح، انتهى. ثم قال العمادي: ولو أقرَّ بما ذكرنا غير ذي اليد؛ يعني: قال: هذا العينُ ليسَ لي، ذكر شيخ الإسلام في شرح الجامع أنه يمنعه منَ الدَّعوَى بعده؛ للتّناقُضِ، وإنما لا يمنعُ ذا اليد على ما مرَّ لقيامِ اليد، انتهى. ونقله عنه في «الدررِ والغُررِ» من غير زيادة، انتهى.
وبحث صاحب «جامعِ الفُصولينِ» بما يقتضي اتحاد الحكمِ، فَلْيُراجِعُه مَن يرومه، انتهى.
وكذا ذكره في «الحاوِي الحَصيري» عن الجامع الكبير: دار في يد رجلٍ، أقامَ الآخَرُ البيِّنَةَ أَنَّ الدَّارَ داره، ثمَّ أَقامَ المُدَّعَى عليه البَيِّنَةَ أَنَّ المُدَّعِي أَقرَّ أَنَّها ليست له، بطلت بيته وإن لم يُقر بها لإنسان معروف، انتهى.
وعند عدم المنازع لا يصِحُ نفيه؛ أي: نفي ذي اليد ملكه، حتى لو ادَّعَى هذا العين رجل آخرُ وادّعاه ذو اليد أيضاً، وقال: هو لي، صَحٌ دَعوَى ذي اليد باتِّفَاقِ الروايات، انتهى.
ثم قال العمادي: إذا قال ذو اليد: ليس هذا لي، أو ليسَ مُلكي، أو لا حق لي فيه، أو ليس لي فيه حقٌّ، أو ما كان لي، أو نحو ذلك، ولا منازع له حينما قال، ثمَّ ادعى ذلك أحد، فقال ذو اليد هو لي صح ذلك، والقَولُ قَولُه، وهذا التَّناقُضُ لا يمنع؛ لأن قوله: ليس هذا لي، وأشباه ذلك ممَّا ذكر، لم يُثبِتْ حقًّا لأحد؛ لأنَّ الإقرار للمجهول باطل، والتَّناقُضُ إنَّما يمنعُ إذا تضمَّنَ إبطال حقٌّ على أحدٍ، انتهى.
ومثله في «الفيض»، انتهى. ومثله في خزانة المُفتينَ»، انتهى.
فيهذا علمت الفَرقَ بين صيغة: أبرأتُكَ، أو لا حق لي قِبَلَكَ، وبين صيغة: قبضت تركةَ مُورّثي، أو كلُّ مَن لي عليه دين فهو بريء، ولم يخاطب مُعيَّناً بالإبراء، فيقول: هذا بريءٌ ممَّا لي عليه، ولا قبيلةُ فُلانٍ وهم يُحصَونَ، وبمثل هذا يُفَرَّقُ؛ لأنَّ إبراء المجهول لا يصح، وإبراء المعلوم ولو من مجهول صحيح.
وإليه أشار في شرح منظومةِ ابنِ وَهْبانِ»، وعلمتَ أنَّ ما استند إليه المُبْطِلُ ليسَ وَجْهَا لِما زَعَمَه من إبطالِ الإبراء العام الحاصل بقولِ المُبرِي: لا حق لي قِبَلَ فلان بإقرار الوارثِ أَنَّه قبضَ جميع تركةِ مُورثه.
وعلمتَ أيضاً بطلانَ فَتَوَى بعض أهل زماننا بأنَّ إبراء الوارِثِ وارِثاً آخرَ إِبراء عاماً لا يمنع من دعواه بعده بشيء من التركةِ.
واعلَمْ أَنَّه قال في «منظومة ابنِ وَهْبانَ» رحمه الله: [من الطويل]
وإن قال لا شيء من الإرث عنده لنائم من بعدُ ادَّعَى ليسَ يُنكَرُ
وقال في شرحه المسألةَ من «قاضيخان»: قالَ وَصِيُّ المَيِّتِ: إذا دُفِعَ ما كانَ في يده من تركة الميت، وأشهد الولد على نفسه أنه قبض تركةَ والده، ولم يبق له حق من تركة والده، قليل ولا كثير إِلَّا قد استوفاه، ثمَّ ادَّعَى في يد الوصي شيئاً وقالَ: هذا من تركة والدي، وأقامَ البيِّنَةَ قُبِلَتْ بيته.
وكذا لو أقر الوارِثُ أنه استوفى جميع ما على النَّاسِ من تركةِ والده، ثمَّ ادَّعَى على رجُل دَيناً لوالده تُسمَعُ دَعواه، انتهى.
وحيثُ صرَّحَ النَّاظِمُ بأنَّ المنظوم هو هذا المذكور في «قاضيخان» ففيه تساهل؛ لأن قاضيخان لم يُقيّده هنا بالظّرفِ المُصَافِ إلى ضميرِ المُخاطَب ليقتضي براءة المُخاطبِ ممَّا عنده على ما توهم، فلا يردُ ما قاله المُصنِّفُ عن صاحبِ «الفوائدِ» الطَّرسُوسِي: إِنَّ قولَهم: النَّكرةُ في سياق النَّفْيِ انتَقَضَ بهذا، ولا يحتاجُ إلى ما أجاب به ابنُ وَهْبانَ من إمكانِ حَمله على ما قُبِضَ؛ يعني: لم يبقَ له حقٌّ مِمَّا قبَضَه، انتهى.
ونبهت بقولي: «لم يُقيّده هنا» لتعلم أن قاضيخان ذكر المسألة في كتاب الإقرار مطلقةً عنِ التَّقييد بمُخاطَب، وهو الذي ذكره ابنُ وَهْبانَ عنه شرحاً، وفي كتاب الدعوى عنِ المُنتَقَى مُقيَّدة به، وهو المُطابق لِما نَظَمَه ابنُ وَهْبانَ، فَكانَ عليه وعلى الشارح ابنِ الشُّحنةِ التَّنبيه على ذلك.
قلتُ: وعلى تقدير ذكر الخطاب وإرادة الوصي بالخطابِ كما ذكره ابنُ الشَّحْنَةِ عن العمادية» نقلاً عن المُنتَقَى، فلا تمتنعُ الدَّعوَى بعده؛ لأنَّ لفظة «عند» خاصَّةٌ بالأمانة كما قدمناه عنِ المُحيط»، وهي من الأعيان، والمُدَّعَى به عَينٌ، والإِبراء عنها لا يصح، بخلافِ الإبراء عن دعواها، وليست حاصلة بهذا الإقرار.
* تنبيه في إقرار المريض مرضَ المَوتِ بالقبض أو الإبراء
أقر المريضُ مرَضَ المَوتِ أَنَّه كانَ أَبْرَأَ فُلاناً عن الدين الذي له عليه في صحتِه، لم يجُزْ، بخِلافِ الإقرار بالقبض، كذا في «خِزانةِ المُفتينَ».
وقال قبله: المريضُ مرضَ المَوتِ إذا أقرَّ أَنَّه استَوفَى من غَريمه؛ فإِنْ كانَ الدَّينُ وجَبَ له على الأجنبي في حالِ الصِحَّةِ، فإقراره جائز باستيفائه، وإنْ كانَ عليه دَين معروف سواءٌ وجَبَ الدَّينُ الذي أقرَّ باستيفائه بدلاً عما هو ليس بمال كبدل الصلحِ عن دَمِ عمدٍ والمهر ونحوه، أو بدلاً عما هو مالٌ.
وإنْ كانَ الدَّينُ الذي أقرّ باستيفائه وجَبَ له على الأجنبي في مَرَضِ المَوتِ أقر وعليه دين معروفٌ ودَينُ وجَبَ في المَرضِ بمعاينةِ الشُّهودِ، فَإِنْ كَانَ الذي باستيفائه بدلاً عما هو مال؛ كالثَّمن ونحوه، لا يصح إقراره بالاستيفاء، وإِنْ كانَ دَيناً عما ليس بمالٍ كبدَلِ الصُّلحِ عن دم العمد، فإن أقر بالاستيفاء جازَ، وإنْ كانَ عليه دين معروفٌ وأبرأ الوارثَ لا يجوز، سواء كان عليه دين أو لم يكُن، والإقرار بقبض الدَّينِ مِنَ الوارِثِ لا يصِحُ، انتَهَى.
الباب الثالث: في رد إبطالِ البَراءةِ العامَّةِ بمسألةِ الصُّلح التي حكاها المُبْطِلُ عنِ الأَشباءِ» بقوله: وكذا إذا صالح أحد الورثة وأبرأ إبراء عاما، ثمَّ ظهر شيءٌ من تركيه، لم يكُن له وقت الصلح؛ الأصحُ جَوازُ دَعواهُ في حِصّتِه، انتَهَى.
فلْتَعْلَمْ أَنَّها ليست أيضاً من هذا القبيل؛ لأنه عزاها في «الأَشباه» إلى صلح البزازية»، ونصها: قالَ تاجُ الإسلام وبخَط صدر الإسلامِ وَجَدتُّه: صالَحَ أحد الورثة وأبرأ إبراء عاما، ثمَّ ظَهَرَ شيءٌ في التّركةِ لم يكُنْ وقتَ الصُّلح، لا رواية في جَوازِ الدَّعَوَى.
ولقائل أن يقول: يجوزُ رَدُّ دَعوَى حِصّتِه منه، وهو الأصح، ولقائل أن يقول: لا، انتهى عبارة «البَزَّازِيَّةِ»، فنقَلَها في «الأشباءِ» بما فيه اشتباه لا يليق إطلاقه؛ لأنَّ أصله مَعرُو إلى الخط، وفيه نظر ظاهِرُ.
ومع ذلك لم يُقيّد الإبراء بكونه المُعيَّن ولا لغيره، وقد علمت اختلاف الحكم في ذلك، ثمَّ إنْ كانَ المُراد به اجتماع الصُّلح الذي ذكره أصحابُ المُتونِ والشروح في مسألةِ التَّخارج مع البراءة العامَّةِ المُعيَّن، فلا يصح أن يُقال: لا رواية فيه، كيف وقد قال قاضيخان كما قدمناه عنه: اتَّفَقَتِ الرّواياتُ على أَنَّ المُدَّعي لو قال: لا دَعوَى لي قِبَلَ فُلان فلا يصح، حتَّى لا تُسمع دعواه عليه، إلَّا في حادث بعد البراءة، انتهى.
وإن كان المراد به الصلح والإبراء بنحوِ قَولِ الوارِثِ: قبضْتُ تركةَ مُورثي ولم يبق لي فيها حق إلَّا استَوفَيتُه ... إلى آخره، فلا يصح أيضاً أنْ يُقالَ: لا روايةً فيه؛ لما قدمناه من النصوص على صِحَّةِ دَعواه بعده. على أننا قدمنا حكايةَ اتِّفاقِ الرِّواياتِ على صِحَّةِ دَعْوَى ذي اليدِ المُقِرِّ بأن لا ملك له في هذا العَينِ عندَ عدمِ المُنازع، والذي يتراءى من تلك العبارةِ أَنَّ المُراد منها الإبراء لغير مُعيَّن مع ما فيه، فلم تمتنع الدَّعَوَى هُنا؛ لأنَّ المُدَّعَى بِهِ عَينٌ.
وكذا تقدير أن يكونَ المُدَّعَى به دَيناً بحَملِ الشَّيء عليه؛ لما قدمناه من النصوص المُصرَّحةِ بصِحَّتِه المُعيَّن، وبمنع الدعوى بشيء سابق على البراءة.
على أننا لو تنَزَّلْنا وسلَّمْنا أَنَّ المُراد به الصُّلحُ والإِبراء المُعيَّنُ، وقطَعْنَا النَّظَرَ عن اتفاق الروايات على مَنعِه منَ الدَّعوَى بعده، فهو مُباين لما في المُحيط» عن المبسوط» و «الأصل» و «الجامع الكبير ومشهورِ الفَتاوَى المُعْتَمَدَةِ؛ كـ قاضيخان و الخلاصة»، فيُقدَّمُ ما في الشُروحِ والمُتونِ ومَشهورِ الفَتاوَى، ولا يُعدل عنها إليه. ولا يصح أن يُراد به الصُّلحُ فقط دونَ الإبراء العام مع وُجودِ النَّصَّ عليهما، ولو سُلَّمَ إرادة الصلح فقط، فهو صحيح؛ لما قال العمادي: ذكر ظهيرُ الدِّينِ المرغيناني في شروطه: إذا صالَحَ أحد الورثة الباقينَ منَ التَّركةِ وفيها أعيان عروض وعقار وحيوان وأمتعة والمُدَّعي لا يدري ما هي وجميعها في يدِ المُدَّعَى عليهم، جازَ الصلحُ عندنا خلافاً للشَّافعي رحمه الله، بناءً على الإبراء عن الحقوق المجهولة، جائز عندنا، وعنده لا يجوز.
وقال أبو القاسمِ الصَّفَّارُ: إِنَّ الإِبراء عنِ الدُّيونِ المَجهولة جائز، وأَمَّا الصُّلحُ عَنِ الأعيان المجهولة لا يصح؛ لأنَّ فيه معنى البيع، وهو تمليك نصيبه إيَّاهُم، ولأنَّ التَّركةَ لا تخلو عن دين، فلو جاز هذا أدى إلى تمليكِ الدِّينِ من غيرِ مَن عليه، وإنَّه لا يجوز.
ولكن الأصحٌ أنَّ هذا الصلح يجوزُ، والجهالةُ إنَّما تكونُ مانعةً من الجواز إذا كانَتْ مانعة من التسليم، أمَّا الجهالة بنفسها فلا تكون مانعة، وهنا غيرُ مانعةٍ؛ لأن الشركة في أيديهم، فَوَقَعَ الاستغناء عن التسليم.
وأَما قوله: إِنَّ التَّركةَ لا تخلو عن دين، قلنا: هذا وَهُم، وبه لا يثبتُ الفَسادُ؛ إذ لو اعتبر هذا الوَهُمُ ما صح عقد في العالم، انتهى.
وقدَّمنا عن «القنية»: لو أبرأه بعد الصلحِ عن جميع دعاويه وخُصوماتِه، صَحَّ، وإن لم يُحكَمْ بِصِحَّةِ الصُّلِحِ، انتَهَى.
فبطل هذا السَّنَدُ المُتمَسَّكُ به، المُبطل في إبطاله الإبراء العام لمُعيَّن. وأما ما ذكره في حُجَّتِه بقوله: وكذا إذا كانَ في التّركةِ دَين على النَّاسِ فَأَخرجوه بأن يكون لوارِث خاص ... إلى آخره، فليس في حُجَّةِ البَرَاءَةِ اسْتِراطُ الدِّينِ لأحدٍ، فهو إدراج وتمويه لا يُظَنُّ رَواجُه على ذَوي الفضائل.
ثمَّ قوله: «استخارَ الله تعالى وأبطل ونقَضَ حُكمَ البَراءةِ يُنادي بعدم العلم بحقيقة ما كانَ مُريداً فعله؛ لأن الاستخارة فيما لم يعلم حقيقة أمره، والحكم لا يصدرُ إِلَّا عن علم لا ظن.
فبهذا علمت بطلانَ حُجَّةِ الإِبطال، وتحققتَ صِحَّةَ البَراءةِ العَامَّةِ للمُعيَّنِ في حُجَّتِها، على أنَّ حُجَّةَ الإِبطالِ مُشتملةٌ على وجوه من الخلل، بحيثُ لو انفَرَدَ منها واحد لكان كافياً في إبطالها، أضرَبْنا عن ذكرها؛ لأنَّه لا يُحتاجُ إلى بيان ذلك لبطلانها من الأصل، لا بأمرٍ عارض.
الخاتمة:
حيثُ علمت بما تقدَّمَ حقيقةَ المُرادِ من تلك المسائل التي ليست سنداً لما ظنَّه، فلْيَتَنبه لما غرَّه في ذلك الاشتباه من كلام صاحب «الأشباه» باستثنائه خمس صُوَرٍ قَالَ: تُقبَلُ فيها الدعوى بعد الإبراء العام، فإنَّه غيرُ مُسلَّم.
أمَّا صُورَتانِ منها فقد علمتها في بيان ردّ الإبطال، وهما إقرار الوارث بقبض التركة بعد دفع الوصي له التركة، ومسألة الصلح.
والثالثة هي إقرار الوارث بأنه قبض جميع ما على النَّاسِ من تركة أبيه، وقدَّمنا أيضاً أنها ليسَتْ من صُورِ الإِبراء العام ولا الخاص لمخصوص.
والرابعةُ الإِبراء العام في ضمن عقد فاسد، وإِنَّما ساغَ الدَّعَوَى بعده لفَسادِ الإبراء بفسادِ الصُّلح، فانعَدَمَ من أصله، فلا يُقالُ: يُستَثنَى مَعَ بقائه كذا، وهذا بخلافِ الإبراء الحاصل بعد الصلح، ولو كانَ الصُّلحُ فاسداً إِلَّا في ضمن الفاسِد كهذا. والخامسة وهي التي صدَّرَ بها في كلامه بقوله: نحو لا حق لي قِبْلَه إِلَّا ضمان الدرك، فإنَّه لا يدخُلُ، فيُقالُ: هذا مُستفاد حدوثه بعدَ البَراءةِ من قولِ قاضيخان الَّذِي قدمناه عنه بصيغة: اتَّفَقَتِ الروايات على أنَّ المُدَّعِي لو قالَ: لَا دَعَوَى لِي قِبَلَ فُلانٍ، يصح، حتّى لا تُسمَعُ دَعواه عليه إلا في حادث بعدَ البَراءةِ، انتهى. لأن الاستحقاق كانَ مُنعَدِماً وقتَ البَراءةِ، وإِنَّما حدَثَ بإثباتِ استحقاق المبيع بعدها، فلم تشمله البراءة، فلا يُستثنى، ولهذا قال في «القنية»: لو أقرَّتْ بالغَداة أنها لا دعوى لها عليه، فلها أن تطلب منه بالعَشِيِّ النفقة؛ لأنَّها تجب ساعة فساعة، انتهى.
فبقي الإبراء العام في كلام الأئِمَّةِ على عمومه من غير اشتباه شيء مما ذكره منه في الأشباه والنظائر»، على أنّ كلام صاحبِ «الأشباءِ» فيها عند كلامه على حُكمِ الدِّينِ يُنافي هذا الاستثناء، وكذلك ما صرح به في رسالته في الإبراء العام من التنصيص على منعه من دَعوَى المَورُوثِ وغيره إلَّا شيئاً حدث بعد البراءة.
وأما ما ذكره في البحر» عن «القنية»، وقدَّمناه في كلامه في «الأشباه» عنها بقوله: افتَرَقَ الزَّوجانِ وأبرأ كل صاحبه عن جميع الدعاوى، وللزَّوجِ أعيان قائمةٌ لا تبرأ المرأة منها، وله الدعوى؛ لأنَّ الإبراء إنَّما ينصرِفُ إلى الديونِ لا الأعيان، انتهى
فالجواب عنه أن يُحمّل قول «القنية»: «وإبراء كل صاحبه عن جميع الدعاوى على حصوله بصيغة خاصة؛ كقوله: أبرأتُها عن جميع الدعاوى ممَّا لي عليها؛ ليختص بالديون فقط؛ لكونه مُقيَّداً بما لي عليها. يُؤيد هذا بل يُعينُه ما علل به في القنيةِ» من قوله: لأنَّ الإبراء إنَّما ينصرف إلى الديون، انتهى.
فانظر إلى أداة الحصر في تعليله فإنَّه لا يصح إِلَّا بِالنَّظر إلى الإبراء الخاص، فإن لم يُحمل على ما ذكرتُه من تصوير الإبراء بالصُّورةِ الخاصةِ بالدِّينِ، يبطل قول أئِمَّةِ الحنفية: إنَّ الإبراء عن دَعوَى الأعيانِ صحيحٌ، وإنَّ الإبراء عن دَعوَى الأعيانِ يشمله الإبراء المُطلَقُ العام كما تقدَّمَ، ولأنَّه لم يقتصر في القنية» على هذا في صور الإبراء، فإنَّه قال فيها - كما قدَّمناه: أبْرَأَهُ بعدَ الصُّلحِ عن جميعِ دَعاويه وخُصوماته، صح، وإن لم يُحكَمْ بصِحَّةِ الصُّلح، وقدَّمنا عنها أيضاً: لو قال: لا تعلق لي على فُلانٍ فهو كقوله: لا حق لي قبله فيتناوَلُ الديون والأعيان، انتهى.
فإذا لم يُحمل على ما قلناه، تعارَضَ النَّفْلُ في منع الإبراء العام من دَعوَى الأعيان بمسألة إبراءِ الزَّوجَينِ، ولا يصح أن تختَصَّ المرأة بعدمِ البَراءةِ عن دعوى الأعيان مع وجود الإبراء العام منَ الزَّوجِ بكونها زوجةً؛ لأنَّه فرَّقَ بصورة المسألة على أنها بعد الافتراق صارَتْ أجنبية، فلا وجه لتخصيصها بعدَمِ البَراءةِ عن دعوى الأعيان، ولو بقي على ظاهرِ المُعارضة.
فلا يُعدل عن كلام المبسوط والمُحيط» و «كافي الحاكم، وغيرها المصرح بعموم البراءةِ لكُلِّ مَن أبرأ إبراء عاما إلى كلامٍ نُقِلَ فِي القُنيةِ» مع ما يُعارِضُه فيها بمثل ما في المبسوط» و «كافي الحاكم» بعلامة ظهير تُمرتاشي وكمال بياعي، فلا يجوز أن يُعدل إلى كلام هذين، ويُترَكَ ما في المبسوط والكافي ومن وافقهما.
هذا، وإنَّ صاحبَ «البحر» ادَّعَى فيه أنَّ عبارات الكتب المشهورة تُعطي التفصيل في إنشاء الإبراء عن دَعوَى الأعيانِ بين گونه حاصلاً بطريق الخصوص، كما إذا أبرأه عن دعوى هذه العَينِ فلا تُسمَعُ دَعواه بالنسبة إلى المُخاطَبِ، وتُسمَعُ دعواه بالنسبة إلى غيره، وبين گونه حاصلاً بطريق التعميم، فله الدعوى على المُخاطَب وغيره. ولهذا قال في القنيةِ»: افتَرَقَ الزَّوجان وأبرأ كل صاحبه ... إلى آخره، ولم يذكر لذلك وجهاً غير ما استظهر به من كلام «القنية» في مسألة إبراء الزوجين، وهو لا يقتضي الفرق، وتبعه على ذلك تلميذه الشَّيخُ شَرَفُ الدِّينِ الغزي في حاشيته على الأشباه والنظائر من غير زيادة شيء على الاستظهار المذكور، وهو استظهار بما يُظهِرُ خِلافَ المُدَّعى، كيف وقد نص في «القنية» على صحة إنشاء الإبراء عن دعوى الأعيان بطريق العموم كما قدمناه بقوله: لو أبرأه بعد الصلح عن جميع دعاويه وخُصوماتِه، صَحَّ، وإن لم يُحكَمْ بصِحَّةِ الصلح، انتهى.
لأنَّ قولَه: «أَبْرَأَه» يصح تعلقه بقوله: «عن جميع دعاويه وخُصوماته، وإن صح تعلق قوله: «عن جميع دعاويه بقوله: «بعد الصلح»، فالإبراء غيرُ مُقيَّد بشيء، فكان عاما، انتهى. وفي «الحاوِي الصَّغير»: ذكَرَا صُلْحاً، وفي آخره: وأنَّه أبرأه عن جميع دعاويه وخُصوماته، قال: إبراؤُه عن جميع دعاويه وخُصوماته صحيح.
فهذا وبما قدمناه ظهرَ أنَّ إنشاء الإبراء عن دَعوَى الأعيانِ لا يفترقُ بين كونه حاصلاً بطريق الخصوص والعُموم في إفادةِ البَراءةِ عن دَعوَى العَينِ على من خُوطِبَ بالبَراءةِ مُطلقاً، فتعيَّنَ حمل مسألة إبراءِ الزَّوجَينِ على ما ذكرتُه؛ توفيقاً بينَ كلام الأئِمَّةِ؛ إذ هو واجب مهما أمكن. على أن صاحب الأشباءِ» ذكر فيها ما يُناقِضُ هذا كما قدمناه من قوله: الإبراء عن دعوى الأعيان يشمله الإبراء العام. انتهى، فساوَى قولُ المُبرِيِّ: أَبْرَأَتُ فُلاناً عن جميع الدعاوى، قوله: لا حَقٌّ لِي قِبَلَ فُلانٍ، فيمنعُ من دعواه عليه بشيء سابق على
ذلك كما قدّمناه، ومَن يدَّعي الفَرقَ عليه إثباتُ الدَّليل له، كما هو معلوم عند ذوي الفَضائلِ الفُحول الأعلامِ؛ إذ ليس جميع ما سطَّرَتُه الأقلام يكون رائجاً على صُدورِ الأنام، المُنتَشِرِ في أُفُقِ الأحكامِ، صُبح نظرِهم جالي الشُّكوك والأوهام، أدام الله نفعهم للخاص والعام.
وقد وافق كمال الجمع بختام شهرِ الصّيامِ سنةَ اثْنَتَيْنِ وأربعينَ وأَلفٍ، فَلَنِعْمَ موافقة الختام.
وصلَّى الله على سيدنا ومولانا مُحمَّد خاتم النبيِّينَ الكِرامِ، وعلى آله وأصحابه الناقلين أحكام الشّريعة بمزيد الضّبطِ والإحكام على الدَّوام.