الجزء 1 · صفحة 7
تُحفة الأكمَل والهُمام المُصدّر لبيان جواز لبس الأحمر
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
الجزء 1 · صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على نعمه التي لا تُحصى ولا تُحظَر، وأشرفُ الصَّلاةِ وأَزْكَى السَّلامِ من الملك الكريم العلام على حبيبنا محمد المُجتَبَى ذو الوَصفِ الأَفخَرِ، والجبينِ الأزهَرِ، الفائق نوره على البدرِ دَواماً له المزيد الأظهَرُ، والمَقامُ المَحمود، والحوضُ المَورُودُ، شفاءٌ لمَن ورَدَ وصَدَرَ، سيّدُ المُرسلين، وسنَدُ المُتَّقِينَ، لم يُرَ أَحسَنُ منه، بل ولا مثلُ جَمالِه، وقد لبس الأحمر، جمَّل الوجود، وعطَّرَ الكونَ بريحه الأنفَسِ الأعطر، وعلى آله وأصحابه ذَوي المَفاخر التي يُطوَى الزَّمانُ وذِكرُها يُنشَرُ.
وبعد:
فيقول خادِمُ مذهب الإمام الأعظم الأشهر، المُقدَّمِ على كلِّ إمام، فهو المُقتدى به في كل مجمع وجامع أزهر، حسن بن عمار بن علي بالشرنبلالي قد يُذكر: هذه تُحفةٌ أظهرتُها، وفريدة أشهرتُها، وجوهرة يتيمة استَخرَجْتُها، وقد كانَتْ كامِنَةٌ بمَعدِنِها في مُحيط غَوَّاصُه لا مثلَ له يُلْفَى ويُنظَر، ونظمتُها بعِقْدِ، فجُمله ما به من نفائس الدَّرَر، سمّيتُها:
«تُحفة الأكمَل والهُمام المُصدّر لبيان جواز لبس الأحمر»
يحظى بها تاليها، ويستلِذُ بها سامِعُها حين قرَّر، واللهُ سُبحانَه بها أتقرَّبُ؛ إذ هي حاكية ما في «الصَّحيحَينِ»، وما في كتُبِ المَذهَبِ المُحرَّر، وما أُلهِمتُه مِنَ الدَّلِيلِ القطعي له بما لم يلحق به ذو الجوادِ المُضمَر، في حلية ذوي التحقيق فما جنح إليه مدقق فيما علمته وما نظَر، فَوَجَبَ علينا إظهارُ النعمة وشكرها، والحمدُ كَحَمْدِ ما حمد وشكر.
الجزء 1 · صفحة 9
وقد تحصل لنا في لبس الأحمر ولبس حريرٍ ثلاثة أقوال في كتُبِ المذهب، والظاهرُ منها للدَّليلِ جَوازُ لبس الأحمر، وأمَّا جُملةُ أقوال العلماء فإلى ثمانية مذاهب، سنذكرها إن شاء الله تعالى، والثلاثةُ التي عندنا:
الأول منها: نصَّ على الحُرمةِ في مَتنِ مَواهِبِ الرَّحمنِ»، وقد نقلتُ منه نُسخةً المُصنفِ بخطه، وتاريخها ثامنُ المُحرَّم افتتاح سنة تسع عشرة وتسع مئة، فهو في أوائل القرن العاشر، وكانَ بالقاهرة المحروسة، وشرحه مُؤلِّفُه وسمَّاه: «البرهان»، وله: الإسعاف في أحكام الأوقاف، ولم أرَ مَن وافَقَه مِنَ المُحقِّقِينَ على إطلاقِ الحُرمة، ولعله أخذه من قول بعض أيمتنا: لا يجوز، كما قال في «السراج الوهاج»: لا يجوز للرجل لبسُ المُعَصفِرِ والمُزَعفرِ والمَصبوغ بالوَرْسِ، أشار إلى ذلك في الكرخي، انتهى. فقد نفى الجواز، ولم يُصرح بالحُرمة؛ لعدم الدليل القطعي، لكن قال العلامة ابنُ نُجَيمِ رحمه الله تعالى في البحر»: يصح إطلاق الحرمة على المكروه تحريماً، فيحتاجُ إلى إثباتها، وسنذكُرُ النَّصَّ على كراهة التنزيه في هذا، بل نفي الكراهة، فلم ينهَضُ تصريح صاحب «البرهان» بالحُرمةِ في متنه مواهب الرَّحمن»، ولم يكن له دليل عليه حيث قال: ويحرم لبس الأحمر والمُعَصِفَرِ، انتهى.
وسنذكر نصَّ الإمام على جَوازِ المُعَصفَرِ، ولبِسَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الأحمر، فيندفع به قوله: يحرُمُ، واستدلاله بقوله: لما في «سنن أبي داود» و «الترمذي» عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: مرَّ رجل وعليه ثَوبَانِ أَحمَرانِ، فسلَّمَ على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليه.
الجزء 1 · صفحة 10
وفي سنن أبي داود عنه أيضاً قال: رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي ثوب مصبوغ بعُصفُرٍ مُورَّداً، فقال: ما هذا؟ فعرَفتُ ما كره، فانطلقت فأحرقته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما صنَعْتَ بثوبك؟» فقلتُ: أحرقته، قالَ: «أَفَلا كَسَوتَه بعض أهلِك؛ فإنَّه لا بأس به للنِّساءِ».
وفي صحيح مسلم عنه أيضاً قالَ: رَأى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَيَّ ثَوبَينِ مُعَصَفَرَينِ، فقال: «إنَّ هذه من ثيابِ الكُفَّارِ، فلا تلْبَسْهُما»، وفي رواية: قلتُ: أغسِلُهما، قال: بل أحرقهما»)، انتهت عبارة «البرهان».
وهي لا تُثبتُ الحُرمة التي نصَّ عليها في متنِهِ؛ لَعَدَمِ القَطعي؛ لأنَّ دليله ليس هذا القبيل، ومع ذلك لم يُصرِّح فيه بالحُرمةِ، ولو وُجِدَ التّصريح بها فيه، لا يُسلَّم؛ لأنَّه ظنّي، ويُعارِضُ رواية الأمر بالإحراق، وعدم رضاه صلى الله عليه وسلم به بقوله: أَفَلا كَسَوتَه بعض أهلِكَ، حينَ أخبره بحرقه، فانتَفَى القَولُ بالحرمة.
هذا؛ والعَجَبُ كيف نصَّ على الحُرمةِ مَعَ الدَّليلِ القَطعي النَّافِي لها، وجنَحَ إلى إثباتها بما لم تُوجِبُه السُّنَّةُ، ولو تيقظ لذلك ما سطّرَ مُبتَدِئاً أو مُقلّداً لما هو مَردودٌ بالقطعي، ومخالف لنص الإمام على خلافه.
ويُوضحه ويدفَعُ الشُّبهة قولهم: إنَّ المكروة تحريماً حرام عند محمد رحمه الله، لكنَّه لما لم يجد نصا قاطعاً لم يُطلق عليه الحُرمة بل الكراهة وعندهما إلى الحرام أقرب، كما أن المكروة تنزيهاً إلى الحِل أقرب. وفي مسألتنا - وهي لُبس الأحمر - لم نجد نَصًا قطعِيًّا لإثباتِ الحُرمةِ، ووَجَدْنا النهي عن لبسه)، وهو لعِلَّةٍ قامَتْ بالفاعل من تشبهه بالنِّساء، أو بالأعاجم، أو التكبر، وبانتفاء العِلَّةِ تزولُ الكراهة العارضة.
الجزء 1 · صفحة 11
ووَجَدْنَا نَصَّ الإمامِ الأَعظَمِ على جَوازِ لبس الأحمر، ودليلاً قطعيًّا لإباحة لبس الأحمر، وهو إطلاق المأمور بأخذه منَ الزِّينَةِ عنِ الوَصفِ بِقَولِه تعالى: {يَا بني ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُل مَسْجِدٍ} [الأعراف: ??].
ووَجَدْنا في الصَّحيحَينِ مُوجِبَه، وبه تنتفي الحرمة والكراهة عن ذات لبس الأحمر، فلا وجة لتحريم لبسه لذاته، وسنذكر تمامه إن شاء الله تعالى.
والثاني من الأقوالِ النَّصُّ على الكراهة كما قدمناه عن «السراج الوهاج»، وكذا قال في «الاختيار شرحِ المُختارِ»: ويُكرَه الأحمرُ المُعَصِفَرُ؛ لأنَّه نهى عن لبس المُعَصفَرِ، انتَهَى.
وهو أخَصُّ منَ المُدَّعَى، وقال في الفَتاوَى الكُبرى»: وكان أبو حنيفة رحِمَهُ اللهُ يكرَهُ للرَّجُلِ أن يلبَسَ الثَّوبَ المَصبوغ بالعُصْفُرِ أو بالوَرْسِ أو بالزعفران للأثَرِ الوارِدِ فيه، انتهى.
وفي «المُحيط»: ويُكرَهُ لُبسُ الثّوبِ الأحمرِ والمُعَصفَرِ، وقال عليه السلام: «إِيَّاكُم والعُمرَةَ؛ فإنَّها زِيُّ الشَّيطانِ»، ولأنَّها كِسْوةُ النِّساءِ، ويُكرَه التّشبه بهنَّ، انتهى.
ويُعارِضُه ما سنذكره من الجواز عن الإمام وغيره، وقد تنتفي المُعارَضةُ بِحَملِ الكراهة على التّشبه بالنِّساءِ، وعدَمِ الكَراهة على إرادة إظهار نعمة الله تعالى، وعَدَم التّشبه وعدم التكبرِ، فالنَّهيُ ليسَ لذاتِ الثّوبِ وصبغه، كما سنذكره عن شيخ الإسلامِ ابنِ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ تعالى.
وأقولُ أيضاً: قد قيّدَتِ الكَراهة بما إذا كانَ في صبغه دم، قال في «الحاوي الزَّاهِدِيَّ»: يُكرَهُ للرّجالِ لُبسُ المُعَصفَرِ والمُزَعفَرِ والمُوَرَّسِ والمُحَمَّرِ - أي: الأحمر - حريراً كان أو غيره، إذا كانَ في صبغه دم، وإن لم يكن في صبغه دم لا يُكرَهُ، ونَقَلَه عن عِدَّةِ كُتُبِ.
الجزء 1 · صفحة 12
وقال في «مجمع الفَتاوَى»: لبسُ الأحمر مكروه عند البعض، وعند البعض لا يُكره، وقيل: لبس الأحمر مكروه إذا صُبغَ بالأحمر القاني؛ لأنَّه خُلِطَ بالنَّجس؛ أي: نجس الكلب وغيره. وفي الواقعاتِ» مثله، ولو صُبغَ بالشَّجرِ البَقْمِ لا يُكرَه، ولو صُبغَ بِقِشْرِ الجَوز عَسَليًّا، لا يُكرَهُ لُبسُه إجماعاً، انتهى.
ويدفع الكراهةَ النَّصُّ القطعي كما سنذكره. والثالثُ مِنَ الأقوالِ: جَوازُ لُبس الأحمر، قال العلامةُ القُهُسْتانِيُّ رحمه اللهُ في شرح «النقاية وأحَبُّ الألوانِ البَياضُ، ولبسُ الأخضرِ سُنَّةٌ كما في «الشرعةِ»، ولبس الأسود مُستحَبُّ كما في «الخلاصة»، ولا بأس بالثوب الأحمر كما في الزَّاهدِي». انتَهَتْ عبارةُ القُهُسْتاني.
وذكره الزَّاهِدِيُّ في «المُجتَبَى شرح القُدورِيّ»، وقدَّمنا القول بالجواز مطلقاً، وتقييد الكراهة بما إذا صُبغَ بنجس.
وفي «التَّجنيس والمزيد»: لبسُ الثّيابِ الجميلةِ يُباحُ إذا لم يتكبر؛ لأنَّ التَّكْبُر حرام، وتفسير ذلك يكون معها كما كان قبلها، انتهى.
وقال العلامةُ الشَّيخُ قاسم رحمه الله تعالى في حاشيته على المجمع ما نصه: المختارُ أنَّ لبِسَ الشَّبابِ الجميلة مباح إذا لم يتكبر؛ لأنَّ التكبر حرام، كما أن جمع المال الحلال حلال إذا لم يُضيع الفَرائضَ، ولا يمنعُ حُقوق الله تعالى، ولا يتكبَّرُ، ويُستَحَبُّ أن يلبَسَ الثَّوبَ المَصبوغ أحياناً خلافاً للمجوس، انتهى.
ولم يُسندها، وهي مُسَطَّرَةٌ في مُختارات النوازل» لصاحب «الهداية» رحمه الله تعالى.
الجزء 1 · صفحة 13
قلتُ: وفيه التَّرقّي عن الإباحة إلى الاستحباب، وشمول الألوانِ كلَّها، الأحمر وغيره، وفي مجموعِ «النَّوازلِ»: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وعليه رِداء قيمته أربعة آلاف درهم. وأبو حنيفة رحمه الله تعالى كانَ يرتدي بُرْداً قيمته أربع مئة دينار، وكان يقولُ لتلامذته: إذا رجعتُم إلى أوطانكم، فعليكُم بالثّيابِ النَّفيسة.
وقال الإمامُ السَّرَخْسِيُّ: ينبغي أن يلبَسَ الغسيل في عامَّةِ الأوقاتِ، ويلبَسَ الأحسَنَ في بعض الأوقات؛ إظهاراً لنعمة الله تعالى، ولا يلبس في جميع الأوقاتِ؛ لأنَّ ذلك يُؤذي المُحتاجين، انتهى كذا في «الفَيضِ».
وقال في «خزانة الأكمَلِ»: وعن محمد لا بأس باللباسِ المُرتفع جداً، انتهى.
وقالَ الشَّيخُ أَكمَلُ الدِّينِ رحمه الله تعالى في «شرح المشارق»: اختَلَفَ الصَّحابةُ والتّابعونَ في لبس المُعَصفِرِ، قال أبو حنيفة رحمه الله ومالك والشافعي رحمهم الله: يجوزُ، لكن قال مالك: وغيرُها أفضل منها.
وسنذكر مثلَه عن الإمام النووي رحمه الله، وقال جماعةٌ منَ العُلماء: مكروهةٌ كراهة تنزيه، وحمَلُوا النَّهيَ على ذلك؛ لأنَّه عليه السَّلامُ لبِسَ حُلَّةٌ حمراء.
وفي «الصَّحيحَينِ» أَنَّه عليه السَّلامُ كانَ يصبغ بالصُّفرة، وقال الخطابي: النهي مُنصَرِفٌ إلى ما صُبعَ من الشَّيَابِ بعد النسج، فأَمَّا مَا صُبغَ غَزِلُه ثمَّ نُسِجَ، فليسَ بداخل تحت النهي، وحمَل بعضُهُم النهي على أنَّه للمُحرم بحَج أو عُمرةٍ؛ ليكونَ موافقاً لحديث ابن عمر أنَّه عليه السَّلامُ نهى المُحرِمَ أن يلبَسَ ثَوباً مسَّه زعفران أو ورس، وفيه نظر؛ لأنَّ عبد الله لم يكُنْ مُحرِماً وقتَ النَّهي، انتَهَى. وقد يُقالُ: لا يلزم أن يكونَ المُخاطَبُ بالنَّهِي مُحرِماً، ففي النَّظرِ تأمل.
وقد وجدنا في كتُبِ المذهب موافقة الحمل المذكور.
الجزء 1 · صفحة 14
قال الزيلعيُّ: إذا أحرَمْتَ فاتَّقِ الرَّفَثَ والثّوبَ المَصبوغ بوَرْسٍ أو زَعْفَرانِ أو عُصفر، إلا أن يكون غسيلاً لا ينفضُ؛ أي: لا يفوحُ، وقيل: لا يتناثر، والتفسيرانِ مَروِيَّانِ عن مُحمَّدٍ؛ لأنَّ المنهي عنه الطِّيبُ لا اللون، ألا ترى أنَّه يجوز للمحرم أن يلبس المصبوغ بمَغْرَةٍ؛ لأنَّه ليس له رائحةٌ طيبةٌ، وإنما فيه الزينةُ، والمُحرِم ليسَ بممنوع عنها، انتهى.
ومثله في «الكافي»، فكانَ المَنعُ عنِ المُزَعْفَرِ لعارض على مِنوال ما تقدَّمَ من التشبه بنحوِ النِّساءِ، فيزولُ المَنعُ بانعدام العارض، والحديث أنَّ هذه من لباسِ الكُفَّارِ، فلا تلبسهما، قاله النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو حين رأى عليه ثوبَينِ مصبُوغَينِ، وفي رواية قالَ: «أَمُّكَ أَمَرتكَ بهذا؟»، قلتُ: أغسِلُهما، قال: بل أحرقهما» الحديث.
الرّوايةُ الأُولى فيها التصريح بأنّها من لباسِ الكُفَّارِ، والثانية على أنَّها من لبس النِّساءِ وزينَتِهِنَّ، قيل: المُراد بالإحراق الإفناء ببيع أو هبة أو إهلاك صبغها، وصُدَّرَ بلفظ الإهلاك؛ تنبيها على شدَّةِ النَّكير، انتهت عبارةُ الشَّيخ أكمَلِ الدِّينِ رحمه الله تعالى.
وقولُ الشَّيخ أَكمَلِ الدِّينِ: إِنَّه عليه السَّلامُ لبِسَ حُلَّةٌ حمراء، يُشيرُ إِلى رَدَّ قَولِ مَن أوَّلَها بذاتِ الخطوط، كما سنذكره.
ويُشير إلى قول البخاري رحمه اللهُ سُبحانه وتعالى: بابُ الصَّلاةِ في الثَّوبِ الأحمر، وقال شارحه الإمام محمود العيني رحمه الله: لا خلاف للحنفية في جواز ذلك، ولا يُحتاجُ إلى تأويل بعضهم بأنَّها حُلَّةٌ من بُرُودٍ فيها خُطوطٌ حُمْر، ولا يُحتاجُ إلى هذا التّأويل؛ لأنهم ـ يعني أئمة الحنفية - لم يقُولُوا بحُرمةِ لبس الأحمر، حتّى تأوَّلُوا هذا، وإنما قالُوا: مكروه لحديث آخر، وهو نَهيه عن لبس المُعَصفَرِ.
الجزء 1 · صفحة 15
قلتُ: وهو يُشيرُ إلى ما قالَه الكَمالُ بنُ الهُمامِ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: كَانَ عليه السَّلامُ يلبَسُ يوم العيدِ بُردةً حمراء، انتَهَى.
واعلَمْ أنَّ الحُلَّةَ الحمراء عبارةٌ عن ثَوبَينِ مِنَ اليَمَنِ، فيها خُطوطٌ حُمرٌ وخُضْرٌ، لا أنها حمراء بَحْتُ؛ أي: خالص، فليكن محمل البردة أحدهما، انتهى كلام ابنِ الهمامِ رحمه الله تعالى.
والحمل فيه تأمل من حيثُ إِنَّ البُردة قد يُقالُ: إِنَّها ليسَتْ مَدلول أحدِ التَّوْبَينِ بل غيرهما؛ لما سنذكرُ أنَّ البُرود جمعُ بُزد»، فيُحتاجُ إلى إثباتِ أنَّ البُرودَ جمعُ بردة» بالهاء.
وقد قال في «الصحاح»: البُردُ منَ الثّيابِ، والجمع: بُرود وأبراد، والبردة كساء أسوَدُ مُربَّع فيه صفر تلبسه الأعراب، والجمع: بُرد، انتهى.
وقوله في «الصحاح»: كساة أسود بيان نوع، وذلك لما قال في شرح المصابيح للخَلْخَالي: قالَ ابنُ عبَّاس: جُعِلَ في قبرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قطيفةٌ حمراء، وهو نوع من الكُسَى كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبَسُها، فوَضَعَهَا صَفوان، وهو مَولى رسولِ الله في قبره وقال: والله لا يلبسها أحدٌ بعدَكَ، انتهى.
وأيضاً الحمل مردود كما سنذكره في الرد على ابن القيم؛ حيثُ حمل الحلة الحمراء على ذي الخطوط الحمر والسود، والأسود يُطلق على الأخضر (4).
وقد نقل صاحب «البحر» كلام ابن الهمام، وعقبه بقوله: بدليل نهيه صلى الله عليه وسلم عن لبس الأحمر، والقَولُ مُقدَّم على الفعل، والحاظِرُ مُقدَّم على المُبيحِ لو تَعارَضَا، فكيف إذا لم يتَعارَضًا بالحملِ المَذكور؟ انتَهَى.
فأقر الحمل معَ كَونه مردوداً، وسنذكُرُ إِنْ شاءَ اللهُ تعالى إفادةَ النَّصَّ القَطعي جواز لبس الأحمرِ الخالص، وما يُفيدُ عَدَمَ المُعارضة.
الجزء 1 · صفحة 16
ثم أقول: ولو استَحضَرَ العَينِيُّ ما نقلناه من حِلَّ لُبس الأحمر في كلام أئِمَّتِنا بدون كراهة، لأثبته وقواه بدليله، أو استَحضَرَ مَا أُلهِمناهُ منَ الدَّلِيلِ القطعيُّ للجَوازِ لنَصَّ عليه، وسطَّرَه رحمه الله، وفي هذا رَدُّ لِما قاله في «مواهِبِ الرَّحمنِ» و «شرحه».
ثمَّ قال العيني: والعمل بما ورَدَ منَ الحديثين أولى من العمل بأحدهما، فاحتجوا بالأوَّلِ على الجواز، وبالثَّاني على الكراهة، وأقول: الكراهة منتفية، كما سنذكره.
ونصُّ البُخارِيُّ: خَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي حُلَّةٍ حلة حمراء، وصلَّى إلى العَنَزَةِ بالنَّاسِ ركعتين.
ثم قالَ الشَّارِحُ العَينيُّ: أَخرَجَه البُخاريُّ أيضاً في «اللباس»، وأخرَجَه أيضاً في سترة الإمام»، وأخرَجَه بعده بقليل في بابِ الصَّلاةِ إِلى العَنَزَةِ»، وأَخْرَجَه مُسلِمٌ في الصَّلاةِ، وأخرجه أبو داود، وأخرجه التَّرْمِذِيُّ، وأَخْرَجَه النَّسَائِيُّ، وأخرجه ابن ماجه.
ثمَّ قالَ العَيني: قوله «في حُلَّةٍ حمراء» في موضع النَّصبِ على الحالِ، والحلَّهُ توبانِ؛ إِزار ورداء، وقيل: أن تكونَ من ثَوبَينِ من جنس واحدٍ، سُمِّيا بذلك؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يحلُّ على الآخرِ، وقيل: أصل تسميتهما بهذا إذا كانَ الثَّوبَانِ جديدَينِ، فقيل لهما: حُلَّةٌ لهذا، ثمَّ استمرَّ عليهما الاسم.
وقال ابن الأثير: الحُلَّةُ واحِدةُ الحُلَلِ، وهي بُرودُ اليمن، ولا تُسمَّى حُلَّةً إِلَّا أَن تكونَ ثَوبَينِ من جنس واحد.
وقال غيره: والجمع: حُلَل وحِلال، وحَلَّله الحُلَّة: ألبسَهُ إِيَّاها وفي رواية أبي داود: وعليه حُلَّةٌ حمراء بُرود يمانيةٌ قِطْرِيٌّ، قوله: بُرود جمع برد مرفوع؛ لأنَّه صفةٌ للحُلَّةِ، وقوله: يمانيةٌ صِفةُ البُرود؛ أي: منسوبة إلى اليمن، ووَصَفَ الحلَّةَ بثلاث صفات:
الأولى: صفة الذّاتِ، وهي قوله: حمراء.
الجزء 1 · صفحة 17
والثانيةُ صِفةُ الجِنسِ، وهي قوله: بُرود، بيَّنَ به أَنَّ جنس هذه الحُلَّةِ الحمراءِ منَ البُرُودِ اليَمانية.
والثالثة: صفةُ النَّوعِ، وهي قوله: قِطْرِيٌّ؛ لأنَّ اليَمَانِيَةَ أنواع، نوع منها قِطْرِي. قوله صلّى بالنَّاسِ، هي صلاة الظهر ركعتين، ثمَّ صلى العصر ركعتين، ثمَّ لم يزَلْ يُصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة.
وفي شرح الشَّمائل للقَسْطَلَّاني: قوله: قِطْرِيُّ، بكسر القافِ وسُكونِ المُهملة ضَربٌ من البرود، أو قَريةٌ يقال لها: قُطرِيٌّ بضَمِّ القافِ، والتِّيابُ القِطرِيَّةِ نسبةً إليها بكسر القاف من تغيير النسب، وقيل منسوب إلى قَطَرَ موضع بينَ عُمَانَ وسِيفِ البحر، انتهى.
ثمَّ قَالَ الشَّارِحُ العَيني رحمه الله تعالى: ذكر استنباط الأحكامِ، فيه جَوازُ لبسِ الأحمر، والصَّلاةِ فيه، وجَوازُ المرور وراءَ سُترةِ المُصلَّي.
وقال ابن بطال: فيه أنَّه يجوزُ لُبسُ الثّيابِ المُلوَّنة للسَّيِّدِ الكبير، والحمرة أشهر الملونات، وأجمَلُ الزِّينَةِ في الدُّنيا، انتَهَى.
وسنذكر أنَّ السَّيِّدَ لا يختص بالجواز، وفيه طهارة الماء المستعمل لمبادرة النَّاسِ وَضوء رسول الله، فمَن أصابَ منه: شيئاً مَسَحَ به وجهَه، ومَن لم يُصِبْ شيئاً أَخَذَ من بلل يد صاحبه، وكونه؛ أي: المُستعمل نجساً في رواية عن أبي حنيفة، وليس العمل عليها، على أنَّ حُكم تلك الرّواية باعتبار إزالة الآثامِ النَّحِسَةِ عَنِ البَدَنِ المذنب، فينجسُ الماءُ حُكماً، بخلافِ وضوء النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَإِنَّه طاهر من بدَنِ طاهر، وطهورٌ أيضاً أطهَرُ من كل طاهر وأطيب، انتهى كلامُ العَيني رحمه الله.
وانقل الشَّيخُ قاسم حديث جابر بن سمرة: رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة
إضحيان، وعليه حُلَّةٌ حمراء، فجعلتُ أنظر إليه وإلى القمرِ، فهو أحسَنُ في عَيني من القمر. رواه الترمذي والحاكم، وقال: صحيح الإسنادِ، انتهى.
الجزء 1 · صفحة 18
قوله: في ليلةٍ إِضْحِيان؛ أي: مُضيئة مقمرة، يُقالُ: ليلةٌ إِضْحِيانٌ وإِضْحِيانَةٌ، والألفُ والنُّونُ زائدتان، كذا في نهاية ابن الأثير.
وفي «المواهبِ اللَّدُنْيَةِ» ذكر بعد رواية ابنِ سَمُرَةَ: وعن عَوفِ بنِ أَبِي جُحَيفَةَ، عن أبيه قال: رأيتُ النَّبي وعليه حُلة حمراء كأنني أنظر إلى بريق ساقيه. ثم ذكر حديث البراء المذكور في «الشَّمائل)، وفي رواية البخاري ومسلم: رأيتُه في حُلَّةٍ حمراء، لم أرَ قَط أحسَنَ منه، انتهى.
والذي في «الشمائل» من روايةِ سُفيان عن أبي إسحاق عنِ البَراء بن عازب قال: ما رأيتُ من ذي لِمَّةٍ سوداء في حُلَّةٍ حمراء أحسَنَ من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.
وفي الشمائل أيضاً من رواية شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعتُ البراء بن عازب رضي الله عنه يقول: كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم رجُلاً مَرْبُوعاً بعيد ما بينَ المَنكِبَينِ، عظيمَ الجُمَّةِ إلى شَحْمَةِ أُذنيه، عليه حُلَّةٌ حمراء، ما رأيتُ قَطُّ أَحسَنَ منه، انتهى.
وقوله: «من ذي لِمَّةٍ» بكَسرِ اللَّامِ؛ أي: شعر الرَّأْسِ دُونَ الجُمَّةِ، سُمِّيَتْ بذلك لأَنَّها أَلَمَّتْ بالمنكبين، فإنْ زادَتْ فهي الجُمَّةُ، كذا في «المَواهِبِ اللَّدُنْية».
وقال العلامةُ شيخ الإسلام ابنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في شَرْحِها»: عليه حُلَّةٌ - بضَم الحاء - إزارٌ ورِداءُ، بُرد أو غَيْرُه، ولا يكونُ إِلَّا من ثوبَينِ: ظهارةٍ وبطانة، وإن كانا جنسَينِ، خلافاً لِمَنِ اشْتَرَطَ اتّحاد جنسِهما. حمراء»: أفرَدَه رِعايةً للفظِ، وإشارةً إلى أنَّ الثَّوبَينِ بمنزلةِ ثَوبٍ واحدٍ للاحتياج إليهما معاً.
والحديث صحيح، وبه استَدَلَّ إِمَامُنَا الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عنه على الله عنه على لبس الأحمر وإنْ كانَ قانِياً.
الجزء 1 · صفحة 19
أقولُ: كذلك هو دليل لإمامنا الأعظم أبي حنيفة رحمه الله تعالى؛ لقوله بجواز لبس الأحمر، كما نقله الأكمل عن الأئِمَّةِ الثَّلاثَةِ، أبي حنيفة ومالك والشَّافعيّ رضي الله عنهم، انتهى.
وقال شيخُ الإسلامِ الرَّملي رحمه الله تعالى: ولا كراهة فيه، انتهى. وحمله على ذي الخُطوطِ، سيأتي رَدُّه معَ بَسْطِ الكلام على ذلك في لباسِ ثمَّ بَيَّنَ ردَّه بقوله: وأمَّا قَولُ ابن القيم: غلِطَ مَن ظَنَّ أَنَّها حمراءُ بَحتاً؛ أي: خالِصاً لا يُخالِطُها غَيْرُها، وإنما الحُلَّةُ الحمراء بردانِ يَمَانِيَانِ مَنسُوجَانِ بخُطوطِ حمر مع الأسود كسائر البرودِ اليمنية، وهي معروفة بهذا الاسم باعتبار ما فيها من الخُطوطِ، وإلَّا؛ فالأحمرُ البَحْتُ مَنهِيٌّ عنه أشدَّ النَّهي.
ففي «البخاري»: النهي عن المياثِرِ الحُمْرِ. وفي «مُسلِمِ»: إِنَّ هَذَينِ الثّوبَينِ مُعَصفَرَينِ لباسُ أهلِ النَّارِ فلا تلبسهما، ومعلوم أنَّه إِنَّمَا يُصبَعُ صِباغاً أحمر، وفي جواز لبس الأحمر منَ الثّيابِ والجوخ وغيرهما نظر.
وأمَّا كراهته فشديدة، فكيف يُظَنُّ به أنه ليس الأحمر القاني؟ وإِنَّما وقَعَتِ الشبهة في لفظ الحُلَّةِ الحمراء فهو الغَلَط، انتهى.
أي: الغَلَط قَولُ ابن القيم الذي قد حكي بهذا اللفظ.
ثم قال العلامة ابنُ حَجَرٍ في بيانِ وَجْهِ الغَلَطِ الحاصل من ابن القيم: لأنَّ حمله الحلة على ما ذكره لا يشهَدُ له لغةً ولا شرعاً، فإنْ زَعَمَ أَنَّه عَرَفَ ذلك الزَّمَنَ، قُلنا له: أين دليلك على ذلك؟ وليسَ النَّهي عن المُعَصفَرِ لمُجرَّدِ الحُمرة، بل لما فيه من التشبه بالنِّساءِ، فإنَّه من زينَتِهِنَّ وَحْدَهُنَّ، وليسَ في لبسه صلى الله عليه وسلم الأحمر القاني محذورٌ؛ لأنه لبيان الجواز، وهو واجب عليه، وإن نهى عنه.
وقد قال النووي: أباحَ المُعَصَفَرَ جميعُ العُلماء.
الجزء 1 · صفحة 20
وكذا قال في «المَواهِبِ اللَّدُنْيَّةِ»: قالَ النَّوويُّ: اختلَفَ العُلماء في الثّيابِ المعصفَرةِ، فأباحَها جميعُ العلماء منَ الصَّحابة والتابعينَ ومَن بعدهم، وبه قال الإمام الشافعي وأبو حنيفة ومالكٌ، ولكنَّه قالَ: غيرُها أفضَلُ منها. انتَهَى.
ثم قالَ ابنُ حَجَرٍ: ومنهُم مَن كرِهَه تنزيهاً، وحَمَلَ النَّهي عليه.
ورَوَى الحافِظُ الدمياطي أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ كَانَ يلْبَسُ بُردَه الأحمر في العيدين والجمعة، ولعله فعل ذلك في الجمعة في بعض الأحيان لبيان الجواز فيها، وإنَّ لبسَ الثَّيابِ البياضِ أفضَلُ لا واجبٌ، انتَهَى.
وما رواه الحافِظُ الدمياطي، رواه البيهقي في السُّنَنِ.
ورَوَى الطَّبراني من حديث ابن عباس: كانَ ـ أي: النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم - يلبَسُ يوم العيد بُردةً حمراء)، قال البيهقي (6): ورِجاله رِجالٌ ثِقاتٌ. قالَه المناوي رحمه الله.
قلتُ: ويُستَدَلُّ ِللجَوازِ بإطلاقِ الكتاب العزيز، وهو قوله تعالى: {يَا بني ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31].
قال في «الاختيار»: قالَ أَئِمَّةُ التَّفسير: هي ما يُوارِي به العورةَ، انتَهَى.
ولم يخصها بنوع، وفُسِّرَتْ بما يُلبَسُ للصَّلاةِ، فَإِنَّ سَتَرَ الجَسَدِ زينةٌ، والمأمورَ به في الأمر عام، فيشمل الأحمر وغيره.
وكذا قوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: ??]، وقد ليسَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الحُلَّةَ الحمراء، وصلى بها إماماً، وليس الأحمر في الجمعة والعيدين، وفيها الخطبة، وهو الخطيب اللابس للأحمر و للحُلَّةِ الحمراء، ولا أقوى من هذا في الاستدلال للجواز.
ونص المذهب: الأحسَنُ أن يلبَسَ أحسَنَ ثيابه للصَّلاةِ، قالَ اللهُ تعالى: {خُذُوا زينتكم عِندَ كُل مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31].
الجزء 1 · صفحة 21
وفي «معراج الدراية»: هذا من قبيل إطلاق اسم الحال على المحل، وهو الثّوبُ، كذا ذكره عامَّةُ المَشايخ، قال شيخي العلامة رحمه الله تعالى: هذا من قبيل إطلاق المُسبب على السَّببِ؛ لأنَّ الثَّوبَ سببُ الزينة، ومحل الزينةِ الشَّخصُ، وقيل: الزِّينةُ ما تزَيَّنَ به من ثَوبِ، وغيره، كما في قوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} [النور: ??]، فعلى هذا يصِحُ مَا ذَكَرُوهِ مِنَ التَّأْوِيلِ، انتَهَى.
هذا نص الفروع، ونصُّ الأُصولِ: الأمرُ مُوجِبُهُ الوُجوبُ مُطلَقاً، سواءٌ كَانَ قبل الحظر أو بعده، والمأمور به في الأمرِ عام بأخذ الزينة عند كل مسجد، لم يُخصَّ بنوع، فيشمل كل لون، والنَّهيُّ الوارد في الحديث عن لبس الأحمرِ إنْ كانَ قبل الآية، فقد نسخته مع صلاحيته للاحتجاج به، فكيف وقد ضَعُفَ؟ كما سنذكره إنْ شاء الله تعالى؛ لأنَّ العام ينسَخُ الخاص، وإنْ كانَ بعدها يكونُ مُقيداً للعام، ولا يكون بالآحاد، وشرط التَّخصيص مفقود، فكان الأمر عامّاً، وهو قطعي في لزومِ الستر، ولا مُعارِضَ في وَصْفِ الساتر بلون.
وهذا يدفع ما ذُكِرَ من أَنَّ النَّهِيَ عن لبس المُعصفَرِ ورَدَ بعد لبس الحلَّةِ، وهو كما نقله الشَّيخُ قاسم بما نصه: قال في شرح السِّيرِ الكبير: وما رُوي عن البراء بنِ أنه قال: ما رأيتُ ذا لِمَّةٍ سوداء في حُلَّةِ حمراء أحسن من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فإنَّه كان في الابتداء، ثمَّ كَرِهَه بعد ذلك، فقد جاءَ في حديث ابنِ عَمْرٍو أَنَّ رسولَ الله عازب
الجزء 1 · صفحة 22
نهى عن لبس المُعَصفَرِ، وإنَّما لبسه الشَّعبِيُّ فِراراً منَ القَضاءِ، انتهى. وعلى تسليم ذلك يكونُ النَّصُّ القَطعيُّ مُثبتاً للجواز، وهذا لا يصلُحُ مُخصصاً له، فلا مُعارِضَ للنَّص بوصف لساتر بلون، فلزِمَ السَّتر ولو بالحرير إذا لم يُوجَدْ غيره للرجال، وانتفتْ كراهة الأحمرِ مُطلَقاً، وانتفاء كراهة الصَّلاةِ بالحرير عند تعينه للستر، وفي هذا إشارة إلى دفع ما يُقالُ: جواز استعمال الأحمر للصَّلاةِ إذا تعيَّنَ. ووَجهُ الدَّفعِ أنَّ إِباحةَ الأحمر كانت ثابتة قبل إرادةِ الصَّلاةِ فيه، فإذا كان معه غيره لا كراهة في صلاته به، وكذلك الحرير لحظر استعماله، وما أُبيح إلا للضرورة، وبها يلزمُ السَّتر لسقوط الحظر، كما جازَتِ الصَّلاةُ في ثوب كله نجس لم يجد غيره، ولا ما يُطهره، وإِنْ طَهَرَ رُبعه لزِمَه الصَّلاةُ به، فلم يجز لو صلَّى عارياً، وخُير إِنْ طَهَرَ أقل من ربعه، فقد صارَ القَدْرُ المانعُ منَ النَّجاسةِ ساقطاً للضرورة.
هذا ما وَعَدْنا به، فلِلَّهِ الحمد على تنبيهه وقال في المحصول للرَّازِي الشَّافعي رحمه الله تعالى: المَسلَكُ الثَّاني: قوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: ??] أنكَرَ اللهُ تعالى على مَن حَرَّمَ زينةَ اللهِ تعالى فَوَجَبَ أن لا تثبت حُرمة زينةِ اللهِ، وإذا لم تثبت حُرمة زينة الله، امتَنَعَ تُبوتُ الحُرمة في فرد من أفراد زينة الله تعالى، وإذا انتفتِ الحُرمة بالكلية ثبتتِ الإباحة. المَسلَكُ الثَّالِثُ: قوله تعالى: {أَحلَ لَكُمُ الطَّيِّبَتُ} [المائدة: 4]، وليس المراد من الطيب الحلال، وإلَّا لِزِمَ التّكرارُ، فَوَجَبَ تفسيره بما يُستَطابُ طَبْعاً، وذلك يقتضي حِلَّ المنافع بأسرها، انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
الجزء 1 · صفحة 23
وفيه إشارة إلى أن ما ثبَتَتْ حُرمته بقطعي؛ كالخمر والخنزير، أو الإجماع؛ كلبس الرجال الحرير فليس الكلام فيه، وفيه موافقةٌ لقولنا: إِنَّ قوله تعالى: {خُذُوا زينتكم} [الأعراف: 31] نسخ النهي عن لبس الأحمر مع كون الأثر صحيحاً مقدماً على نُزول الآية، فكيف ولم يصح الاستدلال به، ولم يصلح تقييداً للعام المبيح الوصدَرَ بعد الآية، فبقيت الإباحة ثابتة في أخذ تلك الزينة على العموم.
وفي شَرحِ الشَّمائل للقَسْطَلَّاني رحمه الله عند الكلام على حديثِ البَرَاءِ ابن عازب الذي تقدم، وهو ما رأيتُ أحداً منَ النَّاسِ أَحسَنَ في حُلَّةٍ حمراء من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولأبي داود من حديثِ هِلال بن عامر، عن أبيه، رأيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يخطب بينى على بغلة، وعليه بُرد أحمرُ، وإسناده حسَنٌ، وللطبراني نحوه.
ففي هذه الأحاديثِ جَوازُ لبس الأحمر، قلتُ: وهذا كله سنَدٌ ودليلٌ لِما قاله القُهُسْتانِيُّ، ولذا لم يذكر قولاً بالكراهة رحمه الله تعالى؛ وذلك لنَصَّ الإمامِ الأعظَمِ على جَوازِ لبس الأحمر كما ذكره الأكمل رحمه الله تعالى، وكذا قالَه النَّوويُّ، وتقدَّمَ، ثمَّ قالَ القَسْطَلَّانيُّ: واختَلَفَ العُلَماء فيه على أقوال:
الأوَّلُ: الجَوازُ مُطلَقاً؛ لهذه الأحاديثِ.
الثَّاني: المَنعُ مُطلَقاً؛ لحديثِ ابنِ عَمرو أنَّ هذه من ثيابِ الكُفَّارِ، فلا تلبسها، وعنه: نهى رسول الله الله عن المُقَدَّمِ، بتشديد الدَّالِ وبالفاءِ المُشبَعِ بالعُصفرِ. أخرجه البيهقيُّ، وهو ضعيفٌ.
ولحديثِ «إِنَّ الشَّيطانَ يُحِبُّ الحُمرةَ، فَإِيَّاكُم والحُمرةَ، وكلَّ ثوب ذي شُهرة، وهو ضعيفٌ، وبالَغَ ابن الجوزي فقالَ: إِنَّه باطِلُ، وليس كذلك.
الثَّالثُ: يُكرَهُ لُبسُ الثّوبِ المُسْبَعِ بالحُمرَةِ دُونَ مَا كَانَ صَبْغُه خَفِيفاً. الرابع: يُكرَهُ لُبس الأحمرِ مُطلَقاً بقصد الزينة والشهرة، ويجوز في البيوتِ والمهنة.
الجزء 1 · صفحة 24
الخامس: التَّفرقةُ بينَ ما صُبغَ غَزْلُه ثمَّ نُسِجَ، وما صُبغَ بعدَ النَّسج، يجوزُ الأَوَّلُ لا الثاني.
السَّادِسُ: اختِصاصُ النَّهي بما صُبغَ بالعُصْفُرِ، ولا يمنعُ بما صُبغَ بِغَيره. السابع: اختصاص المنع بما ليس فيه خُطوط، وأما ما فيه لونْ آخَرُ من بياض وسَوادٍ وغيرهما، فلا يمتنع، وعليه التَّأويلُ المَردُودُ كما تقدَّمَ، انتهى.
الثامنُ بالنَّظرِ إلى اصطلاح أهلِ الزَّمانِ؛ فإنَّ منهم - أي: العُلَماءِ - مَن نظَرَ إِليه وإلى ما فيه خلل بالمروءة، وقال العلامةُ شيخ الإسلام ابنُ حَجَرٍ رحمه الله تعالى: والتحقيق في هذا المَقامِ أَنَّ النَّهي عن لبس التَّوبِ الأحمرِ إِنْ كَانَ من أَجلِ أَنَّه من لباس الكُفَّارِ، فالقول فيه كالقول في المِيثَرَةِ الحمراء - بكسر الميم وسكون التَّحتية وفتح المثلثة وتاء ـ كانَتِ النِّساء تصنعه من الحريرِ والدِّيباج لِبُعُولَتِهِنَّ.
قلت: وفي افتراش الحرير وتوسده اختلاف، يجوز عند أبي حنيفة رحمه الله ثم قال ابن حجر: وتحقيق القول فيها: إن كانَتْ من حرير حمراء فالمنع للحرير؛ أي: عند من يقول به، ويتأكَّدُ المَنعُ معَ كونها حمراء، وإنْ كانَتْ غير حرير فالنهي فيها للزجر عنِ التَّشبه بالأعاجم، وإنْ كانَ النَّهيُّ عن لبس الأحمر لكونه من زِيِّ النساء فهو راجع للزجر عن التّشبه بهنَّ، فعلى الوجهين يكون النهي لا لذاتِ النوبِ، بل للتشبيه، وإن كان من أجل الشهرة أو خَزْمِ المُروءَةِ فيمتَنعُ حيثُ يقعُ لذلك، وإلَّا فلا. انتهى مُلَخَّصاً.
وهذه الأقوال يظهرُ أنَّ الرَّاجح منها القول الأول، وهو جَوازُ لبس الأحمر، وهو قول الإمام الأعظم أبي حنيفة، والإمام مالك، والإمامِ الشَّافعيِّ، رَضِيَ اللهُ عنهم، كما نص عليه الشَّيخُ الأكمل، وهو قول جميع العلماء.
الجزء 1 · صفحة 25
قال الإمامُ النَّوويُّ: أَباحَ جميعُ العُلَماءِ مِنَ الصَّحَابَةِ والتَّابِعِينَ ومَن بعدهم لبس المُعصفَرِ، ومنهم من كرِهَه تنزيهاً، وحمّل النهي عليه؛ يعني: الوارد في الحديث، وكذلك يكون محمل ما قدَّمناه عن أبي حنيفة من الكراهة على التنزيه؛ لقوله بالحِلْ فيما نقله الأكمل والنووي، فتُوجَدُ كراهة اللبس على التشبه بالنِّساءِ أو بالأعاجم، وتنتفي الكراهة إذا لم يكُنِ اللُّبسُ لذلك.
ودليل الجواز من غير كراهة إطلاق نص الكتاب العزيز، ولبسُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إياه، وهو دليل لما قدَّمناه مُوافِقاً له نَقْلاً في المذهب عنِ القُهُسْتاني عنِ الزَّاهِدِيِّ، ونقله في «المُجتبى شرح القُدوري»، وفي «الحاوي الزَّاهِدِي» من أنَّه لا بأسَ بالثوب الأحمر؛ أي: فلا كراهة في لبسه لنفي البأس.
وفي منتخب «الفَتاوَى»: قالَ صاحِبُ الرَّوضة»: يجوز للرجالِ والنِّساءِ لبسُ الثّوبِ الأحمر والأخضرِ بلا كَرَاهِةٍ، نَقَلَه الخَلخَالِيُّ.
ونقل الشَّيخُ قاسم حديث بريدة: كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فأقبل الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمَرانِ، فَجَعَلا يَتَعَبَّرانِ ويَقُومَانِ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ، فَوَضَعَهُما بين يديه، ثم قال: صدق الله ورسوله: {إِنَّمَا أَمْوَلُكُمْ وَأَوَلَدُكُمْ فِتْنَةٌ} [الأنفال: ??]، رأيتُ هذين فلم أصبر»، ثمَّ أَخَذَ فِي خُطبته، قالَ
الحاكم: صحيح على شرط الشَّيخَينِ، انتهى.
وفيه تقريره عليه السَّلامُ على لبس الأحمر وعلى إلباسه.
الجزء 1 · صفحة 26
وقَدَّمْنا أَنَّه يُستَحَبُّ لُبسُ الثَّوبِ المَصبوغ أحياناً خلافاً للمجوس، وهو يقتضي استحباب لبس الأحمر أحياناً وبه يترفَّى إلى مرتبة الاستحباب عن مرتبة الإباحة، وقدَّمنا دليله، وهو ما في «الشَّمائل» من لبس النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم الحلة الحمراء، وقد تعدَّدَتْ طُرُقُها في «البُخارِيّ»، وأخرَجَه مُسلم وأصحابُ السُّنَنِ، أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
فاتَّفَاقُ أَئِمَّةِ الحديث على وَصْفِ الحُلَّةِ الحمراء، واتَّفاقُ الأَئِمَّةِ الثَّلاثةِ أبي حنيفة ومالك والشافعي على جَوازِ لبس الأحمر، وقول شيخ الإسلام الرملي: إنَّه لا كراهة في لبس الأحمر، وهو كما قال الشَّيخُ أكمل الدين، وكما قال الإمام النووي: أباحَ لبس المُعصفَرِ جميعُ العُلَماءِ منَ الصَّحابة والتابعينَ ومَن بعدهم، وبه قال الإمامُ الشافعي وأبو حنيفة ومالك كما قدمناه عنِ «المَواهِبِ اللَّدُنْيَةِ»، كلُّ ذلك مُبطِل لِما زَعَمَ أَنَّها ذاتُ خُطوط؛ لما فيه من نوع تكذيب للصحابي فيما وصف به الحلة الحمراء، ولذا ردَّه المحقق ابنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ تعالى وقد بَيَّنَّاهُ.
وقَدَّمْنا قول الإمامِ العَيني في استنباط الأحكامِ أَنَّه يجوزُ لبسُ الأحمرِ والصَّلاةُ فيه؛ يعني: لكل فاعل فلا يختص به الكبير، وبه يُشيرُ إلى أنَّ قولَ ابن بطال في استنباط الأحكام فيه أنه يجوز لبسُ الثّيابِ المُلوَّنةِ للسَّيِّدِ الكبير، والحمرةُ أَشْهَرُ المُلوَّنات، وأجمل الزينة في الدُّنيا، انتهى.
الجزء 1 · صفحة 27
ليس ذكره «السيد» قيداً احترازِيَّا، بل اتفاقِيًّا، فذكرُ الجواز له ليُعْلَمَ جَوازُه لِما هو دونه بالطريق الأولى؛ لأنه هو المُقتَدَى به، وقد صلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إماماً وهو لابسه، فلا كراهة في صلاة الإمام به اتباعاً للنبي؛ لأنه المُشرِّعُ، ولأنَّها مُفَادُ إطلاقِ نص الكتاب العزيز الآمر بأخذ الزِّينةِ أمراً عاماً في المأمور به بقوله تعالى: {يا بني ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُل مَسْجِد} [الأعراف: 31].
وهو دليلٌ لِما حَكاهُ الشَّيخُ الأكمل والنووي عن الإمام الأعظم، والإمامِ مالك، والإمام الشافعي، رضِي الله عنهم ودافَعَ بما نقل عن «شرح السير الكبير» كما بيناه، ودليل نص المذهب الذي حكاه القُهُسْتاني وغيره بمثل نص الإمام الأعظم من غير نظرِ لأمر عارِض، وعُروضُ الكراهة للصبغِ النَّجس تزول بغسله، أو للتشبه بالنِّساءِ تزولُ بإخلاص النية لإظهار نعمة الله تعالى، فتنتفي الكراهة، بل ويثبت استحباب لبسه؛ اقتداءً بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
وهذا كافٍ في الاستِنادِ للقَولِ بالجواز بدُونِ كراهة، وهو خُلاصة ما حرَّرْناه بقدرة العلي العليم، وسطّرتُه رجاءَ الثَّوابِ الجسيم، وأعتذر لذوي العلم، كيف وفَوقَ كل ذي علم عليم؟
وانتهى تأليفه يومَ الاثنين المُبارَكِ حادِي عشَرَ شَوَّالٍ سنة خمس وستينَ وألفٍ.
وصلَّى الله على سيدنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. آمين.
***