الجزء 1 · صفحة 7
إيضاح الخفِيَّاتِ عندَ تَعارُض بيّنةِ النَّفي والإثباتِ
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
الجزء 1 · صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه الإعانةُ
الحمد الله الذي أَحكَمَ مُحكَمَ الآياتِ، وجعَلَ المُؤوَّلَ طَرِيقاً لإظهارِ حِكمَتِه بما رآه كلُّ مُجتهد من الحكم في الحادثات، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيدنا ومولانا محمد سيد أهل الأرض والسَّماوات وعلى آله وأصحابه الذين شيَّدوا أركان الدِّين، ونشَرُوا في الخافِقَينِ بإقامةِ الرَّايات فانتَفَى ببرهانِهم المُؤيَّدِ بالمُعجزات معارضة الأوهام والتخيلات.
وبعد:
فيقول العبدُ المُعْتَمِدُ على لُطفِ مَولاهُ الخفي، حسَنُ الوَفَائيُّ الشُّرنبلالي الحنفي: إنَّه أرادَ جمعَ ما تضَمَّنَتْهُ هذه الوَرَقاتُ في حُكمِ حادثة؛ ليَسهُلَ مُراجَعَتُه في النَّوازِلِ، وتَتَحَلَّى بذكرِه المُحادَثة، وهي:
أقامَ رجلٌ البرهان على أنَّه أبرأه غَريمُه هذا ممَّا كانَ لَهُ عليهِ مِن كذا، وأَنَّه يستَحِقُ بذِمَّتِهِ ثَمَنَ أمتعة اشتراها منه بتاريخ كذا بمِصْرَ المَحروسة، فعارَضَه خَصْمُه بأنَّه كان في ذلك التاريخِ مُقيماً بالفَيُّوم، وأنكَرَ صُدورَ الإبراء والشَّراءِ، وأقامَ البيِّنَةَ على مقامه بالفيوم إذ ذاك، فأيُّ البُرهانَينِ يُقدَّمُ؟
وهل إذا شهِدَ بإقامته بالفَيُّومِ جمع كبير، يُقَدَّمُ على بيِّنَةِ الآخرِ؟
وهل إذا حُكِمَ على مُدَّعي الإقامة بالفيوم، ثمَّ أَقامَ الجمعُ الكبير على إقامته بالفيوم إذ ذاك يُفيده، ويبطل الحكم عليه بالبراءة والثّمن، أم كيف الحال؟
وسمّيته: «إيضاح الخفِيَّاتِ عندَ تَعارُض بيّنةِ النَّفي والإثباتِ»
الجزء 1 · صفحة 9
راجياً من الله سُبحانَه القبول والعَفْوَ عنِ السَّيِّئَاتِ، ودَوامَ السَّترِ إلى اللقاءِ وحسن الخاتمة.
ورتبته على مُقدِّمةٍ وبابين وخاتمة:
أَمَّا المُقدِّمةُ: فَلِبيانِ شَرْطِ حِلَّ الشَّهادةِ، وطريق معرفةِ الشُّهودِ للمشهودِ عليه، وتعريفه، ومَن يصح تعريفه.
وأَمَّا البابُ الأَوَّلُ: فَلِبيانِ تقديمِ بيِّنَةِ الإِثباتِ على بيِّنَةِ النَّفي عندَ التَّعارُضِ. وأما البابُ الثَّاني: فلبيانِ ترجيح بيِّنَةِ النَّفْيِ المُستفيض قبلَ الحُكمِ، وحُكمها بعده.
وأما الخاتِمَةُ: فلبيانِ جملة المسائل التي تُقبَلُ فِيهَا بَيِّنَةُ النَّفْيِ، وبيانِ دُخولِ يَومِ القتل تحت الحكم دون يوم المَوتِ، ولبيان العمل بالبيتين عند الإمكاني.
***
المُقدِّمة:
اعلَمْ أَنَّ المَشهودَ عليه إما أن يكون حاضراً أو غائباً، وإِمَّا أَن يكونَ مَعْرُوفاً أو لا، وإما أن يكونَ رَجُلاً أو امرأةٌ مُتنقّبةً أو لا، ولا بُدَّ من الإحاطة بما يُفيدُ الحكم ذلك. في قال في جامع الفصولين»: لا يجوز الاعتماد على إخبارِ المُتَعَاقِدَينِ باسمهما ونسبهما، لعلهما تسَمَّيا وانتسبا باسم غيرهما ونَسَبِهما، يُريدانِ تَزويراً على الشُّهودِ ليُخرِجا المبيع من يد مالكه ونحوه، فلو اعتمد على قولهما، نفَذَ تزويرهما، وبطل أملاكُ النَّاس، وهذا فصل غفَلَ عنه كثيرٌ منَ النَّاسِ؛ فإِنَّهم يسمعون لفظ الشّراءِ والبيع والإقرارِ والتَّقابض من رجلين لا يعرفانِهما، ثمَّ إذا استُشهدا بعدَ مَوتِ صاحب المبيع - أي: ونحوه - شهدوا على ذلك الاسم والنَّسَبِ، ولا عِلم لهم بذلك، فيجب أن يُحتَرَزَ عن مثل ذلك حَذَراً عن المُجازَفَةِ وضَياع أملاكِ النَّاسِ.
وطريقُ عِلمِ الشُّهودِ بالنَّسَبِ أن يشهَدَ عندَهم جماعةٌ لا يُتصَوَّرُ تَواطُؤُهُم على الكذب عند أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما شهادة رجلين كافٍ كما في سائر الحقوق.
الجزء 1 · صفحة 10
أقولُ: يحصل للقاضي العِلمُ بالنَّسبِ بشهادةِ رَجُلَيْنِ عَدْلَينِ، فينبغي أن يحصل للشُّهودِ أيضاً بشهادة عدلين، كما هو قولهما، وهذا منَ النَّوادر، قال: ولو لحق الحرج في إحضار جماعةٍ شرطها أبو حنيفة رحمه الله تعالى ينبغي أن يُشْهِدَ عَدْلانِ على شهادَتِهما عدولاً آخرين على النسب، حتى لو احتاجوا إلى أداء الشهادةِ شَهِدُوا على شَهادَتِهما على النسب، وعلى ما في الكتاب بما أشهدوا عليه. أقول: فيه نظر؛ لأنَّ كثرة الفَرْع لا تُعتبرُ معَ كون الأصل عدلين؛ لأنَّ حضور الفَرْعِ وإن كثر كحضور الأصل، وكأَنَّ العَدْلَينِ شَهِدا فقط، فلا يُوجد شرط عِلْمِ الشَّهودِ بالنَّسبِ عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى حينئذ، انتَهَى عبارة «جامع الفصولين.
والجواب عن نظرِه الأخير بأنَّه ليسَ المُرادُ ظاهر العبارة من إشهادِ غَيْرِهما على شهادتهما، بل المُرادُ الإخبارُ للغَيرِ بالنَّسب، فيحصل له العلم، وبه تحل الشهادة على النَّسَبِ، ويقولُ: أشهدُ أنَّ فُلاناً ابنُ فُلانٍ، ولا يقولُ: أَشْهَدَني فُلانٌ على شهادته، انتهى.
وقال في «جامع الفُصولين»: لو أخبَرَ الشَّاهِدَ عَدَلانِ أَنَّ هذه المُقِرَّةَ فُلانةُ بنتُ فلان تكفي هذه الشَّهادة على الاسم والنَّسَبِ عندهما، وعليه الفتوى، ألا ترى أنهما لو شهدا عند القاضي يقضي بشَهادَتِهما؟ والقَضاءُ فوقَ الشَّهادة، فتجوز الشهادة بإخبارهما بالطَّريق الأولى، فإنْ عَرَفَها باسمها ونسَبِها عَدْلانِ ينبغي للعدلين أن يُشهِدَا الفَرْعَ على شَهادَتِهما كما هو طريق الإشهاد على الشهادة، حتّى يشهد عند القاضي على شَهادَتِهما بالاسم والنَّسَبِ، ويشهد بأصل الحق أصالة، فيجوز ذلك وفاقاً.
الجزء 1 · صفحة 11
ولو أخبَرَتِ امرأَةٌ أَنَّها فُلانةُ بنتُ فُلانٍ، لا يحل للشَّاهِدِ أن يشهَدَ باسمها ونسَبِها؛ لأنَّ تعريف المرأةِ الواحدة والرَّجل الواحد لا يكفي، ولو عرَّفَها رجُلانِ وقالا: نشهَدُ أَنَّها فُلانةُ بنتُ فُلانٍ لا يحلُّ للشَّاهِدِ باسمها ونسبها؛ لأنَّ تعريف المرأة الواحدة والرَّجُلِ الواحدِ لا يكفي، ولو عَرَفَها رَجُلَانِ وقالا: نشهدُ أَنَّهَا فُلانةُ بنتُ فُلان بن فُلانٍ، حَلَّ له الشَّهادة وفاقاً؛ لأنَّ في لفظِ الشَّهادَةِ مِنَ التَّأْكِيدِ ما ليس في لفظ الخبر؛ لأنه يمين بالله معنى، ولو كان بلفظ الخبر، إنَّما يجوز عند أبي حنيفة رحمه الله لو أخبر جماعةٌ لا يُتصَوَّرُ تَواطُوهم على الكذب، وعندَهُما لو أخبَرَه عَدْلانِ أَنَّهَا فُلانةُ بنتُ فُلان بن فلانٍ، تحِلُّ له الشَّهادة على النَّسَبِ. ويصح تعريفُ مَنْ لا يصلُحُ شاهِداً لها، سواء كانتِ الشَّهادة لها أو عليها، وقيل: لا يصح فيما لها، واختارَ النَّسفيُّ الأَوَّلَ؛ لأنَّ هذا خبر لا شهادة، بخلافِ تعديلها؛ لأنَّ التَّعديل شهادةٌ، انتَهَى.
الباب الأول: في تقديم بينةِ الإثباتِ على بيِّنة النَّفي
شهدا على رجُلٍ أنَّه استقرَضَ مِن فُلانٍ يوم كذا، أو صَنَعَ شيئاً في مكانِ كذا، فأقام المشهود عليه شاهدين أنه لم يكن في ذلك اليوم في المكان الذي ذكره الأولان، وكانَ في مكان كذا، لا تُقبَلُ هذه الشهادة؛ لأنها قامت على النَّفي؛ لأنَّ قولَهما: «ما كانَ في موضع كذا نفي صورة ومعنى، وقولهما: وكان في مكان كذا» إنْ كانَ إثباتاً صُورةً، فهو نَفي معنى؛ لأنَّ المقصود نفي ما قامت عليه الشَّهادة الأولى، ذكرَه قُبيل باب الشهادات في النَّسب وغيره من «كتابِ الشَّهاداتِ»، انتهى.
كذا في «الفَتاوَى الصُّغَرَى»، ونقَلَه العِمادي في «فُصولِه عنها من غير زيادة ولا نقص، وكذا حكاه في «جامع الفصولين».
الجزء 1 · صفحة 12
وفي الظهيريَّةِ»: البيِّنةُ على النَّفيِ غير مقبولة، وهو نظير ما لو ادعى على رجلٍ أنه أقرضه ألف درهم في يوم كذا في مكان كذا، وأقامَ المُدَّعَى عليه البيِّنةَ أنَّه في ذلك اليوم كان في مكان كذا سمّى مكاناً آخر، لا تُقبَلُ بينته؛ لأنَّها في الحقيقة قامَتْ على النفي، انتهى.
وفي التترخانيَّةِ مِنَ الفَصلِ السَّابِعَ َعشَرَ في الشَّهادةِ: ذكرَ ابنُ سماعة عن أبي يوسف في شاهِدَين شهدا على رجل بقول أو فعل: يلزمه ذلك بإجارة، أو كتابة، أو بيع، أو قصاص، أو مال، أو طلاق، أو إعتاق، في موضع وَصَفاه، أو في يوم سمّياه، فأقام المشهود عليه بينة أنه لم يكُن في ذلك الموضع، ولا في ذلك اليوم في الموضع الذي وَصَفاهُ، لم تُقبل منه البينة على ذلك، وكذلك كلُّ بينة قامت على أنَّ فُلاناً لم يقتل، لم يفعل، لم يقم، فهذا كله منَ النَّهاتُرِ؛ لأنَّها قامَتْ على النفي، انتهى.
وكذا ذكر مثل ما في الترخانِيَّةِ» صاحِبُ «القنية» بقوله بعدَ رَقْمِه بعلامة اظ»: كل بينة لا تكونُ حُجَّةً شرعاً فهي منَ النَّهاتُرِ، منها ما ذكره ابنُ سماعة عن أبي يوسف رحمه الله، شاهِدانِ شَهِدا على رجُل بقول أو فعل ... إلى آخره.
وقال في القنية قبل هذا بعد أن رقم للخُجَندي ما نصه: ادعى عليه كذا ديناراً، وأقام بينةٌ أَنَّه أَقرَّ عندَهُم في شهور سنة سبع وثمانين وأربع مئةٍ، فقالَ المُدَّعَى عليه: لم أكُن بخوارِزْمَ وَقْتَنذ، وكنتُ غائباً، ولم يعلم القاضي غيبتَه وَقْتَئِذٍ، لا تُسْمَعُ، انتَهَى.
ثمَّ رقم للعَلَاءِ التَّاجري بمثل ذلك، ثمَّ رقم للعتابي أَنَّه دَفْع عند بعض العُلَماءِ، فللقاضي أن يسمع، انتهى.
الجزء 1 · صفحة 13
وقال في يتيمةِ الدَّهرِ: سُئِلَ الخجندي عمَّنِ ادَّعَى على آخر مئةً وأربعينَ ديناراً، فَجَحَدَ، فأقامَ المُدَّعِي بينةٌ شَهِدَتْ له على المُدَّعَى عليه أنه أقر عندهم في شهور سنة سبع وثمانين وأربعمئة، وعُدِّلت البيِّنَةُ، فَتَوَجَّه الحكم على المُدَّعَى عليه، ثم أخذ يدعي دَفْعاً أنه لم يكن بخُوارِزْمَ وَقتئذ، وكان غائباً، وليس في علم القاضي
كونه غائباً وقتئذ، هل يُسْمَعُ منه هذا الدفع؟ فقال: لا.
وسُئِلَ عنها عليُّ بنُ أحمدَ، فأجابَ كذلك.
وسُئِلَ عنها والدي، فقال: عند بعض العُلَماءِ يكون هذا دَفْعاً، فللقاضي أن يسمع ذلك.
قيل لعلي بن أحمدَ ادَّعَى هذا المشهود عليه بعد ذلك أنَّه أَوْصَلَ هذا القَدْرَ إلى المقر له، هل يكون هذا مُناقضاً في هذه الدعوى؟
فقال: لا، إذا وفق بأن قال: لم يكُنْ عليَّ، ولكِنْ أَوصَلْتُها إليه لدعواه، انتهى. وفي «فَتاوَى قارِئِ الهِدايةِ ما نصه: سُئِلَ عن شخص ادَّعَى على آخَرَ بمبلغ، فأنكَرَ، فأحضَرَ شُهوداً عليه شَهِدُوا أنه أقر بالمبلغ بالقاهرة، فادَّعَى المُنكِرُ أَنَّه في تاريخ الإقرار الذي شهد به الشهود كانَ مُقيما يوم الإقرار بدمياط، فأَيُّ البَيِّنتَينِ تُقبَلُ؟
فأجابَ: يُعمَل بشهادةِ الإقرار لا بشهادةِ أنَّه كانَ مُقيماً يومَ الإقرار بدمياط، انتهى.
فيهذا علِمْتَ به حكم ما إذا تَساوَى البَيِّنتانِ وتَعارَضَتا.
أما إذا كانَ بخِلافِه بأنْ كانَ النَّفي أمراً مكشوفاً يشهَدُه كل صغير وكبير، فلما توجه الحكم على المُدَّعَى عليه دفعه بإقامة الجمعِ المُستفيض، فإِنَّه يُقبَلُ الدَّفعُ كما سنَذكُرُه إِنْ شاءَ اللهُ تعالى في الباب الذي يلي هذا، وهو:
البابُ الثَّاني لبيان ترجيح النَّفي المُستفيض:
الجزء 1 · صفحة 14
قال في «التّترْخانِيَّةِ» بعدما قدَّمناه عنها: رجُلٌ أقامَ البيِّنَةَ على آخرَ أَنَّه قتل أباه الأوَّلِ، فأقامَ المُدَّعَى عليه البيِّنةَ أنَّهم رأوا أباه حيًّا بعد ذلك الوَقْتِ، عَمْداً في ربيع وأنَّه كان حيًّا، وأقرَضَه ألف درهم بعد ذلك الوَقْتِ، وأَنَّها دَين عليه. أو أقام رجلٌ على آخرَ البيِّنَةَ أنَّه أقرَضَ أباه ألف درهم، وأقامَ الآخَرُ البيِّنَةَ أنَّ أباه مات قبل ذلك.
أو شهِدَ أَنَّ فُلاناً طلَّقَ امرأته يومَ النَّحْرِ بالكوفة، وأقامَ فلان البينَةَ أَنَّه كانَ في ذلك اليوم حاجا بمنّى، فالبينة في جميع ذلك بينةُ المُدَّعي، ولا يُلتفتُ إلى بينةِ المُدَّعى عليه، إلَّا أن تأتي العامَّةُ ويشْهَدُونَ بذلك، ويكون أمراً مكشوفاً، فيُؤْخَذُ بشَهادَتِهم.
ثم قال: لو أقامَ المُدَّعَى عليه بينةٌ على أنَّ شُهُودَ المُدَّعِي مَحدودونَ فِي قَذْفٍ، حدهم قاضي بلدة كذا فُلانٌ في سنة سبع وخمسين وأربع مئةٍ، وأقامَ المشهود عليه بينةً أنَّ ذلك القاضي مات سنة ست وخمسين وأربع مئةٍ، وأقامَ البيِّنةَ أنَّه - أي القاضي كان غائباً في أرضِ كذا سنة سبع وخمسين وأربع مئةٍ، فإنَّ القاضي يقضي بكونه محدوداً في القَذْفِ، ولا يُلتَفَتُ إلى بيِّنَتِه، قالَ: إلَّا أن يكون سبباً مشهوراً في ذلك، فحينئذ لا يقضي بگونه محدوداً في القَذْفِ.
ومعنى هذا الكلام أنْ يكونَ مَوتُ القاضي قبل ذلك الوَقْتِ الذي شَهِدَ به الشُّهود بإقامة الحد فيه مُستفيضاً ظاهراً فيما بينَ النَّاسِ، علم به كل صغير وكبير، وكل جاهل وعالم، وكان كون القاضي في أرض كذا في الوقت الذي شهد الشهود بإقامة الحد فيه مُستفيضاً يعرفه كل صغير وكبير، وعالم وجاهل، فحينئذ لا يقضي القاضي بكونِ الشَّاهد محدوداً في القذف، ويقضي على المشهود عليه بالمال، وليس طريقه أنَّ القاضي يقبلُ بيته على مَوْتِ القاضي وعلى غيبته.
الجزء 1 · صفحة 15
هذا؛ وقد أفتى بهذا الشَّيخُ الإمامُ زَينُ بنُ نُجَيمِ رَحِمَهُ اللهُ، ونصه فيما جُمِعَ من فتواه: سُئِلَ في شخص أقامَ بينةٌ شَهِدَتْ بأن فُلاناً ضَرَبَ فُلاناً في يوم الأحدِ مَثَلاً في كذا، وشهِدَتْ بينةٌ بأنَّ الضَّارِبَ كانَ في ذلك اليوم في محل آخر في ذلك اليوم، فهل تُسمَعُ البيِّنةُ الشَّاهدة بأنَّه كان في محل كذا، لا في محل الضّرب، وتعارَضَ البيِّنتان، أم لا تُسمع؟ أجاب: البيِّنةُ الشَّاهِدةُ بأنَّه لم يكُنْ في محلّ الضَّربِ غير مقبولة؛ لأنَّها بينةُ نفي، إلَّا إذا تواتر عندَ النَّاسِ وعَلِمَ الكُلُّ عُموم كونه في ذلك الزَّمانِ والمَكانِ، لا تُسمع الدعوى عليه، ويقضي بفَراغِ الذَّمَّةِ؛ لأنَّه يلزم تكذيبُ الثَّابِتِ بالضرورة، والضروريَّاتُ ما لا يلزمه الشَّكُ، كذا في الفَتاوَى البَزَّازِيَّةِ» معزِيًّا إلى «المُحيط»، انتهى.
قلت: ونص «البَزَّازيَّةِ» هذا: شَهِدَ أَنَّه استقرَضَ من فُلانٍ كذا في يوم كذا في بلد كذا، فبرهن على أنه لم يكُن في ذلك اليوم في ذلك المكان، بل في مكان آخر، لا تُقبَلُ؛ لأنَّ قولَه: «لم يكن فيه نفي صورة ومعنى، وقوله بل كان في كذا نَفي معنى.
وأصله ما ذُكِرَ في النَّوادِرِ» عنِ الثَّاني: شَهِدا عليه بقول أو فعل، يلزَمُ عليه بذلك إجارة، أو بيع، أو كتابةٌ، أو طلاق، أو إعتاق، أو قتل، أو قصاص في مكانٍ وزَمانٍ وصَفاه، فبَرهَنَ المشهود عليه أنَّه لم يكُنْ ثمَّةَ يومَئِذٍ، لا تُقبَلُ، لكنَّه قال في «المُحيط»: إِنْ تَواتر عندَ النَّاسِ وعَلِمَ الكُلُّ عدَمَ كَونِه في ذلك المكانِ أَو الزَّمانِ، لا تُسمَعُ الدَّعوَى عليه، ويقضى بفَراغِ الذَّمَّةِ؛ لأنَّه يلزَمُ تكذيبُ الثَّابِتِ بالضَّرورةِ، والضَّرورِيَّاتُ ممَّا لا يدخُلُه الشَّكُ عندَنا، وكذا كلُّ بَيِّنَةٍ قامت على أنَّ فُلاناً لم يقُلْ، ولم يفعل، ولم يُقرَّ، انتَهَى.
الجزء 1 · صفحة 16
قلتُ: ونصُّ المُحيطِ» هذا: لو أقامَ رجُلٌ البيِّنةَ على رجُل أَنَّه قتَلَ أباه منذُ سنةٍ، وأقام الذي قامَتْ عليه البيِّنة أنَّ الذي شَهِدُوا بقتله صلَّى بالنَّاسِ العامَ المَوسِمَ، أو صلَّى الجمعة.
قال أبو حنيفة رحمه الله: إذا كانَ شيئاً مشهوراً، فالأحداثُ أَوْلى، ولا تختلفُ الرّواية عنه في هذا، انتَهَى. قلت: وهذا يُشيرُ إلى عدَمِ مُخالَفَتِه لقولهم: لا يُرَجَّحُ بزيادة عددِ الشُّهودِ، ولا بزيادة العدالة، انتهى.
لما أنَّه تَرقَى إلى مرتبة عُليا، وعدم الترجيح بالمُعارضة عندَ المُساواة، انتَهَى. وأمَّا إذا حُكِمَ عليه، ثمَّ َأقامَ الجمعُ المُستفيضُ بعده، هل تُقبَلُ منه؟ لم أره صريحاً، وقد يُستَفادُ القَبولُ ممَّا قاله في «الأشباه والنظائر»: المَقضِيُّ عليه في حادثة لا تُسْمَعُ دَعواه، ولا بيّنته إلَّا إذا ادَّعَى تلقي الملك منَ المُدَّعي، أو النتاج، أو بَرْهَنَ على إبطالِ القَضاءِ، كما ذكرَه العِمادي.
والدَّفع بعدَ القَضاءِ بواحدٍ مما ذكر صحيح، وينتقِضُ القَضاءُ، فكما يُسْمَعُ الدَّفع قبله، يُسْمَعُ بعدَه، لَكِنْ بهذه الثَّلاثِ.
ثمَّ قال في «الأشباءِ»: وكما يصِحُ الدَّفْعُ قبل إقامة البينة يصح بعدها، وكما يصح قبل الحكم يصح بعدَه إِلَّا في المسألةِ المُخَمَّسَةِ، كما في الشَّرحِ، وكما يصح عند الحاكِمِ الأَوَّلِ يصِحُ عندَ غَيره، وكما يصِحُ قبل الاستمهال يصح بعده، هو المُختارُ إِلَّا في ثلاث:
الأولى: إذا قال: لي دَفْعُ، ولم يُبيِّنْ وَجهَه، لا يُلتَفَتُ إليه.
الثَّانيةُ: لو بينَه لكِنْ قالَ: بينتي به غائبةٌ عنِ البلد، لم تُقبَلْ.
الثَّالثةُ: لو بيَّنَ دَفْعاً فاسداً، انتَهَى.
الخاتمة
الجزء 1 · صفحة 17
البيان جملة المسائل التي يُقبَلُ فيها بيِّنةُ النَّفي قال في الأشباه والنظائرِ»: بيِّنةُ النَّفي غير مقبولةٍ إِلَّا في عشر: فيما إذا علَّقَ طلاقها على عَدَمِ شيء، فشهدا بالعَدَمِ وفيما إذا شَهِدا أنَّه أسلم ولم يستَثْنِ، وفيما إذا شَهِدُوا أَنَّه قَالَ: المَسيحُ ابنُ الله، ولم يقُل: قَولُ النَّصَارَى.
قلت: وهذه الثلاثة في الفَتاوَى الصُّغَرَى َرجُلٌ حلَفَ إِنْ لم تَجِيْ صِهِرَتي - هذه الليلة ولم أكلمها في كذا، فامرأتي طالق ثلاثاً، فَشَهِدا أنَّه حَلَفَ بكذا، ولم تَجِي صهرَتُه في تلك الليلة ولم يُكلّمها في ذلك الوقت، وقد طلقتِ امرأته بحكم هذه اليمين، تقبل هذه الشَّهادة؛ لأنَّ ما فيها صورةُ النَّفي وفي الحقيقة قامت لإثباتِ الطلقات الثلاث، والعبرة للمقاصدِ دُونَ الصُّورِ.
وكما لو شَهِدَ اثنان أنَّه أسلَمَ واستثنى في إسلامه، وشَهِدَ آخَرانِ أَنَّه أَسْلَمَ ولم يستثن في إسلامه، تُقبَلُ الشَّهادة على إثباتِ الإسلام وإنْ كانَ فيها نَفي؛ لأنَّ مقصودهما إثبات الإسلام، كذا هذا، وقال فيها قبل هذا: إِذا شَهِدا على رجُلٍ: إِنَّا سمعناه يقولُ: المَسيحُ ابنُ اللهِ، ولم يقُلْ قَولُ النَّصَارَى، فبانَتْ منه امرأته، والرَّجلُ يقولُ: وَصَلْتُ بقَولي: قولُ النَّصَارَى تُقبَلُ الشَّهادة وتقعُ الفُرقةُ، انتهى. وهذا يُشير إلى أنَّها قامَتْ على إثباتِ الفرقة، وإن كان فيها نفي، والعبرة للمقاصد، انتهى.
ثم قال في الفَتاوَى الصُّغرى»: ولو قالا: سمعناه يقولُ: المَسيحُ ابنُ الله، ولم يُسمع منه غير ذلك، لم تُقبل هذه الشَّهادة. انتهى.
فَفَرَّقَ بين قولهم: لم يُسمع، وبين قولهم: لم يقُلْ.
الجزء 1 · صفحة 18
الرابعة: فيما إذا شَهِدا على نتاج دابَّةٍ ولم تزل على ملكه، قلتُ: وصورها في «جامع الفصولينِ» بقوله: الشَّهادة لو قامَتْ على الإثباتِ وفيها نَفي بأن يقول: هذا غُلامُه نتج عنده، أو هذه دابته نتَجَتْ عنده ولم تزل ملكاً له، هل يُقبل؟ اختَلَفَ فيه المشايخ، والأصح أنَّها تُقبَلُ، انتهى.
الخامسة: فيما إذا شَهِدا بخُلْعِ أو طلاق ولم يستَثْنِ، قلتُ: صورها في «الفَتَاوَى الصغرى» بقوله: فإِنْ شَهِدَ الشُّهودُ بخُلع أو طلاق بغير استثناء، بأن قالُوا: نشهَدُ أَنَّه خالع بغير استثناء، أو قالوا: طلَّقَ ولم يستَثْنِ، لا يُقبَلُ قَولُ الزَّوجِ.
وإِنْ قالُوا: لم يُسمَعْ منه كلمةُ الخُلعِ والطَّلاقِ، كَانَ القَولُ قولَ الزَّوجِ، ولا يُفرِّقُ القاضي بينهما إلَّا أن يظهر منه ما يكون دليلاً على صِحَّةِ الخُلعِ من قَبْضِ البَدَلِ، أو سبب آخر، فحينئذ يكونُ القَولُ لها، انتهى.
وكذا ذكره العِمَادِيُّ في «فُصولِه».
السَّادسة: فيما إذا أمَّنَ الإمامُ أهل مدينةٍ، فشَهِدا أنَّ هؤلاء لم يكونوا فيها وَقْتَ الأمان، انتهى.
قلت: وهي في الفَتاوَى الصُّغرَى عن واقعاتِ النَّاطِفِي مُحيلاً إلى السَّيَرِ الكبير للحَسَنِ بن زياد، انتهى. وكذا في «فُصولِ العِمادِي».
قلتُ: إلَّا أنَّ هذه مشكلةٌ؛ لأنَّ النَّفي فيها مقصود، والشَّهادة عليه مقصوداً تقدم
أنها لا تصح، وقد يُجابُ بأنَّ الشَّهادةَ صَدَرَتْ لقَومِ ادَّعَوا أَنَّهُم كَانُوا فِيهَا فقط، دُونَ أولئِكَ، وشَهِدَ الشُّهودُ بذلك فتقبل، وإنْ كانَ فيها النَّفي لقيامها في الحقيقة على وجود أولئِكَ بالمدينة، وإن كان فيها نَفي.
السابعة: فيما إذا شَهِدا أنَّ الأجَلَ لم يُذكَرُ في عَقْدِ السَّلَم، قلتُ: وصورها في «جامع الفُصُولَينِ» بقوله: ولو بَرْهَنَ المُسلَمُ إليه أَنَّ السَّلَمَ فَاسِدٌ؛ لأَنَّه لم يذكُرِ الأَجَلَ تُقبَلُ؛ لأنَّها قامَتْ على الشرط، ولو كان نفياً.
الجزء 1 · صفحة 19
الثامنة: في الإِرْثِ إذا قالُوا: لا وارِثَ له غيره.
قُلتُ: في جعله مسألةً مُستقِلَةٌ تأمل؛ لأنَّه قال في «التَّرْخانِيَّةِ»: إِذا شَهِدُوا بِوِراثَةٍ وبينوا نسبه، وقالوا: لا نعلم له وارِثاً آخَرَ، فهذه شَهادةٌ مَقبولةٌ.
ويدفَعُ القاضي المال إليه للحال من غير تلُومٍ، وَقَولُهم: «لا نعلَمُ له وارِثاً آخَرَ سوى هذا ليس من صُلْبِ الشَّهادةِ، بل هو لإسقاطِ مُؤنَةِ التَّلوم عنِ القاضي؛ لأنَّ بدون ذكر هذه الزّيادةِ القاضي يتلوَّمُ، وبعد ذكرِ هذه الزيادةِ لا يَتَلَوَّمُ، انتَهَى.
وقال في «فصولِ العِمادِيِّ»: وهذه شَهادةٌ على إثباتِ شَرْطِ الوِراثَةِ، إلا أنَّ الشَّرط نَفي، وإثباتُ الشَّرطِ بالبيئة يجوزُ نَفْياً كان أو إثباتاً كما لو قال لعبده: إن لم أدخُلِ الدَّارَ اليوم فأنتَ حُرِّ، فأقام العبد بينةٌ أَنَّه لم يدخُلِ الدَّارِ، انتهى. ثمَّ قال في التَّرْخانِيَّةِ»: والتَّلومُ أن لا يدفَعَ القاضي المال للحال، بل يتلوَّمَ زَماناً؛ لجواز أن يظهَرَ وارِتْ آخَرُ للميّتِ مُزاحِمٌ للمشهود له، أو مُقدَّم عليه، انتهى.
ولم يُقدِّر الزمانَ بِمُدَّةً، وقدَّرَه في الحاوي» القُدسِي؛ حيثُ قالَ: شَهِدا بأنَّه ابنه، ولم يشهدا أنْ لا يعلَمانِ له وارِثاً غيرَه، حَكَمَ القاضي بشَهادَتِهما، وتأنى في دفع الميراث إليه حَوْلاً، فإن ثبَتَ وارِثُ سِواه، وإلا؛ سُلَّمَ الميراثُ إليه، وأخَذَ منه كفيلاً، انتهى.
الجزء 1 · صفحة 20
وهذا ضعيف؛ لِما قاله العِمَادِيُّ: فإنْ كانَ المُستحق للميراثِ مَن لا يُحجَبُ بأحد إذا شَهِدُوا أَنَّه وارِثه، ولم يقُولُوا: لا وارِثَ له غيره، أو لا نعلم له وارِثاً غيره، يتلوَّمُ القاضي زَماناً رَجاءَ أن يحضُرَ وارِتٌ آخَرُ، فإن لم يحضر يقضي له بجميع الميراث، ولا يستويقُ منه بكفيل عند أبي حنيفة في المسألتين؛ يعني: فيما إذا قالُوا: لا وارث له غيره، وفيما إذا قالُوا: لا نَعلَمُ له وارِثاً غيرَه، وهو الأصح من مَذهَبِه، وعندهما يأخُذُ كفيلاً في المسألتين.
ومُدَّةُ التَّلومِ مُفوَّضٌ إلى رَأْيِ القاضي، وقيل: حَول، وقيلَ: شَهر، وهذا عند أبي يوسُفَ، انتهى عبارة «الفُصولِ».
ثمَّ قال في «الفُصولِ» نقلاً عن «المُحيط»: وإذا شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ فُلاناً مات وترك هذه الدار ميراثاً لابنه، وهو هذا لا نعلم له وارِثاً آخَرَ، إِلَّا أَنَّهما لم يُدرِكا فُلاناً الميت، لا تُقبَلُ شَهادَتُهما؛ لأنَّهما يشهدان بالملك للميت بالشهرة والتسامع، فلا يجوز، انتهى.
وكتب على هامش الفُصولِ قاضي القُضاةِ نُورِ الدِّينِ الطَّرابلسي رحمه الله عن أستاذه العلامة عبد البر بنِ الشَّحْنَةِ ما نصه:
أقولُ: قال الصَّدرُ الشَّهِيدُ في شَرحِ أدب القاضي: وإِنْ عَايَنَ المُلكَ دُونَ المالك، بأنْ عايَنَ ملكاً بحدودِه يُنسَبُ إلى فُلانِ بنِ فُلان الفلاني، وهو لم يُعاينه بوجه ولا يعرفه بنسبه القياسُ فيه أن لا يجل، والاستحسان يحِلُّ؛ لأنَّ النَّسَبَ مِمَّا يثبت بالتَّسامُعِ والشُّهرة، فيصيرُ المالك معروفاً بالتسامح، والملكُ مَعروفٌ، فترتفع الجهالة، لكن إنَّما تُقبَلُ الشَّهادة على المُلكِ في الموضع الذي تُقبَلُ إذا لم يُفسِّر الشاهد، أمَّا إذا فَسَّرَ فلا.
الجزء 1 · صفحة 21
قال: وإذا شَهِدَ مَن أدرك الملك ولم يُعاين المالك، والمالك امرأة لا يراها الرجال، ولا تخرج، فإنْ كانَ ذلك مشهوراً عند العوام والنَّاس، فالشَّهادة على ذلك جائزة، يريد به إذا عاين الملك ووَقَعَ في قلبه أنَّ الأمر كما اشتهر، وهذا صُورةُ مَن عاين الملك ولم يُعاين المالك الذي أشرنا إليه، هذا حاصله ومُلَخَّصُه، انتهى. التاسعة: فيما إذا شَهِدَ أَنَّها؛ أي: الظُّرَ أرضَعَتْه بِلَبَنِ شَاةٍ لا بلَبَنِ نفسها، كما في جامع الفصولين.
قلتُ: المسألة مبسوطةٌ في «فُصولِ العِمادي»، قالَ: ذَكَرَ في أواخِرِ الفَصلِ العاشر من إجارةِ «المُحيط»: إذا شَرَطَ على الطِّيْرِ الإرضاع بلَبَيْها فَأَرضَعَتْه بِلَبَنِ شاة، فلا أجر لها، فإذا جَحَدَتْ ذلك وقالت: ما أرضَعْتُهُ بلَبَنِ البَهَائِمِ، وإنَّما أَرضَعْتُه بلبني، فالقَولُ قَولُها مَعَ يمينها استحساناً.
وإنْ قامَتْ لأهل الصَّبيِّ بينةٌ على ما ادعوا فلا أجر لها.
قالَ شَمسُ الأئِمَّةِ الحُلوانيُّ: تأويل المسألةِ أَنَّهُم شَهِدُوا أَنَّهَا أَرضَعَتْهُ بِلَبَنِ الشَّاةِ، وما أَرضَعَتْه بلبن نفسها.
فأما إذا اكتفوا بقولهم: ما أَرضَعَتْه بلبن نفسها، لا تُقبَلُ شَهادَتُهم؛ لأنَّها قامَتْ على النَّفْي مقصوداً، بخلافِ الفَصْلِ الأَوَّلِ؛ لأَنَّ هُناكَ النَّفِي دَخَلَ فِي ضِمْنِ الإثباتِ، وإن أقاما البيِّنَةَ، أُخِذَتْ بَيِّنَةُ المَرأَة، واللهُ أَعْلَمُ. انتهى.
العاشرة: بينةُ النَّفي المتواتر، وقد علمت ما ذكرناه فيها.
قُلتُ: ويُزاد مسألةٌ حادية عشرةَ ذكرَها في «الدُّرَرِ، وتوجيهها في «البَحرِ» كما نقلته عنه في حاشِيَتي على «الدُّرَرِ والغُرَر»، وهي: قَبولُ بَيِّنَةِ الزَّوجِ على سُکوتِ البكر البالغة؛ لأنَّه نَفي يُحيط به علمُ الشَّاهِدِ. انتهى.
الجزء 1 · صفحة 22
ثم ذكر صاحِبُ «الأشباءِ» عقِبَ العاشرة ما نصه: وفي أيمان «الهداية): لا فَرْقَ بينَ أن يُحيط به - أي: بالنَّفي - عِلمُ الشَّاهِدِ أو لا في عدم القبولِ تيسيراً.
قلت: ولا يخفى أنَّه مُخالِفٌ لِما ذُكِرَ منَ القَبولِ فِي الصُّوَرِ العَشْرِ. ونَصَّ على المُخالفة صاحِبُ الدُّرَرِ» عندَ قَولِه: قالَ لَعَبدِهِ: إِنْ لم أَحُجَّ العام فأنتَ حُرٌّ، فَشَهِدا بنحرِه بكوفة، لم يعتق العبد عندَهُما.
وقال محمد: يعتق؛ لأنَّها شهادةً على أمرٍ معلوم، وهو التضحية، ومن ضَرورته انتفاء الحج، فيَتَحَقَّقُ الشَّرط، ولهما أنَّها قامَتْ على النَّفي؛ لأنَّ المَقصود منها نَفي الحج لا إثباتُ التّضحية؛ إذ لا مُطالِب لها، فصار كما لو شَهِدا أنه لم يحُجَّ العام. غايته أنَّ هذا النفي ممَّا يُحيط به عِلمُ الشَّاهِدِ، ولكنَّه لا تمييز بينَ نَفْيِ ونَفْيِ تيسيراً، كذا في الهداية و «الكافي» وغيرهما من كُتُبِ الفُرُوعِ، لكنَّه مُخالِفٌ لِما تقرر في كتب الأصول، أنَّ النَّفي إذا كان محصوراً أحَاطَ بِهِ عِلمُ الشَّاهِدِ كَانَ مِن قَبيل الإثباتِ، انتَهَى عِبارَةُ الدُّرَرِ.
قُلتُ: يُمكِنُ دَفْعُ المُخالَفَةِ بِحَمْلِ قَولِ الأُصوليين على ما يدخُلُ تحت القضاء، ومُقابله على ما لا يدخُلُ تحته، والقبول ليس باعتبار قيام الشهادةِ على النفي؛ لأنه لا فرق بين محصور وغير محصور وغيره، كما ذكره في الهداية، بل باعتبار قيامِ الشَّهادة على أمرٍ وُجودِي يدخُلُ تحتَ القَضاءِ؛ كالسكوت في نحوِ شَهادَتِهما أنَّه قال: المَسيحُ ابن الله، ولم يقُلْ: قَولُ النَّصَارَى، والرَّجلُ يَقُولُ: وصَلْتُ به ذلك، قُبِلَتِ الشَّهادة، وبانت امرأته باعتبار قيام الشهادة على السكوت الذي هو أمرٌ وُجودِي، وصارَ كشهودِ الإرث إذا قالوا: إنَّه وارِثه لا نعلم له وارثاً غيره؛ لأنها شهادة على الإرث، والنَّفي في ضمنه، والإرث فيما يدخُلُ تحت القضاء.
الجزء 1 · صفحة 23
فأَمَّا النَّحرُ وإنْ كانَ وُجودِيَّا، وينفي الحجّ في ضمنه، لكنَّه لا يدخُلُ تحتَ القضاءِ؛ لعَدَمِ تعلقِ العِيقِ به، فكانَتِ الشَّهادَةُ كَعَدَمِها في حقه، فبقيَ النَّفِي مَقصوداً بالشَّهادة، وهي على النَّفي مقصوداً باطلةٌ، انتهى. يُعلَمُ هذا مِنَ الفَتحِ والنَّبيين.
قُلتُ: ويُستفاد من هذا أنَّ العبد لوِ ادَّعَى أَنَّ سَيِّدَه علَّقَ عِنقَه بِعَدَمِ حجه، وأَنَّه قد عتق لعدم الحج، فشهدا بذلك، تُقبل هذه الشَّهادة؛ لأنَّ ما فيها صورةُ النَّفي، وفي الحقيقة قامت لإثباتِ العِنقِ، كما تُقبَلُ لإثباتِ الطَّلاقِ بِعَدَمِ مجيء فُلانٍ هذه الليلةَ، وكما تقدَّمَ من قبولها على عدم الدخول فيما إذا علَّقَ عِنقَه به، انتهى.
لكِنْ قالَ يعقوب باشا رَحِمَهُ اللهُ: ولا يخفَى أَنَّ مَن قَالَ: لا تمييز بينَ نَفْيِ وَنَفْيِ تيسيراً، لا يقولُ باستماع الشَّهادةِ على النَّفْي في الشروط كما لا يقولُ باستماع الشَّهادةِ فيما يُحيط به عِلْمُ الشَّاهِدِ، انتَهَى فَلْيُتأمل.
وأما دخول يوم القَتلِ تحتَ القَضاءِ بخِلافِ يوم المَوتِ، فقال في الظهيريَّةِ»: لو ادَّعَى شيئاً لأبيه، وأقامَ البيِّنةَ أنَّه كان لأبيه، ماتَ يوم كذا، من شهر كذا، من سَنَةِ كذا، ثمَّ إِنَّ امرأةٌ أَقامَتِ البيِّنَةَ بعدما أثبت الابنُ مَوتَه بيوم على النِّكَاحِ؛ فإِنَّ القاضي يقضي لكل واحد منهما، بالنكاح للمرأة، وللابن بالميراث. وكذلك لو أقامَتِ امرأةٌ أُخرى بينةٌ أنَّه كَانَ نَكَحَها بعد نكاح الأولى بيوم، يقضي بنكاحها أيضاً مع نكاح الأولى، ويقضي لهما بالميراثِ مع الابن، ولا يُشبِهُ هذا ما لو ادَّعَى الابنُ أنَّ فُلاناً قتل أباه في يوم كذا، وادَّعَتْ أَنَّه تَزَوَّجَها بعده بيومٍ، فإنَّه لا يقضي بالنكاح.
الجزء 1 · صفحة 24
والفرق بينهما أنْ يُقالَ: إِنَّ يومَ القَتلِ يدخُلُ تحتَ القَضاءِ، ويوم المَوتِ لا يدخُلُ تحت القضاء؛ لأنَّ المقتول يستَحِقُ حَقًّا على القاتِلِ، إِمَّا الدِّيةَ، وإِمَّا القصاص، فإذا قضينا بقتله وجَبَتِ الدِّيةُ أو القِصاصُ في ذلك الوقت، وفي ذلك الوقتِ لا تُقبل بينه النكاح بعده بخِلافِ المَوتِ، فإنَّ الميِّتَ بالموتِ لا يستَوجِبُ شيئاً على أحد.
غير أنّ مسألة أخرى ترد إشكالاً على هذا، وهي أَنَّ الرَّجُلَ إذا ادَّعَى على رجُل أنه قتل أباه بالسَّيفِ منذ عشرين سنة، وأنَّه وارِثه لا وارِثَ له سواه، وأقامَ البينة على ذلك، فجاءَتِ امرأةٌ معَها وَلَدٌ، وأقامَتِ البَيِّنَةَ أنَّه والد هذا، تزوجها منذ خمس عشرة سنة، وأنَّ هذا ولده منها، ووارثه مع ابنه هذا، قال أبو حنيفة رحمه الله: أستحين في هذا أن أُجيز بينةَ المرأةِ وأُثبِتَ نَسَبَ الولد، ولا أُبْطِل بينة الابن على القتل، فكان هذا الاستحسان للاحتياط في أمرِ النَّسَبِ، بدليل أنها لو أقامَتِ البينة على النكاح ولم تأتِ بالوَلَدِ، فالبينة بينه الابن، وله الميراث دُونَ المرأة، وهذا قول أبي يوسف ومحمد.
ويُناسبه ما في «الظَّهِيرِيَّةِ» أيضاً: ادَّعَى ضَيعةً في يد رجُل أَنَّهَا كَانَتْ لفُلانٍ، مات وتركها ميراثاً لفُلانة، لا وارِثَ له غَيرُها، ثمَّ إنَّ فُلانة ماتَتْ وتَرَكَتْها ميراثاً لي لا وارِثَ لها غيري، وقَضَى القاضي له بالضيعة، وقال المقضي عليه بالضيعة بطَريقِ الدفع لدعوَى المُدَّعي: إِنَّ فُلانة التي تدَّعي أنتَ الإِرْثَ عنها لنفسِكَ مَاتَتْ قبلَ فُلانٍ الذي تدعي الإرثَ عنه لفُلانة، فقد اختَلَفُوا، بعضُهم قالوا: إنَّه صحيح، وبعضُهم قالُوا: إِنَّه غير صحيح، بناءً على ما قدَّمنا أنَّ يومَ المَوتِ لا يدخُلُ تحتَ القَضاءِ.
الجزء 1 · صفحة 25
وأما بيانُ العَمَلِ بالبينتين عند الإمكان فهو كما قال في «التترخانية»: أقامَتِ المرأة البيِّنَةَ أَنَّ زَوجَها طلَّقَها يومَ النَّحْرِ بالكوفة، وشَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّه طَلَّقَ فُلانةً غيرَها في هذا اليوم بمكة، فشهادتهما باطلة.
ولو حَكَمَ الحاكِمُ بإحدى البيتين، ثمَّ جَاءَتِ الأُخرَى لا تُقبَلُ البَيِّنَةُ الثَّانية، ولو شهدا بذلك في يومين مُفتَرِقَينِ وبينهما منَ الأَيَّامِ مِقدارُ ما يسيرُ الرَّاكِبُ مِنَ الكوفة إلى مكَّةَ جازَتْ شهادتهما، انتَهَى.
انتهى تأليفه في أوائلِ جُمادَى الثَّاني سنة خمسين وألفٍ، وصلَّى اللهُ على سيدنا ومولانا محمد، وعلى جميع الأنبياء والمُرسَلينَ، والآلِ والصَّحابة والتابعين، وسلَّمَ تسليماً كثيراً دائماً إلى يومِ الدِّينِ. آمين آمين.