واضح المَحَجَّةِ للعدول عن خَلَلِ الحُجَّةِ
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
واضح المَحَجَّةِ للعدول عن خَلَلِ الحُجَّةِ
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله الذي حفِظَ ذَوي العِناية في البداية والنهاية، وصانَهم عن سُلوكِ طرُقِ الضَّلالة والغواية، بالهدايةِ الأحَدِيَّةِ والوِقاية، والصَّلاةُ والسَّلامُ الأَكمَلانِ لا إلى غاية، على سيدنا محمَّدٍ ذَخيرة الأنام وكنز الهداية، المُنزَل عليه تشريفاً وتكريماً وَعَلَمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ {وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113].
وعلى آله وأصحابه ذَوي الشَّرفِ والسَّيادةِ، الذينَ أَحْسَنُوا فَلَهُم الحُسْنَى وزيادة، ببذلِ نُفُوسِهمُ الزَّكَيَّةِ والأموال إقامة للدِّينِ، وقَمَعَ ذَوي النِّفاقِ والضَّلالِ، فوقَفَ على حدودِ الشَّريعةِ ديانةً، أو خشيةَ الصَّارِمِ والرِّماحِ العوالِ، مَن يهدِ اللهُ فهو المهتد، ومَن يُضلِل فما له من وال.
وبعد:
فقد استفتي عن متضمنة لبيع وقف استند بائعه على فتوى معلولة مردودة بالبيان، وأوضحت وجوه خللها وبطلانها بأوضَحِ بُرهان، وسطّرتُ بعض الجواب بهذه الوَرَقاتِ، ليُرَدَّ به كلُّ حُجَّةٍ تضمنت شيئاً من تلك الوجوه، لتُحفَظَ الشَّريعة وتصان، وسمّيتُه: واضح المَحَجَّةِ للعدول عن خَلَلِ الحُجَّةِ، وهذا الذي رَقَمْتُه بقولي حامداً للملِكِ الوَهَّابِ: الحمد لله. مانح الصواب بَيعُ الوَقْفِ باطل، وشراؤُه كذلك باطل قبل الحكم ببطلانه، والحكم ببطلانه حكم صحيح يمنعُ دَعوَى مُدَّعي الشّراءِ، وتُرَدُّ حُجَّتُه لصدور الحكم عليه ببطلانه، ولا يجوز لأحدٍ منَ الحكّامِ ولا لأحدٍ منَ المُسلمين إبطال الوقف المذكور بهذه الحجَّةِ الباطلة المشتملة على وجوه كثيرة من الخلل، كلُّ واحدٍ من تلك الوجوه لو انفَرَدَ كان كافياً لإبطالها.
الأول منها: قَولُ المُوقِّقِ الثَّابت توكيله؛ لأنَّه لم يُبيِّنُ أَنَّ التَّبوتَ بمُشافهة أو بينة، فإن كان بمشافهة يجب أن يُقال: وعلم القاضي الموكل والوكيل باسمهما ونسيهما، كما في العمادية» و «جامع الفصولين»، وإِنْ كانَ بيِّنَةٍ، فهو لم يُبَيِّنْ مَن شهد، ولا ذكر حاله، ولا بُدَّ منه، والحال يختلفُ بالإقرار فإنَّه قاصر، والبينة متعدية.
الثاني منها قوله: الثبوت الشرعي، ولا بد فيه مِنَ البيانِ، وَإِلَّا؛ لا يُفْتَى بصحة السجل كما في «الخلاصة» وغيرها.
الثالث منها: قوله: فأجابَ بالاعتراف بوضع يده على كامل المكان ... إلى آخره، ولا يكفي ذلك كما في «شرح الهداية» و «الكنز».
الرابع منها: ثباتُ الشّراءِ في القَدْرِ الزَّائدة على المُدَّعَى به منَ الثلتَينِ، وذلك غير مذكور في الدعوى، وهو مُستلزِمٌ دَعَوَى الشِّراءِ لذلك الزَّائِدِ لا بوجهِ خَصم فيه، فتبطل به الدعوى والحكم.
الخامس منها قوله: وإنَّ الشَّيخَ نَوْفَلاً اشترى ذلك من محمد الوكيل، وفيه دَعوَى الشَّراءِ، لما زاد على ذلك المُدَّعَى به، فلم يُطابق الجواب للدعوى.
السادس منها: قوله: وإنَّ محمَّداً الوكيل اشترى الحِصَّةُ المُدَّعَى بها من زوجته .... إلى آخره، وفيه بيان لبطلانِ الشَّراءِ في الزَّائِدِ على الثلتَينِ؛ لأنَّ محمداً الوكيل استند إليه البيعُ في الجميع للشَّيخِ نَوْفَلِ الذي يدعي التلقي منه بالبيع في كلّه، والمُوكَّلة لا ملك لها في ذلك إذ ذاك، وهذا ظاهِرُ البطلان.
السابع منها: قوله: «وتمسَّكَ؛ أي: المُدَّعَى عليه، وهو سُلَيمانُ بصُدورِ البيع في الجميع منَ المُوكَّلة لزوجها المُدَّعي المذكور، وهو تمسك بباطل؛ لأنه أقر سابقاً بأنَّ الزوج اشترى الثلثين من زوجته، وانتفى شراء الباقي به، فكيف يتمسك به لشراء الكل منها، ويجعله وجهاً متمسكاً به؟ فما بُني عليه من الحكم باطل، وهذا ظاهر لا خفاء فيه.
الثَّامِنُ منها: عدم ثبوتِه لو سُلَّمَ ذلك بوجه شرعي.
التاسع منها قوله: وبانتقاله من بائع إلى بائع؛ لأنه ليس له وجه لتصحيح ذلك: البيع؛ لأن المبني على الباطل باطل، ولو كانَ مُنعقداً في ذلك الشّراءِ الأَوَّلِ لم يُوجَدُ له نَفاذ بعد؛ فإنَّ الموقوفَ إذا لحقته إجازة، أبطَلَتِ العقد الذي يليه، كما هو في شرح الهداية و «الكنز»، وهو منفي هنا بالمرَّةِ لعَدَمِ انعِقادِ بيعِ الوَقْفِ كما في فتح القدير.
العاشر منها: قوله: وذكر أن سجل الصُّورة المذكورة لم يكن له أصل ... إلى آخره، وأنه مصنوع؛ لأنَّه قول باطل لم يستند فيه إلى ما يُصححه، وذلك أنَّ الوقف ليس له فيه حقٌّ، ولا لواقفه بَيعُه، وليس له قدح في السِّجِلُ المَحفوظ لضبط الوقائع والأحكامِ الصَّادرة لدى الحُكّام بعدَ ثُبوتِها لديهم، وكانَ اللَّازِمُ رد مقالته عليه بمناداة السجل بما هو ثابت فيه؛ فإِنَّ الشَّاهد به لو رجَعَ عن شهادته لا يبطل برجوعه، فلا عبرة بقولِ مَن هو دونَ الشَّاهِدِ، ولا يُلتَفَتُ إلى قَدْحِه في السجل.
الحادي عشَرَ منها قوله: فصِدقُ المُدَّعي المرقوم على صُدورِ البيع من زوجته له في ذلك، وهذا أمر عجيب مُظهر لإرادته التحيل لتصحيح بيعه، فإِنَّه يدَّعي الوَقْفَ ويُريدُ انتزاع المُدَّعَى به، فكيفَ يُقِرُّ بمُنافيه ويدافِعُه؟ مع أنه لا فائدة فيه، بل فيه إضراره بالتناقض؛ لأنَّه تقدَّمَ الاعتراف بأنه اشترى الحصة المذكورة من زوجته، وهنا يريد إثبات شراء الجميع منها، ولم يكن له وجه يعتمد عليه، فهو مُبطِلٌ للشّراءِ والبيع، فيبطل الحكم المبني عليه.
الثاني عشر منها قوله: وصُدَّقَ على صُدورِ البيع منه للشيخ نوفل ... إلى آخره؛ إذ لا يسري قَولُه في دَعوَى بيع الجميع بعد اعترافه بما يُناقِضُه من شراء البعض وعدم ما يثبتُ له ذلك، مع أنَّ شِراءَ البعض لم يثبُتْ بوَجهِ، فما ترتب عليه باطِلٌ.
الثالث عشر منها قوله: وذكر - أي: المُدَّعي ـ أنَّه لم يكُنْ بيده ولا بيدِ مُوكَّلته أصل السجل المذكور؛ لأنَّه ليس قصده من هذا الإثباتِ شراء الكلِّ وتصحيح بيعه للجميع بالتطابقِ فيما بينه وبينَ المُدَّعَى عليه، كما هو ظاهر لذوي العلم أعلام الهدى بواضح البُرهان؛ لأنَّ قولَه ليس مقبولاً لإثباتِ ما يُسنده إلى نفسه بتلقيه من غيره، وهذا مما لا خَفاءَ فيه، ولم يسرٍ قَولُه على المُوكَّلة؛ إذ لا ملك لها في الزَّائِدِ على الثلثين ليصح بيعها فيه، ولا قدرة لها على بيع التلقين بعد وقفهما؛ إذ لا وَجْهَ لتصحيحه، فبطل هذا وما ترتب عليه.
الرابع عشر منها: قوله وتمسَّكَ بالصُّورة المذكورة ... إلى آخره، لأنه لا يخفى على ذوي بصيرةٍ أنَّ هذا تناقض وتحيل أريد به إِثباتُ بيعه لجميع المكان، وقد تبيَّنَ أنه لم يُوجَد له وجه، ولا لشرائه، فما أُريد بهذا إلَّا إبطال الوَقْفِ، وصِحَّةُ بيعه، ولا مسوغ له فهو مردود. الخامس عشر منها قوله: فعند ذلك حَكَمَ مَولانا الحاكمُ الشَّرعى المُومَا إليه أعلاه بصحة البيعِ الصَّادِرِ منَ الشَّيخ عبد القادر اللديرة للحاج سليمان المدعى عليه المذكور؛ لأنَّه حُكم باطل؛ لعدم استنادِه لوجه شرعي؛ إذ لم يصدر بوجه عبد القادر الذي يدعي الشّراء منه، ولا بوَجهِ مَن يقوم مقامه، ولو تيقظ هذا الحاكم للمُناقضة التي بيناها في كلام الخصم لما حكم بهذا، فلم يُصَادِفٌ حُكمُه مَحلًا.
السَّادِسَ عشر منها قوله: مُعتمداً في ذلك على ما نقله العلامة ... إلى آخره، فإِنَّ هذا عُدول عن سَواءِ الطَّريقِ، والتجاء إلى ما لا يعنيه؛ لأنَّه التجاء إلى ما جنَحَ إليه وزَعَمَه مُبطِلاً للوَقْفِ قبل نظَرِه في صِحَّةِ الدَّعَوَى وطلَبِ البُرهانِ المُطابق لها، وطلب المُطابقة فيما بينَ لفظِ الشَّاهِدَينِ لو كانَ والدَّعَوَى، وذلك لازم كما هو مُصرَّح به في جميع كتب المذهب، وبانتفاء ذلك انتقى الحكم.
السابع عشر منها قوله: باغ داراً وليسَ ممَّا هو فيه النزاع؛ لأنَّه لم يطلب يمين المُدَّعَى عليه، على أن ذلك مبني على القول المرجوح، كما هو مُقرَّر من لزومِ الوَقْفِ على المفتى به بمُجرَّدِ القَولِ، وخُروجه عن ملك الواقف. الثَّامن عشر منها قوله: قبل ولا بينة؛ لأنَّ هذا أمر عجيب من ذلك الحاكم؛ لكونه يكتب ما يرد عليه لو فهم، فإنَّ هذا مُقيّد بمفهومه قبول البيِّنة، وبمنطوقه الضعيف عدمه، وصرَّحَ في غير ما كتاب بالقبولِ من غير صيغة تمريض، ومن المقرر أنَّ الفَضاءَ لا يصح بغيرِ الصَّحيح.
التاسع عشر منها: قوله: ومن شُروطِ صِحَّةِ الدَّعَوَى أَنْ لا يتقَدَّمَ مَا يُناقِضُها، وقد عَلِمْتَ التَّناقُضَ في هذه الدعوى، فهي مَردودةٌ كالحكم بها.
العشرون منها: قوله: وعلى ما نقله ابنُ الظُّلْبِيِّ مُفتي الحنفية في فتاواه» لأنَّ هذا المفتي قد ناقض نفسه في تلك الفتاوى، فأفتى بخلاف هذا، وهو الحقُّ، فقال: إنَّ بيع الوقف باطل، وتُرفَعُ يدُ المُشتَري، ولو تكرر البيع، ويلزمُه أُجرةُ المِثلِ، وهذا مُنادٍ عليه بِأَنَّكَ عَافِلٌ. الحادي والعشرون منها: قوله: مُلَخَّصها أَنَّ بيع الواقِفِ الوقف غيرُ باطل على الصحيح؛ لأنَّ هذا كلام مردودٌ على قائله، لا أصل له في المذهب، لا بقول ضعيف، ولا غيره، وقد اتَّفَقَ جميعُ أئمة مذهب الإمام الأعظم على بطلان بيع الوَقْفِ العام من غيرِ اشتراط استبداله، فانتَفَى مَا زَعَمَه.
وقد رُدَّ عليه هذا الذي توَهَّمَه في وجهه، واستمر أهل التحقيق في كل عصر على بيانِ غَلَطه، فلا يُلتَفَتُ لمَن قلَّدَه في ذلك الغلط، وقد تضَمَّنَ ذلك جملةً من الرسائل، وهي بيد أهلها، فمن شاءَ النَّظَر إليها أو الرجوع إلى أُصولها فله أجر عظيم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم المرشد إلى ذلك، كما هو مقرر.
الثاني والعشرون منها: قوله: وإِنَّ المُشتري يملكه بالقبض ... إلى آخره، فإنَّ هذا قول باطل لا أصل له، بين ذلك بالدَّلائل والنُّقولِ الصَّريحة في جملة رسائل، منها رسالة لشيخ الإسلام عليَّ المَقدِسي، ورسالةٌ تُسمى: «حُسنَ الأوصاف»، وغيرهما.
الثالث والعشرون منها: قوله: وأبطَلَ مَولانا الحاكِمُ الصُّورة وسجلها لما ذُكِرَ أعلاه، وقد عَلِمْتَ أنَّ ذلك لا يصِحُحُ حُكمه، بل يُبْطِلُه، وعليه يردُّه.
الرابع والعشرون منها قوله: ولمَّا كتب فيها أَنَّ الواقفَ أَقامَ مُتولّياً؛ لأنَّ هذا لا احتياج إليه على المفتى به من لزومِ الوَقْفِ بِمُجرَّدِ القَولِ، فلا يُشترط الحكم للزومه، ويكفي في لزومه أن يقول الحاكم بعد إرادةِ الرجوع: حكَمْتُ بلزومِ الوَقْفِ لو احتيج إليه.
وقد حَصَلَ الحكمُ بلزوم هذا الوَقْفِ، فبهذا تبَيَّنَ بُطَلَانُ حُجَّةِ مُدَّعِي الشِّراءِ، وظهر صحة الحكم ببطلان شرائه، واتَّضَحَ الحكمُ بصِحَّةِ الوَقْفِ وبقائه وإجرائه على ما كان عليه، وانبرام الحكم بتنفيذه، فلم يبقَ وَجهُ لصحة شرائه، ولا طريق لإبطال هذا الوَقْفِ، ولا لإلغائه، ووَجَبَ على كل حاكم إمضاء الحكم بصحته، وتنفيذه ومَنعُ مُدَّعي الشّراءِ، وإلغاء حُجَّتِه، وكذلك الحكم عليه بأجرة المثلِ مُدَّةَ وَضْع يده؛ لأنَّها لازمةٌ عليه بإجماع أئِمَّتِنا على المفتى به.
والله سبحانه وتعالى أعلَمُ بالصَّوابِ، وإليه المرجع والمآب.
وقد وُجِدَ تاريخُ نُسخةِ المُؤلّف بخطه بيده في شهر محرم سنة اثنتين وخمسين وألف.
حرره وقالَه عَجِلاً خَجِلاً الحقيرُ حَسَنُ الشَّرنبلالي الحنفي عُفي عنه من شهرِ مُحرَّم سنةَ اثنتين وخمسين وألف، والله أعلَمُ.