مُفِيدَة الحُسنَى لدفع ظَنِّ الخلُوِّ بالسُّكْنَى
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
مُفِيدَة الحُسنَى لدفع ظَنِّ الخلُوِّ بالسُّكْنَى
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
مُفِيدَة الحُسنَى لدفع ظَنِّ الخلُوِّ بالسُّكْنَى
بسم الله الرحمن الرحيم
لله فاتح أبواب السَّعادة، فالق إصباحِ الرَّشادِ والسيادة، مُلهِم أسرارِ العلوم والإفادة، والصَّلاة والسَّلامُ على مَن شَرَّفَ عباده، وعلى آله وأصحابه الذين هم للنَّاسِ قادَة، فمَن اقتَدَى بهم أسَّسَ بُنيانه على تقوى وشاده.
وبعد:
فيقول الفقير إلى مَولاهُ حَسَنُ الشُّرنبلاليُّ لطَفَ الله به في آخِرَتِه وأُولاه: هذه نُبذة يسيرة لدَفْعِ شُبهةٍ وقَعَتْ لبَعضِ المُتحنِّفَينَ الأخيرة، وتَنزِيةٌ للمَذهَبِ عَمَّا يُنسَبُ إليه منَ القَوْلِ بصِحَّةِ الخلُوِّ بما لا يُعَوَّلُ عليه، وسمّيتُها:
«مُفِيدَة الحُسنَى لدفع ظَنِّ الخلُوِّ بالسُّكْنَى»
فإِنَّه ظَنَّ بِمُجرَّدِ نظَرِه عبارةٌ في كتبنا هي لفظ «السُّكَنَى»، ولا يعلَمُ مَدلُولَها بيقين أنَّ أَئِمَّةَ السَّادَةِ الحنفية قالُوا بجواز الخلو الذي هو مُختَرَعٌ مُحدَثٌ مُجرَّد منفعةٍ يُباع ويُشترى، كما جوَّزَه بعضُ المالكيَّةِ المُتأخرينَ، حتَّى ظَنَّ صِحتَه أيضاً صاحِبُ الأشباه والنظائر على اعتبار العُرْفِ الخاص، ونُبَيِّنُ رَدَّه بما يُرضِي ذَوي البصائر.
ومن المُقرَّرِ أَنَّ الفَساد قد استَحْكَمَ، فلا رَفْعَ له، غيرَ أَنَّنا أَرَدْنا إظهار حُكمِ المَذهَبِ لمَن تصدَّرَ له، وقد حصل بذلك الخلل العظيم حتى أفتى بعض مالكية زَمانِنا بصحة وقفه، فصارَتْ أوقافُ المُسلمين، والأمراء والسلاطين، الجارية على المساجد والمساكين مصروفةٌ عنها للقسيسين والرُّهبانِ وديور الكافرين، عليهم لعنة الله والملائكةِ والنَّاسِ أجمعين.
فإنَّ غالب الحوانيتِ الوَقْفِ التي بأيدي النَّصَارَى المَخذُولين قد تملكُوا خُلُوها، وجعلوه وقفاً على كنائسهم بطريقةٍ لا يخفَى فَسادُها بالرّشا، وحاشا أن يصح إسنادُ هذا لإمام منَ المُجتهدين، أو مُحقِّقِ مِنَ العُلماء العاملين. فإنَّهم يجعَلُونَ الخلُو وَقْفاً على المارين والواردينَ مِنَ الفُقَرَاءِ والمساكين بدير كذا أو كنيسة كذا، وليس القصد في الحقيقة إلا إيصاله إلى الرهبانِ والقِسيسين الكافرين، وبناء الكنائس وديور الملعونين.
وهذه عبارة ذلك المُتَوَهُمِ الذي لم يبلغ رُتبَةَ المُتعَلِّمِ المُتفَهُمِ، فَضْلاً عن كَونِهِ أفاد حُكماً كانَ خَفِيًّا، وظَنَّ بفَهمه العليل أنَّه نصُّ مَن كانَ عُمدة حنفيا: فقال: الحمد لله رَبِّ العالَمينَ ما نُقِلَ في أحكام الخُلو، وهل هو مشروع أم لا؟ وهل أنَّ الخلو عبارةٌ عن بيع ما يُنتَفَعُ به من السكنى وغيره؟ وسمي الخلو خلواً؛ لأنَّ السَّكن مثلاً إنَّما يكون بعد التخلية، وهو مشروع، والقرينة على ذلك هو ما نصَّ عليه في جامع الفصولين في الفصل السَّادِسَ عشر في الغُرورِ والاستحقاقِ نَقْلاً عنِ الذَّخيرةِ» بقوله: شرَى سكنى في دكان وَقْف. ونصَّ عليه أيضاً في الفَتاوَى الكُبرى»، وفي «الخلاصة»، وفي فتاوى قاضيخان.
ثم قال بعد عبارةً تمجها الأسماعُ وتنفِرُ عنها الطباعُ نَقلاً عن «الجامع» فقال: وعبارة «الجامع الصَّغيرِ»: شرَى سُكنى في دُكَّان وَقْفٍ، فقالَ المُتولّي: ما أَذِنْتُ له في السكنى، فأمره بالدَّفع، فلو شراهُ بشَرطِ القَرارِ فله الرجوع على بائعه، وإِلَّا؛ فلا يرجعُ بِثَمَنِه ولا نُقصانه.
ثمَّ تكلَّمَ بِما يُشبِهُ كلامَ المُبرسم، ولولا خَشِيةُ اتَّبَاعِ أمثاله لما ظنَّهُ مِنَ الهَذَيانِ، وإسناد ما لم يقل به أحدٌ من أئمةِ المَذهب للإمام الأعظَمِ النُّعْمَانِ؛ لنَزَّهْنَا البَنانَ والبيان عن التكلم، وتسطير كلام مع فاقد التمييز كأطفال الصبيان. أمَّا قَولُه: «وهو مَشروع والقرينة على ذلك .... إلى آخره؛ فَكَلامُ الفُصُولَينِ» مكذِّبٌ له فيما ظنّه بلا مين، فإن عبارة جامعِ الفُصُولَينِ» نصها: شَرَى سُكَنَى في دُكَان وَقْفٍ، فقال المُتولّي: ما أذِنْتُ له - يعني البائع - بالسكنى - يعني: موضعها. فأمره ـ أي: المُشتَرِي - بالرَّفْعِ، فلو شَراهُ بِشَرطِ القَرارِ يرجعُ على بائعه، وإلَّا؛ فلا يرجع عليه بِثَمَنِه ولا بنقصانه، انتهى.
فأي قرينة في كلامِ «الفُصولَينِ» تُفيدُ ما توَهَّمَه؟ وهل يجوزُ الاقتصار على بعض كلامٍ لا يُعلَمُ منه مُرادُ المُتكلّم؟ ألا ترى إلى تمام العبارة الذي هو نص على حقيقة السكنى أنَّها شيءٌ مُركَّبٌ يُرفَعُ مُصَرِّح به قوله: «فَأَمَرَه بالرفع، فهل يُظَنُّ من هذا استفادةُ المَعنى المُعبّر عنه بالخُلُو؟ أيظَنُّ أنَّ الخلُو يُرفَعُ، ثمَّ يُرَدُّ على بائعه؟ ويُقالُ: فلو شراهُ بشَرطِ القَرارِ يرجعُ على بائعه بِثَمِنِه ويُرَدُّ عليه، وإلَّا؛ فلا يرجعُ عليه بثمنه ولا نُقصانِه الحاصل بالقلع من الدُّكَّانِ.
وأما قوله: ونصَّ عليه في الفَتاوَى الكُبَرَى» فقد مَوَّه به، ولم أرَهُ كذلك فيها، ولا في «الفَتاوَى الصُّغَرَى».
وأما قوله: (وفي الخُلاصة»: فقد كذَبَ عليها أيضاً، فإنَّ عبارتها ولو اشترى سکني حانوت في حانوتِ رجُلٍ مُركَّباً، وأخبره البائع أنَّ أُجرة الحانوت كذا، فإذا هي أكثر ليس له أن يرُدَّ، انتهى.
ألا ترى إلى قَولِ «الخُلاصة»: سكنى حانوت مُركَّباً، ما هذا الحال والإضلال؟ أيُركَّبُ الخلو الذي هو اسم معنى في دُكَّانِ يا نَعسان؟! وأما قوله: وفي فتاوى قاضيخان»؛ فعِبارته: رجُلٌ باعَ سكنى له في حانوت لغيره، فأخبَرَ المُشترِيَ أَنَّ أَجرَ الحانوت كذا، وظهَرَ أَنَّ أُجرَةَ الحانوت كان أكثر من ذلك، قالوا: ليس له أن يردَّ السُّكَنَى بهذا العيب؛ لأنَّ هذا ليس بعيب، انتهى.
فلم يفهم مَدلُولَها، وذلك بيّن بما قال في «التَّجنيس والمزيد»: رجل اشترى من رجل سكنى له في حانُوتِ رجُلٍ آخرَ مُركَّباً بمالٍ معلوم، وقد أخبره البائع بأنَّ أجرَةَ هذا الحانوت سنةٌ، ثمَّ ظهَرَ بعد ذلك أنَّ أجرَتَه عشرةٌ، ليس له أن يرُدَّ على البائع؛ لأنَّ العَيب في غيرِ المُشتَرَى، ولصاحب الحانوتِ أَن يُكلِّفَ المُشترِيَ رَفْعَ السكنى، وإنْ كانَ على المُشتَرِي ضَرَرٌ؛ لأنَّه شغل ملكَهُ، انتهى.
وفي البَزَّازِيَّةِ: ذكر الوتار في دعوى فراش خانه مركبة مع أصله، لا بُدَّ من ذكر ذرعان العرصة وجميع ما فيها من المركبات لتصير معلومة.
وإذا ادَّعَى سُکني گرم وبيَّنَ حُدودَه، وقال: جميع ما فيها من السكنياتِ مِلْكي، ولم يُبين السكنيات لا يصِحُ حتّى يصِفَها ويُعرِّفَها؛ لأنَّ المُدَّعَى السكنياتُ لا الكرم، فلا بُدَّ من بيانِ المُدَّعَى، انتهى.
وفي جامع الفصولين منَ الفَصلِ السَّابع: شهدا له بدَارٍ، ثمَّ ظَهَرَ أَنَّ سكناه لذي اليد، هل يُقضَى ببينةِ المُدَّعي؟ قيل: لا، إلَّا إذا استثنى السكنى في الدعوى والشَّهادة، وقيل: لا يُقضى للمُدَّعي لو أقر بالسكنى لذي اليد؛ لأنه أكذَبَ بينته، انتهى.
وقد بين في جامع الفصولين حقيقةَ السُّكنى قبل هذا بقوله: «جف»: ادَّعَى شکني دار ونحوه وبيَّنَ حُدودَه، لا يصح؛ إذ السكنى نقلي، فلا يحد. «فش»: وإن كان السكنى نقليا، لكِنْ لَمَّا اتَّصَلَ بالأرض اتِّصال تأبيد كانَ تعريفه بما به تعريف الأرض؛ إذ في سائرِ النَّقليَّاتِ إِنَّما لا يُعرَفُ بالحدودِ لإمكان إحضاره، فيُستغنى بالإشارة إليه عن الحد، أمَّا السُّكنى فنقله لا يُمكنُ لأنه مُرَكَّب في البناء تركيب قرارِ، فالتحق بما لا يُمكِنُ نَقله أصلاً، انتهى.
وكذا بين حقيقةَ السُّكنى في الفَصْلِ الحادي عشر من فصولِ العِمادي ونصه:
وفي شهادات الجامع في الفَتاوَى: إذا ادَّعَى سُكنَى دارٍ، أو حانُوتٍ وبَيَّنَ حُدودَه لا يصح؛ لأنَّ السُّكَنَى نقلي فلا يُحَدُّ.
وذكر رشيدُ الدِّينِ في فتاواه: وإِنْ كانَ السُّكَنَى نقلياً، لكِنْ لمَّا اتَّصَلَ بالأرض اتصال تأبيد كانَ تعريفه بما به تعريف الأرض؛ لأنَّ في سائر النقلياتِ إِنَّما لا يكون تعريفه بالحدودِ؛ لأنَّ الإحضار مُمكن، فوَقَعَ الاستغناء بالإشارة إليه عن ذكر الحدود، وأما السكنى فلا يُمكِنُ نَقلُه؛ لأنَّه مُركَّب في البناءِ تركيب قرارٍ، فالتَحَق بما لا يُمكِنُ نَقله أصلاً، انتهى.
فقد علمتَ حقيقة السكنى ومدلول لفظها من كُتُبِ المُذهَبِ، أَنَّهَا اسْمُ عَينٍ وذات لا اسم معنى، كما توهمه الظَّان، ولا شُبهة له بتلك العباراتِ. وفي المُغرِبِ: سَكَنَ التَّحَرُّكُ سُكوناً، ومنه المسكين؛ لسُكُونِه إلى النَّاسِ، قال الأصمعي: هي أحسَنُ حالاً من الفقير، وهو الصحيح. وقوله عليه السَّلام: أحيني مسكيناً، قالوا: أرادَ التَّواضُعَ والإخبات، وأن لا يكون من الجبارين. والسُّكَّانُ ذَنَبُ السَّفينة؛ لأنها تقوم به وتَسكُنُ، وَالسُّكْنَى مَصدرُ سَكَنَ الدار، وفيها: إذا أقام، أو اسم بمعنى الإسكان؛ كالرقبى بمعنى الإرقابِ، وهي في قولهم: داري لك سكنى في محلّ النَّصبِ على الحال، على معنى مسكنة أو مَسْكُوناً فيها، انتهى.
وفي الصحاح: سَكَنَ الشَّيءُ سُكوناً: استقر، وسكنه غَيْرُه تسكينا، وسَكَنْتُ داري وأسكنتها غيري، والاسم منه السُّكْنَى والمَسكِنُ - بكسر الكاف: المَنزِلُ والبيت، وأهل الحجاز يقولون بالفتح، والسَّكْنُ: أَهلُ الدَّارِ، بالشكونِ، وبالتحريكِ النَّارُ، وبالفتح كلَّ ما سَكَنْتَ إليه.
وفي الحديثِ: استَقِرُّوا على سَكَنَاتِكُم؛ فقد انقَطَعَتِ الهجرة؛ أي: على مَواضِعِكُمْ وَمَسَاكِنِكُمْ.
وفي القاموس: سَكَنَ سُكُوناً: فَرَّ، وسكنته تسكينا، وسَكَنَ داره، وأَسْكَنَها غَيرَه، والاسمُ السَّكَنُ مُحرَّكَةً، والسُّكْنَى كَبُشْرَى، والمَسْكَنُ - وتُكسَرُ كافه -: المنزل، والسَّكْنُ أهلُ الدَّارِ، وبالتحريك: النَّارُ، وما يُسكَنُ إليه، ورجُلٌ، وقد يُسَكَنُ، والرحمة والبركةُ، والمسكينُ وتُفتَحُ ميمُه مَن لا شيء له، أو له ما لا يكفيه، أو أَسْكَنَهُ الفَقرُ؛ أي: قلل حركته، والأليلُ والضَّعيفُ، وفي الحديث: «استفرُّوا على سَكَنَاتِكُم»؛ أي: مَساكِنِكُم، والأَسْكانُ: الأَقواتُ، الواحد سَكَن. وكجهينة الأتانُ، واسمُ البَقَةِ الدَّاخِلَةِ في أنفِ نُمرود، وصحابي، وبنتُ الحُسَينِ بنِ علي رضي الله عنهم.
وأما ما يتعلق بالعُرفِ الخاص، والعِلمِ بما في كلام صاحب الأشباءِ» من قولِه في أمرِ الخُلُو: إنَّه يُبنى على العُرفِ الخاص، وهي كما لو استقرَضَ ألفا، واستَأجَرَ المقرض لحِفْظِ مرآة أو ملعقة كلَّ شهر بعشرة، وقيمتها لا تزيد على الأجرة، ففيها أقوال، صِحَّةُ الإجارة بلا گراهةٍ اعتباراً لعُرْف خواص بُخارى؛ يعني وقد ذُكِرَتْ عِدَّةُ الشُّهورِ.
وفي «القنية»: لا يثبتُ التَّعارُفُ بتَعارُفِ الخَواص، وهو الصواب، بل بتَعارُفِ العامة.
والقَولُ الثَّاني: الصِّحَّةُ معَ الكَراهة للاختِلافِ.
والثَّالثُ: الفَسادُ؛ لأنَّ صِحَّةَ الإجارة بالتَّعارُفِ العام، ولم يُوجَدْ.
وقد أفتى الأكابر بفَسادِها، وأمَّا بَيعُ الوَفاءِ ففيه تسعة أقوال، والسَّادِسُ منها أنَّه صحيح لحاجةِ النَّاسِ، فِراراً منَ الرِّبا، فإنَّ أهلَ بَلْخ اعتادوا الدِّينَ والإجارةَ الطَّويلة، وهي لا تصح في الكَرْمِ، وأهلُ بُخارَى اعتَادُوا الإجارة الطويلة، ولا تُمكِنُ في الأشجار، فاضْطَرُّوا إِلى بَيعِها وَفاء.
ومسألة نحو الخيَّاطِ إذا لم يشرُط لعَمَلِه أجراً يُنظَرُ للعُرفِ، وجعلَ سُكوتُ المُستصنع كاشتراطه الأجرَ؛ كنُزولِ الخانِ، ودخولِ الحمَّامِ، والمُعَدَّ للاستغلال، وعَمَلِ الدَّلالِ.
ومسألة الجهاز إذا ادَّعَى الأبُ أنَّه عاريةٌ معَ ابنته ولا بينة له، إنْ كانَ العُرفُ مُستَمِرًا أَنَّه يدفَعُه مِلكاً لا عاريةً، لا يُقبَلُ قَولُه، وإِنْ كانَ مُشتركاً فالقَولُ للأب. وقال قاضيخان: وعندي إنْ كانَ الأبُ من كرامِ النَّاسِ وأشرافهم، لم يُقبَلْ قوله، وإنْ كانَ من أوساطِ النَّاسِ كَانَ القَولُ قَولَه، انتَهَى.
وفي «الكُبرى»: القَولُ للزَّوجِ بِشَهَادَةِ العُرفِ الظَّاهِرِ.
ثم قال في «الأشباءِ»: وعلى كل قول فالمَنظُورُ إليه العُرْفُ؛ يعني: في أمر الجهاز، فالقَولُ المُفتَى به نَظَرَ إلى عُرف بلدهما، وقاضيخان نَظَرَ إلى حالِ الآبِ في العُرفِ.
وما في «الكُبَرَى» نظَرَ إِلى مُطلَقِ العُرفِ من أنَّ الأبَ إِنَّما يُجهز ملكاً. ثم نقل عن أبي القاسمِ الصَّفَّارِ أنَّ الأشياء على ما جَرَتْ به العادةُ، وذكَرَ دُخول بردعة الحمار والإكاف في بَيعِ الحمار للعُرْفِ، وإدخال الحطب ونحوه داخل الباب للعرف، ولزوم أجرِ غُلامٍ عُلَّمَ الحِرفة.
وقد قال صاحِبُ «الأشباه»: المُعتبر في بناء الأحكام العرفُ العام، وهو المَذهَبُ كما في «البَزَّازِيَّةِ»: الحكمُ العامُّ لا يثبتُ بالعُرفِ الخاص، وقيل: يثبتُ. ثم قال صاحِبُ «الأشباه»: فالحاصِلُ أنَّ المذهَبَ عَدَمُ اعتبارِ العُرفِ الخاص، ولكن أفتى كثير من المشايخ باعتباره، فأقول: على اعتبارِه يَنبَغِي أَن يُفْتَى بِأَنَّ مَا يَقَعُ في بعض أسواق القاهرة من خُلُو الحوانيت لازم، ويصيرُ الخُلُوُّ في الحانوت حـ، حَقا له، فلا يُمْكِنُ صاحِبَ الحانوت إخراجه منها، ولا إجارتُها لغيره، ولو كانَتْ وَفْقاً، انتهى كلام صاحِبِ «الأشباه» رحمه الله.
وأقول: ماذا تُريدُ بالخلو الذي يُفعَلُ؟ وما حقيقته إنْ كانَ كما قُلتَ من أنَّ السلطان الغوري رحمه الله لما بنى حوانيت الجملون بالغورية أسكنها للتجار بالخلو؟ وجعَلَ لكُل حانُوتٍ قَدْراً أخذه منهم لا يُمائِلُ فِعل ناظر ليسَ بانياً مُتَصَرِّفاً فيما ملكه؛ فإنَّ النَّاظِرَ إِذا أَخَذَ مبلغاً ليصرفه على ذلك المكانِ بخصوصه وكان خراباً، أو هو مُطلَق له الفعل، وبتقدير كونه خراباً وعمر بالذي أخذه النَّاظِرُ أيملك به عين الحانوت أو منفعته على الدَّوامِ من غير إجارةٍ مُدَّةً مُعيَّنة يكونُ المَأخوذُ بدَلَها؟ ليس في كلام أئِمَّتِنا ما يقتضي ذلك لا بالنظرِ لعُرف خاص ولا عام.
فقول صاحِبِ «الأشباه»: ينبغي ... إلى آخره ممَّا لا ينبغي، فإنَّه لا مُماثلة بينَ ما اعتبر من المسائل المبنية على العُرفِ الخاص وبين الخلو؛ لأنَّ اعتبار العُرفِ الخاص على ما قيل به في جميعِ: تلك المسائلِ ضَرَرُها، التزم به فاعِلُها مُختاراً لنفسه، أو مُقتَصِراً في استيفاءِ شَرِطٍ يمنعُ عنه الضَّرَرَ. وأمَّا الوَقفُ فناظره لا يملِكُ إتلافه، ولا تعطيله، هذا هو الفَرقُ الجلي، وقد قُلتَ أنتَ أنَّ المذهَبَ عدَمُ اعتبارِ العُرفِ الخاص، فكيف تقول: لا يُمكِنُ صاحب الحانوت إخراج صاحِبِ الخلو منها، ولا يُمكِنه إجارَتُها لغيره، ولو كانَتْ وَقْفاً؟ أليس هذا بحَجْرٍ على الحرِّ المُكلَّف عما يملِكُه شَرْعاً بما لم يقُلْ به صاحِبُ المذهب؟ ومن المقرر أنَّ حِفْظ المالِ منَ الكُليَّاتِ الخمسِ المُجمَعِ عليها في سائر الأديان، وبمنع المالكِ من إجارةِ مِلكه يلزَمُ إتلاف ماله، ولم يأذن به الشارع، مثلُ ما لو رَضِيَ بالرّبا معَ غَيره، وكرِضائه بقفيز الطَّحانِ وبعض عمله أجرةً، هو ممنوع منه شَرْعاً.
ومن المقرر أن صاحِبَ الخلو لا يُعطي أجرة الأشياء يسيراً، ويأخُذُ هو في نظير خلوه قَدْراً كبيراً، بل لا يجوز هذا حتَّى في الوَقْفِ، وقد نُصَّ على أنَّ مَن سَكَنَ الوَقْفَ يلزَمُه أُجرَتُه بالغةً ما بلَغَتْ، وبَمَنعِكَ النَّاظِرَ من إجارة الحانوت الوَقْفِ الغَيرِ صاحبِ الخلو يفوتُ نَفعُ الوَقْفُ، وَتَنعَدِمُ غَلَّتُه، ويتعطَّلُ ما جعله الواقِفُ من نحو إقامة شعائر مسجد تُدفَعُ أُجرةُ الدُّكَّانِ للقائم بها، فإن صاحب الخلو إذا لم يستأجره بأجرة المثل، وقد لا يستأجر، ولا يسكن، ولا يسكن غيره، يضيعُ نَفعُ الوَقْفِ بما لم يقل به إمامُ المَذهَبِ، ولا أحد من أهل مذهبه.
هذا ما ظهَرَ لي في رَدَّ فَهُم جَوازِ الخلو باعتبارِ العُرفِ الخاص عندَ أَئِمَّتِنا الأعلام.
وأَمَّا ظَنُّ مَشروعِيَّته بلفظ السُّكنى فلا التفات إليه بوَجْهِ لا خاص ولا عام. فانظُرْ أَيُّها الحنَفِيُّ الحنيفِيُّ لِما سطره أئِمَّةُ المَذْهَبِ الأَعلامِ، وصُنْ نَفَسَكَ عن التقليد في حكم فُهِمَ من أمر لم يُرو عن الإمام وأصحابه ولم يكتب، وليس له مماثل لسائره ويُصحَب، ولا تكُنْ ممَّن اتَّبَعَ هواه فيما يقُولُه برأيه ويصحب. هذا وقد قال الإمام الأعظمُ الذي قلدناه: لا يحِلُّ لأحد أن يأخُذ بقولنا حتَّى يعلم من أينَ أَخَذْنَاهُ، ولا حول ولا قُوَّةَ إلا بالله العلي العظيم، أستَغفِرُ الله. تنبية آخر للإيقاظ عما نَصَّ عليه صاحِبُ «الأشباءِ» بقوله: وحين تأليفي هذا المحل ورَدَ عليَّ سُؤالٌ فيمَن أَجْرَ مَطبَخاً لطبخ الشكر، وفيه فخَارٌ أُذِنَ للمُستأجر في استعماله فتلِفَ، وقد جَرَى العُرفُ في المطابخ بضَمَائِها على المُستَأْجِرِ.
فأجبتُ بأنَّ المَعروف كالمَشروط، فصارَ كأَنَّه صرَّحَ بضمانها عليه، والعارية إذا اشترط فيها الضمان على المُستَعير تصيرُ مَضمونة عندنا في رواية، ذكره الزِّيلَعِيُّ في العارية، وجزَمَ به في «الجوهرة»، ولم يقل: في رواية، ولكن نقل بعده: فرع البَرازِيَّة» عن «الينابيع»، ثمَّ قَالَ: إِنَّ الوديعة والعَينَ المُؤجَّرَةَ لا يُضمَنانِ بحالٍ، ولكِنْ في البَزَّازيَّةِ»: قالَ: أَعِرْني هذا على أنَّه إنْ ضاعَ فأنا ضامِنٌ، فأعاره فضاع، لم يضْمَنُ انتهت عبارة «الأشباه والنظائر.
وقد كتب شيخ مشايخنا المُحقِّقُ العلامة نورُ المِلَّةِ والدِّينِ الشَّيخ علي المقدسي رحمه الله تعالى ومن خَطَّه نقلتُه، وصُورَتُه: أقول: لا ينبغي بل لا يجوز أن يُفتى بهذا أصلاً؛ لأن رواية الضمان على تقدير التصريح بالشرط إنما ذكرته على سبيل إرخاء العَنانِ معَ الشَّافعي رحمه الله القائل بالضَّمَانِ لاشتراطه في الحديث، وإلا فقال صاحِبُ «الجوهرة» في شرح النظم الهاملي»: في الكرخي: العارية والإجارة لا يُضمَنانِ أبداً، فَقَولُه: «أَبداً» يُفيدُ العموم وشمول حالة الاشتراط.
ومع ذلك صرَّحَ، وفسَّرَه، فقال: ولو شُرِطَ فيهما الضّمانُ، وإِنَّما يُضمَنانِ بالتعدي، ونقل عن «الينابيع» ما ذُكِرَ عن «البَزَّازِيَّةِ» أيضاً، وفيه: والشَّرطُ لَغَو، ولا يُضمَنُ، ففي كل ذلك تأكيد للحكم، وتحذير من أن يُعمَلَ بتِلكَ الرِّوايةِ المُخالِفةِ للدراية على تقدير التصريح بالشَّرطِ.
وأَمَّا عِندَ عَدَمِهِ فَجَميعُ المُتونِ والشُروحِ تُنادِي بأنَّه قول مقتول لا مجروحٌ، قَالَ الإمام المعروف بقاضيخان في «فتاواه»: رجُلٌ أعارَ شيئاً وشرط أن يكونَ المُستَعيرُ ضامناً لِما هَلَكَ في يده، لم يصح هذا الضَّمان، ولا يكون ضامِناً عندنا، ومثله في «الخلاصة» وغَيْرِها، انتهى.
هذا ما تيسر تحريره، وحاصِل أمر الخلو أنَّه لا وُجودَ له في كلامٍ أَئِمَّةِ مَذْهَبِنا، وما فُهم من مدلول السكنى علمتَ حقيقته، وعلمتَ أنَّ اعتبار العُرفِ الخاص لا يُفيد جوازه عندنا، وذلك لأن الانتفاع بما ليس ملكه لا يكون إلا بالإجارة أو الإعارة أو الوصية أو العُمْرَى، وليس لنا إبطالُ ما حَكَمَ بِهِ مُخالِفٌ على مُقْتَضَى مَذْهَبٍ تقلده، ولم يقل بالخلُو إِلَّا مُتأخُرُ منَ المالكية.
وعلمت ما تُوصَّل به إلى إتلافِ الأوقاف بالكلية، وسائر الأئمة الحنيفية لم يقُولُوا به كالحنفية.
نسأل الله تعالى دَوامَ ألطافه الظاهرة والخفية، وما علينا إِلَّا البَلاغُ والاتِّباعُ، وليس لنا الاختراع والابتداعُ، وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وسائر الأنبياء والمرسلين.
والحمد لله رب العالمين، نجز تحريره في شهر ربيع الثاني، سنة إحدى وستِّينَ وألفٍ، بيد مُؤلّفه غفر الله له ولوالديه، آمين.