غاية المطلَب فِي الرَّهْنِ إِذَا ذَهَبَ
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
غاية المطلَب فِي الرَّهْنِ إِذَا ذَهَبَ
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
كتاب الرهن
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
الحمد لله الذي تفَضَّلَ على عبادِه بمُقتَضَى حِكمَتِه، ونافِذِ قَضائِه ومُرادِه، وأَجْزَلَ جميع إحسانه وهباتِه، لمَن سلَّمَ ذاتَه رهينةٌ بدَوامِ أوقاتِه لينال منه أعزُّ مَطلَبٍ وثَمِينَه، فجادَ بإيجادِ عزيزِ المُرادِ، ووافِرِ الفَيضِ والإمداد، وفكاكِ الرَّهن من ربقة القَبْضِ بِبَسْطِ عَطائِه، فهو الكريم الجواد.
والصَّلاة والسَّلامُ على سيدنا محمَّد رسولِ الله وعلى سائر الأنبياء والأولياء الذين جاهَدُوا في الله، وعلى الآلِ والصَّحابة الفائزين برِضوان الله.
وبعد:
فيقول العبد المُفتَقِرُ إلى لُطفِ مَولاهُ الوفي، حَسَنُ الشُّرنبلالي الحنَفَيُّ، غفَرَ الله له ولوالديه ومشايخه ومحبيه والمُسلِمينَ: إِنَّه قد سُئِلَ عن مُرتهن وضع الرهن بمنزله وقفَلَه، ثمَّ عادَ فَوَجَدَ الرَّهن قد ضاع، وهو يزيد عن الدين، فأفتى بعضُ أهلِ عَصْرِنا بَعَدَمِ الضّمان لما زاد، ووجد صورة فتوى العلامة أبي السعودِ المُفتي صاحبِ التَّفسير رحِمَهُ اللَّهُ بِلُزُومِ الضَّمَانِ، فَتَعَارَضَ المفتيان.
وأَرَدْتُ تسطير ما وصل إليه علمي القاصر، وإنْ كنتُ ممَّن لا تطمح إليه النَّواظِرُ ليُحيط بذلك عِلمُ النَّاظِرِ في الأحكام والمفتى؛ خدمة لأمَّة خير الأنام صلَّى الله وسلَّمَ عليه وعلى آله وصحبه الكرام، وسمّيته:
غاية المطلَب فِي الرَّهْنِ إِذَا ذَهَبَ
ونذكر أولاً بيان ما يجب على المُرتهن من الحفظ، وما يُحفَظ به، ثم نذكرُ الفروع المنصوص عليها في خُصوص هذه الحادثة، فنقول وبالله التوفيق:
قال في «الهدايةِ» ما نصه: قالَ: وللمرتهن أن يحفَظَ الرَّهنِ بنفسه وزوجته وولده وخادمه الذي في عياله - أي: قالَ القُدورِيُّ في «مختصره»، وتمامه: وإن حفظ بغَيرِ مَن في عياله أو أَوْدَعَه ضَمِنَ.
وقال الكَرْخِيُّ في مُختَصَرِه: وهو - أي: الرَّهْنُ - بمنزلة الوديعة في يده، فما لا يجوز له في الوديعةِ منَ التَّصرُّفِ فإنَّه لا يجوز له في الرهن، وما جاز في الوديعة جاز في الرهن، له أن يُسلَّمَ الرهن، فيجوزُ الدَّفع إلى زوجته وخادِمه، ومَن هو في عياله من ولده، وأجرائه الذين يتصَرَّفُونَ في ماله، كذا قاله الإنقانِيُّ رحمه اللهُ في «غاية البيانِ»، وهذا تصريح بأحدِ قِسمي ما يُحفَظ به.
والثاني: الحِرزُ بمَكانٍ، وإليه يُشيرُ نصُّ مَواهِبِ الرَّحْمنِ» في كتابِ الرَّهِنِ بقوله ويحفظه بما يحفظ به ماله، انتهى.
وإنْ كانَ شارِحُه قد خَصَّه بقوله: «مِن زَوجته وولده .... إلى آخره، وكذا قال غيره من أصحابِ المُتونِ والشُّروح، وكان ينبغي إجراء المتن على عُمومه، لكنهم إنما يذكرون هذا البيانِ جَوازِ الدَّفع إلى ذي يد غير يده، وليس احترازاً عن وضعه بمنزله.
وقد أوضَحَ ذلك بما قاله في المحيط» من كتاب الوديعة: يلزَمُه حِفظُها بما يحفظ به ماله من حِرْز ويد، أمَّا الحِرْزُ فهو داره ومنزله وحانُوتُه، سواء كان ملكاً له، أو استأجره، أو استعاره؛ لأنَّه يحرز ويحفظ الأموال عادةً في هذه المواضع، فكانَ حافِظاً لا مُضَيعاً.
وأما اليد فله أن يحفظها بيده ويدِ مَن هو في عياله؛ كزوجته، وولده الكبير، وأمته، وعبده، وأجيره، مُشاهرةً بنفقة وكسوة، وهو يسكُنُ في عياله، وكذا شريكه مفاوضةً أو عناناً، وكذا الصَّيرَفيَّانِ إذا كانا شريكَينِ، فَوَضَعَ أحدهما في كيسه أو صندوقه وأمر شريكه بحفظها، فحَمَلَ الكيس، فضاع، لم يضمَنْ، فصارَتْ يدهم في الحِفْظِ كيدِ المُودِعِ، ولأنَّ دَفْعَ الوَديعةِ إلى من في عيالِهِ حَصَلَ بإِذنِ المالكِ دلالة؛ لأنه لا يتهيأ له الحِفْظُ بنفسه دائماً آناء الليل وأطراف النَّهَارِ، فَإِنَّه يُضْطَرُّ إلى الخُروج لإقامة معاده ومعاشه، ولإقامة الفرائض ونحوها.
ومتى خرج رُبَّما لا يُمكنه إخراجُ الوديعة مع نفسه، فلا يُمكنُ الحِفظ دائماً إِلَّا بمن في عياله؛ أي: وبمَن في معناهما؛ لأنَّه مَتَى خَرَجَ بنفسه يتركه في بيته، فتصيرُ الوديعة في يد عياله، فصار المالكُ راضياً بكونها في يد عياله دلالةً، ولو قال: لا تدفعها إلى فُلانٍ من عيالك وعينه، فدَفَعَها، ولا بدَّ له منه بأن لم يكن له عيال سواه، لم يضْمَنْ؛ لأنَّه لم يصح نهيه، كما لو قال: لا تحفظ في هذه الدَّارِ وليس له دار أُخرى سواها، وإنْ كانَ له عِيال غيره، ضَمِنَ؛ لأنَّه صَحٌ نَهِيه؛ لأَنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ في الحفظ، وله بد من أن يدفع إليه، فإذا فَعَلَ، صارَ ضامِناً، انتهى.
ولمن في عياله أن يضَعَها عندَ مَن في عياله كما في فصولِ العِمَادِي». وفيها عن صدر الإسلام أبي اليُسْرِ لو قال: احفظ الوديعة بيدك، ولا تضعها من يدِكَ، كانَ كلامه لغواً، ولو قالَ: ضَعه في كيسكَ، فَوَضَعَه في الصندوق، لا يضمَنُ.
وفيها أيضاً: لو شَرَط أن يُمسكها بيده ليلاً ونهاراً، ولا يضعها فهذا الشرط باطل، ولو قال: لا تضع في الحانوت فإنَّه مخوفٌ، فَوَضَعَهَا فَسُرِقَتْ ليلا، إِنْ لم يَكُنْ له موضع أحرز من الحانوت لا يضمَنُ، وإلَّا؛ ضَمِنَ إذا كانَ قادِراً على الحَمْلِ. وقال في الخُلاصة عن شَرْحِ الطَّحاوِيِّ»: عَيْنُ الرَّهِنِ أمانةٌ في يدِ المُرتهِنِ بمنزلة الوديعة، وفي كلِّ مَوضِع لو فعل المُودَعُ بالوديعة، يضمَنُ، فَكَذَا المُرتهِنُ إذا فعل، إلَّا أنَّ الوديعة إذا هَلَكَتْ لا يغرم شيئاً، والرَّهْنُ إِذا هَلَكَ سَقَطَ الدِّينُ على التفصيل الذي ذكرنا. وفي كلِّ مَوضِع لو فَعَلَ المُودَعُ بالوديعة لا يغرم، فكذا المُرتهِنُ إذا فعل، انتَهَى.
ومثله في «البَزَّازِيَّةِ» من كتابِ الرَّهن، ومثله في «التَّترخانِيَّةِ»، ومثله في فصولِ العِمَادِي، نَقْلاً عن «العدَّةِ»، ورَهْنِ «شَرْحِ الطَّحاوِيُّ».
تنبية: لا بُدَّ من كَونِ المَأذون له بالدَّفعِ إليه مأموناً كما قال في «الفُصولِ العمادية» عن «فَتاوَى ظَهير» و «أبي الليثِ: رجلٌ غابَ وخَلَّفَ امرأته في مَنزِلِه، وفي المَنزِلِ وَدائِعُ النَّاسِ، ثمَّ رَجَعَ وطلب الوديعة فلم يجدها، فإنْ كانَتِ المرأةُ أمينةً، فلا ضمان على الزوج، وإنْ كانَتْ غير أمينة، وعلمَ الزَّوجُ بذلك ومع هذا ترَكَ الوديعة معها، فهو ضامِنٌ، انتهى.
ومثله في المحيط، ومثله في الفيض» للبرهانِ الكَرْكِي.
وأمَّا الفُروعُ المَنصُوصُ عليها في خُصوص هذه الحادثة، فقال في «البَزَّازِيَّةِ»: ا غابَ المُودَعُ عن بيته، وترَكَ مَفاتِحه عند غيره، فلما رجَعَ لم يجد الوديعة في مكانه، لا يضمن بدفع المفتاح إلى غَيْرِه، انتهى.
وكذا في «الخُلاصَةِ» عن «فَتاوَى الفَضْلي»، وكذا في «الفيض»، ومثله في فصولِ العِمَادِي: مُودَعٌ غابَ عن منزله فقال له أجنَبِيٌّ: لي في مَنزِلِكَ شيء وأخذ المفتاح، فلمَّا رَجَعَ المُودَعُ إلى بيته لم يجد الوديعة لا ضمان عليه. قيلَ لمُحمَّدِ بنِ الفَضْلِ: َبدَفْعِ المفتاح إلى الأجنَبِيُّ لا يصيرُ جَاعِلاً البيت في يده؟ قال: لا. انتهى. وقال في التَّرْخانيَّة) عنِ المُحيطِ، و قاضيخان: مُودَع غَابَ عن بيته فقال له رجلٌ أجنبي: إنَّ لي في بيتك شيئاً، فادفَعْ إِليَّ المفتاح حتَّى أرفعه، فَسَلَّمَ إليه المفتاح، فلما عادَ الرَّجُلُ إلى بيته لم يجدِ الوديعة في موضعها، قالَ الشَّيخُ الإمام أبو بكر محمدُ بنُ الفَضْلِ رحمه الله: لا يضمَنُ المُودَعُ؛ لأنَّ بدفع المفتاح إليه لم يصر جاعلاً بيته في يد الأجنَبِي، انتهى.
وفي البَزَّازِيَّةِ: وضَعَها في حُجرة خان وربط السلسلة بالخيط ولم يقفله، فتلِفَتْ، إِنْ عُدَّ هذا إضاعةً وإِغْفالاً في هذا المَوضِعِ يَضمَنُ، وَإِنْ عُدَّ توثيقاً لا يضمَنُ.
وفيها: وضَعَها في الدَّارِ وخرَجَ، والباب مفتوح فسُرِقَتْ، فَإِنْ لم يَكُنْ فِي الدَّارِ أحد، والمُودَعُ في موضع يسمَعُ حِسَّ الدَّاخِلِ، لا يضمَنُ.
وفيها أيضاً: خرَجَ الطَّحَانُ لينظر إلى الماءِ فَسُرِقَ البر، إنْ ترَكَ الباب مفتوحاً، وبعد عنِ الطَّاحُونِ، يضمَنُ، بخلاف مسألة الخان، وهي خان فيها منازل، ولكل منزل مقفل، فخَرَجَ من مقفَل وترك الباب مفتوحاً، فجاءَ سارِقٌ وأخذ شيئاً، لا يضمن.
وقال في الفيض: وإِنْ وضَعَه في موضع، لا يدخُلُ عليه أحدٌ إلَّا بالاستئذان لا يضْمَنُ.
وفي «الفيض» أيضاً: لو جَعَلَ حماراً لوديعة في الكَرْمِ، إِنْ كَانَ للكَرْمِ حائط يمنعُ رُؤية المار وأغلق الباب لا يضمَنُ، انتَهَى.
تنبية: الكلية وإن كان قد يرد عليها النَّقْضُ لكِنْ صارَ ما نص عليه في الوديعة نصا في الرَّهنِ، فَخَرَجَ ما نص عليه منَ المُحتمل للنَّفْضِ.
تنبية آخَرُ: هو أَنَّه كما يُقبَلُ قَولُ المُودَعِ فِي دَعواهُ هَلاكَ الوديعة بيمينه كذلك يُقبَلُ قَولُ المُرتَهِنِ، غير أنَّ المُودَعَ لا ضَمان عليه، والمُرتهِنُ يضمَنُهُ ضَمَانَ الرَّهْنِ بالأقل من قيمته، ومنَ الدِّينِ، فلو ثبَتَ هَلاكه بالبينة لما قال في «الحقائق» شرح «منظومة النسفي» في باب الإمام مالك رحمه الله: [من الرجز]
وقيمةُ الرَّهْنِ على المُرتهنِ إذا ادعى الهُلكَ ولم يُبْرهِنِ
ادَّعَى المُرتهِنُ هَلاكَ الرَّهْنِ، ولا بينة له، يضمَنُ قيمته بالغة ما بلَغَتْ عنده؛ أي: عند الإمام مالك رحمه الله، بناءً على أنَّ المُودَعَ لو ادَّعَى هَلاكَ الوديعة ولم يقُل: هلك معه شيء آخر لي لا يُصَدَّقُ عندَه، وعندنا يُصَدَّقُ ويسقُطُ الدِّينُ بِقَدرِه، والباقي لا ضمان عليه، انتهى.
وبهذا تعلَمُ التَّسامح الواقع في عبارة «شرح المجمعِ» لابن الملكِ رحمه الله حيثُ قال: وضَمَّنُوه بدعواه الهلاك؛ يعني: إذا ادَّعَى المُرتهِنُ هَلاكَ الرَّهن، ولم يُقِمِ البَيِّنَةَ عليه، ضَمِنَه عندنا مُطلَقاً؛ أي: سواء كانَ الزَّهنُ منَ الأموالِ الظَّاهِرَةِ؛ كالحيوان، أو الباطنة؛ كالتقدينِ والعُروض، لا في الأموال الباطنة؛ أي: قال الإمام مالك رحمه الله: يضمَنُ لا في الباطِنَة؛ لأنَّه مُتَّهَم فيه، وقولُ المُنْهَمِ غَيْرُ مَقبولٍ، انتَهَى. وتبعه صاحِبُ «الدُّرَرِ والغُرَر» حيثُ قال: وضَمِنَ؛ أَي: المُرتهِنُ بَدَعَوَى الهَلاكِ بلا بيِّنة يعني إذا ادَّعَى المُرتهِنُ هَلاكَ الرَّهِنِ، ضَمِنَ إِنْ لم يُقِمِ البَيِّنَةَ عليه مطلقاً؛ أي: سواء كان من الأموالِ الظَّاهرة؛ كالحيوان والعبيد والعقار، أو من الأموال الباطنة؛ كالنَّقدِ والحُليّ والعُروض، وقال مالك رحمه الله: يضمَنُ في الأموال الباطنة فقط، انتهى.
ووَجْهُ التَّسامُحِ أَنَّ قولَ ابنِ الملكِ: «إِذَا ادَّعَى هَلَاكَ الرَّهِنِ ولم يُقِمِ البَيِّنَةَ عليه ضَمِنَه عِندَنَا يُوهِمُ عدَمَ قَبولِ دَعوَى الهلاكِ بلا بينةٍ، وضَمان - جميع قيمة الرَّهْنِ وليس مُراداً، والمُرادُ بكَونِه مَضمُوناً عندنا؛ يعني: ضَمَانَ الرَّهْنِ لَا مُطلَقَ الضَّمَانِ، وكذلك الحكم في عبارة «الدُّرَرِ»، لكنَّها أشدُّ إيهاماً؛ لإتيانه بأداةِ الشَّرطِ في قوله: ضَمِنَ إن لم يُقمِ البيِّنة، فيُوهِمُ عدَمَ الزَّمانِ معَ إقامتها، وليسَ مُراداً كما قد علمته، فليتنبه له.
وقولُ مُحنّي الدُّرَرِ» العلّامة الواني رحمه الله: الظَّاهِرُ أَنَّ كلمةَ «إنْ» هاهنا وصلية، ليس بظاهر، وعلى تسليمه يحتاج لتأويلينِ: كَونِ «إنْ» وصليَّةٌ، وَكَونِ الضمانِ ليسَ إلَّا ضَمَانَ الرَّهن، لا مُطلَقَ الضَّمَانِ.
وقولُ ابنِ المَلَكِ: يعني إذا ادَّعَى المُرتهِنُ هَلاكَ الرَّهْنِ ولم يُقِمِ البَيِّنَةَ غيْرُ مُسلَّم أيضاً؛ لأنَّ المَصَنِّف - أعني صاحِبَ متن «المجمع ـ لم يعن هذا التخصيص؛ إذ مَتنُه وشَرحُه لا يُفيدُ أنَّه غايته، وأنه وإن أطلق الضمانَ هُنا، فالمراد به ضَمَانُ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّه قَدَّمَهِ مُفَصَّلاً.
وقد تباعد عن هذا الإيهام صاحِبُ البُرهان» في مَتِنِه مَواهِبِ الرَّحمنِ حيثُ قال: ولا نجعله أمانةً مُطلَقاً، وخُصُوصاً فيما لا يغيب؛ كحيوان وعقار، فجعلناه مضموناً بالأقل من قيمته ومنَ الدِّينِ لا بتمامها، انتهى.
هذا؛ وقد رأيتُ فيما جُمِعَ من فَتَاوَى العلامةِ ابنِ الشَّلْبِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: وقد سُئِلَ عنِ الرَّاهِنِ إذا طالبَ المُرتَهِنَ بالعَينِ المَرهونة وادَّعَى المُرتَهِنُ تَلَفَها، هل القَولُ قَولُه مع يمينه؟ فأجاب بأنَّ القَولَ قَولُ المُرتَهِنِ في هَلاكِ الرَّهْنِ مَعَ يمينه، انتهى.
ولم يذكر لذلك سَنَدًا، وسنده قد ذكرناه ذلك من «الحقائق».
تتمة: قالَ المُرتَهِنُ: أَخَذَ الرَّهْنَ على أنَّه إِنْ ضاعَ ضاعَ بغيرِ شيء، فقالَ الرَّاهِنُ: نَعَمْ، فَالرَّهْنُ جائز والشَّرطُ باطِلٌ، كذا في «خزانة المُفتينَ».
وفيها: وإن هَلَكَ الرَّهْنُ فقال المالكُ هَلَكَ عندَ المُرتهن، وقالَ المُستَعيرُ ليرهن: هلك قبل أن أرهَنَه أو بعدَما رَهَنتُه، فافتكَكْتُه، كانَ القَولُ قولَ الرَّاهِنِ، وهو المُستَعيرُ مع يمينه.
وفيها ولو أنَّ العَدْلَ باعَ الرَّهْنَ في حياته وتصادَقُوا على بَيعه، إِلَّا أَنَّ الرَّاهِنَ يقولُ: باعه بمئة، والدين وقيمةُ الرَّهن منةٌ أيضاً، وصَدَّقَه العدل في ذلك، وقال المُرتهِنُ: بل باعَه بخَمسينَ، كانَ القَولُ قَولَ المُرتَهِنِ مَعَ يمينه، والبيِّنةُ بينَةُ الرَّاهِنِ.
وفيها: لو قالَ الرَّاهِنُ: رَهَنْتُ بنصفِ الدِّينِ أو تليه أو ربعه، وقالَ المُرتهِنُ: بل بجميعِ الدِّينِ، فالقَولُ قَولُ الرَّاهِنِ مَعَ يمينه على دَعَوَى المُرتهن. ولو أقاما جميعاً البينة فالبيِّنةُ بَيِّنَةُ المُرتهن، ولو هَلَكَ الرَّهْنُ عِندَ المُرتهن، ثمَّ اختلفا، فقال المُرتهِنُ: كانَ رَهْناً ببعض الدَّينِ، وقد سقَطَ ذلك القَدْرُ بِهَلَاكِه، ولي أَنْ أرجع بالباقي، وقالَ الرَّاهِنُ: كانَ رَهْناً بجميعِ الدِّينِ، فَالقَولُ قَولُ المُرتِهِنِ مَعَ يَمِينِهِ، ولو أقاما جميعاً البينة فالبينةُ بينَةُ الرَّاهِن.
ولو اختلفا في قيمةِ الرَّهْن بعد الهلاكِ، فقالَ الرَّاهِنُ: كَانَ فِيهِ وَفاءُ بالدين، وسقط جميعُ الدِّينِ، وقال المُرتهِنُ: كانَتْ قيمته مثل نِصفِ الدِّينِ فالقول قولُ المُرتهن، ولو اختلفا في مقدارِ الدِّينِ فالقَولُ قَولُ الرَّاهِنِ؛ لأنَّ الدين عليه، انتهى.
تنبية آخَرُ: جميعُ ما تقدَّمَ سَنَدٌ لمَن أفتى بِعَدَمِ الزَّمانِ في هذه الحادثة، وله سند أيضاً فيما سنذكره.
وأما من أفتى بالضَّمَانِ، فله منَ النَّص ما قال في "يتيمةِ الدَّهرِ»: سُئِلَ أبو حميد الوَبَرِيُّ رحمه الله عن عامِلٍ ِلوالِ أُوْدِعَ مالاً فَوَضَعَه في بيته، ثمَّ فِي أَيَّامِ السُّلطانِ خرج من بيته بأمتعة نفسه، وترك الوديعة في بيته، وأغلق الباب وتوارى، ثمَّ أُغير على البيت والوديعة، هل يضمَنُ؟
فقال: يكون هذا تقصيراً منه، فيصيرُ ضامِناً، قيل له: لو أبقى في الدَّارِ بعض أمتعة نفسه هل يفترقُ الجواب؟ فقال: بتضييعه مال نفسه لا يصيرُ مَعذُوراً في تضييع مال غيره، انتهى.
وكذا قال في «القنية» بعدَ رَمْزه للوَبَرِيُّ ما نصه: أُودِعَ عَامِلٌ لوالٍ مالاً، فَوَضَعَه في بيته، ثمَّ في أيَّامِ السُّلطان نقل أمتعته، وترك الوديعة وتوارى، فأغير على بيته والوديعة، يضمَنُ، وإنْ ترَكَ بعض أمتعته في بيته، انتهى.
ويُستأنس له ما قال في البَزَّازِيَّةِ: دَفَعَ خُفَّه إلى حَفَّافٍ ليُصلِحَه فَوَضَعَه في حانوته فسُرِقَ، إنْ كانَ في الحانوتِ حافظ، وفي السُّوقِ حارس، لا يضمَنُ، انتهى. فأَفادَ الضَّمانَ معَ القفلِ ِبعَدَمِ الحارِسِ، لَكِنْ مَعَ مُلاحظةِ العُرفِ؛ لأنَّه عقبه بقوله: والحاصل أنَّ العبرة للعُرفِ، حتّى لو ترك الحانوت مفتوحاً، أو علَّقَ الشَّبكة على بابه وقام، في بُخارَى إِنْ بِالنَّهَارِ ليس بتضييع، وفي اللَّيْلِ إِضاعةٌ، وفي خُوارِزْمَ لا يُعَدُّ إِضاعة في اليومِ واللَّيلِ، انتَهَى.
لكِنْ قالَ في «الخلاصة» عن «فَتاوَى النَّسفي»: وقد ذَكَرْنا الجواب المُختار في كتاب الإجارات أنَّه لا يُشترط الحافِظ والحارِسُ. انتهى.
أي: فيكتفى بالقفلِ لعَدَمِ الزَّمانِ، وقال في الترخانية» نقلاً عنِ المُحيط»: سُئِلَ نَجمُ الدِّينِ عمَّنْ دفَعَ خُفَّا إلى خَفَّافٍ ليُصلحه، فتركه الخفَّافُ في حانوته فسُرِقَ ليلاً، هل يضمَنُ؟ قالَ: لا، إنْ كانَ في الحانُوتِ حافظ، أو في السُّوقِ حارس، وكانَ الشَّيخُ الإمامُ ظَهير الدِّينِ يُفتي بِعَدَمِ الضَّمَانِ، وَإِنْ لم يَكُنْ هُناكَ حافظ ولا حارس، انتهى.
وهذا يُوافِقُ ما في الخُلاصَةِ» من أنَّه الجوابُ المُختارُ. انتهى.
ثمَّ قال في «التترخانية»: وقد قيلَ: يُعتبرُ العُرْفُ؛ فَإِنْ كَانَ العُرفُ فيما بينَ النَّاسِ أنهم يتركون الأشياء في الحوانيت من غير حافظ فيها، ومن غير حارس في السُّوقِ فلا ضمان، وإنْ كانَ العُرفُ بخِلافِه يجبُّ الضَّمان، وعليه الفَتْوَى، انتهى.
وهذا التصحيحُ يُعارِضُ ما في الخلاصة، فاختَلَفَ التَّرجِيحُ، لَكِنْ يتأيدُ هذا بأن عليه الفتوى، فيُنظَرُ إلى العُرفِ، والذي أفتى بالضّمان أو عدمه في الحادثة المذكورة قد أطلق الجواب كالسؤال، انتهى. ثم قال في «الشَّتر خانيَّةِ: وكذلك قيل: لو ترَكَ الدُّكَانَ مَفتوحاً، وكانَ في موضع ذلك عُرفُهم وعادَتُهم لا ضَمان.
وفي «الحاوي»: جَرَى العُرفُ بتَركِ بابِ الدُّكانِ، وبالنَّومِ وتعليق شيء على باب الدكانِ، نحوُ الشَّبكة وأشباه ذلك، والرّواية محفوظةٌ فيما لو ترك الحائِكُ الثوب الذي نُسِجَ بعضُه، والغَزّل في بيتِ الطَّراز ولم يَكُنْ هُناكَ حافِظ ولا حارِسٌ في السُّوقِ أنَّه لا ضَمان على الحائكِ، انتهى عبارة التترخانية.
والروايةُ المَحفُوظةُ يَتَمَشَّى عليها ما ذُكِرَ في «الخُلاصة» من الجوابِ المُختارِ أَنَّه لا يُشترط الحافِظ ولا الحارِسُ، فتَلَخَّصَ من جميع ما تقدَّمَ ثلاثة أقوال:
القَولُ بعَدَمِ الزَّمانِ بمُجَرَّدِ القفل، وهو الجوابُ المُختارُ المذكور في «الخلاصة» مُوافِقاً للرواية المحفوظة.
والقولُ بالزَّمانِ معَ القفل من غير تفصيل، وهو قَولُ الوَبَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ. والقَولُ الثَّالثُ المُلاحظ إنْ كانَ العُرف فيما بينَ النَّاسِ التَّركَ بلا حافِظِ وحارِسٍ فلا ضَمانَ، وإِلَّا؛ فيضمَنُ، وعليه الفَتَوَى، انتهى.
وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى سائر الأنبياء والمُرسَلينَ، وعلى الآلِ والصَّحابة والتابعينَ.
وغفَرَ الله لنا ولوالدينا، ولمشايخنا وللمسلمين، آمينَ.
والحمد الله ربِّ العالمين، وغفَرَ الله لكاتبه وللمسلمينَ، يا رب العالمين. آمين.
***