الجزء 1 · صفحة 7
سعادة أهل الإسلام بالمُصافحةِ عَقِبَ الصَّلاةِ والسَّلام
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
الجزء 1 · صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
وبالله الإعانة
الحمد لله المُنعِم بالإيجاد المُتفَضّل بالإمداد، الذي أَلَّفَ بينَ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ بالمَحبَّةِ وصادِقِ الوِداد المُتكَفّلِ لطالب العلم بتيسير الرزق بين العباد، مُيسر أسبابِ السَّعادةِ وبلوغ درَجاتِ السَّيادةِ بأيسر معتاد، جاعِلِ مُكَفِّرَاتِ الذُّنوبِ أُموراً كثيرةً صالحة؛ كتسبيح وتهليل وتحميدٍ ومُصافَحةٍ، وإزالةِ حَجَرٍ أَو شَوْدٍ عَنِ الطَّريقِ، وصَبِّ الماء من نهرٍ وبئرٍ بدَلْوِ ِللرَّفيق، وطَلاقةِ وَجْهِ وبَشاشة ولين الكلام، وإدخال السرور على المُؤمِنينَ وإفشاءِ السَّلام.
والصَّلاة والسَّلامُ على الحبيبِ المُصطَفَى، والخليلِ المُجتبى، ذَخيرة الأنامِ، سيدنا ومولانا محمَّدٍ صاحِبِ المَقام المحمود، والحَوضِ المَورُود، والشَّفاعةِالعُظمى في يومِ الزّحام وعلى آله وأصحابه السادة البررة الكرام.
وبعد:
فيقول العبد الفقيرُ إِلى كَرَمِ مَولاه الغنيُّ به فلا يرجُو سواه، أبو الإخلاص حَسَن الشَّرنبلاليُّ الوَفائيُّ الحنَفَيُّ دامَ مَشمُولاً باللطفِ الجلي والخفي، وبرّ البرّ المُحسِنِ الخفي:
هذه نبذة يسيرةٌ في تحرير الكلام على سُنَّةِ المُصافحةِ الحَاصِلَةِ بعدَ الصَّلواتِ الخمس، والجمعةِ والعِيدَينِ، وعند كلّ لقي، وبيان كيفيتها، وحُكمِ حُصولها فيما بين الرجال والنساء، وبيان السَّلامِ ومعناه، ورَدَّه على أهل الإسلام، وحكم ابتدائه، وكيفيَّةِ رَدَّه على أهلِ الذَّمَّةِ والدُّعاءِ لهم بما ليس فيه ضَيرٌ.
الجزء 1 · صفحة 9
والتَّحِيَّةُ بِمَرحَباً وأهلاً وسهلاً، وكيف أصبحتُم، وصباح الخير، وكيفية السلام على أهلِ المقابر، وكراهة المشي بالنِّعَالِ في المقابر لكل زائر، وحُكمُ المعانقة والتقبيل، وبيانُ الجائز منها والمنهي عنه بالدليل، والقيام للمُقبل على الجالس وقاري القُرآنِ والانحناء للكبراء والوزراء والسلطان، والسجود بين يديه للتحبَّةِ أو التَّعظيم، وبيان شيء ممَّا للمُسلِمِ على أخيه من كلِّ وَصْفٍ كريم، وسمّيتها:
سعادة أهل الإسلام بالمُصافحةِ عَقِبَ الصَّلاةِ والسَّلام
وسبب جمعها كثرةُ السُّؤال عنها، وإنكارُ بعض النَّاسِ على فاعلها من غَيرِ استناد لحجة له في ذلك، خُصوصاً وقد رأيتُ جواباً منسوباً لشيخ الإسلام أحمد بنِ حجرٍ الشَّافعي رحمه الله وقد سُئِلَ عَنِ المُصافحة بعد الصَّلواتِ. ونصه المُصافحة بعد أداءِ الصَّلاةِ بدعةٌ غير مشروعة، لا أصل لها، فلا ينبغي لأحد فعلها، كتبه أحمد بن حجرٍ الشَّافعي.
ورأيتُ أيضاً جواباً لحنفي، ونصه: المُصافحة ثابتةٌ، واعتقادُ أَنَّها سُنَّةٌ في المحال المذكورةِ خَطأَ يجِبُ الرُّجوع عنه، والله أَعلَمُ. كتبه قُطبُ الدِّينِ بنُ علاء الدِّينِ الحَنَفِيُّ، عَفا الله عنهما.
فلما رأيت ظاهرهما المنع من المُصافحة عقب الصلوات، ولم يُفصح جوابهما عن المُرادِ، بَيَّنْتُ وَجْهَ الجواز، بل ثبوت سُنِّيةِ المُصافَحَةِ عَقِبَها؛ لأنَّ القوم إذا قاموا عن مواضع صلاتهم فتَصافَحُوا، لا يُمنعُونَ؛ إذ لا قائل بالمنع من المصافحة في تلك الحال؛ لأنها حالة لقي، وفيها يُسَنُ السَّلامُ والمُصافحة؛ لقول الإمام محيي الدين النووي: المُصافحةُ سُنَّةٌ مُجمع عليها عندَ التَّلاقي، كما سنذكره.
فلم يبقَ لكلامٍ هَذَينِ المُجيبَينِ إِلَّا الحَمْلُ على حصولِ المُصافحةِ عَقِبَ السَّلامِ منَ الصَّلاةِ قبل القيام، والأخذ في عمل آخر، وليسَ مُسَلَّماً، فقد قال الإمامُ النَّوويُّ: لا بأس بهما، كما سنذكره.
الجزء 1 · صفحة 10
بل هي سُنَّةٌ أو مُستَحَبَّةٌ عندَ كلِّ لُقِيٍّ، كما سنذكره عنِ النَّووي، وحالةُ السَّلامِ منَ الصَّلاةِ حالة لقِيّ بحَسَبِه؛ لأنَّ المُصلِّيَ لمَّا أحرَمَ صَارَ غَائِباً عن النَّاسِ مُقبلاً على الله بعبادته، فلمَّا أدَّى حقه قيل له: ارجع إلى مصالحِكَ ومَآرِبكَ وسلَّم على إخوانِكَ؛ لعَجْزِكَ واحتياجكَ وقُدومك من غيبتك، ولذلك ينوي القوم بسلامه، كما ينوي الحفظة.
وإذا سلَّمَ يُندَبُ له المُصافَحةُ، أو تُسَنُّ كالسَّلام، فلا مانع من المُصافحة لسنيتها في كل حال كما أجاب به شيخ مشايخنا، شيخ الإسلامِ شمسُ الدِّينِ بن سراج الدِّينِ الحانوتي الحنفي رحمه الله، وقد رُفِعَ إليه سؤال فأجابَ بأَنَّ المُصافحةً سُنَّةٌ في كل حال، فسطّرته لينظر إليه أهلُ الكَمالِ، ويقتدي به السَّادَةُ الحُنَفَاءُ، ويكونَ رَدًّا على المانع بلا خفاء.
ومُلَخَّصُ السُّؤال: ما قَولُكم فيمَن يُصافح بعد أداء الصلوات الخمس والجمعة العيدين؟ ويقولُ: إِنَّها سُنَّةٌ، ويتبَغْضُ مَن لا يُصافح معه، وهو ممَّن يُقتدى به كالقُضاة والمُدرّسين والخُطباءِ والأئِمَّةِ والمَشايخ، والحالُ أَنَّها ما فعلها النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة، ولا التّابعونَ، ولا أحدٌ مِنَ العُلَماءِ المُعتمد عليهم، والفاعِلُونَ بها مُصِرُّونَ على فِعلها، فيكون فعلهم سبباً لاعتقادِ العوام أَنَّهَا سُنَّةٌ، وإذا سُئِلَ عن فعله يجيب بأنَّها بدعةٌ حَسنةٌ، فإذا طُلِبَ منهُم الدَّليل على ذلك يقيسُونَها بالمُصافحة المَسنُونة.
وبعضُهم يستدل بقوله عليه السَّلام: «لا تجتَمِعُ أُمَّتِي على الضَّلالة)، وهذا حديث وارد في حقنا، ونحنُ أُمَّتُه أجمَعْنا على فِعْلِها، فَمَنِ الذي يردُّ فاعِلَها؟
الجزء 1 · صفحة 11
وبعضُهم يستَدِلُّ بقولِه عليه السَّلامُ ما رَآهُ المُسلِمُونَ حَسَناً فهو عند الله حَسَن، وهذا حديث وارد فينا، فنَحنُ مُسلِمونَ رأينا حَسَناً في الإسلام، وإظهار محبة ومودة خصوصاً في يوم الجمعة، وهو عيد المسلمين، فإذا سمع العوام أقوالهم بهذه الدَّلائلِ يقتَدُونَ بهم.
أما كان ينبغي إفشاءُ السَّلامِ كما ورَدَ؟ وقد تُرِكَ بإرادةِ الرُّكوعِ وبإرخاء الرَّأْسِ، وبصباح الخير، ومساء الخير، ومرحباً، ولم نر أحداً قاتلهم بسيف الأمر بالمعروفِ والنهي عنِ المُنكَرِ، فهل لهم منَ الله أو من رَسولِه نَصُّ بسكوتهم وإقامتهم وإجماعهم على هذه البدعة؟
بينوا لنا بالنَّقلِ الصَّريح حتّى نعلم ما هو سُنَّةٌ، وما هو مُستَحَب، وما هو بدعة، فتعلم المُخطئ من المُصيب، ولا تكتُمُوا الحق وأنتم تعلمونَ.
فأجابَ بحَمْدِ الله تعالى رحمه الله بقوله: نصت العلماء على أنَّ المُصافحة للمُسلم لا للكُفَّارِ مسنونةٌ من غير أن يُقيَّدُوها بوقتِ دونَ وَقت؛ لقوله: (مَن صافَحَ أخاهُ المُسلِمَ وحَرَّكَ يدَه تَناثَرَتْ ذُنُوبُهما كما يتناثر الورقُ اليابس منَ الشَّجرةِ، ونزَلَتْ عليهما مئة رحمة، تسعة وتسعون لأسبقهما، وواحدة لصاحبه.
وقال أيضاً: ما مِن مُسلِمين يلتقيان فيتَصافَحَانِ إِلَّا غُفِرَ لهما قبل أن يفترقا».
الجزء 1 · صفحة 12
فالحديث الأول يقتضي مشروعيَّة المُصافحة مُطلَقاً، أعم من أن تكونَ عَقِبَ الصلوات الخمس والجمعة والعيدين أو غير ذلك؛ لأنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لم يخصها بوقت دون وقت، فإذا فُعِلَتْ في أي وقت كانَ، كانت من مقتضيات هذه الأدِلَّةِ، وداخلة تحت عموماتِها، ولا يُشترَطُ فِعل النبي المصافحة، ولأمره عليه السَّلامُ بالمصافحة؛ لأن منَ المُقتَضَياتِ ما أفادَه الدَّليلُ، وإلا لما كانَ يُمكِنُ العمل بعمومات (1) الأدِلَّةِ، معَ أَنَّ الدَّليل العام عند الحنفية حيثُ لم يقع فيه تخصيص هو من الأدلَّةِ المُوجبة لحكمه قطعاً، كالدَّليل الخاص، حتَّى قالوا: إِنَّ الدَّليل العام يُعارِضُ الخاص لقُوَّته، والدليل هنا عام؛ لأن قوله: (مَن صافَحَ أخاه ... » إلى آخر الحديث عام؛ لأنَّ صيغةَ مَن من صِيَغِ العُموم، وكذا صيغة «ما»، ويكفي هذا دليلاً على سُنية المصافحة.
قلت: وكذا نقل شيخ مشايخنا الشَّيخُ العلامة على المقدسي رحمهم الله في أربعين حديثاً للحافظ محمد بن محمد بن محمود البخاري الشرعي حديثاً صيغته من صيغ العُموم، وهو قوله: (مَن صافَحَ مُسلِماً وَقَالَ عِندَ مُصافَحَتِهِ: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمد وعلى آل محمد، لم يبقَ من ذُنُوبِه شي، انتهى.
ثم قالَ الشَّيخُ الحانوتي: ولا حاجة إلى الاستدلال بالحديثين المذكورين في السُّؤالِ؛ لأنَّهما إنَّما المُرادُ بهما المُجتَهِدونَ؛ لأنَّ الأُصولِيِّينَ اسْتَدَلُّوا بهما على حُجَّيَّة الإجماع، وأهل الإجماعِ مَن كانَ مُجتَهِداً لا عامَّة النَّاسِ.
وأمَّا التَّحيَّةُ بـ (مرحباً): فإنَّها سُنَّةٌ؛ لأنَّهم جَعَلُوا مِنَ السُّنَّةِ أن يقول عند لقاءِ الإخوان: كيف أصبحتُم؟ ومرحباً، أو أهلاً وسهلاً، فيقول صاحبه: في خير وعافية، أحمد الله.
وأما «صباح الخير»: فهو في معنى هذه الألفاظ.
الجزء 1 · صفحة 13
قلت: لعلّ المُرادَ حُصول ذلك بعد الابتداء بالسلام؛ لما سنذكره، انتهى. ثم قالَ الشَّيخُ الحانوتي: وأمَّا التَّحيَّةُ بالركوع، واسترخاء الرَّاسِ، فمكروه لكل أحد مطلقاً، ومثله السَّلامُ باليد كما نصت عليه عُلماء الحنفية؛ لِما رُوي عن أنس رضِيَ الله عنه قال رجلٌ يا رسولَ اللهِ الرَّجُلُ منَّا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: «لا»، قال: أيلثمه ويُقبلُه؟ قال «لا»، قال: فيأخذ بيده ويُصافحه؟ قالَ: «نعم»، وهو حديث حسن.
وقالوا: إنه لم يأتِ له مُعارِضُ، فلا مصير إلى مخالفيه، ولا يغتر بكثرة من يفعله ممَّن يُنسَبُ إلى صلاح أو علم أو نحوهما من خصالِ الفَضْلِ؛ فإِنَّ الاقتداء إنما يكون برسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: {وَمَا آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا} [الحشر: 7]، وقال تعالى: {فَليَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَليم} [النور: 63].
فيجب على مَن رأى شيئاً من هذا أن يأمر بالمعروف؛ لأنَّ الأمر بالمعروفِ من أعظم أُمورِ الدِّينِ؛ لقوله تعالى: {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [آل عمران: 110]، وقال تعالى: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأَصْبَرَ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ من عزم الأمور} [لقمان: ??]، إلى غير ذلك ممَّا وَرَدَ مِنَ الأحاديثِ وكلامِ السَّلَفِ بما لا يسعه هذا المقام.
وبالجملة فالأمر بالمعروف واجب، إلا أن يكونَ هُناكَ ما يُرخُصُ في عدَمِ إعقاب الوجوب، كما لو علم أنَّه لو نهى عن المنكر لم يُلتَفَتْ إليه، ولم يُترَكِ المُنكَرُ، ونظر إليه بعين الاستهزاء، أو علم أنَّه يحصل له إيذاء على ذلك.
وجعل بعضُهم من ذلك خَوفَ الاستيحاش، إلى غير ذلك ممَّا وَرَدَ، انتهى كلامُ الشَّيخ الحانوتي رحمه الله
الجزء 1 · صفحة 14
وقال في شرح مُختصَرِ الوِقاية» للقُهستاني رحمه الله: المُصافحة لم تُكرَهُ، بل هي سنة قديمة تواترتْ، قال عليه السَّلامُ: مَن صافَحَ أخاه المُسلم وحرَّكَ يده تنَاثَرَتْ ذُنُوبُه، هي الصاقُ صفحة الكفّ بالكف، وإقبال الوجه بالوجه، كما قال ابن الأثير، فأخذ الأصابع ليس بمُصافحة، خلافاً للروافض، كما في الصلاة فـ المَسعُودِيَّة، والسُّنَّةُ فيها: أن تكونَ بكلتا يديه، كما في «المنية»، وبغير حائل من ثوب له وغيره كما في «الخزانة»، وعند اللقاء بعدَ السَّلامِ كما في «الشرعةِ»، وأن يأخُذ الإبهام، قال عليه السَّلامُ: إذا صافَحْتُم فخُذوا الإبهام، فإِنَّ فِيهِ عِرْقاً يتشَعَبُ منه المحبة، انتهى وفي البدائع»: لا خِلافَ في أنَّ المُصافحة حلال؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «تَصافَحُوا تحابوا» (2).
ورُوي عنه أنه قالَ: «المُؤمِنُ إذا لقي أخاه فصافَحَه تَناثَرَتْ ذُنُوبُه»، ولأنَّ النَّاسَ يَتَصافَحُونَ في سائر الأعصارِ في العُهودِ والمَواثيق، فكانَتْ سُنَّةٌ مُتوارثة. انتهى عبارة «البدائع».
وفي الجامع الصغير للسيوطي في حرفِ العَينِ: قالَ: «وتَمامُ محبَّتِكُم فيما بينكم المُصافحةُ»، وفيه: «تَصافَحُوا يذهَبِ الغِلَّ عن قُلوبِكُم، وفيه: تَهادَوا تَحابُّوا، وتَصافَحُوا يذهَبِ الغِلَّ عنكم» (4)، وسنذكر مثله عن العيني. أوَّلُ مَن صافَحَ في الإسلامِ الأَشعَريُّونَ فيهم أبو مُوسَى الأشعريُّ رَضِيَ اللهُ عنه، لمَّا دَنَوا من المدينةِ المُنوَّرةِ جَعَلُوا يرتَجِزُونَ: غداً نلقى الأحبه محمداً وحِزْبَه، فلما تقدَّمُوا صافَحُوا مَن لقُوا، فهو أَوَّلُ المُصافحة في الإسلام، كذا في الأوائل» للسيوطي رحمه الله.
وقال الإمامُ النَّوويُّ: رُوِيَ أَنَّ عليَّا رَضِيَ الله عنه قال لرجُلٍ خرجَ مِنَ الحَمَّامِ: طَهُرْتَ فلا نَجِسْتَ.
الجزء 1 · صفحة 15
قلت: هذا المَحلُّ لم يصح فيه شيء، ولو قالَ إِنسانُ لصاحبه على سبيلِ المَودَّةِ واستجلاب الوُدَّ: أدام الله لك النَّعيم، ونحو ذلك منَ الدُّعاءِ، فلا بأس به.
وإذا ابتدأ المار الممرور عليه فقالَ: صَبَّحَكَ الله بالخير أو بالسعادة، أو قَوَّاكَ الله، أو لا أَوْحَشَ الله منك، أو غير ذلك من الألفاظ التي يستعمِلُها النَّاسُ في العادة، لم يستحق جواباً، لكن لو دعا له قبالة ذلك، كانَ حَسَناً، إلَّا أن (1) يترك جوابه بالكليّة؛ زَجْراً له في إهماله السلام، وتأديباً له ولغيره في الاعتناء بالابتداء بالسلام، انتهى كلام النووي رحمه الله.
قلت: فمُرادُ الشَّيخ الحانوتي رحمه الله بقوله: وأمَّا التَّحِيَّةُ بـ: «مرحباً» فهي سنة ... إلى آخره، لعَلَّه أراد بعد الابتداء بالسَّلامِ؛ لِما ذَكَرْنا، ولِما سَنَدَكُرُ منَ الحديث الذي أخرجه الترمذي رحمه الله، وهو قوله: «السَّلامُ قبل الكلام.
وقال الإمام النووي رحمه الله: اعلَمْ أَنَّ المُصافحة [مُستحبَّةٌ عندَ كلِّ لقاء، وأما ما اعتاده النَّاسُ مِنَ المُصافحة بعد صلاةِ الصُّبحِ والعصر، فلا أصل له على هذا الوجه في الشرع، ولكن لا بأس به؛ فإنَّ أصلَ المُصافحةِ سُنَّةٌ، وَكَونهم حافَظُوا عليها في بعض الأحوالِ وفرَّطُوا فيها في كثير من الأحوال أو أكثرها لا يُخرِجُ ذلك البعض عن كونه منَ المُصافحة التي ورَدَ الشَّرعُ بأصلها. وقد ذكر الشَّيخُ الإمام أبو محمد بنُ عبدِ السَّلامِ رحمه الله في كتابه القواعد»: أنَّ البدع على خمسة أقسام: واجبةً ومُحرَّمة ومكروهةً ومُستحبَّةٌ ومباحة، قال: ومن أمثلةِ البِدَعِ المُباحةِ المُصافَحَةُ عَقِبَ الصُّبحِ والعصر، انتهى كلام النووي رحمه الله.
الجزء 1 · صفحة 16
وفي الإعلامِ بتقسيم البِدَعِ والأحكامِ» للشيخ أبي الحسن البكري رحمه الله إباحةُ المُصافحةِ عَقِبَ كلّ صلاةٍ؛ فإنَّه قال فيه بعد نقله كلام الشَّيخِ ابنِ عبد السلام: أقولُ: تقييده المُصافحة بما بعدَ الصُّبحِ والعَصرِ يُحمَلُ على عادةٍ كانت في زمنه، وحاصل القضيَّةِ أَنَّ المُصافحة عقِبَ الصَّلواتِ كلها كذلك، انتهى كلام البكري.
وقال العلامةُ الشَّيخُ عليُّ المَقدِسي رحِمَهُ اللهُ في «شرحه على الكَنْزِ» ما نصه: وفي «الحاوي الزَّاهِدِي»: لا تُكرَهُ المُصافحةُ في المسجد على الأصح، انتهى. فبهذا انتفتْ كراهةُ المُصافحة مُطلَقاً، وقد علِمْتَ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُطلَقةٌ بكلامِ الشَّيخِ الحانوتي رحمه الله.
وانتفتِ الكراهة أيضاً، بل ثبَتَتْ ندبيَّةُ المُصافحة بما قدمناه عن «البدائع» من قولِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «تَصافَحُوا تَحابُّوا»، انتَهَى
وبما قدمناه من كلامِ الإمام النووي في الأذكار» علِمْتَ قُصور العبارة التي نقَلَها ابنُ المَلَكِ شارحُ «المجمَعِ» بقوله: قال النووي في «شرح صحيح مُسلِمٍ»: مُصافَحةُ النَّاسِ بعدَ الفَجرِ والعصرِ ليسَ بشيءٍ؛ لأنَّه لا أصل له، انتهى.
لأنَّه يُوهِمُ المنع منها، وقد بَيَّنَ النَّوويُّ نفي الأصل من ذلك القبيل؛ أي: لا أصل لها في الشرع على هذا القبيل، ثمَّ قال: ولكِنْ لا بأس بها؛ فإِنَّ أَصلَ المُصافحة ا سُنَّةٌ ... إلى آخر كلامه الذي قدمناه.
وقيّدنا قولَ الشَّيخِ الحانوتي: التَّحِيَّةُ بـ: «مرحباً» سُنَّةٌ ... إلى آخره بحصولها بعد الابتداء بالسلام؛ لما قال العلامة ابنُ الكَمالِ باشا رحمه الله في شرح الأربعين»: «السَّلامُ قبل الكلام» .. الحديث أخرجه الترمذي عن جابر رضي الله عنه مرفوعاً.
الجزء 1 · صفحة 17
قال صاحب الهداية» في «التَّجنيس»: إذا أتى إلى باب دارِ إنسان يجب أن يستَاذِنَ، ثُمَّ إِذا دَخَلَ، سلَّمَ عليه؛ لقوله تعالى: {لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُواعَلَى أَهْلِهَا} [النور: 27]، أمر بالاستئناس قبلَ السَّلامِ، هذا في البيوت.
وأما في الفَضاءِ يُسلَّمُ أولاً، ثمَّ يتكلَّمُ لقوله عليه الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: مَن كلَّم قبل السلام فلا تجيبوه.
وقال عليه الصلاة والسَّلام: «السَّلامُ قبل الكلامِ.
ورَوَى عبد الله بن سلام أنَّه: قالَ أوَّلُ ما سمِعْتُ منَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «يا أَيُّهَا النَّاسُ أطعِمُوا الطَّعام، وأفشُوا السَّلامَ، وصِلُّوا الأرحام، وصلُّوا باللَّيلِ والنَّاسُ نِيام، تدخُلُوا الجنَّةَ بِسَلام.
قال لقمان لابنه: يا بُنَيَّ إذا مَرَرْتَ بقَومٍ فارمهم بسهم الإسلام، وهو السلام.
قالوا: تحيَّةُ النَّصَارَى وَضعُ اليد على الفم، وتحيَّةُ اليهود الإشارة بالإصبع، وتحيَّةُ المجوس الانحناء، وتحيَّةُ العرب: حياك الله، ويقولون للملوك: أَنعِمُ صباحاً، وتحيَّةُ المسلمينَ السَّلامُ عليكم ورحمة الله وبركاته، وهي أشرَفُ التَّحِيَّاتِ وأكرمها.
عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اليسَ مِنَّا مَن تَشَبَّه بغَيرِنا، لا تشَبَّهوا باليهُودِ والنَّصَارَى؛ فإنَّ تسليم اليهود الإشارة بالإصبع، وتسليمَ النَّصَارَى الإشارة بالكف.
نُقِلَ عن أفلاطونَ: إذا دخلتُم على الكرام فعلَيكُم بالسَّلامِ، وتقليل الكلام، وتعجيل القيام، انتهى كلام ابن كمال باشا رحمه الله.
الجزء 1 · صفحة 18
فقد علِمْتَ جَوازَ المُصافحة مُطلَقاً، بل سُنّيْتَها مُطلَقاً، وجَوازَ غيرها من نحو: «صباحُ الخيرِ مُطلَقاً، أو بعد البداءة بالسَّلامِ لِما قدمناه من الحديثِ، وقد نص على فضلِ السَّلامِ الشَّيخُ مُحيي الدين النووي، فقال: سأل رجلٌ النبي صلى الله عليه وسلم: أيُّ الإسلام خيرٌ؟ قال: «تُطعِمُ الطَّعامُ، وتقرأُ السَّلامَ على مَن عَرَفْتَ ومن لم تعرف».
وفي «الصَّحيحَينِ»: «لمَّا خَلَقَ الله آدمَ قالَ له: اذهَبْ فَسَلَّمْ على أُولئكَ، نفر من الملائكة جُلوس فاستَمِعْ ما يُجيبُونَكَ، فإنَّها تحيَّتُكَ وتحيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَقالَ: السَّلامُ عليكم، فقالوا: السَّلامُ عليك ورحمة الله، فزادوه: رحمة الله.
وفي «الصَّحيحَينِ»: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع: بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، وعَونِ الضَّعيف، ونصر المظلوم، وإفشاء السَّلامِ، وإبرار القسم.
وفي «صحيح البخاري»: قالَ عمَّارٌ رَضِيَ اللهُ عنه: ثلاث مَن جَمَعَهُنَّ فقد جَمَعَ الإيمان: الإنصافُ مِن نفسك، وبذلُّ السَّلام للعالم، والإنفاق من الإقتار. وروينا هذا في غيرِ البُخارِي مَرفُوعاً إلى النَّبيِّ، قال النووي رحمه الله: قلتُ: قد جمَعَ في هذه الكلماتِ الثَّلاثِ خَيراتِ الآخرةِ والدُّنيا، فإنَّ الإنصاف يقتضي أن يُؤدِّيَ إلى الله تعالى جميعَ حقوقه، وما أمره به، ويجتنب جميع ما نهاه عنه.
وأن يُؤدِّيَ إلى النَّاسِ حقوقهم، ولا يطلب ما ليس له، وأن يُنصِفَ أيضاً من نفسه فلا يُوقعها في قبيح أصلاً.
الجزء 1 · صفحة 19
وأَمَّا بذلُ السَّلامِ للعالم، فمعناه لجميعِ النَّاسِ يقتضي أن لا يتكبر على أحد، وأن لا يكون بينه وبين أحدٍ جَفاء يمتنع بسببه منَ السَّلامِ عليه، وأمَّا الإنفاقُ مِنَ الإقتار، فيقتضي كمال الوثوق بالله تعالى، والتّوكُل عليه، والشفقة على المُسلمين، وغير ذلك، نسأل الله الكريم التوفيق لجميعه، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير. تنبيه: حيثُ قدَّمنا حديثَ السَّلامِ ناسَبَ أن نذكر كيفيَّةَ السَّلامِ وفضله ومعناه. اعلَمْ أَنَّ الأفضل أن يقول المُسلمُ السَّلامُ عليكم ورحمة الله وبركاته، بضمير الجمع، وإن سلم على واحد؛ لأنَّ معه ملائكة كراماً.
ويقول المُجيب: وعليكُمُ السَّلامُ ورحمة الله وبركاته، ويأتي بواو العطفِ في قوله: وعليكُم، ويرُدُّ على الفور، ويرفعُ كُلَّ صَوتِه بحيثُ يُسمع صاحبه.
روينا في «مُسنَدِ الدَّارِمي» وسُنَنِ أبي داود والترمذي عن عِمرانَ بنِ الحُصّينِ رَضِيَ الله عنهما قال: جاءَ رجُلٌ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: السَّلامُ عليكُم فرد عليه، ثم جلس، فقال النبي: «عَشر»، ثمَّ جاءَ آخر فقالَ: السَّلامُ عليكُم ورحمة الله، فرد عليه وجلَسَ، فقالَ: «عِشرُونَ»، ثمَّ جَاءَ آخر فقالَ: السَّلامُ عليكم ورحمة الله وبركاته، فرَدَّ عليه فجَلَسَ، فقالَ: «ثلاثُونَ». قال الترمذي: حديث حسن.
وفي رواية لأبي داود زيادةً على هذا قال: ثم أتى آخر فقالَ: السَّلامُ عليكُم ورحمة الله وبركاته ومغفرته، فقال: «أربَعُونَ»، وقال: «هكذا تكونُ الفَضائل.
وفي «الجامع الصغير» قال: منَ الصَّدَقَةِ أَن تُسلَّمَ على النَّاسِ وأَنتَ طلق الوجه.
وأمَّا معناه فقد اختُلِفَ فيه، فقال بعضُهم: هو اسم من أسماء الله تعالى، وهو نصُّ الإمامِ أحمدَ في رواية أبي داود، ومعناه: اسم الله عليكَ؛ أي: أنتَ في حفظه، كما يُقالُ: الله يصحَبُكَ اللهُ معَكَ.
الجزء 1 · صفحة 20
وقال بعضهم: السَّلامُ بمعنَى السَّلامةِ؛ أي: السَّلامةُ مُلازِمةٌ لك، كذا في «الآداب».
وقال السَّيِّدُ عليّ السَّمْهُودِيُّ في كتابه المُسمَّى طِيبُ الكلامِ في فوائدِ السَّلامِ: والمُعتَمَدُ أَنَّه دعاء بالسَّلامة مخلوط فيه التَّأمينُ، {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180]، وكلُّ اسم من أسمائه تعالى يُبلِّغُكَ رُتبةٌ مِنَ المَراتبِ بدعائِكَ به، وحقيقته لغةٌ: السَّلامةُ والأَمانُ، انتَهَى.
وقال في «البدائع»: التّسليم لكلِّ بِرِّ وخير انتَهَى.
تنبيه: محل كراهة الإشارة باليد إذا اقتصر عليها؛ لما عن أسماء بنتِ يزيد: «أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مر في المسجد يوماً وعُصبةٌ مِنَ النِّساءِ قُعودٌ، فَأَلْوَى بيده بالتسليم، قال الترمذي: حديث حسن، فهذا محمول على أنَّه صلى الله عليه وسلم جَمَعَ بين اللفظ والإشارة، يدلُّ على هذا أنَّ أبا داودَ رَوَى هذا الحديث وقال في روايته: «فسَلَّمَ علينا».
واعلم أنَّ البداءة بالسَّلام سُنَّة كفاية، وهي أفضل من ردّه، وإنْ كانَ الرَّدُّ فرضاً على الكفاية.
روى الطبراني وغيره، عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: «السَّلام اسم من أسماء الله تعالى فَأَفْشُوهُ بينكُم».
وعن عبد الله بن مسعود، عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «السَّلامُ اسم من أسماءِ اللهِ تعالى وضَعَه في الأرض، فأَفْشُوهُ بينكُم، فإنَّ الرَّجُلَ المُسلِمَ إذا مرَّ بِقَومٍ فسلَّمَ عليهم، فرَدُّوا عليه السَّلامَ كانَ له عليهم فضل درجةٍ بتذكيره إِيَّاهُم السَّلامَ، وإنْ لم يَرُدُّوا عليه رَدَّ عليه من هو خيرٌ منهم»، وهذا وَجهُ فضيلةِ البَداءةِ به على رَدّه.
وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَبخَلَ النَّاسِ مَن بخِلَ بَرَدُّ السَّلامِ.
الجزء 1 · صفحة 21
وقد ثبت أنَّ ابنَ عُمَرَ رَضِيَ الله عنهما كانَ يذْهَبُ إِلى السُّوقِ يُسلَّمُ على مَن لقيه.
وحيثُ علِمْتَ أَنَّ البَداءةَ سُنَّةٌ كفاية، فإذا قدم جماعةٌ فسلَّمَ منهم واحدٌ كَفَى عنهم، ولو سلَّمُوا كلُّهم كَانَ أَفضَلَ.
وأَمَّا رَدُّ السَّلامِ، فإنْ كانَ المُسلَّم عليه واحداً، تعيَّنَ عليه الرَّدُّ، وإِنْ كانُوا جماعةً كانَ ردُّ السَّلامِ فرضَ كفاية عليهم، فإذا ردَّ واحدٌ منهم، سقَطَ الحَرَجُ عن الباقين، وإِلَّا؛ أيمُوا، وإنْ رَدُّوا كلُّهم فهو النّهايةُ في الكَمالِ والفَضيلةِ، وَإِنْ رَدَّ غيرُهم لم يسقط عنهم.
واعلَمْ أَنَّه يُستَحَبُّ إرسال السَّلامِ إلى مَن غاب عنه، وإذا بلغَ الرَّسُولُ، يجب أن يُرد عليه فوراً، ويُستحَبُّ أن يرُدَّ على المُبلّغ أيضاً، فيقول: وعليك وعليه السلام. روينا في سنن أبي داود عن رجُل قال: حدثني أبي عن جدي قال: بعثني أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: الْتِهِ فَأَقرِتْهُ السَّلام، فأتيتُه فَقُلتُ: إِنَّ أبي يُقرِئُكَ السَّلامَ، فقال: «عليك وعلى أبيك السلام.
وفي «السيرة النبوية» للعلامة عبد الملك بن هشام: أن جبريل عليه السَّلامُ أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أقرئ خديجة السَّلامَ من ربها، فقال رسول الله: «يا خديجة، هذا جبريلُ يُقرتُكِ السَّلامَ من رَبِّكِ، فقالَتْ خديجة: الله السلام، ومنه السَّلام، وعلى جبريل السَّلام، انتهى.
وذكرَ السَّيْدُ السَّمْهُودِيُّ مثله.
وفي حديث النسائي زيادة: وعليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته.
الجزء 1 · صفحة 22
ورَوَى السَّيِّدُ السَّمْهُودِيُّ حديثاً في سلام جبريل عليه السّلامُ على عائشة رضي الله عنها، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: «يا عائشة، هذا جبريل يقرأ عليك السلام، فقالَتْ: وعليه السَّلام ورحمة الله وبركاته، وذهَبَتْ تزيد، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إلى هذا انتهاء السَّلام» فقال: رحمتُه وبَرَكاتُه عليكم أهلَ البيت.
ورجاله رجال الصحيح، انتهى.
واعلَمْ أَنَّه يُسَنُّ السَّلامُ عندَ كلِّ لُقي، روينا في «سُنن أبي داودَ» عن أبي هريرةَ رضِيَ الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا لقي أحدُكُم أخاه فَلْيُسَلَّمْ عليه، فإِنْ حالَ بينهما شجرة أو جدارٌ أو حجَرٌ، ثمَّ لِقِيَه فَلْيُسَلَّمْ عليه».
وروينا في «كتابِ ابنِ السُّنِّيّ» عن أنس رضي الله عنه قال: كانَ أَصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يَتَماشَونَ، فإذا استقبلتهم شجرة أو أَكَمةٌ فَتَفَرَّقُوا يميناً وشمالاً ثم التقوا من ورائها، سلَّمَ بعضُهم على بعض، كذا نقله النووي رحمه الله.
قلتُ: ولا يُشترط أن يحول بينهما شيء، بل إذا اشْتَغَلَ عنه بعمَلِ آخرَ ثُمَّ وَاجَهَه سلَّمَ عليه؛ لحديثِ المُسيء صلاته، فإنَّه سلَّمَ على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وفي كلِّ مرَّةٍ يردُّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عليه السَّلام، ولم يشتغل إلَّا بتلكَ الصَّلاةِ بِمَرأى مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم انتهى.
تنبيه: لا يبتَدِئُ بقوله: عليكَ السَّلامُ، ولا فعَليكُم السَّلامُ، وإِنَّما يبتَدِئُ بِقَولِه: السَّلام ... إلى آخره؛ لما في «سنن أبي داود والترمذي» وغيرهما بالأسانيد الصحيحة عن جابرِ بنِ سُلَيم رضِي الله عنه قال: أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فَقُلتُ: عليك السلام يا رسول الله، قالَ: «لا تقل: عليكَ السَّلام، فإنَّ عليكَ السَّلامُ تحيَّةُ المَوتَى».
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
الجزء 1 · صفحة 23
قلتُ: يُؤخذ من مفادِ هذا الحديث أنه لا يجبُ رَدُّ السَّلامِ على المُبتدي بهذه الصيغة، فإنَّ ما ذُكِرَ فيه أنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَدَّ السَّلامَ على المُسلَّم بهذه الصيغة، بل نَهَاهُ النَّبيُّ عنها بقوله: «لا تقُل: عليك السلام»، الحديث.
وهو أحد احتمالات ثلاثة ذكرَها النووي، فيترَبَّحُ كونه ليس سلاماً مُلزِماً الرَّدَّ؛ إذ لو الزَمَ الرَّدَّ لَرَدَّ النَّبيُّ السَّلامَ على المُبْتَدِي بقوله: عليكَ السَّلامُ ثم علمه، كما رَدَّ النبي على المسيء صلاته، ثم علمه حين قال ذلك ثلاثاً، واعلم أنه لو زاد واواً فابتدىَ بقوله: وعليكم السَّلامُ، لا يستَحِقُّ جواباً؛ لأنَّ هذه الصيغة لا تصلح للابتداء، فلم يكن سلاماً، قاله المُتولي من أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ رحمه الله.
تنبيه: يُشيرُ قَولُه: «فإنَّ عليكَ السَّلامُ تحيَّةُ المَوتَى إِلى أَنَّ المَوتَى تَختَصُّ هذه الصيغة بهم، وأما السَّلامُ عليكُم، فهو للأموات كالأحياء غيرَ أَنَّه يزيدُ فيه الدُّعاءَ له وللأموات، ووجهه أنَّ الإمام النووي ذكر بعد هذا قوله: وقَدَّمْنا في كتاب الجنائز كيفية السَّلام على الموتى، ونصه: في صحيح مسلم عن عائشةَ رَضِيَ الله عنها قالت: كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم كلَّما كانت ليلتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرُجُ من آخرِ اللَّيلِ إلى البقيع فيقولُ: «السَّلامُ عليكُم دارَ قَومٍ مُؤمنينَ، وأتاكُم ما تُوعَدُونَ، غداً مُؤَجّلونَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُم لاحِقُونَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأهلِ بقيعِ الغَرقَدِ».
وبالأسانيد الصَّحيحة عن أبي هُرَيرةَ رضي الله عنه، أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ إِلَى المَقبَرَةِ فقالَ: «السَّلامُ عليكُم دارَ قَومِ مُؤمِنينَ، وإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بكُم لاحِقُونَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأهل بقيعِ الغَرقَدِ».
الجزء 1 · صفحة 24
وروينا في صحيح مسلم عن عائشةَ رضي الله عنها، أَنَّهَا قَالَتْ: كيف أقولُ يا رسولَ اللهِ؟ تعني في زيارةِ القُبورِ، قال: قولي: السَّلامُ على أهلِ الدِّيارِ مِنَ المُسلمينَ والمُؤمنينَ، ويرحَمُ اللهُ المُستقدمينَ منا ومنكم والمُستأخِرينَ، وإِنَّا إِنْ شاءَ اللهُ بكُم لاحِقُونَ».
وبالأسانيد الصّحيحة عن أبي هريرةَ رضِيَ اللهُ عنه، أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ إِلَى المَقبَرَةِ فقالَ: «السَّلامُ عليكُم دارَ قَومِ مُؤمنينَ، وإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُم لاحِقُونَ»، انتهى.
فيجوز في السَّلامِ على الموتى تقديمُ لفظ «السَّلامِ» وتأخيرُه؛ لأَنَّهم لا يُرُدُّونَ، والحيُّ ليس فيه إِلَّا تقديمُ السَّلام.
تنبيةٌ مُهِم يُعتَنَى به ويُهتَمُّ بشأنه في كراهة المشي بالنعال بينَ القُبورِ.
روينا في سنن أبي داود والنسائي، وابن ماجه بإسنادٍ حسَن، عن بشر رضِيَ الله عنه، قال: بينما أنا أُماشي النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نظَرْنا فَإِذا رَجُلٌ يمشي بينَ القُبورِ عليه نعلان، فقال: «يا صاحِبَ السَّبْتِيتينِ، أَلقِ سِبْيَّتيتيكَ) وهو بكسر السين المُهملة وإسكان الموحدة: النَّعل التي لا شعرَ عليها.
وإنما قيَّدنا بكَونِ المَشي بينَ القُبورِ؛ إشارة إلى كراهة المشي على القبور مطلقاً؛ لما قال في السراجية»: إذا مرَّ بقبر وقرأ شيئاً بنيته من غير أن يمر عليه لا بأس به.
الجزء 1 · صفحة 25
وفي «اليتيمةِ»: سُئِلَ الخُجَنْدِي عن رجُلٍ قَبْرُ وَالِدَيه بينَ القُبورِ، هل يجوز له أن يمر بينَ قُبورِ المُسلِمينَ بالدُّعاءِ والتَّسبيح ويزُورَهما؟ فقال: له ذلك إِنْ أمكنه ذلك من غيرِ وَطءِ القُبور. وسُئِلَ أيضاً عمَّن له بقعةٌ مملوكةٌ بين المقابر يُريدُ أن يتصرف في تلك البقعة ولا طريق له إلا على المقابر، هل له أن يتخَطَّى المقابر؟ فقال: إنْ كانَ الأمواتُ في التوابيت فلا بأس، قال: وكذلك إنْ كانُوا في غيرِ التَّوابيت، انتَهَى كذا في «التَّرخَانِيَّةِ». قلت: وقد كانَ بعضُ مشايخي من أهلِ الطَّريقِ لا يمشي بنعل في القرافة ولا في غيرها من المقابر معَ كِبَرِ سِنه، سواءٌ كانَ في شِدَّةِ بردٍ أو حرّ رحمه الله، وكان يتأدَّبُ ويَتَناوَبُ معَ أصحابه في حملِ نِعالهم مربوطةً في خِرقةٍ للجميع.
وأخبرني أعاد الله علينا من بركاتِه أنه كان معه شاب من أولادِ الفُقَراء لزيارة القرافَةِ، فلما كان قريباً من تُربةِ العارف بالله تعالى شيخ الإسلام العز بن عبد السلام لجهة الجبل عندَ قَبَرَين يُقالُ إنَّهما أوَّلُ مَن دُفِنَ بالقَرافَةِ، فَكُشِفَ عن تلك البقعة لهما فرأياها من فِضَّةٍ، فَصَعِقَ الشَّاب وخَرَّ مَغشيا عليه، وملك الفقير - أي: الشَّيخُ - حاله وقَوِيَ عليه، وحصَلَ مرَّةً بالقرافة لبعض أتباعه حال فتَزايد عليه، فسمِعْتُ الشَّيخَ يُنشِدُه:
أنا قَبلَ عِرفاني الهوَى بِعتُ مُهجَتي ولما تملكني الغرام بليت
وأخبرني شيخي العلامة محمد الحموي الحنَفِيُّ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّ المَوتَى يَتَأَذُونَ بخَفْقِ النِّعَالِ على قبورهم.
نرجع إلى ما نحنُ بصَدَدِه، قدَّمْنا أَنَّ البَدَاءَةَ تكونُ بالسَّلامِ، ثُمَّ يعقبها بالمُصافحة والكلام، وهذا في حق أهل الإسلام.
الجزء 1 · صفحة 26
وأمَّا أهلُ الذَّمَّةِ: فلا يُبدَؤُونَ بالسَّلامِ، ولا يُصافَحُونَ، واختَلَفَ العُلَماءُ في جواز بداءتهم به، فقَطَعَ أكثرُ الشَّافعيَّةِ بأنَّه لا يجوزُ ابْتِدَاؤُهُم بِالسَّلامِ، وقالَ آخَرُونَ منهم ليس بحرام، بل هو مكروه.
روينا في صحيح مسلم عن أبي هريرةَ رضِيَ اللهُ عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا تَبدَؤُوا اليهود ولا النَّصارى بالسَّلامِ، فإذا لقيتُم أحدَهُم في طريق فاضْطَرُّوه إلى أضيقه».
وروينا في صحيح البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا سلَّمَ عليكُمْ أهل الكتاب فقُولُوا: وعليكم».
وروينا في صحيح البخاري ومسلم عن ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما، أَنَّ رسولَ الله قالَ: «إذا سلَّمَ عليكُمُ اليهودُ فإنَّما يقول أحدُهُم: السَّامُ عليكَ، فقُل: وعليك.
وفي المسألة أحاديثُ كثيرةٌ نحو ما ذَكَرْناهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
قال أبو سعيد المُتولّي: ولو سلَّمَ على رجُلٍ ظَنَّهُ مُسلِماً فبانَ كَافِراً يُستَحَبُّ أَن يستَرِدَّ سلامه، فيقول له: رُدَّ عليَّ سلامي، والغَرضُ من ذلك أن يُوحِشَه ويُظْهِرَ له أنَّه ليس بينهما أُلفة.
ورُوِيَ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما، سلَّمَ على رجُلٍ فقيل له: إِنَّه يهودي، فتَبِعَه وقال له: رُدَّ عليَّ سلامي.
وقال الإمام مالك رحمه الله: لا يستقبله.
وقال أبو سعيد: لو أراد تحيَّةَ ذِمّيٌّ فعلها بغيرِ السَّلامِ، بأنْ يقول: هَداكَ اللهُ، أو أنْعَمَ اللهُ صباحَكَ.
قال الإمامُ النَّوويُّ: هذا الذي قاله أبو سعيد لا بأس به إذا احتاج إليه، فيقول: صُبحت بالخير وبالسَّعادة، أو بالعافية، أو صبَّحَكَ اللهُ بالسرور، أو بالسَّعادة والنعمة، أو بالمَسرَّةِ، أو ما أشبه ذلك.
الجزء 1 · صفحة 27
وأما إذا لم يحتج إليه فالاختيارُ أنْ لا يقول شيئاً، فإنَّ ذلك بسط له وإيناس وإظهار صورة ود، ونحنُ مأمورُونَ بالإغلاظِ عليهم، ومَنهِيُّونَ عن وُدِّهِم، فلا تُظهِرُه، والله أعلَمُ. انتَهَى كلام الإمام النووي رحمه الله.
وقال في «المُحيطِ» من كتُبِ أَئِمَّتِنا الحنفية: وأَمَّا السَّلامُ؛ أي: على أهلِ الذَّمَّةِ، فقالوا: يُكرَهُ؛ لما فيه منَ التَّعظيم والتكريم، وتعظيمهم مكروه، أَمَّا رَدُّ السَّلامِ لا بأس به؛ لأن الامتناع عنه يُؤذيهم، فالرَّدُّ إحسان في حقهم، وإيذاؤُهم مكروه، والإحسان لهم مندوب، ولكن لا ينبغي أن يزيد على قوله: وعليكم؛ لأنه قيل: إنَّهم يقولون: السام عليكم، وأنَّه شَتم عندهم، فيُجازَونَ بقوله: وعليكم بطريقِ المُجازاة. وهكذا رُوِيَ أَنَّ يهودِيًا دخَلَ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وقالَ: السَّامُ عليكَ، فقالَ: وعليك، وقد سمِعَتْ عائشة رضي الله عنها ذلك فقالت: وعليك السَّامُ واللعنةُ والسُّخط، فلمَّا خَرَجَ اليهودي قال عليه السَّلامُ لعائشة: «لا تكوني فاحشة. انتهى.
وقال في التجنيس والمزيد: لا بأسَ بَرَدَّ السَّلام على أهلِ الذِّمَّةِ؛ لأنَّه نُقِلَ عن عُمَرَ رَضِيَ الله عنه أنه نهى عن البداءة بالتَّحيَّةِ على أهلِ الذَّمَّةِ، فالنَّهي عن البداءة دليل إباحةِ الرَّد، لكن لا يزيد على قوله: وعليك، هكذا قال الإمام الإسبيجابي في «شرح الطَّحاوِيِّ»، انتَهَى.
قلتُ: وقدَّمْنَا النَّهِيَ عنِ النَّبِيِّ، انتهى.
ومنهُم مَن لم ير بأساً بالسَّلامِ على أهلِ الذَّمَّةِ، والمُختارُ هو الأَوَّلُ، وكذا قال قاضيخان: الصَّحيحُ الأَوَّلُ، وهو كراهة السَّلامِ عليهم ابتداء، انتهى. وذلك لما قدَّمْناهُ عنِ البَدائع» من أنَّ التَّسليم اسم لكُلِّ بر وخير، ولا يجوز مثل هذا الدُّعاء للكافر، إلَّا أنَّه إذا سلَّمَ لا بأسَ بالرَّد عليه مُجازاة، انتهى عبارة
البدائع.
الجزء 1 · صفحة 28
ثم قال في «التَّجنيس»: وهذا إذا لم يكُن للمسلم إليه حاجةٌ، فإنْ كانَ لا بأس بالسلام عليه؛ لأنَّ النهي كانَ لتوقيرِ الذُّمِّيُّ، وَالسَّلامُ إِذا كانَ لحاجةٍ فليس فيه توقير الدمي، وتُكرَهُ مُصافحته؛ لأن فيها توقيرَ الذَّمِّي ولا يدعو له بالمغفرة، ولو دعاله بالهدى جاز؛ لأنه عليه الصلاة والسَّلامُ قَالَ: «اللَّهُمَّ اهدِ قَومي فإنهم لا يعلَمُونَ.
ولو دعا له بطولِ العُمرِ، قيلَ: لا يجوز؛ لأنَّ فيه التَّمادي على الكُفْرِ، وقيل: يجوز؛ لأنَّ في طولِ عُمرِه نفعاً للمسلمين بأداء الجزية، فيكون دعاء لهم، وعلى هذا الخلافُ في الدُّعاء له بالعافية، انتهى.
كذا في «العناية»، من غير نظر للنية.
وقد قال في «التَّجنيس»: مُسلِمٌ قالَ لِذِمي: أطال الله بقاءَكَ، فهذا على ثلاثة أوجه:
إِمَّا إِنْ نَوَى بقلبه أنَّ الله تعالى يُطيل بقاءَهُ لعلَّه يُسلِمُ، أو نَوَى بِقَلْبِهِ أَن يُؤدِّيَ الجزية عن ذُلِّ صَغاراً، أو لم ينو شيئاً.
ففي الوجهِ الأَوَّلِ لا بأس به؛ لأنَّه دُعاء له بالإسلام، وفي الوجه الثاني كذلك؛ لأنَّ فيه منفعة المسلمين، وفي الوَجهِ الثَّالِثِ لا يجوز.
وتجوز عيادة الذَّمِّي ولو مجوسيا، وقيل: إنْ كانَ مجوسيا لا يعود؛ لأنَّه أبعد عن الإسلام من أهل الكتابِ، وَجهُ الجواز ما فيه من إظهار محاسنِ الإِسلامِ وتَرغيبه وتأليفه، وقد نُدِبنا إليه.
واختَلَفُوا في عيادةِ الفاسقِ المُسلِمِ، والأصَحُ أَنَّه لا بأس بها؛ لأَنَّه مُسلِمٌ، والعيادة من حقوقِ المُسلمين، كما في «العناية».
ثمَّ قال في «التجنيس»: وإذا اجتَمَعَ المُسلِمونَ والكُفَّارُ يُسلَّم عليهم، ويقول: السَّلامُ عليكُم، وينوي بقَلبِه المُسلِمينَ دُونَ الكُفَّارِ، ولو قالَ: السَّلامُ على مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى يجوز. انتهى عبارةُ التَّجنيس والمَزيد».
الجزء 1 · صفحة 29
وأمَّا مُعانقةُ المُسلِمِ وتقبيله، فقال صاحبُ «الهداية»: ويُكرَهُ أَن يُقبِّلُ الرَّجُلُ فمَ الرَّجُلِ، أو يدَه، أو شيئاً منه، أو يُعانِقَه في إزارٍ واحد، أمَّا إذا كان عليه قميص أو جُبَّةٌ لا بأس به بالإجماع، وهو الصحيح؛ لأنَّه حينئذ يكون على وجهِ البِرِّ والكرامة، وهو أمر ممدوح بينَ النَّاسِ.
قال شارِحُها الإمامُ العَيني رحمه اللهُ لِما رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَانَقَ جَعفَراً حين قدِمَ من الحبشة، وقبل بين عينيه، قال الحاكم: إسناده صحيح، وقال: «والله ما أدري بأيهما أفرَحُ، بفتح خيبر أم بقدومٍ جَعفَرٍ»، وهاجَرَ نُعَيمٌ إلى المدينة في أربعين نفراً من أهله، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فَاعتَنَقَه وقبله، انتهى.
وفي «العناية قال: وعن عطاء: سُئِلَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما عن المعانقة فقالَ: أَوَّلُ مَن عانق إبراهيم خليل الرَّحمنِ، صلواتُ الله وسلامه عليه، كان بمكة فأقبل إليها ذو القرنين، فلما وصل بالأبطح قيل له: في هذه البلدة خليل الرحمن، فقال ذو القرنين: ما ينبغي لي أن أركب في بلدة فيها خليل الرحمن، فنزل ذو القرنين ومشى إلى إبراهيم، فسلَّم عليه إبراهيم واعتنقه وكَانَ أَوَّلَ مَن عانَقَ.
وقد ورَدَ أحاديثُ في النهي عنِ المُعانقة وتجويزها، والشَّيخُ أبو منصور الماتريدي وفق بينهما فقال: المكروه منها ما كان على وجهِ الشَّهوةِ، وَأَمَّا على وَجهِ البر والكرامة فجائز، انتهى.
نرجع لما نحنُ بصَدَدِه، قال في الهداية»: ولا بأسَ بالمُصافحة؛ لأنَّه. المُتوارث، أرادَ أَنَّه سُنَّةٌ قديمةٌ في البيعة وغيرها، قال عليه الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: مَن صافح أخاهُ المُسلِمَ وحرَّكَ يدَه تناثَرَتْ ذُنوبه.
الجزء 1 · صفحة 30
وقال الشَّارِحُ العَيني رحمه الله: قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا لَقِيَ المُؤْمِنَ فسَلَّمَ عليه، وأخَذَه بيده فصافَحَه تناثَرَتْ خَطاياهما كما يتناثَرُ ورَقُ الشَّجرِ»، رواه الطبراني والبيهقي (1).
وأخرج البيهقي عنِ البَراء بن عازب قالَ: دخَلتُ على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَرَحْبَ بي، وأخذ بيدي، ثم قال لي: يا براء، أتدري بم أخذتُ بيدك؟» قال: خيراً يا رسول الله، قالَ: «لا يلتقي مُسلِمٌ مُسلِماً فيُرحّب به ويأخُذُ بيدِهِ إِلَّا تَناثَرَتِ الذُّنوبُ بينَهما كما يتناثَرُ ورَقُ الشَّجرِ»، انتَهَى.
قلتُ: ففي قول «الهداية»: «لا بأسَ» تسامح؛ لأنَّ نفي البأس يقتضي الإباحةَ لا السنة وقد استدل على المُصافحة بالسُّنَّةِ، فكانَ ينبغي أن يقول: ونُدِبَتْ أَو سُنَّتِ المصافحة، ولذا قالَ الشَّارِحُ العَينيُّ: أَرادَ أَنَّه سُنَّةٌ قديمة ... إلى آخره. وفي الحديثِ الذي ذكره الشَّارِحُ بيان لما ذكَرْناه من أَنَّ المُصافحةً ونحوَها تكونُ بعدَ السَّلامِ، انتَهَى.
ثمَّ قالَ العَيني رحمه الله: وأخرَجَ التّرمذيُّ أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «من تمامِ عيادة المريض أن يَضَعَ أحدُكُم يدَه على جبهته، ومن تَمامِ التَّحِيَّةِ المُصافحة». وعند البخاري عن قتادة قال: قلتُ لأنس: أكانَتِ المُصافحةُ في أصحابِ رسول الله؟ قال: نعم، انتهى.
قلتُ: وهذه تشمَلُ أوقاتَ الصَّلاةِ، انتَهَى.
ثمَّ قالَ الشَّارِحُ العَيني رَحِمَهُ اللهُ: ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الكلام في هذا الباب على فصول، الأول في أنواع التقبيل، قال الفقيه أبو الليث في شرح الجامع الصغير»: يُقال: القبلة على خمسةِ أوجه:
قبلة تحيَّة، قلتُ: وهي تنقسم إلى خمسةِ أقسام سنذكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللهُ تعالى، وقُبلةٌ شَفَقَةٍ، وقبله رحمة، وقبلةٌ مَوَدَّةٍ، وقبلةٌ شَهوة. قلتُ: وهي على قِسمَينِ سنذكُرُهما.
الجزء 1 · صفحة 31
فأمَّا قُبلةُ التَّحِيَّةِ، فكالمُؤمنينَ يُقبِّلُ بعضُهم بعضاً على اليد.
وقبله الرّحمةِ قبله الوالد لولده، والوالدةِ لوَلَدِها، يُقَبَّلُ على الخد.
وقُبلةُ الشَّفَقةِ قبله الولد لوالده أو لوالِدَتِه يُقبَّلُ على الرَّأْسِ. وأمَّا قُبلة المودَّةِ فهي تقبيله أخاه وأخته على الخد.
وقبلة الشهوة قبلة الزوج لزوجته على الفم.
وفي «الكفاية» لتاجِ الشَّريعةِ: وزادَ بعضُهم: قُبلة ديانة، وهي القبلة على الحجرِ الأسود.
عن ابنِ عمرَ رَضِيَ الله عنهما أنَّه كانَ في سرِيَّةٍ من سَرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكَرَ قِصَّةً، قال: فدَنَونا منَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَبَّلْنا يدَه.
وعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالَتْ: ما رأيتُ أحداً أشبَهَ سَمْتاً ودَلاً وهَدْياً برسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم من فاطمة ابنته رضي الله عنها، قالَتْ: وكانَتْ إِذا دخَلَتْ عليه قام إليها، وأجلسها في مجلسه، وكانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إذا دخل عليها قامَتْ إليه، فتُقبَّلُه وتُجلِسُه في مجلسها، قال الترمذي: حديث حسن. وفي بعض النسخ: حسَنُ صحيح
وأخرَجَ التُّرمذي أنَّ قَوماً منَ اليهودِ قبَّلُوا يدَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ورجليه. قال الترمذي: حسن صحيح.
وأخرج أبو داودَ عنِ الزَّارع بنِ عامر قالَ: فَجَعَلْنا نَتَبَادَرُ من رَواحِلِنا ونُقبِّلُ يدَ النبي صلى الله عليه وسلم ورجله.
وأخرَجَ التُّرمذي وابن ماجه في الجنائز، عن عائشةَ أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم دخَلَ عُثمان بن مظعون وهو ميِّتٌ، فأكَبَّ عليه وقبله، ثمَّ بَكَى، حتى رأيتُ دُموعه تسيل على وجنتيه.
وحديث ابن عباس وجابرٍ وعائشةَ رَضِيَ الله عنهم أَنَّ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللهُ عنه قبل النبي صلى الله عليه وسلم وهو ميت.
الجزء 1 · صفحة 32
وأخرج أبو داودَ عن أُسَيدِ بنِ حُضَير قال: بينا هو يُحدِّثُ القَومَ يُضحِكُهم، وكان فيه مزاح، إذ طَعَنَه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في خاصرته بعُودٍ، فقالَ: أَصْبِرْني يا رسول الله، قالَ: «اِصْطَبِرْ»، قالَ: إنَّ عليكَ قَميصاً وليس عليَّ قميص، فَرَفَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عن قميصه، فاحتَضَنَه وجعَلَ يُقبِّلُ كَشْحَه، وقالَ: إنَّما أَرَدْتُ هذا يا رسول الله.
قوله: «أَصْبِرْني»؛ أي: أقِدْني. قوله: «اِصْطَبِرْ»؛ أي: استَقِدْ. وأخرج الحاكم أنَّ رجُلاً أتى النبي الله فقال: يا رسول الله، أَرِني شيئاً أزداد به يقيناً، قال: «اذْهَبْ إلى تلك الشَّجرةِ فادعُها»، فذهَبَ إليها فقالَ: إِنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يدعُوكِ، فجاءَتْ حتَّى سَلَّمَتْ على النبي، فقال لها: «ارجعي»، فَرَجَعَتْ، قالَ: ثمَّ أذِنَ له فقبل رأسه ورجليه، وقال: لو كُنتُ آمِراً أحَداً أن يسجد لأحد لأمَرْتُ المرأة أن تسجد لزوجها. وقال: صحيح الإسنادِ.
وصنف الحافظ ابنُ المُقري جُزءاً في الرّخصة في تقبيل اليد، ذكر فيه أحاديث وآثاراً عنِ الصَّحابة والتابعينَ رَضِيَ الله عنهم أجمعين.
قال الإمامُ العَيني رحمه الله: فعلِمَ من مجموع ما ذكرنا إباحة تقبيل اليد والرجل والرأس والكشح، كما عُلِمَ من الأحاديث المُتقدِّمة إباحتها عن الجبهة وبينَ العَينَينِ وعلى الشفتين إذا كان على وجهِ المَبرةِ والإكرام.
وأما إذا كانَ على وَجهِ الشَّهوةِ، فلا يجوز إلَّا في حقٌّ الزَّوجَينِ والسَّيِّدِ وأمَتِه. وذكر في الواقعاتِ»: تقبيل يد العالم أو السلطانِ العادلِ جائز؛ لِما رُوِيَ عن سفيان أنَّه قال: تقبيل يد العالم والسلطانِ العادلِ سُنَّةٌ، فَقامَ عبد الله بنُ المُبارَكِ وقبل رأسه، وقالَ: مَن يُحسِنُ هذا غيرك؟
الجزء 1 · صفحة 33
وأما تقبيل يد غيرهم فقد تكلَّمُوا فيه، فمنهُم مَن قَالَ: إِنْ كَانَ الرَّجُلُ يَأْمَنُ على نفسه وينوي حسبةً، وهو تعظيمُ المُسلم وإكرامه لا بأس به، ثمَّ قال في الواقِعاتِ»: والمُختارُ أنَّه لا رُخصة فيه عنِ المُتقدِّمينَ، قال الإمامُ العَيني رحمه الله: قلتُ: هذا خلافُ ما في الأحاديث.
وفي الغاية»: وأمَّا تقبيل الأرض بين يدي العُلماء وغيرهم، قالوا: إنَّه حرام لا إشكال فيه، والفاعل والراضي بذلك آثِمٌ؛ لأنَّه يُشبِهُ عبادةَ الوَثَنِ.
وفي «شرحِ الطَّحاوي»: وأما ما يفعله الجُهَّالُ من تقبيل يد نفسِه إِذا لقي غيرَه فهو مكروه فلا رُخصةً فيه.
وفي «الكافي» رخَّصَ بعضُ المُتأخرينَ تقبيل يد العالم أو المُتورِّعِ، قال في الدررِ والغُررِ»: هذا على سبيلِ التَّبَرُّكِ، وقالَ العَيني رحمه الله: قلتُ: وكذلك يدُ الوالدين والأستاذ وكلٌّ مَن كانَ يستحِقُ التَّعظيمَ والإكرام. انتَهَى.
فحاصِلُ الأمرِ اختِلافُ العلماءِ في تقبيلِ الرَّجل يدَ غيره، وأصله كما قال في «الهداية»: ويُكرَهُ أن يُقبَّلَ الرَّجلُ فمَ الرَّجُلِ أو يده أو شيئاً منه، وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وقالا رحِمَهُما الله: لا بأسَ بالتقبيل والمُعانَقةِ، انتهى.
وقال قاضيخان: لا بأس بتقبيل يد العالم والسلطانِ، وتكلَّمُوا في تقبيل يدِ غيرهما. انتهى.
قال بعضُهم: إنْ أرادَ تعظيمَ المُسلم لإسلامه فلا بأس به، والأولى أن يُقبل، فقد استفيد من هذا خمسة أقوال في قبلةِ التَّحِيَّةِ:
أحدها: كراهة التقبيل مطلقاً، وهو قول الإمام.
والثاني: قولُ الصَّاحِبَينِ أَنَّه لا بأس به.
والثَّالث: التفصيلُ إنْ كانَتِ القُبلةُ للتَّبرُّكِ؛ كتقبيل يد العالم والمُتَورّع والسلطانِ العادل، فقد رَخَصَه بعضُ المُتأخرينَ، وعلمتَ مُفادَ الأحاديثِ سُنيّتها أو ندبها، كما أشار إليه العَيني رحمه الله.
الجزء 1 · صفحة 34
والرابع: تقبيلُ مَن لا يُتبرَّكُ به، وإنَّما أرادَ فاعِلُها شيئاً آخرَ من عَرَضِ الدُّنيا، فهو مكروه.
والخامس: إنْ أرادَ فاعِلُها تعظيمَ المُسلم وإكرامه، فلا بأس بها؛ أي: القبلة كما في «السراج الوهاج»، انتهى.
وقيدنا بقبلة التحية إشارة إلى أن قبلة الشهوة خارجة عن هذه الأقسام، وقدمنا أَنَّها - أي: قبلةَ الشَّهوة - تنقسم إلى قسمين، وتقدَّمَ الجائِز منها، وهي قبلةُ الزَّوجَينِ على القَمِ، أو المولى سريته، بل هو مُستَحَبُّ.
والقِسمُ الثَّاني: التَّقبيل في محلّ غيرِ الزَّوجة والمملوكة بشهوة، سواء كانت على الفم أو غيره.
ومنه ما نقله العلامة عليٌّ المَقدِسي رحمه اللهُ في «شَرحِه» على «القنية»، ونصه:
ويُكرَه تقبيل امرأةٍ فمَ امرأةٍ أُخرَى أو خدَّها عندَ اللّقاء أو الوَداعِ، انتَهَى.
الفصل الثاني في القيامِ ِللرَّجل والمرأةِ:
اختَلَفُوا فيه، فمنهُم مَن مَنَعَ من ذلك؛ لِما رَوَى أبو داود بإسنادِه إلى أبي أمامةَ قالَ: خرج علينا رسول الله الله متوكَّنَّا على عصا، فقمنا إليه، وقال: «لا تَقُومُوا كما تقوم الأعاجِمُ يُعظَّمُ بعضُهم بعضاً.
ومنهم من أباحه؛ استدلالاً بقيامِ النَّبي الله لبنته فاطمة رضي الله عنها، وهو الذي ذكرناه عن قريب.
ومنهم مَن فصَّلَ على ما قال قاضيخان قوم يقرَؤُونَ القُرآن، أو واحدٌ، فَدخَلَ عليه واحدٌ من الأشراف، قالوا: إنْ دخَلَ عليه عالِمٌ أو أبوه أو أُستاذه، جازَ أن يقوم لأجله، وفي سوى ذلك لا يجوزُ، انتَهَى.
قلتُ: وفي مجمعِ أستاذه الذي علَّمه القُرآنَ، أو العلم، أو أبوه، أو أُمه، ولا يجوز القيام لغيرهم، وإنْ كان الجائِي منَ الأجِلَّة والأشرافِ.
الفتاوى» للأنطاكي: قيام القاري جائز إذا جاءَ أَعلَمُ منه، أو وفي «مُشكل الآثارِ»: القيامُ لغَيرِه ليسَ بمَكروه لعينه، إنَّما المكروه تحيَّةُ القيام لِمَن يُقامُ له، فإنْ قامَ لِمَن لا يُقامُ له، لا يُكرَهُ، انتَهَى.
الجزء 1 · صفحة 35
وقالَ ابنُ وَهْبانَ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في «مَنظُومَتِه»:
ومَن قامَ إجلالاً لشخص فجائز وفي غير أهل العلم بعضُ يُقررُ.
أي: وقال بعضهم: لا يجوز ذلك إلا لأهل العلم.
وفي القنية»: لا يُكرَهُ قيام الجالس في المسجدِ لمن دخل عليه تعظيماً له، ثمَّ حكى ما قدمناه عن «مُشكل الآثارِ، ثمَّ عقبه بقوله: أقولُ: وفي عصرنا ينبغي أن يُستحب ذلك؛ أي: القيام؛ لِما يُورِثُ تركه من الحقد والبغضاء والعداوة، لا سيما إذا كان ذلك في مكان اعتيد فيه القيام.
وما وَرَدَ منَ التَّوعُدِ عليه إنَّما هو في حقٌّ مَن يحبُّ القيام بين يديه، كما يفعله الترك والأعاجم. وعدم ورودِه عن النَّبي و والصَّحابة، ولم يفعَلُوه؛ أي: القيام للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لا يدلُّ على كراهيه؛ لأنه لم يكن من عادَتِهم، وقد ورَدَ: «قُومُوا السَّيِّدِكُم»؛ أي: قالَ النَّبِيُّ للصحابة رضي الله عنهم: «قُومُوا السَّيِّدِكُم حينَ قَدِمَ عليهم سعدُ بنُ أَبي وقاص رضِيَ الله عنهم، وقَدَّمْنا قيامه صلى الله عليه وسلم لبنته فاطمة رضي الله عنها.
ثم قالَ العَيني: ومنهم من قالَ: إنْ كانَ الدَّاخِل على قوم أو على أحد ممن يتوقَّعُ القيام له ينبغي أن يقوم حتَّى لا يتضرَّرَ بَتَركِهِ، وَإِنْ كَانَ لا يَتَوَفَّعُ ذلك يتركه.
كما حكي عن الشَّيخِ أبي القاسمِ السَّمَر قَندِيِّ الحكيمِ أَنَّهُ كَانَ إِذا دَخَلَ عليه أحد من الأغنياء يقومُ له ويُعظُّمُه، ولا يقومُ للفقراء وطلبة العلم، فقيل له في ذلك، فقال: لأن الأغنياء يتوقعونَ منّي التَّعظيم، فلو تركتُ تعظيمهم تضَرَّرُوا، والفُقَراءُ وطَلَبَةُ العلم لا يطمعونَ في ذلك، وإنَّما يطمَعُونَ جوابَ السَّلامِ والتَّكلُّمَ معَهم في العلم ونحوه، فلا يتضَرَّرُونَ بَتَركِ القيام، انتَهَى.
وفي مواهبِ الرَّحمنِ»: ويُكرَهُ الانحناء للسلطان أو غيره، قيل: والقيام للتعظيم، انتهى.
الجزء 1 · صفحة 36
فقد ا د ضَعُفَ القَولُ بكراهةِ القِيامِ، انتَهَى.
وهذا في غير حالة قراءةِ القُرآنِ، فقد قالَ قبل هذا ويحرُمُ قيامُ التَّالي للداخل: عليه، إلَّا لأُستاذه أو أبيه، انتهى.
ونقل العلامةُ الشَّيخُ عليُّ المَقدِسيُّ رحمه الله في «شرحه على القنية» ما نصه:
لا يُكرَهُ قيام الجالس في المسجدِ لمَن دخل عليه تعظيماً له، انتهى. ثمَّ قالَ العَيني رحمه الله: الفَصلُ الثَّالثُ في السُّجودِ لغَيرِ الله سبحانه وتعالى. ذكر المحبوبي في شرح الجامعِ الصَّغير»: أمَّا السُّجودُ لغَيرِ الله، فهو كُفْرٌ إذا كانَ في غير إكراه، وما يفعله بعضُ الجُهَّالِ منَ الصُّوفيَّةِ بينَ يَدَي شيخهم، فحرام محضٌ، أقبَحُ البِدَعِ، مَنهِيُّونَ عن ذلك لا محالة؛ لقوله عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا تفعَلُوا، لو كُنتُ أمراً أحداً أن يسجد لأحدٍ لأمَرتُ النِّسَاءَ أَن يسجُدْنَ لأَزْواجِهِنَّ؛ لِما جَعَلَ الله لهم عليهِنَّ مِنَ الحقِّ»، أخرجه أبو داودَ وغيره؛ أي: لا يسجدوا، ذلك حين قالوا له: أنتَ أحقُّ يا رسولَ اللهِ أن نسجد لك.
وفي «الواقعاتِ»: إذا قيل للمُسلم: اسجد للملكِ وإِلَّا قتلناكَ، فالأفضَلُ أَنْ لا يسجدَ؛ لأنَّه كُفْرٌ، والأفضل أن لا يأتي بما هو كفر صورة، وإنْ كانَ في حالةِ الإكراه، وإنْ كانَ السُّجود سُجود تحيَّة، فالأفضل أن يسجدَ؛ لأنَّه ليس بكفر، وهذا دليل على أنَّ السُّجودَ بنيَّةِ التَّحِيَّةِ إذا كانَ خائِفاً لا يكون كفراً، فعلى هذا القياس لا يكون من سجَدَ عندَ السُّلطان على وجهِ التَّحِيَّةِ كافراً، انتهى لفظ «الواقعات».
ثم قال العَيني رحمه الله: قلتُ: في هذا الزَّمانِ لا يسجدون للسلطانِ إِلَّا تعظيماً وإجلالاً، فلا يُشَكُ فِي كُفِرِهم. انتهى كلامه.
وفي فَتَاوَى ناصِرِ الدِّينِ الحَسَنِيِّ: التَّواضُعُ لَغَيرِ الله حَرام.
الجزء 1 · صفحة 37
وفي «الكافي»: وقال شمسُ الأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ رحمه الله: السُّجودُ لغير الله على وَجهِ التَّعظيمِ كُفر، انتهى كلامُ العَيني رحمه الله.
تتِمَّةٌ: فيما للمُسلم على المُسلم: أن يستر عورته، ويغفِرَ زَلَّته، ويرحَمَ عَبرتَه، ويُقيلَ عَشَرتَه، ويقبَلَ مَعذِرَتَه، ويرُدَّ غَيبَتَه، ويُديم نصيحته، ويحفظ خُلَّته، ويرعى ذِمَّته، ويُجيبَ دَعوَتَه، ويقبَلَ هَدِيَّنَه، ويُكافِي صِلَته، ويشكر نعمته، ويُحسِنَ نُصرَتَه، ويقضي حاجته، ويُشمت عطسته، ويزيد تحيته، ويلتقط ضالته، ويصون حليلته، ويمنح ذُرِّيته.
ويشفَع فيه، ويُواليه، ولا يُعادِيه، وينصره على ظالميه، ويكفّه عن ظلم غيره، ولا يُسلمه، ولا يخذله، ويُحبّ له ما يُحبُّ لنفسه، ويكره له ما يكرهه لنفسه، ويبتدئه بالإحسان، وإن فعل معه نقيضه بأميه.
وفي «البرهان»: قالَ: المُؤمن على المُؤمِنِ سِتُّ خِصال: يعوده إذا مرِضَ، ويشهده إذا مات، ويُجيبه إذا دعاه، ويُسلَّم عليه إذا لقيه، ويُشمِّتُه إذا عطَسَ، وينصَحُ له إذا غابَ، مُتفق عليه، انتَهَى.
وفي الأربعين» للحافظ الشرعي: قال: «لا راحةَ في الدُّنيا للمؤمنِ إِلَّا في ثلاث: في تركِ الدُّنيا، وطلب العلم، وصُحبة الصالحين.
وبالجملة ينبغي أن يجمَعَ بينَ وَصفِ السَّخِي والكريم، ويتحاشى عن وَصفِ البخيل واللئيم.
قال ابن العمادِ رحمه الله: سؤال: ما الفرق بينَ السَّخي والكريم، واللئيم والبخيل؟
الجواب: قالَ النَّيسابُورِيُّ: الذي يجمعُ ويمنَعُ، ولا ينفَعُ ولا يشفَعُ، هو اللَّيمُ، والذي يجمَعُ ويمنعُ ويشفَعُ ولا ينفَعُ هو البخيل، والذي يجمعُ ويمنعُ ويَشْفَعُ ويَنفَعُ هو السَّخِي، والذي يجمَعُ ولا يمنعُ وينفَعُ ويشفَعُ هو الكريم، ولهذا لا يُقالُ: الله تعالى سخي، ويقال له: كريمٌ جَوادٌ؛ لأنَّه فعلَ لينفَعَ غيرَه، انتَهَى.
***
خاتمة حُسنَى إِنْ شَاءَ الله تعالى لِما قَدَّمناهُ
الجزء 1 · صفحة 38
بيان لما نحنُ بصَدَدِه من أمرِ المُصافحة، وناسَبَ إِنْ ذَكَرْنا ما يتعلق به من السَّلام، وقدَّمنا بعضاً من أحكامِ السَّلامِ من كلام أئِمَّتِنا الحنفية، ومن كلام إمامِ الشافعية والمحدثينَ الشَّيخ المُحقِّقِ العارف بالله تعالى الشيخ محيي الدِّينِ النَّووي أعاد الله علينا من بركاتِهم. استطرَدْنا فُروعاً من كلامِ أَئِمَّتِنا الحنفية في حُكمِ السَّلام:
قال في «البُرهان»: يُسلَّمُ الرَّاكِبُ على الرَّاحِلِ؛ لَقَولِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: يُسلَّمُ الرَّاكِبُ على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير»، متفق عليه. ويُسلّمُ الرَّجُلُ على المرأةِ؛ لأنَّ النَّبي مر على نِسوة فَسَلَّمَ عَليهِنَّ، رَواهُ الإمام أحمد.
وروى الترمذي عن أنس قالَ: «يَا بُنَيَّ إذا دخَلْتَ على أهلِكَ فَسَلَّمْ؛ يَكونُ بركةً عليك وعلى أهل بيتك، انتهى.
وفي «التَّرْخانيَّةِ»: يُسلَّمُ الماشي على القاعد، والراكب على الماشي، والصغير على الكبير، وإذا التقيا فأفضلُهما يسبقهما، فإنْ سلَّما معاً يَرُدُّ كلُّ واحدٍ، وقال الحسن: يبتَدِى الأقل بالأكثَرِ.
وفي فتاوى آهو: السَّلامُ سُنَّةٌ، ويُفترَضُ على الراكب المارُ بالرَّاجل في طريق عام أو في المَفازة للأمان.
واختَلَفَ المشايخ في التسليم على الصبيان، قال بعضُهم: لا يُسلَّم عليهم، وهو قولُ الحَسَنِ، وقال بعضُهم: التسليم عليهم أفضَلُ، وهو قَولُ شُرَيحٍ، قال الفقيه: وبه نأخُذُ، وإذا التقى رجُلٌ بامرأة يبتَدِى الرَّجُلُ بالسَّلامِ، وإذا سلَّمَتِ المرأةُ على الرَّجُلِ وهي عجوزٌ يُسْمِعُها الرَّدَّ، وإنْ كانَت شابَّةٌ يُرُدُّ في نفسه، وإذا ابتدأَ الرَّجُلُ السَّلامَ على المرأة يكون بالعكس.
الجزء 1 · صفحة 39
وإذا دخَلَ الرَّجُلُ بيته يُسلَّمُ على أهل بيته في كلِّ دَخلةٍ، وقيل: لا يُسلَّم إذا دخَلَ بيته، بل هي تُسلّم عليه، فإن لم يكن في البيت أحد يقولُ: السَّلام علينا وعلى عبادِ الله الصالحين، وكذلك المسجد.
ونقل فيها أيضاً ما نصه: ولا بأس بالسَّلام على أهلِهِ وإِنْ كانُوا عُرَاةً، وإِنْ تَرَكَ ذلك للتأديب والزَّجرِ فلا بأس به، وكذلك السَّلامُ على الذي يلعَبُ بالشَّطْرَنْجِ للتلهي. أما إذا كان لتشحيل الخاطر، فلا بأس بالتسليم.
وقال في «السَّيَرِ»: لا بأس به؛ ليشغَلَه عن اللعب، ذكره أبو يوسف. وفي العتابية»: وعن أصحابنا لا يُسلَّم على الفاسِقِ المُعلن، ولا على الذَّمِّي، ولا على الذي يتغَنَّى، ومَن يُطيِّرُ الحَمامَ، ويُكرَهُ السَّلامُ عند قراءةِ القُرآنِ جَهراً، وكذلك عند مذاكرة العلم، أو أحدهم وهُم يسمَعُونَ، وَإِنْ سلَّمَ فهو آثِمٌ، وكذا عند الأذان والإقامة، والصحيحُ أَنَّه لا يرد.
ثم قال: حُكِيَ عنِ الشَّيخِ الإمام أبي بكرٍ محمَّدِ بنِ الفَضلِ البُخَارِيُّ أَنَّه كَانَ يقولُ: مَن جَلَسَ ليُعلَّمَ تلامذته فدخَلَ عليه داخِل وسلَّمَ وَسِعَه أَنْ لا يُرُدَّ. وفي «البرهان»: قالَ: إذا انتهى أحدُكُم إلى مجلس فلْيُسَلِّمْ، فَإِنْ بَدا له أن يجلس فلْيَجْلِسُ، ثمَّ إذا قامَ فَلْيُسَلِّمْ، فليسَتِ الأولى بأحقِّ مِنَ الآخِرَةِ»، رواه أبو داود والترمذي، انتهى. وحسَّنَه النسائي.
قالَ المُنذِريُّ: وزادَ رَزِينٌ ومَن سلَّمَ على قوم حينَ يقومُ عنهم كان شريكهم فيما خاضوا فيه من الأجر بعده.
وفي الصَّيْرَفِيَّةِ: عن عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ عن أبيه عن جده، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أتيتُمُ المَجْلِسَ فَسَلِّمُوا على القوم، وإذا رجعتُم فَسَلِّمُوا عليهم، فإِنَّ التسليم عندَ الرجوعِ أَفضَلُ مِنَ التَّسليمِ الأَوَّلِ.
الجزء 1 · صفحة 40
قالَ عليه السَّلامُ: «ما من مُسلِمٍ يُسلَّمُ عندَ المجلسِ إِلَّا كَتَبَ الله له بكُل شعرة على بدنه ألف حسنة، ورفَعَ له ألف درجةٍ، واستَغْفَرَ له المَجلِسُ إلى يوم القيامة.
وقال قاضيخان: لا ينبغي أن يُسلَّمَ على القارئ كيلا يشغله عن القراءة، فإنْ سلم عليه، قال بعضُهم: لا يجبُ ردُّ السَّلام على القاري، وقال بعضهم: يجب، وهو اختيار الفقيه أبي الليث، انتهى. وكذا اختارَهُ الصَّدرُ الشَّهِيدُ.
وعن أبي حنيفة: إذا سلَّمَ على المُصلِّي أو القارِي، يَرُدُّ بقَلبِه.
وعن محمَّدٍ يمضي على القراءة، ولا يشغَلُ قلبه، كما لا يشغل لسانه، وعند أبي يوسف رحمه الله يجب بعد الفراغ، أو بعد تمام الآية.
ورُوي عن الإمامِ أنَّ المُصلِّيَ يَرُدُّ بعدَ السَّلامِ.
قال الفقيه أبو جعفر: تأويله إذا لم يعلم أنه في الصَّلاةِ بأن رآه جالساً أو نحو ذلك فسلَّمَ، فهاهنا يردُّ بعدَ السَّلامِ، وعلى هذا إذا سلَّمَ على المُتَغَوِّطِ، وَإِذا عَلِمَ بحاله، أجمَعُوا على أنَّ المُنغَوِّط لا يلزَمُه ردُّ السَّلامِ لا في الحال ولا بعده؛ لأنَّ السلام حرام، فلا يُوجِبُ الرَّدَّ، وكذا إذا سلَّمَ على المُؤذِّنِ في أَذَانِهِ، أو عطَسَ رَجُلٌ وحمد الله، أو سلَّمَ على المُصلِّي، أو على من يقرأُ القُرآنَ، أو على الإمام وقت الخُطبة لا يُجيبه بقلبه، ولا بعدَ فَراغِه هو الصحيح.
وعن أبي حنيفة: إذا عطَسَ الإمام في الخطبة يحمد الله في نفسه ولا يجهر به. ورُوِيَ عن مُحمَّدٍ أنَّه يحمد في نفسه، ولا يُحرِّكُ شفته، فإذا فَرَغَ يحمد الله بلسانه، وإذا سلَّمَ السَّائلُ لا يجب ردُّ سلامه، وإذا مر شخص على قومٍ يأكلونَ إِنْ كان محتاجاً يعرفُ أنَّهم يدعُونَه يُسلَّم، وإلَّا؛ فلا.
الجزء 1 · صفحة 41
ولا يجبُ الرَّدُّ على القاضي في المحكمة، قال لجالس بين قومِ السَّلامُ عليك يا فلانُ فرَدَّ بعضُ القوم، سقط عنِ المُسلَّم عليه، وقيل: إِنْ سلَّمَ على عمرو فرد زيد لا يسقط عن عمرو، فإن لم يُسمه بل قالَ: السَّلامُ عليكَ، فَرَدَّ غيره سقط عن المشار إليه.
وبَرَدُّ الصَّبيِّ والمرأة لا يسقط عنِ القَومِ؛ لعدم أهلية إقامةِ الفَرضِ في الجملة، ومنهم من قالَ: يسقط.
وفي رَدَّ العجوز؛ قيل: يسقُطُ ولو لم يسمَعْ مَن سلَّمَ رَدَّ المُسلَّم عليه. قال أبو بكر الإِسْكَافُ: أخافُ أن لا يسقط عنه فرضُ الرَّد، فقيل له: لو كانَ أَصَمَّ ماذا يصنَعُ؟ قالوا: ينبغي له تحريك شفتيه.
قال في «التَّرْخَانِيَّةِ»: وكذلك جواب العطسة، انتهى.
ويجوزُ السَّلامُ على مَن كانَ في الحَمَّامِ إِذا كانَ مستورَ العَورةِ.
وإذا دخَلَ القاضي المسجدَ للحكم لا يُسلَّم على أحدِ الخصمينِ، فَإِنْ سلَّمَ تسليماً عاما اختُلِفَ فيه، بعضُهم قالوا: له ذلك، وبه أَخَذَ الخصَّافُ.
هذا القائل يقول: إذا دَخَلَ الأمير والوالي المسجد، ينبغي له أن يُسلَّمَ فلا يسَعُه تركه.
ومنهم من قال: الأولى أنْ لا يُسلَّمَ؛ لأنَّه إذا سلَّمَ ترتفعُ الهَيبة، وتقل الحشمة، ومبنى أمرِ هؤلاء على الهيبةِ والحِشمة، هذا هو الكلامُ في وَقتِ دخوله للحكم.
وأما إذا جلس في ناحيةٍ منَ المسجدِ لفَصلِ الخُصومة، فلا ينبغي له أن يُسلَّمَ على الخُصوم ولا للخُصوم أن يُسلَّمُوا عليه، هكذا ذكَرَ الخصَّافُ في «أدبِ القاضي».
قال شمسُ الأَئِمَّةِ السَّرَحْسِيُّ: فُرِّقَ بينَ القُضَاةِ والأُمَراءِ والولاة، فالرَّعيَّةُ يُسلمون على الأمراء والولاة، والخُصومُ لا يُسلمونَ على القُضَاةِ، وَالفَرقُ أَنَّ تحيَّةُ الزائرين، والخصوم ليس قصدُهُم زيارةَ القُضاة، فأَمَّا الرَّعيَّةُ فقد يقْدَمُونَ زائرين.
الجزء 1 · صفحة 42
فعلى هذا الفَرقِ لو جلَسَ القاضي للزيارة يُسلَّمونَ عليه، ولو جلَسَ الأمير لفَصلِ الخُصومة، فالخُصوم لا يُسلمون عليه، ولو جلس القاضي للخصومة، فسلَّمَ الخُصوم، فلا بأس بأن يرُدَّ عليهم السّلام، وهذا إشارة إلى أنَّه لا يجب عليه ردُّ السَّلام.
وذكرَ محمَّدٌ في «السِّيَرِ» حديثاً يدلُّ على أنَّ مَن بَلَّغَ إنساناً سلاماً عن غائبٍ كَانَ عليه أن يرُدَّ الجواب على المُبلّغ أولاً، ثمَّ على ذلك الغائبِ.
قلتُ: وقدَّمنا عن أبي داود حديثاً مثل هذا، وفي «البقالي»: مَن قالَ لآخرَ: أَقرِى فُلاناً السَّلامَ، أَنَّه يجب عليه أن يفعلَ انتَهَى.
وهكذا عليه تبليغ السَّلامِ إِلى حَضرَةِ النَّبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ عن الذي أمره به، فيقول مُخاطباً لحضرة المُصطفى: فلان بن فلان يُصلِّي ويُسلَّمُ عليكَ يا سيدي يا رسول الله صلَّى الله وسلَّمَ عليكَ، وعلى آبائِكَ وإخوانِكَ منَ الأنبياء الكرام، وعلى آلِكَ وأصحابِكَ والتَّابعينَ بإحسانٍ على الدَّوامِ.
وهذا آخِرُ ما أَرَدْنا جمعَه ولَنِعمَ الختام، انتَهَى.
انتهى تأليفه في أوائل ربيع الأوَّلِ، سنة تسع وأربعين وألفٍ من الهجرة النبوية على صاحبها أفضلُ الصَّلاةِ والسَّلام، وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّمَ، والحمدُ للهِ ربِّ العالَمينَ.