رَقْم البيانِ فِي دِيةِ المَفْصِلِ والبَنانِ
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
رَقْم البيانِ فِي دِيةِ المَفْصِلِ والبَنانِ
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله الذي جعَلَ العُلَماءَ أنجماً زاهِرةً للاهتدا، وأعلاماً ظاهِرةً للاقتدا، وحُجَّةً رَاغِمةٌ لمَن اعتَدَى.
والصَّلاة والسَّلامُ على مَن أُرسِلَ بالآياتِ البيِّنَاتِ، فَبَيَّنَ أحكامَ الدِّينِ ومَقادير الديات، وعلى آله الذين نزَلَتْ بفَضائِلِهم الآياتُ، كلَّما مُدَّتِ الأقلام، وتَذاكَرَتِ الأفهام.
وبعد:
فهذه نُبذة لطيفة سمّيتها:
«رَقْم البيانِ فِي دِيةِ المَفْصِلِ والبَنانِ»
لدفع ما يتوهم في عبارة «الدرر والغُرَر» يبادي الاطلاع والنظر، وهذه عبارته رحمه الله: «لا قَوَدَ في إِذهَابِ عَينِهِ بمُوضِحَةٍ، بل دِيَةُ المُوضِحَةِ والعين، ثمَّ قَالَ: «ولا بقَطْعِ إِصْبَعِ شَلَّ جاره»؛ لأنَّه أيضاً من قبيل السراية، بل الدِّيةُ فيهما؛ لأنَّ القِصاصَ لمَّا سقَطَ وَجَبَ أَرْشُ كلِّ منهما؛ لكونهما عُضوينِ مُستَقِلَّينِ، «أو إصبع»؛ أي: لا قودَ أيضاً فِي إِصْبَعِ قُطِعَ مَفْصِلُهُ الأَعْلَى، فشل ما بقي؛ لأنَّه أيضاً من قبيل السراية، بل دِيةُ المَفْصِلِ»؛ لأَنَّه مُقدَّرٌ شَرْعاً «فقط» إن لم يُنتفع بما بقي، والحكومة فيما بقي»؛ لانتِفاءِ التَّقديرِ الشَّرعي فيه إن انتفع به، وإنَّما كان كذلك لكونهما عُضواً واحِداً، ذكره الزِّيلَعِيُّ، انتهى کلامه.
فقوله: «أو إصبَعِ»؛ أي: لا قَوَدَ أيضاً في إصبع ... إلى آخره، فيه نظَر، فَإِنَّه أَوْجَبَ دِيةَ المَفْصِلِ فقط إن لم يُنتفع بما بقي، والدية والحكومة فيما بقي إن انتفع به، وهو مخالف لما في غيره من الكتب، وليس بصحيح، فإنَّه نقل في النهاية» عن «شرح الصحاوِي: إذا قطَعَ من إصبَعِ مَفْصِلاً واحداً، فَشَلَّ الباقي منَ الإِصْبَعِ، أو الكف، لا يجب القصاص، ولكن تجِبُ الدِّية فيما شَلَّ منه، إِنْ كَانَ إِصْبُعاً، فَدِيَةُ الإِصْبَعِ، وَإِنْ كانَ كفَّا فَدِيةُ الكَفْ، وهذا بالإجماع، انتهى.
وقال في «غايةِ البَيانِ»: وأَجْمَعُوا أَنَّه لو قطَعَ مَفْصِلاً من إصبَعِ، فشَلَّ الباقي، أو قطع الأصابع، فشَلَّتِ الكَفُّ؛ فإنَّه يجب في الكُلِّ الأَرْشُ، ويُجعَلُ كلُّه جنايةً واحدةً، انتهى
فقَولُه: «بل ديةُ المَفْصِلِ فقط إن لم يُنتَفَعُ بما بقي، والحكومة فيما بقي إِنِ انتُقِعَ به»؛ مُخالِفٌ لِما ذَكَرْنا.
وقوله: «ذكرَه الزِّيلَعِيُّ الزِّيلَعِيُّ لم يذكُرُهُ؛ فإنَّ عبارته: وإِنْ كانَ عُضواً واحِداً؛ بأن قطع الإصبع منَ المَفْصِلِ الأَعلى فشل ما بقي منها، يُكتفى بأَرْش واحدٍ إن لم يُنتفع بما بقي، وإنْ كانَ يُنتَفَعُ به، تجِبُ دِيةُ المَقطوع، ويجب حكومةُ عَدْلٍ في الباقي بالإجماع، وكذا إذا كُسِرَ نِصفُ السِّنِّ، فاسوَدَّ ما بقي، أو اصفَرَ، أَوِ احمَرٌ، تَجِبُ دِيةُ السِّنِّ كله بالإجماع، انتهى.
فإن قيل: لا مُخالفة بينه وبين كلامِ الزِّيلَعي؛ لأَنَّ الزَّيْلَعيَّ قَالَ: يُكتَفَى بِأَرْشٍ واحد إن لم يُنتفع بما بقي»، وهو مفهوم عبارةِ المُصنفِ التي هي: «بل دِيةُ المَفْصِلِ فقط إن لم يُنتفع بما بقي».
قلتُ: قَولُ الزَّيلعي: يُكتَفَى بِأَرْشِ واحدٍ إِنْ لم يُنتفع بما بقي، المُرَادُ بِهِ أَرْشُ إصْبَعِ؛ بدليل قوله: «وكذا إذا انكسَرَ نِصفُ السِّنَّ ... » إلى آخره. وأمَّا قَولُ المُصنِّفِ: «بل دِيةُ المَفْصِلِ فقط» إِنَّمَا يُوجِبُ دِيةَ المَفْصِلِ لا ديةَ باقي الإصبع؛ لأنَّه قابله بقوله: والحكومة فيما بقي؛ لانتفاء التقديرِ الشَّرعي فيه إن انتفع به، فليتأمل.
وقال في كتابِ المُضاربة: «كذا»؛ أي: يُفْسِدُ المُضاربة كل شرط يُوجِبُ جهالة الربح»؛ كما لو قال لك نصفُ الربح أو ثلثه أو ربعه، فقلت: لا، يُشكل قوله: «كما لو قال: لك نصفُ الربح أو ثلثه بأنَّ من شرط صحتِها كون الربح مشاعاً.
ولا شكٍّ أنَّ قولَه: «نصفُ الربح أو ثلثه» مشاع؛ لأنَّ مُرادَه من قوله: «نصفُ الربح أو ثلثه التَّرديد في الربح، وهو - أي: الترديد - يُوجِبُ الجهالة في الربح؛ لما قال في شرح الكنز» لمنلا مسكين رحمه الله: وكلُّ شرطٍ يُوجِبُ الجَهالَةَ في الربح يُفسده؛ أي: عقد المُضاربة، وذلك نحو أن يشترِطَ رَبُّ المالِ على المُضارب أن يسكُنَ ربُّ المالِ دارَه مدَّةَ سنةٍ، أو أرضَه؛ لأنَّه جعلَ نِصف الربح عِوَضاً عن عَمَلِهِ وأُجرة الدَّارِ، فصارَت حِصَّةُ العمل مجهولةً، فلم تصح، وكذا لو ردَّدَ الربح أيضاً، يفْسُدُ عقدُ المُضاربة.
انتهى تأليفها في أوائل شهر ربيع الثاني سنة تسع عشرة وألف. وهذه أوَّلُ فتح في التَّاليفِ، مَنَّ الله به على العبدِ الضَّعيف، فلله الحمد والشُّكرُ، ونسأله المزيد من فضله المزيد، والقبول لِما يُريدُ.
وهذا مثال قريض أستاذي العلامة شيخ الإسلام الشيخ محمد بن المحب الحنفي رحمه الله:
الحمد لله الذي فضَّل العلم وأهله، وزَيَّنَ مَن شَاءَ بالفَضائل وأهله، والصَّلاة والسَّلامُ على مَن جَمَعَ الصِّفاتِ الكاملة له، وعلى آله وأصحابه الأئمةِ الكَمَلة.
وبعد:
فقد وَقَفْتُ على هذه النبذة اللَّطيفَةِ، والعُجالة الظَّريفة، فإذا المُخالفة فيها ظاهِرةُ، ومُنابَذتُها لكلمة الأئِمَّةِ مُقرَّرةُ، أبرَزُها منشَؤُها بلفظ وجيز، والتَّوفيقُ مُمكِنٌ ولكنه كما قيل: عزيز، وأُسلوبها - والله در مُبتكرها - حسَنٌ، حَسَّنَ اللهُ تعالى لنا حالَنا وحاله، وأسبغ علينا نِعَمَه وأفضاله، آمين.
وكتبه الفقير العاجِزُ الحقير محمَّدُ بنُ المُحب الحنفي حامِداً الله مُصَلِّياً، في ضحوة يوم الاثنينِ المُباركِ ثاني شهرِ رَجَبِ الفَردِ، سنة تسع عشرة وألف.