رسالة المقدسي في قَبُول قَوْلِ الْوَكِيلِ
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
رسالة المقدسي في قَبُول قَوْلِ الْوَكِيلِ
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبعد تمام هذه الرسالة مَنَّ اللهُ سُبحانَه بالاطلاع على رسالة شيخ مشايخنا العالم الإمام شيخ الإسلامِ نورِ الدِّينِ عليَّ المَقدِسيّ رَحِمَهُم الله تعالى، وهي مُوافقةٌ لما ذكرناه من قبولِ قَولِ الوَكِيلِ بِقَبْضِ الدَّينِ والعَينِ بعدَ مَوتِ مُوكَّلِه لبراءةِ ذِمَّةِ يمينه، فأجَبتُ بتسطيرها بجُملَتِها لتمام الفائدة، وليطمَئِنَّ المُطَّلِعُ على ما قدَّمناه وأوضحناه بها؛ رجاءَ الثَّواب منَ الكريمِ الوَهَّاب.
سُئِل: ما قول مولانا شيخ مشايخ الإسلام، متَّعَ الله بوجوده الأنام، في الوكيل بعدَ عَزْلِه، هل يُقبَلُ قَولُه فِي الدَّفْعِ إِلى مُوكِّلِه أم لا؟
وهل يُفرَّقُ بينَ العَزْلِ الحُكمِيّ - كَمَوتِ المُوكَّلِ - والحقيقي أم لا؟ وهل قولُ العِمادِيٌّ في «فُصولِه»: ولو كانَ المُوكَّلُ هو الميِّتَ بطَلَتِ الوَكالةُ، فإِنْ قالَ: قد كُنتُ قَبَضْتُ في حياةِ المُوكَّلِ ودَفَعتُها إليه، لم يُصَدَّقُ في ذلك؛ لأنَّه أخبر عمَّا لا يملِكُ إنشاءه، فكانَ مُتَهَماً في إقراره، وقد انعزَلَ بِمَوتِ المُوكَّلِ، ومثله «الخلاصة»؛ صحيحٌ يُعتَمَدُ عليه إفتاء وقضاءً أم لا؟
وقد ذكر العِمادي في موضع آخرَ أنَّه يُقبَلُ قولُ الوكيل بعدَ المَوتِ؛ أعني موتَ المُوكَّلِ، حيثُ قال: ولو وكَّلَه بقبض وديعةٍ أو عارية فماتَ المُوكَّلُ فقد خرَجَ الوكيل من الوكالة، فإنْ قالَ الوكيل: قد كُنتُ قبضتها في حياتِه ودَفَعَتُها إلى المُوكَّلِ يُصدِّقُ في ذلك، قال: وتأتي المسألة من بعد إن شاء الله تعالى.
ثم ذكر ما قدَّمناه عنه من عدَمِ تصديق الوكيل بعدَ مَوتِ مُوكَّلِه، فهل يُمكِنُ التوفيق بين هذينِ الفَرْعَينِ أم لا؟
وهل إذا فُرِّقَ بينهما بكونِ الأَوَّلِ في الدِّينِ والثاني في الوديعة يكونُ الفَرقُ صحيحاً مؤثراً أم لا؟ أم يجبُ حَملُ ذلك على اختِلافِ الرِّوايتينِ؟ فَإِنْ كَانَ كذلك فالمقصود بيانُ المُعْتَمَدِ منهما، أَفَتُونَا مَأْجُورِينَ.
الحمد الله العلي العظيم، وصلَّى الله على سيدنا محمد النبي الكريم، وآله وصحبه وتابعيهم على المنهج القويم، وبعد:
فقد سألت سُؤال حاذق فهيم، وقد كان يتردَّدُ في خاطري تحرير هذا البحث من زَمَن قديم، فحرَّكْتَ ما كانَ ساكناً، وأظهَرْتَ ما كانَ كَامِنَا، وفقنا اللهُ وإِيَّاكَ لَمَرْضاتِه، ونجانا من العذاب الأليم. فاعلم أنَّ الأصل: أنَّ قبْضَ الوكيل ما وُكُل فيه بالتصرُّفِ ثَمَناً كَانَ أو مبيعاً قَبْضُ أمانة؛ لأنَّه قبضَ مال غيره بأمره لا مُتملكاً، فتكونُ أمانة، إلَّا إذا انقَلَبَ قبضه في الشَّمنِ اقتضاه فينقَلِبُ مَضمُوناً عليه؛ لأنه صار قابضاً لنفسه مُتمَلكاً بِعِوَض يُقابله، فيصير مضموناً عليه كما في سائر المُعاوضات. وهذا لأنه في الابتداءِ قابض للأمر، فيكون بمنزلة المودع والمُستَعير، وقال عليه السلام: «اليسَ على المُستَعير غير المُغل ضَمان، ولا على المُستَودِعِ غَيرِ المُغِل ضمان، نفى الضّمان عنِ الأمين غير الخائن، وإذا لم يجبِ الزَّمانُ على المُستَعِيرِ ما لم يُحدِث فيها سبَبَ الضّمان، مع أنه قابض لمنفعة نفسه، فلآن لا يجب على من يقبضُ لأجل مالكه كانَ أولى إلَّا أن يُوجَدَ ما يُوجِبُ الضّمان، فيضمَنُ. والأمين متى أخبر عمَّا كانَ مُسلّطاً عليه صُدِّقَ في حق براءة نفسه، سواء كان تحته براءة نفسه، أو إيجاب حق الغير، أو إبطال حق على الغَيرِ إذا لم يكُن لصدقِ خبره ع ره علامةٌ لا تنفك عنه في الغالب.
أما إذا كانَ لصدقِ خبره علامةٌ لا تنفَتُ عنه في الغالب، لا يُقبَلُ مُجرَّدُ قوله، وإِنَّما يُقبل إذا وُجِدَتِ العلامة، ومتى أخبر عمَّا لم يكُنْ مُسلَّطاً عليه لا يُصَدَّقُ، أَمَّا إذا أخبر عمَّا لو كانَ مُسلّطاً عليه وتحته براءة نفسه فلأنه يُنكِرُ الضَّمان، والآخر يدعي فكان القول للمُنكِرِ، كمُودع قالَ: دفَعتُ الوديعة إلى رسولك، وكذَّبَه صاحبُ الوديعة والرَّسولُ، صُدَّقَ المُودِعُ فيما يرجع إلى براءة نفسه عنِ الضّمان، كما لو ادَّعَى الرَّدَ إلى المُودِعِ وأَنكَرَه المُودِعُ. ولا يُصدق فيما يرجع إلى إيجاب الضّمان على الرَّسولِ؛ لأنَّه تسلط من جهة الرسول في إيجاب الضمان عليه، فكان في حقه مُدَّعياً أو شاهِداً، فلا يُقبل قوله إِلَّا بِحُجَّةِ. ويُخرج من هذا الأصلِ ما ذكر في المبسوط»: ولَه أَنَّه يُكاتِبُ عبده يومَ الجمعة، فقال الوكيلُ يومَ السَّبتِ قد كاتبته أمس بعد الوكالة على كذا وكذا، فكذَّبَه المولى، جازَ إقراره استحساناً؛ لأنَّه كانَ مُسلَّطاً على مباشرة العقد في وقت معلوم، وقد أخبر بما سلطه، وأدى الأمانة على وجهها. وهذا لأنَّ التوقيت من المولى كانَ في مُباشرة العقد لا في الإقرار به، فجُعِل في حق الإقرار كانَ التَّوكيل كانَ مُطلَقاً فإذا أقر به كانَ إقراره صحيحاً، وعلى هذا البيع والإجارة والخُلْعُ والعتق على مال، انتهى. وأما إذا كان تحته إيجاب الحق أو إبطال الحق على الغَيرِ فلأنه متى لم يُصدَّقُ كانَ المُسَلَّطُ وغيرُ الْمُسَلَّط سواءٌ، فلا تظهرُ فائدةُ التّسليط، وصار كالمنكوحة إذا قالت: حِضْتُ وكذَّبَها الزَّوجُ صُدِّقَت فيما قالَتْ، وإنْ كانَ فيه إيطال حق الزوج في الوطء، وبطَلَ حقٌّ الرَّجعة؛ لأنَّها مُسلَّطةٌ على الإخبار في حق الزوج شرعاً.
وكذا إذا قال لها: إنْ حِضْتِ فأنتِ طالق، فقالت: حِضْتُ وكذَّبَها، بخلافِ ما إذا كان لصدق خبرها علامةٌ بأن قالت: ولَدْتُ، وكذَّبَها الزَّوجُ، لا تُصدَّقُ بدونِ شهادة القابلة؛ لأن لصدق خبرها علامةً لا تنفك عنها غالباً. وأما إذا لم يكُنْ مُسَلَّطاً فيما أخبر لم يُصدَّقُ، فلانه لو صُدِّقَ كَانَ المُسلَّطُ وغيرُه سواء، ولهذا لا يُصَدَّقُ في حقٌّ الرَّسولِ، هذا إذا أخبر حال كونه أميناً مالكاً للتَّصرُّفِ. أما إذا أخبر بعد زواله وأسنده إلى حالِ الأمانة فإن كان المحل قائماً وقت الإخبار لا يُصدَّقُ، وإن لم يكُنْ قائماً فكذلك قياساً، ويُصدَّقُ استحساناً؛ لأنَّه في الحقيقة ينفي الضّمان عن نفسه.
إذا تقرر هذا الأصل فمِن فُروعِه: الوَكيلُ بقبض دينه، أقرَّ أَنَّه قبضَ مِنَ المَديون، وأنه هلك في يده، وكذَّبَه المُؤكِّلُ، صُدِّقَ الوَكيلُ، وبرى المديون عن الدِّينِ، ولا يبقى للمُوكَّل ولاية تضمين المديون. لكن لو استَحَقَّ إنسان المال الهالك في يد الوكيل وضمنه وأرادَ الرجوع على المُوكَّلِ لا يملك ذلك، فيُصدَّقُ في براءة المديون، ولا يُصَدَّقُ في حق الرجوع على المُوكَّلِ.
لو هلكَ الثمنُ في يد الوكيل بالشّراءِ كانَ على المُوكَّلِ إِنْ كَانَ دَفَعَه إليه قبل الشراء؛ لأنه أمانةٌ في يده، وعلى الوكيل لو دفعه إليه بعد الشراء؛ لأنَّه لما اشترى وَجَبَ له على المُوكَّلِ دَين، فإذا قبَضَه وصَحْ اقتضاءُ الدِّينِ فهلَكَ عليه، ولذا لو نقد المشتري الثمن للبائع وقد كان الأمر دفعه إليه قبل شرائه فرَدَّه البائع؛ لأنَّه دينٌ فَإِنَّه يهلك من مال المأمور؛ لأنَّه لما نقد صارَ مُقتَضِياً، ثمَّ قاضِياً، لِما عُرِفَ أَنَّ الشّراءَ بالوكالة يُوجِبُ دَينَينِ والقَضاءُ وإنِ انتَقَضَ بالرَّدُ لا يُبْطِلُ الاقتضاء؛ لأنه لا يقبل الانتقاض ما دامَ في يدِ المُقتَضي، والله أَعلَمُ. فإن قيل: إنَّما صارَ مقضِيًّا دينه الذي على المُوكِّلِ بالشِّرَاءِ ضِمناً لقَضاءِ دَينِ نفسه الذي وجَبَ للبائع عليه، وقد انتقضَ القَضاءُ بَرَدُّ البائع الدراهم، فينتقِضُ القضاء الذي في ضمنه؛ كمَن أوصى ببيع عبد لفُلان بمئةٍ، وقيمته ألف، ولم يخرج من ثلث ماله، ولم تُجز الورثة، وأبى المُوصَى له بالشّراءِ، واشترى ثم ردَّ بالعَيبِ، تبطل الوصيَّةُ بالمحاباة.
قلنا: هذا إذا كانَ الثَّابِتُ ممَّا يحتمل النقض والبطلانَ، أَمَّا إذا لم يكُنْ فلا، كالمكاتب أدى بدل الكتابة زيفاً، أو مُستحقةً، فرَدَّها انتَقَضَ الأداء، إلَّا ما في ضمنه من العتق؛ لأنه لا يقبلُ الفَسخَ فكالثّمن، والاقتضاء لا يقبلُ الفَسخَ ما بقي المال، ولو كانَ مُستَوفّى كان هلاكه من مالِ الأمر إذا ردَّه البائع؛ لأنَّه ليس من جنس حقه، فلم يصِرْ مُقتَضِياً، فبقي في يده أمانةً.
ومنها لو قال وكيل ببيع بعتُ وسلَّمتُ وقَبَضْتُ الثَّمن، وهَلَكَ عندي، أو: دفعته إلى الأمر صُدِّقَ؛ لأنَّه أخبر عمَّا هو مُسلَّط عليه، فيُقبَلُ قَولُه فيه؛ لأنَّه مُؤْتَمِنٌ من جهته، وإن رُدَّ المبيعُ بعَيب غرمَ الوكيل الثّمن للمُشتَرِي؛ لأنَّه أقر باستيفائه، ولا يرجعُ على الأمرِ؛ لأنَّ قولَه مُعتبر في نفي الضّمان عن نفسه لا في إيجابه على الغير.
ونظيره من أودَعَ أمةً فغصبها رجلٌ، وأبقَتْ من يده ضمن قيمتها، فأقر المودع بقبض القيمة، وكذَّبه المالك، ولم يعلَمْ إلَّا بقوله، برى الغاصب ولم يبق للمالك ولاية تضمينه، لكن لو استحَقَّتِ القيمةُ الهالكة في يد المودع وأدَّى الضمان لا يرجع على المودع؛ لما قلنا.
ثم في مسألة الوكيل يبيعُ القاضي المبيع ويُوفِّي البائع ما أدى إلى المُشتَرِي، وفضله للأمر؛ لأنه بدل ملكه، ولو أقرَّ الأمرُ بقبض المأمور الثّمن، وأنكر هلاكه ودفعه إليه، يرجع المأمورُ على الآمرِ؛ لأنَّ إقراره بقبض الوكيل إقرار بأنَّ المقبوض واقع له، ويد الوكيل يد أمانة. ومنها لو وكله ببيع عبده ولم يُسلّمه إليه، فادَّعَى الوكيل أنه باع وقبضَ الثَّمَنَ وهلك عنده، أو دفع إلى مالك العبد لم يُصدَّقِ الوَكيلُ، ويُقالُ للمُشتري: إن شئتَ فانقُدِ الشَّمنَ وخُذِ المبيع، وإلَّا فافسَخِ البيع وارجع على الوكيل بما أدَّيتَ منَ الثَّمَنِ. ومنها لو ادعى وكيل بشراء أمةٍ ماتَ مُوكَّلُه أَنه اشتراها بعد موته، وادَّعَى الملك لنفسه وكذبه الورثة، فالقَولُ قَولُ الوكيل؛ لأنَّ الشَّراء ظهر والوارث يدَّعي الشراء في وقت سابق والوكيل يُنكِرُ، فلا تُقبَلُ الدَّعَوَى إلَّا ببينة. ولو كانَ المُوكَّلُ دفَعَ الشَّمنَ لم يُصدِّقِ الوكيل إذا اشترى بها، لأن نقد مالِ الأمرِ دليل على أنَّه اشترى له، ولن يصير مُشترياً له إِلَّا حالَ حياتِه، فَإِنْ برَهَنُوا أُخِذَ بينة الورثة؛ لأنهم أثبتوا الشّراء في زمان سابق، ولو قال الوكيل: شريتُ قبل موته، وقالت الورثة بعد موته، فإنْ كانَ دفَعَ إليه الثّمنَ صُدِّقَ الوكيل، وإلا لم يُصَدِّقُ؛ لأنَّه في الوجه الأوَّلِ ادَّعَى الورثةُ الرُّجوع عليه بالثّمن، وهو منكر، وفي الوجه الثاني هو ادَّعَى الرجوع به، وهم أنكَرُوا.
ومنها لو دفع الوكيل ألف درهم يُتَصَدَّقُ بها عنه فمَاتَ المُوكَّلُ، فَقالَ الوكيل: تصدقت بها في حياته، وكذَّبَه الورثة صُدِّقَ؛ لأنهم يدعونَ عليه الضمان، وهو يُنكر، فإنْ بَرَهَنُوا قُبِلَتْ بينةُ الوكيل؛ لأنها أثبَتَتِ التصدُّق في زمان سابق، فكانَتْ أكثر إثباتاً.
فالحاصل أنَّا وَجَدْنا الوكيل يُصَدَّقُ بعدَ العَزْلِ في حق نفسه فقط، ولا يكون ثم غيره، كما في هذه الصورة، وتارةً يُصدَّقُ في حق نفسه دون براءةِ غيره، وغيره موجود كما لو كان وكيلاً بقبض دَينِ فَادَّعَى بعد موتِ المُوكِّلِ أنه قبضه وهلك عنده، أو دفعه للمُوكَّل قبلَ مَوتِه يُقبَلُ في حق براءة نفسه لا في حق براءة المديون، وتارةً يُصدَّقُ في حق براءة المديون دون الرجوع على المُوكَّل كما لو كان الدين الذي قبضه مستحقاً للغير وهلك عنده وضمنه لا يرجع على الموكَّل.
ومن نظائره: لو أرسَلَ رَسُولاً إلى رجُلٍ ليبعث له ثوباً، وبيَّنَ الثَّمَنَ، أو لم يُبين، فبعَثَ ثم لقي المُرسل، فقال: ما وصل إليَّ، والرسول يقول: أرسلتُ، إن قال المرسل: قبضَ الرَّسُولُ لِزِمَه قيمةُ الثّوبِ دونَ الشَّمنِ؛ لأنَّه أَقرَّ أَنَّه أَمَرَ الرَّسُولَ بقبضه فصارَ قَبضُه كقبضه، وإن أنكر المرسل قبضَ الرَّسولِ فلا شيء عليه، ولا على الرَّسولِ لإِنكارِه وُجوبَ الضَّمَانِ.
ومنها ما في جامعِ الفُصولينِ: وكيل قبضَ الوديعة، قال له المودعُ: دفعته إليك، والوكيل أنكر، صُدِّقَ في حقٌّ دفع الزّمانِ عن نفسه، لا في الزامِ الزَّمانِ على الوكيل.
ومنَ الفُرُوعِ: لو وكله بكتابة عبده وبقبض الكتابة، فقال: كاتبتُ وقبضتُ وأنكر الموكل ذلك، فالقول قوله في الكتابة؛ لأنَّه لو أنشأ الكتابة في الحال يصح، فإذا أقر بذلك، يصح، ولا يُصدَّقُ في قبض بدل الكتابة.
ولو كاتبه ثمَّ أقر وقالَ: قبضتُ بدَلَ الكتابة، وأدَّيتُ إليك، فهو مُصدَّقٌ في ذلك؛ لأنه أمين، والقول قول الأمين مع اليمين، كذا في الولو الجيَّة والمبسوط.
وفيه: لو وكل مريضٌ وارِثَه بقبض دَين له على أجنبي فقال: قبضْتُ ودفعته إليه، فهو مصدق، والمطلوب بريء. أما براءة المطلوب؛ فلأن إقرار الوكيل بالقبض كإقرار الموكل بنفسه، ألا ترى أنه لو كان الوكيل أجنبيا، صح إقراره، فإذا كانَ وارِثاً كان أولى؛ لأنَّ في هذا الإقرار نوع ضرر على الوارث، وأمَّا في حق نفسه فهو أمين في المقبوض، فالقول قوله في إيصاله إلى المريض. وقال قبيل هذا لو أقر المريضُ المديون أنه قبضَ من وارثه وديعة كانت عنده، أو عارية، أو مُضاربةً، أو بضاعةً، فهو مُصدَّقُ في ذلك؛ لأنَّه ليس في إقراره منفعة مالية للوارث، فإنَّ الوارِثَ لو قال: ردَدْتُه عليه صُدِّقَ لكونه أميناً فيه، وإن جحده المريض، فإذا لم يكُن في إقرار المريض ما يُوجِبُ براءة الوارث كان مصدقاً في ذلك.
وكذلك لو كان ذلك من ثمن مبيع باعه له من غير وارث، فقال الوارِثُ: قد قبضته ودفعته إلى المريض، أو ضاع عندي، وصدقه المريض كان صحيحاً؛ لأنَّ الوكيل بالبيع أمين فيما يقبضُ منَ الثَّمَنِ، فَبَرَاءتُه بقوله: دَفَعتُ، لا بتصديقِ المريض.
وكذا لو أعطاه المريضُ الدَّراهمَ ليشتري له بها حاجته، فقال: فعَلتُ ودَفعتُ إلى المريض، صُدِّقَ ولو كذَّبه المريضُ؛ لأنَّه أمين في المال المدفوع إليه، غايتُه أنَّ في تصديق المريض إسقاط اليمين عنه، فهذه اليمين ليست بمال.
وإن دفع إلى وارِثه دراهم ليقضيها غَريماً له، فقال: دفعت وكذَّبَه الغريم، صُدِّقَ في براءة نفسه، ولو كذَّبَه المريضُ لا في حقٌّ الغريم؛ لأنَّه يدَّعي وُصول حقه إليه، ولو ادَّعَى ذلك المطلوب نفسه، لم يُصدق.
ولو وكله بقبض دَينِ له على أجنبي فقالَ: قبضتُ ودفعت إليه صُدِّقَ، وبرِئَ المطلوب؛ إذ إقرار الوكيل كالمُوكَّل.
وأما في براءة نفسه فظاهر، ولو وكَّلَه ببيع متاعِه ولا دَينَ عليه فباع بقيمته بشهادةِ شُهودِه، ثمَّ قال في حياتِه أو بعدَ مَوتِه: قبضْتُ الشَّمنَ ودَفعته إليه، أو ضاعَ صُدِّقَ لِما مر.
وإن قال بلا بينة بعتُ وقبضت وضاع، فإنْ كانَ المتاعُ مُستهلكاً ولم يُعرَف مَنِ اسْتَراهُ صُدِّقَ، حيا كان المريضُ أو ميتاً؛ لأنَّه أمين فيه، ومُسلَّط على بيعه، ولو أُخبِرَ بهَلاكِ عَينه في يده صُدَّقَ، فكذا ما قامَ مَقامَه، وإن كان قائماً والذي اشتراه معروفاً مُقِرًّا بذلك، وليس على المريض دَينُ صُدِّقَ أَيضاً إِنْ كَانَ حيا؛ لأنَّه أخبر بما يملكُ إنشاءه؛ فإنَّ الوكالة باقية، وإنْ كانَ مَديوناً لم يُصَدَّقْ، ولو صدقه المريض؛ لأنه لو أقر نفسه لم يصح في حق غُرَماء الصحة فكذا وكيله، وإن كان ميتاً لم يصح في حقٌّ الغُرَماءِ والورثة.
قلتُ: فلو انحَصَرَ الإرث فيه ولا غريم صح، ولو مات فقال وارِثه: كان له عندي وديعة، أو مُضاربةٌ، أو بضاعةٌ صُدِّقَ؛ إذ لم يُقر بسببِ الزَّمانِ فيُقبَلُ قَولُه بيمينه إن أنَّهمه الورثة، ولو عمل في المُضاربة والبضاعة لم يُصدَّقُ وضمِنَ؛ لأنَّ عمله في مالِ الغيرِ سببٌ مُوجِبٌ للضَّمَانِ، ما لم يثبت إذن المالك.
وإِنْ أَقَر في مَرَضِهِ أَنَّ مَعَه مُضاربة أو بضاعةً صُدِّقَ الوارث في الرد؛ لأنَّ المريض أقر بما يملك إنشاءه، فإنَّ إذنه لوارِثه بالتصرف في ماله مُضاربةً وبضاعة صحيح، فكان الوارث أميناً فيه، فلو قالَ: دَفعت إلى الورثة أنصباءَهم بعد موت المريض صُدِّقَ في براءةِ نفسه لا في سلامة ما بقي له، بل ما بقي مشترك بينه وبين الورثة بعدما حلفهم ما قبَضُوا؛ لأنَّ ما زعَمَ دفعه إليهم يُجْعَلُ كالهالك، فإنَّ قولَه مقبول في البَراءةِ عنِ الضّمان، لا في وصوله إليهم، فيكون الباقي مشتركاً بينهم وبينه.
وفي القنية»: لو قال الوكيل: بِعتُ ما أمرتني ببيعه بكذا، يُقبَلُ قَولُه قبلَ العَزْلِ ظاهراً، دفع عبداً إليه وأمره ببيعه، ثم وجده في يد رجُلٍ، فقالَ الوَكيلُ: بعثه، وصدَّقَه ذو اليد وكذَّبَهما المُوكَّلُ، فله أن يأخُذَ العبد، ولا يُصَدَّقُ على وكيله في التضمين إذا هلك العبد بعده في يد ذي اليد.
و في كتاب العِلَلِ وكَّلَه بعتق عبد نفسه، فقال الوكيل: أعتقتُه أمس، لا يُصدَّقُ من غير بينة، فإن كانَ ذلك في مبيع أو نكاح أو عقد منَ العُقودِ يُصدَّقُ.
قال رحمه الله: وأمَّا الفرقُ بين العزل الحقيقي والحكمي فهو مُقرَّرٌ لا يخفى، وهو أنَّ العزل الحكميَّ لا يُشترط فيه العلم، والحقيقي يُشترط في عزلِ المُوكِّلِ الوكيل علمُ الوَكيل، وفي عَزلِ الوَكِيلِ نفسَه علمُ المُوكَّلِ.
وعَزل العدل في الرَّهن لا يصح ولو بحضرةِ المُرتهن ما لم يرضَ، ولو بالتماسِ القاضي صح العزل بحضرته، وإنْ غابَ الطَّالبُ وصح بحضرةِ الطَّالب أيضاً، فلو قبَضَ الوكيل بعدَ عَزلِه قَصْداً وعلمه كانَ ضامِناً، ولا يُقبَلُ قوله في الدَّفعِ إلى المُوكَّلِ بعد العزل والعلم.
لكن لو قال: أنا لم أعلَمُ بالعزل بعد فتصرُّفه صحيح، فعلى قياس ما مرَّ إِنْ كانَ وَكيلاً بشراء شيءٍ ودُفِعَ له الشَّمنُ فالقول قوله، وإِنْ لم يُدفَعْ له الشَّمنُ فالقَولُ قَولُ المُوكَّلِ. وإن كان وكيلاً ببيع فباعه واستهلك وغابَ بائعه، فالقول قوله، وإِنْ كانَ حاضِراً وهو غير مستهلك، فالقول للمُوكَّل.
ولقائل أن يقول: الأصل عدَمُ العلم، فبناءً على هذا الأصل ينبغي قبول قوله مُطلَقاً، لكن يُعارِضُه أنَّ تصَرُّفَه حادِثٌ، فيُضافُ إلى أقرب الأوقات، وهو بعد العلم، فليتأمل.
وفي «الظهيريَّةِ»: وكَّل إنساناً بقبض الدِّينِ لا بحَضرةِ المَديونِ، ثُمَّ عَزَلَه صَحٌ العزل، وإنْ حصَلَ التَّوكِيلُ بمَحضَرٍ مِنَ المَديون، لا يصِحُ العَزِلُ ما لم يعلَمِ المَديون، حتَّى لو دَفَعَ المَديون المال إلى الوكيل قبل أن يعلَم يبرَأُ المطلوب، ولو وَكَّلَه بِقَبْضِ دينه ثم وهبه للمديون، فقَبَضَه الوكيل وهلَكَ، كان للمديون أن يأخُذ به المُوكِّل، ولا ضمان على الوكيل. فائدة: ذكر في كتاب المأذون أنه إذا قالَ: قُلْ لفُلانٍ: بعث منك هذا العبد بألف درهم ثم عزله قبل قبولِ المُشتَري وهو غائب، صح، فقد صحح عزل الرسول في باب البيع حال غيبه قصداً، ولم يُصحح العَزلَ في بابِ الوكيل بالطلاق والنكاح، وإنْ كانَ الوكيل في البابين بمنزلة الرَّسولِ حَتَّى ترجع الحقوق إلى المُوكِّلِ فيهما.
والفرقُ أَنَّ عَزلَ الرَّسولِ في باب البيع إنْ كانَ قَصْداً من حيثُ الصُّورةُ؛ لأنَّه قال: عزلته، فهو عزل حكماً من حيثُ المعنى؛ لأنَّ الرَّسول ناقل عبارةَ المُرسل، فيكون الإيجاب من المرسل والنَّقْلُ منَ الرَّسولِ.
فإذا عزَلَه تضمَّنَ عزله رُجوعاً عن الإيجاب، فكأنه قال: رجعتُ عمَّا أو جَبْتُ ورجوع البائع عن الإيجابِ صحيح قبل قبولِ المُشتري، علم المُشتَري بذلك أو لم يعلم، وإذا صارَ مُراجعاً عن الإيجاب فات المأمور به، فانعزّلَ حُكماً كما لو باغ العبد المُوكَّل ببيعه.
أما الوكيل بالطَّلاقِ، فليس ينعَزِلُ بفَواتِ المأمور به، فإنَّه لم يأمره بنقل عبارته، بل أمره بإيقاع الطلاق بعبارته، والطِّلاقُ لا يفوتُ بعَزلِه، بل يبقى في ملكِ المُوكَّلِ، وإذا بقي المأمور به على حاله بعد العزلِ كانَ عَزلاً من حيث القصد، فلا يجوز، وليغتنم هذا الفرقُ فإنَّه قل ما وُجِدَ في الكتب. وأما ما ذكرته عن فُصولِ العِمادي من الاختلافِ فقد نقله صاحب جامع الفصولين»، وبعد أن ذكر مسألةَ الدِّينِ قال: أقول: على قياس هذا ينبغي أن لا يُصدَّقَ الوكيل بقبض وديعةٍ أو عارية لو أقرَّ بعدَ مَوتِ مُوكَّلِهِ: إِنِّي كنتُ قبضتُه في حياته ودفعته، وقد مرَّ أنَّه يُصَدَّقُ، انتَهَى.
وأقولُ بعدما مهَّدْنا لك من القواعد، وقرَّرْنا لك من الفوائد، يظهر لك أنَّ الحكم فيهما واحد؛ لأنَّ الوكيل من حيثُ ذاته أمين، ولو في قبض الدين، فهو مُساوِ للوديعة من تلك الحيثية، وإنَّما لا يُصدَّقُ في حق براءةِ المَديون، وترتُبِ المالِ في ذمَّةِ المُوكَّلِ، انتَهَى. وتبين لك القُصورُ في قَولِ مَن أَجابَ عنِ القَولِ المذكور بقوله: الظَّاهِرُ أَنَّ هذا في الوكيل بقبض الدين وثمن المبيع دون الوديعة والعارية، فيكونُ حُكم هذا مخالفاً لحكم ذاك، ولا يلزَمُ اتَّحاد أحكام الوكلاء؛ لجواز أن يكون لواحد منهما خصوصيَّةٌ، فيختص بهذا الحكم دون غيره، فإنَّ الوديعة والعارية تتعيَّنان في يدِ الوكيل؛ لأنه قبضَ عينَ حقٌّ الوكيل بخلافِ قَبضِ الدِّينِ وثمن المبيع، فإنَّها مثل حقه لا عينه، واتَّضَحَ الفرقُ بينهما.
أمَّا أَوَّلاً؛ فلان أَوَّلَ كلامه ظاهِرُ الاستدراك.
وأما ثانياً؛ فلأنَّ الفرق المذكور لا تأثير له في الحكمِ؛ لأنَّ ما يقبضُه إِنْ كَانَ عِينَ حق الوكيل أو مثله فهو أمين فيه حتّى قبل قوله في الدِّينِ، وإن كان ملك المديونِ إذا قال قبلَ عَزلِه: وصَلَ إليَّ وهلَكَ في يدي، أو دَفَعتُه إلى المُوكَّلِ، وبرِئَ المَديون بناءً على قوله المذكور.
وكذا إذا قاله بعد العزلِ مع تصديقِ المُوكَّلِ أو من يقومُ مَقامَه على كونه أميناً بان قبض قبل العزل، إنَّما لا يُقبَلُ قَولُه في حق براءة المديون للتهمة إذا لم يُصدقه المُوكَّلُ أو من يقومُ مَقامَه على قبضه قبل العزلِ وكونه أميناً، فلا فرق بين كونه ثابت الأمانة وبين قوله بعد العزل، وقوله قبله.
وتحقيقه أنَّ العزل لا يخرجُ الوكيل عن كون المال أمانة في يده، نعم إن طلب منه فمنعه صارَ مُتعدِّياً، فخرج عن الأمانة، ولم يُوجَد ذلك، وقد صرَّحَ الإمامُ الحَصِيري في شرح الجامع الكبير استشهاداً فقال: فإن استحق العبد من يد المشتري يرجعُ بالثّمن على الوكيل، ولا يرجعُ الوكيل على الموكَّل بذلك إذا لم يُصدِّقه المُوكَّلُ على القبض؛ لأنَّ قولَه مقبول في دفع الضمان عن نفسه لا في إيجاب الضمان على المُوكَّل كالوكيل بقبض الدِّينِ إذا قال: قبضتُ وهَلَكَ عندي، أو قال: دفعته إلى المُوكَّلِ وكذَّبَه المُوكَّلُ يُصدَّقُ في حق براءةِ المَديونِ لا في حق الرجوع على المُوكَّل على تقدير الاستحقاق، حتى لو استحق إنسان ما أقر الوكيل بقبضه، وضمِنَ الوكيل لا يرجعُ الوكيل على الموكَّلِ، هذا إذا أقر الوكيل بقبضه الثَّمَنَ.
أما إذا أقر بقبض المُوكَّلِ مِنَ المُشتري لا يرجعُ المُشتري لا على الوكيل ولا على المُوكَّلِ.
وقال أيضاً في تقرير مسألة الجارية: ألا ترى أنه لو دفع إلى رجل مالاً وقال: اقضه عني زيداً، فقال الوكيل: قد قضَيتُ زيداً دينه بما دفعت إليَّ، وأنكر زيد أن يكون قبضَ منه شيئاً، فالقول قول المأمور في براءة نفسه مع يمينه، ولا يُقبل قوله في حق ربِّ الدِّينِ؛ لأنه شاهد في حقه، فلا تُقبل شهادته على فعل نفسه. هذا، وقد عُلِمَ ممَّا قدَّمناه الجواب عن قوله: وهل إذا فُرِّقَ بينَ الأَوَّلِ في الدين والثاني في الوديعة يكونُ الفَرقُ صحيحاً مُؤثّراً أم لا؟ وهو أَنَّه غيرُ مؤثّر في هذا الحكم.
نعم؛ فَرَّقُوا بينَ الدِّينِ والوديعة في حُكم آخر، وهو ما إِذَا ادَّعَى أَنَّه وَكِيلٌ بِقَبْضِ وديعة فصدقه المُودعُ، لم يُؤمَرُ بالتَّسليم إليه، وإذا ادَّعَى أَنَّه وَكِيلٌ بِقَبْضِ دَينِ فَصَدَّقَهُ المديون أُمِرَ بالتسليم إليه؛ لأنَّه في حق الوديعة إقرار على الغير، لكون الوديعة عين حق المالك، وفي الدِّينِ يُقِرُّ على نفسه بأنَّ لهُ حقَّ الاستيفاء منه؛ لأنَّ ما يقبضُه خالص مالِ الغَريم؛ لأنَّ الدُّيونَ تُقضَى بأمثالها لا بأعيانها، فيُجبر على الأداء، كما إذا أقر أن المالك مات وهذا ابنه لم يثبتِ النَّسبُ في حق صاحبِ الدِّينِ، ويُؤْمَرُ بالدفع إليه؛ لأنَّ النَّسبَ ثبت في حق المُقِر.
وفي الأخيرة»: في المسألة نوعُ إِشكالٍ، وهو أَنَّ التَّوكيل بقبض الدِّينِ توكيل بالاستقراض معنى؛ لأنَّ المديون يقضي مثل الدِّينِ، فما قبَضَه ربُّ الدِّينِ منه يصيرُ مضموناً عليه وله على المديون مثل ذلك، فيلتقيانِ قِصاصاً، وقد عُلِمَ أَنَّ التَّوْكِيلَ في الاستقراض باطل.
وجوابه أنَّ التوكيل بالاستقراض رسالة بالاستقراض معنى؛ لأنَّه لا بد للوكيل بقبض الدِّينِ من إضافةِ القَبضِ إلى مُوكَّلِه بأن يقول: فلانٌ وكَّلْني بِقَبْضِ دَينِهِ، كما لا بُدَّ للرَّسولِ في الاستقراض منَ الإِضافة إلى المُرسل بأن يقول: أرسَلَني، ويقول: أقرضني كذا، بخلاف الوكيل بالاستقراض فإنَّه يُضيفُ إلى نفسه، ويقول: أقرِضْني وهذا بخلاف الوصي لو ادَّعَى أَنَّه وصِيُّ فلان، وطلب الغريم فصدَّقَه الغريم لا يُؤْمَرُ بالتسليم، كذا في «العمادية».
وفُرِّقَ بينهما من وجهين:
أحدهما: أنَّ للقاضي نصيبَ الوَصي، فإذا قضَى بوجوبِ التسليمِ إليه يكونُ إقراره مُؤدِّياً إلى إسقاط حق الغير، وهو براءة ذمَّتِه بالدفع إليه، بخلاف الوكالة، فإنَّ القاضي لا يملك نصيب الوكيل.
والثاني: أنَّه لو قضى بوجوبِ التسليم إليه يصيرُ وَصِيَّا في جميع المالِ، بخلافِ الوكالة، وهكذا ذُكِرَ في بابِ الرَّجلِ يُريدُ أن يكتُبَ وصيَّة والشَّهادة عليهما من أدب القاضي.
ومما يناسب هذا ما ذُكِرَ في الجامع»: باع وصي عبداً وأقر بقبض ثمنه، أو أقر ببيعه وقبض ثمنه، وزعَمَ أَنَّه أُنفق على الورثة، أو ضاع منه، فكبر الورثة وانكَرُوا، يُصَدَّقُ في براءةِ المُشتَري وبراءةِ نفسه عن الضمان، لا في تحقيق القبض عليهم؛ لأن الوصي وكيل من جهة الموصي بعد وفاته، فيُعتبر توكيله في حياته.
فلو وَجَدَ المُشتري بالعبدِ عَيباً وردَّه على الوصي يأخُذُ منه الثَّمن ولا يرجعُ على الورثة، ولا مالِ المَيِّتِ، ويبيع القاضي العبدَ ويُوفي الوصي ما غُرِّمَ، وإِنْ فَضَلَ شيء كان للورثة، وإن نقص فهو على الوصي.
فإن قيل: الوكيل في حياته إنَّما لا يرجع؛ لأنَّه غيرُ مُسَلَّط على مالٍ آخر للمُوكِّلِ، والوصي مُسلَّط على مالٍ آخرَ سِوَى العبد وثمنه، فيجب تصديقه في إقراره بقبض الثّمن في حق مال آخر. قلنا: نعم هو مُسلَّط على كلِّ، مالِه، لكن بشرطِ العِوَضِ، أَمَّا بغيرِ عِوَض فلا ألا ترى أنه لو أقر بدين على الميِّتِ، أو أقر أنَّه أنفق على الورثة من ماله كذا وكذا، وأراد الرجوع وكذَّبه الورثة بعد البلوغ ليس له الرجوع في التركةِ، فكان الوصي والوكيل في هذا الحكم سواء. ولو أقر الورثة بالبيع وقبض الثَّمن، وأنكَرُوا الإنفاق عليهم أو الضّياع في يده، ثمَّ وجَدَ المُشتَري بالعبدِ عَيباً وردَّه يرجعُ بالشَّمنِ فِي التَّركَةِ؛ لأنَّهم صارُوا مُقرِّينَ بالوصول إليهم حكماً، كإقرارِ مُوكَّلِ بقبض وكيله، ولم يذكُرُ محمَّدٌ رَحِمَهُ اللهُ وصِيَّ القاضي، وهو كوي الميت. كذا في «التحرير».
وهذا ما يسَّرَه الله من الكلام في تحرير هذه المسألة، والله وليُّ التَّوفيق، انتَهَى. وكُتِبَ أصله: من نسخةٍ بعضُها بخط مُؤلِّفها شيخ الإسلامِ نورِ الدِّينِ مَولانا الشَّيخ علي المقدسي رحمه الله، وأعادَ علينا وعلى المُسلمين من بركاته ومدَدِه، والمسلمين، آمين يا رب العالمين.
وصلَّى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّمَ.
***