الجزء 1 · صفحة 7
حفظ الأصغرين عن اعتقاد من زعم أن الحرام لا يتعدّى لذمتين
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
الجزء 1 · صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نَستَعينُ
حمداً لمَن مَنَّ علينا بتعليمه الأحكام، وتفَضَّلَ علينا بتبيين الحلالِ والمُسْتَبِهِ والحرام، فتهَللَتْ وُجوه الأحكامِ بدوراً مُسفِرةً مُزيلةٌ غَياهِبَ الجهل، مُظهِرةٌ مَنهِجَ الإسلام، ونضَّرَ وُجوهَ الأَئِمَّةِ الأعلامِ بتبليغهم مَقالَةَ المُصطَفَى هِداية للأنام، حيثُ قال عليه الصلاةُ والسَّلامُ مَقالةٌ أحبها الله وسمِعَها: «نضَّرَ الله امرأ سمِعَ مَقالَتي فوعاها وأدَّاها كما سمِعَها»، وشهادةً بالوحدانية الله الذي لا إلهَ إِلَّا هو المُنزِّلِ في كتابه المُحكَمِ {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ} [الطلاق: 1]، وشهادةً للحبيب المُصطَفَى، والخليلِ المُجتبى برسالة للنَّاسِ كافَّة، فبشَّرَ وحذَّرَ وأَنذَرَ بأقوال شريفةٍ هي لنا عن الغَيِّ كافة.
فمنها قوله: دَعْ ما يريبك إلى ما لا يَريبُكَ»؛ أي: اترك ما شكَكْتَ في حِلَّه وإباحته إلى ما لا تشُكُ في حِلَّه وإباحته، وذلك هو الورَعُ المُطلَقُ، الذي به من ربقة الذل يُطلق.
ومنها قوله: (من حُسْنِ إِسلامِ المرءِ تَركُه ما لا يعنيه).
ومنها قوله: «مَن كانَ يُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ فلْيقُل خيراً أو ليصمت، ومَن كانَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخرِ فليُكرِمْ جاره، ومَن كانَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر فليكرِمْ ضَيفَه».
ومنها قوله: «اتَّقِ اللهَ حيثما كنتَ، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالقِ الناس بخلق حسن.
الجزء 1 · صفحة 9
ومنها قوله: احفظ الله تجده أمامَكَ، تعرَّف إلى الله في الرَّحَاءِ يعرِفْكَ في الشِّدَّةِ، واعلَمْ أنَّ ما أخطأك لم يكُنْ ليُصيبَكَ، وما أصابَكَ لم يكُنْ لِيُخطِئَكَ، واعلَمْ أنَّ النَّصَرَ معَ الصَّبِرِ، وأنَّ الفَرَج معَ الكَرْبِ، وأن مع العسر يسراً.
ومنها قوله جامعاً لأمور الدين قاله صلى الله عليه وسلم جواباً لسائله: «قلْ آمَنتُ بالله، ثمَّ استقم.
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا لم تَسْتَحِ فاصنَعْ ما شِئْتَ.
ومنها قوله: كلُّ النَّاسِ يغدُو فبائع نفسَه فَمُعتِقُها أو مُوبِقُها؛ فَمَن باغ
نفسه الله بطاعته وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فقد أعتَقَهَا مِنَ النَّارِ، وَمَن باع نفسه
للشَّيطان بفعل المعاصي كَانَ مُوبِقَهَا مُهْلِكَها بسخط الله.
ومنها قوله: كلُّ المُسلم على المُسلِمِ حَرامٌ: دَمُه وماله وعِرضُه.
وبعد:
فيقول العبد الفقير إلى لُطف الله الخفي، أبو الإخلاص حَسَنُ الوَفَائِيُّ الشُّرُنُبُلَالِيُّ الحنفيُّ، غَفَرَ الله له ولوالديه ولمشايخه وذُرِّيَّتِه وإخوانه ومحبيه والمُسلمين: إنَّه قد كثر السُّؤال عن قولِ مَن قالَ: إنَّ الحرام لا ينتقل لذِمَّتَينِ، ونَسَبه لمذهب الإمام الأعظم أبي حنيفةَ زَينِ التَّابعين، وعُمدة الزَّاهدين، الذي أسس بناءَ مَذْهَبِه على تقوى من الله ورضوان وشهد بذلك العلماء العاملونَ الأعيان. فسَطَّرتُ ما به الرَّدُّ على ذلك الزَّاعِمِ الظَّالم منَ الآياتِ الكريمة، والسُّنَّةِ الشريفة، ومسائلِ الفِقهِ تُحفةً للأكارم، وسَمَّيتُه:
الجزء 1 · صفحة 10
حفظ الأصْغَرَينِ عنِ اعتقادِ مَن زَعَمَ أَنَّ الحَرامَ لا يتعدَّى لِذِمَّتَينِ وحيثُ قدَّمْنا من الآياتِ والسُّنَّةِ ما فيه كفايةٌ في هذا المَقامِ، فَلْنذكُرُ منه ما رَوَى النووي رحمه الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الحلال بين، وإنَّ الحرام بين، وبينهما أُمور مشتبهات لا يعلَمُهُنَّ كثيرٌ منَ النَّاسِ، فمَن اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فقد استبرأ لدينه وعِرْضِهِ، ومَن وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ في الحرام، كالراعي يرعى حول الحِمَى يُوشِكُ أن يرتع فيه، ألا وإنَّ لكُل ملِكِ حِمّى، ألا وإنَّ حِمَى اللَّهِ مَحارِمُه، ألا وإنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسَدُ كلُّه، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّه، ألا وهي القَلْبُ»، رواه البخاري ومسلم.
ثم نذكرُ كلامَ الفُقَهَاءِ.
قال في الخلاصةِ»: الشُّبهَةُ إلى الحرام أقربُ، كذا قال أبو يوسف رحمه الله، والمكروه تكلَّمُوا فيه، والمُختارُ ما قاله أبو حنيفة وأبو يوسف رحِمَهُما الله أنَّه إلى الحرام أقرَبُ، ونص محمد رحمه اللهُ أَنَّ كلَّ مكروه حرام ما لم يقُمِ الدليل بخلافه.
وفي «الخلاصة»: نهرٌ مَعْصوبٌ أرادَ إنسانُ التَّوضُّو أو الشَّربَ منه، إِنْ حُوِّلَ النَّهرُ عن مَوضِعِهِ يُكرَهُ، وإنْ لم يُحوّل لا يُكرَهُ، انتَهَى؛ لأنَّ الغَصْبَ يتحقَّقُ بِالتَّحويل. وفيها رجُلٌ غَصَبَ طاحونة وأجرى به ماءَها في أرض غيره من غير طيب صاحبِ الأرض، لا يحِلُّ للمُسلمين الانتفاع بهذه الطَّاحونة إذا علموا بذلك، لا شراء ولا إجارة ولا طَحْناً بأجرٍ ولا عارية.
الجزء 1 · صفحة 11
رجُلٌ مرَّ في الطَّريقِ المُحدَثِ، قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: إِنْ علِمَ أَنَّ صاحِبَ الأرض أحدَثَ الطَّريقِ في ملكه، يُباحُ له المُرورُ في الطَّريقِ، وإن لم يعلَمْ يجوز المرور فيه حتَّى يعلم أنَّه غَصْبٌ، انتَهَى. والقاعدةُ: أَنَّ كلَّ ما استفيد بفعل لا يحِلُّ؛ كالغَضَبِ لا يجوز تناوله، ولا الانتفاع به؛ كالمقبوض ببيع فاسد، إلَّا إذا جعَلَه صاحبه في حِلّ، ولو قبض القيمة، ولذا وَجَبَ على كل منهما فَسَخُ العقد الفاسد خُروجاً عن فعل لا يجوز.
وقال في «الفَتاوَى البَزَّازِيَّةِ»: أخَذَ مُورّثه رِشْوَةً أو ظُلماً؛ إنْ علِمَ ذلك بعينه لا يحِلُّ له أخذه، وإنْ لم يعلَمه بعينه، له أخذه حُكْماً، فأَمَّا فِي الدِّيانِةِ فيتصَدَّقُ به بنيَّةِ الخُصَماء.
وفي البَزَّازِيَّةِ» أيضاً: أَوْصَى عُمَّالُ السُّلطانِ بإعطاءِ الفُقَراءِ كذا بُرَّا، وكانُوا أخَذُوا مِنَ الرَّعيَّةِ بُرا، إنْ كانَ خَلَطَها بماله لا بأس به، وإنْ لم يخلط لا يحِلُّ إِنْ علِمَ أنَّه مال غيره، وإن لم يعلَمْ حلَّ حتّى يعلَمَ أنَّه لغَيرِه.
هذا جَوابُ الإمامِ الصَّفَّارِ، قال الفقيه: لا يجوز أخذه وإِنْ مُختلِطاً؛ لأنَّه على ملكِ صاحبه عندَ الثَّاني، إِلَّا إِذا أَخذَه ليرُدَّه على صاحبه.
وعند الإمام بالخلْطِ ملكه، لكنَّه لا يجوز أخذه إلَّا إذا كانَ في ملكِ المَيِّتِ وفاء بقَدْرِ ما يُرضي الخُصَماء. انتهى من كتاب الوصايا منها.
قلت: ولعلّ المُرادَ حُصُولُ إِرضاء الخُصَماءِ بالفعل؛ إذ لا يكفي وُجود ما يُرضي إذ لم يُدفَعْ إلى الخُصَماء، كما سنذكُرُه في مسألةِ الشَّاةِ المَصليَّةِ.
وفي «الفَتاوَى»: قدَّمَ السُّلطانُ مَأكُولاً إِنْ كانَ مُشْتَراهُ أَكل، وإِنْ لم يعلَمْ أَنَّ عينَه مغصوبة أكله.
الجزء 1 · صفحة 12
وفيها أيضاً: غالِبُ مالِ المُهدي إنْ حَلالاً لا بأسَ بقَبولِ هدِيَّتِه وأَكْلِه، ما لم يتبيَّن أنّه حرام، وإن غالب ماله الحرام لا يقبلها، ولا يَأْكُلُ إِلَّا إِذا قالَ: إِنَّه حلالٌ ورِثَه أو استَقْرَضَه، انتَهَى.
قالَ الشَّيخُ الإِمَامُ عليُّ المَقدِسي رحمه الله: أقول فيه: إذا كانَ أكثر مالِهِ حَرَاماً، كان فاسقاً، فكيفَ يُقبَلُ؟ انتَهَى.
وإنما قالَ: يتصَدَّقُ بالخبيث بنيَّةِ الخُصَماء؛ ليُنبه به على أنَّه لا يقصد به ثواباً ولا التَّقرب إلى الله تعالى، لما قالَ ابنُ وَهْبانَ في منظومته رحمه الله تعالى: [من الطويل]
ومَن دَفَعَ المال الحرام لسائل فكُفر إذا يرجُو به أن سَيُؤْجَرُ ولو عَلِمَ المُعْطَى به فَدَعَا له وأمَّنَ مَنْ أعطى فالاثنينِ كَفَّرُوا وقال ابنُ الشَّحنة في شرحها: المُرادُ بالسَّائلِ هُنا الفقير، ومسألةُ البيت من الظهيرِيَّةِ»، رجُلٌ دفَعَ إلى فقير من المال الحرام شيئاً يرجُو به الثواب، يكفر، ولو علم الفقير بذلك فدعا له وأمَّنَ المُعطي، كَفَرُوا جميعاً. قالَ المُؤلِّفُ وينبغي أن يكون كذلك لو كانَ المُؤمِّنُ أجنبياً غيرَ المُعطي والقابض، وكثيرٌ منَ النَّاسِ عنه غافِلُونَ، ومِنَ الجُهَّالِ فيه واقِعونَ، انْتَهَى.
وقال في «البَزَّازِيَّةِ» من كتابِ القَضاءِ: تصدق على فقير بشيء من المال الحرام راجيا النواب، يكفر، ولو علم الفقير بذلك ودعا له وأمَّنَ المُعطِي، كَفَرا، ثم قال عقبه إذا قال: الخمرة ليست بحرام، يكفرُ؛ لأنه استحل الحرام القطعي، فعلم بهذه العلَّةِ المذكورة أن مسألة التّصدق أيضاً محمولة على ما إذاىتصدق بالحرام القطعي.
الجزء 1 · صفحة 13
أَمَّا إِذا أَخَذَ من إنسانٍ مئةً، من إنسانٍ مئةً، ومن آخَرَ مئةً، فخلَطَهُما ثمَّ تصدَّقَ به، لا يكفُرُ؛ لأنَّ قبل أداء الزّمانِ وإِنْ كانَ حرامَ التَّصَدُّقِ لكنَّه ليس بحرامٍ لعَينه بالقَطْعِ، قَالَ العلامة ابنُ الشَّحنة وهذا على قول الإمام الأعظَمِ؛ لأَنَّهُ يَرَى الخَلْطَ استهلاكاً، واللهُ أعلم.
فالمخلوط سبيله التَّصَدُّقُ، وما يأخُذُه الأعونه من الأموالِ ظُلماً ويخلطه بماله أو بمال مظلوم آخر يصير ملكاً له، وينقَطِعُ حقُّ الأَوَّلِ، فلا يكونُ أخذُه عندَنا حَراماً محضاً.
نعم؛ لا يُباحُ الانتفاع به قبل أداء البدلِ في الصَّحيح منَ المذهب، كيلا يلزم منه فتح بابِ الغُصوب، وفي مَنعِه حَسمُ مادَّتِه.
وقوله: «في الصحيح من المذهبِ يُشيرُ إلى القَولِ المَردودِ المُنكَرِ إسناده للإمام، وهو أنَّ ابتلاع المغصوب بعدَ مَضْغِه يكونُ ابتلاع حلالٍ، فَرُدَّ ذلك بأنَّ الصَّحيحَ أنَّه لا يُباحُ الإقدام على المضغ قبل أداء البدل، وإرضاء المَعْصُوبِ منه.
ويدلُّ عليه ما قال في «الكافي»: كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في ضيافة رجُلٍ مِنَ الأنصارِ، فقَدَّمَ إليه شاةً مصليَّةً، فأخَذَ منها لقمةٌ، فَجَعَلَ الله يلوكها، ولا يُسيعُها، فقالَ: «إِنَّها تُخبِرُني أنَّها ذُبِحَتْ بغير حقٌّ»، فقالَ الأنصارِيُّ: كانَتْ شاةَ أخي، ولو كانَتْ أعز منها لم ينفس عليَّ بها، وسأرضيه بما هو خيرٌ منها إذا رَجَعَ، فقال عليه السَّلامُ: أطعموها الأَسارَى انتهى.
الجزء 1 · صفحة 14
ولو جاز الانتفاع به أو تمَلُّكُه لَما قال ذلك، فهذا ينفي قَولَ مَن زَعَمَ أَنَّ الحرامَ لا ينتَقِلُ إلى ذِمَّتَينِ. وكذا قال في «الكنز»: وملك الغاصب المَعْصوبَ بِلا حِل انتفاع قبل أداءِ الضمان بشيءٍ وطَبْخِ وطَحْنِ وَاتَّخاذِ سَيف أو إناء لغَيرِ الحَجَرَينِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، فلا يملكهما الغاصب باتِّخاذهما آنيةً أو دنانير عند أبي حنيفة، وعندهما يملكهما الغاصِبُ بضَرْبهما دنانير أو دراهم أو أواني؛ لاستهلاكِ العَينِ من وجه، وتفويت بعض المقاصد بإحداث الصنعةِ المُتقدّمة فيه.
ولأبي حنيفة رحمه اللهُ أنَّ عينَ النَّهْدَينِ باقيةٌ من كل وجه، ولم تهلك من وجه ما، ألا ترى أن الاسم لم يتغيّر، ومعنى الثَّمَنيَّةِ باقٍ، وكذا كُونُه مَوزُوناً باقٍ أيضاً، حَتَّى يجري فيه الربا باعتباره، والصَّنعةُ فيهما غيرُ مُتقوِّمةٍ أيضاً مُطلَقاً، ألا ترى أنه لا قيمة لها عند المقابلة بالجنس، بخلاف غيرهما؟
والضابط فيه أنه متى تغيّرتِ العينُ المَغصوبة بفعل الغاصب حتَّى زال اسمها ومعظم منافِعِها، أو اختَلَطَتْ بملك الغاصب بحيثُ لا يُمكِن تمييزها أصلاً، أو زالَ ملك المغصوب منه عنها وملكها الغاصِبُ وضَمِنَها، ولا يحِلُّ له الانتفاع بها حتَّى يُؤدِّيَ بدَلَها كيلا يلزَمَ منه فتحُ بابِ الغُصوب، وفي مَنعِه حَسْمُ مَادَّتِه.
ويدلُّ عليه قوله عليه السَّلامُ في الشَّاةِ المَذبوحةِ بغير إذنِ مالِكِها بعد الطبخ: «أطعِمُوها الأَسارَى».
ولو جاز الانتفاع به أو لم يملكه لما قال ذلك، ثمَّ إذا دَفَعَ القيمة إليه وأخذها، أو حكم الحاكم بالقيمة، أو تَراضَيا على مقدار، حلَّ له الانتفاع؛ لوجودِ الرّضا منَ المغصوب منه؛ لأنَّ الحاكم لا يحكُمُ إلَّا بطلبه، فحصلَتِ المُبادَلة بالتراضي، كذا قاله الزيلعي.
الجزء 1 · صفحة 15
فإن قلت: إنَّ قولَ الزّيلعي: ولا يحل له الانتفاع بها حتَّى يُؤدِّيَ بدَلَها، لا ينفي حل انتفاع غير الغاصب؟ قلتُ: المفهوم لا يُعارِضُ المنطوق الذي تقدَّمَ الشامل للغاصِبِ وغيره ممَّن علم به، وإنَّ إطلاق قول «الكنز»: «وملك بلا حل انتفاع» تصريح ببقاء الحُرمةِ، و شامِلٌ كلَّ مَن عَلِمَ بالغَصْبِ، مَعَ تبدلِ العَينِ قبل أداء بدلها وطيب خاطر المغصوب منه، فلم يصح ما نُسب إلى الحنفية من أنَّ الحرام لا يتعدى ولا ينتقل إلى ذِمَّتَينِ؛ إذ لا أصل لذلك في المذهب، ولذا صرَّحَ بحُرمةِ تَناوُلِ المَعْصوبِ ولو خُلِطَ بغيره بحيث لا يتميّز أو يعسُر تمييزه؛ كما في كثير من الكُتُبِ المُعتمدة، وهي صريحةٌ في بطلان ما يجري على لسان الجهَلةِ من أنَّ الحُرمة لا تنتقل إلى ذِمَّتَينِ، وينسبونَ ذلك لمذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة، وكيفَ يُنسَبُ ذلك لمذهب الإمام الأعظم وقد امتنع عن أكل اللحم لمَّا غُصِبَت شاةٌ في زَمَنِهِ؟ فَسَأَلَ: كم تعيشُ الشَّاةُ؟ وَتَوَفَّاهُ خشية وصول لحم المَعْصُوبِ إليه؛ لعلمه بوقوع الغَصْبِ.
وهذا رَدُّ على من يزعُمُ عدَم تعدي الحرامِ لِذِمَّتَينِ.
فإِنْ قُلتَ: يُمكن أن يكون امتناع الإمامِ تَوَرُّعاً لتَوفِّي الشُّبُهَاتِ لا الحرمة؟ قلتُ: صريح مذهبه بما قلناه من تعلَّقِ الحُرمةِ بالعَينِ المغصوبة، فكُلُّ مَن عَلِمَ به حَرُمَ عليه تناولها، كما قدمناه عنِ الفَتاوَى.
الجزء 1 · صفحة 16
كما أنه حُكِيَ عنِ الشَّيخ الإمامِ الزَّاهِدِ نجم الدِّينِ بنِ عُمَرَ النَّسَفِيِّ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّه كانَ لا يُصحُحُ ما ذُكِرَ عن أبي حنيفة في مسألتين: إذا مَضَغَ المَغصوب فابْتَلَعَه يكونُ مبتلعاً حلالاً، وإذا غير العَينَ بنحو طَبخ وطَحْنٍ، ملكها، ولا يحل الانتفاع حتَّى يُؤدِّيَ بدَلَها، فكانَ الشَّيخُ الزَّاهِدُ عمرُ النَّفِيُّ لا يُصحُحُ ما ذُكِرَ عن أبي حنيفة في هاتين المسألتين، وكانَ يُنكِرُ أن يكون ذلك قول أبي حنيفة، وكان يقولُ: الصَّحيحُ عند المحققين من مشايخنا على قضيَّة مذهَبِ أصحابنا أنَّ الغاصِبَ لا يملك المَعْصوبَ إِلَّا عند أداءِ الزّمانِ، أو قضاء القاضي بالضمان، أو تراضي الخصمِ على الضّمان، وإذا وُجِدَ شيءٌ من هذه الأشياء الثلاثةِ يثبتُ الملكُ، وَإِلَّا فلا، انتَهَى.
فنفى الملك بنحو الطبخ، كما انتفى الحِلُّ قبل أداءِ الضَّمَانِ على القَولِ بملكِ المغصوب إذا زال اسمه ومُعظَمُ مَنافعه بالطَّحن ونحوه، فَوَقَعَ الاتفاق على أَنَّه لا يحلُّ الانتفاعُ إلَّا برِضًا الخصم، لا بوجوبِ البَدَلِ كما أَنَّ عندَ الصَّاحِبَينِ يُسْتَرَطُ لطيب الانتفاع أداء البَدَلِ والفتوى على قولهما كما في الفيض» و «الخلاصة».
وسنذكر عن العلّامة بخُوارِزْمَ أَنَّه كانَ لا يأكُلُ طعامَ الظَّلَمةِ، ويَأْخُذُ جوائِزَهُم، فقيل له في ذلك، فقال: تقديمُ الطَّعامِ يكون إباحة، والمُباحُ له يتلِفُه على ملكِ المُبيحِ فيكونُ آكِلاً طَعامَ الظَّالم، والجائزة تمليك، فيتصرفُ في ملك نفسه، انتهى.
الجزء 1 · صفحة 17
فهذا ينفي حِلَّ الإقدام على إتلافِ المَغصوب بنحو أكل قبل رضا صاحبه، وكذا لا يطيب للغاصِبِ أن يأكُل أُجرَةَ ما غصبه، كأن غَصَبَ دابةً أو عبداً مثلاً وأَخَّرَه، يتَصَدَّقُ بالغلة، ولو نقصه الاستغلال وضَمِنَ الغاصِب النقصان، يتصَدَّقُ الغَاصِبُ بالغلة كما يتصَدَّقُ بالربح الحاصل من تصرُّفه في الوديعة أو المال المغصوب، بأن باعه وربح فيه.
وكذا لو استَعارَ دابَّةٌ مثلاً فأجرها، تصَدَّقَ بالأُجرةِ، ولو هَلَكَ المُستَعارُ في يده بعدما استغله فضَمِنَه المالك، كانَ للمُستعير أن يستعينَ بالعَلَّةِ في أداءِ الضَّمَانِ؛ لأنَّ الخبث كان لأجل المالك، فإذا أخذه المالك لا يظهرُ الخبث في حقه، ولهذا لو سلَّمَ الغلة إليه مع العبد المُستَعارِ، أو معَ الدَّابَّةِ المُستَعارَةِ يُبَاحُ للمالكِ التَّناوُلُ مِنَ الغَلَّةِ لزَوالِ الخَبثِ بالتسليم إلى المالكِ، تبرأُ ذِمَّةُ المُستَعِيرِ عن قيمة ما تصرُّفَ فِيهِ بِقَدْرِ الغلة، بخلافِ الغاصِب إذا باعَ المَعْصوبَ بعدما استغَلَّه وهَلَكَ في يدِ المُشتَرِي، وضَمَّنَ المالكُ المُشتري قيمته، ثمَّ رجَعَ المُشتَرِي على العَاصِبِ بالثّمن، حيثُ لا يكون للغاصِبِ أن يستعين بالغلَّةِ في أداءِ الثَّمَنِ إِلَى الْمُسْتَرِي؛ لأنَّ الخَبثَ كَانَ لحق المالك، والمُشتري ليس بمالك، فلا يزول الخبث بالأداء إلى المُشتَرِي فلا يُؤدِّي الغاصِبُ ما استغَلَّه إلى المُشتَرِي إلَّا إذا كانَ العَاصِبُ لا يجد غيرَ ما استغله، فيترجح الغاصِبُ على غيره منَ الفُقَراءِ، باعتبار أنَّه ملكه وهو مُحتاج إليه، كما أنَّ الملتقط له أن يصرِفَ اللُّقَطَةَ إلى نفسه إذا كانَ مُحتاجاً، ثمَّ إِذا أَصابَ مالاً بعد ذلك تصدق بمثله إذا كان غنيًّا وقت الاستغلال، وإن كان فقيراً فلا شيء عليه؛ لما ذكرنا
من ترجُحِه على غيرِه مِنَ الفُقَرَاءِ.
ثمَّ إنَّه إذا تصرّف في المغصوب أو الوديعة وربح فهو على وجوه:
الجزء 1 · صفحة 18
إما أن يكون ممَّا يتعيَّنُ بالتَّعيين؛ كالعُروض، أو لا يتعيَّنُ؛ كالنَّقَدَينِ، فَإِنْ كَانَ مما يتعيَّن، لا يحِلُّ له التَّناوُلُ منه قبل ضَمان القيمة، وبعده يحِلُّ إِلَّا فيما زاد على قَدْرِ القيمة، وهو الربح المذكورُ هُنا، فإنَّه لا يطيب له، ويتصَدَّقُ به؛ لأنَّ العقد يتعلق بما يتعيَّنُ حتَّى ينفسخ العقد بالهلاكِ قبلَ القَبْضِ، فيتمكن الخبثُ فيه.
وإنْ كانَ ممَّا لا يتعيَّنُ؛ كالدراهم، فقد تقدم الكلام عليه والخِلافُ فيه.
كله على قول أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف لا يتصدَّقُ بشيء منه؛ لأن الزيادة حصَلَتْ في ضَمانه وملكه؛ لأنَّ ما ضُمِنَ من الفائتِ يملكه بأداء الزَّمانِ، والمَضمُوناتُ تُملَكُ بأداءِ الضمان عندنا مستند إلى وقتِ وجودِ السبب وهو الغَصبُ هُنا، فتبيَّن أنه حدث في ملكه؛ إذ الخَراجُ بالضّمان.
ولأبي حنيفة ومحمد أنَّ الرِّبحَ َحصَلَ بسبب خبيث وهو التصرُّفُ في ملك الغير، فيكون سبيله التصدقَ؛ إذ الفَرعُ يحصل على وَصْفِ الأصل، فصار كما إذا لم ينقُصُ بالاستعمال، ولأنَّ الملك المُستند ثابت من وجه دون وجه، فكان ناقصاً، فلا يظهرُ في حق انعدام الخبث. وهذا الاختلافُ بينهم فيما إذا صارَ بالتَّعْليبِ من جنس ما ضَمِنَ، بِأَنْ ضَمِنَ دراهم مثلاً وصار في يده من بدل المضمون دراهم، وإنْ كانَ في يده من بدَلِهِ خِلافُ جنس ما ضَمِنَ بأنْ ضَمِنَ دراهم وفي يده من بدله طعام أو عُروضُ؛ لا يجب عليه التصدق بالإجماع؛ لأنَّ الرِّبحَ إِنَّما يتبيَّنُ عندَ اتحادِ الجنس، وما لم يصِرُ بالتقليبِ من جنس ما ضَمِنَ لا يظهرُ الرِّبحُ، انتهى.
الجزء 1 · صفحة 19
وقال نصير رحمه الله في أَيَّامٍ غارةِ المُسلمينَ لا يُشترى من العساكر شيء؟ لأنه حرام ملكُ الغَيرِ، ولا يُباع منهم شيء بالدراهم؛ لأَنَّهُم خَلَطُوا الدَّرَاهِمَ، انتَهَى. قلت: وإطلاقه عدَمَ الحِل بالشّراء والبيع بتلك الدراهم ظاهِرُ على قولِ مشايخنا قبل أداء الضمان.
وفي الخُلاصةِ»: قال في شرحِ حِيلِ الخَصَّافِ لَشَمْسِ الأَئِمَّةِ الحلواني رحمه الله: إِنَّ الشَّيخَ أبا القاسمِ الحكيم كانَ ممَّن يَأْخُذُ جائزةَ السُّلطانِ، وَكَانَ يستقرِضُ بجميع حوائجه ويقضي دينه بما يأخُذُه من الجائزة، والحيلة في مثل هذه المسائل أن يشتري شيئاً ثمَّ ينقد ثمنه من أي مالٍ أَحَبَّ، قال أبو يوسف رحمه الله: سألت أبا حنيفة رحمه الله عن الحيلة في مثل هذا، فأجابني بما ذكرنا، انتهى.
وقال الكَرْخِيُّ رحمه الله: إنَّه على أربعة أوجه: أَمَّا إِنْ أَشَارَ إِلى الدَّرَاهِمِ المغصوبة ونقد منها، أو أشار إليها ونقد من غيرها، أو أطلق إطلاقاً ونقد منها، أو أشار إلى غَيْرِها ونقد منها.
وفي كل ذلك يطيب له إلَّا في الوَجهِ الأَوَّلِ، وهو ما إذا أشار إليها ونقد منها؛ لأنَّ الإشارة إليها لا تُفيدُ التَّعيين، فيستوي وجودها وعَدَمُها، إلَّا إذا تأكد بالنَّقدِ منها.
وقال مَشايخنا: لا يطيب بكلِّ حالٍ إن تناول منه قبل أن يضمَنَ، وبعدَ الضَّمَانِ لا يطيب الربح بكل حالٍ، وهو المُختارُ، وإطلاق الجواب في الجامعين والمُضاربة يدل على ذلك، ووجهه أنه بالنقدِ منه استفاد سلامَةَ المُشتَري، وبالإشارة استفاد جواز العَقْدِ لتَعَلُّقِ العقدِ به في حقٌّ القَدْرِ والوَصْفِ، فيثبتُ فيه شُبهةُ الحُرمةِ لملكه بسبب خبيث، واختار بعضُهم الفتوى على قولِ الكَرْخِي فِي زَمانِنا لكثرة الحرام.
تنبيه: علِمتَ أنَّ الخبيثَ واجِبُ التّصدقِ، فلا يأخُذُهُ إِلَّا مَن يجوز له أخذُ الصدقة.
الجزء 1 · صفحة 20
وسُئل أبو حنيفة رحمه الله عن أكل طعام السلاطين والظُّلَمةِ وأَخْذِ الجائزات منهم فقال: ينبغي أن يتحرى عند الأخذ والأكل، فإنْ وَقَعَ في قلبه أنَّه حلالٌ يَأْخُذُ ويتناول، وإلا فلا، كذا في «الخُلاصة»، انتهى.
وكان العلامةُ بخُوارِزْمَ لا يأكُلُ طَعامَ الظُّلَمةِ ويأخُذُ جوائزهم، فقيل له في ذلك، فقال: تقديمُ الطَّعامِ يكونُ إباحة، والمُباحُ له يُتلِفُه على ملكِ المُبيحِ، فيكونُ آيلا طعام الظالم، والجائزة تمليك فيتصرفُ في ملك نفسه، انتهى.
وإذا بلغ المال الخبيثُ نِصاباً لا تجب فيه الزَّكاةُ؛ لأنَّ الكُل واجب التصدقِ، وهذا في الذي لا يجبُ رَدُّه لصاحبه بعينه، وإلَّا؛ فهو دين جميعاً، ولا زكاة فيه. فإن قلت: كيف ساغ للفقير تَناوُلُ ما فيه خَبَثٌ دونَ الغاصِب؟
قلت: محمله عَدَمُ عليه بحقيقة الحال، وإن علم فهو كغيره، إلَّا أَنَّه إذا لم يجدِ الفقير غيره، كانَ كالمُضطر فيتناوله حينئذ.
فإِنْ قُلتَ: قال في «كافي النسفي»: كما لا يحِلُّ أكل الحرام لا يحِلُّ دَفعه لغَيْرِه ليأكله، انتهى.
وإن ما لا يحِلُّ للشَّخص تَناوُلُه لا يحِلُّ له فعله بغيره، كلبس الحرير وإلباسه، وشرب الخمر وسَقيه، وكما كُرِهَ استقبال القبلة بالفَرْجِ في الخلاء لا يُباحُ إجلاسُ صبي للقبلة لذلك، فكيفَ أمَرتُمُ الغاصِبَ بالتَّصدقِ بالربح أو بالعَينِ المَغصوبة وقد تغيَّرَتْ، مع أنه لا يُباح للغاصب تناولها قبل أداءِ الضَّمَانِ؟
الجزء 1 · صفحة 21
قلتُ: أمرناه بذلك استدلالاً بقِصَّةِ الشَّاةِ المَصلية، وأمره بإطعامها الأسارى على منوال حَمْلِ الهرَّةِ الميتة فتأكُلُها، لا على حمل المية للهرة، ولأنَّه لما تبَدَّلَتِ العَينُ ودَخَلَتْ في ملكِ الغاصب وزال ملك المغصوب منه عنها، ومع ذلك مُنِعَ عن الانتفاع بها حَسْماً لمادَّةِ الغَصْبِ، وسدا لبابه، لم يبقَ إلا تفريغ الذُّمَّةِ عنها بالتَّصَدُّقِ؛ كيلا يتلف المال من غير انتفاع محتاج إليه، وهو الفقير، ولذا لا يُقصد به تحصيل الثّوابِ، بل تفريغ الذَّمَّةِ، وعَلِمْتَ أَنَّ ما بقي بعينه على حاله وقتَ الغَصْبِ ولم يختلط بما يعسُر تمييزه عنه يلزَمُ رَدُّ عينه لمالكه لبقائه على ملكه.
ولذا قال في الفَتاوَى: وقد وَقَعَ في ديارنا أَنَّ السَّلاطينَ يُنعِمُونَ بِمَالِ المَكْسِ على العلماء والمَشايخ، ويَدعُونَ لهم عند أخذه، إِنْ كَانَ مَا أَخَذَه بعينه من مُسلمٍ أو معاهِدٍ بعينه بلا خَلْطٍ ولا تغيير، فحالُ الآخِذِ والمعطي معلوم، انتهى.
وعَلِمْتَ حُكم ذلك ممَّا قَدَّمناه.
الجزء 1 · صفحة 22
فإن قلت: إنَّ تبدل الملكِ كتبدُّلِ العَينِ، فإذا تبدل الملك في المال الحرام زالَتِ الحُرمة بتبدل الملكِ، كما في صدقةٍ أخذها المُكاتَبُ وأَدَّاها لسيده الغني أو الهاشمي، ثمَّ عجَزَ المُكاتَبُ، فإنَّها تطيبُ لسيده بتبدل الملك، وكذا ابنُ السَّبِيلِ إذا وَصَلَ إلى ماله وبيده صدقةٌ أخذَها حين انقطاعه عن ماله، وكفقير مات عن صدقة أخَذَها تطيبُ لوارِثه الغني. قلتُ: إِنَّما زالَتِ الحرمةُ بتبدُّلِ الملكِ في ذلك المقيس عليه، ولم تزل في المقيس مع تبدل الملكِ في كل منهما؛ لأنَّ الحرمة في المقيس عليه ليست لمعنى قام بالعين؛ إذ لا خَبَثَ في نفس الصَّدقة، وإِنَّما الخَبَثُ في فعل الآخذ الغني؛ لكونه إذلالاً له، ولا يجوز ذلك للغني من غير حاجة، ولا للهاشمي، لزيادة حُرمته، وحلت لغيرهما؛ لأنها صدقةٌ طيّبةٌ في ذاتها مأخوذةً برِضًا مالكها لمُستَحِقها، فما حَرُمَتْ على الغني والهاشِمِيٌّ إِلَّا لصونه عن ذُلُّ الأَخذِ بِوَصْفِ الغِنَى القائم به، وصَوْناً لقرابة النبي الله عن أوساخ النَّاسِ، فالمُحرَّمُ عليهما ابتداءً الأخذُ للصَّدقة لذلك المعنى.
فإذا عَجَزَ المُكاتَبُ لم يُوجَدْ من المولى ابتداء الأخذ، بل استدامته، وكذا ابن السبيل والفقير إذا مات لم يُوجَد ابتداء الأخذ، بل استدامته، فحَلَّ المأخوذ وطاب للوارِثِ، بخلافِ العَينِ المَغصوبة؛ فإنَّ الحُرمة القائمة بها لا تزول يتبدل الملك.
الجزء 1 · صفحة 23
ألا ترى إلى بقاءِ وَصْفِها بالغَصْبِ، ولذا كانَ امتِناعُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ومنعه أصحابه عن أكل الشَّاةِ المصليَّةِ لبقاءِ الحُرمةِ بِوَصْفِ الغَصْبِ مَعَ تبدل الملكِ فيها كما قدمناه، ولمَّا كانَ وَصْفُ الصَّدقة له المقتضي لمنعه عن أكل الصَّدقةِ ابتداءً قد زال بتبدل الملك أكَلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ممَّا أُهدِي من بيرة، وكان قد تصدق به عليها، وبين ذلك بقوله: هو لها صَدَقَةٌ، ولنا هَديَّةٌ»، كما رَوَتْهُ عائشة رضِيَ الله عنها قالت: دَخَلَ علينا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَالبُرمَةُ تفورُ بِلَحْمٍ، فَقُرَّبَ إِليه خبر وأُدم من أُدمِ البيت، فقال: «أَلَمْ أرَ بُرمة فيها لحم؟» قالوا: بلى، ولكنَّ ذاك لحم تُصدق به على بريرة، وأنتَ لا تأكُلُ الصَّدقة، قال: «هو عليها صَدَقَةٌ، ولنا هدِيَّةٌ، استفيد هذا من «شرح الكنز و «الهداية».
وفي هذا القَدْرِ كِفايةٌ لإثباتِ ما أَرَدْنا مَعَ قِصَرِ الباع وضيق الحال والاطلاع، والحمد لله ربِّ العالمينَ.
تم تأليفه في شهر ربيع الأوَّلِ سنة تسع وأربعينَ وأَلفٍ، غفر الله للمُؤلِّفِ ولوالديه ولمشايخه وللمسلمين آمين، وحسبنا الله ونعم الوكيل، والحمد لله وحده.