تيسير العليم لجواب التحكيم
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
تيسير العليم لجواب التحكيم
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي خلَقَ الأنام، وفضَّلَ على بعضهم، والصَّلاةُ وَالسَّلامُ على سيدنا محمَّدِ المُرْسَلِ رحمةً لهم، المُنزَّلِ عليه: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء: 65]، وعلى آله وأصحابه أئِمَّةِ الهُدَى، وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الدِّينِ وَمَنْ بهم اقتدى.
وبعد: فيقولُ حَسَنُ الشُّرُنْبُلاليُّ أدامَ اللهُ عليه فضله المُتَوالي: هذا قدر يسير لإيضاح سُؤالٍ شهيرٍ، سمّيته:
«تيسير العليم لجواب التحكيم».
قال العلامة صاحِبُ الدُّرَرِ والغُرَرِ» رحمه الله تعالى: فَإِنْ قِيلَ: التَّحكيمُ يثبتُ باتفاقهما، فينبغي أنْ لا يصح الإخراجُ إلَّا باتفاقِهما.
قلنا: شرا شرطٌ وُجودِ الشَّيء لا يجب أن يكون بجميع أجزائِه شَرْطاً لبقاء ذلك الشَّيء، كما في البناء، انتَهَى.
أقول: إنَّ قولَه شَرْطاً لبقاء تحريفٌ مِنَ النَّاقل عن خط المُصنِّفِ رحمه الله، وتصحيحه أن يُقالَ: «شَرْطَ انتفاء ... » إلى آخره، وجه تحريف الناقل بجعله ألف «انتفاء موصولة بطاء شرط» وتطويله نون «انتفاء» بجعلها لاماً، ونُقطة الفاء بنقطتي قاف.
فأصل العبارة هذا: لا يجب أن يكون بجميعِ شَرْطِ انتفاء ذلك الشَّيء، وهو معنى ما أراده المُحشّي من تصحيح العبارة، كما سنذكره.
ولما قدَّمَ المُصنِّفُ دليل المُدَّعي لم يذكره في الجواب، ولمَّا أَنْ كانَ الشَّيء ينتفي بانتفاء جُزئه، وجُزوه المنفيُّ هُنا عدَمُ رِضا أحدهما يبقاءِ التَّحكيمِ عُلِمَ أَنَّ الانتفاء ليس كالبناء؛ يعني: الابتداء من حيثيَّةِ اشتراط ما كانَ شَرْطاً للبناء، والبناء إنشاء التحكيم برضاهما. فقوله: كما في البناءِ مُنصَب عليه النَّفي، وليس الكافُ فيه للتمثيل والتشبيه المثلث، ليثبت الحكم في المشبه به؛ إذ يعود إلى النقيض؛ لأنَّ الانتفاءَ مُباين للبناء؛ أي: الابتداء من حيثيَّةِ جَوازِ انفِرادِ كلَّ منَ المُحكَّمَينِ بَرَفَعِ المُحكّم الحكم وإخراجه عن كونه حكماً.
وأصل هذا السؤال والجواب من كافي النَّسَفي»، لكن تصرف في الجواب بالتغيير اللفظي، فإنَّه قال في الكافي»: وصحٌ رُجوع كلِّ واحدٍ منَ المُحكَمَينِ قبل حكمه عليهما؛ لأنَّه مُحكّم من جهتهما، فيتوَقَّفُ حُكمُه على رِضَاهُما. فإن قيل: التَّحكيمُ يثبتُ باتِّفاقِهما، فينبغي أن لا يصح الإخراجُ إلَّا باتفاقهما.
قلنا: لم يرضَ أحدهما بهذا التحكيم، فلا يبقَى التَّحكيم، كما لا يثبتُ ابتداءً بلا رضاهما، انتهى.
وقولُ الإمامِ النَّسفي: قبلَ حُكمه عليهما؛ ينبغي حَذْفُ مُتعلَّقِ الحكم؛ لأنَّه ليس عليهما، بل على أحدهما.
وقوله: لم يرضَ أحدهما بهذا التحكيم؛ يعني: ببقائه.
وقال المحشي العلامة الواني رحمه الله: قوله: لا يجب أن يكون بجميع أجزائه شَرْطاً لبقاء ذلك الشَّيء، هكذا في عامَّةِ النُّسَخِ، ولكنَّ الظَّاهر أن يقول: شرط وجودِ الشَّيء لا يجب أن يكون انتفاء جميع أجزائه شرط انتفاء ذلك الشَّيء، انتهى.
وأقول: على ما بيناه من تحريف كاتب اللفظة وتصحيحها لا فرق بينَ قول المصنفِ وفِعلِ المُحشّي؛ لأنَّ قولَ المُصنفِ صاحِبِ الدرر»: لا يجب أن يكون بجميع أجزائه شَرْطَ انتفاء ذلك الشَّيء؛ مُفيد انتفاء الشَّيء بفَوَاتِ بعض ما شُرِطَ الوُجودِه، فهو مُساوِ القَولِ المُحشي: لا يجب أن يكون انتفاء جميع أجزائه شرطاً لانتفاء ذلك الشَّيء، مُفيدٌ فواته بقوات بعض ما شرط لوجوده، فقد تساوى مع قولِ المُصنِّفِ، فليس في كلامِ المُحشي فائدة زائدة عليه على ما صححنا به اللفظ.
ثم أقولُ: إِنَّ المُقرَّرَ أَنَّ الشَّرط ما يتوفَّفُ عليه الشَّيء، وليس داخلا فيه، وركنُ الشَّيء ما قام به، والرُّكنُ هُنا تحكيمُهما، وشَرطه صلاحيَّةُ المُحكم وأهلية المحكمين، فإطلاق الشرط على الرُّكن فيه تسامح؛ لأنَّه ما بطل التحكيم هنا إلا بانعدام رُكن الشَّيء، على أنه لا يصح أن يكونَ الشَّرط ذا أجزاء، وإذا فاتَ بعض أجزائه بعد وُجودِه يبطل، فإنَّه ليس ذا أجزاء مُطلَقاً؛ كالطَّهارةِ الحُكْميَّةِ لا تتجزأ.
وقد وجدنا بعض الشروط إذا فاتَ حالَ وُجودِ المَشروطِ لا يبطل به؛ كالإغماء والجنون يفوتُ به أهليَّةُ النّية للصومِ ابتداءً لا بقاء؛ لأنه يقضي بإغمائِه سَوَى يومٍ حدث في ليلته أو يومه مع سبق النية له.
وكبعض شُروطِ الصَّلاةِ: التَّيقظ إذا فاتَ لا تبطل به كنوم فيها، ونزول نجاسة مانعة ولا ما يُزيلها عنه، يتم على صلاته، وكما لو أتمها مع الانكشافِ، وكمَطَر وخوفٍ أدى إلى استدبار القبلة فيها يُتِمُّها لجهةِ خَوفِه.
وكالمبيعِ شَرطُ صِحَّتِه القُدرة على التسليم، فإذا أَبَقَ بعد البيع لا يبطل بمُجرَّدِ اباقه، بخلاف لو باعه آبقاً ممن لم يزعُمُ أَنَّه عنده.
وكالنكاح يُشترط لصحتِه أهليَّةُ العاقِدَينِ، فإذا فاتَتْ بعده بجُنون لا يبطل، وكما لو ارتدا وأسلما معاً لا يُجدَّدُ النِّكاحُ، فلم يفتْ بفَواتِ شرطٍ فيهما. وهذا بخلافِ ما إذا فاتَ رُكنٌ من شيء بعدَ وُجودِه؛ كسجدةٍ تُرِكَتْ تبطل الصلاة بخروجه منها، ولم يأتِ بها فيها.
فيهذا عُلِمَ أَنَّه لا يصح أن يُقالَ: ينتفي الشَّيءُ بقات بعض شروطه التي قد وُجِدَت حال ثبوته على الإطلاق كما يُفيده كلام صاحبِ الدُّرَرِ»، وتبعه المُحشّي، ولأنَّه إنَّما بطَلَ المُتحَدَّثُ عنه بفَواتِ رُكيه، وإِنَّما نَفَيْنَا جواز الإطلاق؛ لما أنه إذا فاتَ شَرْطُ أهليَّةِ المُحكّم بجُنونِ أو كُفَرٍ أَو رِقٌ؛ كتحكيم امرأة، فارتدت أو لحقت بدار الحرب فسُبِيَت بطل تحكيمُها، كما لو حُدَّ المُحكِّمُ في قَذْفٍ بطَلَ تحكيمه.
وهذا ما تيسر جَمعُه، واللهُ المُوفّق بمَنه وكرَمِه.
وقد جاء انتهاء تأليفه بخَطٌ مُؤلِّفه وقتَ السَّحَرِ في غُرَّةٍ شهرِ ربيعِ الأَوَّلِ، سنةَ ثمان وستينَ وألفٍ.