الفوز بالمالِ بالوَصِيَّةِ بما جُمِعَ مِنَ المال
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
الفوز بالمالِ بالوَصِيَّةِ بما جُمِعَ مِنَ المال
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
وهو حسبي
الحمد لله الذي أَسْبَغَ علينا نِعَمَه ظاهِرةً وباطِنةً، وأَسعَدَ مَن زَيَّنَ ظَاهِرَه وطَهَّرَ باطِنَه، ومَنَّ عليه ببذل بعض ما ملكه من المتاعِ القليل، للفَوزِ فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ بالنَّعِيمِ الجليل، والصَّلاة والسَّلامُ على سيِّدِنا محمَّدٍ صاحبِ المَقامِ المحمود، وعلى آله وأصحابه والتابعينَ إلى يوم الوُرُود.
وبعد:
فيقول العبد الفقيرُ حَسَنُ الشُّرُنبلالي الحنفي: هذه رسالة سمّيتها:
«الفوز بالمالِ بالوَصِيَّةِ بما جُمِعَ مِنَ المال»
جمعتها حينَ وُرودِ سُؤال عن شخص مرِضَ بمكَّةَ المُشرَّفِةِ فَوَقَفَ بيتاً له على عتقائه، ثمَّ من بعدهم على الحرَمِ النَّبوي، وأوصى لهم ببعض أمتعته، وكتَبَ به حُجَّةٌ عند قاضي مكَّةَ المُشرَّفِةِ، ثمَّ تُوفِّيَ بعد يوم وليلة، وليس له وارِثُ نَسَبيٌّ ولا سبَيٌّ، فهل يُنفّذُ ذلك من جميعِ مالِهِ؟ أو يكونُ منَ الثَّلْثِ؟ وإذا أرادَ الحاكِمُ أَن يُنفِّذَ ذلك من ثُلُثِ ما أوصى به فقط، له ذلك أم لا؟
فأجَبتُ بلزوم تنفيذ ذلك من جميع المال، ولا يجوز لأحدٍ المُعارضة في شيءٍ من ذلك، ثمَّ طُلِبَ مني دليل الجوابِ بنقلِ المَذهَبِ المُستَطَابِ، فسطَّرْتُ ما به ظَفِرْتُ بعناية الملكِ الوهَّابِ.
قال في «الهداية»: ولا تجوزُ الوصيَّةُ بما زاد على الثلث.
قال في «معراجِ الدّراية»: وهذا عندَ وُجودِ الورثة بإجماع أهلِ العلمِ عندَ عدمِ إجازة الورثة، ويجوز عند إجازتهم؛ لحديث سعد بن أبي وقاص، وفي «المبسوط»: بن مالك مكان:: سعد بن أبي وقاص، ولكنَّ الأَوَّلَ مُوافِق لكتب الحديث كـ «المصابيح» وغيره. وهو أنَّ سَعداً رضي الله عنه لما قالَ: أُوصِي بمالي كله؟ قال عليه السَّلام: «لا»، فقال: فبالثلثين؟ قالَ عليه السَّلام: «لا»، فقال: فبالنصفِ؟ فقال عليه السَّلام: «لا»، فقال: فبالثلث؟ فقال عليه السَّلامُ: الثَّلث، والثلث كثير.
ودليل جواز الوصية بالكُلِّ عند عدم الوارِثِ ما رُوِيَ عَنِ ابنِ مسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه، أنه أجاز أن يُوصِي بما شاء عند عدم الورثة، ولم يُعرف له من الصحابة مخالف، فحل محل الإجماع، وتعليل النبي صلى الله عليه وسلم بِقَولِه: «إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ ورَثَتَكَ أغنياء خيرٌ من أن تدَعَهم عالةً يتكَفَّفُونَ النَّاسَ» دليل على أنَّ العلة في أن لا يتجاوَزَ عَنِ الثَّلث في الوصيَّةِ لَتَستَعْني الورثة، فإذا لم يكن له ورثةٌ فقد ارتفعَتِ العِلَّه، فله أن يُوصِي بما شاءَ.
ولا يُقالُ: لو كانَتِ العِلَّةُ إِغناءَ الوَرَثِةِ لصَحَّ أن يجوزَ التَّجاوُزُ عَنِ الثُّلْثِ إِذا كانَتِ الوَرَثَةُ أغنياء، وليس له ذلك بالإجماع؛ لأَنَّا نقولُ: وُجُودُ العِلَّةِ لا يُراعى في جميعِ الصُّورِ، كما في الرَّمَلِ في الحجِّ، انتَهَى مُلَخَّصاً.
وقال العلامة ابن كمال باشا رحمه الله: وإن لم يُوجَدْ وارِثُ، أو وُجِدَ ولم يأْبَ التنفيذ منَ الكلِّ تُنفّذُ الوَصايا مِنَ الكُلِّ؛ لعدَمِ المانع، انتَهَى.
وقال في مناهيه: كأنَّ قضيَّةَ إِطلاق نص الكتاب - أعني قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ} [النساء: 11 - أن تُنفّذ الوصية بما زاد على الثَّلُثِ أَيضاً؛ يعني: معَ وُجودِ الوارِثِ، إلا أنَّ الإجماع أخرجَ الزَّائدَ عن حيّز التَّقديمِ حَتْماً، فبقي ما دُونَها؛ أي: الزيادة على قضيَّةِ النَّصّ، انتَهَى.
وقال في «الدُّرَرِ والغُرَرِ»: وصحت - أي: الوصِيَّةُ - بالكُل - أي: بكل ماله عند عدَمِ وارِثه؛ لأنَّ المانع منَ الصَّحة تعلق حق الوارث، فإذا انتفى يصح، انتهى.
وقال في شرح المَجمَعِ لابنِ الملكِ: وإذا لم يكُنْ وارِثُ نُجِيزُها بالكُل؛ يعني: إذا أوصى لأجنبي بكل ماله ولا وارِثَ له، صحتِ الوصيَّةُ، وسُلَّمَ له ماله عندَنا؛ لأنَّ ما زادَ على الثّلُثِ لَعامَّةِ المُسلِمينَ، والمُوصَى له منهم، وقد يترجّحُ بإيصائه له، انتَهَى مُلَخَّصاً.
وفي «الخلاصة»: تجوزُ الوصيَّةُ بكل ماله إذا لم يكُنْ له وارِثٌ، انتَهَى. وقال في البَرازِيَّةِ»: والوصية بالثلث تجوز للأجنبي، أجازه الورثة أو لا، وبكل المال بإجازتهم، وإن لم يكن له وارِكٌ، تجوز، أجازَ السُّلْطَانُ وَمَنْ لَهُ بيت المال أو لا، انتهى.
ولا مزيد على هذا البيانِ المُؤيَّد بواضِحِ البُرهان، واقتصرنا على موردِ الجَوابِ بالاختصار من غير إطالة وانتشار؛ لوضوح العُذرِ عندَ ذَوي الاستبصار، وصلَّى اللهُ على سيدنا محمد المُصطَفَى المُختارِ، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذُرِّيَّتِه السادة البررة الأخيار. تنبيه: إذا أجاز الوارِثُ الوصيَّةَ بما زاد على الثَّلْثِ، فَإِنَّما يتمَلَكُهُ المُوصَى له بالإجازة من قِبَلِ المُوصي، حتَّى يُجبر الوارِثُ على التسليم، ولو أعتَقَ عَبْداً ليس له غيره وأجازوا، فالولاء له، ولو أجاز وارِثُ الوصيَّة بزوجته لم يبطل نكاحه، ويملكه قبلَ القَبْضِ ولو مشاعاً مُطلَقاً.
وقال الشافعي ومالكٌ من جهة المُجيز، فانعكس الحكم؛ لأنَّ الميت لا حق له فيما زاد على الثلث، فيكون ملك الوارِثِ حقيقةً، فهو المُمَلكُ له. قلنا: الصَّادِرُ منه الوصيَّةُ الوَصِيُّ، فصادَفَتُ مُلكه حالاً؛ لأنَّ كلَّ مالِه ملكه وقت الوصية وبعد الموتِ حُكماً، فلا يملك إلَّا ما فضَلَ عن حوائجه، ولا يملك ما شُغل بحاجته، ومثله الوصيَّةُ، لكن لهم نقضُها فيما زادَ لحقهم، فإنْ أجازوا ظهَرَ أَنَّه لم ينتقل إليهم، ونفذ العقدُ السَّابِقُ؛ كمرتهن أجاز بيعَ الرَّهِنِ، لا يُقالُ: لو كانَ الوارِثُ مريضاً تعتبر إجازته من ثليه، فكان تمليكاً؛ لأنَّ إِسقاط الحقِّ يُعتبرُ مِنَ الثُّلُثِ أَيضاً، كعتق ومحاباة، كذا في شرح المقدسي»، رحمه الله.
هذا؛ واعلَمْ أنَّ قولَه إِنَّكَ أنْ تذَرَ ورَثَتَكَ أغنياء خير»، يجوزُ في «إِنَّكَ» فتح الهمزة، وهو واضح؛ لأنَّه عِلَّةٌ لِما تضَمَّنَه قَولُه: «والتَّلْتُ كثير»، ويجوز كَسرها استئنافاً، وفيه إشارة إلى تلك العلَّةِ أيضاً، خلافاً لِما يُوهِمُه كلام بعضهم أَنَّ الكسر يُفوِّتُ التَّنبية على العِلَّة.
وقوله: «أَنْ تذَرَ» بفتح الهمزة؛ أي: تَترُكَ ورَثَتَكَ أغنياء، «خيرٌ» خبر «إِنَّكَ»، وعلى كسرِ إِنَّ» الذي صحتْ به الرِّوايةُ، فالفاءُ والمُبتدأُ الدَّاخِلةُ عليه محذوفانِ للعلم بهما؛ أي: «فهو خيرٌ، وبصِحَّةِ الرّواية به اندَفَعَ ما قيلَ: حُذِفَ ذلك ضرورةً، قاله ابنُ حجَرٍ في شرح المشكاة رحمه الله.
وصلَّى الله على سيّدِنا مُحَمَّدٍ وعلى سائر الأنبياء والمُرسَلينَ، وعلى الآلِ والصَّحابة والتابعين، والحمد لله ربِّ العالَمينَ.
***