الدُّرَّةِ الثَّمينةِ في حملِ السَّفينةِ
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
الدُّرَّةِ الثَّمينةِ في حملِ السَّفينةِ
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه الإعانة
الحمد لله الذي سخَّرَ الفُلكَ لتجرِيَ في البحر بأمره، وقدَّرَ الأشياءَ حَسَبَ إرادته وعلمه، لا راد لما أراد، ولا مُعقِّبَ الحُكمِه، والصَّلاة والسَّلامُ على سيدنا ومولانا محمد صاحبِ المَقام المحمودِ والشَّفاعةِ العُظمى في اليوم الموعودِ، وعلى آله وأصحابه ما تواترتِ النَّعَمُ بفَضْلِ غير محدود.
وبعد:
فهذه نُبدَةٌ مُسمّاة بـ:
«الدُّرَّةِ الثَّمينةِ في حملِ السَّفينةِ»
جمعها العبد الفقير إلى الله تعالى في السِّرِّ والعَلَن، أبو الإخلاص حَسَنُ الشرنبلالي الحنَفَيُّ، عامله الله بلطفه الخفي، لمَّا وَرَدَ السُّؤال عن صاحِبِ سفينة عاقد غيره على أن يحمِلَ له كذا من بندرِ السُّوَيْس إلى بندرِ جدَّةَ المَعمورةِ بأُجرَةٍ معلومة، فسافَرَتِ السَّفينةُ وانكسرَتْ في بعض الطَّريقِ بغيرِ صُنع صاحبها، فهل يستحق شيئاً منَ الأُجرةِ؟
فأجَبتُ بأنه يستحقُّ من الأُجْرَة بحسابه حيثُ كَانَ المُستأجرُ في السَّفينة، انتهى.
فأُورِدَ علي جواب قاري «الهداية» في «فتاواه» بعدَمِ استحقاق شيء منَ الأُجرةِ في نظير هذه الحادثة من غير تقييد بكونِ المُستأجر فيها.
فأجبتُ عنه بأنَّ فَتَوَى قارِي «الهداية» على ما ذكره صاحب «الهداية» و «التجريد»، وأما ما أجَبتُ به فهو على المشهور من المذهَبِ، كما في «البرهان». وذكره في المَبسُوطين وغيرهما، وعليه الأكثر، وبه جزَمَ في غاية البيان راداً على صاحب الهداية قال صاحِبُ البحر»: فكان هو المَذهَبَ، انتهى. وإيضاح ذلك بما قالَ الزِّيلَعِيُّ: إِنْ وقَعَتِ الإجارة على المُدَّةِ كما في إجارة الدَّارِ والأرض، أو على قَطْعِ المسافة كما في كِراءِ الدَّابَّةِ؛ يجبُ الأجرُ بِحِصَّةَ ما استوفى من المنافع إذا كانَ للمُستَوفي أُجرةٌ معلومةٌ من غير مشقة؛ أي: في بيان قدرها من غير حرج، وهذا القَدْرُ من المنفعة مقصود، فيجب البدل بحصته، بخلافِ ما إذا وقعت الإجارة على العمل؛ كالخياطة والقصارة، ومثلهما عمل الملاح والحمال؛ لأنَّ المعقود عليه نفس العمل، فكان العمل في البعض غير مُنتَفَع به، فلا يستوجب الأجر بمُقابَلَتِه حَتَّى يفرغ من العمل فيستحق الكُل، وكذا إذا عمل في بيت المُستأجر ولم يفرغ من العمل لا يستحق شيئاً منَ الأُجرةِ على ما ذكر صاحِبُ الهداية» وصاحب «التجريد».
وذكر في المبسوط»، و «الفوائدِ الظَّهيريَّةِ»، و «الأخيرة»، و «مبسوط» شيخ الإسلام، وشرح الجامعِ الصَّغير لفخرِ الإسلام، وقاضيخان، والتُمُرْتَاشِي: إذا خاط البعض في بيتِ المُستأجر يجبُ الأجرُ له بحسابه، حتَّى إذا سُرِقَ الثّوبُ بعدما خاط بعضه يستحقُ الأجرة بحسابه، واستشهد في الأصل على ذلك بما لو استأجر إنساناً ليبني له حائطاً، فبنى بعضه ثمَّ انهدَمَ فله أجرُ ما بَنَى، فهذا يدلُّ على أنه يستحقُ الأجر ببعض العمل، إلَّا أنَّه يُشترط فيه التسليم إلى المُستأجرِ، ففي خياطته في منزلِ المُستأجر يحصل التسليمُ بمُجرَّدِ الفِعل؛ إذ هو في منزله، والمنزل في يده يحتاجُ فيه إلى التسليم الحقيقي، فيجبُ بمُجرَّدِ العمل، ولهذا إذا فرغه في منزله يجب الأجرُ من غير تسليم إليه، انتهى ما قاله الزيلعي.
وكذا بما قاله في «البدائع»: إنْ لم يكُنْ لعمله أثرٌ ظَاهِرُ في العَينِ؛ كالحمَّالِ والملاح والمُكاري، فالبدلُ إِنَّما يُقابل نفس العمل، وهو كله كشيء واحد؛ إذ لا يُنتفع ببعضه دونَ بعض، فكما فرغ حصل في يد المُستأجر، فتقرَّرَتْ عليه الأُجرَةُ، فلا تحتمل السقوط بالهلاكِ، ويضمَنُ المُستأجِرُ بحبسه بعده؛ لأنَّه حبسه بغير حق،
فصار غاصِباً بالحبس. هذا الذي ذكرنا أنَّ العمل لا يصيرُ مُسلَّماً إلى المُستأجرِ إِلَّا بعد الفراغ منه إذا كان المعمول فيه في يد الأجير، فإنْ كانَ في يدِ المُستأجرِ فَقَدْرُ ما أَوقَعَه مَنَ العمل فيه يصيرُ مُسلَّماً إلى المُستأجر قبل الفراغ منه، حتَّى يملكُ المُطالبةَ بِقَدْرِهِ مِنَ الأجرة بأن استأجر رجُلاً ليبني له بيتاً في ملكه، أو فيما في يده بأن استأجره ليبني له بناءً في داره ويعمل له ساباطاً أو جناحاً، أو يحفر له بئراً أو قناةً أو نهراً، أو ما أشبه ذلك في ملكه، أو فيما في يده، فعمل بعضه، فله أن يُطالبه بقَدْرِه مِنَ الأُجرةِ، لكنَّه يُجبر على الباقي، حتَّى لو انهَدَمَ البناء، أو انهارت البئر، أو وقع فيها الماء أو التُّرابُ وسواها مع الأرض، أو سقَطَ السَّاباط، فله أجرُ ما عَمِلَ بِحِصَّتِهِ؛ لأنَّه إذا كان في مُلكِ المُستأجر أو يده فكما عمل شيئاً حصل في يده قبلَ هَلاكِه، وصارَ مُسلَّماً إليه، فلا يسقط بدله بالهلاك، انتهى.
فهذا تصريح بأنَّ الملاحَ يستَحِقُّ منَ الأَجْرِ بِقَدْرِ عَمَلِهِ إِذا كانَ صاحب المتاع معه في السفينة فغرِقَتْ؛ لكونه مُسلّماً إليه العمل؛ لأنَّ المتاع في يد صاحبه، ووجه كونه في يده قول قاضيخان في ضَمان الملاح: إنْ كانَ صاحبُ الطَّعامِ أو وكيله في السفينة لا يضمَنُ الملاح إن غرِقَتِ السَّفينة من مُده أو مُعالجته؛ لأنَّ صاحبَ الطَّعامِ إذا كان معه في السَّفينة كانَ الطَّعامُ في يد صاحبه، فلا يضمَنُ الملاح إلَّا أن يصنع فيها شيئاً، أو يفعل فعلاً يتعمَّد الفَساد، وإن انكسَرَتْ فَدخَلَ الماء فيها، إنْ كانَ ذلك بفعل الملَّاحِ يضمَنُ، وَإِلَّا فلا، انتهى.
وكذا مثله في «مبسوط» السَّرَخسي رحمه الله.
وكما قُلنا: إِنَّ المَلاحَ يستحِقُ بِقَدْرِ عَمَلِهِ إذا كان صاحب المتاعِ معه، قال قاضيخان: رجل اكثرى من آخر سفينةً ليحمل فيها الطَّعامَ إلى الموضع كذا، فلما بلغَتِ السَّفينة إلى ذلك الموضع ردَّها الرِّيحُ إلى المكان الذي اكتراها فيه، فإن لم يكن الذي اكترى السَّفينة مع الملاحِ ليس على المُستكري كراء، وإن كان معه فعليه الكراء؛ لأن العمل صارَ مُسلَّماً إلى المُكتَرِي؛ كالخيَّاطِ إذا خاطَ الثَّوبَ في دارِ صاحب الثّوبِ، انتهى.
فإنْ قُلتَ: هذا لا يُفيدُ المُدَّعى؛ لأنَّه فيما إذا حصَلَ بعضُ المعقود عليه، وكلام قاضيخان فيما إذا استوفى جميعه.
قلتُ: قد عقب ذلك قاضيخان بقوله: رجل استأجر بغلاً للرُّكوبِ إلى موضعِ كذا، فجَمَحَ به في بعض الطَّريقِ وردَّه إلى الموضع الذي استأجره فعليه الأجر.
وهو نظير مسألة السفينة إذا ردَّها الرِّيحُ، والمُكتَري معَ الملّاحِ في السَّفينة، انتهى.
فالحكم مُتحد فيهما، انتهى.
وقوله: فعليه الأجرُ؛ أي: بحِسابِه بقَدْرِ ما سارَ؛ لأَنَّه استَوفَى ذلك القَدْرَ مِنَ المنافع، فلا يسقط عنه الضَّمان، كما في «البدائع»، وكذا في «الذخيرة»، انتهى.
ومثله في المبسوط للسرخسي، حيثُ قال: وعلى هذا لو ردَّ المَوجُ السَّفينةَ إلى الموضع الذي حُمِلَ الطَّعامُ منه، فإن لم يكُنْ رَبُّ الطَّعَامِ معَه، فلا أجرَ للملاح، وإنْ كانَ ربُّ الطَّعامِ معَه في السَّفينة فله الأجرُ بقَدرِ ما سارَ؛ لأنَّ العمل قد صارَ مُسلَّماً بنفسه ويُقَدَّرُ الأجرُ، بحسبه، انتَهَى.
وقال في خزانة المفتين: كانَ أبو حنيفة رحمه الله يقولُ في الكِراءِ إلى مكَّةَ المُشرفة لا يُعطيه الأجر حتَّى يرجع من مكَّةَ المُشرَّفةِ، وكان يقولُ كذلك في سائِرِ المحمولات على ظهر أو دابَّةٍ أو سفينة، ثم رجع عنه وقال: كلَّما سارَ مَسيراً له منَ الأجر شيء معروف له أن يأخُذَه، وهو قول صاحبيه، وسواء كانَ الأجر دراهم أو ثياباً أو حيواناً، ولو أوفى ببعض عمله بأنْ ماتَ في الطَّريقِ يُرُدُّ عليه منَ الدَّراهم بمقدار ما لم يُوفٌ، انتَهَى.
فهذا نص المسألة، ولا احتياج إلى المزيد عليه.
وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، والملائكة المُقرَّبينَ، والصَّحابة والتابعين، وسلم دائماً أبداً إلى يوم الدين، والحمد الله رب العالمين.
***