الجزء 1 · صفحة 7
شرح الجامع الكبير للعتابي
باب الصلاة
بناه على أن محاذاة المرأة الرجل إنما تفسد صلاة الرجل إذا كانت الصلاة مطلقة وكانا مؤديين خلف الإمام حقيقةً أوتقديرًا لأن التقدم فرض على الرجل لقوله: أخّروهن من حيث أخَّرهن الله يعني في صلاة الجماعة وعلى أن من أدرك الصلاة مع الإمام ثم نام، أو أحدث، وبنى بعد فراغ الإمام فهو مقتدي مؤدي خلف الإمام تقديرًا لأنه التزام أداء جميع صلاته مع الإمام بالتحريمة فلا يصح الأداء إلا كما التزم: ولهذا لم يكن عليه سهو ولا قراءة فالمحاذاة في ذلك مفسدة
والمسبوق في قضاء ما سبق منفرد في حق نفسه لأنه لم يلتزم أداء ما سبق به مع الإمام: لأن المتابعة فيما مضى محال في الشركة عند انتهاء أفعال صلاة الإمام ولهذا كان عليه السَّهو والقراءة، فلم تكن المحاذاة في ذلك مفسدة
وعلى أن صلاة المسافرِ في الوقتِ تتغير أربعًا: باقتدائه بالمقيم، كما تتغيّر بنية الإقامة لأن المُغيّر وجد في الأداء: فتغير فأما خارج الوقت: لا تتغير لأن الواجب قد تقرر في ذمته ركعتان فلا يقبل التغيير بعده وعلى أن اقتداء المفترض بالمتنفل لا يجوز لأن الاقتداء بناء، ولا يتحقق البناء في حق صفه الفريضة
بيانه: ما قال محمد رحمه الله رجل وامرأة خلف الإمام أحدثا وتوضآثم جاءا -وقد فرغ الإمام - فحاذت المرأة الرجل في البناء فسدت صلاته لكونهما مقتديين فيما يؤديان على ما مرَّ.
ولو كانا مسبوقين فحاذته في قضاء ما سبق لم تفسد صلاته لكونهما منفردين في حق الأداء لكن لا يجوز الاقتداء بالمسبوق لأنه كانفي التحريمة فلا يجوز لغيره بناء تحريمته على تحريمته
والمحاذاة في الطريق في المجيئ والذهاب لا تفسد - استحسانا لأنهما في حرمة الصلاة لا في فعل الصلاة، والتقدم فرض في فعل الصلاة اقتداء المقيم بالمسافر يجوز في الوقت وخارج الوقت لانعدام المغير والمفسد فاذا سلم المسافر لا يُسلّم المقيم معه بل يقوم ويتم صلاته بقراءة
الجزء 1 · صفحة 8
لأنه منفرد فيها، وإن لم يقرأ أجزأه لأن قراءة الإمام الأوليين قراءة له، بخلاف المسبوق، وأما اقتداء المسافر بالمقيم فيجوز في الوقت لأن صلاة المسافر تتغير أربعًا بالاقتداء بالمقيم وصار مقيمًا حق هذه الصلاة لما مر.
فأما خارج الوقت فلاتجوز لا في الشفع الأول ولا في الشفع الثاني ولا في القعدة الأخيرة، سواء كان شروع المقيم في الوقت ثم خرج الوقت، أو في خارج الوقت، إلا في صلاة لا تقبل التغيير كصلاة الفجر والمغرب لأن صلاة المسافر تقررت ركعتان دينًا في ذمته: فلا تتغير أربعًا بالاقتداء كما لا تتغير بالإقامة
ثم إن اقتدا بالمقيم في الشفع الأول يكون اقتداء المفترض بالمتنفل في حق القعدة الأولى لأن القعدة الأولى فرض في حق المسافر نفل في حق المقيم
وإن اقتدا به في الشفع الثاني يكون اقتداء المفترض بالمتنفل في حق القراءة لأن القراءة فرض في حق المسافر وليس بفرض في حق المقيم في الشفع الثاني"
وكذا إن لم يقرأ الإمام في الشفع الأول وقرأ في الشفع الثاني لأن القراءة تلحق بالشفع الأول لتعيينه محلا للقراءة وجوبًا
ولا يلزم اقتداء المتنفل بالمفترض في الشفع الثاني حيث يجوز وإن كانت القراءة فرضًا على المتنفل دون الإمام: لأن صلاته بالاقتداء تصير فرضًا بالنذر
باب المستحاضة
بناه على أن علامة طهارة العذر وتسمى: ناقضة هو أن يكون الحدث الذي ابتلي به من الاستحاضة، والسيلان، واستطلاق البطن. مقارنا للوضوء، أو بعده في الوقت وحكمها [أي طهارة العذر أنها متى وقعت للحدث الذي ابتلي به لا تنتقض بالسيلان الذي ابتلي به مادامت في الوقت، وتنتقض بخروج الوقت لأنها تقدرت بالوقت: لضرورة الحاجة إلى أداء الصلاة وتنتقض بحدث آخر: لأنه لا ضرورة إلى إسقاط اعتبار حدث آخر
وإن وقع الوضوء لحدث آخر، أو: نورًا على نورٍ، ينتقض بالسيلان الذي ابتلي به.
الجزء 1 · صفحة 9
وإن كان الدم منقطعًا وقت الوضوء، وبعده، فهذا ليس طهارة العذر فلا ينتقض بخروج الوقت
ومتى استوعبت الانقطاع وقت صلاة كامل أخذ حكم الصحيح من وقت الانقطاع. حتى لو كان صلى بطهارة العذر منقطعًا، أو انقطع في خلال الصلاة ودام وقت صلاة كامل يلزمه إعادة تلك الصلاة، وإن لم يدم وقت صلاة كامل لا يلزمه الإعادة
ومتى لبس الخف مع السيلان فمدة مسحه وقت الصلاة، ومتى توضأ مع الانقطاع ولبس الخف مع الانقطاع فمدة مسحه مدة الصحيح
بيانه: المستحاضة وصاحب الجرح السائل إذا توضأ مع السيلان أو مع الانقطاع ولبس الخف مع السيلان يجوز له المسح في الوقت ولا يجوز خارج الوقت عند علمائنا الثلاثة؛ لأن الحدث كان في القدم وقت اللبس لكن لم يظهر في الوقت لضرورة، فإذا خرج الوقت ظهر فيجب غسل القدم
ولو كان منقطعًا وقت الوضوء واللبس، ثم سال، أتم مدة المسح لأن لبس الخف حصل على طهارة تامة، فمنع نزول الحدث في القدم
قال: فإن توضأ في وقت الظهر مع السيلان أو مع الانقطاع لكن صلى مع السيلان ثم انقطع بعد الفراغ ودخل وقت العصر انتقضت الطهارة ولو توضأ وصلى العصر والدم منقطع كذلك حتى دخل وقت المغرب لم تنتقض الطهارة، ولا يعيد الظهر لأنه صلى الظهر بطهارة العذر حال
قيام العذر، وإنما زال العذر بعده وهذا لا يوجب الإعادة كالمتيمم إذا وجد الماء بعد الصلاة
ولو كان العذر قائمًا وقت الوضوء، زائلا وقت الشروع فـ زائلا وقت الشروع في الصلاة، أو زائل في خلال الصلاة ودام الانقطاع كذلك إلى أن دخل وقت العصر ثم توضأ للعصر وصلى والدم منقطع كذلك
أما إن دخل وقت المغرب يعيد الظهر لأنه أخذ حكم الصحيح من وقت الانقطاع فتبين أنه صلى الظهر بطهارة العذر، والعذر كان زائلا أو زال في خلال الصلاة وصار كالمتيمم إذا
الجزء 1 · صفحة 10
وجد الماء قبل الشروع في الصلاة، أو وجد الماء في خلال الصلاة، وتلزمه الإعادة كذا ها هنا وتجوز عصره لأنه صلاها على حسبان أن الظهر ليس عليه، فكان بمعنى الناسي حتى لو سال الدم في الصلاة، أو بعد الصلاة في وقت الظهر، أو في وقت العصر، لا تلزمه إعادة الظهر لأنه تبين أن العذر قائم ولم يأخذ حكم الأصحاء
فإن توضأ للظهر مع السيلان ودخل وقت العصر، ينتقض الوضوء
ولو توضأ للعصر والدم منقطع ثم سال في وقت العصر لم ينتقض لأن الوضوء في وقت العصر وقع لأجل السيلان: لأنه احتاج إليه لأجل انتقاض الطهارة بخروج الوقت
ولو سال الدم من جراحة حادثة، أو كان السيلان الأول من أحد منخريه ثم سال الدم من المنخر الآخر انتقض لأنه حدث آخر ولو توضأ في وقت الظهر مع السيلان ثم انقطع ثم أحدث حدثًا آخر
وتوضأ له والدم منقطع فدخل وقت العصر لم ينتقض وضوؤه
ولو جدد الوضوء ثم سال الدم انتقض الوضوء ان جميعًا، أما الأول فلأنه لم يكن للسيلان الذي ابتلي به، والآخر لم يكن للحدث أصلا ولو سال في خلال الصلاة توضأ وبنى؛ لأنه حدث طارئ إلا على قول عيسى بن أبان فإنه يستقبل
ولو توضاً للعصر مع السيلان أو مع الانقطاع ثم سال، فلما صلى من العصر ركعة غربت الشمس انتقض الوضوء ولا يجوز له البناء لأن البناء شرع في الحدث الطارئ، وهذا كان مقارناً للشّروع
وكذا إذا سال بعد الشروع في الصلاة ثم انقطع ودخل وقت المغرب
ولو سال الدم في أول وقت العصر ثم انقطع وتوضأ ودام الانقطاع إلى أن دخل وقت المغرب لم ينتقض وضوؤه وبنى على صلاته
وقال عيسى بن أبان: ينتقض: لأنه صاحب عذر
الجزء 1 · صفحة 11
وإنا نقول: طهارته ليست بطهارة العذر؛ لانعدام الحدث وقت الوضوء، وبعده، وخروج الوقت نفسه ليس بحدث، وإنما ينتقض بالخروج بالحدث عند الوضوء أو بعده ولم يوجد
ولو سال الدم في الصلاة توضأ وبنى لأنه حدث طارئ
باب السجدة
بناه على أن اتحاد المجلس يجعل تلاوة آية السجدة الواحدة مرارًاكالمرة الواحدة نفيًا للحرج
كما أنه يجعل الإيجاب في أول المجلس والقبول في آخر المجلس: وإن طال عقدًا واحدا
ويجعل الإقرار مرارًا عند الإشهاد كالمرة الواحدة عند أبي حنيفة ويجعل ذكر اسم الرسول مرارًا كالمرة الواحدة حتى يخرج عن الوعيد بالصلاة مرة
ويجعل العطس مرارًا كالمرة الواحدة في حق التشميت، وقال بعضهم: يجب التشميت في كل مرة إلى الثلاث
بيانه: إذا تلى آية واحدة مرارًا في مجلس واحد تجب سجدة واحدة سجد للأولى أو لم يسجد لأن السبب متداخل
وفي الحدود إذا زنى وحدّثم زنى حدّ ثانيا لأن التداخل ثمة في الحكم لا في السبب وإن اختلف المجلس يتكرر لأن تداخل السبب كان بحكم اتحاد المجلس والقيام، والقعود والاتكاء، والركوب والنزول، والخطوة والخطوتان لا توجب اختلاف المجلس لأن المعلم قد يحتاج إلى هذا القدر
وفي الْمُخَيَّرَةِ إنما يبطل بالقيام لمكان الإعراض لا لاختلاف المجلس؛ لأن القعود أجمع للرأي.
وفي التَّسْدية ودياسَةِ الكدس وكرَابِ الْأَرْضِ، والانتقال من غصن إلى غصن اختلاف المشايخ
الجزء 1 · صفحة 12
والدوران في بيت والانتقال من زاوية إلى زاوية في المسجد والبيت لا يوجب اختلاف المجلس
وقيل: إذا كان البيت كبيرًا، والمسجد عظيمًا كمسجد الجامع يختلف المجلس
وفي الكرم والأرض، يختلف المجلس والسير على الدابة في الصلاة لا يوجب اختلاف المجلس حكمًا لجواز الصلاة، وفي غير الصلاة يوجب وهو الصحيح؛ لأنه يضاف إلى سيره)، ألا ترى أنه يقف بإيقافه بخلاف السفينة حيث لا يختلف سيره لأن سيره مضاف إلى الماء والريح
ولو كان مع المصلي على الدابة رديف يسمع وهو ليس في الصلاة يتكرر في حقه والاشتغال بعمل آخر يوجب الاختلاف لأنه يعد مجلسًا آخر إلا إذا كان قليلًا كأكل لقمة أو شربة ماء
ولو قرأ، أو سجد، ثم شرع في الصلاة وأعاد تجب أخرى صلاتية لأنه لا يمكن أن يجعل التلاوة الثانية تبعًا للأول: لأنها صلاتيه لتعلق جواز الصلاة بها والأعلى لا يصير تبعًا للأدنى حتى لو لم يسجد للأولى حتى شرع وأعاد يكفيه سجدة واحدة في الصلاة؛ لأنه أمكن أن يجعل الأولى تبعًا للثانية
ولو لم يسجد حتى فرغ من الصلاة سقط عنه السجود؛ لأن الصلاتية لا تؤدى خارج الصلاة؛ لأنها صارت من أفعال الصلاة، وكذا غير الصلاتية لا يجوز أداؤها في الصلاة لأنه يوجب نقصانا في الصلاة فكانت ناقصة
وذكر في «النوادر»: «أنه يجب عليه سجدتان»: إحداهما صلاتيه والأخرى غير صلاتيه لأنه إذا كان للثانية فضيلة الصلاة فللأولى فضيلة السبق فلا تجعل الأولى تبعًا للثانية بخلاف ما إذا سمع الإمام في الصلاة تلاوة رجل خارج الصلاة، ثم قرأ تلك الآية التي سمعها يكفيه سجدة واحدة في الصلاة لأن السماعية يجب أداؤها بعد الفراغ عن الصلاة فلم تتقَوَّ لا بحرمة الصلاة ولا بالسبق فصار تبعًا
وكذا إذا دخل الثاني في صلاة السامع قبل أن يسجدها ثم تلاها الإمام بتلك الآية وسجدوا لها، تكفيهم لأنها صارت صلاتية، ولو لم يسجدوها في الصلاة سقطت
الجزء 1 · صفحة 13
فإن لم يقرأ الإمام تلك الآية التي سمع تجب السجدة خارج الصلاة لأن السماع بناء على التلاوة، والتلاوة وجدت خارج الصلاة فلم تضر صلاتية
ولو قرأ في الصلاة وسجد ثم سلم وأعاد ذكر في «الأصل»: «أنه يلزمه سجدة أخرى، قيل: تأويله إذا تكلم ثم أعاد حتى يختلف المجلس، والصحيح أنه تجب أخرى تكلم أو لم يتكلم
وفي النوادر لا يلزمه سجدة أخرى و هو الأظهر: لأنه أمكن أن يجعل الثانية تبعًا للأولى.
ولو قرأها مرتين في ركعة واحدة تجب واحدة، أما إذا أعادها في الركعة الثانية ففي القياس لا تجب أخرى: وهو قول أبي يوسف لأن الكل مجلس صلاة
وفي الاستحسان تجب أخرى: لأن القراءة في كل ركعة ركن فلا يمكن الاتحاد
ولو قرأ المقتدي، وسمع الإمام والقوم، لا يسجدوا بها في الصلاة بالإجماع لأنه يصير الإمام تبعًا للمقتدي. ولو سجد القوم دون الإمام يؤدي إلى المخالفة
وهل يسجدونها خارج الصلاة؟
قال محمد: تجب: لأن تلاوته لا تكون أدنى من تلاوة الجنب، وذلك يوجب وعند أبي حنيفة وأبي يوسف لايجب لأن المقتدي محجور عن القراءة لكونه موليًا عليه من جهة إمامه وتصرف المحجور لا حكم له كتصرف العبد المحجور بخلاف الجنب: لأنه ممنوع غير محجور
ولوكان مع المقتدي رجل خارج الصلاة: ذكر في نوادر أبي سليمان: أنه يجب عليه قيل: هذا قول محمد ولئن كان قول: الكل فلأن الحجر ظاهر في حق من جمعهم سبب الحجر حق غيرهم
باب في طهر الثياب
بناه على أن النجاسة العينية زوالها بزوال العين، حتى لو زال عينها بمرة واحدة تطهر وقيام الأثر إذا تعذر إزالته لا يضر كالصبغ وإن كانت غير مرئية فطهارتها أن تغسل ثلاثًا وتعصر في كل مرة.
وروى الكرخي عن أصحابنا:
أنه تطهر بالغسل مرة سابغة
الجزء 1 · صفحة 14
بيانه: إذا غسل الثوب النجس أو العضو النجس في الإجانات الثلاث تطهر بالثالثة اعتبارًا بالماء الجاري وكما لو صبه عليه وقال أبو يوسف العضو لا يظهر إلا بالصب. أو بالماء الجاري رواية واحدة؛ لانعدام العادة
وفي الثوب: روايتان.
والفرق على إحدى الروايتين أن في الثوب ضرورة؛ لأنه لا يمكنه أن يصب الماء بإحدى يديه ويغسله بيده الأخرى وكذا في الثوب بلوي العام لأن النساء اعتدن غسل الثياب في الإجانات وفي العضو
لا ضرورة لأنه يمكنه ذلك
وأما حكم المياه فالماء الأول إذا أصاب الثوب لا يطهر إلا بالغسل ثلاثاً لأنه تحول إليه نجاسة بطهر بالغسل ثلاثاً والماء الثاني لو أصاب ثوبًا يطهر بالغسل مرتين لأنه تحول إليه نجاسة لا تظهر إلا بالغسل مرتين والماء الثالث لو أصاب ثوبًا يطهر بالغسل مرة والماء الرابع في الثوب طاهر وفي العضو مستعمل لأن الطاهر هو القربة حتى يقوم الدليل بخلافه
والجنب إذا اغتسل في الإناء الثلاثة، فعند أبي يوسف لا يطهر أبدًا إلا بالصب أو بالماء الجاري غير أنه إن لم يستنج فالماء كلها نجسة وإن استنجى فالمياه كلها مستعملة لأن الطاهر هو القربة
وعند محمد إن لم يستنج يخرج من الثالثة طاهرًا وإن استنجى فالمياه مستعملة ويخرج من الأولى طاهرا وهو الصحيح
باب صلاة العيدين
بناه على أن الاجتهاد الآخر ينسخ حكم الاجتهاد الأول في المستقبل لا في الماضي كالنص الناسخ
والمسبوق يعمل برأي نفسه لأنه منفردوالمدرك يعمل برأي إمامه: لأنه مقتدي ما لم يجاوز الإمام عن أقاويل الصحابة ثم لا بد من معرفة أقاويل الصحابة.
الجزء 1 · صفحة 15
قال عمر و ابن مسعود التكبيرات الزوائد ست في كل ركعة ثلاث فتكون تسعًا مع الأصليات ويوالي بين القراءتين وهو أن يؤخر القراءة الأولى ويقدمها في الثانية، وبه أخذ أصحابنا
وقال ابن عباس في الرواية الظاهرة عنه: «الزوائد عشر في كل ركعة خمس، ويقدم التكبيرات في الركعتين، وفي زماننا يعملون به؛ لأن الخلفاء أمروا الولاة بذلك وطاعة الإمام واجب في المجتهدات وفي رواية عنه: تسع: خمس وأربع
وقال علي: في عيد الفطر الزوائد ثمان أربع وأربع، وفي عيد الأضحى ثنتان واحدة وواحدة، ويقدم القراءة في الركعتين
وقال أبو بكر الصديق: الزوائد اثنى عشر: ست وست وفي رواية عنه: ثلاث عشرة: سبع وست.
بيانه: جل أدرك الإمام في الركوع فإنه يكبر للافتتاح قائما، فإن خشي أنه لو اشتغل بالتكبيرات الزوائد يرفع الإمام رأسه، فإنه يركع كيلا تفوته الركعة بسبب الواجب ويأتي بالتكبيرات في الركوع ويترك التسبيح: لأنها أي: التكبيرات واجبة، والتسبيح في الركوع سنة والركوع قيام من وجه فيؤتى بها أي التكبيرات الزوائد في الركوع عند الضرورة كتكبير الركوع، فإنه واجب في صلاة العيد، وجاز في الركوع
ولا يرفع يديه عند التكبيرات الزوائد لأن فيه ترك سنة أخذ، ويروى عن محمد: أنه يرفع يديه الركبة، بخلاف ما لو أدرك الإمام في القراءة فلا يأتي بالتكبيرات أثناءها لأنها أي: القراءة فريضة، وليس من جنسها ما يؤتى بها في الركوع وكذا القنوت: لأنه قيل: إنه من القرآن فألحق به
وبخلاف تكبيرة الافتتاح لأنها فريضة ليست من جنس تكبيرة الركوع وبخلاف الثناء لأنها سنة لا تقع التكبيرات في محلها، والتسبيح سنة في محلها، فكان أولى، وبخلاف الإمام إذا سهى عن التكبيرات الزوائد وذكرها في الركوع لأنه يمكنه أن يعود إلى القيام ويأتي بها فتقع في محلها بيقين، كذا في النوادر بخلاف المقتدي.
الجزء 1 · صفحة 16
وأما إذا سهى عن سنة القنوت وذكرها في الركوع فلايعود إلى القيام لأنه لو عاد لا تقع في محلها بيقين؛ لأن عند البعض: محلها بعد الركوع ولهذا لو اقتدى بإمام يقنت بعد الركوع في الوتر في رمضان فإنه يتابعه: لأنه مجتهد فيه بخلاف القنوت في الفجر لا يتابعه إلا رواية عن أبي يوسف لأنه منسوخ
ولو رفع الإمام رأسه فالمقتدي يتابعه ويترك ما بقي من التكبيرات لأنها في غير محلها من وجه فلا يجوز تأخير المتابعة لأجله
وكذا يترك التسبيح لأنه سنة والمتابعة فرض ثم لا يأتي ببقية التكبيرات في قومة الركوع إلا رواية عن أبي يوسف: لأنه لا يشبه القيام
ولو كبر الإمام التكبيرات وشرع في القراءة ثم دخل رجل في صلاته يرى خلاف مذهبه فإنه يأتي بالتكبيرات أولاً على رأي نفسه لأنه مسبوق فيها، والمسبوق ليس بمقتدي فيما يقضي، وإنما يأتي بالتكبيرات في أول صلاته: لأنه لا يمكنه أن يأتي بها بعد فراغ الإمام؛ لأن محله القيام، وقد أدرك القيام ألا ترى أن المسبوق بأربع ركعات في قضاء ما سبق لا يأتي بسجدة التلاوة وإن سجدها الإمام قبله ويأتي بالقعدة الأولى وإن تركها الإمام.
ولو دخل في صلاة الإمام بعد ما سجد الإمام سجدتي السهو لا يسجد هو في آخر الصلاة لأنه منفرد، ثم في الركعة الثانية يكبر برأي الإمام لأنه التزم متابعته فيلزمه فيما ليس بخطأ بيقين
وكذا في الركعة الأولى إذا أدرك أوله يتابعه ما لم يجاوز الإمام عن أقاويل الصحابة، فإذا جاوز لم يتابعه: لأنه خطأ بيقين وهذا إذا كبر بتكبير الإمام المبكرين كَبَّر مَا كَبّروا لاحتمال الخطأ منهم بأن يقدموا على الإمام ببعض التكبيرات، ولهذا قالوا: ينبغي أن ينوي الافتتاح عند كل تكبيرة احتياطا، بخلاف رفع اليد عند الركوع، وعند رفع الرأس من الركوع لا يجوز متابعته: لأنه منسوخ، أما في التكبيرات لم يثبت نسخ قول البعض، لكن أصحابنا -رحمهم الله -: رجحوا قول ابن مسعود الشهرته، لا لنسخ الباقي
ولو سبق بركعة والإمام كبر تكبير ابن مسعود وهو يرى ذلك أيضًا، فلما قام إلى قضاء ما سبق فإنه يقرأ ثم يكبر لأنه فيما أدرك مع الإمام التكبيرين
الجزء 1 · صفحة 17
قدم الإمام القراءة، فلو قدم هو التكبير فيما سبق تكون موالاة بين وهذا قول لم يعمل به أحد، فأما فيما قلنا تقديم القراءة في الركعتين، وهو مذهب عليّه وكان هذا أولى إلا في رواية ابن المبارك عن أبي حنيفة أنه يقدم التكبير: لأنه يقضي أول صلاته، والتكبير يقدم في الركعة الأولى
لكن الجواب: أن في الركعة الأولى إنما يقدم التكبير: لأن الأصل ضم الزوائد إلى الأصل: لأنه تبع وإليه أشار - عليه الصلاة والسلام-
في قوله: أربع كأربع الجنائز أراد به أربع متواليات إلا أن في الركعة الأولى ضمت إلى تكبيرة الافتتاح لأنها، اسبق، وتولى بهما في القيام المحض، وفي الثانية ضمت إلى تكبيرة الركوع ضرورة، وفي حق المسبوق هذا أول صلاته وليس له تكبيرة الافتتاح، فوجب الضم إلى تكبيرة الركوع. ولو رأى الإمام تكبير ابن مسعود، فسهى، وبدأ بالقراءة ثم تذكر بعد الفراغ من الفاتحة والسورة فإنه يكبر على مذهبه ولا يعيد القراءة لأنها تمت، فلم تكن بمحل الرفض وإن تذكر بعد الفاتحة قبل أن يبدأ بالسورة ترك القراءة ويكبر ثم يعيد الفاتحة والسورة: لأن القراءة لم تتم فتكون محل الرفض ويسجد للسهو في الوجهين، وفي الثانية يأتي على مذهبه
ولو كبر ثلاثًا أو أربعًا على مذهب ابن عباس، ومن ثم رأى مذهب ابن مسعود يترك الباقي ويقرأ، وفي الثانية يعمل برأي ابن مسعود
ولو كبر على رأي ابن عباس، فلما شرع في القراءة تحول إلى مذهب عليّ يمضي على القراءة ولا يكبر ويركع لأن التكبير قد تم فلا يرتفض، وفي الثانية يعمل بمذهب علي
ولو كبر ثلاثاً على مذهب ابن مسعود وقرأ الفاتحة ثم تحول إلى مذهب ابن عباس يأتي بباقي التكبيرات ثم يعيد الفاتحة والسورة: لأن القراءة لم تتم حتى لو أتم الفاتحة والسورة ثم تحول رأيه كبر تكبيرتين أخراوين حتى تتم خمس زوائد، ثم يركع ولا يعيد القراءة: لأنها تمت وتلتحق التكبيرات بما قبل القرآن، وفي الثانية يكبر على رأي ابن عباس.
باب التكبير في أيام التشريق
بناه على أن عند أبي حنيفة شرط التبكير الجماعة في المكتوبة بشرط أن يكون الإمام مقيمًا في المصر لقوله: لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع، وليس على المسافر إلا إذا صلى خلف مقيم
الجزء 1 · صفحة 18
ولا على المرأة إلا إذا صلت خلف رجل مقيم وعندهما: يجب على كل من يصلي المكتوبة لأنها شرعت بعد السلام موصولاً به حتى أن كل ما يمنع البناء يمنع الوصل هنا
ثم اتفق ثلاثة من كبار الصحابة رضوان الله عليهم عمر وعلي وابن مسعود على البداية من صلاة الفجر من يوم عرفة
واختلفوا في الختم، فعند ابن مسعود يختم بعد صلاة العصر من يوم النحر، وهي ثمان صلوات
وبه أخذ أبو حنيفة لأن الجهر بالتكبير بدعة، فالأقل أولى
وقال علي: الختم بعد صلاة العصر من آخر أيام التشريق هو ثلاث وعشرون صلاة
وبقوله أخذ أبو يوسف ومحمد أخذا بالأكثر احتياطا
بخلاف تكبيرات العيد، حيث أخذ بالأقل: لأنه يؤتى بها في الصلاة فيوجب نقصانا في الصلاة لو لم تكن سنة
واتفق ثلاثة من الشُبَّان ابن عباس وابن عمر، وزيد بن ثابت على البداية من صلاة الظهر يوم النحر
واختلفوا في الختم في آخر أيام التشريق، فعن ابن عمر: يختم بعد صلاة
الفجر وعند ابن عباس: بعد صلاة الظهر وعند زيد: بعد صلاة العصر.|
بيانه: رجل فاتته صلاة في غير أيام التشريق فقضاها في أيام التشريق أو على العكس أو قضاها في أيام التشريق من العام القابل لا يكبر: لأن الجهر
بالتكبير بدعة فيقتصر على ما وردت به السنة ولو قضاها في أيام التشريق في هذه السنة فإنه يكبر لأن هذه الأيام في حق التكبير كوقت واحد
ولو سها الإمام عن التكبير فتكلم أو أحدث متعمدا أو خرج من المسجد يسقط التكبير لأنه فات الوصل، وكبر القوم: لأن متابعة الإمام فيه مستحب لا حتم كما في سجدة التلاوة وإن لم يخرج الإمام من المسجد كَبَّرَ: لأنه لا يمنع البناء فلا يمنع الوصل
الجزء 1 · صفحة 19
ولو أحدث تهاوناً يُكْبَرُ بغير وضوء لأنه لا يمنع الوصل.
ولو رأى الإمام تكبير ابن مسعود والمقتدي يرى تكبير علي كبر هو وإن لم يكبر الإمام
باب الصيام والاعتكاف
بناه على أن الصومَ شرط صحة الاعتكاف لأن ركن الاعتكاف:
اللبث في المسجد، والصوم، محله فالتزام الاعتكاف يكون التزاما للصوم فيصح التزام اللبث في المسجد تبعًا لالتزام الصوم الذي له مثل في إلزام الله - تعالى -
وعلى أن اليوم المفرد لا يتناول ليلته، والأيام تتناول لياليها
وعلى أن العبادة المالية في النذر المضاف إليها يجوز تعجيلها
كالزكاة وفي النذر المضاف إلى العبادة البدنية خلاف وفي النذر المعلق بالشرط لا يجوز التعجيل بكل حال
بيانه: نذر أن يعتكف شهرًا، يتعين أي شهر شاء وإذا عين يلزمه التتابع فيه لأن التتابع فيه أصل ليلا ونهارًا إلا إذا قال: في النهار دون الليالي أو إلا الليالي فحينئذ له أن يفرق.
ولو نذر أن يصوم شهرًا، إن شاء، تابع، وإن شاء فرق لأن التفرق فيه أصل: لأنه يوجد في النهار خاصة، إلا إذا قال: متتابعا فيلزمه التتابع ولو قال شهرًا ونوى النهار خاصة في الاعتكاف لم تصح نيته لأن الشهر اسم لعدد مقدر، فلا يحتمل ما دونه لا حقيقة ولا مجاز، بخلاف الاستثناء
ولو قال: لله عليّ أن أعتكف ليلة لم يصح؛ لأنه لا يتناول يومها، والليلة ليست بمحل للصوم
ولو قال: ليلتين فكذلك عند أبي يوسف رحمه الله لأنه لا يتناول يومهما: لأن العرف والاستعمال في الليالي والأيام، قال الله تعالى: ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (مريم: 10 (، وقال: ثَلَثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمزا (آل عمران:41) وفي التثنية لا عرف
وفي ظاهر الرواية: يصح؛ لأنه يتناول يومهما، يقال لم أرك منذ ليلتين، فيدخل المسجد قبل الغروب، ثم يخرج بعد الغروب من اليوم الثاني
الجزء 1 · صفحة 20
ولو قال: يومين صح بالإجماع لكن عند أبي يوسف رحمه الله: يدخل اليوم الأول والليلة المتوسطة ضرورة التتابع واليوم الثاني
وفى ظاهر الرواية: تتناول ليلتهما فيدخل المسجد قبل غروب الشمس ويخرج بعد الغروب من اليوم الثاني.
ولو قال: ثلاثين ليلة» يتناول أيامها، ولو نوى الليالي خاصة صحت نيته وبطل النذر لأنه نوى حقيقة كلامه، بخلاف الشهر
ولو قال: ثلاثين يومًا يتناول، لياليها، ولو نوى النهار خاصة صح
وإن شاء تابع، وإن شاء فرق لأنه نوى ما يحتمله حقيقة كلامه
ولو قال: لله عليّ أن أعتكف شهر رمضان صح
ففي ظاهر الرواية: يلزمه الاعتكاف بالصوم في شهر آخر لأن النذر كان إلزامًا للصوم لكن لم يلزمه في رمضان للزومه، فإذا لم يعتكف حتى مضى الشهر يلزمه بالنذر، فإيجاب التبع لصيانة الأصل أولى من إبطال الأصل كيلا يلزمه التبع وإذا أراد أن يعتكف رمضان آخر قضاء لا يجوز لأن الصوم صار واجبًا في ذمته بالنذر وفي صوم رمضان أصل بنفسه، فلا ينوب عن غيره فلو أفطر في رمضان الأول، وقضاه مع الاعتكاف جاز لأنه قائم مقامه.
وكذا إذا قال: لله عليّ أن أعتكف رجبًا فاعتكف شعبان بالصوم جاز ولو اعتكف رمضان لم يجز لما قلنا.
ولو قال: لله علي أن أعتكف رجبًا»، أو «أصوم رجبًا، أو أصليركعتين في رجب، أو قال الله عليّ أن أحج في سنة كذا فاعتكف أو صام، أو صلى قبل رجب، أو حج قبل تلك السنة، جاز عند أبي يوسف رحمة الله، وهو رواية عن أبي حنيفة لأن النذر المضاف سبب للحال
لكن تراخى حكمه، فيكون إذا بعد السبب فيجوز كالصدقة والاعتكاف
وقال محمد رحمه الله: في العبادات البدنية لا يجوز، وفي المالية يجوز اعتبارًا بإيجاب الله تعالى ولأن العبادة البدنية لها تعلق بالوقت، ألا ترى أن الصوم يجوز في النهار دون الليل.
الجزء 1 · صفحة 21
وكذا الصلاة والحج، فجاز أن يجعل الوقت المضاف إليه شيئًا بخلاف العبادة المالية لأنه لا تعلق لها بوقت، بل يجوز في
الأوقات كلها، فلم تتعلق السببية بالوقت المضاف، فيكون سببًا في الحال
ولو قال: إن قدم فلان فلله عليّ أن أصوم»، أو «أصلي كذا، أو أتصدق بكذا ففعل قبل القدوم لم يجز لأنه علق السبب بالشرط، وكان عدما قبل الشرط.
ولو قال: لله عليّ صوم شهر متتابعاً: يصوم أي شهر شاء متابعًا، فإن أفطر يوما قضى ذلك اليوم، ولا يستقبل لأنه يقع كله قضاء في غير وقته، وكان الأول أولى بالجواز.
وإن نوى النذر واليمين، أو نوى اليمين ولم ينو شيئًا آخر كان، كان نذرا ويمينا عند أبي أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله حتى يلزمه القضاء بالنذر والكفارة باليمين في الوجهين
وقال أبو يوسف رحمه الله: في الوجه الأول: يكون نذرًا خاصة حتى يلزمه القضاء ولا تلزمه الكفارة، وفي الوجه الثاني: يكون يمينًا خاصة حتى تلزمه الكفارة دون القضاء.
ولأبي يوسف أن النذر يستعمل لليمين مجازا لقوله النذر يمين، والمناسبة بينهما في معنى وجوب الفعل المذكور، لكن في النذر يجب العينه، وفي اليمين يجب لغيره، وكان الوجوب ثابتا من وجهه، فإذا نوى المجاز لم تبق الحقيقة مرادًا.
ولهما: أن معنى النذر حقيقة وجوب المنذور به وفيه معنى اليمين أيضا وهو تحريم ترك الصوم في الوقت المذكور، والحقيقة مقصودة لا تحتاج إلى النية، ومعنى اليمين فيه تبع، فتحتاج إلى النية، فإذا نوي اعتبر كلاهما فيكون هذا من باب الجمع بين الحقيقتين لا من باب الجمع بين الحقيقة والمجاز.
وفي نذر الصوم في شهر بعينه تجوز نيته من النهار كصوم رمضان، وفي غير عينه لا يجوز إلا بنية من الليل كالقضاء
ولو نذر أن يصوم رجب ثم صام رجب وشعبان عن كفارة ظهاره أو عن القضاء أجراه عما نوى ويصوم عن النذر شهرًا آخر ولو صام شعبان ورمضان عن ظهاره لم يجز لأن رمضان تعين بصوم
الجزء 1 · صفحة 22
الفرض بتعيين الله -تعالى- وليس للعبد ولاية إبطال ما عينه الله - تعالى - أما شهر رجب إنما تعين للنذر بتعيينه أي: الناذر وله ولاية إبطال ما عينه بصرفه إلى غيره.
ولو أراد يمينا لم يحنث لأنه صام.
ولو نذر بصوم الأبد ثم صام شهرين عن الظهار أجزأه عن الظهار لما مر ويفدي للنذر لكل يوم نصف صاع.
كتاب الزكاة
باب زكاة الطعام
بناه على أن عروض التجارة إنما تنعقد نصابا باعتبار القيمة ألا ترى أنه يُقوّم في ابتداء الحول للانعقاد، ويُقوَّم عند تمام الحول للوجوب
فيكون الواجب جزء من النصاب باعتبار القيمة أيضًا حتى يخير بين الجزء وبين أداء القيمة، وبعضهم قالوا: الواجب هو القيمة على اعتبار اختياره أداء القيمة
ثم عند أبي حنيفة: تعتبر قيمة الواجب يوم حولان الحول لأنه يوم التقويم للوجوب وعندهما: تعتبر قيمته يوم الأداء؛ لأنه يوم منع جزء الواجب والنقل عنه إلى القيمة.
بيانه: إذا كان له مائتا قفيز حنطة للتجارة قيمته مائتا درهم فحال الحول ثم صارت قيمته من تغير السعر أربعمائة أو مائة، فإن أدى من العين أدى خمسة أقفزة؛ لأنه الواجب، وإن أدى من القيمة يؤدي خمسة دراهم عنده في الزيادة والنقصان جميعًا اعتبارًا بقيمته يوم الوجوب وعندهما في الزيادة أدى عشرة دراهم، وفي النقصان در همين ونصف باعتبار القيمة يوم الأداء
وكذا إذا استهلك النصاب بعد الحول، فالجواب كذلك لأنه وجب في ذمته خمسة أقفزة مثل المستهلك وإن أدى أربعة أقفزة حنطة جيدة تساوي خمسة دراهم عنها
قال الكرخي رحمه الله: أجوزه وأجعله بدلا عن الدراهم والصحيح: أنه لا يجوز؛ لأنه جعله بعض المنصوص عليه بدلا عليه بدلا عن كل المنصوص عليه.
الجزء 1 · صفحة 23
كما لو أدى أربعة دراهم جياد عن خمسة زيوف لا يجوز عن الخمسة بطريق القيمة لأن الجودة لا قيمة لها عند مقابلتها بجنسها في الأموال الربوية.
وكما لو أدى ثوبًا جيدًا عن عشرة أثواب يساويها عن قيمة الكسوة لا يجوزلأن المنصوص الكسوة المطلقة.
فأما عن الطعام الوسط، قالوا: بأنه يجوز إذا كان يساوي قيمة الطعام لأنه لا يصلح أن يقع عن نفسه فيجزيه عن الطعام
وكما إذا أدى ربع صاع من حنطة جيدة تساوي قيمة صاع من تمر أو شعير في صدقة الفطر لا يجوز لأنه أدى بعض المنصوص بدلا عن كل المنصوص وأنه يصلح أن يقع عن نفسه فوقع عن نفسه بخلاف ما إذا أدى شاة سمينة تساوي قيمة شاتين وسطين عنهما، أو بنت مخاض جيدة تساوي بنت لبون وسط في القيمة عنها.
يجوز لأن المنصوص هو الوسط: لقوله - عليه الصلاة والسلام لا تأخذوا من كرائم أموال الناس، بل عدلا بين خيارها وشرارها والجودة لها قيمة ها هنا وأداء غير المنصوص عن المنصوص بطريق القيمة يجوز
وإن كانت الزيادة والنقصان من حيث العين، بأن كانت حنطة ندية تساوي مائتي درهم، فحال الحول ثم يبست فصارت قيمتها أربعمائة، أو كانت يابسة قيمتها مائتان فنديت فصارت قيمتها أربعمائة أو كانت يابسة قيمتها مائتان، فنديت فصارت قيمتها مائة إن أدى من العين أدى ربع عشرها.
وإن أدى من القيمة ففي الزيادة يؤدي خمسة دراهم بالاتفاق والفرق لهما: أن هذه زيادة حدثت من حيث العين بعد الحول، فلا يتعلق بها شيء من الزكاة وفي النقصان يؤدي درهمين و نصف بالاتفاق
والفرق لأبي حنيفة: أن النقصان من حيث العين بمنزلة الهلاك، فصار كما لو هلك بعضه فيسقط بعض الواجب
الجزء 1 · صفحة 24
وأصله ما ذكر محمد رحمه الله في الأصل: في الجارية للتجارة فحال الحول وقيمتها مائتا درهم ثم اعورت إن أدى من العين أدى ربع عشرها، عوراء، وإن أدى القيمة يؤدي درهمين و نصف
ولو كانت في الأصل عوراء قيمتها مائتان، فذهب بياضها بعد الحول حتى صارت قيمتها أربعمائة: يؤدي خمسة دراهم أو قدرها وإن كان النقصان والزيادة من حيث السعر فهو على ما وصفنا في الحنطة غير أن ها هنا إذا استهلكها بعد الحول فعندهما يعتبر قيمتها يوم الاستهلاك لأن قيمة ربع عشرها صار دينا عليه بالاستهلاك؛ لأنه لا مثل لها من جنسها
باب زكاة المال
بناه على أن هلاك النصاب بعد الحول يُسقط الزكاة، والاستهلاك لا يسقطها: لأنه يصير ضامنًا للزكاة
وعلى أن استبدال مال التجارة بمال التجارة بعد الحول ليس باستهلاك؛ لأن الزكاة تتعلق بالقيمة والنماء، وهذا طريق حصول النماء، والبدل قائم مقامه من حيث المالية، ولهذا لا ينقطع به حكم الحول، فتحولت الزكاة من البدل إلى المبذل فلو هلك البدل تسقط الزكاة كما لوهلك المبدل
فأما إذا استبدل السائمة بالسائمة من جنسه أو من خلاف جنسه، أو بمال التجارة بعد الحول، أو استبدل مال التجارة بعبد الخدمة، أو السائمة صار مستهلكا: لأن في السوائم الزكاة تعلق بالعين، والعين قد اختلفت فتحولت الزكاة إلى ذمته لا إلى العين الثاني، فبهلاكه لا تسقط لأن الذمة باقية
ثم البدل إن كان نقدًا فالمبدل لا يصير للتجارة إلا بالنية: لأن النقد مال التجارة بأصل الخلقة والعرض لا يصير للتجارة إلا بالنية عند التجارة، فلم يكن مجرد الاستبدال إقامة له مقام الأول.
وإن كان البدل عرض التجارة فالمبدل يصير للتجارة بدون النية: لأنه يصلح قائمًا، مقامه، فلا حاجة إلى النية، إلا إذا نوى به الخدمة أو البذلة فحينئذ لا يكون للتجارة.
الجزء 1 · صفحة 25
والبدل متى كان للخدمة فالمبدل لا يصير للتجارة إلا بالنية والدراهم والدنانير مال التجارة بأصل الخلقة
بيائه: إذا كان له ألف درهم حال عليها الحول، فاشترى بها جارية للتجارة تساوي تسعمائة وخمسين ثم هلكت الجارية سقطت الزكاة لأنه
ليس باستهلاك، أما مقدار تسعمائة وخمسين فلا شك، وكذا بقدر خمسين: لأنه غبن يسير، فجعل عفوًا: لأنه لا يمكن التحرز عنه وهذا إشارة إلى أن الغبن اليسير في العروض ده نيم وفي العقار: ده يازدة وقيل ده دوازده
وقال بعضهم: ما يدخل تحت تقويم المقومين فهو يسير، وما لا يدخل فهو فاحش
وكذا الأب، والوصي، والوكيل بالشراء، يتحمل منهم اليسير دون الفاحش لأنهم يتصرفون بحكم الأمر من جهة صاحب الحق حقيقة أوحكمًا
وكذلك الوكيل بالبيع، والعبد المأذون له، والصبي المأذون والمكاتب، يتحمل منهم اليسير دون الفاحش عندهما لأنهم يتصرفون بحكم الأمر، وعند أبي حنيفة: يتحمل اليسير والفاحش: لأنهم يتصرفون بحكم المالكية عند زوال المانع
والمريض لا يتحمل منه اليسير والفاحش في حق الغرماء أصلا، وفي حق الورثة يعتبر من الثلث
وكذا رب المال إذا تصرف في مال المضاربة وحابي لا يتحمل منه اليسير والفاحش
ولو اشترى بالألف بعد الحول عبدًا يساوي خمسمائة صار زكاة خمسمائة دينا عليه بالاستهلاك ولم يجعل قدر الخمسين عفوا لأنه إنما جعل عفوًا إذا كان وحده، أما إذا انضم إليه مثله صار فاحشا: كالنجاسة القليلة إذا انضم إليها مثلها لا يكون عفوًا.
ولو اشترى بالألف عروضًا أو فلوسًا ولم ينو التجارة صار مستهلكا: لأن الفلوس سلعة في أصل الخلقة ولو اشترى بها دنانير لا يصير مستهلگا لما مر.
ولو وهب الألف بعد الحول وسلم صار مستهلكا، فإن رجع نقصا ارتفع الاستهلاك
الجزء 1 · صفحة 26
وإن رجع بغير قضاء فكذلك عند علمائنا الثلاثة لأن حق الواهب مقصور في عين الموهوب عند قوات العوض لفوات الرضا، ولهذا لو هلك أو استهلك بطل، حقه وكل حق تعلق بالعين مقصورًا عليه يستوي فيه القضاء وغير القضاء كالأخذ بالشفعة.
ولو مكثت الدراهم عند الموهوب له حولاً حتى وجبت الزكاة ثم رجع الواهب بقضاء أو بغير قضاء سقطت الزكاة.
وزفر يخالف في غير القضاء في المسألتين) القضاء في المسألتين، ويجعله بمنزلة هبة مبتدأة
ولو اشترى بالألف بعد الحول جارية للخدمة حتى صار مستهلكا، ثم ردها بعيب بقضاء أو بغير قضاء لا يرتفع الاستهلاك لأن الدراهم والدنانير لا تتعين في الفسخ، فلم تعد إليه عين مال الزكاة
وكذا إذا باع عبدا له للخدمة بألف درهم وحال الحول على الألف، ثم رد العبد بقضاء أو بغير قضاء لا تسقط عنه الزكاة: لأنه ما استحق عليه عين مال الزكاة لما مرّ.
ولو باع العبد بعرض ونوى التجارة وحال الحول على العرض حتى وجبت الزكاة فلورد العبد عليه بعيب بقضاء وأخذ منه العرض تسقط الزكاة لأنه استحق عليه عين مال الزكاة، وعاد العبد على بائعه للخدمة: لأنه فسخ من كل وجه.
وإن رد عليه بغير قضاء لا تسقط عن مشتري العرض زكاة العرض لأنه بمنزلة بيع جديد وعاد العبد على بائعه للتجارة: لأنه بدل مال التجارة، وزكاة العرض تتعلق بالعبد حتى تسقط بهلاكه، حتى لو نوى عند الرد الخدمة يصير مستهلكًا للعرض فتجب في ذمته ولا تسقط بهلاك العبد
ولو كان له عبد للتجارة حال عليه الحول حتى وجبت الزكاة ثم باعه بجارية للخدمة صار مستهلكًا، فلورد الجارية بعيب وأخذ العبد بقضاء ارتفع الاستهلاك لأنه فسخ من كل وجه فصار كأن لم يبعه، حتى لو هلك تسقط الزكاة.
وإن ردها بغير قضاء لا يرتفع الاستهلاك والزكاة في ذمته لأن حق مشتري الجارية في سلامة الجارية لا في عين العبد
الجزء 1 · صفحة 27
ألا ترى أنه لو امتنع الرد يرجع بنقصان عيب الجارية فيكون الرد بغير قضاء بمنزلة بيع جديد في حق الشرع.
وإذا حال الحول على مهر المرأة في يدها - وهو ألف درهم ثم طلقها قبل الدخول بها، أو قبلت ابن زوجها لا تسقط عنها زكاة الألف لأنه لم يستحق عليها عين مال الزكاة لما مر.
وإن كان المهر سائمة بعينها أو بغير عينها وقبضتها حتى التحق القبض بالعين، ثم حال الحول حتى وجبت الزكاة، ثم طلقها قبل الدخول بها سقط عنها نصف الزكاة لأنه استحق عليها نصف مال الزكاة، وفي التقبيل قبل الدخول سقط الكل: لأنها تتعين عند الفسخ
فإن قيل: صارت مستهلكة بالتقبيل.
قيل له: التقبيل ليس بمسقط لكن دوام النكاح إلى وقت الدخول شرط استحقاق كل الصداق، وهي بالتقبيل فوتت شرط الاستحقاق فلا يضاف التلف إليها، وإن كانت السائمة بعينها ولم يقبضها حتى طلقها قبل الدخول بها بعد الحول سقط عن الزوج نصف الصداق وبقي لها النصف
وهل يجب عليها زكاة هذا النصف؟
قال: إن بلغ نصاباً يجب وإلا فلا: لأن الصداق صلة من وجه عوض من وجه والصلة لا تملك إلا بالقبض والعوض يملك بنفس العقد فاعتبرنا جهة المعاوضة في النصف الثابت.
وقلنا: بثبوت الملك لها فيه من وقت العقد، فإذا كان نصابًا تجب الزكاة للسنة الماضية، واعتبرنا جهة الصلة فى النصف الساقط وقلنا ببطلان الملك فيه من الأصل كأنها لم تملكه عملا بالشبهين، وهذا الجواب يستقيم على قولهما وهو قول أبي حنيفة الأول أما على قوله الأخير: لا تجب الزكاة عليها ما لم تُقبض ويحول عليها الحول ولا زكاة على الزوج أيضًا لأنه بمنزلة الضمان، بخلاف ما إذا قبضت و حال الحول ثم طلقها: لأن ثمة ملكت الكل ووجبت زكاة الكل، ثم استحق النصف على ما مرَّ.
ولو زاد في السائمة زيادة متصلة يجب عليها رد نصف القيمة في الطلاق وكل القيمة في التقبيل لأن الزيادة تمنع النصف على ما عرف في النكاح ولا يسقط شي من الزكاة لأنه لم يستحق عليها عين مال الزكاة.
الجزء 1 · صفحة 28
قيل هذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف وأما على قول محمد يمنع التنصيف وكان الجواب نظير ما تقدم، وإن كان هذا قول الكل كان منه رجوعًا إلى قولهما.
رجلان لأحدهما عبد للتجارة قيمته ألف ولآخر عبد قيمته مائتان فمضى عليهما ستة أشهر فتبايعا ثم مضى ستة أشهر أخرى، فعلى الذي اشترى عبدًا قيمته ألف، زكاة الألف لأنه تم الحول وماله ألف، وعلى الآخر زكاة مائتين لأنه تم الحول وماله مائتان.
فلو وجد مشتري العبد الذي قيمته مائتان العبد أعور فلا زكاة على واحد منهما أما على مشتريه فلأنه تم الحول وماله مائةوأما على بائعه فلأنه ظهر أن ابتداء الحول كان ماله مائة.
ولو حال الحولُ منذ تبايعا ثم رد الأعور وأخذ عبده فلا زكاة على مشتريه لما مر وعلى بائعه زكاة الألف إن قبل الأعور بغير قضاء لأنه مُسْتبدِل بقدر مائة وزكاة مائة تعلق بالعبد، فيسقط بهلاكه ومستهلك بقدر تسعمائة، فزكاته صار دينا فى ذمته
وإن رد عليه بقضاء فعليه زكاة مائة لأن قدر تسعمائة استحق عليه بغير اختياره فصار كالهلاك
ولو مضى عليهما ستة أشهر منذ تبايعا ثم وجد مشتري العبد الذي قيمته ألف به عيبًا ينقصه الخمس فرده بقضاء أو بغير قضاء فعليه زكاة ثمانمائة لأنه مختار في الرد لأنه لا يحيى به حقا لأنه يدفع عبدا قيمته ثمانمائة ويأخذ عبدا قيمته مائتان فيستوي فيه القضاء وغير القضاء وزكاة ستمائة دين في ذمته باستهلاكه وزكاة المائتين متعلق بالعبد وأما المردود عليه فعليه زكاة مائتين لأنه تم الحول وماله مائتان لأنه أخذ العبد الذي قيمته ثمانمائة بعد الحول فهذه زيادة حصلت له بعد الحول فلا يتعلق بها شيء من زكاة.
ولو كانت العبدان للتجارة فتبايعا كانا للتجارة ولوكانا للخدمة فتبايعا كانا للخدمة
ولو كان أحدهما للخدمة والآخر للتجارة فما كان للتجارة صار للخدمة، وما كان للخدمة صار للتجارة لأن البدل يقوم مقام المبدل
ولو كان أحدهما للخدمة والآخر للتجارة قيمة كل واحد ألف فمضى عليهما ستة أشهر فتبايعا ونويا للتجارة ثم مضى ستة أشهر أخرى فعلى الذي كان عبده للتجارة الزكاة لأنه تم الحول في حقه على مال الزكاة ولا زكاة على الذي كان عبده للخدمة حتى يتم الحول من حين
الجزء 1 · صفحة 29
اشترى لأن الذي اشترى بدل عبد الخدمة فيجب أن يكون للخدمة لكن إنما صار للتجارة بنية التجارة من حين اشترى.
ولو مضى ستة أشهر من حين تبايعا ثم وجد أحدهما بعبده عيبا ينقصه مائتين فرده فلا زكاة على الذي كان عبده للخدمة لما مر وأما الذي كان عبده للتجارة إن وجد به عيبًا ورده بقضاء أو بغير قضاء فعليه زكاة ثمانمائة لأنه تم الحول وماله ثمانمائة أكثر ما في الباب أنه أخذ عبدا قيمته ألف لكن قدر المائتين زيادة حصلت بعد الحول.
وإن كان مردودًا عليه بأن وجد الآخَرُ عيبًا ورد عليه بقضاء وأخذ عبده فعليه زكاة ثمانمائة لأن قدر المائتين استحق عليه بغير اختياره كالهلاك فصار كالهلاك.
وإن رد عليه بغير قضاء وأخذ عبده باختياره فعليه زكاة الألف لأنه صار مستهلكًا قدر المائتين فزكاة المائتين دين في ذمته وزكاة ثمانمائة متعلق بالعبد
ولو مضى ستة أشهر أخرى من وقت الرد فلا زكاة على الذي كان عبده للتجارة لأنه أدى الزكاة للحول الأولوقد مضى ستة أشهر من الحول الثاني.
فأما الذي كان عبده للخدمة في الأصل فإن كان الرد بقضاء فلا زكاة عليه أيضًا سواءً كان هو الراد أو المردود عليه لأنه فسخ من كل وجه، فعاد إليه عبده للخدمة في خلال الحول.
وإن كان الرد بغير قضاء فإن نوى الخدمة عند الرد فكذلك لأنه وإن صار مستهلكا لكنه في خلال الحول.
وإن لم ينو شيئًا فعليه الزكاة لأن ما أخذه بدل مال التجارة فيكون للتجارة فإذا تم الحول تجب الزكاة، والله أعلم.
باب زكاة الإبل، والبقر والغنم، تضم إلى المال
بناه على أن المجانسة علة الضم، وأن الدين يُصرف إلى أيسر الأموال قضاء
وإن استووا يُصرف إلى ما يكون أنظر للفقراء احتياطا لأمر الزكاة وأن هلاك البعض يصرف إلى العفو عند أبي حنيفة وأبي يوسف إبقاء لكل الواجب، وعند محمد وزفر يُصرف إلى الكل
الجزء 1 · صفحة 30
وفي النُّصُبِ قالأبو حنيفة يُصرف الهلاك إلى النصاب الزائد لأنه بيع من وجه، ويجعل الهالك كأنه لم يهلكه أصلا وأبو يوسف ومحمد قالا بشيوع الهلاك وأن التعجيل بعد وجود أصل السبب جائز.
بيانه إذا كان له نصاب التجارة ونصاب السائمة يشترط لكل نصاب حول على حدة فلما تم حول السائمة فزكاها ولم يتم حول نصاب التجارة فباع السائمة بدراهم أو بعرض التجارة
قال أبو يوسف ومحمد يضم الثمن إلى نصاب التجارة للجنسية لكونهما مال التجارة كما إذا جعلها علوفة ثم باعها وقياسًا على ثمن
الطعام المعشور وثمن الأرض المعشورة وثمن العبد الذي أدى صدقة فطره فإنه يضم بالإجماع كذا ها هنا ولأبي حنيفة أن هذا بدل مال الزكاةوقد زكاها فلو ضم يؤدي إلى الثناء بخلاف ثمن العلوفة وثمن العبد الذي جعله للخدمة: لأنه ليس بدل مال الزكاة وبخلاف ثمن العبد المؤدى عنه صدقة الفطر لأن الثمن بدله من حيث كونه مالاً وصدقة الفطر لم تتعلق به من حيث المالية.
ألا ترى أنه يجب عن ابنه الصغير الحر بل يجب بطريق المؤنة. وبخلاف ثمن الطعام المعشور لأن الطعام بعد العشر لا يبقى طعام الصَّدقة لأنه لا يجب فيه بعد ذلك عُشر أبدًا.
وبخلاف ثمن الأرض المعشورة لأن العشر يتعلق بالطعام والأرضُ محَلٌّ وجود الطعام.
وكذا لو باع العرض الذي هو بدل السائمة لا يضم ثمنه عنده خلافًا لهما ثم عند أبي حنيفة لو تصرف في الثمن أو في أصل النصاب وربح فالربح يضم إلى أصله: لأنه متفرع عنه.
ولو استفاد ما لا يُضم إلى أصل النصاب لأنه أقرب إلى تمام الحول من نصاب الثمن ولو تم الحول على أصل النصاب ومضى شهر ثم استفاد ما لا يضم إلى الثمن: لأنه أقرب إلى تمام الحول
ولو كان له دراهم و دنانير وعروض في سائمة وعليه دين مستغرق أحد هذه الصنوف يُصرف إلى الدراهم والدنانير لأنه أيسر قضاء وكذا إذا كان له مائتا درهم وخمسة أقفزة حنطة
الجزء 1 · صفحة 31
أمسكها للأكل وعليه خمسة أقفزة حنطة دين فحال الحول يُصرف الدين إلى الدراهم حتى لا تجب الزكاة فيها
وكذا إذا تزوج امرأة على وصيف وله وصيف للخدمة، ومائتا درهم فحال الحول يُصرف الدين الوصيف إلى الدراهم: وفيهما خلاف زفر
وإن لم يكن دراهم ودنانير أو فضل الدين عنهما تُصرف إلى عروض التجارة لأنها ملحقة بهما ثم إلى السائمة لأنها فاضلة عن حاجته، ثم إلى الرقيق للخدمة ثم إلى ثياب البدن، ثم إلى العقار، يعتبر الأيسر
فلو كان له نصيب فالأيسر من السوائم خمس من الإبل، وثلاثون من البقر، وأربعون من الغنم، تصرف إلى الغنم أو إلى الإبل لأن زكاتهما أقل.
وإن كانت الإبل خمسا وعشرين فالدين في الغنم، فإن فضل الدين عن الغنم.
يُنظر: إن كان الدين مثل البقر صرف الدين إليه فيفرغ نصابًا عن الدين وإن فضل الدين عن البقر لا يستغرق الغنم زكاة الإبل أكثر زكاة من زكاة البقر والغنم يجعل الدين فيهما، وإن كان زكاة البقر والغنم أكثر جعل الدين في الإبل احتياطا لأمر الزكاة.
قال: رجل له ثمانون من الغنم فحال عليها الحول وهلك أربعون بقي الشاة الواجبة عند أبي حنيفة وأبي يوسف صرفًا للهالك إلى العفو وعند محمد رحمه الله يبقى نصف الشاة صرفًا للهلاك إلى الكل شائعا ولو كان مائة وعشرون وهلك ثمانون بقي شاة عندهما وعنده بقي ثُلْتُ شاة
ولو كان مائة وإحدى وعشرون وهما نصابان وهلك إحدى وثمانون بقي من الواجب شاة عند أبي حنيفة صرفًا للهلاك إلى النصاب الزائد عنده، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يجب أربعون جزء من واحد وعشرين جزءًا من شاتين صرفًا للهلاك إلى الكل شائعًا مع أبي حنيفة
وقال بعضهم: أبو يوسف مع أبي حنيفة في النُّصُبِ كما في العفو وهو الأصح ولو هلك شاة بقي من الواجب شاة عنده صرفًا للهلاك إلى النصاب الزائد
الجزء 1 · صفحة 32
كأنه لم يهلك إلا مائة وعشرين شاة، وعندهما يسقط آخر جزء من مائة واحد وعشرين جزءًا من شاتين ويبقى الباقي لهما: أن الأربعين أدنى نصاب يتعلق به الزكاة فإذا زاد عليه يتعلق الواجب بالكل كما أن أدنى الفرض في قراءة الصلاة آية عند أبي حنيفة وعندهما: ثلاث آيات ثم لو قرأ مائة آية يتأدى الفرض بالكل، فإذا تعلق
الواجب بالكل فبقدر ما هلك يسقط فرض جزء من مائة وأحد وعشرين جزءًا من شاتين وبقدر ما بقي يبقى ولأبي حنيفة قوله عليه الصلاة والسلام في أربعين شاة شاة.
ولا شيء في الزيادة حتى تبلغ مائة وإحدى وعشرين، ونفى أن يكون في العفو شيء لأنه تبع، فلم يتعلق به شيء من الواجب في صرف الهلاك إليه إبقاء للواجب.
وأبو يوسف يقول: الأمر في العفو كذلك، فأما في النصيب فكل واحد أصل فيشيع الهالك لعدم الأولوية، وأبو حنيفة يقول: النصاب الزائد يتبع من وجه فصرف الهلاك إليه أولى
ولو كان ثمانون من الغنم فحال عليه حولان ثم هلك أربعون بقي من الواجب شاة أما عند أبي حنيفة وأبي يوسف: فلأن بوجوب الشاة في السنة الأولى لا تنتقص النصاب وصرف الهلاك إلى العفو وأما عند محمد فكذلك: لأن الواجب كان شاتين ثم بهلاك النصف سقط النصف وبقي النصف
وحكي عن الفقيه محمد بن إبراهيم الميداني أنه قال: ينبغي أن يجب نصف شاة وأربعون جزء من تسعة وسبعين جزء من شاة: لأنه لما وجب بمضي السنة الأولى شاة بقي تسعة وسبعون فيجب للسنة الثانية شاة منقسمة
على تسعة وسبعين، فإذا بقي أربعون يبقى أربعون جزءًا من تسعة وسبعين لكن يقال له الواجب شاتان في ثمانين اقسمها على أي جزء شئت فإذا هلك نصفه يسقط نصف الواجب ويبقى نصف الواجب وإن هلك ستون بقي نصف الشاة بالإجماع لأن عند محمد: الباقي ربع الجميع، وعندهما الباقي نصف أصل النصاب ولو هلك عشرون عندهما عليه شاتان لأن النصاب لم ينقص بمضي السنة الأولى وعنده شاة ونصف: لأن الهالك ربع الجميع.
ولو دفع إلى رجل مالا مضاربة فاشترى ببعضها طعامًا للتجارة وببعضها حمولة للطعام أو اشترى ببعضها رقيقا وببعضها طعامًا وكسوة للرقيق فحال الحول والكل قائم وفي المال ربح
الجزء 1 · صفحة 33
فعلى رب المال زكاة رأس المال وزكاة حصته من الربح وعلى المضارب زكاة حصته من الربح من جميع ذلك أن تبلغ نصابا والمالك لو اشترى ذلك بنفسه لا تجب عليه الزكاة في الحمولة وطعام الرقيق وكسوتهم إذا لم ينو التجارة لأن المالك ملك الشراء مطلقا فلا يقع للتجارة إلا بالنية، أما المضارب لا يملك إلا التجارة فيُحمل مطلق تصرفه على ما يملك
وإذا كان لغني مائتا درهم على معسر ومائتان على غني ومائتان عَينٌ فوهب الذي على الغني منه بينة الزكاة لا يجوز عن الزكاة ويضمن زكاة هذا الدين لأنه استهلك حق الفقير.
وفي النوادر: لا يضمن لأنه أتلف حقا لم يكن واجب الأداء فلو ضمن يضمن مالا واجب الأداء
ولو وهب الذي على المعسر منه إن نوى الزكاة أو نوى التطوع أو تصدق به عليه سقط عنه زكاة هذا الدين قياسًا واستحسانًا.
وإن وهبه ولم ينو شيئًا يسقط استحسانًا لأن الواجب موجود فيه وهو محل وقد أدى الناقص عن الناقص فيجوز، وكذا إذا فعل ذلك بنصاب العين فهو على ما وصفنا.
ولو وهبه منه عن دين آخر أو عن عين لا يجوز، أما عن العين فلأنه أدى الناقص عن الكامل، وأما عن دين آخر فلأن له عرضية أن يصير عينا بخلاف الأول.
ولو وهب منه خمسة بنية الزكاة لا يجوز عن زكاة كل المائتين لأن الباقي له عرضية أن يصير عينًا ويجوز عن زكاة خمسة وهو ثمن درهم لما مر.
وإن لم ينو الزكاة لم يجز عن الشيء من الزكاة عند أبي يوسف: لأن هذه الخمسة الموهوبة لم تتعين للزكاة فلا تقع بدون النية كما لو وهب خمسة من العين أو بنية التطوع وعند محمد رحمه الله: يسقط عنه زكاة الخمسة اعتبارًا للبعض بالكل
ولو عَجَّل عُشْر نخيله من قبل خروج الثمر أو عَجِّل عُشْر أرضه قبل الزراعة لم يجزه عند محمد رحمه الله ويجزئه عند أبي يوسف وهذا بناء على أن السبب عند محمد رحمه الله هو الزرع والثمر - ولم يوجد.
الجزء 1 · صفحة 34
وعند أبي يوسف: السبب الأرض والشجر وقد وجد ولو عُجِّل بعد إلقاء البذر قبل النبات والصحيح أنه على هذا الخلاف
وذكر في بعض النسخ: أنه لا خلاف في الأرض أنه إذا أدى عُشرها قبل الزرع أنه لا يجوز إجماعًا إنما الخلاف في الشجر قبل الثمر.
ولو ملك مائتي درهم فعجل خمسة وعشرين درهما عن زكاة الألف ثم استفاد إلى تمام الألف جاز عندنا لأن ما زاد على المائتين ببينة تبعًا، والحكم عنده يضاف إلى أصل النصاب فيكون تعجيلا بعد وجود السبب فيجوز.
فلو هلك الكل إلا درهما ثم كمل النصاب قبل تمام الحول تجب الزكاة لأن النصاب كامل عند انعقاده وعند ثبوت حكمه، فالنقصان بين ذلك لا يضره.
ولو كان له مائتا درهم وعشرون مثقال ذهب فعجل خمسة دراهم زكاة المائتين فهلكت الدراهم وتم الحول على الذهب، فما عجل يجزئه عن الذهب وإن كان زكاة الذهب أزيد أدى الفضل لأنهما جنس واحد في حق تكميل النصاب فلم يصح التعيين.
وروي عن أبي يوسف: أنه لا يجزئه عن الذهب؛ لأن الجنس مختلف فيصح التعيين ولو لم تهلك الدراهم وتم الحول عليها يقع المؤدى عنها ويؤدي عن الذهب ربع الدينار ودرهمين ونصف عن الدراهم وفي روايةأبي سليمان: أنه يقع عن الدراهم ويؤدي زكاة الذهب.
ولو كان له خمس من الإبل وأربعون من الغنم فعجل شاة عن الغنم صح التعيين لأنهما جنسان مختلفان ولهذا لا يضم أحدهما إلى الآخر في حق تكميل النصاب
ولو كان له مائتا درهم فعجل خمسة منها إلى الفقير ثم تم الحول وماله مائة وخمسة وتسعون ثم استفاد خمسة أخرى وتم الحول الثاني وله مائتان لم يجز المعجل عن السنة الأولى لنقصان النصاب عند تمام الحول الأول ولا عن السنة الثانية لنقصان النصاب عند ابتدائه.
ولو عجل خمسة إلى الساعي وهي قائمة في يده حتى تم الحول فالمعجل زكاة استحسانًا لأن المعجل جعل باقيًا على ملك المالك فتم الحول، والنصاب كامل حتى لو هلك من بقية النصاب شيء يسترد المعجل من الساعي.
الجزء 1 · صفحة 35
ولو حال الحول ثم أدى عشرة دراهم إلى الفقير خمسة عن السنة الأولى وخمسة عن السنة الثانية ثم استفاد عشرة قبل تمام الحول الثاني جاز.
طعن عيسى بن أبان وقال: ينبغي أن لا يجوز التعجيل عن السنة الثانية لأنه دخل الحول الثاني والنصاب ناقص قيل له: النقصان بوجوب الخمسة للسنة الأولى، والوجوب حال دخول الحول الثاني لأنه زمان تمام الحول الأول فالانتقاص بعد الدخول فحال الدخول حال انعقاد السبب والنصاب كامل فينعقد.
باب زكاة الرقيق والحيوان
بناه على أن الجودة في الأموال الربوية ساقطة الاعتبار عند مقابلتها بجنسها.
بيانه إذا كان له مائتا در هم جياد حال الحول فأدى خمسة زيوفًا أو غلةً وهي المكسورة جاز عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله لما مر.
وقال محمد: يؤدي الفضل، فكذا إذا كان له إبريق فضة وزنه مائتان وقيمته لصياغته ثلاثمائة، فأدى خمسة دراهم فهو على الخلاف، لهما: أنه لو أدى الفضل يؤدي إلى الربوي، ولمحمد رحمه الله: أن الربا لا يجري بين العبد وسيده، ولأن الربا يجري في الجنس الواحد، والزكاة فعل والمال محل إقامة الفعل فلم يكن المؤدى عوضًا عما هو واجب عليه.
ولو أدى در همين ونصفّا جيدا عن خمسة زيوف لا يقع عن الخمسة بالاتفاق
والفرق لمحمد رحمه الله: أن الجودة معتبرة في بعض الأحوال وهو حالة الإتلاف والغصب وعند مقابلتها بخلاف الجنس فاعتبرناها إذا كانت الجودة واجبة عليه، ولم نعتبرها فيما إذا كانت الجودة له لأن له ولاية إبطال حق نفسه، أما هو فليس له ولاية إبطال حق الله - تعالى
ولو أدى من خلاف جنسه يؤدى بالغة ما بلغت بالاتفاق ولو نذر أن يهدي شاتين وسطين أو يعتق عبدين وسطين، فأهدى شاة سمينة تساوي قيمة شاتين وسطين، أو أعتق رقبة تساوي قيمة عبدين وسطين لا يجور لأن المقصود من الهدي إراقة الدم، ومن الإعتاق التخليص عن الرق والقربة بإراقة الهدي دم واحد وتخليص شخص واحد لا تساوي القربة
الجزء 1 · صفحة 36
بإراقة دمين أو تخليص شخصين، بخلاف النذر بالتصدق والمسألة بحالها والزكاة لأن المقصود دفع حاجته الفقير وأنه حاصل على ما مر
وكذا لو قال: الله عليّ أن أتصدق بِكَرِّ تمرٍ دقل» أو «بِكَرٌ حنطة ردية فتصدق بنصف كر جيد يساوي كرا دقلا لا يجوز، لما مرَّ في الزكاة.
ولو كانت له جارية للتجارة قيمتها ألف فتم الحول الأول فولدت ولدًا وبالولد وفاء بنقصان الولادة زكى عن الجميع، وإن انجبر بعض النقصان سقطات الزكاة بقدر ما لم ينجبر.
باب ما يوجب الرجل على نفسه
بناه على أن كل دين لا مطالب له من جهة العباد كالنذر والكفارة والحج، لا يمنع وجوب الزكاة وكل دين له مطالب يمنع والمال متى استحق بجهة الزكاة بطل فيه النذر
بيانه: إذا كان له مائتا. درهم فقال: لله عليّ أن أتصدق بمائة منها ثم تم الحول سقط النذر بقدر در همين ونصف لأن في كل مائة استحق در همان ونصف بجهة الزكاة: لأن دين النذر لا يمنع وجوب الزكاة ويتصدق بحكم النذر سبعة وتسعين ونصف درهم
ولو تصدق بمائة منها بحكم النذر وقع درهمان ونصف عن زكاة لأنه متعين فيها بتعيين الله تعالى فلا يبطل بتعيينه لغيره.
ولو نذر بمائة مطلقة لزماه لأن محل المنذور به الذمة، فلو تصدق بمائة درهم منها عن النذر وقع در همان ونصف عن الزكاة فيتصدق عن النذر بدر همين و نصف.
وكذا دين الكفارة، والحج والهدي والأضحية والمتعة، والقرآن، لا يمنع وجوب الزكاة فأما دين الجراح، والعُشر، ونفقة الزوجة، والمحارم إذا فرضت وضمان المتلفات، ودين المهر يمنع لأن لها مطالب
فإن قيل: نفقة المحارم لا تصير دينًا بقضاء القاضي فكيف تمنع؟ قيل له: تصير دينا ثم يسقط إذا طالت المدة ولم يؤدها والشهر طويل وما دونه قصير ودين الزكاة يمنع وجوب الزكاة سواء كان دين استهلاك النصاب أو دين وجوب الزكاة بأن حال عليه حولان ولم يؤد، سواء كان دين زكاة التجارة، أو السائمة لأن له مطالبًا وهو الساعي فإنه يُعشّرُها في الصحراء وروي
الجزء 1 · صفحة 37
عن أبي يوسف رحمه الله: أن دين استهلاك النصاب لايمنع لأنه لا مطالب له، وبعضهم فرقوا على قوله في دين الاستهلاك بين السائمة وأموال التجارة والصحيح أن الخلاف في الكل واحد وقال زفر رحمه الله: دين الزكاة لا يمنع بكل حال والله أعلم.
باب الزكاة في الإجارة
بناه على أن الأجرة تملك بالتعجيل ثم في المدة التي لم تسلم الدار إلى المستأجر حتى فات إمكان الانتفاع عليه يُصَيِّرُ حصتها من الأجرة دينًا على الآجر وأنه يمنع وجوب الزكاة عليه.
وكذا ما صُيّر دينًا من الزكاة يمنع وجوب وجوب الزكاة بقدره، وأن أبا حنيفة يرى وجوب الزكاة في الكسور دفعًا للحرج عن العامة وهما يريان ذلك.
بيانه رجل أجر داره عشر سنين بألف درهم وقبض الأجرة ولم يسلم الدار حتى مضت المدة ولا مال للآجر سوى الألف فعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمه الله تجب بعد مضي السنة الأولى زكاة تسعمائة على الآجر لأن مائة صارت دينا على الآجر ويجب بعد مضي السنة الثانية زكاة ثمانمائة إلا زكاة ما انتقص بسبب الزكاة في السنة الأولى وذلك اثنان وعشرون و نصف درهم.
وكذا في كل سنة تمضي يزداد دين مائة فلا تجب زكاته وزكاة ما انتقص بسبب الزكاة في السنين الماضية.
وكذا عند أبي حنيفة إلا أن عنده لا تجب زكاة كسور أيضا يعني فإذا بقي أقل من يحاسب أربعين بعد الدين لكل أربعين درهم أربعين لا يجب فيه شيء عنده وعندهما يجب بحسابه ويجب في الباقي إلى أن ينتقص عن المائتين.
وأما المستأجر فلا زكاة عليه للسنة الأولى لأنه ملك مائة ولا للسنة الثانية لأنه وإن ملك مائتين لكن لم يحل الحول.
وإذا مضت السنة الثالثة فعندهما تجب عليه زكاة ثلاثمائة لأن الإجارة تنفسخ في المنافع الفائتة من غير قضاء ولا رضا وتصير الأجرة دينا للمستأجر على الآجر والدين ينعقد سببًا لوجوب الزكاة لكن يخاطب بالأداء بعد القبض ويجب للسنة الرابعة زكاة أربعمائة إلا زكاة ما انتقص بسبب الزكاة في السنة الماضية
الجزء 1 · صفحة 38
وكذا في كل سنة يزداد زكاة مائة أخرى إلا ما انتقص بسبب الزكاة في السنين الماضية وعند أبي حنيفة كذلك إلا أن عنده لا يجب في الكسور شيء ولو كانت الأجرة جارية بعينها ونوى الآجر عند العقد التجارة والمسألة بحالها فلا زكاة على الآجر لأنه استحق عليه عين مال الزكاة فصار كالهلاك بخلاف الدراهم والدنانير لأنها لا تتعين للرد فلم يستحق عين مال الزكاة فلا يسقط ما وجب وأما المستأجر فعليه للسنة الثالثة زكاة ثلاثة أعشارها وللسنة الرابعة زكاة أربعة أعشارها إلا زكاة ما انتقص بسبب الزكاة في السنة التي قبلها وعند أبي حنيفةإلا زكاة الكسور على ما مر.
وقد جعل محمد رحمه الله الجارية للتجارة عند الإجارة بالنية لأن الإجارة تجارة وعن أبي يوسف أن النية ليست بشرط.
بخلاف ما إذا كانت الجارية مهرًا في النكاح أو موهوبة أو بدل الحد أو بدل الدم لا تصير للتجارة عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وإن نوى لأن هذه الأشياء ليس بتجارة
وإن كانت الأجرة مكيلا أو موزونًا بغير عينه فهو كالدراهم لأنها ثمن وإن كان بعينه فهو كالجارية.
وإن سكن المستأجر الدار ولم يعجل الأجرة حتى مضت المدة فالمستأجر هاهنا كالآجر ثمة والآجر هاهنا كالمستأجر ثمة إلا أن هاهنا إذا كانت الأجرة جارية بعينها وملكها الآجر جزءا فجزءا إلى أن مضت المدة لا يسقط عن المستأجرة زكاة ما وجب لأنه زال عن ملكه كل جزء إلى بدل يعاد له وهو منفعة الدار فلم يكن بمنزلة الهلاك فإن عجل الأجرة وسكن الدار في كل المدة فلا زكاة على لأنه زال كل الأجر عن ملكه ولم يعد عليه شي فأما المستأجر الآجر فتجب عليه زكاة جميع السنين إلا زكاة ما انتقص بسبب الزكاة في السنين الماضية وعند أبي حنيفة الله وإلا زكاة الكسور أيضًا والله أعلم بالصواب.
باب الأيمان في الطلاق
بناه على أن اليمين بغير الله تعالى تُعرف بالجزاء لأن الجزاء هو المحصل للحمل أو المنع فإن كان الجزاء طلاقًا يسمى يمينا بالطلاق وإن كان الجزاء عِتاقًا يسمى يمينًا بالعتاق فإذا كان معرفته بالجزاء يكون تعدده بتعدد الجزاء والجزاء لا يصح إلا في الملك أو مضافًا إلى الملك ولا
الجزء 1 · صفحة 39
يزل إلا بوجود الشرط بتمامه وإذا وجد الشرط بتمامه والملك قائم ينحل إلى جزاء وإن لم يكن الملك قائمًا ينحل لا إلى جزاء.
بيانه: إذا قال لامرأته ولم يدخل بها إن كلمتك فأنت طالق قاله ثلاث مرات تنحل اليمين الأولى بالثانية لأنه كلام واليمين الثانية لا تنعقد عند زفر الله لأن اليمين الأولى انحلت بقوله ثانيًا إن كلمتك وبانت لا إلى عدة فصادفها الجزاء وهي مائة فلم يصح ألا ترى أنه لو اقتصر على قوله إن كلمتك يقع الطلاق باليمين الأولى وعندنا تنعقد الثانية لأن الشرط مطلق الكلام وأنه يتناول الكامل والناقص والكامل هو الكلام المفيد فإذا قرن به الجزاء فقد اختار الكلام المفيد فتوقف الحنث على ذكر الجزاء فصادفها الجزاء وهي منكوحة فيصح.
فأما إذا اقتصر على الشرط فقد اختار الكلام الناقص فحنث لهذا على أن من المشايخ من قال لا رواية في هذه المسألة فلو منع لا يتعد واليمين الثانية تنحل باليمين الثالثة لأنه كلام لكن لا إلى جزاء فإن لم يقل ذلك في المرة الثالثة حتى تزوجها وقال لها إن دخلت الدار فأنت طالق طلقت أخرى باليمين الثانية لقيام الملك.
ولو قال إن حلفت بطلاقك فأنت طالق قاله ثلاث مرات حنث في اليمين الأولى بالثانية وبانت وتنعقد اليمين الثانية بالإجماع أما عندنا فلا يشكل.
وكذلك عند زفر رحمه الله لأن الشرط هنا الحلف بالطلاق ولا يكون حلفًا إلا بذكر الجزاء فتوقف الحنث على ذكر الجزاء فصادفها الجزاء وهي منكوحة فصحت بخلاف الأول على ما مر واليمين الثانية لا تنحل باليمين الثالثة لأن الثالثة لم تصح لعدم الملك وعدم الإضافة إلى الملك.
فإن تزوجها ثم حلف بطلاقها تنحل اليمين الثانية إلى جزاء وتقع عليها تطليقة أخرى باليمين الثانية.
وإن لم يتزوجها لكن قال لها إن تزوجتك فدخلت الدار فأنت طالق تنحل اليمين الثانية لوجود الشرط لكن لا إلى جزاء لعدم الملك في الحال
فلو تزوجها وقال لها إن كلمت فلانا فأنت طالق لم تطلق ما لم تكلم فلانًا وإنما ذكر محمد الله هذا ليُبيّن أن اليمين الثانية انحلت لا إلى جزاء لأنه لو لم تكن منحلة بيمين التزوج
الجزء 1 · صفحة 40
طلقت باليمين بعد التزوج فلهذا قال إن تزوجتك فدخلت الدار فأنت طالق لأنه لو لم يقل فدخلت الدار فكما تزوجها يقع ولا تجب العدة فلا يمكن تصوير يمين أخرى بعد التزوج ولو ذكر بحرف الواوفعلى اعتبار دخول الدار قبل التزوج ثم تزوجها يقع الطلاق كما تزوجها فلا يمكن تصوير اليمين بعد التزوج فذكر حرف الفاء لهذا
ولو قال لامرأتين دخل بإحداهما إن حلفت بطلاقكما فأنتما طالقان قاله ثلاث مرات حنث في اليمين الأولى باليمين الثانية ووقع على كل واحدة تطليقة لأن الشرط الحلف بطلاقهما والجزاء طلاقهما وفي المرة الثانية ب صار حالفًا بطلاقهما واليمين الثانية لا تنحل باليمين الثالثة لأن اليمين الثالثة انعقدت في حق المدخولة ولم تنعقد في حق غير المدخولة لعدم الملك فقد وجد نصف الشرط فإنه تزوج غير المدخولة ثم حلف بطلاقها انحلت اليمين الثانية لأنه تم الشرط ووقع على كل واحدة طلقة أخرى ويمين الثالثة في حق المدخولة لا تنحل بالحلف بعد تزوج غير المدخولة لأنه نصف الشرط، حتى لو قال للمدخولة إن دخلت الدار فأنت طالق إلا إن انحلت اليمين الثالثة حق المدخولة لتمام الشرط وتم الثلاث على المدخولة ولا يقع على غير
المدخولة باليمين الثالثة شيء لأنها غير منعقدة في حقها ولو دخل بهما وقال كلما حلفت بطلاقكما فأنتما طالقان قاله ثلاث مرات حنث في اليمين الأولى باليمين الثانية ووقع على كل واحدة منهما طلقة وانعقدت اليمين الثانية والأولى قائمة لأنه ذكر بكلمة كلما ثم باليمين الثالثة انحلت الأولى والثانية ووقع على كل واحدة تطليقتان وتم الثلاث
ولو قال كلما حلفت بطلاق واحدة منكما فأنتما طالقان أو قال فكل واحدة منكما طالق إن قال ذلك مرتين طلقت كل واحدة ثنتين وإن قالها ثلاثًا طلقت كل واحدة منهما ثلاثًا لأنه جعل الحلف بطلاق واحدة شرطًا لوقوع الطلاق عليهما وفي المرة الثانية صار حالفًا بطلاق هذه الواحدة وهذه الواحدة لأن الجزاء طلاق كل واحدة فتكرر الشرط
وقد ذكر بكلمة كلما فتكرر الجزاء وهو طلاقهما فيقع على كل واحدة تطليقتان ثم باليمين الثالثة حنث في الأولى والثانية لأن الأولى قائمة وكان ينبغي أن يقع على كل واحدة بكل يمين تطليقتان أخروان لكن
الطلاق لا يزيد على الثلاثة
الجزء 1 · صفحة 41
ولو قال كلما حلفت بطلاق كل واحدة منكما فكل واحدة منكما طالق قاله مرتين طلقت كل واحدة واحدة.
طعن علي الرازي وقال ينبغي أن يقع على كل واحدة طلقتان لأنه جعل الحلف بطلاق كل واحدة على الانفراد شرطًا لوقوع الطلاق على كل واحدة لأن كلمة كل توجب العموم على الانفراد كقوله لكل واحد منكما عليّ ألف وأقرب منه إذا قال والله لا أتزوج كل واحدة منكما فتزوج إحداهما يحنث وكذا إذا قال لامرأته وأمته والله لا أقرب واحدة منكما أوكل واحدة منكما صار مؤليًا من امرأته فثبت أنه يتناول كل واحدة على الانفراد
في المرة الثانية صار حلفاً بطلاق كل واحدة فتكرر الشرط فيتكرر الجزاء وهو طلاق كل واحدة وصار نظير المسألة الأولى إلا أن ثمة الواحدة حدة في محل
الشرط فتعممت عموم الإفراد لكونها نكرة في محل النفي وها هنا تعممت كلمة كل فلا فرق بينهما وعامة المشايخ صححوا هذا الطعن وذهبوا إليه وبعضهم أجابوا وقالوا ما ذكر علي الرازي حاصل بدون كلمة كل وإنه إنما أدخل كلمة كل حتى لا يحنث بالحلف بطلاق الواحدة وفيما قاله ألغى كلمة كل بخلاف الإقرار لأن ثمة لا يمكنه أن يقول الأحد منكما على الألف لأنه لا يصح لأنه نكرة في محل الإثبات فتخص أما ها هنا بخلافة.
وبخلاف قوله والله لا أتزوج كل واحد منكما لأن كلمة النفي دخلت على تزوج كل واحدة فصار تزوج كل واحدة مبقيًا على حدة، بمنزلة قوله والله لا أكلم أحدًا فلانًا ولا فلانًا وها هنا حرف الشرط دخل في حلف كل واحدة فيشترط كلاهما.
حتى لو قال هناك إن تزوجت هذه وإن تزوجت هذه فهما طالقان لا يحنث ألا بتزوجها كذا هنا وصار بمنزلة قوله إن حلفت بطلاق هذه وإن حلفت بطلاق هذه فهما طالقان لم يحنث إلا بالحلف بطلاقهما.
ولو قال كلما حلفت بطلاق كل واحدة منكما فهي طالق قاله مرتين طلقت كل واحدة واحدة لأنه جعل الحلف بطلاق كل واحدة على الانفراد شرطًا لوقوع الطلاق على التي حلف بطلاقها فصار الحلف بطلاق هذه وحدها شرطا لوقوع الطلاق عليها والحلف بطلاق الأخرى
الجزء 1 · صفحة 42
شرطا لوقوع الطلاق على الأخرى أيضًا لأن قوله فهي كناية عن الواحدة التي تعممت عموم الافراد في محل الشرط.
حتى لو حلف بطلاق إحداهما بعينها وقع الطلاق عليها ولو حلف بطلاق الأخرى يقع الطلاق على الأخرى وهنا في المرة الثانية صار حالفًا بطلاق كل واحدة مرة فوجد شرط وقوع الطلاق على كل واحدة فيقع على كل واحدة طلقة واحدة كما في المسألة الأولى إلا أن ثمة شرط وقوع الطلاق عليهما هو الحلف بطلاقهما جميعًا على ما مرَّ وها هنا وقوع الطلاق على كل واحدة هو الحلف بطلاق كل واحدة على الانفراد.
وكذا إذا قال كلما حلفت بطلاق كل واحدة منكما فصاحبتها طالق أو قال فالأولى طالق لأنها غير مستقلة بنفسها فينصرف إلى الواحدة
التي تعممت في موضع الشرط إلا أن ها هنا الحلف بطلاق كل واحدة على الانفراد صار شرطًا لوقوع الطلاق على صاحبتها أو على الأخرى وفي المرة الثانية صار حالفًا بطلاق كل واحدة.
ولو قال كلما حلفت بطلاق واحدة منكما فواحدة منكما طالق أو قال فإحداكما طالق قاله مرتين تقع واحدة مبهمة يوقعها على أيتهما شاء لأن الحلف بطلاق الواحدة شرط لوقوع طلقة واحدة مبهمة لأن قوله فواحدة منكما طالق أو فإحداكما طالق نكرة في محل الإثبات وإنه مستقل بنفسه فلا يربط كما تقدم فتخص.
ولو قال ذلك ثلاث مرات تقع ثلاث طلقات متفرقات مبهمات يوقعها على أيتهما شاء لأنه حنث في اليمين الأولى باليمين فوقعت واحدة مبهمة وحنث باليمين الثالثة في الأولى والثانية فيقع ثنتان متفرقتان مبهمتان وله خيار التعيين فيها إن شاء أوقع الواحدة على إحداهما والثنتين على الأخرى وإن شاء أوقع الثلاث على إحداهما.
ولو قال في كل مرة فواحدة منكما طالق ثلاثًا والمسألة بحالها تقع تسع تطليقات إن شاء أوقع الكل على إحداهما بعينها وإن شاء أوقع ثلاثًا على هذه والست على هذه وليس له أن يوقع الواحدة أو الثنتين على إحداهما لأن الجزاء هو الثلاث جمعا ثنتين.
الجزء 1 · صفحة 43
ولو دخل بإحداهما دون الأخرى وقال كلما حلفت بطلاق واحدة منكما فأنتما طالقان قاله ثلاثًا طلقت المدخولة ثلاثا وغير المدخولة لأنه حنث في اليمين الأولى باليمين الثانية ووقع على كل واحدة تطليقتان لأنه جعل الحلف بطلاق الواحدة شرطًا لوقوع الطلاق عليهما وفي المرة الثانية صار حالفًا بطلاق كل واحدة فتكرر الشرط فتكرر الجزاء وهو الطلاق عليهما فيقع على كل واحدة منهما تطليقتان ثم في المرة الثالثة صار حالفًا بطلاق المدخولة لقيام الملك وحنث في الأولى والثانية لأنه ذكر بكلمة كلما فيقع على المدخولة طلقتان أخراوان إحداهما باليمين الأولى والثانية باليمين الثانية لكن الطلاق لا يزيد على الثلاث ولو تزوج غير المدخولة ثم قال لها إن دخلت الدار فأنت طالق وقع على غير المدخولة طلقتان أخراوان لما مرَّ لكن الطلاق لا يزيد على الثلاث.
ولو قال كلما حلفت بطلاقكما فواحدة منكما طالق قاله مرارا لم يقع لأن شرط الحنث الحلف بطلاقهما وفي كل مرة صار حالفًا بطلاق واحدة منهما لأن الجزاء طلاق واحد منهما.
شي ولو قال كلما حلفت بطلاق واحدة منكما فهي طالق ثم قال كلما حلفت بطلاق واحدة منكما فواحدة طالق يقع طلقة واحدة مبهمة لأنه جعل الحلف بطلاق واحدة مبهمة شرطًا لوقوع الطلاق على تلك الواحدة وفي المره الثانية صار حالفًا بطلاق الواحدة لأن الجزاء طلاق الواحدة
ولو قال كلما حلفت بطلاق واحدة منكما فواحدة منكما طالق ثم قال كلما حلفت بطلاق واحدة منكما فهي طالق تقع تطليقتان مبهمتان يوقعهما على أيهما شاء لانه جعل الحلف بطلاق الواحدة شرطًا لوقوع الطلاق على واحدة مبهمة، وفي المرة الثانية صار حالفًا بطلاق كل واحدة لأن قوله فهي كناية عن واحدة تعممت عموم الافراد فتكرر الشرط فتقع تطليقتان مبهمتان.
ولو قال لهما وقد دخل بإحداهما كلما حلفت بطلاقكما فأنتما طالقان قال ذلك ثلاثًا حنث في اليمين الأولى باليمين الثانية ووقع على كل واحدة تطليقة لما مرَّ واليمين الثالثة انعقدت في حق المدخولة لا في حق غير المدخولة وأنه بعض الشرط فلا يقع شيء باليمين الثانية فإن تزوج غير المدخولة وقال لها إن دخلت الدار فأنت طالق فقد تم الشرط، والأولى والثانية قائمة
الجزء 1 · صفحة 44
فيقع على كل واحدة تطليقتان أخراوان إحداهما باليمين الأولى والأخرى باليمين الثانية فتم الثلاث.
باب الأيمان ما يقع على البعض
بناه على أن الاسم إذا دخل فيه الألف واللام أو الجمع إذا دخل فيه الألف واللام يصير جنسًا واسم الجنس يحتمل الكل ويحتمل الأدنى ما يحتمل الكل فكقوله تعالى إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ العصروقوله تعالى: "وَلَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ" الأحزاب: فالمراد جميع
وأما ما يحتمل الأدنى فكقوله تعالى يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بلغ المائدة وقوله تعالى: "وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ" الْقِسْطَ الأنبياء وميزان القيامة واحد وإن تعذر صرفه إلى الجميع يصرف إلى الأدنى وأن الصفة في المعين لغو وفي غير المعين معتبر قال محمد كم الله إذا قال إن تزوجت النساء أبدا وإن كلمت بني آدم فاليمين على واحد.
وكذا إذا قال إن أكلت الطعام أو شربت الشراب أو لبست الثياب فاليمين على واحد وعلى أدنى الطعام والشراب لتعذر صرفه إلى الجميع فإن قال عنيت الجميع، قال بعضهم لا يصدق لأنه خلاف الظاهر وقال بعضهم يصدق لأنه نوى حقيقة كلامه.
ولو قال إن تزوجت نساء أو اشتريت عبدًا فهو على ثلاثة لأنه أقل الجمع الكامل.
وإن نوى أكثر من ذلك أو الجميع فهو على اختلاف المشايخ وإن نوى الواحد يصدق لأنه يحتمله قال الله تعالى وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ الحجر وفيه تغليظ.
ولو قال المرأة التي أتزوجها طالق صح التعليق بالتزوج لأن المرأة ليست بمعينة فاعتبرت الصفة وكذا إذا قال المرأة التي تدخل الدار من نسائي طالق تعلق الطلاق بالدخول لما مر.
فأما إذا قال هذه المرأة التي أتزوجها طالق أو قال فلانة بنت فلان بن فلان الفلانية التي أتزوجها طالق فهو باطل لأنها معرفة أجنبية فلغى صفة التزوج فصار كقوله هذه طالق وهي وكذا لو قال فلانة التي تدخل الدار طالق وهي امرأته طلقت في الحال فأما في قوله إن دخلت فلانة هذه الدار صح التعليق لأنه صرح بالشرط.
الجزء 1 · صفحة 45
باب اليمين على الوقت ما يقع وما لا يقع
بناه على أنه متى أضاف الطلاق إلى وقت قبل فعل يقع الطلاق بعد مضي ذلك الوقت عند الفعل مقارناً له إن كان ملك النكاح قائما وقت الفعل وإلا فيبطل لأن عنده يوجد الوقت الموصوف لكن عند زفر يستند بكل حال إلى الوقت المذكور وعندهما يقتصر بكل حاله وأبو حنيفة فرق بين الموت وغيره.
أصل الباب إذا قال لأجنبية أنت طالق قبل أن أتزوجك أو قال قبل أن أتزوجك بشهر فتزوجها بعد شهر لم يقع أما في الأول فلأنه إخبار وكذا في الثاني لأنه لو وقع يقع مقارناً للتزوج فيكون مانعا ثبوت ملك النكاح ولا يكون رافعًا.
ولو قال إذا تزوجتك فأنت طالق قبل أن أتزوجك بشهر، فتزوجها بعد شهر طلقت فلم يذكر خلافًا هنا.
ونص على الخلاف فيما إذا قال إذا تزوجتك فأنت طالق قبل أن أتزوجك فتزوجها لا يقع عند أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف يقع من مشايخنا من قال الخلاف فيهما سواء ومنهم من فرق على قول أبي حنيفة ومحمد.
ووجه الفرق أنه إذا لم يذكر الشهر فقال إذا تزوجتك فأنت طالق قبل أن أتزوجك إنما لا يصح لأنا تيقنا أن هذا إيقاع الطلاق قبل التزوج مطلقا والحال قبل التزوج فيكون إيقاعًا للحال فيبطل أما في قوله اذا تزوجتك فأنت طالق قبل أن أتزوجك بشهر إيقاع في وقت معين لا يوجد إلا بالتزوج فلا يكون إيقاعًا في الحال فيتعلق بالتزوج ووجه قول أبي يوسف أن إذا للوقت وهو وقت التزوج وقوله قبل أن أتزوجك لوقت قبل التزوج والأصل فيه أنه متى أضاف الطلاق إلى وقتين بغير حرف الواو وأحدهما يمكن اعتباره بأن كان في المستقبل والآخر لا يمكن ماضيًا يتعلق الطلاق بما يمكن اعتباره وها هنا لا يمكن اعتبار قوله قبل أتزوجك فبطل نفي قوله إذا تزوجتك فأنت طالق وصار كما لو قدم الجزاء فقال أنت طالق قبل أن أتزوجك بشهر إذا تزوجتك ولم يذكر الشهر يصح ويتعلق بالشرط لما قلنا كذا ها هنا ولهما أن قوله إذا تزوجتك تعليق وقوله قبل أن أتزوجك إضافة فيكون الآخر ناسخًا للأول بقي قوله أنت طالق قبل أن أتزوجك بشهر أو لم يذكر الشهر وأنه لا يصح فأما إذا قدم الجزاء فالآخر
الجزء 1 · صفحة 46
وهو التعليق يكون ناسخًا للإضافة بقي قوله أنت طالق إذا تزوجتك فيصح ولو تزوجها قبل مضي الشهر لا يقع الشهر لا يقع شيء لعدم الشرط.
ولو قال لامرأته أنت طالق ثلاثًا قبل أن تدخلي الدار بشهر أو قبل قدوم فلان بشهر فإن دخلت أو قدم فلان قبل الشهر لا يقع أبدا لعدم الشرط وإذا قدم فلان بعد تمام الشهر تقع الثلاث وعند زفر يستند إلى أول الشهر حتى لو كان خالعها في وسط الشهر ثم تم الشهر يظهر بطلان الخلع عنده لأن القدوم مظهر للشهر الموصوف فيقع من ذلك الوقت وعندنا يقع مقصورًا على وقت القدوم، ولا يبطل الخلع ويكون ثلاثًا مع الخلع لأن الشهر الموصوف لا يوجد إلا بالقدوم، فعنده نصف الشهر يكون قبل القدوم، فيقتصر على القدوم
ولو قال: أنت طالق ثلاثًا قبل موت فلان بشهر»، فمات فلان قبل تمام الشهر لا يقع أبدًا لما قلنا وإن مات فلان بعد تمام الشهر يقع مستندًا عند أبي حنيفة وزفر حتى يظهر بطلان الخلع، وعندهما: يقع
مقتصرًا ولأبي حنيفة الفرق: أن القدوم ليس بكائن لا محالة، وكان القدوم موجدًا للشرط فيتعلق الطلاق به فأما الموت كائن لا محالة فيكون مظهرًا من حيث كون كائنا لا محالة ومن حيث أن الشهر المتصل بالموت يوجد إلا بالموت فيكون موجدًا، فمن حيث أنه موجد قلنا بوقوع الطلاق للحال، ومن حيث كون مظهرًا قلنا: بأنه يقع مستندا إلى أول الشهر عملا بهما، حتى لو خالعها في وسط الشهر ثم مات فلان لتمام الشهر إن كانت العدة قائمة يقع ويستند ويبطل الخلع، وإن لم تكن العدة قائمة لم يبطل الخلع ولا يقع هذا الصحيح من مذهب أبي حنيفة أن في المستندات يعتبر حالتان:
حالة الثبوت وحالة الظهور
ولو قال: أنت طالق قبل موت فلان و فلان «بشهر»، فمات أحدهما بعد الشهر تطلق، ويستند عند أبي حنيفة لأن هذا شهر قبل موتهما: لأن موت الآخر كائن لا محالة بخلاف قوله: قبل قدوم فلان وفلان بشهر فقدم أحدهما بعد الشهر لم تطلق حتى يقدم الآخر لأن قدوم الآخر ليس بكائن لا محالة فإذا قدم الآخر يقع مقصورًا على قدوم الثاني عندنا طعن علي الرازي
الجزء 1 · صفحة 47
وقال: ينبغي ألا يقع شيء أبدا في هاتين المسألتين لأنه لو وقع وقع قبل موت أحدهما، أو قدوم أحدهما بشهر وقبل موت الآخر، أو قدوم الآخر بشهرين أو بسنة، وأنه بخلاف ما أوقعه.
والجواب: أن موتهما معًا أو قدومهما معًا نادر فلا يراد باليمين فيكون المراد ما قلنا
ولو قال لها: أنت طالق قبل موتي بشهر أو قبل موتك بشهر لايصح عندهما: لأن عندهما يقع مقصورًا على وقت الموت فلا يقع وعنده: يقع في آخر حياته ويستند إلى أول الشهر.
ولو قال لعبده: أنت حر قبل موتي بشهر صح بالإجماع، أما عنده فظاهر وكذلك عندهما: لأن حالة الموت ملك المولى باقي حتى يقضي ديونه منه وينفذ وصاياه فصح إضافة العتق إليه بخلاف الطلاق ثم عنده: يستند إلى أول الشهر، حتى لو كان كاتبه في خلال الشهر ثم مات المولى بعد تمام الشهر تبطل المكاتبة إن لم يؤد شيئًا، وإن أدى بعض بدل الكتابة يستردوإن كان أدى جميع البدل وعتق فلا يثبت العتق عند الموت فلا يستند، وعندهما يقتصر ولا تبطل الكتابة ويسلم للمولى ما قبض من البدل.
عند أبي حنيفة: إن كان القول في الصحة يعتق من جميع المال؛ لأن جهة الظهور تمنع تعلق حق الورثة فلا يتعلق بالشك، وإن كان القول في المرض يعتق من الثلث وصار كمدبر كاتبه المولى إن شاء سعى في ثلثي القيمة، وإن شاء سعى في جميع بدل الكتابة إن لم يؤد شيئًا، وفيما بقي من بدل الكتابة إن أدى شيئًا.
وعندهما: إن لم يكن له مال غيره سعى سواء كان القول في المرض أو في الصحة لكن عند أبي يوسف: يسعى في الأقل من ثلثي القيمة ومن جميع بدل الكتابة إن لم يؤد شيئًا وفيما بقي من بدل الكتابة إن أدى شيئًا وعند محمد: سعي في الأقل من ثلثي القيمة ومن ثلثي بدل الكتابة إن لم يؤد شيئًا ومن ما بقي إن أدى شيئًا وهذا فرع ما إذا دبر عبده ثم كاتبه ثم مات المولى ولامال له غيره وهي مسألة: الأصل و الجامع الصغير.
ويجوز بيعه إن لم يكاتبه لأن عنده: ليس بمدبر، وعندهما مدبر مقيد لأن عتقه معلق بموت موصوف وهو أن يموت المولى بعد شهر.
ولو قطع رجلٌ يد العبدِ ثم مات المولى لتمام الشهر فعليه نصف قيمة العبد للمولى إن لم يكن كاتبه لأن العتق لتمام الشهر، فعليه نصف قيمة العبد للمولى إن لم يكن كاتبه: لأن العتق
الجزء 1 · صفحة 48
يثبت مقصورًا على وقت الموت، وعنده: يكون ذلك للعبد لأن العتق إنما يثبت مستندًا فكان معتقاً من وجه وكان بمعنى المكاتب، ولو باعه المولى ثم مات لتمام الشهر لم يبطل البيع لأن العتق لم يثبت فلا يستند.
ولو قال لأمته: أنت حرة قبل موت فلان بشهر فولدت ولدًا ثم ماتت الأم أو باعها ثم مات فلان لتمام الشهر عتق الولد لأن الولد في البطن استحق العتق عتقا مستندًا عنده تبعًا للأم وهذا حق لا يقبل البطلان بالانفصال.
ولو باع نصف الأم وبقي النصف ثم مات فلان عتق النصف الباقي وصار كعبدين اثنين أعتقه أحدهما، وهذا إشارة إلى أن البائع يضمن للمشتري والصحيح أنه لا يضمن: لأنه لم يوجد منه صنع بعد البيع لا تنجيزا ولا تعليقا.
فإن قيل: لما عتق النصفُ الباقي مستندًا عنده ظهر أنه كان معتق البعض من وجه وبيعه باطل
قيل له: يظهر العتق من وجه في النصف الذي ثبت فيه وفي النصف الآخر لم يثبت فلا يستند
ولو باعها المولى ثم اشتراها ثم مات فلان لتمام الشهر لا تعتق عنده: لأنه تعذر الاستناد لأجل الفاصل فيما بين ذلك وهذا كله قول أبو حنيفة فأما عندهما: إذا باع الأم وبقي الولد لا يعتق الولد، ولو باع نصف الأم عتق النصف الباقي مقتصرًا ولو باعها ثم اشتراها عتقت، ولو لم يبع شيئًا عتقت دون الولد.
باب اليمين في الشرب
أصل الباب: أن الكلام متى كان له حقيقة مهجورة ومجاز مستعمل، فالمجاز أولى
وإن كانا مهجورين أو مستعملين على السواء فالحقيقة أولى وإن كان المجاز أغلب استعمالاً من الحقيقة فعند أبي حنيفة:
الحقيقة أولى وعندهما: المجاز أولى
قال محمد: إذا حلف لا يشرب من الفرات
الجزء 1 · صفحة 49
عند أبي حنيفة: يحنث بالكرع دون الغرف لأن قوله: من الفرات للكرع حقيقة وأنها مستعملة في الجملة، وللغرف مجازا، وعندهما: الغرف أكثر استعمالا لأنه عادة الكل فالصرف إليه أولى
وهل يحنث بالحقيقة عندهما؟
قال بعضهم: لا يحنث: كيلا يكون جمعًا لا يحنث: كيلا يكون جمعًا بين الحقيقة والمجاز
وقال بعضهم: يحنث.
والصحيح أنه يحنث لأنه صار مجازا عن شرب ما يَحْوِيه الفراتُ، وقد وجد، فمحل الحقيقة دخل تحت عموم المجاز لا أن يكون جمعا بين الحقيقة والمجاز
فإن نوى الحقيقة عندهما: لا يحنث بالمجاز ديانة وقضاء: لأنه نوى حقيقة كلامه، وإن نوى العرف فعنده: يصدق ديانة: لأنه يحتمله، ولا يصدق قضاء؛ لأنه خلاف الحقيقة.
ولو شرب من نهر آخر أو حوض أُخِذَ من الفرات لا يحنث لأنه لا يحويه الفرات فإنه مثله في الإمساك
بخلاف ما إذا أخذ بالكف أو الكوز وشرب حيث يَحْنَتُ عندهما لأن الكف والكوز من أسباب الشرب فلا تنقطع به النسبة.
ولو حلف لا يشرب من ماء الفرات، فشرب من الفرات أو من نهر آخر، أخذ من الفرات غرفًا، أو كرعًا، يحنث لأنه شرب ماء الفرات.
ألا ترى أنه يُقال: هذا ماء الفرات في نهرنا أو حوضنا أو جُبُّنا وإن نوى بقوله: من الفرات ماء الفرات. هل تصح بنية؟
قال الفقيه أبو بكر البلخي يصح بينة: لأن الشرب من ماء الفرات لا يكون بدون الماء فقد نوى ما يحتمله.
وقال بعضهم: لا يصح بنية: لأنه نوى تعميم المقتضى، والمقتضى لا عموم له ولو حلف بقوله فرات يحنث بالماء العذب أي ما كان لأنه جعل الفرات صفة للماء فصار عبارة عن الماء العذب بخلاف قوله: من ماء الفرات: لأنه أضاف الماء إلى الفرات.
الجزء 1 · صفحة 50
ولو حلف لا يشرب من هذا البئر أو من هذا الجب، أو من هذه الجرة إن لم يكن ملانا فعلى العرف بالإجماع لأن الحقيقة متعذرة في الحال فلا يراد به، وإن كان ملانا فهو على ما وصفنا في الفرات.
ولو حلف لا يشرب من هذا الكوز، فجعل ماؤه في كوز آخر فشرب لم يحنث لأن الثاني مثل الأول في الإمساك: فانقطعت النسبة عنه ولو قال: من ماء هذا الكوز الظاهر: أنه يحنث.
ولو قال لأجنبية: إن نكحتك فعبدي حر، فهو على العقد لأنه أقرب إليه.
ولو قال لمنكوحته أو لمملوكته فهو على الوطء حتى لو أبانها ثم تزوجها لم يحنث لأنه أقرب إليه ولأنه إنما لم يمنع نفسه عما ليس بممنوع عنه وفي الأجنبية غير ممنوع عن العقد، وفي المنكوحة عن الوطء
ولو قال لأجنبية: إن راجعتك فهو على العقد لأنه أقرب إليه ولو قال ذلك لمنكوحته فهو على أن يطلقها ثم يراجعها، ولو أبانها ثم تزوجها لم يحنث لما مر والله أعلم.
باب اليمين في الغسل وغيره
أصل الباب: على أن النية إنما تصح في الملفوظ لما يحتمله اللفظ ثم إن كان المنوي خلاف الظاهر صُدِّق ديانةً لا قضاء، وإن كان لا يحتمله بطلت نيته.
قال محمد رحمه الله: إذا حلف لا أغتسل في هذه الدار الليلة ثم قال: عنيت به عن الجنابة، أو حلف لا يَغُتْسِلُ، وقال: عنيت به فلانا أو حلف لا يتزوج، وقال عنيت به فلانة، أو امرأة من نساء الكوفة ففي هذه الوجوه كلها لم تصح نيته أصلا لأن سبب الاغتسال في الأول والمغتسل في الثاني والمرأة في الثالث ليس بمذكور، والاغتسال ليس بمتنوع، ولهذا لم يختلف الاسم فلا تصح نيته أصلا، وعن
أبي يوسف: أنه يصدق ديانة وبهذه الرواية أخذ الخَصَّاف في كتاب الحيل.
ولو قال مع ذلك: غسلا في الأول أو واحدًا في الثاني أو امرأة في الثالث دين فيما بينه وبين الله - تعالى لأن قوله غَسْلًا أو واحدًا أو امرأة نكرة في معرض النفي فتعمم والعموم يحتمل الخصوص: لكنه خلاف الظاهر فلا يصدق قضاء.
الجزء 1 · صفحة 51
ولو قيل له: إنك تريد أن تغتسل الليلة في هذه الدار عن الجنابة. فقال: إن اغتسلت فعبدي حر فهو عن الجنابة لأنه جواب فيتقيد بالسؤال
ولو قال: إن اغتسلت الليلة في هذه الدار أو لم يقل: في هذه الدار فهو على كل اغتسال قضاء لأنه زاد على الجواب فيدل على الابتداء، وعلى ما نواه ديانة، وقال أبو يوسف: يصدق قضاء إذا نوى الجنابة: لأنه يحمله على الجواب نظيره إذا أرادت المرأة أن تخرج أو أراد أن يضرب عبده، فقال الزوج: إن خرجت أو إن ضربته فعبدي حر فهو على الخروج والضرب الذي قصد حتى لو تركت الخروج ساعة ثم خرجت لم يحنث لما مرَّ.
باب اليمين ما يكون على الحالف أو على غير الحالف
بناه على أن المعرفة لا تدخل تحت اسم النكرة لأنهما ضدان وأسباب المعرفة بالنسبة: الإضافة إلى المتكلم، وتاء الإخبار، وكاف الخطاب، والهاء
قال محمد رحمه الله: إذا قال إن دخل داري هذه أحد وكلم غلامي هذا أحد والدار والغلام له أو لغيره أو كلم ابني أو مس دابتي أو يدي هذه أحد لا يدخل الحالف تحت اليمين لأنه عرف نفسه بالإضافة فلا يدخل تحت قوله: أحد»: لأنه نكرة إلا إذا قال: عنيت نفسي أيضًا فيدخل لأنه يحتمله وفيه تغليظ عليه ولو قال: إن دخل دارك أو كلم غلامك هذا أحد لم يدخل المخاطب إلا بالنية لما مرَّ ويدخل الحالف لأنه لم يعرف نفسه بشيء.
وكذا لو قال: إن مس هذا الرأس، أو هذا اليد أحد» لم يدخل صاحب الرأس واليد.
ولو قال: إن دخل هذه الدار أحد أو كلم هذا الغلام أحد والدار والغلام للحالف أو لغيره دخل الحالف لأنه لم يعرف نفسه بشيء
وكذا إذا قال: إن كلم غلام عبد الله بن محمد هذا أحدًا وقال: إن كلم غلام عبد الله بن محمد إنسانًا، أو لبس قميص عبد الله بن محمد أحدٌ وعبد الله بن محمد هو الحالف يدخل الحالف لأنه يجوز يجوز أن يكون بهذه النسبة كثير من الناس، فإذا ترك التعريف من كل وجه بياء الإضافة دل على إرادته التنكير فلا يخرج هو عن اليمين بالتعريف من وجه بالشك ولو قال: إن ألبست هذا القميص أحدًا فألبس نفسه لم يحنث لأنه عرف نفسه بتاء الإخبار
باب: اليمين في الجماع
الجزء 1 · صفحة 52
بناه على أن مطلق الكلام ينصرف إلى ما غلب استعماله فيه من غير نية، وإن لم يغلب لكن يحتمله يحتاج إلى النية.
قال محمد رحمه الله: إذا قال لامرأته: إن جامعتك أو باضعتك فعبدي حر فهو على الجماع في القبل وصار مؤليا لأنه غلب استعماله فيه
فإن قال: عنيت فيما دون الفرج حنث به أيضًا - بإقراره، ولا يصدق في إبطال الأول قضاء حتى نفي الإيلاء.
وكذا إذا قال: إن وطئتك أو اغتسلت منك لأن الاغتسال منها يكون بالفرج، أما الاغتسال فيما دون الفرج يكون من الإنزال، وكذا الوطء المضاف إليها يراد به الجماع في الفرج غالبًا
ولو قال: إن وطئت فهو على وطء الأرض والجماع جميعا لأنه لم يغلب فينصرف إلى المطلق
ولو قال: إن أتيتك، أو أصبت منك وذكر في بعض النسخ معه يعني الجماع وهو الصحيح لأنه لم يغلب في الجماع فاحتيج إلى النية
ولو قال: عنيت به الجماع لكن فيما دون الفرج لم يصدق لأنه لو كان يستعمل في الجماع، إنما يستعمل في الفرج
ولو قال لبكر: إن افتضضتك فهو بآلة الذكر لأنه غلب استعماله فيه دون الإصبع.
ولو قال: إن خرجت، وقال: عنيت به إلى مكان كذا لم تصح نيته أصلا لأن المكان ليس بمذكور
ولو قال: عنيت به السفر صُدَّقَ ديانة لأن الخروج متنوع سفر وغيره، ولهذا يختلف الاسم، ولا يُصَدَّقُ في القضاء؛ لأنه نوى التخصيص.
ولو قال: إن مَشَيْتُ فهو على المشي بالقدم.
ولو قال: عنيت به استطلاق البطن صُدِّقَ في أنه يحنث به أيضًا، لأنه يحتمله مجازا: لأن الاستطلاق سبب المشي ولا يُصَدَّق في إبطال الحقيقة قضاء.
الجزء 1 · صفحة 53
ولو قال لغيره: تعال تغد معي فقال: إن تغدّيت فعبدي حر، فهو على الغداء الذي دعي إليه لأنه جواب فيتقيد به.
ولو قال: إن تغديت اليوم فهو على كل غدَاء قضاء لأنه زاد على الجواب فيكون ابتداء
وكذا لو قال: إن تغديت عندك فهو على كل غداء عنده قضاء، وعلى ما نواه ديانة لأنه يحتمل الجواب.
باب الحلف بالإذن
بناه على أن كلمة إلا للاستثناء حقيقة وإلا أَنْ للغاية إذا دخلت فيما يتوقت وإن دخلت فيما لا يتوقت تحمل على الشرط.
قال محمد رحمه الله: إذا قال لامرأته إن خرجت إلا أن آذن لك فأنت طالق، فأذن لها مرة انتهت اليمين لأنه للغاية لقوله تعالى: وإِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ [النساء: ?9أي: حتى يأتين واليمين فيما يتوقت فحمل على الغاية.
ولو قال: إن خرجت إلا بإذني يحتاج إلى الإذن لكل خروج حتى لو أذن لها ثم نهاها ثم خرجت أو خرجت بإذن مرة ثم خرجت بغير إذن حنث لأنه للاستثناء، واستثنى خروجًا بإذن لأن الباء للإلصاق فتقتضي ملتصقا به، وذلك ليس إلا الخروج فقد منعها عن الخروج عاماً ثم خص الخروج بإذن، فبقي ما وراءه داخلا تحت اليمين.
ولو قال: كلما خرجت فقد أذنت لك لم يحنث أبدًا، فإن نهاها بعد الإذن العام عمل نهيه عند محمد رحمه الله حتى لو خرجت يحنث.
وعند أبي يوسف: لا تَعْمَل نهيه: لأن بعد الإذن العام لا يتصور الحنث فلا تبقى اليمين فلا يفيد النهي.
ولو نوى بقوله: إلا أن آذن إلا بإذني صُدِّقَ فيه تغليظا.
ولو نوى بقوله: إلا بإذني إلا أن آذن صدق ديانة لأنه يحتمله ولا يصدق قضاء: لأنه خلاف الظاهر.
الجزء 1 · صفحة 54
باب الحنث في الشتيمة
بناه على أن كل تصرف هو كلام يعتبر فيه مكان المتكلم وكل تصرف هو فعل وله أثر في المحل حسا يعتبر مكان المحل: لأن الفعل إنما يتسمى باسم خاص بإثره الخاص في المحل.
قال محمد رحمه الله: إذا قال: عبده حر إن شتمتك في المسجد فهو على كون الشاتم في المسجد لأنه كلام
ولو قال: إن ضربتك فى المسجد أو سجنتك أو قتلتك أو رميتك فيه فهو على كون المفعول في المسجد لأن الضرب والقتل يوجد بحصول أثر خاص في المحل فيتعتبر مكان المحل
فإن قيل: لم لا يشترط أن يكونا في المسجد لأن القتل يوجد بهما؟ قيل له: الذي يقوم بالفاعل ذات الحركة وذاك لا يقصد باليمين، وإنما يقصد أثر الفعل: لأن الحُسْن والقُبح يتأتى من جهة الأثر فيقصد مكان محل الأثر: ولأن المقتول أقرب بالمسجد فكان اعتبار المحل به أولى.
ألا ترى أنه لو قال: إن قتلتك يوم الجمعة، فضربه بعد اليمين يوم الخميس ومات يوم السبت لم يحنث، وإن كان الموت يستند إلى الضرب يوم الجمعة انعدم القتل فلم تبق اليمين، فإذا مات يوم السبت واستند إلى يوم الجمعة بعد انتهاء اليمين.
ولو مات يوم الجمعة بضرب قبل اليمين لم يحنث عندنا خلافًا لزفر رحمه الله لأنه لا يمكنه الامتناع عن الموت بضرب قبل اليمين، فلا يكون مرادًا باليمين وعند زفر: يحنث وهي معروفة
باب: ما يقع من الطلاق في التزويج في المواقيت
بناه على أنه متى ذكر الجزاء بين شرطين بغير حرف الواو والفاء جعل الشرط الأخير غاية لليمين وإن أخر الجزاء عن الشرطين وهو المعترض فلو أمكن بأن يجعل الأول مع الطلاق جزاء للثاني بدون إدراج حرف الفاء يجعل كذلك: لأن تصحيح الكلام بدون الإدراج، وإن كان فيه تقديم وتأخير أولى؛ لأنه عمل الملفوظ، وإن لم يصلح الشرط الأول جزاء يؤخر عن الجزاء ما ليس بمتصل به قال محمد رحمه الله: إذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق إن كلمت فلانًا أو إذا أو متى كلمت فلانًا، وكلم من تزوجها قبل الكلام تطلق بالكلام، وكل من تزوجها
الجزء 1 · صفحة 55
بعد الكلام لا تطلق سواء كلم فلانًا بعد ذلك أو لم يكلم طعن علي الرازي وقال: ينبغي أن تطلق لأنه وجد شرط الحنث وهو الكلام بعد التزوج
والجواب: أن هذه متزوجة بعد الكلام من وجه والداخل تحت اليمين المتزوجة قبل الكلام من كل وجه.
وقال زفر يتناول المتزوجة قبل الكلام وبعده وروي عن أبي يوسف: أنه تطلق التي تزوجها بعد الكلام دون التي تزوجها قبل الكلام.
له: أن قوله كل امرأة أتزوجها فهي طالق يمين تامة علقت بشرط الكلام فيصير قائلا عند الكلام كل امرأة أتزوجها فهي طالق.
ولزفر: أن المطلق من الأيمان ينصرف إلى الأبد
ولو نص على الأبد بأن قال: كل امرأة أتزوجها أبدًا فهي طالق يتناول المتزوجة قبل الكلام وبعده، ويطلق عند وجود الشرطين كذا ها هنا
وجه ظاهر الرواية أن قوله: كل امرأة أتزوجها شرط معنى
ولو ذكر حرف الشرط بأن قال: إن تزوجت امرأة فهي طالق إن كلمت فلانًا كان الكلام غاية كذا ها هنا ولأن قوله: كل امرأة أتزوجها فهي طالق يمين صورة الأصل أن يكون يمينًا معنى، ولو علقناه بشرط الكلام لا يكون يمينا في الحال ما لم يوجد الكلام فجعلناه يمينًا في الحال، وجعلنا الكلام شرطًا للحنث، وغاية لليمين، وصار كقوله: كل امرأة أتزوجها فهي طالق دا كان الوقوع عند الغد ويكون الغد غاية لليمين
بخلاف ما إذا نص على الغاية: وهوالأبد أو غيره: لأن الكلام جعل غاية دلالة والدلالة لا تعتبر عند وجود التنصيص بخلافه فإذا خرج
الكلام من أن يكون غاية فتبقى اليمين وكان شرط الحنث وجود التزوج والكلام مطلقا سواء وجد الكلام قبل التزوج أو بعده.
الجزء 1 · صفحة 56
ولو قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق كلما كلمت فلانًا هذا والأول سواء إلا أن ها هنا يتكرر والطلاق يتكرر في الملك إلى أن تتم الثلاث لأن كل ما يوجب تكرار الجزاء بتكرار الكلام فيتكرر على التي انعقدت عليها الأولى وهي التي تزوجها قبل الكلام
ولو قال إن كلمت فلانًا أو إذا كلمت أو متى كلمت فكل امرأة أتزوجها فهي طالق فهذا لا يتناول إلا التي تزوجها بعد الكلام لأنه جعل قوله فكل امرأة أتزوجها فهي طالق جزاء لشرط الكلام وجعل الكلام غاية لابتداء اليمين فإنما تنعقد اليمين عند الكلام فإذا تزوج قبل الكلام فقد وجد شرط الحنث قبل انعقاد اليمين فلا يحنث ولو قال كلما كلمت فلانًا فكل امرأة أتزوجها فهي طالق فهذا
والأول سواء إلا أن ها هنا إذا كلم فلانًا مراراً ثم تزوج امرأة طلقت ثلاثًا لأن اليمين قد تتكرر بتكرر الكلام ثم يحنث عند
وجود التزوج في الأيمان كلها
ولو قال كل امرأة أتزوجها إن كلمتُ فلاناً أو إذا كلمتأو متى كلمت فهي طالق، فهذا وما لو قدم شرط الكلام سواء لأن قوله أتزوجها شرط وقوله: إن كلمت شرط ولا يمكن أن يجعل كلاهما شرطًا واحدًا لأنه لم يذكر حرف العطف ثم بعد ذلك إما أن يدرج حرف الفاء في شرط الكلام فيصير شرط الكلام مع جزائه جزاء الشرط التزوج، كأنه قال كل امرأة أتزوجها فإن كلمتُ فلانا فهي طالق، ومثله جائز كقوله تعالى َإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ النساء فيصير قائلا عند فيصير التزوج إن كلمت فلانا فأنت طالق
أو يجعل قوله فأنت طالق مقدمًا على الكلام حكمًا فيصير قوله كل امرأة أتزوجها فهي طالق جزاءً للكلام فيصير قائلا عند الكلام كل امرأة أتزوجها فهي طالق وهذا أول لأن فيه تصحيحًا من غير إدراج حرف الفاء لأن الجزاء إذا تقدم ذكرْهُ لا يحتاج للتعليق إلى حرف الفاءوالتصحيح بدون الإدراج وإن كان فيه تقديم المؤخر حكمًا أولى من التصحيح بإدراج غير المذكور على ما مرَّ
الجزء 1 · صفحة 57
ولو قال قائل لم لا يؤخر شرط الكلام عن الجزاء ويجعل الكلام شرطًا للانحلال فيصبح من غير إدراج فيصير نظير مسألة أول الباب؟ قيل له ما ذكرناه أولى لأن الكلام مقدم ذكرًا فجعله شرطا
للانعقاد أولى من جعله شرطًا للانحلال بخلاف ما إذا كان مؤخرًا ذِكْرًا ولو قال كل امرأة أتزوجها كلما كلمت فلانًا فهي طالق هذا والأول سواء إلا أن هنا تتكرر اليمين بتكرر الكلام على ما مر ولو كلم فلاناً ثم تزوج امرأة ثم كلم فلاناً ثم تزوج أخرى طلقت الأولى واحدة لأنه تزوجها بعد الكلام مرةوطلقت الأخرى ثنتين لأنه تزوجها بعد الكلام مرتين حتى لو تزوج الأولى بعد الكلام ثانيًا طلقت أخرى ألا ترى أنه لو قال كلما كلمت فلانا فأنت طالق غدًا أو إن دخلت الدار وكلم فلانا اليوم ثلاث مرات ثم جاء غدًا ودخل الدار طلقت ثلاثا لأنه انعقدت ثلاثة أيمان بعدد الكلام، ثم عند وجود الشرط يحنث في الأيمان كلها
ولو قال كل امرأة أتزوجها أبدًا أو إلى ثلاثين سنة فهي طالق إن کلمت فلانا فكل امرأة يتزوجها قبل الكلام أو بعده تطلق لما مر ولو قال إن كلمت فلانا فكل امرأة أتزوجها أبدًاأو إلى ثلاثين سنة طالق فهذا لا يتناول إلا التي يتزوجها بعد الكلام إلى الأبد أو إلى ثلاثين سنة لأنه جعل الكلام غاية لابتداء اليمين ولا تنافي بين كون الكلام غاية لابتداء اليمين وبين كون الأبد غاية لانتهاء اليمين
ولو قال كل امرأة أملكها فهي طالق إذا جاء غد أَواذا كلمت فلانًا أو قال كل جارية أملكها فهي حرة إذا جاء غد أو إذا كلمت فلانا
أو قال: إن كلمت فلانًا فكل امرأة أملكها فهي طالق أو كل عبد أملكه فهو حر فهذا كله يتناول المملوك في الحال فقط لأن قوله: أملكه للحال، كقوله: «أشهد أن لا إله إلا الله»، لكن تأخر وقوع الطلاق أو العتق إلى وقت وجود الشرط: لأن الشرط دخل في الجزاء لا في الملك
وإن قال: عنيت ما استقبل يُصَدّق في دخوله تحت اليمين ولا يصدق في إبطال ما كان في ملكه قضاء ويصدّق ديانة على ما مر. ولو قال: كل مملوك أملكه اليوم فهو على ما يملكه في الحال، ويملكه إلى غروب الشمس لأن اليوم يتناول الحال ويمتد إلى غروب الشمس ولو قال:
الجزء 1 · صفحة 58
كل مملوك أملكه إلى ثلاثين سنة لا يتناول إلا ما يستقبل إلى ثلاثين سنة بالإجماع لأن الحال لا يمتد إلى ثلاثين سنة، فتعيَّن للاستقبال
ولو قال: كل مملوك أملكه غدًا، فعند أبي يوسف: لا يعتق ما يملكه في الحال، وما يملكه اليوم، وإنما يعتق من يستحدث الملك فيه في الغد
لأنه أضاف الملك إلى الغد وقوله: غدًا أي: في الغد.
وقال محمد رحمه الله: يعتق ما يجتمع في ملكه في الغد وما يملكه لأن قوله: أملكه للحال والحال يمتد إلى الغد، وقد مده إلى الغد بقوله: غدًا فيتناول الكل لدخولهم تحت الحال
ولو قال لها: أنت طالق اليوم وغدًا لم تقع إلا واحدة في الحال لأنها تتصف بكونها طالقًا اليوم وغدًا، ولو نوى في الغد آخر تقع أخرى؛ لأنه نوى الإيقاع في الغد وفيه تغليظ
ولو قال: أنت طالق اليوم وإذا جاء غد تقع في الحال واحدة، وأخرى في الغد لأن التعليق لا يكون إلا للإنشاء
باب الحنث في اليمين التي يكون فيها الوقتان
أصل الباب: على أنه متى ذكر شرطين بحرف الشرط من غير حرف العطف وذكر بينهما جزاء كان الأول شرط الانعقاد والآخر شرط الانحلال، حتى يشترط قيام الملك في الحالتين
وأن الإيلاء المعلق بالشرط كالمرسل عند الشرط حتى يشترط قيام الملك وقت وجود الشرط
وأن الطلاق المضاف إلى الوقتين يقع بأولهما والمعلق بأحد الشرطين يقع بآخرهما والمضاف إلى أحد الوقتين يقع بآخرهما، والمعلق بأحد الشرطين يقع بأولهما، ومتى ذكر شرطين بحرف الواو كانا شرطًا واحدًا بكل حال، ومتى أدخل حرف الشرط) في كل واحد فإن قدمهما فكذلك
وإن أخرهما أو حلل الجزاء صار كل واحد شرطًا على حدة
الجزء 1 · صفحة 59
قال محمد رحمه الله: إذا قال لها ولم يدخل بها: إذا دخلت هذه الدار فأنت طالق إذا دخلت هذه الدار الأخرى يشترط قيام الملك عند دخول الدارين لنزول الجزاء لأن الأول شرط الانعقاد، والثاني شرط الانحلال
ولو قال لها: إن قربتك فوالله لا أقربك ثم طلقها وجامعها في غير ملك، ثم تزوجها لم يكن مؤليّا لأن الإيلاء إنما ينعقد حالة القربان ولا ملك حينئذ، فكان يمينا محضًا، فإذا تزوجها لا يصير مؤليا
ولو قال: والله لا أقربك إلا مرة والمسألة بحالها يصير مؤليًا إذا تزوجها: لأن الإيلاء مرسل في الحال، وفي الحال الملك قائم، لكن استثناء القربان مرة كان مانعا ظهور حكم الإيلاء، فإذا زال المانع صار مؤليًا من حين تزوجها
وكذا لو قال لامرأته وأمته: والله لا أقربكما فأبان امرأته ثم قرب الأمة ثم تزوج الحرة يصير مؤليًا. وبمثله لو قال: «إن قربت أمتي فوالله لا أقربك، فأبانها ثم قرب الأمة، ثم تزوجها لا يصير مؤليا. والفرق ما ذكرنا من قبل
ولو قال لها: إن دخلت هذه الدار وهذه الدار فأنت طالق ثلاثا، ثم طلقها وبانت بلا عدة ودخلت إحدى الدارين ثم تزوجها ودخلت الدار الأخرى طلقت ثلاثًا لقيام الملك وقت انعقاد اليمين، ووقت نزول الجزاء وعدم الملك فيما بين ذلك لا يضر
وقال زفر: يشترط قيام الملك وقت وجود الشرط الأول كما يشترط وقت وجود الشرط الثاني
ولو قال: أنت طالق غدًا أو بعد غدٍ يقع في الغد حتى تكون طالقًا في الوقتين
ولو قال: غدًا أو بعد غدٍ يقع بعد غدٍ حتى تكون طالقا في أحد الوقتين
ولو قال: أنت طالق إذا جاء غد أو بعد غدٍ، أو إذا قدم فلان أو فلان يقع بأولهما حتى يكون الشرط أحدهما. وكذا إذا أخر الجزاء أو خلله
ولو قال: أنت طالق إن كلمت فلانًا أو عبدي حر إن دخلت الدار، فهما يمينان، والملتزم أحدهما فأيهما وجد شرطه أولا نزل جزاؤه وبطل الثاني
الجزء 1 · صفحة 60
ولو وجد الكلام والدخول معا لزمه بأحد الجزاءين يختار أيهما شاء ولو قال: أنت طالق غدًا أو عبدي حر بعد غدٍ، فجاء غد لم يقع شيء حتى يجيء بعد غد فيلزمه أحد الجزاءين، فإيهما اختار لزمه وبطل الآخر
ولو قال: إن دخلت هذه الدار وهذه فأنت طالق، أو قدم الجزاء أو خلله لم يقع مثنى حتى تدخل الدارين لأنهما صارا شرطًا: لأنه جمعهما بحرف الجمع
ولو قال: إن دخلت هذه الدار، وإن دخلت هذه الأخرى فأنت طالق لم يقع إلا بهما لأن الشرط الأول موقوف على الجزاء، وكذا الثاني فإذا وصل الجزاء اتصل بهما جملة
فأما إذا قدم الجزاء أو خلله يقع الطلاق بأحدهما، ولا يقع بالآخر شيء لأنه إذا قال: أنت طالق إن دخلت فأنت طالق تم اليمين وتعلق الجزاء بالشرط، فإذا عطف عليه الشرط الأخير ولم يذكر له جزاء صار جزاء الأول جزاءً للثاني فأيهما وجد يقع
باب الحنث في اليمين التي تقع بالأمرين أو بالأمر الواحد
أصل الباب على أن الجمع إذا قوبل بالفرد يشترط وجود الفعل من الجمع في الفرد، ومتى قوبل بالجمع يشترط وجود الفعل من الجمع في الجمع، ومتى ذكر في آخر كلامه ما يغير حكم أوله توقف أوله على آخره إن ذكره موصولا وأن المعطوف يشارك المعطوف عليه في الحكم إلا إذا ذكر له جوابًا على حدة
قال محمد رحمه الله إذا قال: إن دخلتما هذه الدار لم يحنث ما لم يدخلا لأنه أضاف دخولهما إلى الدار
ولو قال: إن دخلتما هاتين الدَّارين، أو هذه الدار وهذه»، فدخلت
كل واحدة دارًا حنث لأنه قابل الجمع بالجمع فتنقسم الآحاد على الآحاد كقوله تعالى: {جَعَلُوا أَصَبِعَهُمْ فِي عَاذَانِهِمْ} نوح:47 وروي عن أبي يوسف: أنه يشترط دخول كل واحدة الدارين: لأنه أضاف دخول كل واحدة إلى الدارين وإنا نقول: بل أضاف دخولهما جميعًا إلى الدارين
الجزء 1 · صفحة 61
ولو قال لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار، وعبدي حر إن كلمت فلانًا، فهما يمينان تعلق كل جزاء بشرطه لأن الأول تعليق والآخر تعليق فلم يوجد في آخر كلامه ما يغير حكم أوله، فلم يتوقف، فإن وصل بآخره إن شاء الله بطل الكل: لأن آخره يغير حكم أوله: لأن حكم أوله التعليق وحكم آخره المنع من التعليق فتوقف وروي عن أبي يوسف: أن الاستثناء ينصرف إلى ما يليه كما لو ذكر مكان الاستثناء شرطًا آخر، أو قال: وضربت فلانا
وكذا لو قال في آخره: إن شاء فلان انصرف إلى الكل في ظاهر الرواية لأن آخره تمليك فيقتصر على المجلس
ألا ترى أنه لو قال: بعتك هذا العبد إن شئت صح، ولو كان تعليقًا لما صح فيتوقف أوله على آخره، فإن شاء فلان في المجلس انعقدت اليمينان وإن قام عن مجلس علمه أو قال لم أشأ أو قال: شئت أحدهما بطل كله: لأنه ملكه شيئين فلا يصح جوابه في أحدهما وبطل المجلس؛ لأنه اشتغل بما لا يعنيه
ولو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق وعبدي حر تعلقا بالشرط لأنه عطفه على التعليق: لأنه لا يكفيه أن يقول: وعبدي
ولو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق وفلانة طالق طلقت فلانة الحال لأنه يكفيه أن يقول: وفلانة للتعليق فإذا قال: وفلانة طالق فقد أراد التنجيز
ولو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق وعلي المشي إلى بيت الله تعالى وعبدي حر إن كلمت فلانًا، فالطلاق يتعلق بالشرط الأول
والعتاق بالشرط الآخر لأنه متصل به والمشي تعليقه بالأول أولى؛ لأنه بعده والجزاء يكون بعد الشرط
وكذا قوله: إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق وطالق إن كلمت فلانا، فالأول والثاني تعلق بالأول، والآخر بالشرط الآخر
ولو قال: أنت طالق إن دخلت الدار، وعلي المشي إلى بيت الله، وعبدي حر إن كلمت فلانًا، فالمشي تعلق بالشرط الآخر لأنا لو
الجزء 1 · صفحة 62
صرفنا إلى الأول يكون عطف الاسم على الفعل، وأنه لا يحسن، ولوعطف على الاسم لكان ذكر الفعل فاصلا، فصرفنا إلى الآخر
ولو قال: أنت طالق، وعبدي حر غدًا تعلقا بمجئ الغد كما لوذكر شرطًا ولو قال: أنت طالق اليوم وعبدي حر غدًا، فالطلاق في اليوم والعتاق في الغد لما مر في التعليق
ولو قال: أنت طالق إن دخلت الدار وعبدي حر - إن شاء الله تعالى
أو قال: إن شاء فلان، فالاستثناء ينصرف إليهما بالإجماع ولو قال: أنت طالق غدًا وعبدي لم يقع شيء حتى يجيء الغد ثم يخير في التزام أيهما شاء
ولو قال: أنت طالق اليوم وعبدي حر، وعلي المشي إلى بيت الله غدًا، فالمشي في الغد والطلاق في اليوم، وأما العتق ذكر - ها هنا - أنه في الغد
كما لو ذكر مكان اليوم فعلا لأن اليوم فاصل كالفعل هناك، وقال بعضهم: العتاق في اليوم: لأن اليوم اسم فصح عطف الاسم عليه
باب اليمين ما يقع على الواحدة وما يقع على جماعة
أصل الباب على أن كلمة أيّ تتناول واحدة من الجملة نكرة قال الله تعالى): أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا (النمل: ???، والنكرة في الإثبات تخص إلا إذا وصف بصفه عامة فتعمم
قال محمد رحمه الله إذا قال لرجل: أي عبيدي ضربك فهو حر، أو أيّ نسائي كلمتك أو شاءت طلاقها فهي طالق، فضربوه، أو كلمته أو شئن طلاقهن معًا أو على التعاقب عتقوا، أو طلقن لأنه جعل الضرب والكلام، والمشيئة صفة للعبد والمرأة فتعمم
وكذا إذا قال أي نسائي شاءت طلاقها فَطْلِقُها فشئن فطلَّقَهُن طَلَقْنَ
ولو قال: أي عبيدي ضربته أو أي نسائي كلمتها أو شئت طلاقها، فضربهم، أو كلمهن أو شاء طلاقهن على التعاقب عتق الأول، وطلقت الأولى لا غير
وإن فعل ذلك معًا عتق واحد، وطلقت واحدة وخيار التعيين إلى الزوج والمولى لأنه لم يجعل الضرب والكلام والمشيئة صفة للعبد والمرأة فلم تتعمم
الجزء 1 · صفحة 63
ولو قال: من شئت من عبيدي عتقه فأعتقه فأعتقهم عتقوا إلا واحد وخيار التعيين إليه عند أبي حنيفة لأن كلمة من للتعميم، وكلمة من للتبعيض، فقلنا: بأنه يعتق الكل عملا بالتعميم، وقلنا: بأنه لا يعتق واحد عملا بالتبعيض، وعندهما: يعتق الكل وتحمل كلمة مَنْ على التمييزعملا بعموم كلمة مَنْ
ولو قال: من شاء من عبيدي عتقته فأعتقه فشاء واعتقهم فأعتقهم عتق الكل بالإجماع أما عندهما فظاهر، وكذلك عنده: لأن كلمة من وَ إن تتناول البعض لكن البعض وصف بصفة عامة وهي المشيئة فتعمم
باب الحنث في اليمين بعتق ما في البطن
أصل الباب على اليمين بالعتق إنما يصح في الملك أو مضافًا إلى سبب الملك وولادة جارية هي ملكه يوم الحلف سبب لملك الولد ظاهرا.
قال محمد رحمه الله: إذا قال لأمة الغير إن ولدت ولدًا فهو حر فهو باطل لأن ولادة أمة الغير ليس بسبب لملك الولد، وإن كانت أمته صح: لأن ولادتها سبب لملك الولد غالبا
ولو قال لغلام يملكه أو لا يملكه: كل ولد يولد لك فهو حر، فكل ولد يولد له من أمة كانت ملك الحالف يوم حلف ويوم ويوم الولادة عتق: لأن ولادتها سبب لملك الولد ظاهرا
ولو قال: كل ولد يولد لك وأنت في ملكي، هذا والأول سواء لكن يشترط - ها هنا - كون الغلام ملكًا للحالف يوم ولادة أمة الحالف والصحيح: أن المراد ولد الرِّشْدَةِ لا ولد الزنا: لأن ولد الزنا لا ينسب إليه
ولو قال: كل مولود يولد لك في ملكي فهو حر يصح ويعتق كل ولد يولد له في ملك الحالف سواء كانت الأمة ملك الحالف يوم الحلف أو لم تكن: لأنه أضاف العتق إلى الملك نصا
ولو قال لأمته: إن ولدت ولدًا فهو حر فولدت ولدا ميتا ثم ولدت حيا عتق الحي عند أبي حنيفة لأنه أضاف العتق إلى أول ولد يقبل العتق وهو الحي وعندهما: لا يعتق
لأن بولادة الميت انحلت اليمين لا إلى جزاء، ألا ترى أنه لو علق طلاقًا يقع
باب ما يقع العتق على غير المأمور بالعتق وما يقع على المأمور
الجزء 1 · صفحة 64
بناه على أن المعرفة لا تدخل تحت اسم النكرة، وأن الزيادة على الجواب يدل على الابتداء
مثاله: إذا قال لعبده أي عبدي شئت عتقه فهو حر أو قال فأعتقه أو قال: شئت تزويجه فزوجه، لم يدخل المخاطب فيه لأنه صار معرفة بالخطاب، فلا يدخل تحت النكرة
وكذا لو قالت لرجل: زوجني أو زوجني ممن شئت فزوجها من نفسه لا يجوز
ولو قالت لزوجها: تزوجت علي؟
فقال: كل امرأة لي طالق طلقت هذه لأنه يكفيه أن يقول: كل امرأة
تزوجتها عليك، فإذا عمم جميع النساء فقد دل على الابتداء
وكذا لو قالت: تريد أن تتزوج عليّ؟
فقال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق ثلاثًا فطلق المخاطبة ثم تزوجها ثانيًا طلقت ثلاثا لأنه زاد على الجواب وعلى رواية أبي يوسف لا تطلق في المسألتين؛ لأنه يحمله على الجواب
ولو قال: كل امرأة أتزوجها ما دامت حية أو ما دامت فلانة حية أو حتى تموتي أو حتى تموت فلانة فهي طالق ثلاثًا، فالمخاطبة وفلانة لا تدخلان تحت اليمين لأنهما صارتا معرفتين بالخطاب، أو بالاسم والنسب، فلا تدخلان تحت النكرة.
باب الحنث في اليمين التي يكون فيها الاستثناء
أصل الباب: أن كلمة إِلَّا أَنْ للغاية إذا دخل فيما تتوقت كاليمين ونحوه، وللشرط فيما لا يتوقت كالطلاق ونحوه لمناسبة بينهما: لأن حكم ما بعد الغاية تخالف ما قبلها كما أن حكم ما بعد الشرط يخالف ما قبله، وأن التعليق بصفة قلب الغير تمليك يقتصر على مجلس العلم، كقوله: إن شاء أو لم يشأ أو رأى أو لم يَرَ، أَوْ هَوِيَ أو لم يَهْوَ أو أَحَبّ أو لم يُحبّ أو أراد أو لم يُرِدْ وعدم المشيئة تتحقق باختلاف المجلس، فأما مشيئة نفسه أو عدم مشيئة نفسه تعليق محض، وعدم مشيئته لا تتحقق إلا بالموت قال محمد رحمه الله: إذا قال: أنت طالق إن كلمت فلاناً إلا أن يقدم فلان، فكلَّمْته بعد قدومه لم يحنث لأن القدوم غاية لانتهاء اليمين لأنها تتوقت
الجزء 1 · صفحة 65
ولو قال: أنت طالق إلا أن يقدم فلان فهذا تعليق بعدم قدوم فلان، يعني إن لم يقدم فلان: لأن الطلاق مما لا يتوقت فحمل على الشرط كما إذا قال: أنت طالق إلى قدوم فلان يصير كقوله: إن لم يقدم فلان، والعدم لا يتحقق إلا بالموت
ولو قال: أنت طالق إلا أن يبدو لفلان غير ذلك أو إلا أن يرى، أو يشاء غير ذلك، فهو بمنزلة قوله: إن لم يبد لفلان غير ذلك أو لم ير غير ذلك، أو لم يشأ غير ذلك
فإن قال فلان في مجلس علمه بلسانه: بدا لي غير ذلك، أو رأيت غير ذلك برَّ في يمينه
وإن قام عن مجلس علمه قبل أن يقول بلسانه ذلك حنث الحالف في يمينه لأن صفة القلب أمر، باطن، فجعل اللسان خلفا عنه وكذا إذا قال: إن لم يشأ فلان ذلك»، أو لم يُحبَّ أو لم يرض أو قال إن أحبَّ، أَوْ هَوِى أو رَضِي فكله تمليك يقتصر جوابه في المجلس
فإن قال: شئت ذلك في قوله: إن لم يشأ فلان ذلك بر في يمينه
وإن قال لم أشأ حنث الحالف لا بقوله لا أشاء لأن عدم المشيئة لا تتحقق إلا في العمر، لكن لأن المجلس قد بطل باشتغاله بما لا يعنيه
ولو قال إن لم يشأ فلان اليوم، فقال: لا أشاء لم يحنث لأن له أن يشاء في بقية اليوم: لأنه وقته باليوم ولو شاء بلسانه قبل مضي اليوم بر في يمينه
ولو قال: أنت طالق إذا شئت أنا، أو أحببت أو رضيت فليس بتمليك لأن التمليك من نفسه لا يتصور لكونه مالكًا قبله فكان تعليقا
محضًا، وله المشيئة في عُمْرِهِ فإِن قال في عُمْرِ: شئت يقع الطلاق وكذا لو قال: إن لم أشأ فهو تعليق بعدم المشيئة في عُمْرِهِ
ولو قال لا أشاء لا يقع لأن العدم لا يتحقق إلا في العُمْرِ وله أن يشاء فيبر
وكذا لو قال: أنت طالق إلا أن يَبْدُو لي غير ذلك إلا أن أَرَى أوَ أرْضى غير ذلك هو بمنزلة قوله: إن لم يبد لي أو إن لم أرض غير ذلك فهو تعليق، محض فإن قال في عمرة بدى لي أو رأيت غير ذلك بلسانه بر في يمينه
الجزء 1 · صفحة 66
ولو مات الزوج قبل أن يقول بلسانه ذلك طلقت ثلاثاً في آخر حياة الزوج لتحقق العدم سواء بانت ثم تزوجها ومات أو لم يبن حتى مات ويصير فارا إن كانت مدخولا بها حتى تجب العدة
ولو ماتت هي وبقي الزوج لم يقع الطلاق لأن البر مرجو ما دام حيًّا
ولو قال: أنت طالق إن أبَيْتُ أو كرهتُ فقال أبيت أو كرهت أولا أشاء يقع الطلاق لأن الإباء فعل وهو هنا إظهار الكراهة يقال: أبى يأبى فإذا وجد بحده يقع الطلاق بخلاف عدم المشيئة لأنه ليس بفعل ولهذا لا يدخل تحت التصريف والعدم لا يتحقق إلا بالموت
باب: الحنث في اليمين التي تقع على الأولى ثم على الأخرى
أصل الباب: أن كلمة لا بل للرجوع عن الأول ولإثبات الثاني مكان الأول إلا أن الرجوع عن الطلاق الواقع أو المعلق لم يصح وصح إثبات الثاني
قال محمد رحمه الله: إذا قال لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار لا بل هذه للمرأة الأخرى فدخلت الأولى طلقتا، ولا يقع بدخل الأخرى شئ لأن قوله: لا بل رجوع عن الجزاء لا عن الشرط: لأنه للعطف وقوله: «هذه» اسم، والاسم يعطف على الاسم بالاسم
قوله: أنت طالق لا قوله: إن دخلتِ الدار لأنه فعل وعطف الاسم على الاسم أحسن فكان أولى فصار كأنه قال: لا بل هذه طالق إن دخلتِ الدّارَ
فإن قيل: لم لا يجعل رجوعًا عن كله فيصير كقوله: لا بل هذه طالق إن دخلت هي؟
قلنا: لأنه يصير يمينين وأنه قصد يمينًا واحدة ولأن فيما قلناه إضمار قوله: طالق فحسب، وفيما نقول إضمار الطلاق والدخول فكان هذا أولى، فإن نوى الشرط صدق في جعل دخول الثانية شرطًا لطلاق الأولى لأن فيه تغليطًا ولا يصدق في إبطال طلاقهما بدخول الأولى قضاء؛ لأنه تحقيق
وكذا في قوله: أنت طالق إن شئت لا بل هذه فشاءت الأولى طلاق نفسها يقع عليها، وإن شاءت طلاق صاحبتها يقع على صاحبتها، ولا يقع بقولها شئت ما لم تَعْنِ طلاق نَفْسها أو
الجزء 1 · صفحة 67
طلاق صاحبتها لأنه يختلف بخلاف دخول الدار: لأنه لا تحليف ولا تتوقف على مشيئتها طلاقها لأن المشيئة في طلاق الثانية شرط على الانفراد كالأول لأنه قام مقام الأول
بخلاف قوله: إن شئت طلاقك، وطلاق ضرتك لأنه جمع في المشيئة بين طلاقهما فيشترط مشيئتها طلاقهما وكذا لو قال: أنت طالق - إن شاء الله - لا بل هذه فهو عليهما
ولو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، لا بل هذه فهو عليهما ولو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق لا بل زيد فهو على الشرط لأن زيدا ليس بمحل للطلاق ويقع الطلاق بدخول أيهما كان
ولو قال: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق صح رجوعه عن الشرط لأنه لم يتعلق به الجزاء وتعلق الجزاء بدخول الدار الأخرى
ولو قال: أنت طالق إن دخلت الدار لا بل فلانة طالق طلقت فلانة في الحال لأنه كلام تام فلا يربط بما قبله
ألا ترى أنه لو قال: أنت طالق ثلاثًا لا بل فلانة طلقت كل واحدة ثلاثا، ولو قال: لا بل فلانة طالق طلقت فلانة واحدة
ولو قال: أنت طالق لا بل هذه إن دخلت الدار طلقت الأولى الحال، والأخرى حين تدخل الدار لأنه أقام التعليق مقام التنجيز
وكذا لو قال: أنت طالق واحدة لا بل ثلاثًا إن دخلت الدار طلقت الساعة واحدة، وتعلق الثلاث بالدخول إن كانت مدخولا بها
وإن كانت غير مدخول بها بانت بالأولى ولا يصح التعليق بعده إلا إذا قدم
الشرط فقال: إن دخلت الدار فأنت طالق واحدة لا بل ثلاثًا تعلق الكل لأن قوله لا بل ثلاثًا غير مستقل بنفسه فيربط بما قبله ويتعلق الثلاث بالشرط بلا واسطة كالأول، فإذا وجد الشرط وقعن جملة
بخلاف قوله لغير المدخولة: إن دخلت الدار فأنت طالق واحدة وثلاثا فدخلت تقع واحدة: لأن الواو تحتمل الترتيب فلا تقع الثلاث بالشك
الجزء 1 · صفحة 68
باب اليمين في الهدم والكسر
الهدم والنقض للحائط: أن يرفع الحائط بحيث لا يبقى اسم البناء والحائط لأن نَقْضَهُ، ضِدّهُ.
والكسر: رفعُ بَعْضِه، يُقال: رجلٌ مكسور، إذا كسر بعضه، ولا يعتبر برفع مدرَةٍ، ونحوها لأنه خَدْش لا كسر
باب الحنث في اليمين في التي تستثني صنف واحد
أصل الباب: أن المستثنى منه إذا لم يكن مذكورًا يجعل من جنس المستنثى من حيث المذكور وكل ما هو من جنس المستثنى وما يكون أعلى منه يكون داخلا تحت اليمين، وما هو دونه لا يدخل
قال محمد رحمه الله: إذا قال: إن كان في هذه الدار سوى رجل فعبدي محمد حر، وفي الدار رجل معه صبي، أو امرأة، أو فيها رجلان، حنث
وكذا إذا كان في الدار صبي وحده، أو امرأة وحدها حنث لأن فيها غير المستثنى من جنسه لأن بني آدم جنس واحد من حيث الكون
والسكنى في الدار.
فإن نوى الرجل خاصة صُدّق ديانة لأنه يحتمله ولو كان فيها مع الرجل شاة لا يحنث إلا بالنية لأنه تبع في السكنى
ولو قال إن كان فيها إلا شاة وكان فيها حمار أو آدمي حنث لأن الحمار من جنس الشاة في السكنى والآدمي أعلى منها فيدخل بطريق الأولى ولو كان فيها ثوب لا يحنث إلا بالنية: لأنه ليس من جنسه.
ولو قال إن كان فيها إلا ثوب وكان فيها آدمي أو دابة أو آنية حنث.
ولا يدخل في شيء من ذلك سواكن البيوت كـ «الحية والفأرة والخفاش الخنفساء لأنه لا يراد باليمين.
الجزء 1 · صفحة 69
وكذا إذا قال إن كان فيها شيء لا يدخل سواكن البيت فيه ولو قال: إن كنت أملك إلا خمسين درهما ويملك عشرة دنانير أو عرضًا للتجارة أو يملك زيادة على خمسين من مال الزكاة نحو مال التجارة والسائمة يحنث نصابًا كان أو لم يكن: لأن الجنس واحد، وإن ملك خمسين درهما أو أقل منه لم يحنث لأنه مستثنى.
بخلاف الصبي في قوله: إلا رجل لأنه ليس ببعض المستثنى، ولو ملك غير مال الزكاة لا يحنث: لأنه ليس من جنس الدراهم والله أعلم.
باب اليمين في تقاضي الدراهم
أصل الباب: أن الكتابة تنصرف إلى المكنى، وأن الدراهم المستحقة كالزيوف وفيما لا يقبل الفسخ كالعتق والحنْثِ، والبر، وفيما يقبل الفسخ كالستوقة نحو الصرف والسلم.
قال محمد رحمه الله إذا قال لرجل له عليه مائة درهم: إن أخذتها منك اليوم درهما دون در هم فعبدي حر فلم يقبض في اليوم إلا أقل من المائة لم يحنث لأن الشرط أخذ كل المائ في اليوم متفرقا، ولم يوجد ولو قبض خمسين ثم خمسين في مجلس آخر حنث، فإن وجد البعض زيوفًا، أو نبهرجة أو مستحقة فرده في اليوم فالحنث ماض لأن الكل
دراهم فكان من جنس حقه، ألا ترى أنه لو تجوز به جاز، وكذا في الصرف والسلم لو يجوز بالزيوف، والنبهرجة يجوز ثم بالرد لا يرتفع الحنث: لأنه لا يقبل الرفع ولو وجد بعض المائة ستوقا أو رصاصا ولم يستبدله في اليوم لم يحنث لأنه ليس بدراهم فلم يوجد قبض كل المائة في اليوم متفرقا ألا ترى أن المكاتب إذا أدى بدل الكتابة ثم وجده المولى زيوفًا ورده لا يبطل العتق.
ولو حلف لا يفارق غريمه حتى يقضي ما عليه فقضاه زيوفا وفارقه، بر في يمينه ثم بالرد لا يبطل البر، والمستحقة كالزيوف في ذلك بخلاف الصرف، والسلم لأن ثمة إذا وجد البعض ستوقة أو مستحقة بعد الافتراق يبطل الصرف، والسلم بقدره سواء استبدله أو لا، فقد جعل المستحقة كالستوقة في الصرف والسلم: لأنهما يقبلان الفسخ بخلاف العتق والحنث والبر فقه ذلك: أن المقبوض في باب الصرف والسلم جُعل عينَ ما وجب بالعقد حكمًا تحرُّزًا عن الاستبدال، فإذا استحق
الجزء 1 · صفحة 70
بطل القبض من الأصل، أما في الدين، والكتابة المقبوض بدل ما في ذمة المديون والمكاتب وبدل المستحق مملوك فملك المديون والمكاتب ما في ذمتهما فعتق المكاتب وبرئ المديون وحصل الحنث أو البر وأنه لا يقبل الفسخ بعد ذلك
ولو قال: إن أخذت منها اليوم منك درهما دون درهم يحنث بقبض البعض. وكذا إن لم يوقته باليوم لأن شرط الحنث قبض البعض في اليوم أو في العمر: لأن كلمة من للتبعيض، وقد وجد.
فإن قيل: ينبغي أن لا يحنث ما لم يقبض البعض متفرقًا: لأن قوله: درهما دون درهم عبارة عن تعرف ذلك البعض.
قيل له: اسم البعض يتناول أدنى ما ينطلق عليه اسم البعض وذلك لا يحتمل التفرق فصار قوله: درهما دون درهم لتأكيد ما سبق وهو المتعارف، فإن وزن خمسين ودفعه إليه، ثم وزن خمسين أخرى قبل أن يشتغل بعمل آخر لا يحنث استحسانًا: لأنه نقد قبض المائة جملة.
باب الحنث في اليمين التي يكون فيها الوقت بعد الوقت
أصل الباب: أن الشرط إذا اعترض على الشرط ثم ذكر الجزاء يجعل الأول ذكرًا مؤخرًا عن الجزاء، ولو ذكر الجزاء أولاً وذكر الشرطين عقيبه يجعل الأخير مقدمًا لأنه غير متصل بالجزاء فتغييره عن محله أولى قال محمد رحمه الله إذا قال: إن دخلتُ الدارإن كلمتُ فلانًا فامرأته طالق أو إذا كلمتُ أو متى كلمتُ يجعل الدخول اجتزاء فيصير الكلام شرط الانعقاد والدخول شرط الانحلال حتى يشترط قيام الملك في الحالين وينبغي أن يكون الكلام ثم الدخول فإن دخل الدار أولا ثم كلم لا يحنث حتى يوجد الدخول بعد الكلام لأن وجود شرط الانحلال قبل الانعقاد لا يعتبر.
فإن نوى الثاني آخرًا صُدِّقَ ديانة بإضمار حرف الفاء أو بتأخيره عن الجزاء ولا يصدق في القضاء.
ولو ذكر الشرطين بعد الجزاء يصير الآخر مقدمًا على الجزاء ويصير هو شرط الانعقاد إلا إذا نواه آخرًا على ما مرَّ.
الجزء 1 · صفحة 71
وعن أبي يوسف إنْ ذكرَ شَرْطين مُرتبين في العادة كقوله: إن أكلت إن شربت، إن نكحت، إن طلقت، إن دعوتني إِنْ أَجَبْتُ يعتبر الترتيب لأن الترتيب يثبت بالعادة كما يثبت بالنية، ومحمد لم يعتبر العادة وأجراه على إطلاقه.
ولو قال: إن دخلت هذه الدار إن دخلت هذه الدار الأخرى فعبدي حر فدخول الثانية شرط الانعقاد ودخول الأولى شرط الانحلال
ولو قال ذلك في دار واحدة أو فى رجل واحد إن كلمته أو كلمتُهُ القياس يشترط مرتين وفى الاستحسان بالمرة يحنث فعبدي حرا في لأن التكرار لا يفيد فلَغَى ما ليس بمتصل بالجزاء.
ولا يشبه هذا قوله لامرأته أنت طالق ثلاثا وثلاثا إن شاء الله أو إن دخلت الدار أو قال لعبده أنت حر وحر إن شاء الله طلقت وعتق في الحال عند أبي حنيفة لأنه الغى الثاني لأنه غير متصل بالخبر فصار فاصلًا كالسكتة فمنع التعليق ثلاثا.
باب اليمين على مرة أو مرتين
أصل الباب أن اسم الفرد قد يتعمم بإضافته إلى الفعل العام أو بإضافته إلى الاسم العام أو بالعطف على العام وكلمة كل، يوجب عموم الاسم على الانفراد و كلما عموم الفعل.
قال محمد رحمه لله إذا قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق أو كل امرأة لي تدخل الدار فهو على التزوج مرة والدخول مرة في كل امرأة.
ولو قال: كلما دخلت امرأة لي فهو على امرأة تدخل في كل مرة هكذا إلى أن تطلق ثلاثاً ثم لا تبقى اليمين عليها.
ولو قال: كلما تزوجت امرأة فهي طالق تطلق عند كل تزوج مرة بعد مرة أبدًا لأن اليمين في الأولى على حل قائم ولا يبقى ذلك بعد الثلاث وها هنا اليمين على حل ثبت بالتزوج وذلك لم يبطل بالتنجيز.
ولو قال: كل امرأة لي تدخل الدار فهي طالق وعبد من عبيدي حر فدخلن طلقن ولا يعتق إلا عبد واحد يعينه الحال لأن العبيد لم يعطف على قوله: كل امرأة لي لاختلافهما في
الجزء 1 · صفحة 72
الإعراب لكنه عطف على قوله: طالق وقوله: فهي طالق لم تدخل فيه كلمة كل لكنه تعممت ضرورة صَرْفِهِ إلى المرأة التي تعممت بكلمة كل فلا يظهر تعممه فيما عُطِفَ
عليه وهو العبد فبقي اسم فرد منكر في موضع الإثبات فيخص ولو قال: كل جارية لي تدخل الدار فهي حرة وولدها وزوجها وعبد من عبيدي حر فدخلن عتقن ويعتق مع كل واحدة زوجها وولدها لأن الزوج والولد يعمم بحكم الإضافة إلى الجارية التي تعممت ولا يعتق إلا عبد واحد منكر لما مر إلا إذا قال: كلما دخلت جارية فهي حرة وعبد من عبيدي حر بعدد كل جارية عبد لأنه عطف على التي تعممت بـ كلما ولو قال: كل دار أدخلها فعليّ حجة فدخل دارين لم يلزمه حجة واحدة لأن الدخول لم يتعمم بكلمة كل لأنه دخل على الدار وتعمم الدخول ضرورة تعمم الدار فلا يظهر تعممه في حق الجزاء المعلق به.
بخلاف قوله فعلي بها حجة حيث يلزمه بدخول كل دار ـة لأنه وصل الجزاء بقوله بها وهي كناية عن الدار التي تعممت بكلمة كل فيتعمم الجزاء ضرورة حجة.
ولو قال: كلما دخلت دارًا فعلي حجة أو فعليّ بها حجة يلزمه الحجات بعدد الدخلات لأن إيجاب الحج متعلق بشرط عام فتعمم.
ولو قال: كلما دخلت الدار فعلي حجة إن ضربتك فدخل الدار مرارًا وضربه مرة يلزمه بكل دخول حجة.
وكذا لو قال مكان الحج فعليّ نذرأو يمين أو عهد الله أو هو نصراني إن ضربتك تتعدد الكفارة بتعدد الدخول عند الضرب مرة لأن قوله: فعليّ حجة إن ضربتك يمين تام علقت بشرط متكرر فصار قابلا عند كل دخول على حجة إن ضربتك.
وكذا إذا ذكر طلاقًا لأن وجوب الحج والكفارة والطلاق حكم يتكرر فتؤثر دخول كلمة التكرار فيه حتى لا تنتهي اليمين بالحنث إلا في الطلاق إذا تم ثلاثًا.
ألا ترى أنه لو قال: والله لا أقربك يتكرر الطلاق بتكرر المدة إلى الثلاث بخلاف قوله: كلما دخلت الدار فوالله لا أضربك فدخل مرارًا فضربه مرة أو مرارًا لم يلزمه إلا كفارة واحدة ولا تبقى اليمين لأن قوله: كلما دخلت الدار فوالله ليس بيمين ما لم يقل لا أضربك فتم اليمين به والضرب غير متكرر بكلمة العموم والحكم متى علق بشرط متكرر وبشرط غير متكرر لا
الجزء 1 · صفحة 73
يتكرر ولأن الكفارة هاهنا تجب لهتك حرمة اسم الله تعالى المذكور حقيقة وكلمة كلما لا تؤثر في تعدده حقيقة فلم يتعدد الهتك
وكذا إذا قال والله لا أضربك كلما دخلت الدارأو قال كلما دخلت الدار لا أضربك والله ويشترط للحنث الدخول أولا ثم الضرب.
أما في قوله: كلما دخلت الدار فوالله لا أضربك لا يُشكل وكذا فى قوله: والله لا أضربك كلما دخلت الدار لأنه يجعل المؤخر مقدمًا لكونه معترضًا.
ولو قال: كلما دخلت الدار فوالله لا أقربك فدخلها في يومين ينعقد إيلان في حق الطلاق لتعدد الظلم بتعدد المدة، حتى لو مضت مدة من حين الدخول الأول بانت فإذا تزوجها وتمت المدة الثانية من حين الدخول الثاني بانت بتطليقة أخرى وتتَّحدُ اليمين في حق الكفاءة لاتحاد ذكر اسم الله تعالى على ما مرَّ، حتى قربها لا تلزمه إلا كفارة واحدة، ولا تبقى اليمين.
ولو قال: كلما دخلت الدار فعليّ يمين إن قربتك فدخل الدار في يومين انعقد إيلان في حق الطلاق والكفارة لمل مر حتى لوقربها تلزمه الكفارتان، فلو دخل الدار بعد ذلك يصير مؤليا لأن اليمين باقية ولو قال: إذا جاء غد فوالله لا أقربك قاله مرتين، فجاء غد يتعدد حق الكفارة لتعدد ذكر اسم الله تعالى ويتحد في حق الطلاق لاتحاد المدة إلا على قول زفر رحمه الله.
وكذا في قوله: كلما كلمت أحد هذين الرجلين فوالله لا أقربك فکلمهما معًا يتحد في حق الطلاق ويتحد في حق الكفارة، ولو كلمهما في يومين يتعدد في حق الطلاق والكفارة.
وكذا قوله: كلما دخلت واحدة من هاتين الدارين فوالله لا أقربك فدخلهما أو دخل دارًا مرتين يتعدد الإيلاء وتتحد اليمين ولو قال فعليّ يمين يتعدد الإيلاء واليمين على ما مرَّ.
ولو قال: كلما دخلت الدار فأنت طالق ثلاثاً إن قربتك، أو قال فعلي عتق هذا العبد أو هو حر إن قربتك فدخلها مرتين ينعقد إيلان في حق الطلاق.
ولو قربها تطلق ثلاثًا ويعتق العبد أو يجب إعتاقه ولا يتصور تكرار الجزاء هنا.
الجزء 1 · صفحة 74
ولو قال: فعليّ عتق، وعبد من عبيدي حر إن قربتك فقربها يلزمه بكل دخول عتق لأنه حكم متكرر فتؤثر كلمة التكرار فيه حتى لو دخل الدار وقربها لزمه عتق، فلو دخل ثانيًا يصير مؤليًا لما مرَّ.
ولو قال: إن قربتك فأنت طالق كلما دخلت الدار لم يكن مؤليا لما مر.
ولو قال: إن قربتك فأنت طالق كلما دخلت الدار لم يكن مؤليا لأنه يمكنه قربانها من غير حنث لأنه لا يقع الطلاق ما لم تدخل الدار.
فإن قيل: بالقربان يلزمه صيرورته حالفًا: فيلزمه إما ضرر وقوع الطلاق بالدخول، أو فوات السكنى.
قيل له: فوات السكنى ليس بضرر: لأنه منع نفسه عنه مع أنه لا يفوته في الجملة بأن يُدْخَل في الدار بغير أمره، ويتكرر الطلاق بتكرر الدخول بعد القربان: لأن الدخول شرط الانحلال، وأنه عام.
ولو قال: إن قربتك فكل مملوك أملكه فهو حر صار مؤليًا لأن بالقربان يلزمه شيء لا يمكنه دفعه.
ولو قال: إن قربتك كلما دخلت الدار فأنت طالق أو قال: والله لا أقربك كلما دخلت الدار هذا أو ما لو قال: كلما دخلت الدار فأنت طالق إن قربتك، أو قال: فوالله لا أقربك واحد سواء: لأنه معترض فيجعل المقدم مؤخرًا.
باب: الحنث في الحلف
أصل الباب أن التعليق بالمشيئة تفويض وتمليك معنى، وليس بيمين، وكذا التعليق بمجيء وقت السنة، والإضافة: ليس بيمين قال محمد الله: إذا قال: والله لا أحلف أبدا، ثم قال لامرأته: إن كلمت فلانا فأنت طالق، أو حلف بحج، أو عتق، أو نذر، أو قال: إذا جاء غد أو إذا جاء رأس الشهر، أو إذا أهل الهلال وهي من ذوات الحيض، أو قال: إذا حضت فكل ذلك حلف يحنث به وإن كان لا يحصل الحمل أو المنع في بعضها لكن ذلك حكمه شَرْع اليمين والحكم لا يدار على الحكمة.
الجزء 1 · صفحة 75
فأما لو قال: أنت طالق غدًا أو رأسُ الشهر لا يحنث.
وكذا لو قال: أنت طالق إن شئت، أو هويت، أو رضيت، أو أردت، أو أحببت لأنه تمليك بمعنى.
وكذا إذا علق بمشيئة نفسه، وهذا مشكل؟ لأنه ليس بتمليك، ولهذا لا يقتصر على المجلس وهذا لأن هذا تعليق غير مُعتبر متى قال: شئت طلاقك يقع به ابتداء إلا بالكلام السابق ى.
وكذا قوله: إن أردتُ، أو أحببتُ أنا وفيه طعن.
وكذا قوله: أنت طالق إن حضتِ وطهرت، أو حضْتِ حَيْضَة، أو حيضَتين أو ثلاث حيض لأنه ينجز معنى: لأنه تفسير الطلاق السني والعبرة للمفسر.
ولو قال: أربع حيض، أو عشرين حيضة، عن الكرخي أنه يمين لأن بعد الحيضة الرابعة لا يكون وقت السنة.
والصحيح أنه لا يحنث لأنه وقت السنة في الجملة بأن يطلقها للسنة بعد عشرين حيضة.
فإن قيل: في قوله: أنت طالق إذا أمكن أن يجعل تفسيرًا للطلاق البدعي ,
أيضًا قيل له: الطلاق البدعي ممنوع وأبرزه الطلاق في الحيض، والطلاق في طهر جامعها أو طلقها فيه، والثلاث ولا يمكن إثبات الكل للتنافي، وإنما يعني باللفظ ما يصح تحديده به، فأما طلاق السنة فلشيء واحد وهو: طلاق واحد في طهر لا جماع فيه.
وكذا إذا قال لها وهي من ذوات الأشهر: أنت طالق إذا جاء رأس الشهر، أو إذا أهل الهلال لأنه تفسير السني في حقها.
ولو قال: والله الرحمن الرحيم لا أفعل كذا، فهي يمين واحدة لأن الثاني والثالث نعت للأول.
ولو قال: والله، والرحمن والرحيم، والعزيز، والعليم فهي خمسة أيمان إلا في رواية لأن المعطوف غير المعطوف عليه، فإن نوي يمينًا واحدة صحت نيته: لأنه يحتمله بأن يجعل اعتراضًا عن الأولين.
الجزء 1 · صفحة 76
وإن قال: والله والله كانت يمينين فإن في نوادر ابن سماعة.
في قوله: والله والله كانت يمينًا واحدة؛ لأنه أراد به تأكيدا لا كقوله: والله الله فإنه يمين واحدة باتفاق الروايات.
باب اليمين بالخبر والبشارة، والعلم
أصل الباب: على أن مطلق الخبر على الصدق والكذب، والكتابة على الحق والباطل، أما العلم والبشارة ف على الحق لا محالة.
قال محمد رحمه الله: إذا قال: إن أخبرتني، أو كتبت إلي بقدوم فلان فعبدي حر، فأخبره أو كتب إليه قبل القدوم لم يحنث: لأن حرف الباء للإلصاق، وإلصاق الكتابة والخبر بالقدوم لا يكون إلا بعد القدوم.
ولو قال: إن أخبرتني، أو كتبت إلي أن فلانًا قدم فأخبره أو كتب إليه قبل القدوم حنث لان الشرط مطلق الخبر والكتابة.
ولو قال: إن أعلمتني أو بشرتني أن فلانًا قدم فهذا على الصدق وبشرط أن لا يكون الحالف عالمًا قبل الإعلام والبشارة وكذا وقت الحلف أيضًا لأن الإعلام إثبات العلم وذا لا يتصور إلا بالصدق، وأن لا يكون عالمًا قبله وكذلك البشارة لأنها اسم لخبر سار يغير بشرة الوجه وبدون الصدق لا تتغير البشرة من كل وجه لاحتمال ظهور الكذب في الحال.
فإن قيل: إذا كان عالمًا وقت الحلف لم لا يُحمَلُ على الإخبار مجازا لأنه يحتمله ألا ترى أنه لو نوى الإخبار يصدق لأن فيه تغليظا عليه كقوله لعبد أكبر منه هذا ابني يجعل إقرارًا بالحرية مجازا.
قيل له اليمين ها هنا صحيحة بحقيقتها لأن الجهل بعد العلم متصور فلا يتكلف لتحصيل شرط الحنث بخلاف ما ذكر من المسألة.
باب اليمين بالفعل وبالوقت
الجزء 1 · صفحة 77
أصل الباب أن كلمة في إذا قُرن بالفعل تقتضي التعليق به، وأن مجيء الوقت بأوله ومضيه بآخره وأن الوقت يصلح ظرفًا والفعل لاقال محمد رحمه الله إذا قال: أنت طالق في دخولك الدار يتعلق بالدخول.
ولو قال: في الدار طلقت الساعة لأن الدار لا تصلح ظرفًا لأن الظرف ماينتهي المظروف بجانبه وكونها طالقًا لا يقتصر في الدار فصار ذكر الدار لغوًا إلا أنه إذا عنى إضمار الدخول، صُدِّقَ ديانة.
ولو قال: أنت طالق في حيضة أو حيضتك وهي حائض فهذا على حيضة كاملة مستقبلة لأن الحيضة اسم للمرة وذلك بعد الكمال وكماله بدخول الظهر كما في قوله عليه الصلاة والسلام حتى يستبرئن بحيضة.
ولو نوى رؤية الدم يصدق لأنه يحتمله وفيه تغليظ. ولو قال: في حيضتك» تطلق حين ترى أول الدم في المستقبل بشرط أن يمتد ثلاثة أيام، فإن نوى الحال صدق ولأن فيه تغليظا.
ولو قال: ثلاث حيض لم تطلق حتى تطهر من الحيضة الثالثة لأنها جمع الحيضة.
ولو قال: في ثلاث أكلات، أو ضربات لم تطلق حتى تكون لله الثالثة لما مروفي قوله: أنت طالق في مجيء ثلاثة أيام لم تطلق حتى يطلع الفجرمن اليوم الثالث إن قال ذلك ليلًا.
وإن قال ذلك بعد الفجر لم يقع حتى يطلع الفجر من اليوم الرابع لأن اليوم الأول سبق مجيئه بحلف.
ولو قال ذلك في مضي ثلاثة أيام طلقت إذا استكملت ثلاثة أيام بالساعات من حين حلف إلى مثل تلك الساعة قال ذلك ليلا أو نهارا لأن مضي الأيام يحصل ولو قال: في ثلاثة أيام طلقت الساعة حتى تكون طالقا في الأيام كلها.
باب اليمين بالملك والشراء
أصل الباب أن المطلق يتقيد بالعرف.
قال محمد رحمه لله إذا قال: إن ملكت عبدا أو مائتي درهم فهو صدقة أو قال فهو حر للعبد فهو على ملك عبد كامل أو ملك مائتي درهم مجتمعا في ملكه حتى لو ملك نصف عبد
الجزء 1 · صفحة 78
أو مائة وأزاله عن ملكه ثم ملك النصف الآخر لم يلزمه شي لأن في غير المعيَّن يُفيد تقيّد الاجتماع يَقُولُ الرجل مما ملكت في عمرى مائتي أو عبدا وإن ملك ذلك متفرقًا حتى لو كان معينًا بأن قال: هذا حنث ولزمه العتق أو التصدق في النصف الثاني لأنه عرف لا عرف في درهم المعيَّن لغو فإن نوى الاجتماع يصدق ديانة لأنه يحتمله.
وإن قال: إن اشتريت عبدا أو هذا العبد فاشترى نصفه وباعه ثم اشتر النصف الآخر عتق الثاني لأنه عرف في التقييد في الشراء فيجري على إطلاقه فإنه ما يقال: ما اشتريت عشر جوار وإن اشتراهن متفرقا وإن نوى الاجتماع صدق ديانةً.
باب اليمين على أول عبد واستثناء الأوسط
أصل الباب أن الأول اسم لفرد سابق والأوسط اسم لفرد مُتَخَلَّل بين عددين متساويين فمتى استثنى وسطا فكل من دخل في النصف الأول عتق لأنه لا يبقى له احتمال أن يصير وسطا.
قال محمد رحمه الله إذا قال: أول عبد أملكه أو قال: أملكه واحدًا فهو حر فملك عبدين ثم عبدا لم يعتق أحد لأن العبدين ليسا بفردوالعبد ليس بسابق.
ولو قال: أملكه وحده عتق الثالث لأن معناه وحده فى التملك لأن الوحدة صفة المتوحد في الوصف المذكور ألا ترى أنه يقال: اشتراه وحده ولا يقال اشتراه واحدًا.
في قوله: أول عبد أملكه إذا ملك عبدًا ونصف عبد معًا عتق العبد لأن نصف العبد ليس بعبد فلا يزاحمه.
بخلاف قوله: أول كرًا أو ملكه فهو هدي فملك كُرا ونصفًا معا لم يلزمه شيء لأن الكر اسم المقدر وهو أربعون قفيزا فإذا كان أكثر منه فات التقدير.
ولو قال: كل مملوك أملكه فيما أستقبل فهو حر إلا أوسطهم فاشترى ستة أعبد واحدًا بعد واحد عتق الأول كما اشترى لأنه لا يحتمل أن يكون وسطا والثاني حين اشترى والرابع والثالث حين اشترى السادس لأنه دخل في النصف الأول.
الجزء 1 · صفحة 79
ولو اشترى عبدًا ثم عبدا ثم عبدين عتقوا لأنه ليس أحد بوسط ولو قال إلا أولهم فاشترى عبدين معا ثم عبدًا عتقوا لأن أحدًا ليس بأول.
ولو قال: إلا آخرَهُم فاشترى عبداً ثم عبدين معا عتقوا لأن أحدًا ليس بآخر.
باب اليمين تقع بالواحد أو بالإثنين
أصل الباب أن كلمة أو متى دخلت بين نفيين كان المراد بالنفي كليهما كقوله تعالى وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِمًا أَوْ كَفُورًاالإنسان أيولا كفورًا ومتى دخلت بين إيجابين كان المراد أحدهما.
قال محمد رحمه الله إذا قال: والله لا أكلم فلانًا أو فلانا وفلانا، فإن كلم الأول يحنث وإن كلم أحد الآخرين لم يحنث ما لم يكلم الآخرلأنه صار تقديره لا أكلم فلانا ولا أكلم فلانا وفلانا.
ولو قال هكذا كان الجواب فيما قلنا بخلاف قوله هذه طالق أو هذه وهذه، أو قال هذا حر أو هذا وهذا طلقت الثالثة وعتق الثالث في الحال.
وقال الفراء وزفر لا فرق بينهما ولا يقع في الحال شيء ويخير بين أن يوقع على الأول أو على الآخرين لأنه جمع بين الثاني والثالث بحرف الجمع، فصار كقوله هذا حروهذان.
ولو قال: هكذا لا يقع على الثالث في الحال ويخير كذا ها هنا.
وجه ظاهر الرواية: أن في قوله او هذا وهذا لم يذكر له خبرًا فلا يخلو إما أن يجعل خبر الأول وهو قوله: حر خبرًا للثاني على حدة وللثالث على حدة أو يجعل خبرًا لهما جميعًا لا وجه إلى الثاني لأنه يصير كأنه قال أو هذان حر فتعين الأول فيصير كأنه قال: خطأ لغة لأنه هذا حر وهذا حر.
ولو قال: هكذا عتق الثالث في الحال لأنه لم يدخل كلمة أو فيه ويخير بين الأول والثاني كذا هذا ونظيره إذا قال: الفلان علي ألف درهم، أو لفلان وفلان فللثالث نصف الألف ويخير في النصف بين الأول والثاني.
ولو قال لامرأته الحامل كلما ولدت ولدًا فأنت طالق للسنة فولدت ثلاثة أولاد في بطن واحد لم يقع حتى تطهر من النفاس ثم تقع واحدة وتجب العدة ثم تقع أخرى إذا حاضت
الجزء 1 · صفحة 80
وطهرت ثم أخرى إذا حاضت وطهرت وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف لأن عندهما النفاس من الولد الأول فلا يكون وقت السنة، وصار قائلًا عند كل ولادة أنت طالق للسنة لكن تأخر الوقوع إلى مجيء وقت السنة وهو ما ذكرنا.
وعند محمد وزفر طلقت حين ولدت الأول لأن النفاس عندهما من الولد الأخير فتقع طلقة واحدة ووجبت العدة فإذا ولدت الثاني صار موقعا طلقة بائنة للسنة لكن لم تقع في الحال لان عندهما الحامل لا تطلق للسنة إلا واحدة فإذا ولدت الثالث لا يقع بهذه الولادة شيء لأنه وقت انقضاء العدة فإذا تزوجها الآن وقعت الثانية لأنه وقعت السنة.
باب اليمين تقع على واحدة أو على جماعة
أصل الباب أنه متى أضاف شيئًا واحدًا إلى جماعة ولا يتصور وجوده إلا من أحدهم كان المراد وجوده إلا من أحدهم كان المراد وجوده من أحدهم ومثله جائز كقوله تعالى يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ الرحمن مع أن اللؤلؤ يخرج من أحدهما وهو المالح ومتى تُصُوِّرَ منهما يشترط وجوده منهما.
قال محمد رحمه الله إذا قال لامرأتين أو لنسوة إذا ولدتن ولدًا أو حضتن حيضة فأنتن طوالق فهو على ولادة أحدهن وَحَيْض أحدهن حيضة كاملة لأن الولد الواحد والحيضة الواحدة لا تتصور إلا من أحدهن.
فإن قالت أحدهن حضت حيضة إن صدقها الزوج طلقن لأنه طهر حيضها في حقهن بالتصديق وإن كذبها طلقت هي دون غيرها لأنه لم يظهر حيضها في حق غيرها على ما عرف إلا إذا قالت كل واحدة حضت حيضة وكذبهن طلقت كل واحدة: لأن كل واحدة أمينة في حق نفسها، وكذا إذا صدقهن: لأن الطلاق لا يتكرر بقوله: إذا.
ولو قال: كلما حضتن حيضة فأنتن والق فكذلك شرط طلاقهن حيضة واحدة منهن لكن ها هنا يتكرر الطلاق بتكرر الحيضة والحيضة من كل من أخبرت يظهر في حقها بخبرها وفي حق غيرها لا يظهر إلا بتصديق الزوج فإن قالت إحداهن حضت حيضة فإن صدقها طلقن لما مرَّ وإن كذبها طلقت المكذبة لا غير.
الجزء 1 · صفحة 81
وإن قالت كل واحدة حضت حيضة وكذبهن الزوج طلقت كل واحدة واحدة لأنه ظهر في حق كل واحدة حيضة واحدة وهي حيضتها بخبرها.
وإن صدقهن طلقت كل واحدة ثلاثًا لأنه ظهر في حق كل واحدة حيضها بخبرها وحيض صاحباتها بتصديق الزوج فتكرر شرط وقوع الطلاق على كل واحدة.
وإن صدق واحدةً منهن طلقت المصدقة واحدة لأنه لم يظهر في حقها حيض صاحبتها وطلقت كل واحدة من المكذبات ثنتين ثنتين طلقة بحيضها، وطلقة بحيضة المصدقة: لأن ذلك ظهر في حق المكذبات بتصديق الزوج.
وإن صدق الثنتين منهن طلقت المصدقتان كل واحدة ثنتان ثنتان طلقة بحيضها وطلقة بحيض صاحبتها، وطلقت المكذبتان كل واحدة ثلاثاً ثلاثا لأنه ظهر في حق كل واحدة حيضها بخبرها وحيض المصدقتين بتصديق الزوج وإن صدق ثلاثا طلقن ثلاثاً لما مر.
ولو قال لامرأتين: إذا ولدتما، ولدين، أو حضتما حيضتين فأنتما طالقان لم يقع شيء حتى تلد كل واحدة ولدًا، أو حاضت كل واحدة حيضة لأنه قابل الجمع بالجمع وعلى قول أبي يوسف: ينبغي أن تلد كل واحدة ولدين كقوله إن دخلتما هاتين الدارين على ما مرَّ.
ولو قال: إن أكلتما هذا الرغيف فعبدي حر فهو على أكلهما سواء كان على التفاوت أو على السواء.
ولو قال لأربع نسوة إن حضتن فأنتن طوالق، فهنا شرط الوقوع على كل واحدة ظهور حيضهن جميعًا في حقها فإن قلن: حضنا، فإن صدقهن طلقن وإن كذبهن أو ثلاثاً أو ثنتين لم يقع شيء لأن حيض كل مكذبة لم يظهر في حق صاحباتها وإن صدق ثلاثا طلقت المكذبة لأنه تم الشرط في حقها لأنه ظهرحيضها بخبرها وحيض صاحباتها بتصديق الزوج.
ولو قال لامرأتين كلما ولدتما ولدًا فأنتما طالقان فولدت إحداهما ثم ولدت الأخرى ثم ولدت الأولى ثم ولدت الأخرى وبين كل ولدين يوم طلقت الأولى ثنتين والأخرى ثلاثاً لأنه لما ولدت الأولى ولدًا طلقتا ووجب عليهما العدة فإذا ولدت الأخرى ولدًا طلقت الأخرى طلقة لأنهما معتدتان لأن في بطن كل واحدة ولدًا فإذا ولدت الأولى ولدًا آخر لا يقع عليها
الجزء 1 · صفحة 82
شيء لأنه حال انقضاء عدتها ويقع على الأخرى طلقة أخرى بهذه الولادة لأنها معتدته إذ هي حبلى وتم الثلاث عليهما فإذا ولدت الأخرى ولدًا آخر انقضت عدتها.
وإن كان الولدان لكل واحدة في بطنين طلقت الأولى ثنتين والأخرى واحدة لأنه لما ولدت الأولى ولدًا طلقتا ووجب عليهما العدة فإذا ولدت الأخرى انقضت عدتها إذ ليس في بطنها ولد آخر فلم يقع عليها بولادتها شيء ويقع على الأولى طلقة أخرى لأنها منكوحته لأن
العلوق الحادث جعل رجعة ثم تنقضي عدتها بالولد الثاني لأن الطلاق وقع عليها وهي حامل وولدي الأولى ثابت النسب وكذا الولد الأول من الأخرى ولا يثبت نسب ولدها الثاني والله أعلم بالصواب
باب الحنث في اليمين التي تقع حين يتكلم والتي لا تقع حتى يكون الذي حلف
أصل الباب أن الشيء الواحد يصلح شرطا للحنث في اليمينين. قال محمد رحمه لله إذا قال لامرأته إذا ولدت ولدًا فأنت طالق واحدة وإن كان الذي تلدينه غلامًا فأنت طالق ثنتين، فولدت غلامًا طلقت ثلاثاً باليمينين لأنها ولدت ولدًا والذي ولدت غلام.
ولو قال: إذا ولدت فأنت طالق ثنتين»، ثم قال: إن كان في بطنك غلام فأنت طالق واحدة، فولدت غلامًا لأقل من ستة أشهر من وقت الحلف طلقت واحدة لأن الشرط فى اليمين الثانية كون ما في البطن
غلامًا وقد ظهر أنه كان غلامًا فطلقت من حين حلف ووجبت العدة فإذا ولدت انقضت عدتها فلا يقع باليمين الأولى شيءبخلاف الأول لأن ثمة الشرط ولادتها غلامًا فيقع بعد الولادة نظيره إذا قال إن كان الذي يدخل هذه الدار اليوم رجلًا فعبدي حر فدخل رجل آخر النهار ثبت العتق وقت الدخول حلف.
ولو قال: إن كان الذي في هذه الدار رجل فعبدي حر فعلم آخر النهار أنه كان فيها رجل وقت الحلف ثبت العتق من حين بخلاف قوله: أنت طالق قبل قدوم فلان بشهر فقدم فلان بعد شهر حيث يقع مقصورًا على القدوم وكذا في قوله إن كان في علم الله أن فلانًا يقدم إلى شهر فعبدي حر» فقدم فلان بعد شهر يقع العتق مقصورًا على القدوم لأن القدوم ها هنا.
الجزء 1 · صفحة 83
ليس بكائن لا محالة فكان القدوم موجدًا للشرط فيقع مقصورًا عليه، وكذا علم الله بالقدوم لم يعرف إلا بالقدوم أما ها هنا كون الغلام في البطن يعرف بأمارات في الجملة والولادة كائنة لا محالة فكان ظهورًا من كل وجه.
ولو قال: أنت طالق قبل أن تحيضي حيضة بشهر، أو قبل أن تحيضي نصف حيضة بشهر لم تطلق حتى ترى الدم ثلاثة أيام بعد شهر، ولا يتوقف على الطهر لأن الحيضة ليست بشرط، وإنما موجد للشرط وليس لما زاد على الثلث أثر في إيجاد الشرط وهو شهر قبل الحيضة ويقع مقصورًا على رؤية الدم.
ولو قال: إذا حضت نصف حيضة فهو كقوله: إذا حضت حيضة» لأنها لا تتجزأ، فذكر بعضه كذكر كله.
وقال زفر: إذا حاضت خمسة أيام يقع: لأنها نصف بيقين إلا أنا نقول: يحتمل أنه عنى به النصف طويلا فلا يقع بالشك.
ولو قال: إذا حضت نصف حيضة فأنت طالق، وإذا حضت النصف الآخر فأنت طالق فإذا حاضت وطهرت طلقت ثنتين بمنزلة ما لو حلف على الحيضة مرتين ولو قال في النهار لا أكلم فلانًا يوما لم يكلمه حتى تجيء تلك الساعة من الغد لأن اليوم المُنكَر يتناول يوما كاملا، وذلك يضم البعض من اليوم الثاني إليه، ويدخل الليلة فيها ضرورة: لأن المطلق يتناول جميع العمر فكان ذكر اليوم لإخراج ما وراءه.
وفي النوادر: أنه لا تدخل الليلة؛ لأن اليوم المفرد لا يتناول ليلته.
وإن قال ذلك في الليل لم يكلمه حتى تغرب الشمس من الغد: لأنه أمكن تکميل اليوم بدون ضم شيء آخر لكن يدخل فيها الليل من حين حلف، لما مر، إلا رواية وإن ذكر يومين فهو على مثل تلك الساعة من اليوم الثالث، إن قال ذلك في النهار وإن قال ذلك في الليل فإلى مثل تلك الساعة من الليلة الثالثة.
باب اليمين على الدخول واللَّبيس
الجزء 1 · صفحة 84
أصل الباب: أن الصفة في المعين لغو إلا إذا كانت داعية إلى اليمين، وفي غير المعين معتبرة: لأنها تفيد التعريف وأن اليمين متى زالت يزول اسم الذات، ثم عاد الاسم إن عاد لا بصنعة تعود اليمين، وإن عاد بصنعة لا تعود اليمين: لأنه عين أخرى غير الأول.
قال محمد رحمة الله: إذا حلف لا يدخل هذه الدار فخربت فصارت صحراء فدخلها، أو بنيت دارًا فدخلها، حنث لأنه لم يزل عنها اسم الدار بحال، يقال: دار خربة والبناء، صفته، وأنها غير داعية إلى اليمين فيكون لغوًا فى المعي.
حتى لو قال دارًا لم يحنث في الخربة لأن الصفة معتبرة، وفي المعين إذا جعلها مسجدًا، أو بستانًا، أو حمامًا أو بيتًا فدخلها لم يحنث لزوال اسم الدار.
كذا إذا صارت صحراء بعد المسجد والحمّام ونحوه: لأنها دار أخرى حدثت بالصنعة بعد زوال اسم الدار.
وكذا لو حلف لا يدخل هذا المسجد، فهُدِم وبني دارًا، ثم أعيدت مسجدا أو لا يلبس هذه الملحفة، فقطعه قميصًا وخاطه ثم نقضه وجعله ملحفة.
أو لا يركب هذه السفينة فنقضها وصارت خشبًا ثم جعلها سفينة أو لا يلبس هذه الخزة فنقضها ثم أعيدت: لأن بعد النقض تحتاج إلى الغزل.
أو لا يجلس على هذا البساط فقطع فخيط خُرْجًا ثم نقض فجعله بساطا لم يحنث لأنه عاد بالصنعة بعد زوال الاسم. حتى لو خيط جانباه من غير قطع وصار خرجا ثم فتقَهُ فعاد بساطا فجلس عليه حنث: لأنه عين الأول.
وكذا إذا حلف لا يلبس هذه الملحفة فخيط جانباه وجعل لها جيب و ب وكمان فلبست لم يحنث، فإن نزع الكمان وفتق جانباه فلبست حنث لأنه عاد بنقض الخياطة لا بصنعة حادثة.
ولو حلف لا يكلم هذا الصبي أو هذا الشاب فصار شيخًا فكلمه حنث لأن هذه صفة غير داعية إلى اليمين فكان لغوا، واسم الدار لم يتبدل: لأن الصبي والشاب حال وصفة. بخلاف ما إذا حلف لا يأكل هذا الرطب فصار تمرًا لم يحنث بأكله لأن الصفة داعية إلى اليمين فتقيدت به ولو حلف لا يدخل هذا البيت فخرب لا تبقى اليمين لأن اسم البيت لم يبق.
الجزء 1 · صفحة 85
باب اليمين في المساومة
أصل الباب: أن دلالة الغرض معتبرة إذا كان اللفظ يحتمله، فأما إذا لم يحتمله فلا.
قال محمد رحمه الله: إذا حلف لا يشتري هذا الثوب باثني عشر درهما فاشتراه بثلاثة عشر درهما حنث لأن غرضه أن لا يلتزم اثني عشر بمقابلة هذا الثوب أو لا يختار هذا الثوب على اثني عشر، واللفظ يحتمله لأن الشراء إيثار الشيء على الشيء، قال الله تعالى: (اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى) البقرة: 16؛ أي آثروا وقد آثر الثوب على اثني عشر وزيادة.
ولو اشتراه بأحد عشر درهمًا ودينار أو ثوب لا يحنث لأنه لم يلتزم ولم يؤثر الثوب على اثني عشر درهما: لأن اسم الدرهم لا يحتمل الدينار والثوب. ألا ترى أنه لو اشتراه باثني عشر دينارًا لم يحنث في يمينه ولو حلف لا يبيعه بعشرة دراهم فباعه بأحد عشر أو بتسعة مفردة أو بتسعة ودينار لم يحنث أما بأحد عشر لأن غرضه أن يبيع بالزيادة وقد باع، وأما بتسعة مفردة أو بتسعة ودينار: لأن البيع بعشرة دراهم لا يحتمله
وكذا لو حلف لا يبيعه بعشرة دراهم حتى يزيده فهو على ما وصفنا فأما إذا حلف لا يبيعه بعشرة دراهم إلا بالزيادة أو إلا بأكثر فباعه بتسعة دراهم حنث لأن العشرة عن المستثنى منه حوّلت إلى المستثنى حتى لا يكون استثناء الأنواع من نوع واحد: لأنه محال فيصير كأنه قال: لا أبيعه إلا بالزيادة على عشرة دراهم فبقي البيع بما وراء الزيادة على عشرة داخلًا تحت اليمين فيحنث.
وإن باعه بتسعة ودينار القياس: أن يحنث لأنه ليس تبعًا بالزيادة على عشرة دراهم أو بأكثر: لأن الزيادة من جنس المزيد عليه في الاستحسان: لا يحنث لأن الدراهم والدنانير جنس واحد من حيث الثمنية فجاز أن يتكثر به الدراهم ويزداد.
فإن قيل: على هذا ينبغي أن يحنث فيما إذا حلف لا يشتري باثني عشر در هما فاشتراه بأحد عشر ودينار.
قيل له: ما ذكر ثمة أنه لا يحنث جواب القياس، أما في الاستحسان يحنث.
ثم الفرق: أن شرط البر ها هنا - البيع بأكثر أو بأزيد من عشرة دراهم مطلقا سواء كانت الكثرة بالدراهم أو بالدنانير وقد وجدت إما في تلك المسألة الحنث تعلق بالتزام اثني
الجزء 1 · صفحة 86
عشرة درهما وبالشراء بأحد عشر ودينار وإن صار ملتزمًا أكثر من أحد عشر لكن لا من الدراهم: لأن الدينار لا يصير
درهما بحال والحنث تعلق بالكثرة بالدراهم واللفظ مراعى في هذا الباب) ولو باعه بتسعة دراهم وثوب ينبغي أن يحنث لأن الدراهم لا تتكثر بالثوب: لأنه ليس من جنسه.
ولو حلف لا يشتري بعشرة دراهم حتى ينقصه أو لا يشتري بعشرة دراهم إلا بأقل فاشترى بتسعة ودينار لم يحنث لأنه ليس التزام عشرة دراهم.
قيل: هذا جواب القياس، أما في الاستحسان: يحنث على ما مر.
رجل ساوم رجلًا عبدًا بخمسمائة، فقال البائع: هو حر إن حططت عنك من الألف ثم باعه بخمسمائة حنث وعتق العبد قبل المشتري أو لم يقبل لأن غرضه أن لا ينقص من الألف وقد نقص.
ولو قال: هو حر إن حططت من ثمنه شيئًا فباعه بخمسمائة لم يحنث إلا أن يحط من الثمن بعد قبول المشتري لأن الثمن اسم للواجب بالعقد.
ولو حط بعد قبول المشتري لا يعتق العبد لأنه زال عن ملكه قبله إلا إذا كان الجزاء عتق عبد آخر.
ولو وهبه بعض الثمن فهو حط سواء كان قبل قبض الثمن أو بعده لأنه خط، أما قبل القبض فلا يشكل، وكذلك بعد القبض: لأن الثمن دين وبعد القبض وإن صار عينًا، ولكن إنما صار عينًا في حق انقطاع المطالبة، أما في حق الهبة بقي دينًا، وإذا صح الحط يجب على البائع رد المحطوط.
وأما إذا أبرأه عن بعض الثمن إن كان قبل القبض فهو حط، وإن كان بعد القبض فلا: لأنه يحتمل إبراءً قبض واستيفاء فلا يحنث بالشك وإن حط كل الثمن أو وهبه كله لم يحنث لأن الحط تنقيص، وهذا بخلافه.
ألا ترى أن البائع لو حط بعض الثمن يأخذ الشفيع بما وراء المحطوط لالتحاقه بالعقد، ولو وهب كل الثمن يأخذ بجميع الثمن لأنه لا يلتحق بأصل العقد.