الجزء 1 · صفحة 7
مختصر الطحاوي
للإمام الكبير أبي جعفر أحمد بن محمد سلامة الأزري المصري الطحاوي (ت321هـ)
اعتنى به: لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
قال أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزدي المعروف بالطحاوى بحمد الله أبتدى و إياه أستهدى وأسأله أن يصلى على محمد عبده ورسوله وخيرته من خلقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
أما بعد فقد جمعت في كتابي هذا أصناف الفقه التي لا يسع جهلها ولا التخلف عن علمها وبنيت الجوابات عنها من قول أبي حنيفة النعمان بن ثابت ومن قول أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن خنيس بن سعد بن حبتة الأنصارى و من قول محمد بن الحسن الشيباني التماسا للثواب من الله عزّ وجلَّ في تقريب ذلك على ملتمسى تعليمه والله أسأل التوفيق والتسديد. فأول ما أبتدىء بذكره من ذلك الطهارات إن شاء الله تعالى.
كتاب الطهارة
باب ما يكون به الطهارة
قال أبو جعفر قال أبو حنيفة لا طهارة إلا بالماء أو بالصعيد في غير الأمصار وفى غير القري إذا عدم الماء أو بنبيذ التمر خاصة دون ماسواه من الأنبذة في غير الأمصار وفى غير القرى.
ووافقه على ذلك كله أبو يوسف إلا في نبيذ التمر فإنه قال لا يتوضأ به كما لا يتوضأ بما سواه من الأنبذة. قال أبو جعفر و به نأخذ. ووافقهما محمد بن الحسن في ذلك كله إلا في نبيذ التمر فإنه قال يتوضأ به ثم يتيمم. وليس لما اعتصر من الشجر والتمر فى ذلك حكم الماء.
وما خالط الماء مما سواه فغلب عليه صار الحكم له لا للماء وإن لم يغلب عليه كان الحكم للماء لا له. وما توضىء به من المياه أو اغتسل به منها أو تبرد به منها فقد صار مستعملا لا يجوز التوضو به ولا الاغتسال به.
وإذا وقعت نجاسة في الماء فظهر فيه لونها أو طعمها أو ريحها أو لم يظهر ذلك فيه فقد نجسته قليلا كان ذلك أو كثيراً إلا أن يكون بحراً أو ما حكمه حكم البحر وهو ما لا يتحرك أحد أطرافه بتحريك ما سواه من أطرافه.
وكل بئر وقعت فيها فأرة أو عصفورة فماتت ولم تنتفخ ولم تنفسخ أخرجت منها واستقى منها عشرون دلواً فكانت طهارة لها وإن وقعت فيها سنور أو دجاجة فماتت ولم تنتفخ ولم تنفسخ أخرجت
الجزء 1 · صفحة 9
واستقى منها أربعون دلواً فكانت طهارة لها.
وإن وقعت فيها شاة فماتت فانتفخت أو لم تنتفخ أو تفسخت أو لم تنفسخ نزحت كلها حتى يغلب الماء فيكون ذلك طهارة لها وما انتفخ أو تفسخ من الفأرة أو العصفورة أو من الدجاجة أو من السنور نزحت البئر كلها فكان ذلك طهارة لها. وما مات فى الماء القليل مما ليست له نفس سائلة كالزنابير ونحوها لم يفسد الماء بذلك وما وقع فيه من حوت لم يطف قبل ذلك في بحر أو من جرادة ميتة لم يفسده.
وسؤر كل طائرٍ مأكولٌ لحمه طاهر غير مكروه غير سور الدجاجة المخلاة فإنه مكروه. وسؤر كل طائر مكروه أكل لحمه مكروه. وسؤر الدواب المأكول لحمها طاهر. وسؤر الدواب المحرم أكلها وهى الخنازير حرام. وسور ماسواها فى حكم لحومها فما كان منها لحمه طاهر مأكول فسوره كذلك وما كان منها مكروه لحمه فسوره كذلك. وما ولغ ممالا يؤكل لحمه منها في إناء فيه ماء أهريق ذلك الماء وغسل الإناء حتى يطهر ولا وقت في ذلك عندهم. ومن كان معه في سفره إناء ان فيهما ماء وأحد مائهما نجس واشتبها عليه خلط ماءها وتيمم. ولا يستعمل التحرى إلا فى ثلاثة أوان أو أكثر منها.
باب الآنية وجلود الميتات سوى الخنزير
قال أبو جعفر وإذا دبغ الإهاب مما ذكرنا بما يرفع به حكم الميتة ويعيدة إلى حكم الأهب من القرظ وسائر ما يدبغ به سواه فقد صار حلالا وصار ثمنه خلالا وجاز التوضؤ فيه والصلاة عليه. وكل إناء غير الذهب والفضة فغير مكروه في شيء من ذلك. وصوف الميتة وعظامها وعصبها وعقبها وشعرها كجلدها فيما ذكرنا.
باب السواك وسنة الوضوء
والسواك سنة والطهارة بالماء من الأحداث كلها بلانية جائز والمتطهر كذلك أن يصلى بطهوره - مالم يحدث - ما شاء من الفرائض والنوافل. والوضوء ثلاثاً ثلاثاً أفضل ما توضيء به والوضوء مرتين مرتين دون ذلك في الفضل والوضوء مرة مرة دون ذلك كله في الفضل وذلك كله جائز.
والبياض الذي بين العذار و بين الأذن من الوجه. وما زال عنه الشعر من الرأس فحكمه حكم الرأس لا حكم الوجه. ومسح مقدار الناصية من الرأس جاز والأذنان من الرأس يمسحهما مقدمهما ومؤخرها بالماء الذى يمسح به الرأس. وعلى المتوضى غسل مرفقيه وكبيه في الوضوء. ومن والى وضوءه أو فرقه أو قدم شيئاً منه على شيء لم يضره. ومن ترك مسح أذنيه والمضمضة والاستنشاق في الوضوء حتى
الجزء 1 · صفحة 10
صلى كان مكروها وكان مأموراً بإعادة ما ترك من ذلك لما يستأنف ومن ترك شيئاً من ذلك في طهور من جنابة حتى صلى غسل ما ترك من ذلك وأعاد صلاته. ولا يقرأ الجنب ولا الحائض الآية التامة ولا يحمل المصحف مباشراً لحمله بيده إلا طاهراً ولا بأس أن يحمله بغلافته وهو غير طاهر.
باب الاستطابة والحدث
قال أبو جعفر ليس على من نام أو أحدث حدثاً سوى الغائط والبول استنجاء والاستنجاء من البول والغائط سواء. ومن استنجى بأحجار أو ماسواها من الأشياء الطاهرة فأنقى أجزأه ولا محدد في ذلك لا يجزئ أقل منه. وما عدا وما عدا من البول الغائط مخرجه فكان أكثر من قدر الدرهم لم يطهر إلا بالماء أو بما يغسله ومن كغسل الماء. وما خرج من قبل أو دبر أو فم بعد أن يملأه أو مما سوى ذلك من البدن نقض الوضوء غير البلغم فإنه لا ينقض الوضوء في قول أبي حنيفة و محمد بن الحسن وإن ملأ الفم وينقضه فى قول أبي يوسف. قال أبو جعفر و به نأخذ. وماخرج من الدم من أى موضع ما خرج من البدن فزال عن مخرجه نقض الوضوء. ومن غلب على عقله بغير النوم فعليه الوضوء. ومن نام جالسا أو قائما فلا وضوء عليه ومن نام مستنداً إلى شيء لو أزيل لسقط كان عليه الوضوء. ومن نام قائما أو على ما سوى الحالين الأوليين اللتين ذكرنا ألا وضوء عليه فيهما فعليه الوضوء ولا وضوء على من مس شيئا من بدنه ولا من بدن غيره بمس فرج ولا بما سواه. ومن أيقن بطهارة فلا يزول عنها بشك في حدث ومن أيقن بحدث فلا يزول عنه بشك في طهارة. ومن أنزل بشهوة بغير جماع من رجل أو امرأة فعليه الغسل
ومن غابت حشفته في فرج فعليه الغسل وإن لم ينزل. ومن غاب ذلك في فرجه فهو كذلك أيضا في وجوب الغسل عليه. و إذا انقطع دم الحائض عنها فعليها الغسل وكذلك النفساء ولاغسل من جهة الفرض سوى ما ذكرنا. ومن أراد الاغتسال من جنابة أو من حيض ومن نفاس غسل ما به من الأذى ثم توضأ وضوءه للصلاة ثم أفاض الماء على رأسه وسائر جسده إفاضة يصل بها الماء إلى شعره وبشره ولا بد له في ذلك من المضمضة والاستنشاق. ولا يجب له أن يغتسل من الماء بدون الصاع ولا يتوضأ منه بأقل من المد و إن أسبغ الوضوء والاغتسال بدونهما أجزأه. والصاع في قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن ثمانية أرطال بالبغدادي نما يستوي كيله ووزنه. قال أبو جعفر و به نأخذ. وفى قول أبي يوسف خمسة أرطال و ثلث رطل بالبغدادى مما يستوى كيله ووزنه. ولا بأس بأسار بني آدم من مسلميهم و مشركيهم ذكورهم و إنائهم طاهريهم وحيضهم ومن سوى ذلك منهم.
الجزء 1 · صفحة 11
باب التيمم
قال أبو جعفر ويقيم في غير الأمصار والقرى إذا أعوز الماء. والتيمم أن يقصد إلى صعيد طيب فيضرب بيديه عليه ثم ينفضهما فيمسح بهما وجهه ثم يضرب بهما ضربة أخرى ثم ينفضهما فيمسح يمناه إلى المرفق من ذراعيه على أصابع يده اليسرى وعلى ظاهر راحته حتى يبلغ مرفقه اليمني ثم يمر باطن إبهامه اليسرى على ظاهر إبهامه اليمنى ويفعل في يده اليسرى كذلك. و إن تيمم من موضع من الأرض غير طاهر لم يجزئه وكل شيء تيمم به من تراب أوطين أو جص أو نورة أو زرنيخ أو مما يكون من الأرض سوى ذلك فإنه يجزئه في قول أبي حنيفة ومحمد ابن الحسن وهو قول أبي يوسف القديم. وروى عنه أصحاب الإملاء أنه قال الصعيد هو التراب خاصة لا ما سواه.
قال أبو جعفر و به نأخذ ومن كان به جرح يضر به الماء في مكان من جسده ووجب عليه الغسل غسل سائر جسده سواه ولم يكن عليه أن يتيم مع ذلك وكذلك إن كان في غير موضع من جسده إلا أن يكون في أكثره فيقيم ولا يغسل بقية جسده. ومن وجب له أن يقيم الإعواز الماء أو املة ببدنه فتيمم كان على تيممه ما لم يحدث أو يجد من الماء ما لو وجده فى البدء لم يتيم. ومن خاف العطش وأعوز الماء إلا مقدار ما يطهره تيم واحتبس الماء لنفسه. ولا ينبغى لمن أعوز الماء وهو مسافر إذا كان يرجو وجوده أن يعجل بالتيمم ما كان في الوقت سمة فإذا بلغ آخر الوقت إلا مقدار التيمم والصلاة تيم وصلى وإن كان لا يرجو وجود الماء إلى خروج الوقت تيم في أول الوقت وصلى كما يفعل في الوضوء. ومن تيمم ثم وجد الماء قبل دخوله في الصلاة أو بعد دخوله فيها قبل أن يقعد مقدار التشهد في آخرها انتقضت طهارته وتوضأ واستأنف الصلاة وإن وجده بعد ما قعد في صلاته مقدار التشهد فإن أبا حنيفة كان يقول هذا وما قبله سواء. وقال أبو يوسف ومحمد هذا يخرج به من الصلاة ولا يجب عليه أن يعيدها ويتوضأ لما يستأنف. قال أبو جعفر وبه نأخذ. ولا بأس بالمسح على الجبائر والمسح عليها كالغسل لما تحتها وسواء شدها وهو على طهارة أو وهو محدث ولا يشبه ذلك المسح على الخفين. ولو سقطت جبائره عن غير برء كانت طهارته على حالها وإن كان سقوطها عن برء غسل مكانها ولم يجزئه إلا ذلك.
باب المسيح على الخفين
قال أبو جعفر وإذا أدخل الرجل رجليه فى خفيه على طهارة من رجليه وقد كمل وضوءه قبل ذلك أو لم يكمله ثم كمله بعد إدخاله رجليه في خفيه قبل أن يحدث فإنه إن أحدث بعد ذلك مسح عليهما يوما
الجزء 1 · صفحة 12
وليلة إن كان مقيما وثلاثة أيام ولياليها إن كان مسافراً من الحدث إلى الحدث ثم يخلع خفيه ويغسل قدميه. ولو دخل في المسح وهو مقيم ثم سافر قبل أن يكمل وقت مسح المقيم عاد إلى حكم وقت المسافر. ولو كان دخل في المسح وهو مسافر ثم أقام فإن كان قد بقى عليه من قت مسح المقيم منذ كان وقت حدثه مسح إلى انقطاع ذلك الوقت إلى انقطاع ذلك الوقت ثم خلع خفيه. وإن كان لم يبق من وقت مسح المقيم المقرشي شيء خلع خفيه. ومن خلع خفيه أو أحدهما أو أخرج عقبه من موضعه من خفه حتى صار في ساقه كان عليه أن يغسل رجليه جميعا ولا ينقض ذلك بقية وضوئه. والمسح على الجوربين إذا كانا مجلدين كالمسح على الخفين سواء وإن كانا غير مجلدين وهما صفيقان لا يشفان فإن أبا حنيفة قال لا أمسح عليهما. قال أبو جعفر وبه نأخذ وقال أبو يوسف ومحمد يمسح عليهما وإن كان في أحد الخفين خرق فى موضع واحد أو فى مواضع مختلفة منه فإن كان مقدار ما يخرج من ذلك ثلاث أصابع فصاعداً لم يمسح عليه وإن كان دون ذلك مسح عليه. والمسح على الخفين خطوط بالأصابع يبتدىء من مقدم القدم حتى يبلغ إلى آخر العقب والرجل والمرأة في ذلك سواء.
باب الحيض
قال أبو جعفر ويستمتع من الحائض بما عدا منزرها ويجتنب ما تحته في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وبه نأخذ. وقال محمد يجتنب منها شعار الدم ولا بأس عليه بما سواه مما هو حلال منها في غير الحيض. وإذا انقطع حيضها لم يصبها حتى تغتسل. وإذا استحاضت تركت الصلاة أيام حيضها ولم ينظر في ذلك إلى أيام غيرها من نسائها ولا إلى لون دمها فإذا مضت أيامها اغتسلت وتوضأت لكل وقت صلاة ما كانت في استحاضتها حتى تأتى أيام حيضها فتعود إلى حكم الحائض ولزوجها إصابتها في أيام استحاضتها وتصلى فيها وتصوم وتقرأ القرآن وتطوف بالبيت و إن كانت لا أيام لها وإذا ابتدأت مستحاضة أمسكت عن الصلاة أكثر الحيض وهو عشرة أيام ثم اغتسلت وكان حكمها فيما بعد حكم المستحاضة حتى يأتى أيام مثل أيامها التي رأت فيها الدم من الشهر المستقبل فيكون حيضها على الأغلب من حيض النساء في كل شهر مرة ومقداره عشرة أيام ومقدار طهرها عشرون يوما. وأقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام. والصفرة والحمرة والكدرة في أيام الحيض حيض في قول أبي حنيفة ولا تكون الكدرة في قول أبي يوسف ومحمد حيضا إلا أن يكون قبلها شيء من الحيض. قال أبو جعفر وبه نأخذ. والذي يبتلى بالدم من أى موضع ما كان من بدنه أو بما سواه من الغائط. ومن البول ومما سوى ذلك مما حكمه حكم الحدث كحكم المستحاضة في جميع ما ذكرنا. وأكثر النفاس أربعون يوما وأقله لا مقدار له
الجزء 1 · صفحة 13
إنما هو ما كان الدم. وأقل الطهر خمسة عشر يوما والله أعلم.
باب المواقيت
إذا طلع الفجر فقد دخل وقت صلاة الفجر ويخرج وقتها بطلوع الشمس و إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر. وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه لا يخرج وقتها حتى يصير الظل مثليه ورى الحسن بن زياد اللؤنوى وغيره رحمهم الله عن أبي حنيفة رضى الله عنه أن الظل إذا صار مثله خرج وقتها وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله. قال أبو جعفر وبه تأخذ. وإذا خرج وقت الظهر تلاه وقت العصر وآخر وقتها غروب الشمس. وإذا خرج وقتها تلاه وقت المغرب وآخر وقتها في قول أبي حنيفة البياض الذى بعد الحمرة. قال أبو جعفر وبه نأخذ. وفى قول أبي يوسف ومحمد الحمرة التي قبل البياض. وإذا خرج وقتها تلاه وقت العشاء وآخر وقتها طلوع الفجر وهو البياض المستطير الذي ينتشر في الأفق والإختيار في صلاة الظهر أن يعجل في أيام الشتاء وأن يبرد بها في أيام الصيف.
والاختيار في العصر التأخير في الزمان كله غير أنه لا ينبغي لأحد أن يصليها إلا والشمس بيضاء لم يدخلها صفرة. والاختيار فى صلاة المغرب التعجيل في الزمان كله. والاختيار في صلاة العشاء التعجيل قبل مضى ثلث الليل فإن فات ذلك فقبل مضى نصف الليل؛ فإن فات ذلك دخل تاركها بلا عذر له في ذلك في الإساءة والتضييع. والاختيار في الصبح جمع التغليس والإسفار جميعاً فإن فات ذلك فإن الإسفار أفضل من التغليس. ولا يقضى أحد صلاة عند طلوع الشمس ولا عند غروبها ولاعند قيام قائم الظهيرة غير عصر يومه خاصة فإنه لا بأس أن يصليها عند غروب الشمس من يومها. ولا يتطوع في هذه الثلاثة الأوقات ولا يصلى على جنازة ولا يسجد لتلاوة ولا يصلى الطواف ولا يتطوع أيضاً بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس ولا بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس. ولا بأس أن يصلى على الجنازة و يسجد للتلاوة ويقضى الصلوات الفائتات في هذين الوقتين ولا يصلى فيهما لطواف ومن أغمى عليه خمس صلوات فأقل منها ثم أفاق قضاها وإن أغمى عليه أكثر من ذلك ثم أفاق لم يقضه. ومن طهر من الحيض أو بلغ من الصبيان أو أسلم من الكفار لم يكن عليه أن يصلى شيئاً مما فات وقته وإنما يقضى ما أدرك وقته. وينبغي للرجل في يوم الغيم أن يصلى الفجر مؤخراً لها وأن يصلى الظهر مؤخراً لها وأن يصلى العصر معجلا لها والمغرب مؤخراً لها والمشه معجلا لها.
باب الأذان
الجزء 1 · صفحة 14
قال أبو جعفر والأذان الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله حى على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله. ولا ترجيع في شيء من الأذان والإقامة كالأذان سواء إلا أنه يزيد في آخرها بعد حي على الفلاح قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة مرتين. ويترسل في الأذان ويحذف الإقامة ولا يؤذن لصلاة من الصلوات إلا بعد دخول وقتها في قول أبي حنيفة ومحمد .. قال أبو جعفر و به نأخذ. وقال أبو يوسف لا بأس بأن يؤذن لصلاة الصبح في الليل قبل دخول وقتها. ومن صلى فى بيته أذن وأقام وإن لم يؤذن وأقام أجزأه وإن لم يؤذن ولم يقم أجزأه. ومن كان مسافراً فكالمقيم في ذلك إلا أنه مكروه أن يصلى بلا أذان ولا إقامة. ومن سمع المؤذن وليس فى صلاة قال كما يقول المؤذن إلا قوله حي على الصلاة حي على الفلاح فإنه يقول مكان ذلك لا حول ولا قوة إلا بالله والله تعالى أعلم.
باب استقبال القبلة
و إذا اشتد الخوف صلى الخائف حيث توجه. ومن كان في غير مصر فلا بأس أن يصلى على راحلته حيث كان وجهه ولا يضره في ذلك أن يكون افتتاحه للصلاة إلى غير القبلة وذلك في النوافل لا في الصلوات الخمس ولا في الوتر. ومن كان على دابته في المصر فليس له أن يصلى كذلك في قول أبي حنيفة ومحمد وهو قول أبي يوسف فى القديم. وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف أنه يصليها. في المصر أيضاً كما يصليها في غيره. قال أبو جعفر وبه تأخذ ومن كان معاينا
للكعبة أو مجتهداً في طلبها فلا يجوز له أن يصلى إلا إليها إن كان معايناً لها أو إلى ما أدى إليه اجتهاده فى طلبه إياها. ومن صلى بالاجتهاد إلى جهة يرى أنها جهة الكعبة ثم علم أنه صلى إلى غير الكعبة لم يُعد. ومن صلى في ظلمة على ولم يسأل من بحضرته ثم علم أنه صلى إلى غير الكعبة أعاد والله أعلم.
باب صفة الصلاة
وإذا قام الرجل إلى الصلاة المكتوبة كبر لها تكبيراً مخالطا لنيته إياها ورفع يديه حذو أذنيه ناشراً لأصابعه ثم أخذ يده اليسرى بيده اليمنى وجعلهما تحت سرته ثم قال سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم فإن كان إماما وكان في صلاة من صلوات الجهر أسر ذلك كله ثم جهر بالقراءة في قول أبي حنيفة ومحمد وكان أبو
الجزء 1 · صفحة 15
يوسف قد قال بآخره فيما روى عنه أصحاب الإملاء أنه يقول قبل التعوذ أيضا وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين يقدم ما شاء من سبحانك اللهم وبحمدك ومن وجهت وجهى ويؤخر الأخرى. قال أبو جعفر و به نأخذ. ومن كان مأموماً قال ذلك على ما ذكرناه من كل واحد من المذهبين ولم يتعوذ ولم يقل بسم الله الرحمن الرحيم وإذا قال الإمام ولا الضالين قال آمين وقالها من خلفه ويقولها الإمام سرا ثم يقرأ الإمام أو المصلى وحده سورة فإذا فرغ منها خر راكعا وهو يكبر ولم يرفع يديه ثم يضع يديه على ركبتيه ويفرج بين أصابعه ويمد ظهره ولا يصوب رأسه ثم يقول سبحان ربي العظيم ثلاثا ثم يقول سمع الله لمن حمده رافعاً معها رأسه غير رافع ليديه فإذا اعتدل وأنما وكان مصليا وحده قال ربنا لك الحمد و إن كان إماما لم يقلها في قول أبي حنيفة رحمه الله ويقولها فى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله. قال أبو جعفر و به نأخذ. ثم يخر ساجداً وهو يكبر من غير رفع اليديه ويكون أول ما يقع منه إلى الأرض ركبتاه ثم يداه ثم وجهه ويكون فى سجوده معتدلا مجافيا المرفقيه عن جنبيه رافعا بطنه عن فخذيه مستقبلا بأصابع رجليه القبلة ثم يقول في سجوده بحان ربي الأعلى ثلاثا ثم يرفع بتكبير فإذا جلس كبر وخر ساجداً معبرا نم رفع رأسه مكبراً ناهضا حتى يستوى قائما ويفعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في الأولى
فإذا قعد للتشهد قعد على رجله اليسرى مفترشا لها ونصب رجله اليمنى واستقبل بأصابعها القبلة ثم يبسط كفيه على ركبتيه وينشر أصابعه ولم يشر بشيء منها ثم يتشهد والتشهد التحيات الله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ثم ينهض مكبراً معتمداً على الأرض بيديه فإذا جلس في الرابعة وتشهد صلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا لنفسه ولوالديه إن كانا مؤمنين والمؤمنين سواها ويكون دعاؤه بما فى القرآن وبما يشبه الدعاء لا بما يشبه الحديث وكذلك يفعل في كل تشهد يتلوه السلام من الصلاة ثم يسلم عن يمينه فيقول السلام عليكم ورحمة الله وعن يساره كذلك وينوى بكل واحدة من التسليمتين من في الجهة التي يسلم إليها من الرجال والنساء والحفظة وينوى المأموم كذلك ويدخل الإمام مع أهل الجهة التي هو فيها وإن كان تلقاء وجهه أدخله مع أهل الجهة الذين عن يمينه.
وأفضل للمصلى أن يكون نظره في قيامه إلى موضع سجوده وفي ركوعه إلى قدميه وفى سجوده إلى أنفه وفى قعوده إلى حجره. ولا يقرأ المأموم خلف الإمام جهر إمامه أو أسر. ويسر القراءة في الظهر
الجزء 1 · صفحة 16
والعصر ويجهر الإمام في الأوليين من المغرب والعشاء وفى الصبح كلها. وأفضل للإمام ولمن يصلى وحده في الأخريين من الظهر والعصر والعشاء وفى الثالثة من المغرب أن يقرأ في كل واحدة منهن فاتحة الكتاب وإن شاء سبح ولم يقرأها وإن شاء سكت بغير قراءة ولا تسبيح .. ولا قنوت في شيء من الصلاة غير الوتر فإنه يقنت فى السنة كلها قبل الركوع. والوتر ثلاث ركعات يجلس فى الاثنتين منهن وفى آخرهن ولا سلام إلا في آخرهن. وإذا أراد المصلى أن يقنت في وتركبر ورفع يديه ثم أرسلهما وقفت في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله. وهو قول أبي يوسف رحمه الله الأول وقد كان في آخر عمره رأى رفع اليدين في الدعاء في الوتر. والقراءة في الصلوات كلها في السفر سواء أقرأ بفاتحة الكتاب وأى سورة شئت وأما في الحضر فإن الفجر والأوليين من الظهر يقرأ في كل ركعة منها بأربعين آية سوى فاتحة الكتاب والعصر والعشاء القراءة في الأوليين منها سواء دون القراءة في الصبح ودون القراءة في الأوليين من الظهر والقراءة في المغرب دون ذلك كله. وتطال الركعة الأولى من صلاة الفجر على الثانية وركمنا الظهر سواء في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. قال أبو جعفر وبه تأخذ. وقال محمد يطيل الأولى من الصلوات كلها أحب إلى. ومن قرأ في صلاته بدون ما ذكرنا مع فاتحة الكتاب أجزأه ومن لم يقرأ بفاتحة الكتاب وقرأ مكانها آية طويلة أو اثنتين أو ثلاث آيات دونها أجزأه ذلك وقد أساء. وقد كان أبو حنيفة قبل ذلك يقول ما قرأ به من القرآن أجزأه. قال أبو جعفر و و به نأخذ. . ومن صلى من الرجال فتر ما دون سرته إلى ركبته ووارى ركبته في ذلك أجزاء وأما المرأة فتوارى في صلاتها كل شيء منها إلا وجهها وكفيها وقدميها ولا يجب على الأمة ولا على أم الولد ولا على المكاتبة ولا على المديرة تغطية رءوسهن في صلاتهن. ومن ذكر صلاة فاتته وهو في أخرى من الصلوات الخمس فإن كان بين ماذكره وبين ما هو فيه أكثر من خمس الصلوات مضى فيما هو فيه ثم قضى التي هي عليه. وإن كان أقل من ذلك قطع ماهو فيه وصلى التي ذكر أنها عليه إلا أن يكون في آخر وقت التي دخل فيها ويخاف فوتها إن تشاغل بغيرها فإنه إن كان كذلك أتمها ثم قضى الأخرى التي ذكرها. ومن ذكر فى صلاة الصبح أن عليه صلاة الوتر من ليلته الماضية فدت عليه صلاة الصبح وصلى الوتر إلا أن يكون في آخر وقتها يخاف فوتها إن تشاغل بغيرها وهذا قول أبي حنيفة وأما أبو يوسف فقال ذكره الوتر في صلاة الفجر لا يبطل صلاة الفجر. قال أبو جعفر و به نأخذ. ويؤدب الرجل ولده على الطهارة والصلاة إذا عقلهما ولا يجب عليه الفرائض منهما ولا من غيرهما حتى يبلغ. وسجود القرآن أربع عشرة سجدة فى الأعراف سجدة وفى الرعد سجدة وفى النحل سجدة وفى بني إسرائيل سجدة وفي مريم سجدة وفى الحج سجدة وهى الأولى وفى الفرقان سجدة وفى النمل سجدة
الجزء 1 · صفحة 17
وفى الم تنزيل سجدة وفى ص سجدة وفى حم تنزيل سجدة عند قوله «يسأمون» وفى النجم سجدة في آخرها وفى إذا السماء انشقت سجدة وفي اقرأ باسم ربك سجدة. والسجود واجب على التالى وعلى السامع. ويكبر لسجود التلاوة مستقبل القبلة ويرفع رأسه من سجوده بتكبير من غير تشهد ولا تسليم. ولا يقضى المرتد شيئا من الصلوات ولا مما تعبد به سواها ويكون بارتداده كمن لم يزل كافراً والله أعلم.
باب | أقل ما يجزىء من عمل الصلاة
قال أبو جعفر لا فريضة في الصلاة إلا ست التكبيرة الأولى والقيام والقراءة في الركعتين والركوع والسجود والقعود مقدار التشهد الذي يتلوه التسليم فمن ترك شيئا من هذه الست أعاد الصلاة ومن ترك ما سواها لم يعد الصلاة وكان مسيئا إن كان ترك متعمداً.
باب سجود السهو
إذا سها الرجل في صلاته فترك القعود الأول منها أو قعد في غير موضع القعود منها أو ترك القراءة بفاتحة الكتاب فيها أو ترك القنوت في الوتر أو التكبيرة في العيدين كان عليه سجدتا السهو فيما سها عنه من ذلك بعد التسليم يتشهد فيهما ثم يسلم منهما عن يمينه وعن يساره. ومن لم يدر أصلى ثلاثا أم أربعاً فإن كان ذلك أول ما أصابه استأنف الصلاة وإن كان قد أصابه قبل ذلك تحرى وعمل على ما يؤديه إليه تحريه وسجد للسهو وإن كان لا تحرى معه في ذلك بني على اليقين وكان عليه سجود السهو. وإذا ذكر الرجل في التشهد الأخير من صلاته أنه ترك سجدة من ركعة سجدها وتشهد وسلم ثم يسجد للسهو وكذلك لو ذكر أنه ترك سجنة من كل ركعة وهو في صلاة الظهر أو العصر أو العشاء سجد. أربع سجدات وتشهد وسلم ثم سجد للسهو ولو ذكر أنه ترك سجدتى ركعة صلاته فإن كانت الركعة هى الآخرة سجدها وتشهد وسلم وسجد للسهو وإن كانت غير الركعة الآخرة قام فأتى بها بركوعها وسجودها وكان في حكم من لم يصلها وسهو الإمام يوجب على من خلفه اتباعه في السجود وسهو المأموم لا يوجب عليه سجوداً.
باب الصلاة بالنجاسة
قال أبو جعفر وإذا كان في ثوب المصلى من الدم أو القيح أو الصديد أو الغائط أو البول أو ما يجرى مجراهن أكثر من قدر الدرهم لم تجزه صلاته. والدرهم أكبر ما يكون من الدراهم وإن كان أقل من ذلك لم يفسد عليه صلاته. ومن صلى فكان قيامه على نجاسة يابسة أفسد ذلك صلاته وإن كانت في موضع
الجزء 1 · صفحة 18
ركبتيه أو في موضع يديه لم يفسد ذلك صلاته وإن كان في موضع سجوده أفد ذلك صلاته وهذا قول أبي حنيفة الذى رواه محمد عن أبي يوسف عنه وقد روى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف عنه أن ذلك لا يفسد عليه صلاته والقول الأول أصبح عنه وهو قول أبي يوسف ومحمد و به نأخذ. وإذا خفى موضع النجاسة من الثوب غل كله. وبول ما يؤكل لحمه في قول أبي حنيفة وأبي يوسف يفسد الصلاة إذا كان كثيراً فاحشاً و به نأخذ والكثير الفاحش عند أبي حنيفة ربع النوب الذي يكون ذلك فيه وفى قول أبي يوسف ذراع في ذراع. وأما محمد فكان يذهب إلى طهارة بول ما يؤكل لحمه وأما بول ما لا يؤكل لحمه فنجس في قولهم جميعاً. وأبوال الصبيان الذكر ان والإناث ممن لا يأكل الطعام كأبوال من سواهم من بنى آدم ممن يأكل الطعام. والحمر نجسة كالبول. ومن بال على الأرض فطهارة ذلك المكان إن كان مما إذا صب عليه الماء نزل إلى ما هو أسفل منه من الأرض حب الماء عليه حتى يغسل وجه الأرض وينخفض إلى ما تحتها وإن كانت حجراً فحتى تقل غلا يطهرها وإن كانت غير ذلك من الأرضين الطلبة فأن يحفر مكان البول منها حتى تعود طاهرة منه. ولا توقيت في الماء الذي ذكرناه في تطهير الأرض الرخوة. ومن صلى بالناس جنباً أعاد وأعادوا. والمنى نجس إن وقع في ماء نجسه وإن أصاب ثوباً لم يطهر ما كان رطباً إلا غسله ويجزئه إذا كان بابا فركه.
باب الحدث في الصلاة
قال أبو جعفر ومن رعف في صلاته أو غلبه في أو بول أو غائط خرج فتوضاً وغسل ما أصابه من ذلك ثم رجع فبني على ما مضى من صلاته ما لم يتكلم ولو تكلم واستأنف الصلاة كان أحب إليهم. ولو نام وهو في الصلاة فاحتلم كان القياس عندهم أن يخرج فيغتسل ثم يرجع فيني على ما مضى من صلاته ولكنهم استحسنوا في ذلك أن يبتدىء الصلاة. ومن أحدث وهو إمام حدثا يبنى بعده على مامضى من صلاته انقتل وقدم غيره فصلي بالناس ما بقى من صلاته ومضى هو فتطهر ثم رجع فكان كأحد المأمومين وينبغى له إن كان الذي استخلفه قد سبقه بشيء من صلاته في حال تشاغله أن يبتدى بالذي سبقه فيصليه بلا قراءة يتوخى فيه مقدار قيام الإمام كان فيه ومقدار ركوعه ومقدار سجوده وإن زاد على شيء من ذلك لم يفرده. ولو أنه لما أحدث خرج من المسجد قبل أن يستخلف أحداً فان كان المأمومون قبل خروجه من المسجد قد قدموا مكانه رجلا كانت الصلاة جائزة وكان تقديمهم ذلك الرجل كتقديم المحدث إياه وإن كان المأمومون لم يقدموا المحدث رجلا مكانه حتى خرج من المسجد بطلت صلاتهم وصلاة المحدث.
الجزء 1 · صفحة 19
باب الإمامة
قال أبو جعفر أحق القوم بالإمامة أقرؤهم لكتاب الله عز وجل وأعلمهم بالسنة فإن كان فيهم كذلك رجلان أو ثلاثة فأكبرهم سنا فإن كان غيره أورع منه وأبين صلاحاً وهما في القراءة والفقه سواء فأفضلهما ورعاً وأبينهما صلاحاً.
ومن أم قوماً بغير استحقاق للإمامة بما ذكرنا فأقام الصلاة أجزأ لمن ائتم به. ومن انتم وهو يقرأ بأمى لم يقرأ لم يجز المأموم. ومن انتم من الرجال بامرأة أو بخنثى مشكل لم تجزه صلاته. وصلاة النساء فرادى أفضل من صلاة بعضهن ببعض فإن أم بعضهن ببعض قامت التي تؤم ينهن فى الصف وسطاً. وصاحب البيت أولى بالإمامة في بيته ممن سواه إلا أن يكون من معه ذا سلطان فإنه إن كان كذلك كان أحق بالإمامة منه. ولا بأس أن يصلى المأموم في مكان أرفع من مكان الإمام. ولا ينبغى للإمام أن يكون أرفع من المأمومين بما يجاوز القامة. ولا بأس أن يكون أرفع منهم بما دون القامة. والصلاة خارج المسجد بصلاة الإمام في المسجد جائزة إذا كانت الصفوف متصلة.
باب صلاة المسافر
قال أبو جعفر ومن سافر يريد مسيرة ثلاثة أيام فصاعداً قصر الصلاة إذا جاوز بيوت مصره وإن سافر يريد دون ذلك لم يقصر. والتقصير واجب على المسافر فيما يقصر من الصلوات وهو الظهر والعصر والعشاء دون ماسواهن من الصلاة إلا أن يصلى خلفه مقيم فيتم الصلاة. ومن صلى من المسافرين وحده أربعاً فيما يقصر من الصلاة فإن كان قد قعد فى الاثنتين مقدار التشهد أجزأته صلاته وإلا لم تجزه ومن دخل عليه وقت صلاة وهو مقيم فلم يصلها حتى سافر فإنه يقصرها. ومن دخل عليه وقت صلاة وهو مسافر فلم يصلها حتى أقام أتمها؛ إنما ينظر في ذلك إلى خروج الوقت لا إلى دخوله. وكيفية الجمع بين الصلاتين في السفر وفي المطر وفيما سواهما مما يبيح الجمع فيما سوى عرفة وجمع الحج أن يصلى الأولى منهما وهى الظهر أو المغرب فى آخر وقتها ثم يدخل وقت الأخرى منهما فيصليها " وهى العصر والعشاء. ومن صلى وهو مسافر بمقيمين صلوا بعد فراغه من صلاة بهم صلاة المقيم وحدانا. وينبغى للإمام فى هذا إذا سلم أن يقول المقيمين أنموا صلاتكم فإنا قوم سمر .. ومن صلى فريضة في سفينة قاعداً وهو يطيق القيام فإن ذلك يجزئه في قول أبي حنيفة وله فى قول أن يصليها كذلك. وأما أبو يوسف ومحمد فقالا لا يصليها في السفينة إلا قائما وإن صلاها قاعداً من غير عذر لم يجزه و به نأخذ.
الجزء 1 · صفحة 20
باب صلاة الجمعة
قال أبو جعفر وإذا زالت الشمس يوم الجمعة جلس الإمام على المنبر وأذن المؤذنون بين يديه وامتنع الناس من البيع والشراء وأخذوا في السعى إلى الجمعة فإذا فرغ المؤذنون من الأذان قام الإمام على المنبر فخطب خطبتين يفصل بينهما بجلسة خفيفة فإذا فرغ من خطبته أقام المؤذنون الصلاة فصلى بهم الجمعة ركعتين يقرأ في الأولى منها بفاتحة الكتاب وسورة الجمعة وفي الثانية منها بفاتحة الكتاب وإذا جاءك المنافقون ويجهر وإن قرأ بغيرها أجزأه.
ومن أدرك الإمام يوم الجمعة في التشهد أو فيما سواه من صلاة الجمعة معه وقضى ما فاته كما صلاه الإمام في قول أبي حنيفة صلى ما أدرك وأبي يوسف وبه نأخذ. وأما في قول محمد فإن أدرك معه ركعة قضى أخرى وإن دخل معه في التشهد صلى أربعاً لا بد له من القعود في ثانيتهن مقدار التشهد فإن لم يفعل صلى الظهر أربعاً. ولا تجزى الجمعة إلا في وقت يخطب يجلس الظهر في سائر الأيام ولا تكون إلا فى مصر جامع ولا يقوم بها إلا ذو سلطان ولا تقوم الجمعة أيضاً إلا بجماعة وهم ثلاثة سوى الإمام وقد قال أبو يوسف بأخرة اثنان سوى الإمام و به نأخذ 7. ومن دخل المسجد يوم الجمعة والإمام ولم يركع ولا بأس بأن يجمع الإمام بالناس في المصر في مسجدين ولا يجمع فيما هو 0 أكثر من ذلك هكذا روى عن محمد ابن الحسن و به نأخذ. وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف أنه لا يجوز أن يجمع في مسجدين في مصر واحد إلا أن يكون بينهما نهر فيكون حكمه حكم المصرين وإن لم يكن بينهما نهر فالجمعة لمن سبق منهما وعلى الآخرين أن يعيدوا ظهراً فإن صلى أهل المصرين جميعاً كانت صلاتهم جميعا فاسدة ومن صلى الجمعة فينبغى له أن يتطوع بأربع ركعات لا يسلم إلا في آخرهن وهذا قول أبي حنيفة. وأما أبو يوسف فقال ينبغي له أن يتطوع بعدها بست ركعات أربعا كما قال أبو حنيفة ثم اثنتين و به نأخذ. والتطوع في النهار من شاء أن يجعله أربعا لا يسلم إلا في آخرهن فعل ومن شاء سلم بين كل اثنين والتطوع في الليل من شاء صلى بتكبيرة ركعتين ومن شاء أربعا ومن شاء ستا ومن شاء صلى ثمانيا ه في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد في صلاة النهار كما قال أبو حنيفة وقالا في صلاة الليل مثنى مثنى لاغير ذلك ولا تجب الجمعة على مسافر ولا على عبد ولا على امرأة ولا على صبي وإن صلوا أجزأهم. ومن صلى يوم الجمعة في بيته الظهر أجزأه ما لم يخرج بعد ذلك يريد و به نأخذ الجمعة قبل فراغ الإمام منها فإنه إن فعل ذلك عاد إلى حكمه لو لم يصلها وقال أبو يوسف ومحمد لا يعود إلى حكمه او لم يصلها حتى يدخل في الجمعة مع و به نأخذ. ومن خطب يوم. ومن خطب يوم الجمعة بتسبيحة واحدة أجزأه
الجزء 1 · صفحة 21
ذلك وكان له خطبة في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد لا يجزئه حتى يكون كلاما يسمى خطبة و به نأخذ. ومن اغتسل يوم الجمعة فقد أحسن ومن ترك الإمام فلا حرج عليه في تركه إياه.
باب صلاة العيدين
قال أبو جعفر ويستحب للرجل يوم الفطر أن يغتسل وأن يستاك وأن يتطيب وأن يطعم وأن يضع فطرته فى أهلها الذين ينبغي وضعها فيهم وأن يلبس من أحسن ثيابه فيغدو إلى مصلاه كذلك جاهراً بالتكبير يقول الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد حتى يأتي المصلى وهو كذلك ثم يقطع التكبير بعد ذلك ويفعل يوم النحر كذلك إلا أنه إن شاء و إن شاء لم يطعم وليس عليه فيه إخراج صدقة كما عليه في الفطر. وينبغى له في انصرافه من مصلاه أن يأخذ في طريق غير الطريق الذي أتى المصلى منه والإمام فيما ذكرنا كسائر الناس سواه. وينبغى للإمام أن يصلى بالناس صلاة العيد إذا حلت الصلاة وهى ركعتان يكبر تكبيرة يدخل بها فيها ثم يستفتح كما يستفتح في سائر الصلوات سواها ويتعوذ ثم يكبر ثلاث تكبيرات يرفع يديه في كل تكبيرة منهن ويقرأ بفاتحة الكتاب وسورة ثم يكبر ولا يرفع يديه ثم يركع ويسجد فإذا قام في الثانية قرأ فاتحة الكتاب وسورة ثم يكبر ثلاث تكبيرات يرفع يديه في كل تكبيرة منهن ثم يكبر أخرى فيركع بها ولا يرفع يديه فيها وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد مثل ذلك إلا أنه قال يؤخر التعوذ إلى موضع القراءة و به نأخذ ولا يصلى قبل صلاة العيد. ومن أحب أن يصلى بعدها صلى أربعاً وإن شاء لم يصل. ومن حضر ليصلى صلاة العيد وهو على غير وضوء ولا ماء بحضرته تيمم وصلى وإن دخل طاهراً ثم أحدث ولا ماء بحضرته أجزأه في قول أبي حنيفة أن يتيمم ويصلى بقيتها ولم يجزه في قول أبي يوسف ومحمد إلا أن يتوضأ لأنه لا يخاف فوتها وبه نأخذ. ومن فاتته صلاة العيد لم يقضها. والتكبير في أيام التشريق في قول أبي حنيفة من صلاة الفجر من يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر يكبر في العصر ثم يقطع. وأما في قول أبي يوسف ومحمد فمن صلاة الفجر من يوم عرفة إلى صلاة العصر من ن آخر أيام التشريق يكبر إلى العصر ثم يقطع و به نأخذ. والتكبير في قولهم جميعاً هو التكبير الذي يكبره الرجل في طريقه إلى المصلى يوم العيد على ما ذكرنا ولا يكبر في قول أبي حنيفة من صلى وحده ولا المسافرون إذا لم يصلوا مع المقيمين ولا النساء إذا لم يأتممن برجل. وقال أبو يوسف ومحمد يكيرون جميعاً و به تأخذ.
باب صلاة الخوف
الجزء 1 · صفحة 22
قال وإذا كان القوم بحضرة عدوهم وهم مسافرون فحضرت صلاة الصبح أو الظهر أو العصر أو العشاء صلى الإمام بطائفة منهم ركعة بسجدتيها وطائفة منهم يقومون وُجَاءَ العدو ثم تذهب الطائفة التى صلت مع الإمام فتقوم بإزاء العدو وتأتى الطائفة الأخرى فيصلى بها الإمام ركعة بسجدتيها ثم يتشهد بهم ويسلم ولا يسلمون ثم يمضون وجاه العدو وتأتى الطائفة الأخرى فيقضون ركعة وحدانا بسجدتيها بلا قراءة ويتشهدون ويسلمون ثم يمضون فيقومون بإزاء العدو وتأتى الطائفة الأخرى فيقضون ركعة أخرى وخداناً بقراءة فإن كان ذلك في صلاة المغرب صلى بالطائفة الأولى ركعتين وبالثانية ركعة وإن كان ذلك في الظهر أو العصر أو العشاء وهو مقيم صلى بكل طائفة منهم ركعتين ثم امتثلوا في القضاء على ما ذكرنا في صلاة السفر وهذا قول أبي حنيفة ومحمد و به نأخذ. وقال أبو يوسف بأخَرة فيما حكاه عنه أصحاب الإملاء إن كان العدو في غير القبلة صلاها هكذا وإن كان العدو في القبلة جعل الناس صفين فكبر وكبروا جميعاً ثم ركع ور كعوا جميعاً ثم رفع ورفعوا جميعا ثم سجد وسجد الصف الذي يليه والآخرون يحرسونهم ثم رفع ورفعوا ثم سجد الصف المؤخر والآخرون يحرسونهم فإذا رفعوا سجد الإمام والصف المقدم فإذا رفعوا سجد الصف المؤخر ويفعلون في الركعة الثانية هكذا أيضاً ولا يصلون وهم يقاتلون .. و إذا لم يتهيأ لهم النزول عن دوابهم صلوا عليها يومئون إيماء ويجعلون السجود أخفض من الركوع حيثما كانت وجوههم من قبلة أو غيرها.
باب صلاة الكسوف
قال أبو جعفر ولا يصلى لكسوف الشمس في وقت لا يكون التطوع فيه وصلاة الكسوف ركعتان كصلاة التطوع فى ركوعهما وسجودهما إن شئت أطلتهما وإن شئت قصرتهما. ثم الدعاء بعدهما حتى تنجلى الشمس ولا بأس أن يصليها الإمام بالناس جماعة. وكان أبو حنيفة رضى الله عنه يقول يخافت القراءة فيها وكان أبو يوسف ومحمد يقولان يجهز بالقراءة فيها و به نأخذ. ويصلى الناس في كسوف القمر كما يصلون فى كسوف الشمس إلا أنهم يصلون فرادى لا يجمعون.
باب صلاة الاستسقاء
قال أبو جعفر كان أبو حنيفة يقول ليس فى الاستسقاء صلاة ولكن يخرج الإمام بالناس فيدعو. وكان أبو يوسف يقول يخرج الإمام بالناس فيصلى بهم ركعتين ويجهر فيهما بالقراءة ثم يستقبل الناس بوجهه قائماً على الأرض لا على منبر فيخطب ويدعو الله عز وجل ويتضرع إليه ويستغفر للمؤمنين وهو
الجزء 1 · صفحة 23
في ذلك منتكب قوساً فإذا مضى صدر من خطبته قلب رداءه وقلبه إياه أن يجعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه فإن كان طيلسانا لا أسفل له أو خميصة يثقل قلبها حول يمينه على شماله وشماله على يمينه والناس مقبلون عليه لا يقلبون أرديتهم و به نأخذ. وقال محمد يجمع في الاستسقاء ويجهر بالقراءة ويخطب بعد الصلاة منزلة العيد.
باب صلاة الجنائز
قال أبو جعفر يجرد الميت إذا أريد غسله ويوضع على تخت ويطرح على عورته خرقة ثم يوضأ وضوء الصلاة من غير مضمضة ولا استنشاق ثم يغسل رأسه ولحيته بالخطى ولا يسرح ثم يوضع على شقه الأيسر فيغسل بالماء القراح حتى ينقى ويرى أن الماء قد خلص إلى ما يلى التخت منه وقد أمر غاسله قبل ذلك بالماء فضلى بالسدر فإن لم يكن بالسدر فحرض فإن لم يكن واحد منهما فالماء القراح ثم يضجع على شقه الأيمن فيغسل كذلك حتى يرى أن الماء قد خلص إلى ما يلى التخت منه. ثم ينشف في ثوب وقد أمر غاسله قبل ذلك بأكفانه وسريره فأجمر وتراً ثم تبسط اللفافة بسطاً وهي الرداء طولا ويبسط الإزار عليها كذلك فإن كان له قميص ألبسه إياه. وإن لم يكن له قميص لا يضر ثم يوضع الحنوط على لحيته ورأسه والكافور على مساجده فإن لم يكن له كافور لم يضره ثم تعطف اللفافة عليه وهي الرداء فإن خفت أن تنتشر أكفانه عقدته عليه لتحمله على سريره فإذا وضع في قبره حللت عقدته. وأدنى ما تكفن المرأة فيه ثوبان وخمار والرجل في ثوبين. والسنة في المرأة أن تكفن فى خمسة أنواب درع وخمار وإزار ولفافة وخرقة وتجعل الخرقة فوق ثدييها والبطن. والسنة فى الرجل ثلاثة أثواب إزار وقميص ولفافة. والمحرم في ذلك كالحلال. ويكفن الجنين الميت ويغسل ويدفن ولا يصلى عليه إلا أن تعلم حياته باستهلال أو بغيره. ومن قتل في المعركة لم يغسل وصلى عليه ودفن في ثيابه إلا أنه ينزع عنه الحشو والجلد والفرو والسلاح والقلنسوة. ويزيد أولياؤه ما شاءوا أو ينقصون ما شاءوا. ولو حمل قبل موته أو أكل في مكانه الذى جرح فيه أو شرب أو باع أو ابتاع أو باتغسل وإن أوصى ولم يفعل مما ذكرنا شيئاً لم يغسل. ومن قتله الخوارج في جميع ماذكرنا كمن قتله أهل الحرب وكذلك كل من قتل مظلوماً بجديدة ومثله فى قول محمد بن الحسن من قتل بغير الحديد مما يقوم مقام الحديد. قال أبو جعفر وبه نأخذ.
وتغسل المرأة زوجها إذا مات ولا يغسل الرجل زوجته إذا ماتت ويغسل المسلم ذا قرابته من الكفار. والكفن والحنوط من رأس المال. والمشي بالجنازة مادون الخبب وأحق الناس بالصلاة على الميت سلطان بلده فإن لم يكن فإمام حيه فإن لم يكن فأبوه فإن لم يكن فابنه ثم كذلك من أولى قرابته به فإن كان فيهم
الجزء 1 · صفحة 24
أخوان لأب وأم أو ولدان أو عمان أو رجلان مستويان في القرابة وأحد من ذكرنا أكبر من الآخر سنا فهو أولى بالصلاة من الآخر ويقوم المصلى على الرجل الميت وعلى المرأة الميتة منهما بحذاء الصدر فى قول أبي حنيفة ومحمد وهو قول أبي يوسف القديم ثم روى عنه أصحاب الإملاء أنه قال يقوم من الرجل عند رأسه ومن المرأة عند وسطها و به نأخذ. قال أبو جعفر روى عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك. ولا يصلى على جنازة عند طلوع الشمس ولا عند غروبها ولا عند قيامها ولا بأس بالصلاة عليها بعد الصبح قبل طلوع الشمس و بعد العصر قبل تغير الشمس. والصلاة على الجنازة أن تكبر تكبيرة كما تكبر لافتتاح الصلاة وترفع يديك معها ثم تحمد الله عز وجل وتثنى عليه ثم تكبر أخرى ولا ترفع معها يديك ثم تصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم تكبر أخرى ولا ترفع معها يديك فتدعو الميت وتشفع له ثم تكبر أخرى ولا ترفع يديك ثم تسلم على يمينك ثم تسلم على شمالك كما تسلم في الصلاة. ولا قراءة في الصلاة على الجنازة ولا استفتاح ولا تشهد. ولا يصلى على جنازة مرتين إلا أن يكون الذي صلى عليها غير وليها فيعيد وليها الصلاة عليها إن كانت لم تدفن وإن كانت قد دفنت أعادها على القبر. والمشى خلف الجنازة أفضل من المشى أمامها وكل ذلك مباح. ويسجى قبر المرأة ولا يسجى قبر الرجل. وتسنم القبور ويرش عليها الماء. ولا بأس بتعزية أهل الميت وبالإذن بالجنازة. ولا بأس بالبكاء على الميت من غير أن يخلط ذلك بندب أو بنياحة.
كتاب الزكاة
باب صدقة الإبل
قال أبو جعفر وليس فيما دون خمس من الإيل صدقة بعد أن تكون سائمة قد حال عليها الحول وهي كذلك فى ملك من هى له من رجل أو امرأة من البالغين العقلاء الأحرار المسلمين فإذا كانت كذلك فيها شاة إلى تسع فإذا كانت عشراً ففيها شاتان إلى أربع عشرة فإذا كانت خمس عشرة ففيها ثلاث شياه إلى تسع عشرة فإذا كانت عشرين ففيها أربع شياه إلى أربع وعشرين فإذا كانت خمساً وعشرين فقيها ابنة مخاض لا غيرها؛ غير أن أبا يوسف قد قال بأخرة فيما حكى عنه أصحاب الإملاء إن لم يكن ابنة مخاض فابن لبون ذكر و به نأخذ إلى خمس وثلاثين فإذا كانت ستا وثلاثين ففيها ابنة لبون إلى خمس وأربعين فإذا كانت ستا وأربعين ففيها حقة إلى ستين فإذا كانت إحدى وستين فقيها جذعة إلى خمس وسبعين فإذا كانت ستا وسبعين فهميها بنتا لبون إلى تسعين فإذا كانت إحدى وتسعين ففيها حقتان إلى عشرين ومائة ثم تستأنف الفريضة فيما زاد على العشرين والمائة فإذا كملت خمسين ومائة كان فيها ثلاث حقاق ثم
الجزء 1 · صفحة 25
تستأنف الفريضة أيضاً كذلك يكمل خمسين فإذا كملت خمسين كانت حقة أخرى كذلك يفعل أبداً في كل خمسين. والعراب والبخاتي سواء.
باب صدقة البقر
قال أبو جعفر وليس فيما دون ثلاثين من البقر السائمة صدقة فإذا كانت ثلاثين وحال عليها الحول ففيها تبيع أو تبيعة إلى تسع وثلاثين فإذا كانت أربعين فيها مسنة؛ ثم اختلف عن أبي حنيفة فيما زاد على الأربعين فروى عنه أبو يوسف أن ما زاد عليها فقيه من الزكاة بحساب ذلك وروى أسد بن عمرو وغيره عنه عنه أنه قال لا شيء في الزيادة حتى يكون البقر ستين فإذا كانت ستين ففيها تبيعان ثم كذلك زيادتها في كل ثلاثين تبيع وفى كل أربعين مسنة. وفي قول أبي يوسف ومحمد فى هذا كله من رأيهما كما روى أسد عن أبى حنيفة لا كما روى أبو يوسف عن أبي حنيفة وبه نأخذ.
باب صدقة الغنم
قال أبو جعفر وليس فيها دون أربعين من الغنم صدقة فإذا كانت أربعين منها سائمة وحال عليها الحول ففيها شاة إلى عشرين ومائة فإذا زادت واحدة ففيها شانان إلى مائتين فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه ثم لا شيء في زيادتها حتى تم الغنم أو بعمائة ففيها أربع شياه ثم كذلك أبداً في كل مائة شاة. والمعز والضأن في الزكاة كالغنم إلا أنه لا يؤخذ في ذلك إلا ما يجوز في الأضحية منها ولا يؤخذ في الزكاة الربى ولا الماخض ولا فحل الغنم ولا الأكولة. ومن حال عليه أحوال في ماشيته ولم يؤد زكاتها أدى زكاة الحول الأول منها نظر إلى ما بقى منها فإن كانت فيه زكاة زكاه للحول الثاني وإلا لم يزكه والخليطان في المواشي كغير الخليطين لا يجب على واحد منهما فيما يملك منها شيء لا مثل الذي يجب عليه فيه لو كان غير خليط وكذلك الذهب والفضة والزروع كلها. وإذا أخذ المصدق الصدقة من ماشيتهما تراجعا ما أخذ بينهما حتى تعود ماشيتهما لم ينقص من مال واحد منهما إلا مقدار ما كان عليه من الزكاة في حصته. وتفسير ذلك أن. من يكون لهما عشرون ومائة من الإبل والغنم لأحدهما ثلثها وللآخر ثلثاها فلا يجب على المصدق انتظار قسمتهما ولكن يأخذ من عرضها شاتين فيكون بذلك آخذا من مال صاحب الثلثين شاة وثلثا وإنما كانت عليه شاة ومن مال الآخر ثلثي شاة وقد كانت عليه شاة فيرجع صاحب الثلثين على صاحب الثلث بثلث الشاة الذي يأخذ من حصته زيادة على الواجب كان عليه فيها فتعود حصة صاحب الثلثين المصدق إلى تسع وسبعين وحصة صاحب الثلث إلى تسع وثلاثين. ولا زكاة على طفل.
الجزء 1 · صفحة 26
ولا على مجنون في مواشيهما ولا فى ذهبهما ولا في فضتهما وكذلك المكاتب والذمى. وجائز تقديم الزكاة قبل وجوبها إذا كان للذى قدمها من المال ما لو حال عليه الحول وجب عليه فيه الزكاة. ولا تجزئ الزكاة عمن أخرجها إلا بنية مخالطة لإخراجه إياها. ومن امتنع من أدائها فأخذها الإمام منه كرها فوضعها في أهلها أجزأت عنه. ولا زكاة في الحملان ولا في الفُصلان ولا في العجاجيل في قول أبي حنيفة ومحمد رضى الله عنهما. وأما في قول أبي يوسف رضى الله عنه ففيها الزكاة منها وبه نأخذ. ومن باع ماشيته قبل الحول بماشية سواها استقبل بها حولاً. ومن باع ماشيته بعد وجوب الصدقة فيها والمصدق قائم كان للمصدق الخيار إن شاء أخذ البائع حتى يؤدى صدقتها وإن شاء أخذها مما بيد المشترى.
باب الخيل فيها زكاة
كان أبو حنيفة رضى الله عنه وجب الزكاة في في الخيل السائمة إذا حال عليها الحول وهى كذلك وفسر عنه الحسن بن زياد في روايته عنه مما لم نجده. في رواية غيره عنه أن الزكاة لا تجب فيها حتى تكون ذكوراً وإناثا يلتمس صاحبها نسلها مع ذلك فيكون المصدق بالخيار إن شاء أخذ منه منه لكل رأس منها ديناراً وإن شاء قومها دراهم ثم زكاها كما يزكي الدراهم. ثم وجدنا هذا التفسير بعد ذلك عنه في رواية محمد بن الحسن. وقال أبو يوسف ومحمد رضى الله عنهما ليس في الخيل صدقة على حال و به نأخذ.
باب زكاة الثمار والزروع
كان أبو حنيفة رضى الله عنه يقول في قليل الثمار وكثيرها وفى قليل الزروع وكثيرها الصدقة فإن كانت مما سقته السماء كان فيها العشر وإن كانت مما يسقى بالغروب أو بالسواني أو بما يشبه ذلك كان فيها نصف العشر إلا الحطب والقصب والحشيش فإنه لا عشر فى ذلك. وقال أبو يوسف ومحمد لا شيء في ذلك حتى يبلغ خمسة أوسق. والوسق ستون صاعا بصاع رسول الله صلى الله عليه وسلم و به نأخذ. وقد ذكرنا مقدار الصاع فيا تقدم من كتابنا هذا.
وهذا في التمر والزبيب والحنطة والشعير وأشباه ذلك من السمسم والأرز والحبوب فأما الخضر كلها والفواكه الخضر والفواكه التي ليست لها ثمرة باقية كالبطيخ فإنه لا عشر في ذلك وهذا الذي ذكرناه بعد أن تخرص ذلك جافا وبعد أن يكون في أرض عشر فإن كان بأرض خراج فلا صدقة فيه وسواء كان على صاحبه دين أو لم يكن أو كان صغيراً أو كبيراً أو عاقلا أو مجنوناً مكاتباً أو حرا. وقال محمد بن الحسن رضى الله عنه في الزعفران والورس إنما يعتبران بالأمناء فليس فيما دون خمسة أمناء من كل واحد
الجزء 1 · صفحة 27
منهما صدقة، وكذلك القطن إنما يعتبر بالأحمال فليس فيما دون خمسة أحمال منه صدقة والحمل ثلثمائة من بالعراقى. فأما العصفر والكتان فلهما بذر يقع في الكيل فإذا خرج من العصفر خمسة أوسق أو من القرطم كان في العصفر وفي قرطمه الصدقة والعصفر تبع للقرطم. فأما العسل فإنما يعتبر بالأفراق فليس فيما دون خمسة أفراق منه صدقة. والفرق ستة وثلاثون رطلا بالعراقي. وكان أبو حنيفة رضى الله عنه يأخذ من ذلك كله العشر أو نصفه بغير مقدار منه معلوم. وبقول محمد في هذا نأخذ أصحاب الإملاء عن أبي وروي يوسف أنه قال في هذه الأشياء المعتبرة بالوزن إنها تقوم فإن بلغت قيمتها مثل قيمة خمسة أوسق من أدنى ما يكال كانت فيها الصدقة ولا يضاف بعضها إلى بعض كما لا يضاف بعض ما يكال إلى غير جنسه مما يكال.
باب زكاة الذهب والورق
قال أبو جعفر وليس في أقل من عشرين مثقالا من الذهب ولا في أقل من خمس أواق من الورق وهى مائتا درهم صدقة فإذا بلغ الذهب عشرين مثقالا أو الورق خمس أواق فقيه ربع عشره بعد أن يحول الحول عليه قبل ذلك وبعد أن يكون لا دين على صاحبه وبعد أن يكون صاحبه حرا بالغا عاقلا مسلماً وما زاد على خمس أواق من الورق0 فلا شيء فيه حتى يكون أوقية وهى أربعون درها فيكون فيها ربع عشرها و هو درهم واحد ثم كذلك تعتبر زيادتها لا شيء فيها حتى يكون أربعين وكذلك في الذهب لا شيء في الزيادة منه على عشرين مثقالا حتى تكون الزيادة أربعة مثاقيل فيكون فيها ربع عشرها ثم كذلك ما زاد على كل أربعة مثاقيل فلا شيء فيه حتى تكون الزيادة أربعة مثاقيل في قول أبي حنيفة رضى الله عنه و به نأخذ وقال أبو يوسف ومحمد رضى الله عنهما ما زاد في ذلك فقيه من الزكاة بحساب ذلك قال أبو جعفر لا شيء في الزيادة حتى يبلغ المقدار الذي قال أبو حنيفة رضي الله عنه فيها وهو قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ومن كان له ذهب أقل ثما تجب فيه الصدقة من الذهب وورق أقل مما تجب فيه الصدقة من الورق قوم أحد الصنفين بالصنف الآخر فإن بلغت قيمته قيمة ما فيه الزكاة من ذلك الصنف جعلهما كلهما كأنهما من ذلك الصنف وزكاهما زكاة ذلك الصنف وإن كانت قيمة كل واحد من الصنفين تبلغ من الصنف الآخر المقدار الذي تجب فيه الزكاة منه نظر ما فيه الحظ للمسكين فجعل الصنفين كأنهما من ذلك الصنف وجعل فيهما زكاة ذلك الصنف وهذا قول أبي حنيفة خاصة. فأما أبو يوسف ومحمد فكانا لا يوجبان في هذا شيئاً على القيمة ولكنهما كانا يوجبان فيه الصدقة على تكامل الأجزاء فإن كانت الأجزاء تتكمل كان في ذلك الصدقة مثل أن يكون عنده من كل واحد من الصنفين نصفه أو يكون عنده
الجزء 1 · صفحة 28
من أحدهما ثلثاه ومن الآخر ثلثه على هذا المعنى فإن كانت الأجزاء على هذا المعنى غير متكاملة فلا صدقة في ذلك حتى يكون عنده من أحد الصنفين ما لو لم يكن عنده غيره وجبت عليه فيه الزكاة وهو قول ابن أبي ليلى والشافعي. قال أبو جعفر والقياس عندي لاشيء عليه في ذلك
والصدقة واجبة في الذهب وفى الورق وفى عيونهما وفى نقرها وفى حليتهما وفى الخواتيم منهما وفى حلية المناطق والمصاحف منهما. ومن أفاد فائدة من ذهب أو ورق فى الحول وعنده ما تجب فيه الزكاة لو حال عليه الحول ضمها إلى ما عنده وزكى ذلك كله زكاة واحدة وكذلك إن أفادها من هبة أو صدقة أو ماسواهما ولا زكاة فيما خرج من معدن ولا فيما وجد من ركاز حتى يكون مقداره ما تجب فيه الزكاة بعد أداء الخمس من الركاز إلى من يجب إليه أداؤه و بعد أن يحول الحول على مالكه إلا أن يكون عنده مال سواه مما تجب فيه الزكاة فيضمه إليه ويكون حكمه كحكمه. ولا شيء فيما يوجد فى الجبال ولا فيما يخرج من البحار في قول أبي حنيفة ومحمد رضى الله عنهما. قال أبو جعفر و به نأخذ.
وقال أبو يوسف في العنبر واللؤلؤ وكل حلية تخرج من البحر الخمس. ومن وجد ركازاً فعليه فيه الخمس يوضع موضع الأخماس من الغنائم ويكون له ما بقى إلا أن يكون وجده في دار قد اختطت فإن أبا حنيفة كان يقول هو لصاحب الخطة وفيه الخمس وهو قول محمد وقال أبو يوسف هو الذى وجده وفيه الخمس. قال أبو جعفر و به نأخذ ومن وجد معدنا في داره فإن أبا حنيفة كان يقول لاشيء عليه فيه. وقال أبو يوسف ومحمد فيه الخمس و به نأخذ.
ومن وجد ركازاً فى دار الحرب وقد دخلها بأمان فإنه إن كان وجده في دار بعضهم رده عليه و إن وجده في صحراء كان له ولاشيء فيه عليه. ولاشيء في المعادن إلا أن تكون معادن ذهب أو فضة أو حديد أو رصاص أو صفر؛ فإن فى الموجود من ذلك كله الخمس والباقى منه لواجده. وقد روى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف أنه قال سألت أبا حنيفة عن الزئبق فقال لاشيء فيه. قال فلم أزل به حتى قال فيه الخمس ثم رأيت بعد ذلك أنه كالنفط فقلت لا شيء فيه. قال أبو جعفر و به تأخذ. ولا زكاة في زبرجد ولا في اللؤلؤ.
باب زكاة التجارة
قال أبو جعفر وإذا اشترى الرجل سلعة ينوى بها التجارة فحكمها كحكم الورق والذهب إذا حال عليها الحول قومها ثم ضم قيمتها إلى ماله سواها ثم زكاها زكاة واحدة. ولو لم يكن له مال غيرها فبلغت
الجزء 1 · صفحة 29
قيمتها ما تجب فيه الزكاة زكاها وذلك إذا كانت قيمتها يوم اشتراها ما تجب فيه الزكاة وقيمتها يوم حال عليها الحول كذلك ولا ينظر إلى نقصانها ولا إلى تغير قيمتها بين طرفي الحول.
وإن كان له مال سواها وكان حول ماله قبل حولها ردها إلى ماله وزكاها مع ماله سواها وإن باعها في الحول بسلعة أخرى للتجارة أو لم يرد بها التجارة ولا غيرها كانت السلعة الثانية كالسلعة الأولى في جميع أحكامها أحكامها وإن نوى في الحول أن تكون للقنية خرجت من التجارة وكانت للقنية ولم تجب فيها زكاة بعد ذلك وإن نواها بعد ذلك أن تكون للتجارة لم تكن التجارة. ولو ورث سلعة فنوى بها التجارة لم تكن للتجارة. ولو وهبت له أو خلع عليها زوجته أو صالح عليها من دم عمد وهو ينوى بها في ذلك كله التجارة أو كانت امرأة فزوجت عليها وهى تنوى بها التجارة فإن أبا يوسف كان يقول في ذلك كله يكون للتجارة كالذى يشتريه وهو ينوى به التجارة وبه أخذ. وقال محمد بن الحسن لا يكون شيء من ذلك للتجارة وهو كالسلعة الموروثة كما قال أبو يوسف.
باب الدين على رجل وله مال هل يمنع الزكاة
وهل فيه إذا كان للرجل زكاة
و إذا كان للرجل مائتا درهم وعليه دين مثلها أو مثل بعضها وحال عليها الحول فلا زكاة عليه فيها فإذا كانت له مائتا درهم دين على رجل ملىء مقر له بها فحال عليها الحول لم يجب عليه أن يزكيها حتى يقبضها فإن قبض بعضها فإن أبا حنيفة رضى الله عنه كان يقول لا يزكي ما قبض حتى تكون أربعين فيزكى عنه درهما واحداً ثم م كذلك ماقبض منها حتى يقبضها كلها. وكان أبو يوسف ومحمد رضى الله عنهما يقولان ماقبض منها أدى إلى المساكين منه ربع عشره. قال أبو جعفر و به نأخذ. وإن كانت على جاحد لها فلا زكاة عليه فيها. وإن قبضها بعد ذلك فلا زكاة عليه لما مضى من الوقت الذى كان مجحوداً فيه وإن كانت على مقر بها غير أنه معدم فحال عليها الحول ثم قبضها بعد ذلك فإن أبا حنيفة وأبا يوسف قالا يزكيها لما مضى. وقال محمد بن الحسن ليس عليه أن يزكيها لما مضى. قال أبو جعفر و به نأخذ
باب زكاة الفطر
زكاة الفطر نصف صاع من بر أو دقيق بر أو سويق بر أو زيب أو صاع من تمر أو شعير هكذا روى أبو يوسف عن أبي حنيفة رضى الله عنهما. وروى أسد بن عمرو وحسن بن زياد عن أبي حنيفة رضى الله عنهم أن الزبيب في ذلك كالشعير وهو قول أبى يوسف ومحمد رضى الله عنهما من رأيهما. قال أبو
الجزء 1 · صفحة 30
جعفر و به نأخذ. ويجب على الرجل أن يؤدى زكاة الفطر إذا كان غنيا عن نفسه وعن ولده الصغار وعن مماليكه الذين لغير التجارة مسلمين كانوا أو كفاراً عليه أن يؤدى عمن سواهم. ولا تجب زكاة الفطر على الفقير ولا يجب وتجب زكاة الفطر في المولودين والمملوكين إذا ولدوا أو ملكوا قبل طلوع الفجر يوم الفطر ومن ملك منهم أو ولد بعد ذلك فلا يجب إخراج زكاة الفطر عنه ومن كان فقيراً لا مال له وله ابن صغير له مال فإن أبا حنيفة وأبا يوسف رضى الله عنهما كانا يقولان يؤدى عنه أبوه من ماله زكاة الفطر وعن عبيده إن كانوا له و يؤدى عنه وصيه إن كان أبوه ميتا كذلك. وقال زفر ومحمد رضي الله عنهما لا يؤدى عنه أبوه ولا وصيه من ماله شيئاً بغنيان مال الصبي فإن فعلا ضمنا و به نأخذ. ومن مات وعليه زكاة الفطر أو زكاة مال لم يؤخذ ذلك من تركته إلا أن يشاء ورثته أن يتبرعوا بذلك عنه وإن أوصى بذلك كان ذلك في ثلثه غير مبتدأ على ماسواه من وصاياه.
باب مواضع الصدقات
قال الفقراء الذين ذكرهم الله في آية الصدقات هم في المسكنة أكبر المساكين الذين ليسوا فقراء والعاملون على الصدقات هم السعاة عليها والمؤلفة قلوبهم قد ذهبوا والرقاب هم المكاتبون يعانون في رقابهم والغارمون هم المديونون وأهل سبيل الله عز وجل هم أهل الجهاد من الفقراء وابن السبيل هم المنقطع بهم عن أموالهم. وينبغى للإمام أن يجعل للعاملين على الصدقة من الصدقة ما يكفيهم ويكفى أعوانهم ثم يجعل ما بقى منها في أي هذه الأصناف رأى فيه الحاجة إليها. ولا يعطى من الزكاة إلا مسلم. ولا يعطى منها ولا صائر من الصدقات سواها أحد من بني هاشم ولا من ولاؤه لأحد منهم. ولا بأس بأن يدفع صدقة الفطر في قول أبي حنيفة ومحمد رضى الله عنهما وفي قول أبي يوسف القديم إلى الفقراء من النصارى واليهود وسائر الكفار غير الحربيين. وقد روى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف أنه قال لا يعطى صدقة الفطر ولا زكاة المال ولا كفارات الأيمان غير المسلمين. قال أبو جعفر و به نأخذ. والغنى الذي تحرم عليه الصدقة هو الذي يملك المقدار الذى تجب عليه فيه الصدقة. ومن كان ممن لا تجب عليه الصدقة وله فضل عن مسكنه وكسوته وتبلغ قيمته ماتجب فيه الصدقة فهو كالأغنياء في جميع ماذكرنا. ولا يعطى الرجل من الزكاة والداً وإن بعد ولا أما و إن بعدت ولا ولداً وإن سفل ولا زوجة. ولا تعطى المرأة زوجها من زكاة مالها في قول أبي حنيفة و به نأخذ وتعطيه في قول أبي يوسف ومحمد إذا كان فقيراً. ومن دفع زكاته إلى رجل على أنه عنده فقير ثم تبين له بعد ذلك أنه غنى فإن أبا حنيفة ومحمداً قالا يجزئه ذلك. وقال أبو يوسف لا يجزئه و به نأخذ. فإن دفعها إلى رجل يرى أنه مسلم ثم علم أنه كافر أو دفعها
الجزء 1 · صفحة 31
إلى رجل يراه أجنبياً منه ثم علم أنه أبوه أو ابنه فإن محمداً روى عن أبي يوسف عن أبى حنيفة أنه يجزئه. قال محمد وهو قولنا. وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أن ذلك لا يجزئه. وقال أبو يوسف من رأيه فى الروايتين جميعاً إن ذلك لا يجزئه و به نأخذ.
كتاب الصيام "
قال أبو جعفر وإذا مضى من شعبان تسعة وعشرون يوماً طلب الهلال فإن رأى فقد وجب الصوم وإن لم ير أكمل شعبان ثلاثين ثم استقبل الصيام ويحتاج من عليه الصيام أن ينوى ذلك في ليلة كل يوم أو فيما بعدها من ذلك اليوم فيما بينه و بين الزوال فإن لم يفعل ذلك أمسك عن الطعام بقية يومه وقضى يوماً مكانه. ويجزئ في صوم التطوع أيضاً النية كذلك ولا تجزىء في الصوم الواجب لا فى يوم بعينه النية إلا فى الليلة التي قبلها. ومن نوى الصوم في الليل من رمضان فأغمى عليه قبل الفجر وأصبح كذلك حتى خرج من يومه أجزأه صيام ذلك اليوم. ومن سافر قبل الفجر فله أن يفطر إذا كانت مسافة سفره المسافة التي تقصر فيها الصلاة. ومن سافر بعد الفجر لم يفطر بقية يومه ذلك فإن أفطر من عذر أو من غير عذر كان عليه القضاء ولا كفارة عليه. ومن أكل أو شرب أو أتى ما سوى ذلك مما يمنع منه الصيام في رمضان نهاراً ناسياً لصومه فلا قضاء عليه ويمضى في صومه ولو فعل ذلك وهو ذاكر لصومه كان عليه في الجماع في الفرج وفى الأكل وفى الشرب القضاء والكفارة ولم يكن عليه فيما سوى ذلك إلا القضاء خاصة بلا كفارة. والكفارة في ذلك عتق رقبة يجزىء فيها المؤمن وغير المؤمن فمن لم يجد فعليه صيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينا كل مسكين نصف صاع من بر أو صاع شعير أو تمر على مثل ما ذكرنا في صدقة الفطر. ومن أفطر في يوم من شهر رمضان فطراً يوجب عليه الكفارة ثم أفطر كذلك في يوم آخر من ذلك الشهر فإن كان كفر لليوم الأول قبل أن يفعل ما فعل في اليوم الثاني فعليه كفارة أخرى وإلا فكفارة واحدة - وللصائم أن يقبل زوجته ومملوكته ما لم يخف من ذلك ما يحمله على مجاوزته إلى غيره فإن قبل وأنزل وهو ذاكر صومه فعليه القضاء ولا كفارة عليه. ومن أكل وهو يرى أنه فى ليل ثم علم أنه كان فى نهار كان عليه القضاء ولا كفارة ولا بأس بالحجامة للصائم. وإذا خافت الحامل أو المرضع على ولديهما أفطرتا وكان عليهما القضاء ولا إطعام عليهما مع ذلك. ومن كبر فعجز عن الصوم ويئس من القدرة عليه في المستأنف أفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً مثل الذي يطعمه عن نفسه في صدقة الفطر. وإذا حاضت المرأة أو نفست أفطرت وقضت بعدد ما أفطرت من الأيام إن شاءت تابعت ذلك و إن شاءت فرقت فإن لم يمكنها القضاء حتى ماتت فلا شيء عليها وإن أمكنها فقرطت في ذلك حتى
الجزء 1 · صفحة 32
ماتت فقد وجب عليها أن يطعم عنها لكل يوم مسكينا كما يطعم في صدقة الفطر فإن كانت أوصت بذلك أخرج عنها من ثلث مالها وإن لم تكن أوصت بذلك لم يخرج عنها من مالها إلا أن يتبرع بذلك وارثها وإن أمكنها قضاء بعض ما عليها ولم يمكنها قضاء بقيته حتى ماتت ولم تقض ما أمكنها قضاؤه فإن أبا حنيفة وأبا يوسف رضي الله عنهما قالا هذا والأول سواء. وقال محمد رضى الله عنه لم يجب عليها من الأيام إلا مقدار ما قدرت على قضائه منها وبه تأخذ. والمسافر والمريض فيما يفطران كالحائض والنفساء فى جميع ما ذكرنا. ولكل واحد منهما أن يقضى صومه إن شاء متتابعا وإن شاء متفرقا. ومن خاف أن تزداد عينه وجعاً أو تزداد حماه شدة إن صام في رمضان أفطر وقضى. ومن بلغ من الأطفال أو أسلم من الكفار في يوم من شهر رمضان أمسك عن الطعام في بقية يومه وصام ما بقى من شهره فإن أكل أو فعل شيئاً مما يفطر الصائم في يومه ذلك لم يقضه ومن جن قبل شهر رمضان فلم يزل كذلك حتى خرج الشهر ثم أفاق بعد ذلك وصح فلا قضاء عليه وإن أفاق في شيء من الشهر قضاه كله. ومن أغمى عليه قبل شهر رمضان فلم يزل كذلك حتى خرج شهر رمضان ثم أفاق فعليه أن يقضيه ومن رأى هلال رمضان. وحده صام. ومن رأى هلال شوال وحده لم يفطر ومن اشتبهت عليه الشهور من الأسارى فى أيدى العدو فتحرى شهر رمضان فصامه فوافقه أو وافق شيراً سواه مما بعده أجزأه إلا أن يكون مما صام يوم فطر أو نحر أو أيام تشريق فأى هذه الأيام صام لم يجزئه؛ لأن هذه الأيام لا يجزىء صومها عن واجب ولا يحل لأحد صومها تطوعا. ويقبل في الشهادة على رؤية هلال رمضان رجل واحد مسلم وامرأة واحدة مسلمة أيهما شهد بذلك وحده قبلت شهادته عليه عدلاً كان الشاهد بذلك أو غير عدل بعد أن يكون يشهد أنه رآه خارج المصر أو أنه رآه في المصر وفي السماء علة تمنع العامة من التساوى في رؤيته وإن كان ذلك في المصر ولا علة بالسماء لم يقبل في ذلك إلا الجماعة. . ولا يقبل في هلال الفطر فيما يقبل فيه شهادة الواحد في هلال رمضان إلا رجلان عدلان أو رجل وامرأتان أحرار عدول. وإن رأى هلال رمضان أو هلال شوال نهاراً قبل الزوال أو بعد الزوال فهو لليلة الجائية. قال أبو جعفر نأخذ و به. وقد كان أبو يوسف قد قال بأخرة إنه إن كان قبل الزوال فهو للماضية وإن كان بعد الزوال فهو للجائية. ولا بأس بالكحل والسواك للصائم في الغداة وفى العشى. ومن زرعه القيء وهو صائم لم يفطر. ومن استقاء فقاء فقد أفطر ووجب عليه قضاء عليه قضاء يوم بلا كفارة 0. ومن استعط أو احتقن وهو صائم ذاكراً لصومه كان عليه القضاء بلا كفارة. وكذلك من قطر في أذنه قطوراً وهو صائم ذاكراً لصومه فعليه القضاء بلا كفارة. ومن قطر في إحليله قطوراً وهو صائم ذاكراً لصومه فإن أبا حنيفة رضى الله عنه كان يقول لا
الجزء 1 · صفحة 33
قضاء عليه في ذلك ولا كفارة. وقال أبو يوسف و محمد عليه القضاء ولا كفارة و به نأخذ.
ومن أكل ناسياً في صيامه أو شرب ناسياً أو جامع ناسياً ثم أكل بعد ذلك عامدا أو شرب أو جامع متعمداً فعلية القضاء بلا كفارة. ومن داوى جائفة به أو مأمومة وهو صائم في رمضان ذاكراً لصومه فإن أبا حنيفة كان يقول إن كان داواها بدواء رطب فعليه القضاء بلا كفارة وإن كان داواها بدواء يابس فلا قضاء عليه ولا كفارة. وقال أبو يوسف ومحمد لا قضاء عليه في ذلك ولا كفارة.
قال أبو جعفر و به نأخذ. ومن أصبح في يوم من شهر رمضان ولم ينو في الليلة التي قبله صوم ثم أكل أو شرب أو جامع متعمداً فإن أبا حنيفة كان يقول عليه القضاء بلا كفارة قال أبو جعفر و به تأخذ وكان أبو يوسف ومحمد يقولان إن كان ذلك منه قبل الزوال فعليه القضاء والكفارة وإن كان منه بعد الزوال فعليه القضاء ولا كفارة وبقول أبي حنيفة وبه نأخذ.
باب الاعتكاف
قال أبو جعفر الاعتكاف سنة ولا يجوز إلا بصوم. ويجوز الاعتكاف في مسجد كان له إمام ومؤذن كان مسجد جماعة أو لم يكن. ويخرج المعتكف لحاجة الإنسان عن المسجد. ولا بأس أن يبيع ويبتاع ويشهد ويتحدث ويتزوج وتراجع في احكامه من غير إصابة لأهله في ذلك وإن أصاب أهله في ليل أو نهار خرج بذلك من احتكاته فإن كان قد أوجيه قبل ذلك الوقت لم ينقض وجب عليه السكتاته. ولا تتكلف المرأة في المسجد كما يتكف الرجل ولكنها تتكف في مسجد منتها. ولا بأس على المتكف إذا كان الحكامه في مسجد غير المسجد الذي تعلم فيه الجماعات أن يخرج يوم الجمعة إلى مسجد الجماعة حتى يصلى فيه الجمعة ويكون المقدار الذي يقيمه فيه قبل صلاة الجمعة مقدار ما يصلى أربع ركعات أو ستاً وكذلك مقالبه بعد صلاة الجنة فإن زاد على ذلك أو نقص شيئاً منه لم يضره. وإن خرج المتكف إلى جنازة أو إلى عيادة مريض أو إلى ما سوى ذلك سوى خروجه منه المخاط والبول والجنة فين ذلك قد نقض الحكامة في قول أبي حنيفة و به تأخذ. وأما في قول أبي يوسف ومحمد فمن كان ذلك أقل من نصف النهار لم يقض الحكاته وإن كان أكثر من ذلك نقض الحكاته. ولا بأس على المتكف أن يخرج إلى المنفعة التي المسجد الذى هو متكف فيه حتى يصمدها للأذان وإن كانت خارجة من المسجد. والاعتكاف يجوز يوماً فما فوقه من الأيام. ومن وجب على نفسه الحكاف أيام كانت متابعة ذكرها في إنجابه إياها بالتتابع أولم يذكرها به فيه أو العا في إنجابه الملها بالنتابع أو لم يتوها به ويدخل القليل فية مع البهار فيكون عليه من
الجزء 1 · صفحة 34
الليالي بعدد الأيام التي أوجبها إلا أن يكون نوى الأيام دون الليلي فيكون على ما نوى. ومن أوجب على نفسه احتكاف ليلة فلا شيء عليه. ومن أوجب على همه اعتكاف ليلتين أو أكثر منهما من الليالي وجب ذلك عليه من الأيام عندها. ومن أوجب على هه احتکاف شهر كان عليه اعتكافه بلياليه وأيلمه وإن نوى فى ذلك الليالي دون الأيام أو الأيام دون الليالي كانت ته بكة. ولا يصوم ولا يصوم أحد عن أحد ولا يصلى أحد عن أحد.
كتاب الحج
باب وجوب الحج
قال أبو جعفر ومن لم يستطع الثبوت على الرحل أو كان يستطيع الثبوت عليه إلا أنه زمن من رجليه سقط عنه الحج وإن كان واجد المال يحج به غيره عنه أحجه وأجزأه ذلك من حجة الإسلام إن بقى كذلك حتى يموت وإن صح قبل موته وأطاق الحج كان عليه الحج عن نفسه. وأما الأعمى فكالبصير في قول محمد ابن الحسن ولم يحك خلافا في ذلك بينه وبين أحد من أصحابه. قال أبو جعفر و به تأخذ. وروى المعلى بن منصور عن أبي يوسف عن أبي حنيفة رضى الله عنهم أنه كالمقعد في سقوط الفرض عنه في الحج. والمرأة في وجوب الحج عليها كالرجل إذا كان خروجها إلى ذلك مع زوجها أو ذي رحم محرم فإن لم يكن لها زوج ولا ذو محرم يخرج بها لا تخرج. ولا حج على أحد غير حجة واحدة. والعمرة سنة وليست بواجبة. ومن وجب عليه الحج فلم يحج حتى مات فأوصى أن يحج عنه حج عنه من ثلث تركته وإن لم يوص بذلك فتبرع به وارثه أجزأه ذلك .. ولا يجوز الاستئجار على الحج ولا على شيء من الطاعات ولا على شيء من المعاصى وإنما تدفع النفقة إلى من يحج على أن ما فضل من ذلك رده. ومن حج وهو طفل ثم بلغ أو وهو عبد ثم عتق فعليه الحج. ومن خرج للحج من الصبيان أو من البالغين فعجز عن للدخول في الحج أو عما سواها من أمور الحج ففعل ذلك عنه قام مقامه له فعليه بنفه في قول أبي حنيفة رضى الله عنه. وأما في قول أبي يوسف ومحمد رضى الله عنهما فكذلك أيضا إلا فى الإحرام الذى يدخل به في الحج فإنه لا يكون من غير الرجل الذى يريد الإحرام بالحج وبه نأخذ. ومن طيف به محمولاً أجزأه فإن كان حامله توى الطواف عن نفسه في حجة هو فيها أو عمرة أجزاء وينبغى اولى من أحرم من الصبيان أن يجرده ويجنبه ما يجتنبه المحرم في إحرامه فإن وقع في شيء من ذلك فلا شيء عليه والله تعالى أعلم.
باب ذكر الحج والعمرة
الجزء 1 · صفحة 35
قال أبو جعفر المحرمون أربعة معتمر غير متمتع بالعمرة إلى الحج ومعتمر متمتع بالعمرة إلى الحج ومفرد بالحج وقارن للحج إلى العمرة. والمتمتعون والقارنون فريقان فريق من حاضرى المسجد الحرام فأولئك داخلون في إساءة؛ لأن الله عز وجل إنما جعل التمتع لغيرهم والقرآن في معنى التمتع فعلى من يفعل ذلك منهم دم لإساءته ويجزئه منه شاة ولا يجزئ الصوم عنه ولا يأكل من ذلك الدم وفريق من غير حاضري المسجد الحرام فلهم التمتع بالعمرة إلى الحج ولهم القرآن ينهما ثم على من تمتع منهم أو قرن ما استيسر من الهدى وهو شاة فما أعلى منها وإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجع. ولو دخل في الصوم فلم يفرغ منه فلم يحل حتى وجد الهدى أهدى وحل بالهدى ولا يجزئه غير ذلك وحاضر و المسجد الحرام أهل المواقيت التى وقتها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهى ذو الخليفة لأهل المدينة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن ولأهل اليمن يلمم ولأهل العراق ذات عرق فمن كان من أهل هذه المواقيت أو من أهل ما وراءها إلى مكة فهو من حاضرى المسجد الحرام. والتمتع الذي يوجب الهدى أو الصيام هو الإحرام بالعمرة وترك العود إلى الأهل حتى يحج في عامه ذلك فمن رجع إلى أهله بينهما لم يكن متمتعاً وإن رجع إلى غير أهله الذين كانوا أهله يوم أنشأ العمرة من الآفاق التي لأهلها التمتع والقران فإن أبا حنيفة رضى الله عنه قال هو على تمتعه.
وقال أبو يوسف ومحمد رضى الله عنهما إذا رجع إلى مكان لأهله التمتع والقرآن لم يكن متمتعاً وكان ذلك كرجوعه إلى أهله وبقول أبي يوسف ومحمد تأخذ. وأشهر الحج شوال وذو القعدة والعشر الأول من ذى الحجة. والقرآن جمع الحج والعمرة في الإحرام لها. والتمتع الذي ذكرنا هو الطواف والسعي في أشهر الحج ثم الحج بعده. وجائز إدخال الحج على العمرة ومكروه إدخال العمرة على الحجة. ومن أدخلها عليها قبل الطواف لها كان قارنا ومن أدخلها عليها بعد الطواف لها أمر أن يرفضها وكان عليه دم لرفضها وعمرة مكانها والقران أفضل مما سواه ثم التمتع بالعمرة إلى الحج ثم الإفراد وكل ذلك واسع.
باب المواقيت
قال جعفر قد ذكرنا في الباب الذي قبل هذا الباب المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن مر وهو يريد الحج أو العمرة بميقات منها فهو كأهل ذلك الميقات فلا يجاوزه إلا محرماً ومن كان أهله دون الميقات إلى مكة فيقاته من حيث ينشيء الإحرام ومن جاوز الميقات وهو يريد الإحرام بغير إحرام ثم أحرم بحج أمر أن يرجع إليه فيلبي منه فإن رجع إليه قبل أن يقف بعرفة فلم يلب منه فإن أبا حنيفة رضى الله عنه كان يقول لا يسقط عنه بذلك الدم الذى وجب عليه بمجاوزته الميقات غير محرم.
الجزء 1 · صفحة 36
قال أبو جعفر والقياس عندى أن عليه دما رجع أو لم يرجع وهو قول مالك وزفر. ومن مر بميقات من هذه المواقيت فلم يحرم منه وهو يريد الحج وجاوزه ثم رجع إلى وقت غيره من المواقيت قبل أن يقف بعرفة فإن محمداً روى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة رضى الله عنهم أن الدم قد سقط عنه ولم يحك خلافاً. وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف عن أبي حنيفة رضي الله عنهما أنه إن كان رجع إلى ميقات يحاذى الميقات الأول فهو كرجوعه إلى الميقات الأول وإن رجع إلى ميقات بين الميقات الأول وبين الحرم لم يسقط عنه ذلك الدم والقياس على أصولهم ما روى أصحاب الإملاء.
ومن جاوز الميقات وهو يريد الإحرام بغير إحرام ثم أحرم بعمرة فإن رجع إلى الوقت قبل أن يطوف لها قلى منه سقط عنه منه سقط عنه الدم وإن رجع إليه فلم يلب منه كان عليه الدم في قول أبي حنيفة رضى الله عنه. وقال أبو يوسف ومحمد رضى الله عنهما إذا رجع إلى الوقت محرماً قبل أن يطوف بالبيت سقط عنه الدم لبي أو لم يلب.
باب ذكر ما يعمل عند الميقات
قال أبو جعفر وإذا أتى الرجل الميقات وهو يريد العمرة تجرد واغتسل أو توضأ والغسل أفضل ثم لبس ثوبين إزاراً ورداء ومس من طيبه إن شاء ولا يضره بقاء الطيب عليه بعد الإحرام في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وأما محمد فكان يكره له ذلك وينهاه عنه وقول محمد عندنا أجود و به نأخذ وهو قول أهل المدينة ثم يحرم بالعمرة بعد صلاة مكتوبة أو نافلة يكون إحرامه عقيباً لها. والإحرام بها التلبية والتلبية لها لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ثم يلبي إذا استوى على راحلته وكلما علا شرفاً وكلما هبط وادياً وبالأسحار وفي أدبار الصلوات المكتوبات غير الفائتات ثم لا يزال يلبي حتى يفتح الطواف لعمرته فيقطع التلبية ويطوف سبعة أشواط من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود ويرمل في الثلاثة الأول منها ويمشى في بقيتها ويستلم الحجر الأسود ويقبله كلما مر به إن أمكنه ذلك فإن لم يستطع استقبله وكبر ورفع يديه يستقبل بظهورهما وجهه ويبطونهما الحجر فيفعل ذلك في الأشواط السبعة.
وأما الركن اليماني فإن أبا حنيفة وأبا يوسف رضى الله عنهما قالا إن استلامه فحسن وإن تركه لم يضره وهو قول محمد رضى الله عنه القديم قال بعد ذلك يستلمه ويقبله ويفعل فيه كما يفعل في الحجر الأسود سواء وبه تأخذ. فاذا فرغ من هذه السبعة الأشواط صلى ركعتين إلا أن يكون بعد الصبح ولم
الجزء 1 · صفحة 37
تطلع الشمس أو بعد العصر ولم تغب الشمس أو بعد طلوع الشمس قبل ارتفاعها أو عندما يقوم قائم الظهيرة قبل أن تزول فإنه لا يصليهما حتى تحل الصلاة ثم يخرج من باب الصفا أو من حيث ماتيسر عليه حتى يقف على الصفا من حيث يرى البيت فيكبر الله ويهلله ويحمده و يصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم ويدعو بما أحب ثم ينزل ماشياً حتى إذا كان عند الميل الأخضر سعى سعياً حتى يجاوز الميلين الأخضرين ثم يقف على المروة فيفعل عليها كما يفعل على الصفا حتى يفعل ذلك مرات يبتدىء فى كل مرة منها بالصفا ويختم بالمروة فإذا فعل ذلك حلق سبع أو قصر والحلق أفضل ثم قد حل من كل شيء. والنساء في العمرة كالرجال إلا أنهن لا يسعين ولا يرملن ولا يحلقن إنما يقصرن. وإذا أقيمت الصلاة وهو يطوف ويسعى بنى ولو طاف لعمرته محمولا لعلة لم يضره ولو كان لغير علة كان عليه دم وأجزأه والعمرة جائزة فى السنة كلها إلا في يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق فإنها مكروهة فيها. ومن طاف بالبيت لعمرته وهو جنب أو على غير وضوء فإن أعاد الطواف لها وهو طاهر أجزأه ذلك ولم يكن عليه شيء وإن لم يعده كذلك حتى رجع إلى أهله كان عليه دم و يجزئه. وإن طاف العمرته فى ثوب نجس فلا شيء عليه وقد أساء وإن طاف لها مكشوف العورة ثم رجع إلى أهله قبل أن يعيد الطواف بالبيت مستور العورة كان عليه دم وأجزأه ومن سعى بين الصفا والمروة على غير طهارة فلا شيء عليه.
باب ذكر الحج
قال أبو جعفر وإذا أراد الرجل الإحرام بالحج فعل كما وصفنا في العمرة غير أنه لا يقطع التلبية عند أخذه في الطواف ويقيم على إحرامه ويطوف بالبيت متى شاء. و لا يرمل فى طوافه ولا يسعى بين الصفا والمروة ويركع لكل أسبوع ركعتين. فإذا كان يوم التروية خرج إلى منى فصلى بها الظهر وبات بها فإذا أصبح وطلعت الشمس دفع إلى عرفة فأقام بها حتى يصلى الظهر والعصر في وقت الظهر مع الإمام فإن فاتناه أو إحداهما مع الإمام صلى كل واحدة منهما لوقتها في قول أبي حنيفة رضى الله عنه. وأما أبو يوسف ومحمد رضى الله عنهما فقالا يصليهما في رحله بأذان كما يصليهما مع الإمام و به نأخذ. ويجمع الإمام بين هاتين الصلاتين وإقامتين ثم وقف بعرفة وكل عرفة موقف إلا عُرنَةَ فاجتهد في الدعاء إلى الغروب ثم دفع إلى مزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء ونزل منها حيث أحب وكلها موقف إلا بطن تحشر وإن صلاهما دونها فإن أبا حنيفة قال لا يجزيانه وعليه أن يعيدها بالمزدلفة وهو قول محمد. وقال أبو يوسف يجزيانه و به نأخذ. ويجمع الإمام بين هاتين الصلاتين بأذان وإقامتين ويأخذ منها حصى الجمار أو من حصيات حيث تيسر عليه وهى مثل حصى! الخذف فإذا أصبح وصلى الفجر وقف عند المشعر
الجزء 1 · صفحة 38
الحرام ودعا ثم دفع قبل طلوع الشمس إلى منى يرمي جمرة العقبة بسبع حصيات وكبر مع كل حصاة منهن وقطع التلبية مع أول حصاة وإن كان معه هدى نحره ثم حلق أو قصر والحلق أفضل ثم قد حل له كل شيء إلا النساء ثم أتى البيت فطاف به سبعة أشواط لا يرمل فيهن ولا يسعى بين الصفا والمروة معهن وهو طواف الزيارة فإذا فعل ذلك فقد حل له النساء ثم ركع ركعتين ثم رجع إلى منى فبات بها فإذا أصبح وزالت الشمس رمى الجمرة الأولى بسبع حصيات ووقف عندها ودعا ثم رمى الوسطى كذلك ووقف عندها كذلك ثم رمى القصوى بسبع ولا يقف عندها و بات بمنى فإذا أصبح وزالت الشمس رمي الجمار الثلاثة كما رمى بالأمس فإن أحب أن يتعجل خرج قبل الغروب عن منى وإن غربت الشمس وهو بها فأفضل له أن يقيم إلى النفر الآخر فإن لم يفعل ونفر فيها بينه وبين طلوع الفجر فلا شيء عليه وقد أساء وإن طلع الفجر قبل أن ينفر فقد وجبت عليه الإقامة إلى النفر الآخر ويرمى فى ذلك اليوم كما يرمى فى اليوم الذي قبله ثم خرج إلى مكة فأتى البيت فطاف به سبعاً وهو طواف الصدر وركع ركعتين ثم خرج إلى أهله،
ولا ينبغي له أن يقدم ثقله. ولا بأس أن ينزل الأبطح فيقيم به ساعة قبل أن يصير إلى مكة لطوافه اوداعه. ولا ينبغي لأحد من الحاج أن ينفر من مكة حتى يطوف طواف الصدر إلا أن يكون امرأة حائضاً فلا بأس عليها أن تنفر ولاشيء عليها. ومن تراك طواف الصدر سوى الخائض حتى رجع إلى أهله أجزأه حجه وكان عليه دم يدنج عنه بمكة. ومن ترك طواف الزيارة وطاف طواف الصدر أجزأه من طواف الزيارة وكان عليه دم لطواف الصدر. ومن لم يطف طواف الزيارة ولا طواف الصدر إلى أهله كان حراماً أبداً حتى يرجع فيطوف طواف الزيارة ويقضى حتى رجع بعده ما بقى من حجه. والقارن يطوف عند قدومه مكة طوافين ويسعى سعيين؛ يطوف أولا نعمرته ويركع ركعتين ويسعى بين الصفا والمروة كما وصفنا في العمرة ثم يطوف بعد ذلك لحجته ويركع ركعتين ويسعى بين الصفا والمروة كما وصفنا في الحج ثم يفعل بعد ذلك كما يفعل المفرد حتى إذا كان يوم النحر رمى جمرة العقبة ثم ذبح هدى قرانه ثم حلق فإن لم يجد الهدى صام ثلاثة أيام في حجه آخرها يوم عرفة فلا يجزئه أن يصوم شيئاً منها بعد يوم عرفة ثم يصوم سبعة إذا رجع ومن اعتمر في أشهر الحج أو طاف أكثر طواف عمرته فيها وليس من حاضرى المسجد الحرام ثم حج من عامه كان متمتعاً وعليه من الهدى إن وجده ومن الصيام إن عدمه كما على القارن ومن لم يسع من الحاج بين الصفا والمروة في طواف قدومه يسعى بين الصفا والمروة فى طواف يوم النحر. وإذا توجه القارن إلى عرفة قبل أن يطوف لعمرته فإن أبا حنيفة رضى الله عنه كان يقول قد صار
الجزء 1 · صفحة 39
بذلك رافضاً لعمرته حين توجه إلى عرفة وعليه لرفضه دم وعمرة مكانها ويمضى في حجته. وقال أبو يوسف ومحمد رضى الله عنهما لا يكون رافضاً لعمرته حتى يقف بعرفة الحجته بعد زوال الشمس و به نأخذ. وإذا دخلت المرأة مكة معتمرة وهى تريد الحج بعد العمرة أو دخلتها قارنة فحاضت قبل أن تطوف لعمرتها رفضت العمرة وكان عليها لرفضها دم وعمرة مكانها ومضت في حجها إن كانت قارنة أو أحرمت بالحج إن لم تكن قارنة. ومن جامع امرأته في حجه قبل وقوفه بعرفة مطاوعة أو مكرهة كان على كل واحد منهما دم ويمضيان في حجهما حتى يفرغا منه وعليهما قضاء الحج من قابل ولا يتفرقان وهذا حكمه فى الجماع ما لم يقف بعرفة بعد الزوال. فإن جامع بعد ما وقف بعرفة بعد الزوال كانت عليه بدنة وكان على زوجته المجامعة بدنة ولا يرجع عليه بشيء لإكراهه إياها ويجزيهما حجهما ولا يجب عليهما له قضاء.
ومن جامع في حجته مراراً قبل وقوفه بعرفة فإن أبا حنيفة وأبا يوسف رضى الله عنهما قالا إن كان ذلك في موطن واحد كان عليه دم واحد وإن كان فى مواطن كان عليه لكل موطن دم. وقال محمد رضى الله عنه عليه دم واحد ما لم يهد ثم يجامع بعد ذلك فإنه إن أهدى ثم جامع بع ذلك كان عليه دم آخر و به نأخذ. ومن جامع في عمرته ما لم يطف لها أربعة أشواط من طوافها فقد أفسدها وعليه دم لإفساده إياها وعليه عمرة مكانها فإن كان ذلك منه بعد ما طاف لها أربعة أشواط كان عليه دم ويجزئه منه شاة وأجزأته عمرته ولم يجب عليه لها قضاء والمرأة في ذلك كالرجل ومن قبل امرأته وهو محرم فأنزل أو لم ينزل فعليه دم ويجزئه ححته أو عمرته والمرأة فى ذلك كالرجل.
باب ما يجتذبه المحرم
قال ومن أحرم من الرجال لم يتطيَّب ولم يلبس ثوبا مصبوغا مورس ولا بزعفران ولا عصفور ولا قميصا ولا قباء ولا برنسا ولم يغط له رأسه ولا وجها ولا يلبس سراويل ولا خُفَّا ولم يقتل صيداً من صيد البر ولم يصب له أهلاً ولم يجز له شعراً ولم يقص ظفرا ولم يدهن له لحية ولا رأسا ولا ما سواهما من بدنه بدهن مُطَيَّب ولا غير مطيب .. ولا بأس عليه أن يتزوج من غير أن يدخل بمن يتزوج ولا ينبغي له أن يقطع من الحرم شجراً غير الإذخر وكذلك الحلال في شجر الحرم هو بهذه المنزلة أيضا. وأما النساء فهنَّ فى اجتناب الطيب كالرجال ولا بأس أن يلبسن مابدا لهن من القميص وما سواها مما لا طيب فيه غير أنهن لا يغطين وجوههن ولكنهن يسدلن على وجوههن ويجافين ذلك عن وجوههن. ولا بأس أن تغطى المرأة فاها في إحرامها إلا في الصلاة فإنها لا تغطيه فيها. ومن لبس من المحرمين قميصاً أو سراويل أو
الجزء 1 · صفحة 40
عمامة أو قلنسوة يوما كاملا من غير ضرورة فعليه لذلك دم لا يجزئه غيره ويجزئه من ذلك شاة وإن لبسه أقل من يوم فعليه لذلك إطعام وإن لبس ذلك من ضرورة يوما كاملا كان عليه أى كفارة شاء؛ إن شاء ذبح شاة وإن شاء صام ثلاثة أيام وإن شاء أطعم فرقا من حنطة وهو ثلاثة أضع بصاع صلى الله عليه وسلم - ستة مساكين كل مسكين منهم نصف صاع رسول الله صلى الله فيطعم في ذلك حيث أحب من البلدان وكذلك هو في الصيام ولا ينسك عن ذلك إلا في الحرم. ومن لم يجد نعلين قليلبس خفين بعد أن يقطعهما أسفل من الكعبين وكذلك إن لم يجد إزاراً شق سراويله ولبسه كذلك. ومن حلق من المحرمين رأسه من غير ضرورة كان عليه دم لا يجزئه غيره وإن كان من ضرورة كان عليه أى الكفارات الثلاث ذكرناهن في اللباس شاء وكذلك إن حلق ربع رأسه في قول أبي حنيفة رضى الله عنه ولا يجب عليه الدم في قول أبي يوسف ومحمد رضى الله عنهما في خَلْقِه بعض رأسه حتى يحلق أكثر رأسه فيجب عليه دم و به نأخذ. وإن حلق شاربه كان عليه إطعام وإن حلق موضع المحاجم كان عليه دم في قول أبي حنيفة. وفي قول أبي يوسف ومحمد عليه إطعام و به تأخذ. وقال أبو يوسف ومحمد لا يجب عليه الدم إلا في العضو الكامل. ومن حلق إبطيه أو أحدهما كان عليه دم. وإن قص أظافيره كلها كان عليه دم وإن قص أظافيريد ورجل كان عليه دم أيضا وإن قص خمسة أظافير من يدين أو رجلين فإن أبا حنيفة وأبا يوسف قالا عليه صدقة وقال محمد عليه دم. ومن قطع من شجر الحرم حراما كان أو حلالاً مما قد ذكرنا أنه ليس له قطعه كانت عليه قيمته ويجزئه أن يشترى بها هديا فينحره في الحرم ويتصدق به على المساكين أو يشترى بها حنطة فيطعم كل نصف صاع منها مسكينا ولا يجزئه في ذلك صوم. . ولا ينبغي لأحد أن يحتش من حشيش الحرم ولا يُرعيه بعيره في قول أبي حنيفة ومحمد و به نأخذ.
وأما في قول أبي يوسف فلا بأس أن يرعيه بعيره ولا ينبغي له أن يحتشه وشجر الحرم الذى نهينا عنه هو مالا ينبته الناس من الحشيش وما أشبهه إلا الإذخر فإنه لا بأس به فأما ما تنبته الناس فلا بأس بقطعه ولا يأكل المحرمي من صيد البر ما تولى صيده ولا ما تولى صيده غيره من المحرمين ولا بأس بأن يأكل مما اصطاده حلال وإن كان صاده من أجله إذا كان صاده في الحل بغير أمره. ولا بأس أن يذبح ما بدا له من الأنعام. ولا بأس أن يستظل راكباً ونازلا. ومن ادهن وهو محرم بزيت كان عليه دم. ولا بأس المحرم بقتل البرغوث والنملة والبقة وإن قتل قملة أطعم شيئا. ومن حلق وهو محرم شعر رأس غيره أو قص أظفار غيره أطعم شيئا.
باب الفدية وجزاء الصيد
الجزء 1 · صفحة 41
قال أبو جعفر ومن تطيب من المحرمين عامداً أو ساهياً أو حلق رأسه عامداً أو ساهياً أو فعل شيئاً. سواهما مما لو فعله عامداً كان عليه شيء كان عليه ذلك الشيء في السهو والنسيان كما يكون عليه في العمد. ومن وقف بعرفة من المحرمين بالحج ودفع منها قبل الغروب فعليه دم فإن كان الإمام واقفاً على حاله رجع فوقف معه بقى من الوقوف والدم عليه على حاله. ومن بات في غير مني في أيام منى كان مسيئاً ولا شيء عليه وسواء كان من أهل السقاية أو من الرعاة أو غيرهم وإن قتل محرم صيداً حكم عليه في ذلك ذوا عدل فقوماه في المكان الذي أصابه فيه وإن بلغت قيمته ثمن هدى صرفها في هدى وإن شاء ابتاع بها طعاما فأطعم کل مسكين نصف صاع من بر وإن شاء قومها طعاما ثم صام عن كل نصف صاع بر منه يوما هو مخير في ذلك في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رضى عنهما. وقال محمد رضى الله عنه يحكم به ذوا عدل فإن حكما هديا نظر إلى نظيره من النعم الذي يشبهه في المنظر ولم ينظر إلى قيمته فيكون عليه في الظبي شاة وفى الأرنب عناق أوجدى وما لم يكن له نظير من النعم مثل الحمامة ونحوها وسواء كانت الحمامة من حمام مكة أو من حمام غيرها فقيه قيمته طعاما.
وقول أبي حنيفة في القيمة أجود وقول محمد فى الاختيار أنه إلى الحكمين على قاتل الصيد أجود وإن شاء أن يصوم عن كل نصف صاع من ذلك الطعام يوما فعل وإن حكم الحكمان بالطعام أو حكما بالصيام فعلى ما قال أبو حنيفة وقتله الصيد عامداً أو قتله إياه ساهيا سواء وكما قتل صيداً حكم عليه كما ذكرنا. وإذا قتل المحرمان صيداً كان على كل واحد منهما جزاء. وإذا قتل القارن صيداً كان عليه جزاءان وكذلك كل ما فعله في قرانه مما يجب على الحاج أو على المعتمر شيئاً وجب عليه مثلا ذلك الشيء. وإذا قتل الحلال صيداً كان في الحرم كان عليه في ذلك مثل الذي على الحرام إذا قتله فى الإحرام إلا أنه لا يجزيه فى ذلك صوم ومن صُدّ من المحرمين. عن الحرم بعدو أو حصره عنه أو حبسه عنه مرض أو ما حبسه الهدى فى الحرم فيحل به ويكون عليه قضاء ما حل منه وإن كان الذي حل منه عنه من شيء كان ذلك حصرا وثبت على إحرامه حتى ينحر عنه عمرة كانت عليه عمرة مكانها وإن كانت حجة كانت عليه حجة وعمرة مكانها ولا يكون الإحصار بمكة وإنما يكون قبلها ولا يكون الحاج محصرا بعد ما يقف بعرفة إنما يكون محصرا قبل ذلك.
ومن أحصر في حج بعث بهدى وواعدهم أن ينحروه عنه في أى العشر شاء فإذا نحروه عنه حل في قول أبي حنيفة رضى الله ولا يجوز له أن يواعدهم أن ينحروه عنه فى قول أبي يوسف ومحمد إلا في يوم النحر وبه وبه نأخذ. ولا ينحر عنه في قولهم جميعا إلا فى الحرم. وإذا نحر عند الهدى فإن أبا حنيفة
الجزء 1 · صفحة 42
ومحمداً قالا ليس عليه أن يحلق رأسه. وقال أبو يوسف فيما روى عنه محمد يحلقه فإن لم يحلقه فلا شيء عليه. وقال أبو يوسف فيها بعد ذلك فيما روى عنه محمد بن سماعة لا بد له من حلقه وبه نأخذ. ويفعل المحصر بالعمرة كما يفعل المحصر بالحج إلا أنه لا وقت لنحر الهدى لها. ومن فاته من الحاج الوقوف بعرفة حتى يطلع الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج فيفعل ما يفعل المعتمر وعليه القضاء ولا هدى عليه. وإذا أحرم العبد بغير إذن سيده والمرأة بغير إذن زوجها بسوى حجة الإسلام التى هى على المرأة دون العبد فمنعاهما وحلاهما حلاً وكان عليهما مثل ما على المحصر مما ذكرنا إلا أن العبد إنما يفعل ذلك بعد ما يعتق. وإذا أحرمت المرأة بحجة الإسلام وهى من واجدى السبيل في وقت إحرام أهل بلدها فليس لزوجها منعها من ذلك. والهدى من الإبل والبقر والغنم ويجزئ فيه ما يجزئ في الأضاحى ولا يأكل من شيء من الهدايا إلا هدى المتعة وهدى القرآن وهدى التطوع إذا بلغ محله. وكل هدى عطب دون محله فلصاحبه أن يفعل به ما شاء إلا هدى التطوع فإنه ينحره ويغمس لعله في دمه ثم يضرب بها صفحته ويخلى بينه وبين الناس يأكلونه ولا يأكل هو منه ولا بدل عليه فيه وعليه فيما سوى التطوع البدل.
باب خطب الحج
قال أبو جعفر في الحج ثلاث خطب إحداهن قبل التروية بيوم بمكة بعد صلاة الظهر خطبة واحدة لا يجلس فيها وخطبة يوم عرفة بعرفة بعد الزوال قبل الصلاة وهي خطبتان يجلس بينهما جلسة خفيفة. وقال أبو حنيفة رضى الله عنه يبتدئ الخطبة إذا فرغ المؤذنون من الأذان بين يديه كما يفعل في الجمعة وهو قول محمد رضى الله عنه وهو قول أبي يوسف القديم أيضا. وقال أبو يوسف رضى الله عنه بعد ذلك يخطب الإمام قبل الأذان فإذا مضى من خطبته صدر أذن المؤذنون وبه نأخذ. وخطبة بعد النحر بيوم بمنى كالخطبة التي قبل التروية بيوم.
باب الإشعار
قال أبو جعفر وكان أبو حنيفة رضى الله عنه يكره الإشعار وكان أبو يوسف ومحمد رضى الله عنهما لا يريان به بأساً و به نأخذ. ولا يشعر في قولهما إلا البدن ولا تشعر البدن إلا في التطوع وفى القرآن وفى المتعة ولا يشعر فيما سوى ذلك ولا بأس بتجليل الإبل والبقر في قولهم جميعاً ولا بأس أيضا بتقليدها. والتقليد أن تجعل في رقبة كل واحد منها عروة مزادة أو نعلا جديدة ثم يتصدق بذلك كله إذا نحرت والإشعار في الجانب الأيسر من السنام إلا أن تكون إبلا صعابا فيشعر بعضها في جانبها الأيسر وبعضها
الجزء 1 · صفحة 43
في جانبها الأيمن للمشقة في ذلك. ولا بأس بترك التعريف بالهدايا.
باب حكم المتمتع في سياقه الهدى
عند إحرامه وفى تركه سياقته
قال أبو جعفر وإذا أحرم الرجل بعمرة وهو يريد المتعة ولم يسق لها هديا وليس من حاضرى المسجد الحرام؛ فإنه إذا فرغ من عمرته صار حلالا ولا يزال كذلك حتى يحرم بالحج فيصير حراما ولو كان ساق هديا لمتعته عند إحرامه لعمرته لم يحل من عمرته حتى يحل من حجته ولو أحرم بعمرة وهو يريد التمتع وساق لها هديا ثم بدا له ألا يتمتع كان ذلك له وكان له بيع الهدى ولم يكن عليه سوى ذلك ولو أنه بعد إحلاله بعد عمرته وبعد استهلا الهدى بدا له أن يحرم بالحج من عامه ذلك ولم يرجع إلى أهله كان ذلك له وكان عليه هدى لمتعته وهدى آخر لإحلاله بين عمرته وبين حجته بعد سياقته الهدى الأول لمتعته
كتاب البيوع
قال أبو جعفر واذا تعاقد الرجلان البيع الجائز بينهما بلا خيار اشترطه فيه واحد منهما فليس لواحد منهما فسخه بعد ذلك تفرقا بأبدانهما عن موطن البيع يتفرقا. والخيار الذى جاءت به السنة هو بين قول البائع قد بعتك وبين قول صاحبه قد قبلت منك؛ للمخاطب بالبيع الرجوع قبل قبول صاحبه عما قال وللمخاطب قبول ذلك القول ما لم يفترق هو وصاحبه بأبدانهما فإذا افترقا بأبدانهما لم يكن له أن يقبل بعد ذلك وإنما يجوز له أن يقبل من صاحبه ما لم يكن أخذ فى عمل آخر أو في كلام آخر وما لم يكن صاحبه أخذ فى عمل آخر أو فى كلام آخر قبل ذلك. ولا يجوز اشتراط الخيار في البيع أكثر من ثلاثة أيام في قول أبي حنيفة رضى الله عنه. وأما في قول أبي يوسف الله عنهما فلا بأس به ثلاثة أيام وأكثر منها إذا كان إلى نهاية ومحمد رضى معلومة و به نأخذ. وعتاق المشترى فيها له فيه الخيار جائز وعليه ضمان ثمنه وعتاق المشترى فيما فيه الخيار للبائع باطل. وإن مات في يد المشترى ماله فيه الخيار كان عليه ضمان ثمنه لبائعه وإن مات في يده ما لبائعه فيه الخيار كان عليه ضمان قيمته البائعه. والخيار لا يورث.
باب الربا والصرف
قال أبو جعفر ولا يجوز بيع الذهب بالذهب إلا مثلا تمثل سواء بسواء بوزن يتقابضه متعاقداً الصرف فيه قبل أن يتفرقا بأبدانهما والفضة بالفضة كذلك أيضاً فى جميع ما ذكرنا. ولا يجوز الخيار في الصرف. والربا يدخل فى كل مكيل وفى كل موزون مأكولا كان أو غير مأكول. وكل جنس من أجناس
الجزء 1 · صفحة 44
المكيل أو من أجناس الموزون فلا يجوز أن يباع بجنسه متفاضلا ولا يجوز أن يفترق متبايمان عن الموطن الذى يتبايعان فيه قبل قبضهما إياه إلا أن يكون بيعه مما سوى الذهب والفضة؛ فإنه إذا كان كذلك فلا بأس بتفرقهما بأبدانهما قبل قبضه. ولا يجوز بيع شيء من المسكيلات ولا من الموزونات بشيء من جنسه نسيئة ولا بأس ببيعه بعينه بشيء من جنسه بغير عينه إذا تقابضا ما كان منه بغير عينه قبل أن يفترقا بأبدانهما عن موطن البيع. والتمور كلها جنس واحد وإن اختلفت أسماؤها وكذلك الحنطة جنس واحد وإن اختلفت أسماؤها وبلدانها ولحوم الضأن ولحوم الماعز نوع واحد؛ ولا يباع بعضها ببعض إلا كما يباع النوع بنوعه مما يدخله الربا الربا. ولحوم الإبل العراب منها والبخت نوع واحد. ولحوم البقر والجواميس نوع واحد وكل نوع من هذه الأنواع فلا بأس ببيعه بالنوع الآخر؛ واحد بأمثاله إذا كان يداً بيد. والشعير والحنطة نوعان مختلفان. والحبوب كلها من القطنية وغيرها أنواع مختلفة. ولا بأس ببيع الحيوان باللحم من جنسه وإن كان الحيوان فيه من ذلك اللحم أكثر من اللحم الذي بيع به في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رضى الله عنهما. وأما في قول محمد فلا يجوز ذلك إلا أن يحيط العلم أن فى الحيوان المبيع من اللحم أقل من ذلك اللحم المبيع به فيكون ذلك اللحم بمثله ويكون الباقى منه بما فى الحيوان سوى اللحم و به نأخذ وبه ولا يجوز بيع الزيت بالزيتون إلا أن أن ما في الزيتون من الزيت أقل الشاق من ذلك الزيت فيكون الزيت بمثله ويكون مابقى منه بالزيتون. وبيع التي في ضرعها لبن بلبن من جنس لبنها كبيع الشاة باللحم من جنس لحمها على ما ذكرنا من الاختلاف في ذلك. ولا بأس الرطب بالتمر يداً بيد ببيع مثلا بتمثل في قول أبي حنيفة و به نأخذ. ولا يجوز ذلك في قول أبي يوسف ومحمد ولا يجوز متفاضلا في قولهم جميعاً. وإذا اشترى الرجل شيئين كعبدين أو كثو بين فلم يقبضه هما حتى رأى بأحدهما عيباً فإنه يردهما جميعاً أو يأخذهما جميعا ليس له غير ذلك وإن كان قد قبضهما جميعاً رَدَّ المعيب منهما بحصته من الثمن على الصحة وإن كان قد قبض بعض المبيع وبقى بعضه فهو فى حكم من لم يقبض شيئا منه في ذلك. وإذا وجد الرجل درهما معيباً في دراهم صرفها بعد ما افترق هو والذي صارفه إياها فإن كان زائفاً أو نهرجا جاز رده واستبداله ولا يفارق صاحبه عن موطن البدل. حتى يقبض البدل منه فإن فارقه قبل أن يقبض البدل منه انتقض الصرف في ذلك. الدرهم خاصة وكان شريكا فى الدينار الذي صارفه به تلك الدراهم بذلك الدرهم وكذلك لو وجد فيها زائفاً أو نبهرجا أكثر من درهم فيما بينه وبين نصف الدراهم فإن وجد فيها كذلك أكثر من نصف الدراهم رد ما وجد منها كذلك وكان شريكا في الدينار بحسابها في قول أبي حنيفة. وأما في قول أبي يوسف ومحمد فإنه يردها ويستبدلها ولو كانت كلها كذلك و به نأخذ.
الجزء 1 · صفحة 45
وإن وجد في الدراهم واحداً فما فوقه ستوقا أو رصاصا بعد ما افترقا رده وانتقض الصرف فيه وعاد هو والذي صارفه الدراهم شريكين في الدينار الذي كان قبضه منه.
باب العرية
قال أبو جعفر الحرية أن يعرى الرجل الرجل ثمر نخلته فلا يجدها المعرى حتى يبدو للمعرى أن يمنعه منها أو يعوضه منها خوصها تمراً أو يقبل ذلك منه المعرى فيطيب ذلك للمعرى والمعرى؛ يخرج المعرى من حكم من وعد وعداً ثم أخلفه ويخرج المعرى من حكم من أخذ عوضاً عن شيء لم يكن ملكه.
باب بيع أصول الشجر والنخل والثمار
قال أبو جعفر وإذا باع الرجل شجراً أو نخلاً فيه ثمر قد بدا منها فالثمر للبائع وعليه قلعه من شجر المشترى ومن نخله وليس للبائع تركه إلى جذاذ ولا إلى غيره وسواء أبر أو لم يؤبر إذا ظهر فى نخله وبان فيها وإن اشترى التمرة دون الأصل فالمشترى جائز وعلى المشترى أن يجدها أبرت قبل ذلك أو لم تُؤبر فإن اشترط في البيع تركها إلى جذاذها فإن أبا حنيفة وأبا يوسف رضى الله عنهما قالا البيع على ذلك فاسد. وقال محمد إن كان صلاحها لم يبد فالبيع فاسد وإن كان قد بدا فالبيع جائز والشرط جائز و به نأخذ. ولا يجوز بيع الثمرة إلا صاعاً منها. ولا بأس ببيع الجزء المعلوم من أجزائها. وما أصاب الثمرة بعد قبض مبتاعها إياها من السماء أو من جناية جانٍ عليها فمن مال المشترى وإن كان ذلك قبل قبض المشترى إياها فمن مال البائع ويبطل البيع فيما تلف منها بذلك إلا أن يشاء المشترى أن يأخذ الباقى منها بعد ما ذهب منها من السماء بحصته من الثمن وإن شاءفي جناية الجاني عليها أن يمضى البيع ويبيع الجانى قيمة ما جناه عليها فيكون ذلك له. و إذا اشترى الرجل الرطبة القائمة في الأرض جاز ذلك وكان عليه جذاذها وإن اشترط ذلك على البائع كان البيع فاسداً. وإذا باع الرجل للرجل أرضا دخل ما كان فيها من بناء ونخل وشجر فى البيع ولم يدخل فيه ما كان فيها من زرع ولا من تمر وكان للبائع أن يقلعهما لنفسه. ومن ابتاع شيئا بعينه فهلك في يد بائعه بطل البيع فيه. ومن اشترى شيئا اشترى شيئا بعينه فما زاد في ذمة بائعه لم يجز بيعه قبل قبضه فإن هلك في يد بائعه بطل البيع فيه. ومن اشترى شيئا بعينه أو فى ذمة لم يجزله بيعه قبل قبضه ولا الشركة منه ولا التولية فيه والحوالة به كالبيع فيه ولا يجوز في شيء من ذلك والإقالة قبل قبض المبيع فسخ للبيع فيه وهى بعد قبض المبيع في قول أبي حنيفة رضى الله عنه كذلك وبه نأخذ. وهى فى قول أبي يوسف رضى الله عنه بعد قبض المبيع بيع مستقبل وقبل قبضه فسخ للبيع. ومن وجب
الجزء 1 · صفحة 46
له حق من قرض أو من ثمن مبيع فابتاع به شيئا بعينه جاز قبضه أو لم يقبضه. و إن ابتاع به شيئا بغير عينه فإن قبضه قبل أن يفترق هو وبائعه إياه عن موطن البيع تم البيع وإن تفرقا قبل أن يقبضه بطل البيع. ومن اشترى طعاما صبرة فقبضه جاز له بيعه نقله عن موضعه الذي ابتاعه فيه أو لم ينقله. ومن اشترى صبرة طعام على أن كل قفيز منها بدرهم فإن أبا حنيفة كان يقول في ذلك إنما وقع البيع على قفيز واحد بدرهم واحد فإذا كالها البائع للمشترى كان المشترى بالخيار إن شاء أخذ بقيتها بعد القفيز الذي لزمه منها كل قفيز بدرهم وإن شاء ترك. وقال أبو يوسف ومحمد رضى الله عنهما يلزمه البيع فيها كلها كل قفيز بدرهم وبه نأخذ. وإن اشترى الصبرة كلها بمائة در هم كل تفيز منها بدرهم فقد وقع البيع على جميعها كل قفيز منها بدرهم في قولهم جميعا.
باب المصراة وغيرها
قال أبو جعفر وإذا اشترى الرجل ناقة أو بقرة أو شاة على أنها لبون ثم حلبها مرة بعد مرة فتبين له بنقصان لبنها أنها مصراة فإنه يرجع على بائعه بنقصان عيبها وليس له ردها عليه دون ابنها ولا مع لبنها وهذا قول أبي حنيفة ومحمد رضى الله عنهما وهو قول أبي يوسف رضى الله عنه القديم وبه نأخذ. وقد قال أبو يوسف بأخرة فيما روى عنه أصحاب الإملاء إنه يردها وقيمة صاع من تمر ويحتبس لبنها لنفسه. ومن اشترى أمة فاستغلها ثم أصاب بها عيبا ردها على بائعها واحتبس غلتها وكانت طيبة له ولو جامعها ثم وجد بها عيبا كان بائعها بالخيار إن شاء أخذها ولا شيء له عليه غيرها وإن شاء رد أرش عينها من ثمنها وسواء كانت بكراً أو ثيبا. وكذلك لو جنى عليها جناية ثم أصاب بها عيبا ولو كانت تزوجها أو جنى عليها غيره جناية فوجب لها مهر أو أرش ثم أصاب بها عيبا رجع على بائعها بأرش عيبها من ثمنها الذى ابتاعها به منه ولم يكن لبائعها أخذها.
ولو اشتراها ثم باعها ثم ظهر على عيب كان بها في يد بائعها فلا شيء له على بائعها. ولو أعتقها ثم علم بعيبها رجع بأرشه على بائعه. ولو قتلها غيره ثم علم بعيبها لم يرجع على بائعها بشيء.
ولو قتلها هو ثم علم بعيبها لم يرجع على بائعها في قول أبي حنيفة ومحمد رضى الله عنهما وهو قول أبي يوسف رضى الله عنه القديم. وروى عن أصحاب الإملاء عن أبي يوسف بعد ذلك أنه قال يرجع على البائع بأرش عيبها و به نأخذ. ولو اشترى طعاماً فأكله ثم علم أنه كان معيباً ثم علم أنه كان معيباً عند بائعه فإن أبا حنيفة قال لا شيء له على البائع. وقال أبو يوسف ومحمد يرجع عليه بنقصان العيب و
الجزء 1 · صفحة 47
به نأخذ. وإذا ظهر بها عيب يحتمل أن يكون كان في يد البائع ويحتمل أن يكون حدث في يد المشترى فادعى المشترى أنه كان في يد البائع وأنكر البائع ذلك فطلب المشترى يمينه فعليه اليمين على البنات لقد باعها منه وسلمها إليه وما بها هذا العيب فإن حلف برىء إلا أن يقوم عليه بينة بخلاف ذلك فتكون البينة أولى من يمينه وإن نكل عن اليمين ألزمه القاضى ذلك وردها المشترى على البائع. ومن. ومن اشترى شيئا مأكوله فى جوفه فكسره فوجده فاسداً فإن كان لقشره قيمة كان البائع بالخيار إن شاء أخذ قشره ورد ثمنه على المشترى و إن شاء أتى ذلك ورد من ثمنه ما بين قيمته معيباً و بين قيمته صحيحاً على المشترى وإن كان لا قيمة له رجع بثمنه كله على البائع.
ومن باع عبداً له مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع فيكون له على ما تحمل عليه البياعات فإن كان له مائة درهم والثمن دراهم صار البائع كأنه باع من المشترى العبد ومائة درهم بالثمن الذي وقع به البيع فإن كان الثمن ذهباً جاز ذلك إذا تقابضا قبل أن يتفرقا فإن كان فضة أكثر من المائة الدرهم جاز ذلك إذا تقابضا قبل أن يتفرقا فكان ثمن المائة الدرهم مثلها من الثمن وكان ما بقى ثمنا للعبد وإن كانت الفضة مثل المائة الدرهم أو أقل من ذلك لم يجز البيع. وإذا جنى العبد جناية في بني آدم ثم باعه مولاه فإن كان علم منه بجنايته كان مختاراً لها وكان عليه أرشها وإن كان عن غير علم منه بها كان عليه الأقل من قيمة العبد ومن أرشها وتم البيع. وإن كانت الجناية في مال كان وليها بالخيار إن شاء أمضى البيع وأخذ الثمن في الواجب له فيها إلا أن يكون الثمن أكثر منه فيكون الفضل للبائع وسواء باع العبد على علم بها أو على جهل منه بها وإن شاء أبطل البيع وأخذ البائع العبد في الواجب له فيها إلا أن يغرم له ذلك البائع من ماله.
والبيع بالبراءة من العيوب جائز فى الحيوان وفيما سوى الحيوان ويدخل في ذلك ما علمه البائع وما لم يعلمه وما وقف عليه المشترى وما لم يقف عليه. ومن اشترى شيئاً يثمن معلوم حال أو آجل فقيض ما اشترى ولم يدفع تجمع فلا يجوز لباتيه أن يبتاعه من مبتاعه مينه بأقل من ثمنه الذي باع به منه وكذلك لو بقي عليه من ثمنه شيء وإن قل. وإذا باع الرجل من الرجل شيئاً جرائحة تم علم المشتري بخيانة كانت من البائع له في ثمنه زادها عليه فإن أبا حنيفة ومحمداً رضي الله عنهما قالا المشترى بالخيار إن شاء حبه ولا شيء له غير ذلك وإن شاء رده ونقض البيع فيه وبه نأخذ. وقال أبو يوسف رضى الله عنه يرجع المشترى على البائع بالخيانة ويجمعيتها من الربح وإن كان ذلك في تولية فإن أبا حنيفة وأبا يوسف رضى الله عنهما وإلا يحط له الخيانة عن المشترى ويلزمه المبيع. وقال محمد بن الحسين رضي الله عنه لا يحط عنه شيء
الجزء 1 · صفحة 48
والقول فيه كما قال أبو حنيفة في الخيانة في المرابحة وبه تأخذ. وإذا اختلف المتبايمان في المن والمبيع قائم تحالفا وترادًا البيع وإن كان فائناً فإن أبا حنيفة وأبا يوسف قالا القبول قول المشترى فى الثمن مع يمينه إن طلب البائع يمينه على ذلك ولا يترادان البيع. وقال محمد بن الحسن يتحالفان في ذلك ويترادان قيمة المبيع والقول فيها قول المشترى مع يمينه إن طلب البائع يمينه على ذلك وبه نأخذ.
ولا يجوز ميع الآبق على حال ولا يجوز بيع طير لم يصطد ولا سمك لا يؤخذ إلا بصيد مستأنف. ومن باع شيئاً بغير أمر مالكه بغير عرض فالكه بالخيار ما لم يمت واحد من متعاقدى البيع ومن المالك للنبيغ وما لم يتلف المبيع إن شاء أمضى البيع وإن شاء فسخه. وإن باع بعرض كان مالك المبيع بالخيار إن شاء أمضى البيع فجاز البيع الذى تولاه وكان عليه قيمة المبيع للذي كان يملكه وإن شاء أبطل البيع. وإن اشترى رجل لرجل شيئاً بغير أمره كان ما اشترى من ذلك لنفسه أجازه الذى اشتراه له أو لم يجزه.
وبيع الأعمى جائز وابتياعه جائز وله فيما اشترى الخيار بالجس إن كان مما يجس وإن كان مما لا يجس فإن محمد بن الحسن رضى الله عنه قال إذا وصف له فكان كما وصف له قام ذلك مقام رؤيته إياه لو كان بصيراً وبه نأخذ. وقال مرة أخرى إذا قام من المبيع المقام الذى لو كان بصيراً كان ذلك رؤية له كان ذلك المقام منه وهو أعمى كذلك الملامسة والمنابذة لا ينعقد بهما بيع وهما. وبيع بيعان كانا في زمن الجاهلية يتراوض الرجلان على السلعة فيلمسها المشترى بيده فيكون ذلك ابتياعاً لها رضى مالكها بذلك أو لم يرض فهذه الملامسة. وأما المنابذة فكان الرجلان يتراوضان على السلعة فيحب مالكها إلزام المساوم له عليها إياها فينبذها إليه فيلزمه بذلك ولا يكون له ارتجاعه. آخر قد كان أهل الجاهلية يتبايعونه ويسمونه بيع الحصاة؛ وهو أنهم كانوا يتراوضون ويتساومون على السلعة فإذا وضع الطالب لشرائها حصاة عليها يجب له البيع فيها على صاحبها ولم يكن لصاحبها ارتجاعها فهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك كله. ولا يجوز بيع الحمل دون أمه ولا بيع الأم ذون حملها ولا بيع اللبن فى الضرع ولا بيع عَسَب الفحل.
ومن اشترى مالم يره فله فيه خيار الرؤية. ومن باع عبده من رجل بثمن على أن يبيعه الآخر عبده بثمن ذكراه لم يجز البيع. ولا يحل النجش. ولا يصح تلقى السلعة في البلد الذي يضر ذلك أهله ولا بأس به فى البلد الذى لا يضر ذلك أهله وكذلك بيع الحاضر للبادى ولا ينبغي أن يسوم الرجل على سوم أخيه إذا جنح البائع إلى بيعه. ومن كان عليه دين من غير قرض فأخر به إلى أجل لزم التأخير وجاز وكان كأنه كان في أصله وإن كان من قرض لم يجز ذلك وكان حالا. ولا بأس أن يتجر الوصى بمال اليتيم ولا ضمان
الجزء 1 · صفحة 49
عليه إن أصيب فى ذلك. وإذا أقر العبد بدين وكذبه مولاه فإن كان مأذوناً له فى التجارة لزمه وبيع ما في يده من التجارات فيه فإن قصر ثمنه عن ذلك العبد فيه فإن قصر ثمنه عن ذلك كانت البقية بيع عليه إذا عتق وإن كان محجوراً عليه لم يلزمه من ذلك شيء حتى يعتق. الكلاب التي ينتفع بها والصقور والفهود والهر جائز. ومن قتل شيئاً من ذلك غرم قيمته لمالكه.
وأجر وزان الثمن على المشترى وأجر كيال المبيع ووازنه وعاده وذارعه على البائع. ولا يجوز بيع ما لم يقبض من الأشياء المبيعات إلا العقار فإن أبا حنيفة رضى الله عنه كان يجيز بيعه قبل قبضه. وأما أبو يوسف ومحمد رضي الله عنهما فكانا لا يجيزان بيع ذلك أيضاً حتى يقبض و به نأخذ. ثم رجع أبو يوسف عن ذلك إلى قول أبي حنيفة. ولا يجوز لمن اشترى شيئا كيلا و إن قبضه أن يبيعه حتى يكتاله وكذلك حتى يتزنه إن كان اشتراه وزنا وكذلك حتى يعده إن كان اشتراه عدداً. ولا بأس أن يبيعه قبل أن يذرع له إن كان اشتراه مذارعة. وهذا كله قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رضى الله عنهم و به نأخذ.
غير أن أبا يوسف قد قال بأخَرة في المعدود له أن يبيعه قبل أن يعده إن كان قد قبضه. وقد روى ذلك أيضاً عن محمد بن الحسن. وبيع الأخرس وابتياعه وعقوده على نفسه بالإشارات المفهومات منه جائز كله وهو في إشارته كالمتكلم في كلامه. وهذا إذا كان ولد أخرس فأما إن كان طرا عليه الخرس فإنه ليس كذلك ولا يجوز شيء من هذا منه كما يجوز من الأخرس الأصلى إلا أن يكون ذلك قد دام به حتى يئس من كلامه فإنه بذلك يقوم مقام الأخرس الأصلي. .
ومن اشترى شيئين لا يقوم أحدهما إلا بصاحبه كالخفين وكالنعلين فقبضهما وأصاب بأحدهما عيبا فهما كالشيء الواحد إن شاء ردهما وإن شاء احتبسهما. وللبائع احتباس ما باع ما بقى له على المبتاع أو على حويل إن أحاله عليه شيء من الثمن إن كان الثمن حالا وإن كان آجلا لم يكن له ذلك. ولا ينبغي لأحد أن يفرق بين ذوى رحم محرمة فيهما صغير فإن فعل فإن أبا حنيفة كان يكره ذلك ولا يفسخ البيع فيه وكان أبو يوسف يكره ويفسخ البيع فيهو به نأخذ وكذلك الحكم فى هذا حتى يبلغ الصغير.
وقال محمد بن الحسن في الصبى إذا كان له أخوان أو أختان أو عمتان أو خالتان فإنه لا بأس يبيع واحد من ذلك واحتباس الصغير مع الآخر.
باب أحكام البيوع الفاسدة
قال أبو جعفر ومن اشترى شيئا شراء فاسدا فلم يقبضه بأمر بالعه لم يخرج من ملك بائعه وإن
الجزء 1 · صفحة 50
قبضه بأمر بالعه خرج من ملكه إلى ملك مبتاعه منه فملكه عليه ملك فاسد فإن قوته أو تمليك منه إياه غيره جاز ما فعل يبيع من ذلك وكان عليه ضمان قيمته يوم قبضه لبائعه. وكذلك إن كان عبداً فأعتقه أو دبره أو كاتبه أو كانت أمة فأولدها.
باب السلم
قال أبو جعفر ولا يجوز بيع السلم ولا آجال البياعات إلى الحصاد ولا إلى الجداد ولا إلى الدياس ولا إلى صوم النصارى ولا إلى فطر اليهود قبل دخولهم في صومهم فإن كانوا قد دخلوا في صومهم فقد صار آخره معروفا فجاز أن يكون آجلا فيما ذكرنا. ولا يجوز السلم بلا أجل ولا يجوز السلم في شيء من الحيوان ويجوز السلم في الأشياء المسكيلات وفي الأشياء الموزونات وفي الأشياء المزروعات مثل الثياب ونحوها وفى الأشياء المعدودات مما لا يختلف ومما هو مضبوط بصفته بالجودة من نوعه أو بالوسط من نوعه أو بالردىء من نوعه وما كان من ذلك مما لا يضبط بما ذكرنا لم يجز فيه السلم.
وصغير البيض وكبيره سواء. ولا يجوز السلم في طعام من موضع بعينه مما قد يجوز أن لا يكون له طعام وإنما يجوز في الأشياء للأمونة. ولا يجوز السلم إلا في موجود في وقت وقوع السلم وفى حين حاول السلم وفيما بعد وقوع السلم إلى حلوله. ولا يجوز السلم حتى يقبض المسلم إليه رأس مال السلم قبل افتراقه والذى أسلم إليه بأبدانهما عن موطن السلم عرضاً كان رأس مال السلم أو ديناً. ولا يجوز السلم فيما لم يشترط فيه مكان قبض له في قول أبي حنيفة رضى الله عنه إذا كان له حمل ومؤونة؛ فإن لم يكن له حمل ولا مؤونة جاز السلم ووجب على المسلم إليه أن يوفيه المسلم في المتوضع الذي تعاقدا فيه السلام. وقال أبو يوسف ومحمد رضى الله عنهما كل ما كان من السلم له حمل ومؤونة أو لا حمل له ولا مؤونة قد ذكر له موضع قبض في السلم جاز السلم وقبض هناك ومالم يذكر له منه موضع قبض جاز السلم ووجب المسلم قبضه من المسلم إليه حيث تعاقدا السلم وقد كان أبو حنيفة قبل قوله الذي ذكرناه عنه يقول لا يجوز السلم في شيء من الأشياء له حمل ومؤونة أولا خمل له ولا مؤونة إلا باشتراط المسلم على المسلم إليه موافاته به في مكان بغيته يذكره له في السلم وإن وقع بخلاف ذلك كان فاسداً قال أبو جعفر و به نأخذ. ومن مات وعليه سلم أو غيره إلى أجل حل ما عليه من ذلك فصار حالا.
ولا بأس بالكفالة والحوالة المسلم من المسلم إليه بما أسلم إليه فيه. فأما الكفالة والحوالة للمسلم إليه من المسلم برأس مال السلم فإن قبض المسلم إليه منهما رأس المال قبل افترافه وصاحبه الذى أسلم
الجزء 1 · صفحة 51
إليه عن موطن السلم تم السلم بينهما. وإن لم يتقابضاه كذلك بطل. ولا يجوز السلم كيلا إلا بمكيال يؤمن فقده وكذلك إن كان وزنا ولا بأس بالسلم في المكيل وزنا وفى الموزون كيلا. ولا بأس بإسلام ما يكال فيما يوزن وما يوزن فيما يكال. ولا يجوز أن يسلم موزون في موزون ولا مكيل في مكيل. ولا يجوز بيع السلم قبل قبضه ممن هو عليه ولا من غيره .. ولا بأس بالرهن بالسلم فإن هلك الرهن في يد المرتهن فكان في قيمته وفاء بالسلم كان بذلك مستوفياً وإن كان مقصراً عن ذلك رجع المسلم بالنقيصة على المسلم إليه وإن كان الرهن من المسلم للمسلم إليه وضاع في يد المسلم إليه اعتبر فيه مثل الذي ذكرنا أيضا وهذا إذا كان ضياعه قبل افتراق المتعاقدين عن موطن السلم وإن تفرقا عنه قبل ذلك بطل السلم.
ولا تجوز الشركة ولا التولية في السلم ولا بأس بالإقالة في السلم من السلم كله ومن بعضه دون بقيته إذا كان الباقي منه جزءاً معلوما كنصفه أو كما أشبهه من أجزائه. وإذا أسلم الرجل إلى الرجل في شيئين من جنسين مختلفين مالاً واحداً فإن أبا حنيفة رضى الله عنه كان لا يجيز ذلك وكان أبو يوسف ومحمد رضى الله عنهما بجيزانه وبه ولا يجوز في قولهما الإقالة من واحد منهما دون صاحبه. ولا بأس بالسلم في نوع واحد مما يكال أو مما يوزن على أن يكون حلول بعضه في وقت وحاول بقيته في وقت آخر وإذا لم يقبض المسلم السلم حتى فات فصار مثله غير موجود فالمسلم بالخيار إن شاء فسخ السلم وارتجع رأس ماله وإن شاء صبر إلى وجود مثله فأخذه حينئذ من المسلم إليه. ومن قبض ما أسلم فيه ثم أصاب به عيبا رده وطالب المسلم إليه بما أسلم إليه فيه غير معيب فإن كان حدث به في يده عيب آخر قبل ذلك فإن أبا حنيفة كان يقول المسلم إليه بالخيار إن شاء أخذه معينا العيبين جميعاً وعاد عليه المسلم بالمه وإن شاء أبي حنيفة أخذه ولا شيء عليه.
وكان أبو يوسف يقول المسلم إليه بالخيار إن شاء أخذ ما دفع معيباً العيبين جميعاً ودفع إلى المسلم ما كان أسلم إليه فيه غير معيب وإن شاء أبى ذلك وكان المسلم بالخيار إن شاء احتبس ما قبض من المسلم إليه ولا شيء له غيره وإن شاء رد على المسلم إليه مثله معيباً العيب عليه بسلامه. وقال محمد المسلم إليه بالخيار إن شاء قبل سلمه معيباً العيبين جميعاً وعاد السلم عليه للمسلم كما كان عليه في الأصل وإن شاء أبي ذلك و غرم نقصان عيبه من رأس مال السلم للمسلم وهذا إذا كان العيب من جناية المسلم أو من السماء فإن كان جناية جان وجب بها شيء للمسلم ولا سبيل له إلى رده على المسلم إليه ولا سبيل للمسلم إليه إلى قبوله ولا شيء لواحد منهما على صاحبه في قول أبي حنيفة.
وأما على قول أبي يوسف فيغرم المسلم للمسلم إليه مثل ما قبض منه ويرجع عليه يمثل سلمه.
الجزء 1 · صفحة 52
وأما في قول. وأما في قول محمد فيرجع المسلم على المسلم إليه بنقصان عيب سلمه من رأس ماله. ولا بأس أن يبيع المسلم السلم بعد قبضه إياه مرابحة وأن يوليه من شاء كما يكون له ذلك لو كان ابتاعه عيناً. ولا يجوز للمسلم بعد الإقالة أن يشترى برأس مال السم شيئا قبل قبضه إياه من المسلم إليه. ولا يجوز التسعير على الناس ولا يصلح ذلك لأن الله عز وجل قال «لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم.
كتاب الاستبراء
قال أبو جعفر وإذا كان للرجل جارية يطؤها فأراد أن يخرجها من ملكه إلى ملك غيره بيع أو هبة أو ما سوى ذلك فإنه لا ينبغى له ذلك حتى يستبرئها بحيضة إن كانت ممن تحيض أو بشهر إن كانت ممن لا تحيض وإذا قبضها المبتاع منه أو ممن ملكه إياها بما سوى الابتياع فإنه لا ينبغى له أن يطأها بعد ذلك حتى يستبرئها بحيضة إن كانت ممن تحيض أو بشهر إن كانت ممن لا تحيض فينبغى له في حال استبرائه إياها أن لا يقبلها ولا ينظر إلى فرجها من شهوة حتى تخرج من الاستبراء.
ومن ابتاع جارية حاملاً غير مولاها أو من غير زوج لها فإنه لا يطؤها حتى تضع حملها. ومن ابتاع جارية ممن تحيض أو ممن لا تحيض فلم يقبضها حتى حاضت في يد بائعها إن كان استبراؤها الحيض أومر عليها شهر إن كان استبراؤها الشهر ثم قبضها بعد ذلك فإن ذلك لا يجزئ من الاستبراء في قول أبي حنيفة ومحمد وهو قول أبي يوسف القديم ثم قال بعد ذلك فيما روى عنه أصحاب الإملاء إنه يجزئ بذلك الاستبراء و به نأخذ. ومن ابتاع جارية ممن تحيض فقبضها فارتفع حيضها لامن حمل يعلم أنه بها فإن محمداً روى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه قال لا يطؤها حتى يعلم أنها غير حامل ولم يعتبر ذلك بشيء. وأما أصحاب الإملاء فرووا عن أبي يوسف عن أبي حنيفة مثل ذلك؛ إلا أنهم رووا عنه أن مقدار ذلك أن يمضى عليها ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر فإذا مضت عليها ولم يعلم حملا كان له وطؤها ولم يحك محمد عن أبي يوسف خلافا لأبي حنيفة في ذلك ولا حكاه أصحاب الإملاء. وقال محمد من رأيه لا يطؤها حتى يمضى عليها شهران وخمسة أيام فإذا مضت ولم يعلم حملا كان له وطؤها ثم رجع عن ذلك فقال لا يطؤها حتى يمضى عليها أربعة أشهر وعشرة أيام فإذا مضت عليها ولم يعلم بها حملا كان له وطؤها. ومذهبنا في ذلك أنه لا يطؤها حتى يمضى عليها حولان إلا أن تحيض قبل ذلك وهو مذهب سفيان الثورى وزفر ابن الهذيل رضى الله عنهما وهو معنى قول أبي حنيفة رضى الله عنه الذي رواه محمد أني يوسف عنه عن ومن ابتاع جارية ولها زوج لم يدخل بها وقبضها وهي كذلك ثم طلقها زوجها حلَّ له
الجزء 1 · صفحة 53
وطؤها ولم يكن عليه أن يستبرئها. ومن ابتاع جارية ولم يفارق بائعها عن موطن البيع ولم يكن قبضها حتى تقايلا البيع فيها فإن أبا حنيفة قال في ذلك فيا روى محمد عن أبي يوسف عنه أن القياس أن لا يكون له أن يطأها حتى يستبرئها ولكن أستحسن فأجعل له وطأها من غير استبراء. وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه قال لا يطؤها حتى يستبرئها و به نأخذ. قالوا قال أبو يوسف إنه إن وطئها بلا استبراء جاز له لأن علمه يحيط أنها لم توطأ. وروى محمد بن سماعة عن محمد بن الحسن أنه ليس عليه أن يستبرئتها قال وهو القياس لأن ملك المشترى لم يكن تم عليها.
كتاب الرهن
قال أبو جعفر ولا يجوز الرهن إلا مقبوضاً مفرغاً محوزاً خارجاً عن يد راهنه إلى يد مرتهنه أو إلى يد من يثق راهنه ومرتهنه أن يكون في يده دون أيديهما عدلاً فيه لهما. ولا يجوز رهن بعض عبد ولا بعض دارمشاع فيها ولا بعض ما سواهما كذلك كان مما يقسم أو كان مما لا يقسم. ولا يؤاجر الرهن ولا يخرج ولا شيء منه من يد من قبضه بحق الرهن إلا ببراءة المرنهن من الدين كله. وجائز للرجل رهن عبد ابنه الصغير بالدين الذي على الأب قليلا كان الدين أو كثيراً. وإن هلك العبد فى يدى المرتهن كان ما بطل بهلاكه فى يدى المرتهن من الدين على الأب للابن والوصى في ذلك كالأب. وإذا ضاع الرهن فى يدى المرتهن أو فى يدى الأمين عليه وهو يساوى مارهن به أو أكثر ضاع بالدين الذى رهن به ولم يكن على مرتهنه غرم شيء من قيمته وإن كانت قيمته أقل من الدين الذى رهن به رجع المرتهن على الراهن من دينه بما جاوز قيمة الرهن. وإذا أعتق الراهن عبده المرهون كان حرا وخرج من الرهن فإن كان الراهن موسراً وكان الدين حالا أخذ بغرمه للمرتهن. وإن كان الدين إلى أجل لم يحل كان على الراهن قيمة الرهن تكون مكان الرهن حكمه الذي كان عليه وإن كان الراهن معسراً استسعى العبد في الأقل من قيمته ومن الدين ويأخذه المرتهن قضاء من دينه ثم يرجع به العبد المعتق على الراهن ويرجع المرتهن على الراهن ببقيته إن بقيت له بعد ذلك قضاء من من دينه. وإن كان الرهن أمة فحملت فادعى الراهن حملها فوضعت بعد ذلك فإن كان الراهن موسراً كان عليه ضمان الدين للمرتهن إن كان الدين حالا وإن كان الدين إلى أجل كانت عليه قيمته تكون رهنا مكان الأمة وإن كان الراهن معسراً سعت الأمة فى الدين بالغا ما بلغ ولم ترجع به على الراهن وأخذه المرتهن قضاء من دينه ولا سعاية على الولد. وإن كان الدين إلى أجل سعت فى قيمتها فكانت رهناً في يد المرتهن مكانها فإذا حل الدين أخذها من دينه وسعت له الأمة في بقية دينه وإن كان الراهن ادعى الحمل أنه منه بعد وضع الأمة إياه والراهن معسر قسم الدين على قيمة الأم يوم
الجزء 1 · صفحة 54
وقع الرهن عليها وعلى قيمة ولدها يوم كانت الدعوة فما أصاب الأمة سعت فيه بالغاً ما بلغ للمرتهن ولم ترجع به على مولاها وما أصاب الولد سعى في الأقل منه ومن قيمته بذلك على الراهن وقبض المرتهن ماسعى ورجع فيه الولد من دينه ورجع المرتهن أيضا ببقية الدين على الراهن. وإن كان الراهن لم يولد الأمة الرهن ولم يعتقها ولكنه دبرها خرجت بذلك من الرهن وكان حكمها في السماية إن وجبت عليها بإعسار الراهن كحكم الأمة التي ادعى الراهن ولدها قبل وضعها إياه في ما ذكرنا. والزيادة في الرهن جائزة لاحقة جميع بالدين والزيادة في الدين كذلك في قول أبي يوسف رضى الله عنه. وأما في قول أبي حنيفة ومحمد رضى الله عنهما فلا يجوز ولا يكون الرهن رهناً بها و به نأخذ. وإذا جنى العبد المرهون جناية فقتل رجلا خطأ وفي قيمته وفاء بالدين لافضل فيها فالمرتهن بالخيار إن شاء فداه بأرشها وكان الرهن على حاله وإن شاء أبي ذلك وقيل للراهن ادفعه بالجناية أو افده بأرشها فلأيهما فعل خرج العبد من الرهن وبطل الدين الذى كان رهنا به على الراهن فإن كان في قيمة الرهن فضل عن الدين كان على الراهن فداء الفضل وكان على المرتهن فداء المضمون إلا أن يأبى ذلك المرتهن فيعود الحكم في العبد كله إلى الراهن فيما يجب أولى الجناية بالجناية مما ذكرنا ويبطل الدين عن الراهن. وما أعيب به العبد الرهن من جناية نفسه أو في بدنه فالخصم فيها المرتهن دون الراهن حتى يعيد الواجب بها إلى يده رهنا مع العبد. وإذا ولدت الأمة الرهن ولداً من غير مولاها أو أثمرت النخلة المرهونة ثمرة في يد المرتهن أو كانت شاة فدر لبنها في يد المرتهن فذلك كله داخل في الرهن غير أنه إن ضاعت هذه الحوادث في يد المرتهن ضاعت بغير شيء وجعلت كأنها لم تكن وإن ضاعت الأشياء كانت منها قسم الدين على قيمتها يوم رهنت وعلى قيمة ما كان حدث فيها يوم يفتك فما أصاب قيمة ما حدث منها يقى به رهنا وما أصاب قيمة ما كان الرهن وقع عليه بطل من الدين على الراهن فإن مات الحادث بعد ذلك جعل كأنه لم يكن وجعل ما كان وقع عليه الرحن ذاهيا بالدين كله والقول قول الراهن في مقدار الدين الذى وقع به الرهن إذا اختلف هو والمرتهن فيه مع يمينه بالله عز وجل على ذلك إن طلب المرتهن يمينه عليه والقول قول المرتهن في قيمة الرهن إذا ضاع فى يده واختلف هو والراهن في قيمته مع يمينه بالله على ذلك إن طلب الراهن يمينه عليه؛ فإن حلف برئ وإن نكل عن اليمين لزمه ما ادعاه عليه الراهن فيه. والمرتهن أحق بالرهن وبثمنه إن ميع في حياة الراهن كان ذلك أو بعد وفاته.
كتاب المداينات
قال أبو جعفر وإذا اشترى الرجل من الرجل سلعة شراء جائزاً وقيضها منه يتسليمه إياها إليه
الجزء 1 · صفحة 55
فمات أو أفلس قبل أن يدفع ثمنها أو بعد دفعه طائفة من ثمنها وعليه ديون لأناس شتى فالغرماء في ذلك أسوة وليس بائعها بأحق بها منهم وإن سأل الغرماء القاضي حيس المطلوب بدينهم وقد أثبتوه عليه عنده أو أقر لهم به عنده فعل ذلك به فإن سألوه بيع السلعة أو ما سواها مما يملكه المطلوب لم يجبهم إلى ذلك إلا أن يكون الذي سألوه في ذلك دنانير وديونهم دراهم أو دراهم وديونهم دنانير فإنه يجيبهم إلى ذلك وإن كان المطلوب توفى باع لهم القاضي جميع ما سألوه بيعه من ذلك بعد أن يثبت عنده ملك المتوفى كان لذلك إلى أن يتوفى ويجعل عهدة ما يبيعه لهم من ذلك إن كان تولى لهم بيعه أو كان تولاه أمينه لهم بأمره عليهم دون الميت ثم يرجعون بديونهم في مال الميت وهذا كله قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رضى الله عنهم إلا في عروض المديون فإن القاضي يبيعها في دينه في قول أبي يوسف ومحمد إذا سأله غرماؤه ذلك وبه تأخذ. ومن مات وعليه دين إلى أجل فقد حلَّ دينه. ومن ثبت عند القاضي عدمه بعد حبسه إياه أطلقه ولم يحل بينه وبين غرمائه وبين لزومه. وإذا ثبت دين الغرماء عند القاضي على رجل وقضى لهم به عليه فسألوه حبسه فادعى الغريم إعساراً وكذبه غرماؤه حبسه لهم القاضى ثم سأل عنه بعد أن يمضى له في حبسه شهر فإن وقف على أن له مالاً حبسه القاضى حتى يقضى ديونه أو سأله غرماؤه إطلاقه قبل ذلك فيفعل وإن وقف على أن لامال له أطلق سبيله وإن كانت عليه ديون عاجلة وديون آجلة فأمر القاضى ببيع ما يجب بيعه من ماله لغرمائه الذين ديونهم عاجلة وطلب غرماؤه الذين ديونهم آجلة أن يقضى لهم بحلول ديونهم والدخول في مال غريمهم لم يكن لهم ذلك ودفعت الأثمان إلى أصحاب الديون العاجلة خاصة دونهم فإذا حلت الديون الآجلة دخل أهلها عليهم فيما قبضوا من ذلك فحاصوهم فيه بديونهم. ومن حبس بدين عليه لقوم ثم أقر بدين لقوم آخرين فإن أبا حنيفة وأبا يوسف رضى الله عنهما كانا يقولان في ذلك إقراره جائز ويشارك من أقر لهم أهل الديون الأول فيما يصرف من مال المطلوب في قضاء ديونه. وإن سأل الغرماء الأولون القاضي قبل إقرار غريمهم لغيرهم بدين الحجر على غريمهم ومنعه من الإقرار لغيرهم
فإن أبا حنيفة وأبا يوسف رضي الله عنهما قالا لا يجيبهم إلى ذلك. وقال محمد بن الحسن رضى الله عنه يجيبهم إلى ذلك ويحجر على المطلوب ويمنعه من الإقرار لغيرهم ومن صرف ماله في صدقة أو فى هبة حتى يبرأ من الديون التي حبسه فيها وبقول محمد نأخذ. ولا يقضى بشاهد ويمين في شيء. وينفق في قول محمد مال من المحجور عليه المحبوس على من يجب عليه الإنفاق عليه. ومن وجب عليه حق إلى أجل كان له السفر قبل حلول ما يجب عليه قرب حلوله أو بعد وليس لغريمه أن تمنعه من ذلك
الجزء 1 · صفحة 56
كتاب الحجر
قال أبو جعفر إذا بلغ الغلام رشداً دفع إليه ماله وكذلك الجارية وإن لم يتزوج وإن بلغ واحد منهما غير رشيد فإن أبا حنيفة رضى الله عنه كان لا يطلق يده في ماله حتى يبلغ خمساً وعشرين سنة فإذا أكملها دفع إليه ماله ولم ينظر إلى رشد ولا إلى ما سوى ذلك من أحواله؛ بعد أن يكون صحيحاً في عقله. وقال أبو يوسف رضى الله عنه إذا وقف القاضى من أحواله على غير الرشد حجر عليه فعاد بحجر عليه إلى حكم الأطفال في ماله إلا أنه إن تزوج أجاز تزويجه ولم يطلق لزوجته من الصداق من ماله فوق صداق مثلها من نسائها. وإن أعتق مملوكا له جاز عتقه فيه ويسعى له المملوك في قيمته فتكون مردودة في ماله فلا يزال كذلك حتى يثبت عند القاضي رشده والرشد والله أعلم عنده الصلاح في المال فإذا ثبت ذلك منه أطلق عنه الحجر وخلى بينه وبين ماله. وقال محمد بن الحسن رضى الله عنه إذا بلغ ابتلى أمره فإن وقف على رشده دفع إليه ماله وإن وقف على غير ذلك منه كان بذلك محجوراً عليه حجر القاضى عليه أو لم يحجر ثم لا يزال كذلك حتى تعود أحواله إلى الرشد فيكون بذلك غير محجور عليه أطلق القاضي الحجر عنه أو لم يطلقه و به نأخذ. وقوله في التزويج من المحجور عليه كقول أبي يوسف فيه وقد كان قوله أيضا فى العتاق من المحجور عليه كقول أبي يوسف فيه ثم رجع عن ذلك فأجاز عتق المحجور عليه بغير سعاية على المعتق. وقول محمد في هذا الباب كله أحب إلينا من قول مخالفيه فيه. وقوله في نفي السعاية عن العبد إذا أعتقه أحب إلينا من قوله في إثباتها عليه إذا أعتقه وما أقر به المحجور عليه مما يوجب عليه حداً أو عقوبة في بدنه أو طلق زوجته لزمه ذلك وكان فيه كغير المحجور عليه.
كتاب الصلح
قال أبو جعفر والصلح جائز على الإقرار وعلى الإنكار وعلى السكوت الذي لا إقرار معه ولا إنكار. وإذا ادعى الرجل داراً في يد رجل فصالحه منها على عبد فاستحق العبد رجع المدعى على دعواه فإن كان المدعى عليه صالحه على إقرار منه له بالدار سلم إليه الدار وإن كان صالحه منها على غير المدعى على دعواه كما كان قبل الصلح وإن كان صالحه منها على إقرار رجع خدمة عبد له سنة فخدمه بعض السنة ثم مات العبد المدعى بمقدار ما بقى رجع من الخدمة فيما قابله من الدار فكان حكمه فيه كحكم العبد المستحق على ما ذكرنا من حكم الإقرار ومن حكم الإنكار وإن لم يمت العبد ولكن مات المصالح أو المصالح فكذلك أيضا. ولا يستحق الخدمة في هذا إلا المصالح والمصالح والعبد المصالح على خدمته أحياء على مثل حكم الإجارات المعقودات على ذلك. وإذا كان الجدار حاجزاً بين دارين وادعى كل
الجزء 1 · صفحة 57
واحد من صاحبي الدارين فإن كان الجدار داخلا في ترابيع بناء إحدى الدارين دون بناء الأخرى فهو لصاحبها دون صاحب الأخرى وإن كان غير داخل في ترابيع بناء واحدة من الدارين وكان مرتبطا ببناء إحدى الدارين فهو لصاحبها دون صاحب الأخرى وإن كان غير داخل فى ترابيع بناء واحدة من الدارين وغير مرتبط ببنائها وكانت عليه حمولة خشب لإحدى الدارين فهو لصاحبها دون صاحب الأخرى وإن كان لإحدى الدارين فيه رباط أو كان داخلا في ترابيع بنائها وللأخرى عليه حمولة خشب كان لصاحب الدار الداخل في ترابيع بنائها أوالمرتبط ببنائها غير الحمولة التي عليه فإنها ثابتة فيه لصاحبها وإن طلب غير المحكوم له من هذين المتداعيين يمين صاحبه على ما يدعيه عليه من هذا الجدار استحلف له على ذلك فإن حلف برىء وإن نكل عن اليمين عليه ألزم ذلك وقضى به عليه للمدعى وإن كان لرجل سفل ولآخر عليه على فسقطا جميعاً فأبى صاحب السفل أن يبنى سفله لم يجبر على ذلك وقيل لصاحب العلو إن بنيت فابن سفله وابن عليه العلو الذي كان لك عليه وامتع صاحب السفل من سفله حتى يؤدى إليك فيه ما أنفقته فيه.
وإذا أشرع رجل جناحاً على طريق نافذة فإن أبا حنيفة رضى الله عنه قال له الانتفاع به مالم يمنعه من ذلك أحد أو يخاصمه فيه أحد فإن منعه من ذلك أحد أو خاصمه فيه لم يسعه الانتفاع به وكان عليه نزعه. وأما أبو يوسف ومحمد رضى الله عنهما جميعاً فقالا إذا كان ذلك مما لا ضرر فيه لم يكن لأحد منعه منه وكان له الانتفاع. منع ذلك أو لم يمنع منه و به نأخذ. وإذا كان للرجل على الرجل مال إلى أجل لم يحل فصالحه على أن يعطيه بعضه حالا وعلى أنه بريء مما بقى منه فإن ذلك لا يجوز. وإن كان لرجل على رجل ألف درهم فصالحه منها على خمسمائة درهم على أن يدفعها إليه في يومه هذا وعلى أنه إن لم يدفعها إليه حتى يمضى يومه هذا عاد المال عليه كما كان كان الصلح على ذلك جائزاً فإن دفع إليه الخمسمائة الدرهم التي صالحه عليها في يومه ذلك برىء من بقية المال وإن لم يدفع إليه الخمسمائة حتى مضى ذلك اليوم عاد المال كله عليه. وإن كان صالحه منها على خمسمائة درهم على أن يدفعها إليه فى هذا اليوم ولم يذكر شيئاً سوى ذلك كان الصلح جائزاً وكان هذا و الأول سواء على ما ذكرنا في قول أبي حنيفة ومحمد. وأما في قول أبي يوسف فالصلح جائز وهو برىء من بقية المال دفع إليه الخمسمائة الدرهم التي شرط له دفعها إليه فى ذلك اليوم أو لم يدفعها إليه وبه نأخذ. وإذا ادعى الرجل على الرجل داراً فأنكره ما ادعى عليه فيها فصالحه من دعواه على جارية وسلمها إليه فوطئها المصالح فأولدها ولداً ثم جاء مستحق فاستحق الجارية فقضى له بها عليه فإنه يأخذها ويأخذ عقرها وقيمة ولدها من الذي كان صالحه ويرجع
الجزء 1 · صفحة 58
المدعى على دعواه في الدار كما كان قبل الصلح فإن أقام البينة على ما ادعى من الدار قضى له بها وقضى له بقيمة الولد على الذي صالحه على الجارية وإن لم يقم على ذلك بينة يستحق بها الدار لم يكن له على المدعي عليه شيء غير الرجوع عليه على دعواه. وإذا ادعى الرجل على الرجل مالا أو ما سواه فأنكره ذلك ولم يكن له عليه بينة فطلب يمينه فأوجب القاضى ذلك له عليه فصالحه على دراهم سماها على أن لا يستحلفه على ذلك فإن الصلح جائز وهو بذلك برىء من اليمين.
وإذا ادعى الرجل داراً في يد رجل فأقر له بها أو أنكره إياها ثم صالحه من دعواه على دراهم معلومة ثم جاء شفيع الدار يطلبها بشفعته فيها فإنه إن كان صالحه منها على إقرار كان للشفيع أن يأخذها بالشفعة بما وقع عليه الصلح وإن كان صالحه منها على إنكار لم يكن للشفيع فيها شفعة إلا أن يقيم الشفيع البينة على ملك المدعى للدار فإنه إن أقام البينة على ذلك وقضى له بأخذ الدار بشفعته فيها بما وقع عليه الصلح منها وإن كان الصلح لم يقع على دراهم ولكنه وقع على عرض بعينه والمسألة على حالها كان للشفيع أن يأخذ الدار بقيمة ذلك العرض. وإذا ادعى الرجل على الرجل مالا من دراهم فأنكره ذلك وصالحه منه على دنانير ثم افترقا قبل أن يتقابضا بطل الصلح ورجع على دعواه ولو كان صالحه منها على عرض بعينه وقبضه ثم أصاب به عيباً كان له أن يرده على المدعى عليه وينتقض الصلح بذلك ويرجع على دعواه. هذا إن كان صالحه على إقرار فإن كان صالحه على إنكار وكان العيب فاحشاً فإن الجواب في ذلك كذلك أيضاً وإن كان غير فاحش كان الصلح ماضياً. قال أبو جعفر وهذا التفصيل بين العيب الفاحش و بين العيب الغير الفاحش ليس بموجود في كتبهم ولكنه مما تدل عليه مذاهبهم. ولو كان لما قبض العرض لم يجد به عيباً حتى جنى عليه جان جناية فأخذ لها أرشا ثم وجد بالعرض الذي كان صوح عليه عيباً فاحشاً قديماً فإنه يرجع بحصة ذلك العيب من الشيء الذي كان ادعاه على دعواه فيه. وإذا ادعى الرجل على الرجل مالاً فأنكره ذلك فصالحه غيره عنه بأمره أو بغير أمره فإنه إن كان صالحه عنه عليه والمطلوب بالدراهم المدعى عليه لا المصالح وإن كان صالحه بغير أمره فالصلح موقوف على إجازة المدعى عليه فإن أجاز الصلح وقبله جاز الصلح وكانت الدراهم عليه وإن لم يقبله ورده بطل الصلح وعاد المدعى على دعواه.
کتاب
الكفالة والحوالة والضمان
قال أبو جعفر وإذا أحال الرجل رجلا بمال له عليه على رجل له عليه مثله فرضى المحتال والمحتال
الجزء 1 · صفحة 59
عليه بذلك وضمن المحتال عليه للمحتال المال وقبل ذلك منه المحتال فقد برىء المحيل من مال المحتال وصار مال المحتال على المحتال عليه ولم يكن للمحتال أن يرجع على المحيل بشيء ما لم يتو المال على المحتال عليه فإذا توى رجع المحتال بماله على الحيل. والتوى في قول أبي حنيفة وجه من كل واحد من وجهين وهما أن يجحد المحتال عليه المحتال الحوالة ويحلف له عليها عند القاضى ولا يكون للمحتال بها بينة أو يموت المحتال عليه معدما لا يترك شيئاً فيه وفاء الدين الذي أحيل به عليه فأى هذين الوجهين كان فإن للمحتال أن يرجع بماله على المحيل. وأما أبو يوسف ومحمد فقالا التوى وجه من كل واحد من ثلاثة أوجه هذان وجهان منها والوجه الآخر منها أن يقضى القاضي بعدم المحتال عليه ويطلقه من السجن؛ فأى هذه الثلاثة الوجوه كان رجع المحتال بدينه على المحيل وبه نأخذ. وإن كانت الحوالة بغير أمر الذى كان عليه المال كان هذا والأول سواء غير أن المحتال عليه إذا أدى المال إلى المحتال لم يرجع به على الذي كان عليه المال إذا كانت الحوالة ولا شيء على المحتال عليه للمطلوب وإن كانت الحوانة وله عليه مال مثله كان المال عليه على حاله للمطلوب. وإذا أحال رجل رجلا على رجل بمال له عليه بمثله وقبل المحتال الحوالة وضمن له المحتال عليه المال الذي أحيل به عليه فإنه جائز للمحتال أن يصارف المحتال عليه من الذي أحيل به عليه فيأخذ منه به دراهم إن كان الذي أحيل به عليه دنانير ويأخذ منه دنانير إن كان الذى أحيل به عليه دراهم إذا رضى بذلك المحتال عليه ودفع ما صورف عليه إلى المحتال في موطن الصرف قبل أن يتفرقا منه بأبدانهما. وإذا ضمن الرجل للرجل مالا عن رجل بأمره ولا شيء للمضمون عنه على الضامن فقد وجب الضمان وللمضمون له أن يطالب بالمال كل واحد من المطلوب ومن الضمين فإن طالب به الضمين فأداه إليه فإن له أن يرجع به
على المطوب وإن طالب الضمين المطلوب بالمال قبل أدائه إياه عنه إلى الطالب لم يكن له أن يطالبه بالمال ولكن له أن يطالبه بتخليصه مما أدخله فيه وإنما يكون له أن يطالبه بالمال إذا كان قد أداه قبل ذلك عنه. وإن كان الضمان بغير أمر المطلوب ألزم الضامن وكان للطالب أن يطلب ماله من كل واحد من المطلوب ومن الضامن وليس للضامن أن يطالب المطلوب بتخليصه من ذلك الضمان وليس له أن يرجع عليه بالمال الذي ضمنه عنه إذا أداه إلى من صمنه له. والكفالة والحمالة كالضمان في جميع ما وصفنا ولا تجوز الكفالة ولا الضمان ولا الحمالة ولا تجب في قول أبي حنيفة إلا بعد قبول المكفول له والمضمون له والمتحمل بها له كان ذلك من الضامن أو من الحجميل أو من الكفيل مخاطباً له بذلك إلا في خصلة واحدة فإن أبا حنيفة رضى الله عنه كان يجيز الضمان فيها بغير قبول من ضمن له وهى أن يحضر رجلا الوفاة
الجزء 1 · صفحة 60
فيقول لورثته إن على ديوناً فاضمنوها عنى فيضمنونها بغير محضر من أهلها ثم يموت الذى هى عليه لهم فيكون الضمان عنده بذلك جائزاً استحساناً. وأما أبو يوسف ومحمد رضى الله عنهما فكانا يجيزان الضمان والكفالة والحمالة بغير قبول من المكفول له ومن المضمون له ومن المتحمل له في جميع ما ذكرنا و به نأخذ. والحوالة في قبولها وفى ترك الذى له المال فيها قبولها كالكفالة ترك الذي له المال قبولها على ما ذكرنا من ماذكرنا من قبولها ومن جميع الاختلاف في ذلك. وإذا أبرأ المكفول له المطلوب من المال الذي كفل له به وقبل ذلك منه بريء منه المطلوب والكفيل جميعاً ولو لم يبرىء منه المطلوب ولكنه أبرأ منه الكفيل وقبل ذلك منه الكفيل برىء الكفيل من المال الذي كفل به وكان للطالب أن يرجع بالمال على المطلوب وسواء في ذلك قبل الكفيل البراءة أو لم يقبلها وإن لم يبرئه من المال ولكنه وهبه له أو تصدق به عليه وقبل ذلك منه الكفيل فإن الهبة والصدقة جائزتان وللكفيل أن يرجع بالمال على المطلوب وإن لم يقبل الكفيل الهبة ولا الصدقة بطلنا وكانت الكفالة على حالها والمال على حاله يأخذ به الطالب من شاء. من الكفيل ومن المطلوب وإذا أخر الطالب المال عن الكفيل إلى مدة معلومة لم يكن له أن يطالب الكفيل بالمال دون تلك المدة وكان له أن يطالب المطلوب بماله حالا؛ وإن لم يؤخر الكفيل ولكنه أخره عن المطلوب كان المال مؤخراً على المطلوب عن وعلى الكفيل إلى المدة التي أخرها الطالب المطلوب بالمال. وإذا كفل الرجل للرجل بمال له على رجل بأمر المكفول عنه بذلك ثم صالح الكفيل الطالب بما كفل له به على بعضه فالصلح جائز فإن كان الصلح وقع على براءته وعلى براءة المطلوب مما يقي من المال كان الصلح جائزاً وقد برىء المطلوب والكفيل من بقية المال وإن كان الصلح وقع على براءة الكفيل من بقية المال برىء الكفيل من بقية المال وكانت بقية المال على المطلوب دون الكفيل وكان للطالب أن يطالب بالذى صالح عليه كل واحد من المطلوب ومن الكفيل وإن كان الصلح وقع بغير شي. ذكر فيه من براءة واحد من الكفيل ومن المطلوب فإن ذلك الصلح براءة للمطلوب وللكفيل من بقية المال بعد الذى وقع عليه الصلح. ومن ضمن الرجل عهدة في دار ابتاعها فإن أبا حنيفة قال ضمانه باطل وقال ضمان العهدة عندى إنما هو ضمان الصحيفة وقال أبو يوسف ومحمد الضمان في ذلك جائز وهو ضمان الدرك في الدار المبيعة فإن استحقت كان لمبتاعها أن يرجع بثمنها على بائعها وبقيمة بناء إن كان أحدثه فيها قائمة على باشه فإذا قضى له بذلك عليه كان له أن يطالب به كل واحد من بائعه ومن الضامن له العهدة على بائعه و به نأخذ.
كتاب الشركة
قال أبو جعفر والشركة المفاوضة جائزة وهو أن يخرج كل واحد من حرين مسلمين بالغين دراهم
الجزء 1 · صفحة 61
يتساويان فيها فيتعاقدان عليها الشركة على أن ما ربحا بينهما بالسوية ولا يكون لواحد منهما من المال المعين غير الدراهم التي شارك بها صاحبه ولا من الدنانير شيء وسواء خلطا ماليهما أو لم يخلطاها. وما ورث كل واحد منهما بعد ذلك أو طرأ على ملكه من غير شركتهما كان له خاصة دون صاحبه ولا يفسد ذلك الشركة المفاوضة حتى يقبضه الذي هو له ويكون دنانير أو دراهم فيخرج هو وشريكه بذلك من المفاوضة. وما أقر به كل واحد منهما على نفسه من مال من أسباب المفاوضة لزم الشريك المفاوض كما يلزم المقر. والشركة المنان تجوز مع تفاضل الشريكين في الربح ومع ملك كل واحد منهما من الدنانير ومن الدراهم ما يملك سوى ما شارك عليه صاحبه. وما أقر به كل واحد منهما من دين بسبب الشركة التي بينهما وكذبه في ذلك صاحبه لزمه دون صاحبه وجائز أن يتعاقدها المسلم والذمى وإن كان ذلك مكروهاً للمسلم في دينه. وجائز أن يتعاقدها الحر والعبد المأذون له في التجارة والبالغ والصبي المأذون له فى التجارة. والشركة بالأبدان جائزة في كل ما تجوز فيه الوكالة ولا تجوز فيما لا تجوز فيه الوكالة. وتفسير ذلك أنه يجوز للرجل أن يوكل صاحبه بالا بتياع له وبالاستئجار عليه ولا يجوز له أن يوكل صاحبه بالاصطياده له فما تجوز فيه الوكالة من يجوز فيه الشركة وما لم يجز فيه هذا لم يجز فيه الوكالة هذا لم يجز فيه الشركة. ويجوز للرجلين أن يشتركا في الصناعتين وكذلك المرأتان وكذلك المرأة والرجل سواء في هذا كانت الصناعتان المعقودة عليهما الشركة متفقتين أو مختلفتين ولا يجوز في هذا أن يفضل أحد الشريكين صاحبه في الربح كما يجوز في شركة العنان. ولا تجوز شركة العنان إلا على الدراهم والدنانير ولا تجوز على ما سواهما غير الفلوس؛ فإن أبا يوسف رضي الله عنه كان أجاز الشركة عليها ثم رجع عن ذلك و بقوله الذي رجع إليه نأخذ وأما محمد بن الحسن رضى الله عنه فكان يجيز الشركة عليها. وكل ما جاز عقد الشركة العنان عليه من الأموال جاز عقد الشركة المفاوضة عليه من الأموال. والشريكان في جميع ما ذكرنا فيما بينهما أمينان مقبول قول كل واحد منهما على صاحبه فى ضياع المال منه والمدعى في ذلك استحلاف المدعى عليه على ما يدعيه عليه من ذلك وأى الشريكين مات في جميع ما ذكرنا انفسخت الشركة فيما بينه وبين صاحبه. ولكل واحد من الشريكين أن يفسخ الشركة التي بينه وبين صاحبه ما كان المال عيناً وليس لصاحبه بعد علمه بذلك صرف المال في شيء مما كانت الشركة تطلقه له وما لم يعلم بفسخ صاحبه الشركة أو بنهيه إياه عن صرف المال فما كانا تعاقداها عليه كانت الشركة على حالها. وإن مات أحدهما أو ماتا جميعاً انفسخت الشركة بينهما علم بذلك الباقى منهما أو لم يعلم.
الجزء 1 · صفحة 62
كتاب الوكالة
قال أبو جعفر وللرجل أن يوكل بحفظ ماله و ببيعه وبالتزويج عليه وبطلاق نسائه ويعتق عبيده ومكاتباتهم من شاء وليس له أن يوكل في خصومة لنفسه ولا في خصومة فيما يطالبه به غيره إلا برضاء من يخاصمه بذلك إلا أن يكون مريضاً لا يستطيع الحضور للخصومة أو يكون غائباً على مسيرة ثلاثة أيام ولياليهن فإنه إن كان كذلك قبلت الوكالة منه فى هذا فى قول أبي حنيفة رضى الله عنه عنده في ذلك النساء والرجال. وأما أبو يوسف ومحمد رضى الله عنهما فيقبلان الوكالة في ذلك من الناس جميعاً رضى الخصم أو لم يرض و به تأخذ. وليس للوكيل أن يوكل ما وكل به إلا أن يطلق ذلك له الذى وكله أو يجيز أمره فيما وكله به فيكون له ذلك. وللموكل أن يعزل الوكيل متى شاء ويكون بعزله إياه خارجاً من وكالته إذا خاطبه بذلك أو بلغه إياه عنه رجلان أو رجل عدل وهذا قول أبي حنيفة. وأما أبو يوسف ومحمد فقالا من أخبره بذلك وكان خبره حقاً كان ذلك عزلا له عن الوكالة وبه نأخذ. وليس لأحد وكل رجلا في خصومة رجل برضا خصمه فما يخاصمه فيه أن يعزل الوكيل عن ذلك إلا بمحضر ممن وكله له وما فعله الوكيل قبل عامه بالوكالة فغير نافذ وإن بلغته الوكالة ففعل ما وكل به فيها وكان الذى بلغه ذلك رجلا أو امرأة وكان الذى بلغه حقاً كان ما فعل من ذلك جائزاً إذا كان على ما توجبه الوكالة له فى قولهم جميعاً. وكل ما فعله الوكيل قبل عامه بعزل الموكل إياه عن الوكالة مما كان وكيلا به كان فعله لازماً للذى وكله. ولا تجوز الوكالة في الحدود ولا في القصاص إلا فى إثبات البينات عليها فإذا وجبت إقامتها لم تقم إلا بمحضر من الموكل بها في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله و به نأخذ. وقال أبو يوسف رحمه الله لا تقبل الوكالة في شيء من ذلك من خصومة فيها ولا من إثبات بينة عليها ولا من غير ذلك منها. وإذا وكل رجل رجلا ببيع عبده غداً كان وكيلا في بيعه في غد وفيما بعده وليس بوكيل في ذلك قبل غد. وإذا وكل رجل رجلا ببيع عبده فقبض الثمن في ذلك إلى الوكيل لا إلى الموكل وتسليم المبيع فى ذلك أيضا على الوكيل لا على الموكل. والخصم في حقوق البيع من الاستحقاقات والمطالبات في العيوب في ذلك الوكيل لا الموكل وكذلك انوكالة بالشراء فحكمها فيما ذكرنا كحكم الوكالة بالبيع. والوكالة بالإجارة كالوكالة بالشراء والبيع في جميع ما ذكرنا.
وإذا وكل رجل رجلا أن يعقد عليه نكاحاً ففعل فالصداق فى ذلك على الزوج لا على الوكيل وكذلك حكم الوكالة بالخلع على الجعل والصلح من الدم العمد على الجعل. وموت الموكل يخرج الوكيلمن الوكالة علم بذلك الوكيل أو لم يعلم. وإذا وكل الحر البالغ صبيا أو عبداً محجوراً عليه يبيع عبده ففعلا ذلك فالعهدة فى ذلك على الأمر لا على الصبي ولا على العبد وهذا ببيع في قول أبي حنيفة
الجزء 1 · صفحة 63
ومحمد رحمهما الله وهو قول أبي يوسف القديم رحمه الله. ثم روى عنه أصحاب الإملاء أنه قال فى ذلك إن كان المشترى يعلم أن بائعه صبي محجور عليه أو أنه عبد محجور عليه فكذلك وإن كان لا يعلم بذلك ثم علم به كان بالخيار إن شاء فسخ البيع وإن شاء أمضاه وكانت عهدته على الأمر و به نأخذ. وإذا باع الوكيل ثم ادعى تلف الثمن منه كان القول في ذلك قوله مع يمينه إن طلب الأمر يمينه على ذلك. ولو ادعى دفع الثمن إلى الأمر كان كذلك أيضا و كذلك لو أقر أن الآمر قبضه من البائع أو ادعى البائع ذلك وأنكره الأمر؛ غير أن المشتري إن أصاب بالمبيع عيباً كان له رده على الوكيل وأخذ ثمنه منه ولم يكن للوكيل أن يرجع بالثمن على الأمر وكان للوكيل العبد وأخذ ثمنه فيها بيع كان غرمه للمشترى إلا أن يكون فيه فضل فيدفع ذلك الفضل إلى الام وهذا قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله نأخذ. وأما في قول أبي حنيفة رحمه الله فليس للوكيل العبد في ذلك. وإذا دفع رجل إلى رجل مالا بيع ليدفعه إلى رجل فذكر أنه قد دفعه إليه وكذبه فى ذلك الأمر والمأمور له بالمال فالقول قول الوكيل في براءة نفسه ولا يصدق على إلزام المأمور له بالمال ذلك المال. ولا يجوز شراء الوكيل من نفسه ولا بيعه منها فأما أبو الطفل فهما جائزان منه للطفل وكذلك الجد أبو الأب وإن علا إذا لم يكن دونه أب يحجبه عن الولاية. فأما الوصى فى ذلك من قبل الأب فإن أبا حنيفة رحمه الله
كان يقول إن كان ما فعل من ذلك خيراً للصي جاز عليه وإن كان بخلاف ذلك لم يجز عليه. وأما أبو يوسف ومحمد رحمهما الله فكان قولهما في ذلك أنه لا يجوز شيء منه من الوصى كان الوصى بائعا أو كان مبتاعاً و به نأخذ ولا يجوز ابتياع الوكيل ما وكل بابتياعه إلا أن يبتاعه بما يتغابن الناس فيه إذا لم يسم له في الوكالة ما يبتاعه به وجاز فى قول أبي حنيفة بيع الوكيل ماوكل ببيعه بما يتغابن الناس فيه و بما لا يتغابنون فيه ولا يجوز ذلك في قول أبي يوسف ومحمد إلا بما يتغابن الناس فيه لا بما سواه و به نأخذ. والمقدار الذي يتغابن الناس فيه نصف العشر فأقل. منه. هذا غير منصوص عنهم ولكن مذاهبهم تدل عليه. وإذا وكل الرجل رجلا بابتياع عبد فابتاع له نصفه أو ما سواه من أجزائه لم يلزم الأمر إلا أن يبتاع له ما بقى منه قبل خروجه من الوكالة وكذلك الوكالة بالبيع فى قول أبي يوسف ومحمد و به نأخذ. وأما في قول أبي حنيفة فإن ذلك كله جائز وخالف بينه وبين الشراء. ولا يجوز لمن وكل بابتياع عبد أو بما سواه أن يبتاعه إلا بالدنانير أو بالدراهم ومن وكل ببيع عبده أو بما سواه كان له فى قول أبي حنيفة أن يبيعه بما شاء من بليغ عرض ومن غيره ولا يجوز له فى قول أبي يوسف ومحمد أن يبيعه إلا بالدنانير أو بالدراهم وبه نأخذ. وجائز لمن وكل ببيع شيء ولم يسم له نقداً ولا نسيئة أن يبيعه بنسيئة في قول أبي
الجزء 1 · صفحة 64
حنيفة ومحمد. وهو قول أبي يوسف القديم ثم روى عنه أصحاب الإملاء أنه قال بعد ذلك إن كان الأمر أمره ذلك
إن كان الأمر أمره ببيع ما أمره ببيعه لحاجته إلى ثمنه و بين ذلك له في توكيله إياه فقال عبدى لأقضى دينى بثمنه أو قال له بع عبدى لأبتاع بثمنه دقيقا لأهلى فمعناه في ذلك من قوله أو قال له بع كهو او قال له بع عبدى بنقد فلا يجوز له أن يبيعه بغير ذلك وبه نأخذ.
وإن كانت الوكالة وقعت مطلقة لم يذكر الوكيل فيها من هذا شيئا كان للوكيل أن يبيع ما وكل به بالنقد وبالنسيئة. ومن وكل شيء فوكل غيره بذلك يبيع ففعله بمحضره كان جائزاً وإن فعله بغيبته لم يجز إلا أن يجيزه فيجوز بإجازته. وإذا باع رجل عبد رجل بغير أمره كان لمولى العبد أن يجيز ذلك ما كان هو والمبتاع والعبد أحياء فإن مات واحد منهم لم يجز له أن يجيز البيع. ومن ابتاع شيئا لرجل بغير أمره كان مبتاعا له لنفسه ولا تعمل في ذلك إجازة من المشترى له. وإذا وكل الرجل الرجلين ببيع عبد أو ابتياعه أو بتزويجه امرأة أو بخلع امرأته امرأته منه على مال أو بعتق عبده على مال أو بمكاتبته ففعل ذلك أحدهما دون الآخر لم يجز إلا أن يجيزه الآخر فيجوز وإن وكلهما بعتق عبده بغير مال أو بطلاق امرأته بغير مال ففعل ذلك أحدهما دون الآخر جاز. ومن وكل بابتياع عبد ولم يسم جنسا ولا مالا كانت الوكالة بذلك باطلة. ولا تجوز الوكالة فى ذلك إلا أن يسمى من العبيد جنساً أو يسمى من الأثمان ثمناً ومن وكل بابتياع دابة أو بابتياع ثوب ولم يسم صنفاً لم يجز ذلك وإن سمى صنفاً جازت الوكالة بذلك وسواء سمى في ذلك ثمناً أو لم يسمه. ومن وكل بابتياع دار ولم يسم ثمناً لم يجز ذلك وإن سمى ثمناً جاز ذلك وكان ذلك على دور المصر الذي وقعت فيه الوكالة؛ لا على دور ما سواه من الأمصار فى قول أبي حنيفة ومحمد رضى الله عنهما وهو قول أبي يوسف القديم ثم رجع عن ذلك فيما روى أصحاب الإملاء فقال لا تجوز الوكالة في ذلك وأن يسمى فيه التمن حتى يسمى فيه مصراً بعينه و به نأخذ.
كتاب الاقرارات
قال أبو جعفر إذا أقر الرجل فقال لفلان على شيء ثم قال هو كذا لشيء ذكره لم يلزمه غيره وكانت عليه اليمين على زيادة إن ادعاها المقر له وطلب يمينه عليها. ولو قال له على عشرة دراهم إلا سبعة دراهم لم يلزمه إلا ثلاثة دراهم. ولو قال له على عشرة دراهم إلا ثلاثة دراهم إلا درهماً كان له عليه ثمانية دراهم كأنه قال له على عشرة دراهم إلا ثلاثة دراهم غير در هم. ولو قال له على عشرة دراهم إلى شهر
الجزء 1 · صفحة 65
فقال المقر له بل هي حالة لى عليه كان القول قول المقر له مع يمينه بالله عز وجل على ما يدعى المقر من الأجل إن طلب ذلك المقر. ولو قال كفلت له بعشرة دراهم إلى شهر فقال المقر له بل كفلت لى بها حالة كان القول قول المقر في قول أبي حنيفة ومحمد رضى الله عنهما وهو قول أبي يوسف القديم و به نأخذ. وقال أبو يوسف رضى الله عنه بعد ذلك القول قول المقر له مع يمينه بالله عز وجل على ما يدعى المقر من الأجل إذا طلب المقر يمينه على ذلك. ولو قال له على عشرة دراهم ثم سكت ثم قال إلا درهما كانت عليه عشرة دراهم وكان استثناؤه باطلا لأنه لم يصله بإقراره. ولو قال له على عشرة ودرهم كانت له 0 عشرة دراهم و در هم. ولو قال له على عشرة ونوب كان عليه ثوب وكان القول قوله فى العشرة أى عشرة هي ومن أى صنف هي فما أقر به من ذلك كان القول قوله فيه مع يمينه على خلافه إذا ادعاه المقر له وطلب يمينه عليه وكذلك لو قال له على عشرة وثوبان كان له عليه ثو بان ورجع في العشرة إلى ما يقوله المقر فيها ولو قال له على عشرة وثلاثة أنواب كان له عليه ثلاثة عشر ثوباً ولو قال له على درهم لا بل دينار لزمه له در هم ودينار إذا طلبهما المقر له وادعاهما عليه
ولو قال له على درهم لا بل در همان لزمه در همان ولو قال هذا العبد لزيد لا بل لعمرو سلمه إلى زيد ولم يكن عليه لعمرو شيء. ولو قال هو لزيد فسلمه إلى زيد بقضاء قاض أو بغير قضاء قاض ثم قال لا بل هو لعمر و فإن كان سلمه إلى زيد بقضاء قاض فلا شيء عليه لعمرو وإن كان سامه إليه بغير قضاء قاض ضمن قيمته لعمرو. ولو قال غصبت هذا العبد من زيد فسلمه إليه ثم قال بل غصبته من عمر و ضمن لعمرو قيمته وسواء كان سلمه إلى زيد بقضاء قاض أو بغير قضاء قاض. وإذا قال لفلان على من درهم إلى عشرة دراهم كان له عليه تسعة دراهم في قول أبي حنيفة وكانت له عليه في قول أبي يوسف ومحمد عشرة دراهم. وكذلك لو قال له على ما بين درهم وعشرة دراهم كان القول في ذلك على الاختلاف الذي ذكرناه في المسألة الأولى. وقال زفر له عليه ثمانية دراهم و به نأخذ. ولو قال لفلان من هذه الدار ما بين هذا الحائط و بين هذا الحائط أو قال لفلان ما بين هذين الحائطين كان له ما بينهما وليس له من الحائطين شيء فى قولهم جميعاً. ولو قال له على دينار إلا درهما أو إلا قفيز حنطة أو إلا فلساً أو إلا مائة جوزة فإن أبا حنيفة وأبا يوسف قالا عليه دينار إلا مقدار قيمة ذلك منه. ولو قال له على دينار إلا ثوباً كان عليه دينار وكان استثناؤه الثوب منه باطلا وقالا إنما نجيز أن يستثنى من غير صنف الإقرار ما يكال أو يوزن وما يعد فأما ما سوى ذلك فإنا لا نجيزه وهذا قولهما استحساناً لا قياساً. وأما محمد بن الحسن فكان لا يجيز أن يستثنى شيئاً من ذلك مما أقربه مما هو من خلاف جنسه و به نأخذ وهو قول زفر. ومن
الجزء 1 · صفحة 66
قال لرجل أخذت منك ألف درهم وديعة فهلكت منى وقال صاحب المال بل أخذتها مني غصباً فإن المقر ضامن لها مع يمين المقر له على ما يدعى عليه المقر من إيداعه إياه إياها إن طلب يمينه على ذلك. وإن قال أعطيتنى ألف درهم وديعة فهلكت فقال له الآخر بل أخذتها منى غصباً كان القول قول المقر مع يمينه بالله عز وجل على ما يدعى عليه المقرله إن طلب يمينه على ذلك. وإن قال له على ألف درهم من ثمن متاع ثم قالب هي زيوف أونبهرجة لم يصدق. وكذلك لو وصل لم يصدق على ذلك في قول أبي حنيفة خاصة. وقال أبو يوسف ومحمد يصدق إذا وصل وبه نأخذ.
ولو قال له على ألف درهم من ثمن متاع ستوقة أو رصاص ووصل ذلك بإقراره فإن أبا يوسف قال له عليه ألف درهم جياداً وقال لا أصدقه على ما ادعى مما ذكرنا لأنى لو صدقته على ذلك أفسدت البيع. وقال محمد بن الحسن القول في ذلك قوله وأصدقه فيه لأنه لم يقر إلا ببيع فاسد وعليه اليمين على ما ادعى عليه المقرله لأنه يدعى عليه بيعاً صحيحاً وبه نأخذ. ولو قال أقرضتنى ألف درهم ثم قال بعد ذلك هو زيوف أو نبهرجة لم يصدق في قول أبي حنيفة وصل أوقطع وصدق في قول أبي يوسف ومحمد إذا وصل و به تأخذ. ولو قال غصبتك ألف درهم ثم قال بعد ذلك هي زيوف أو نبهرجة صدق وكذلك إذا قال أودعتنى ألف درهم ثم قال بعد ذلك هي زيوف أو نبهرجة صدق إذا وصل. ولو قال له على ألف درهم ثم قال بعد ذلك هي من ثمن عبد باعنيه ولم أقبضه منه فإن أبا حنيفة قال لا أصدقه وألزمه الدراهم التي أقر بها للمقوله إلا أن يقول موصولا بإقراره من ثمن هذا العبد لعبد قائم في يد المقر له فيكون القول في ذلك قوله. وأما أبو يوسف ومحمد فكانا يقولان في ذلك إن صدق المقر له المقر أن الدراهم التي أقر له بها المقر من ثمن عبد باعه إياه كما ذكر كان القول قول المقر أنه لم يقبض ذلك العبد وإن قال المقر له هى لى عليه لا من ثمن عبد بعته إياه كان القول قوله وكان له أخذ المقر بالدراهم وكان للمقر استحلاقه على ما يدعى عليه مما قد أنكره من دعواه و به نأخذ. ومن أقر بدين في مرضه لزمه كما يلزمه لو أقر في صحته إلا أن يكون عليه دين في صحته فيبدأ أهله على من أقر له في مرضه ولا يجوز إقرار المريض بدين لأحد من ورثته إذا مات في مرضه ذلك.
كتاب العارية
والعارية غير مضمونة إلا أن يتعدى فيها المستعير فيضمن قيمتها ساعة تعدى فيها. ومن استعار دابة فلم يسم شيئاً كان له أن يعيرها غيره وإن سمى شيئاً لم يكن له أن يتجاوزه إلى غيره فإن تجاوزه إلى غيره ضمنه. ومن استعار من رجل أرضاً إلى مدة معلومة وقبضها منه على ذلك كان للمعير أخذها منه
الجزء 1 · صفحة 67
دون مضى المدة ونقض العارية فيها. ولو استعارها منه على أن يبنى فيها ما شاء وعلى أن يغرس فيها ماشاء بغير مدة ذكرها فيها فبنى فيها أو غرس فيها ثم بدا للمعير أخذها منه كان ذلك له وكان له أخذ المستعير بهدم بنائه و بقلع شجره وغروسه منها إلا أن يشاء أن يمنعه من ذلك لما فيه من تخريب أرضه ويعطيه قيمته مقلوعاً فيكون ذلك له. ولو كانت العارية إلى وقت بعينه لم ينقض والمسألة على حالها كان على المعير قيمة البناء وقيمة الفرس اللذين أحدثهما المستعير المستمير قائمين في الأرض.
كتاب الغصب
قال أبو جعفر وكل ما غصبه رجل من رجل من شيء مما ينقل من مكان إلى مكان فتلف في يده بغير فعله فعليه قيمته يوم غصبه إلا أن يكون مما له مثل فيكون عليه مثله. وإذا نقص المغصوب عند الغاصب فى يديه فعلى الغاصب ضمان قيمة نقصانه للمغصوب منه يردها مع المغصوب على المغصوب منه. وإذا زاد المغصوب فى يد غاصبه ثم هلك في يديه قبل أن يرده على الذي غصبه إياه كان عليه ضمان قيمته يوم غصبه الذي غصبه إياه ولا ضمان عليه في زيادته إلا أن يكون استهلكها فيجب عليه ضمانها باستهلاكه إياها كذا روى محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة رضى الله عنهم. وقد روى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه قال لا يجب على الغاصب ضمان الزيادة وإن استهلكه إلا أن يكون المغصوب عبداً فيقتله بعد الزيادة خطأ فيختار المغضوب منه تضمين عاقلة الغاصب بالجناية فإنه يضمنها قيمة العبد زائدة. و أما أبو يوسف ومحمد فقولها في ذلك مثل القول الأول. من القولين الأولين اللذين رويناهما عن أبي حنيفة لا اختلاف عنهما فيه وبه نأخذ.
وإذا غصب رجل رجلا جارية فحملت في يد الغاصب فولدت ثم مات ولدها من غير فعل الغاصب فلا ضمان عليه فيه وعليه ضمان نقصان الجارية بالولادة للمغصوب منه. ولو لم يمت الولد فى يد الغاصب نظر إلى قيمة الولد و إلى قيمة النقصان بالولادة فإن كان في قيمة الولد ما يفي به فلا ضمان على الغاصب فيه وإن كان لا يفى به ضمن للمغصوب قيمة نقصان الولادة. ومن حال بين رجل و بين داره فحدث فيها في تلك الحال هدم أو ما أشبهه من غير فعل الحائل بينه وبينها فإن أبا حنيفة كان يقول لاضمان في ذلك وكان مذهبه أن الدور لا تغصب وأنه لا يغصب إلا ما يجوز تحويله ونقله من مكان إلى غيره .. وأما أبو يوسف ومحمد فكانا يجعلانها بذلك مضمونة ويوجبان على ضامنها قيمة ما حدث فيها وبه نأخذ. ولا أجرة على غاصب في استخدامه عبداً غصبه ولا في سكناه داراً غصبها. وإذا أبق العبد المغصوب في يد الغاصب فطلب المغصوب منه تضمينه قيمته فخاصمه فيها إلى القاضي فضمنه إياها
الجزء 1 · صفحة 68
بتصدقهما على ذلك أو ببينة أقامها المغصوب منه عليها فقضى له القاضي بها ثم حضر العبد بعد ذلك كان للغاصب ولا سبيل للمغصوب منه عليه وإن كان القاضي ضمنه له القيمة بقوله فقبضها ثم ظهر العبد بعد ذلك كان المغصوب منه بالخيار إن شاء رد القيمة على الغاصب وارتجع منه العبد المغصوب وإن شاء احتبس القيمة وسلم له العبد المغصوب.
ومن أتلف اذمى خمراً أو خنزيراً وكان المتلف مسلماً أو ذميا كان عليه ضمان قيمة ما أتلف من ذلك لصاحبه إلا أن يكون المتلف ذميا فيكون عليه ضمان مثل الخمر لصاحبها. ومن ن أتلف شيئا لرجل مما له مثل ثم انقطع مثله فلم يقدر عليه كان عليه ضمان قيمته يوم يخاصمه فيه صاحبه لصاحبه وقال محمد بعد ذلك عليه ضمان قيمته لصاحبه آخر ما كان موجوداً و به نأخذ وهو قول زفر.
ومن عدا على قلب لرجل فهشمه وكان القلب من فضة كان صاحب القاب بالخيار إن شاء أخذه مهشوماً لا شيء له غيره و إن شاء ضمنه قيمته مصوغا ذهباً وإن كان ذهبا كان بالخيار إن شاء أخذه مهشوماً لا شيء له غيره وإن شاء ضمنه قيمته مصوغا فضة ثم لا يضره بعد ذلك قبض ما وجب له عليه قبل فراقه إياه أو لم يقبضه منه حتى تفرقا بأبدانهما عن موطن التضمين. وإذا كسر رجل لرجل ديناراً أو درهما كان و به بالخيار إن شاء أخذه مكسوراً لا شيء له غيره وإن شاء سلمه إليه وضمنه فى الدينار ديناراً مثله وفى الدرهم درهما مثله. ومن غصب رجلا ثوبا فقطعه فإن كان ذلك مما حكمه حكم الاستهلاك له كان صاحبه بالخيار إن شاء أخذه كذلك وأخذ نقصانه من الغاصب وإن شاء سلمه إلى الغاصب وضمنه قيمته صحيحاً وإن كان ما أحدثه فيه لا يستهلكه أخذه منه وأخذ مع ذلك نقصانه منه. ومن غصب ثوبا أبيض من رجل قصبغه بعصفر أو زعفران فالمغصوب منه بالخيار إن شاء أخذه كذلك وضمن للغاصب ما زاد الصبغ فيه وإن شاء أبى ذلك وسلمه إلى الغاصب وضمن الغاصب قيمته أبيض يوم غصبه إياه وإن كان صبغه بسواد فإن أبا حنيفة كان يقول إن شاء صاحبه سلمه إلى الغاصب كذلك وضمنه قيمته أبيض يوم غصبه وإن شاء احتبسه ولم يغرم للغاصب شيئا. وقياس قوله الغاصب نقصان قيمته بما أحدثه فيه.
وقال أبو يوسف ومحمد صاحب الثوب بالخيار إن شاء سلمه إلى الغاصب وضمنه قيمته أبيض يوم غصبه وإن شاء احتبسه وضمن للغاصب ما زاد الصبغ. قال أبو يوسف وذلك لأن السواد زيادة عند قوم ونقصان عند قوم آخرين كالحمرة زيادة عند قوم ونقصان عند آخرين فكما حمل أمره فى الحمرة على الزيادة لا على النقصان فكذلك يحمل أمره في السواد على الزيادة لا على النقصان و به نأخذ.
الجزء 1 · صفحة 69
كتاب الشفعة
قال أبو جعفر ولا شفعة فيها سوى الدور والأرضين والشفعة في ذلك مقسوماً كان أو مشاعاً. وأولى الشفعاء بالمبيع الشريك الذى لم يقاسم ثم يتلوه الشريك الذى قاسم وبقيت له شركة في الطريق ثم يتلوه الجار الملاصق و إذا وقع البيع فيما تجب فيه الشفعة فعلم بذلك الشفيع فإن أشهد مكانه أنه على شفعته و إلا بطلت شفعته وسواء أخضر عند ذلك مالاً مقدار ثمن المبيع أو لم يحضره. وقد روى عن محمد بن الحسن رضى الله عنه خاصة أنه قال وينبغي أن يكون الإشهاد بمحضر المطلوب بالشفعة أو بحضرة المبيع المشفوع فيه. وإذا قضى القاضي بالشفعة كان للمقضى عليه بها احتباس المشفوع فيه حتى يدفع إليه ثمنه. وقد روى عن محمد بن الحسن أنه قال لا يقضى القاضى بالشفعة للشفيع حتى يحضره مثل الثمن الذى وجبت له الشفعة به و به تأخذ. والشفعة تجب بالبيع ونستحق بالإشهاد والطلب وتملك بالأخذ.
وإذا كان ثمن المشفوع فيه له مثل أخذه الشفيع بمثله وإن كان لا مثل له أخذه بقيمته. ولا شفعة في صداق ولا في أجرة ولا في جعل فى خلع ولا في شيء صولح عليه من دم عمد. وإذا أشهد الشفيع على شفعته ثم تراخى بعد ذلك عن طلبها وقد أمكنه ذلك فإن أبا حنيفة وأبا يوسف رضى الله عنهما قالا هو على شفعته أبدا ما لم يسلمها و به نأخذ.
وقال محمد إن طلبها فيما بينه وبين شهر قضى له بها و إن تركها حتى يمضى لها شهر لا يطلبها فيه لم يقض له بها والخصم في الشفعة الذي يقضى له بها بمحضره إذا كان المبيع في يد البائع المشترى والبائع جميعاً ولا يقضى بها وأحدهما غائب فإذا قضى بها بمحضرها للشفيع أخذ المبيع بما قضى به فيه وكتب عهدته على البائع وإن كان المشترى قد قبضه فالخصم فيه هو المشترى دون البائع ويكتب الشفيع العهدة وفيه على المشترى دون البائع. والشفعة للشفعاء على عدد رءوسهم لا على تقادير أنصبائهم. ومن طلبها منهم استحقها كلها فإن طلبها بعد ذلك شفيع مثله شركه فيها وإن طلبها شفيع أشفع من لأن الأول كان شفيعاً بجوار وكان هذا الثانى شفيعا بمخالطة أخذها الشفيع بالمخالطة كلها.
وإذا اختلف المطلوب بالشفعة والشفيع في الثمن فالقول قول المالوب بالشفعة في ذلك مع عينه بالله عز وجل عليه إن طلب الشفيع يمينه عليه وإن أقام كل واحد منهما على ما ادعى من ذلك بينة كانت البينة بينة الشفيع في قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن. وقال أبو يوسف البيئة بيئة المشترى في ذلك. وإن اختلفا
الجزء 1 · صفحة 70
في قيمة الذي هو ثمن الشفعة وكان ثمنها عرضا فالقول فيها قول المشترى أيضا مع يمينه إن طلب الشفيع يمينه وإن أقام كل واحد منهما بينة على ما ادعى من ذلك فإن أبا حنيفة كان يقول البيئة بيئة الشفيع. وقال أبو يوسف ومحمد البيئة في ذلك بيئة المشترى لا بيئة الشفيع فوافق محمد أبا يوسف في هذه المسألة ووافق أبا حنيفة في المسألة الأولى وبه نأخذ. والشفيع خيار الرؤية فيما يأخذه بالشفعة إذا لم يكن رآه قبل ذلك وله الخصومة في عيب إن وجده فيه كما يكون للمشترى. ومن اشترى دارا من رجلين وقبضها أو لم يقبضها صفقة واحدة فأراد الشفيع أن يأخذ ما باع أحدهما دون ماباع الآخر فليس ذلك له وإنما له أن يأخذها. كلها أو يدعها كلها وإن كان الذي ابتاع الدار رجلين كان للشفيع أن يأخذ ما ابتاع أحدهما ويدع ما ابتاع الآخر. والشفعة لا تورث.
ومن اشترى دارين صفقة واحدة ولهما شفيع واحد فأراد الشفيع أن يأخذ إحداهما دون الأخرى فليس له .. ذلك والمشترى مالك لما اشترى مما فيه الشفعة مالم يأخذه الشفيع بشفعته فيه فإن باعه كان بيمه جائزاً وكان الشفيع بالخيار إن شاء أخذه بحق شفعته بالبيع الأول وإن شاء أخذه بحق شفعته بالبيع الثاني وإن لم يبعه ولكنه وهبه وكان مما يجوز. فيه الهبة وسلمه إلى الموهوب له وقبضه منه ثم جاء الشفيع كان له أن يأخذه بشفعته وفي أخذه إياه بها إبطال لهبة المشترى التي تقدمت فيه إذا كان أخذه بها بقضاء قاض له به. والشفيع أن يمتنع من أخذ المبيع بالشفعة وإن بذل له المشترى حتى يقضى له به القاضي. و من أخذ دارا بشفعة فبنى فيها بناء ثم استحقها عليه مستحق. فنقض بناؤه رجع الشفيع على المأخوذ منه بالشفعة بالتمن الذي دفعه إليه ولم يرجع عليه بقيمة البناء الذي نقض عليه ولم يكن فى ذلك كالمشترى في مثله لأن المشترى مغرور والشفيع غير مغرور. ومن اشترى دارا وقبضها فبنى فيها بناء ثم حضر شفيعها فطلب أخذها بالشفعة فقضى له بذلك فيها فإنه يقال للمشترى انقض بناءك لأنك بنيته فيما كان الشفيع أولى به منك إلا أن يشاء الشفيع أن يمنعه من ذلك و يعطيه قيمة بنائه منقوضا فيكون ذلك له وهذا قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن وهو الصحيح عن أبي يوسف وبه نأخذ. وقد روى عن أبي يوسف أنه قال إن شاء الشفيع أخذها بالثمن وبقيمة البناء قائما وإن شاء ترك لاشيء له غير ذلك. ومن باع داراً من رجل على أنه بالخيار في بيعه إياها ثلاثة أيام لم يكن للشفيع أخذها بالشفعة حتى ينقطع الخيار ويجوز البيع فيها ينقطع الخيار ويجوز البيع فيها وإن لم يكن البائع بالخيار فيها ثلاثة أيام ولكن المشترى كان فيها بالخيار ثلاثة أيام كان للشفيع أخذها بالشفعة وكان أخذه إياها قطعا لخيار المشترى وإمضاء للبيع. والشفعة للذمى كهي للمسلم والشفعة للصغير كهى للكبير فإن سلمها وليه فإن أبا حنيفة وأبا يوسف
الجزء 1 · صفحة 71
قالا تسليمه عليه جائز وقال زفر ومحمد تسليمه عليه باطل و به نأخذ. ومن اشترى داراً لرجل بأمره وقبضها ثم جاء شفيعها فإن أبا يوسف كان يقول يقال لمشتريها سلمها إلى الذي أمرك بشرائها حتى يأخذها الشفيع منه بشفعته فيها ويكتب عهدته عليه. وقال محمد للشفيع أن يأخذها من الوكيل إن جاء وهى فى يد الوكيل ويكتب عهدته عليه فيها وإن جاء وقد سلمها إلى الموكل أخذها من الموكل ويكتب عهدته عليه فيها و به نأخذ.
كتاب المضاربة
قال وإذا دفع الرجل إلى الرجل مالا مضاربة على أن ما أطعم الله عز وجل فيه من ربح كان للمضارب منه نصفه أو ثلثه أو جزء من أجزائه كان ذلك جائزاً. ولا تجور المضاربة إلا بما تجوز به الشركة من الدنانير ومن الدراهم ومن الفلوس في قول من أجازها بالفلوس على ما قد ذكرنا فى كتاب الشركة. ولا تجوز المضاربة إذا عقدت على أن لواحد من رب المال أو من المضارب دراهم مذكورة ولا دنانير مذكورة له من ربحها وإن عقدت المضاربة كذلك كانت فاسدة وكان ما ربح فيها المضارب كله لرب المال فكان للمضارب في عمله على رب المال أجر مثله. والمضارب في المضاربة الصحيحة أمين مقبول قوله فيما يدعيه من ضياع المال منه ومن ردّه إياه على رب المال مع يمينه بالله عز وجل على ذلك إن طلب يمينه. رب المال عليه. والمضارب في المضاربة الفاسدة كالأجير فيها وإن ضاع منه المال وهو على ذلك ولا ضمان عليه فيه فى قول أبي حنيفة وبه نأخذ. وعليه الضمان في قول أبي يوسف ومحمد. وللمضارب فى المضاربة الصحيحة أن يعمل في المضاربة بنفسه ويستعمل فيها غيره بأجرة وبغيرها وليس له أن يدفعها مضاربة إلى غيره إلا أن يكون رب المال أمره أن يعمل فيها برأيه فيكون له ذلك. ولو أراد أن يسافر بمال المضاربة وقد كان رب المال أمره أن يعمل فيه برأيه كان له ذلك وإن لم يكن رب المال أمره بذلك فإن محمد بن الحسن روى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أن له أن يسافر به حيث شاء في بر وبحر. قال وهو قول أبي يوسف وقولنا تأخذ و به. وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه ليس له أن يسافر به. قالوا وقال أبو يوسف من رأيه له أن يسافر به إلى الموضع الذي يقدر على الرجوع منه إلى أهله فيبيت فيهم كنحو قطر بل من بغداد. ونفقة المضارب في عمله في المال المضاربة في مصره على نفسه لا على المال المضاربة ونفقته في سفره به في طعامه وشرابه وكسوته وركوبه في المال المضاربة فأما ما تداوى به أو احتجم به فمن ماله دون المال المضاربة. وإذا عقدت المضاربة على العمل بالكوفة خاصة لم يكن للمضارب أن يتعداها إلى غيرها وإن تعداها إلى غيرها فعمل بالمال هنا لك كان ضامنا له وكان ربحه له
الجزء 1 · صفحة 72
ويؤمر أن يتصدق في قول أبي حنيفة ولا يؤمر أن يتصدق في قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن وبه نأخذ. وإذا أدان المضارب المال المضاربة ثم امتنع من تقاضيه فإن ذلك له فيه إذا كان لا فضل له فيه ولكنه يؤخذ بأن يحيل رب المال به على من هو عليه حتى يتقاضاه لنفسه وإن كان فيه فضل أجبر على أن يتقاضاه. وإذا مات المضارب ولم يوجد المال المضاربة فيما خلف فإنه يعود دينا فيما خلف وإن اشترى المضارب بالمال المضاربة عبداً فيه فضل عن المال المضاربة أو اشتراه ولا فضل فيه عنه ثم صار فيه فضل عنه كان المضارب مالكا لحصة من ذلك الفضل ما كان الفضل موجوداً فإن أعتق المضارب العبد المضاربة وفيه فضل جاز عتقه فيه وكان كعبد بين رجلين أعتقه أحدهما وإن اشترى المضارب بمال المضاربة عبدين قيمة كل واحد منهما مثل رأس المال فأعتق المضارب أحدهما كان عتقه باطلا وكان العبدان في ذلك بخلاف العبد الواحد فيه وكذلك لو أعتقهما المضارب جميعا في كلمة واحدة أو في كلتين كان عتقه باطلا. ولو أعتقهما رب المال جميعا كان عتقه جائزاً وكان عليه للمضارب ضمان قيمة فضله فيهما موسراً كان رب المال أو معسراً وسواء كان عتقه إياهما معا أو كان أعتق أحدهما ثم أعتق الآخر وليس للمضارب أن يشترى بالمال المضاربة من لا يقدر على بيعه؛ ليس له أن يشترى أحداً من ذوى أرحام رب المال المحرمات الذين يعتقون عليه بملكه إياهم وإن فعل ذلك كان ما اشترى لنفسه. وليس له أن يبتاع به من الإماء من قد ولد من رب المال لأنه لو جاز ابتياعه ذلك لم يكن له بيع ما ابتاع منه وليس له أن يبتاع به ذوى أرحام انفسه المحرمات ولا من قد ولد منه من الإماء إذا كان في المال فضل وإن كان المال لا فضل فيه كان ابتياعه ما ابتاع من ذلك جائزاً عليه وداخلا في المضاربة وإن زادت قيمته بعد ذلك خرج من المضاربة؛ فإن كان المشترى أحداً من ذوى أرحامه المحرمات سعى لرب المال في قيمة رأس ماله وفي حصته من الربح وإن كان المشترى بعض من قد ولد من المضارب من الإماء ضمن المضارب لرب المال قيمة رأس ماله منه وقيمة حصته من الربح فيه ولا سعاية في ذلك على الأمة المشتراة لأنها قد صارت أم ولد للمضارب.
كتاب المساقاة
قال أبو جعفر كان أبو حنيفة رضي الله عنه عنه لا يجيز المساقاة على حال من الأحوال وكان أبو يوسف ومحمد بن الحسن رضي الله عنهما يجيزانها في النخل وحدائق الأعناب وسائر الأشجار التي تثمر سواها على جزء معلوم مشروط فيها المساقى بعد أن تكون المساقاة معقودة على وقت معلوم مشترط العمل فيها من تلقيح نخلها أو إبارها وحفظها على المساقى فإن ترك ذلك فلم يشترط في المساقاة نظر
الجزء 1 · صفحة 73
فإن كان ما وقعت عليه المساقاة يحتاج إلى حفظ وترك اشتراط ذلك على المساقى في المساقاة كانت المساقاة فاسدة فإن كان لا يحتاج إلى حفظ كانت المساقاة جائزة وكذلك التلقيح والإبار أيضا وبقول أبي يوسف ومحمد في ذلك وبه نأخذ.
كتاب الاجارات
وإذا استأجر الرجل من الرجل داراً أو عبداً أو شيئا سواهما وقبضه من المؤاجر بغير اشتراط من المؤاجر فى الأجرة حلولا ولا غيره فإنه لا يجب للمؤاجر أن يطلب المستأجر بالأجرة حالة ولكنه كل ما مضى من وقت الإجارة أخذه بأجرته وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رضى الله عنهم جميعاً و به نأخذ. وقد كان أبو حنيفة قبل ذلك يقول ليس له أن يأخذه بشيء من الأجرة حتى يستحقها كلها عليه بمضى مدتها واستيفاء المستأحر الواجب له فيها. ولو وقعت الإجارة على أن الأجرة آجلة أو عاجلة أو منجمة كانت على ما اشترطا فيها. ولو وقعت الإجارة بأجرة عاجلة أو آجلة أو منجمة أو مسكوت عن ذلك كله فيها ثم دفع الآجر الأجرة إلى المؤاجر وقبضها منه ملكها بذلك. ولو انتقضت الإجارة بعد قبض المؤاجر الأجرة كان له منها بحساب ما مضى مما قد استوفى منافعه ورد على المستأجر ما بقى منها. ومن مات من المستأجر أو المؤاجر في مدة الإجارة انتقض مابقى من الإجارة بموته. ومن استأجر دابة إلى مكان فجاوز بها إلى مكان آخر كان ضامناً لها ساعة جاوز بها وكان عليه الأجر ولا شيء في مجاوزته بها بعد سلامتها وإن عطبت فى مجاوزته بها كان عليه ضمان قيمتها ساعة تجاوز بها. ولو قبضها بحق الإجارة وقد استأجرها إلى مكان بعينه فلم ينفذ بها إلى ذلك المكان لم يكن عليه فيها أجرة ولو نفذ بها إليه كانت عليه أجرتها ركبها أو لم يركبها. ولو استأجر داراً مدة معلومة فقبضها فلم تزل في يده حتى مضت المدة كان عليه أجرتها سكنها أو لم يسكنها. واو قبضها ثم حال بينه وبينها حائل من سلطان أو غيره لم يكن عليه فيها ما كانت كذلك أجرة. ومن استأجر داراً لم يرها ثم رآها بعد ذلك فله خيار الرؤية فيها إن شاء احتبسها وإن شاء ردها ونقض الإجارة فيهما وإن عطبت دابة مستأجرة أو عبد مستأجر في يدى. مستأجرها بغير تعد منه فيهما ولا خلاف ولا جناية منه فلا ضمان عليه في ذلك. ومن استأجر داراً فليس له أن يؤاجرها حتى يقبضها وليس له بعد قبضه إياها أن يؤجرها بأكثر مما استأجرها به فإن فعل كانت الأجرة له وأمر أن يتصدق بفضلها عما استأجرها به وإن كان لما قبضها زاد فيها زيادة قليلة كانت أو كثيرة كانت الزيادة في الأجرة طيبة له. ومن استأجر داراً وقبضها ثم حدث بها عيب يضر به فى سكناها فهو بالخيار إن شاء احتبسها وكانت الإجارة على حالها وإن شاء نقض الإجارة فيها. ومن استؤجر على عبد
الجزء 1 · صفحة 74
يحجمه أو على داية يبزغها. ففعل ذلك فعطيا في فعله فلا ضمان عليه. . ومن استأجر رجلا على خياطة ثوبه أو على قصارته وقبضه فتلف في يده بغير فعله و بغير تعد منه فيه فإن أبا حنيفة كان يقول فى هذا وفى كل أجير مشترك سواء لاضمان عليهم في ذلك ولا أجرة لهم فيه وإن كانوا قد عملوا ما استؤجروا عليه و به نأخذ - وقال أبو يوسف ومحمد هم ضامنون لذلك فإن كانوا قد عملوا ما استؤجروا عليه فيه فالمستأجر بالخيار إن شاء ضمنهم قيمة ما دفعه إليهم يوم دفعه ولم يكن عليه أجر وإن شاء ضمنهم قيمته يوم ضاع وكان عليه أجر ما عملوه فيه ومن كان ممن ذكرنا أجيراً خاصا والخاص هو المستأجر على مدة معلومة والعام هو المستأجر على الأفعال لا على مدة معلومة فلا ضمان على الخاص الذي ذكرنا في قولهم جميعاً فيا ضاع من يده بغير تعد منه فيه.
ومن استؤجر على خياطة ثوب أو على قضارته فزعم أنه قد رده على صاحبه وأنكر ذلك صاحبه وحلف على ذلك فإن أبا حنيفة كان يقول فى ذلك القول قول الصانع و به نأخذ. وقال أبو يوسف ومحمد القول فى ذلك قول رب الثوب. وللصباغ والخياط والحائك احتباس ها استؤجروا على عمله حتى يوفوا أجرته وليس للحمال ولا للجمال احتباس ما حملا حتى يستوفيا الأجرة لأنه لا عمل لهما في ذلك قائم فيه وفى المسألة الأولى لهم فيها استؤجروا عليه عمل قائم فيه. ومن استؤجر على قصارة ثوب فدقه فعطب الثوب بذلك أو حدث به منه عيب كان عليه ضمان تعدى في ذلك أو لم يتعد فيه. ومن استأجر حانوتاً إلى مدة فليس له أن ينقض الإجارة فيه قبل انقضاء تلك المدة وكذلك ليس للمؤاجر نقض الإجارة فيه إلى انقضاء تلك المدة إلا من عذر. ومن العذر في ذلك من المستأجر قيامه من السوق وتركه التجارة ومن العذر في ذلك من قبل المؤجر أن يحبسه القاضى في دين عليه ولا يكون له مال سوى الحانوت الذي ذكرنا ويرى القاضي بيعه في دينه فيبيعه فيكون بيعه إياه فسخاً للإجارة فيه.
ومن استأجر ثم باعها قبل انقضاء مدة الإجارة فيها فإن أبا حنيفة ومحمداً قالا للمستأجر منع المشترى منها ونقض البيع عليه فيها فإن نقضه كان منتقضاً ولم يعد بعد ذلك وإن لم ينقضه حتى فرغت الدار من الإجارة تم ذلك البيع فيها. وهذا قول أبي يوسف القديم. وقد روى عنه أصحاب الإملاء أنه قال لا سبيل للمستأجر إلى نقض البيع فيها والإجارة فيها كالعيب فيها فإن كان المشترى عالما به فقد برى البائع الإجارة فيها وإن لم يكن له علم بذلك كان بالخيار إن شاء نقض البيع فيها اللعيب الذي وجده بها وإن شاء أمضاه. والذي يرويه محمد من قول أبي حنيفة أنه ليس للمستأجر نقض البيع فيها ولكنه إن أجاز البيع كان في ذلك إبطال ما يقي من إجارته. والقول الأول المروى إنما رواه من قول أبي حنيفة غيره
الجزء 1 · صفحة 75
وقد رواه أصحاب الإملاء عن أبي يوسف عن أبي حنيفة. فممن رواه منهم الكياني حدثناه عن أبيه عن أبي يوسف عن أبي حنيفة وهو الأولى بأبي حنيفة على أصوله التي لم يختلف عليه فيها و به نأخذ. والراعى فيها تلف منه كالصباغ فيما تلف منهم بغير تعد منهم فيه على ما ذكرنا في ذلك من اختلاف أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد فيه. ومن استأجر حانوتاً ولم يسم ما يعمل فيه فله أن يعمل فيه ما بدا له إلا أنه ليس له أن يجعل فيه حداداً ولا قصاراً ولا طحاناً.
ومن استأجر داراً سنة لم تدخل بعد فالإجارة جائزة. ومن استأجر من رجل حصته من دار وحصته فيها شائعة وذكر مقدارها في الإجارة إلى مدة معلومة بأجرة معلومة فإن أبا حنيفة كان لا يجيز ذلك إلا أن يكون المستأجر مالكا لبقية الدار فإنه إن كان كذلك كانت الإجارة عنده جائزة و به نأخذ. وأما أبو يوسف ومحمد فكانا يجيزان الإجارة فى ذلك كله. ومن استأجر داراً من رجلين إلى مدة معلومة صفقة واحدة فمات أحدهما في مدة الإجارة فانتقضت الإجارة في حصته فإنها غير منتقضة بذلك في حصة ذلك الآخر. ومن استأجر رجلا على أن يحمل شيئاً مسافة معلومة فحمله بعض المسافة ثم طالبه بأجرة ما حمله من المسافة التي استأجره على حمله إليها فليس عليه أن يعطيه شيئا من الأجرة حتى يستوفى منه الحمولة كلها. ومن استأجر رجلا على أن يحمله إلى موضع بعينه بأجرة معلومة فطالبه بأجرته بحمله له إياه إلى بعض الطريق إلى ذلك الموضع الذي استأجره على حمله إليه كان عليه أن يعطيه حصته من يعطيه حصته من الأجرة. ومن استأجر رجلا. . على حفر بئر في مكان أراه إياه ووصف له سقيها وذكر له عمقها بأجرة. معلومة فحفر له بعضها ثم طالبه بأجرة ما حفر له منها لم يكن عليه أن يدفع إليه شيئا من أجرتها حتى يفرغ له منها.
كتاب المزارعة
وما جاز أن يستأجر به المنازل والعبيد وما سوى ذلك مما تجوز عقود. الإجارات عليه من دراهم أو دنانير أو مكيل أو موزون أو معدود جاز استئجار الأرض به للزرع. ولا بأس باستئجار الأرض للزرع إلى طويل المدة وقصيرها بعد أن يكون معلوما. ولا بأس باستئجارها للزرع قبل ريها بعد أن تكون معتادة للرى في مثل المدة التي يعقد الإجارة فيها فإن لم يأتها الماء الذي تزرع به لم يجب عليه فيها أجرة أو جامها من الماء مايزرع به بعضها ولا يزرع به بقيتها كان المستأجر بالخيار إن شاء نقض فيها وإن شاء لم ينقضها وكان عليه من الأجر بحساب ما روى منها. ولا بأس بالمزارعة على جزء من أجزاء ما تخرج في قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن رضى الله عنهما وبه تأخذ. ولا يجوز ذلك في قول أبي حنيفة رضى الله عنه. قال
الجزء 1 · صفحة 76
محمد بن الحسن المزارعة على أربعة أوجه فثلاثة أوجه منها تجوز المزارعة عليها ووجه منها لا تجوز المزارعة عليه فأما الثلاثة الأوجه التي تجوز المزارعة عليها فأن يكون البذر من قبل المزارع والعمل والآلة المستعملة فيها كلها من قبله فهذا وجه أو يكون البذر من قبل رب الأرض والآلة كلها من قبل المزارع فهذا وجه أو يكون البذر والآلة كلها من قبل رب الأرض والعمل من قبل المزارع فهذا وجه؛ فالمزارعة في كل واحد من هذه الثلاثة الأوجه جائزة ببعض ما تخرج الأرض.
وأما الوجه الآخر الذى لا تجوز المزارعة عليه ببعض ما تخرج الأرض فأن يكون البذر من قبل المزارع والآلة من قبل رب الأرض فذلك غير جائز. وإذ استأجر الرجل أرضاً سنة بأجرة معلومة على أن يزرعها وهى أرض عبر فزرعها فإن أبا حنيفة كان يقول عشر ما أخرجت على رب الأرض. وقال أبو يوسف ومحمد عشر ما أخرجت فيا أخرجت وبه نأخذ.
ولو منحها مالكها رجلا فزرعها كان الواجب فيما أخرجت من ذلك على الممنوح في قولهم جميعاً. ومن استأجر أرضا إجارة فاسدة فاستعملها ثم خوصم في ذلك كان عليه لصاحبها الأقل نما آجره به ومن أجر مثلها. ومن دفع أرضه مزارعة على وجه من الثلاثة الأوجه الى ذكرنا جواز المزارعة عليها في قول أبي يوسف ومحمد في هذا الباب فخرج من زرعها تبن فإن محمداً كان يقول التبن لصاحب البذر دون الآخر وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف أن المزارعة لايجوز حتى تكون معقودة لكل واحد من المزارع ومن رب الأرض بجزء من التين معلوم فإن قصرا عن ذلك كانت المزارعة فاسدة و به نأخذ. وجعل أبو يوسف التين في هذه الرواية كالصنفين من البذر يعقد المزارعة عليهما فلا يجوز انفراد من رب الأرض. ومن المزارع بأحدها وجعل محمد التين لصاحب البذر إلا أن يقطع الشرط بينهما فيه بخلاف ذلك. ثم وجدنا لمحمد بعد ذلك ما يدل على رجوعه عن. قوله الذي ذكرناه عنه إلى ما قال أبو يوسف في الإملاء وهو الصحيح على أصله و به نأخذ. وإذا استأجر الرجل أرض مزدوع ولم يسم ما يزرع فيها فالمزارعة فاسدة فإن اختصما فيها قبل أن يزرع فسخت وإن لم يختصما فيها حتى زرعت وحصد زرعها وانقضت مدة الإجارة فيها كان لوب الأرض الأجر الذي وقعت الإجارة به؛ لاشيء له غيره
كتاب أحكام الارضين الموات
وكل أرض يملكها مسلم أو ذمى لا يزول ملكه عنها بخرابها. وما قرب من العاصر فليس بموات وما بعد من ذلك لم يملك قبل ذلك فهو موات. وروي أصحاب الإملاء عن أبي يوسف أن الموات هو
الجزء 1 · صفحة 77
الذي إذا وقف رجل على أدناه من العامر فنادى بأعلى صوته لم يسمعه من فى أقرب العامر إليه. وقال. أبو حنيفة رضى الله عنه ليس لأحد أن يحيى مواتاً إلا بأمر الإمام ولا يملكه إلا بتمليك الإمام إياه ذلك و به نأخذ. وقال أبو يوسف ومحمد رضى الله عنهما من أحيا مواتاً من الأرض فقد ملكه بذلك أذن له الإمام في ذلك أو لم يأذن له فيه. ولا ينبغى للإمام أن يُقطع ما لا غنى بالمسلمين عنه كالبحار التي يشربون منها وكالملاح الذى يمتارون منه وما أشبه ذلك مما لاغنى بهم عنه. ومن ملكه الإمام مواتاً فأحياه وأخرجه من الموات إلى العمران فيها بينه وبين ثلاث سنين ثم ملكه فيه وإن تركه فلم يعمره كذلك حتى تمضى ثلاث سنين بطل إقطاع الإمام إياه ذلك وعاد إلى ما كان عليه قبل إقطاع الإمام إياه ذلك. ومن ملك شيئا من الموات بإقطاع أو بإحياء على ما ذكرنا من الاختلاف فيه حتى صار مزروعاً بماء المطر فهو من الأرض العشر وإن ساقى الذي أحياه أو أقطعه إليه من الماء من نهر من أنهار المسلمين فإن أبا يوسف قال حكمه حكم الأرض التي فيها ذلك النهر فإن كانت من الأرض الخراج فهو من الأرض الخراج وإن كانت من الأرض العشر فهو من الأرض العشر وقال محمد إن كان الماء الذي ساقه إليه من مياه الأنهار العظام التي هي الله عز وجل كالنيل والفرات وما أشبههما فهو من أرض العشر؛ وإن كان ساقه إليه من نهر حفره الإمام من مال الخراج فهو من أرض الخراج وبه نأخذ.
وأرض الخراج مملوكات يجوز بيعهن وهبتهن ووقفهن ويجرى فيهن المواريث كما يجرى فيما سواهن. ومن حفر نهراً في أرض ميتة بإذن الإمام في قول أبي حنيفة أو بإذنه أو بغير إذنه في قول أبي يوسف ومحمد فإنه لا حريم له في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد له حريم وهو ملقى طينه و به تأخذ. ومن حفر بئراً لعطن في أرض ميتة فملكها على ما ذكرنا من الاختلاف فى الوجه الذي يملكها به قله حريمها من كل جانب من جوانبها أربعون ذراعا إلا أن يكون الحبل يتجاوز الأربعين فيكون له إلى ما يتناهى إليه الحبل وإن كانت بتر ناضح فحريمها ستون ذراعا من كل جانب من جوانبها إلا أن يكون حبلها يتجاوز الستين فيكون له إلى منتهى حبلها. ومن حفر عينا في أرض موات وملكها بما يملك به مما قد ذكرنا فله حريمها خمسمائة ذراع من كل جانب من جوانبها. ومن كانت في أرضه بئر أو عين الناس من دخول أرضه إلا أن يكون بالناس إلى ذلك حاجة كان له منع ولا يجدون ماء من غيرها فيكون عليه إباحتهم ماءها لسقائهم ولمواشيهم وليس عليه إباحتهم ذلك لزروعهم. ومن غلبه رجل فدخل أرضه فأخذ شيئا من أنهارها أو من ماء آبارها فقد ملكه وليس لرب الأرض أخذ ذلك منه وكذلك الكلأ والنار هما في ذلك كالماء سواء. ولا يجوز لأحد بيع ما في نهره ولا في بئره من الماء ولا بيع كلاً ولا نار في أرضه
الجزء 1 · صفحة 78
إلا أن يأخذه ذلك فيكون مالكا له بأخذه إياه ويجوز له بيعه بعد ذلك كما يجوز بيعه لسائر ما له سواه.
كتاب العطايا والوقوف
ولا يجوز تحبيس الرجل داره ولا أرضه ولا وقفه لهما ولا صدقته لهما وإن جعل آخرهما الله عز وجل في قول أبي حنيفة رضى الله عنه إلا أن يكون فعل ذلك في مرضه الذي مات فيه فيخرج مخرج الوصايا ويجوز كما تجوز الوصايا. وقد روى عن محمد بن الحسن عن أبي حنيفة أن ذلك لا يجوز منه في مرضه كما لا يجوز في صحته وأنه لا يخرج مخرج الوصايا وهو الصحيح على أصوله. وقال أبو يوسف إذا جعل حبسا كان ذلك باطلا إلا أن يجعلها حبساً موقوفاً أو حبسا صدقة فيكون ذلك جائزاً وتكون رقبتها لله عز وجل ومنافعها لمن اشترطها له وإن اقتضوا رجعت إلى الله عز وجل فتكون مصروفة في وجوه القرب منه وسواء أخرجها من يده أو لم يخرجها منها وسواء كانت في كامل أو فى جزء شائع وسواء جعلها الواقف لها وقفاً على نفسه أو على من سواه وبه نأخذ. وقال محمد في ذلك يقول أبي يوسف إلا أنه قال لا تجوز صدقة ولا الوقوف حتى يخرجها المتصدق بها والواقف لها من يده إلى يد سواها. ولا يجوز إلا في مقسوم كما لا يجوز الصدقة ولا الهبة المملوكتان من العقار إلا في مقسوم ولا يجوز اشتراط الموقف منافعها ولا شيئاً منها لنفسه فإن فعل كان ذلك الوقف باطلا وكانت الصدقة أيضا باطلة. ولا يجوز الوقف إلا على شرائط لا تنقطع ما كانت الدنيا. قال أبو جعفر القول في هذا كله عندنا كما قال أبو يوسف. ولا يجوز الوقف في عبد ولا في أمة ولا في شيء سوى العقار والأرضين إلا أن يكون في أرض فيها بقر أو عبيد المصالحها فيشترط ذلك فى الصدقة بها وفى الوقف لها فيكون ذلك وقفا معها وقال محمد لا بأس بتحبيس الخيل فى سبيل الله وكذلك قال أبو يوسف ولا بأس ببيع ما هرم من ذلك أو صار بحال لا ينتفع به فيها في الوقف وفى الصدقة اللتين الله عز وجل جميعا ورد ثمن ما يباع من ذلك في مثله للصدقة والوقف اللذين كانا منه ولا يخرج الهبة ولا الصدقة المملوكة من ملك صاحبها إلى ملك الذي يملك إياهما حتى يقبضهما منه بإذنه. ويقبض للطفل أبوه ووصى. أبيه بعد أبيه وجده أبو أبيه بعدهما ووصى جده أبي أبيه بعدهم وكذلك. من علا من أجداده من قبل الأب وأوصياؤهم بعدهم ويقبض له أ له أيضا من هو في عياله إن لم يكن أحد من هؤلاء. وينبغى للرجل أن يعدل بين أولاده. في العطايا والعدل في ذلك في قول أبي يوسف التسوية بينهم ذكورهم وإنائهم و به نأخذ. و فى قول محمد يجريهم على سبيل مواريثهم منه لو توفى وإن أجرى الأمر بخلاف ذلك كرهناه له وأمضيناه عليه. وكل هبة وقعت على اشتراط عوض فيها فهى والعوض منها فى حكم الهبة ما لم يتقابض المتعاقدان عليهما فإذا قبضاهما حلا محل المبيعين؛
الجزء 1 · صفحة 79
ولكل واحد من متعاقدي الهبة أو الصدقة فيهما كذلك أن يرد ما قبضه منهما بعيب إن وجده فيه. وللأب أن يقبض لا بنه الصغير ما وهبه له أو ما تصدق به عليه وكذلك من فوقه من الآباء إذا كان هو الوالى عليه وقبضه كذلك من نفسه وإشهاده على ما كان منه وإعلانه به ?. وكل صدقة. كانت فليس للمتصدق بها الرجوع فيها. وكل هبة كانت وقبضت فلواهبها الرجوع. فيها في حياته ما لم تزد فى يديه أو يزيد فيها الموهوب له وما لم يمت واحد منهما وما لم تخرج الهبة من ملك الموهوب له إلى ملك غيره وما لم يعوض الموهوب له. واهبها عوضا يقبله ويقبضه منه وما لم يكن أحدهما ذا رحم محرمة من الآخر وما لم يكونا زوجين؛ فأى هذه الأشياء كان فلا رجوع في الهبة معه وإذا لم يكن شيء من هذه الأشياء كلها كان للواهب الرجوع في الهبة ولا يرجع إليه. لا يحكم الحاكم له بها أو بتسليم الحاكم له بها أو بتسليم من الموهوب له إياها إليه والعمرى كالهبة في جميع ما وصفنا وهى أن يقول الرجل للرجل قد أعمرتك. دارى هذه حياتك ويسلمها إليه ويقبضها منه على ذلك واشتراط المعمر رجوعها إليه. باطل. والرقبى فى قول أبي يوسف كذلك وهي أن يقول الرجل للرجل قد أرقبتك دارى هذه ويقبضه إياها على ذلك و به نأخذ. وفي قول أبي حنيفة. ومحمد الرقبي عارية لا يملكها المرقب. ولا تجوز الهبة ولا الصدقة في جزء مشاع مما يقسم وهما جائزتان في مثله مما لا يقسم والأشياء التي تقسم هي الأرضون. والدور والبساتين والأرز والحنطة والشعير وما أشبه ذلك والأشياء التى لا تقسم الواحد من التياب والماليك والحمامات والرحى وما أشبه ذلك. ومن وهب أو تصدق بدار على رجلين لم يجز ذلك في قول أبي حنيفة رضى الله عنه وبه نأخذ. وجاز في قول أبي يوسف ومحمد رضى الله عنهما.
كتاب اللقطة والآبق
وإذا وجد الرجل اللقطة فينبغي له أن يعرف عقاصها ووكانها وعددها ووزنها وأن يشهد أنه إنما يأخذها ليعرف بها ثم يعرفها بعد ذلك سنة في. الأسواق وعلى أبواب المساجد فإن جاء صاحبها فاستحقها ببينة أقامها عليها. دفها إليه وإلا تصدق بها ولم يأكلها إلا أن يكون ذا حاجة إليها فإن تصدق بها ثم جاء صاحبها فاستحقها كان بالخيار إن شاء أمضى الصدقة بها وكان له ثوابها وإن شاء ضمنها الذى كان وجدها وإن كان للسباكين الذين تصدق بها عليهم معروفين فأراد مستحقها أن يضمنهم إياها كان له ذلك وإن لم يتصدق بها الذي التقطها حتى ضاعت من يده وقد كان أشهد حين التقطها أنه إنما التقطها ليعرف بها أو لم يشهد على ذلك فإن أبا حنيفة رضى الله عنه كان يقول إن كان أشهد على ذلك فلاضمان عليه فيها وإن كان لم يشهد على ذلك كان عليه ضمانها. وقال أبو يوسف ومحمد رضى الله عنهما
الجزء 1 · صفحة 80
لا ضمان عليه فيها أشهد على أنه إنما أخذها ليعرف بها أو لم يشهد بعد أن يحلف بالله عز وجل ما أخذها إلا ليعرفها وبه تأخذ. وإن كان الذي ادعاها وصف وكانها ووعاءها ووزنها وعددها وقال له الذي التقطها ليست لك ولا أعطيتك إلا بينة لم يجبره القاضي على أن يعطيه إياها إلا ببينة تشهد له عليها. وإن كانت اللقطة بما لا يبقى إذا أتى عليها يوم أو يومان عرفها الذي التقطها حتى إذا خاف أن تفسد تصدق بها وإن كانت اللقطة شاة أو بعيراً أو بقرة أو حماراً أو بنلا أو فرساً فحبسها وعرفها وأتفق عليها ثم جاء صاحبها فاتحتها كان متبرعاً بما أنفق عليها إلا أن يكون أنفقه بأمر القاضى فيكون ما أنفقه من ذلك دينا فيها؛ فإن جاء صاحبها فدفع ذلك إليه وإلا بيعت له فيه فأخذ هفته من ثمنها وإن رأى القاضي قبل مجيء صاحبها الأمر ببيعها لما رأى في ذلك من الصلاح لصاحبها أمر ببيعها ويحفظ ثمنها على صاحبها وجعل حكم تمنها كحكم اللقطة نفسها فيما ذكرنا من أحكامها وإن كانت اللقطة غلاما أجره القاضى ثم أنفق عليه من أجرته وإن كانت دابة فرأى أن يواجرها وأن ينفق عليها من أجرتها وألا تباع على صاحبها فعل. ومن وجد بعيراً ضالا كان الأفضل له أخذه وتعريفه وأن لا يتركه فيكون ذلك سبباً لضياعه. والذي روى فى الخبر «مالك ولها معها سقاؤها وحذاؤها ذلك إذا أمن ألا يقع فى يد من لا يعرفها. ومن وجد عبداً ابقاً خارجاً من المصر على مسيرة ثلاثة أيام فرده على مولاه استحق عليه جعله. أربعين درهما فإن كان لا يساويها كان للذى جاء به قيمته إلا درهما في. قول أبي حنيفة وهو قول أبي يوسف الأول ثم قال بعد ذلك له أربعون درهما وإن كانت قيمته درهماً واحداً. وحكم الآبق في النفقة عليه وفي ضياعه من يد الذى أخذه بعد إشهاده على أنه إنما أخذه ليعرفه وليرده على ربه إن وجده وقبل إشهاده على ذلك مثل الذي ذكرنا في اللقطة في جميع ما ذكرنا.
كتاب اللقيط
وإذا وجد اللقيط بقرية ليس بها مسلم فادعى رجل أنه ابنه فهو ابنه وهو على دينه وإن كان وجد فى مصر من أمصار المسلمين وكان الذي ادعاه ذميا لم يصدق ولم يكن فى القياس ابنه ولكنهم جعلوه ابنه استحسانا وجعلوه مسلما. وإن ادعى أنه عبده لم يصدق على ذلك لأن اللقيط حر. وإن ادعته امرأة أنه ابنها لم تصدق فإن ادعت أنه ابنها من زوج وصدقها الزوج على ذلك قضى به لهما وجعل ابنهما. وإن ادعاه رجلان كل واحد منهما يزعم أنه ابنه ووصف أحدهما علامات في جسده ولم يصف الآخر شيئاً فإنه يجعل ابن صاحب الصفة ويصدق عليه ولو لم يصف واحد منهما شيئاً منه جعلناه ابنهما جميعاً. وما أنفق الملتقط على اللقيط كان فيه متطوعاً لا يرجع به علي أحد.
الجزء 1 · صفحة 81
كتاب الفرائض
ولا يرث القاتل عمداً ولا خطاً من المقتول مالا ولا دية. والعبد لا يرث أحداً ولا يرثه أحد لأنه لا مال له وإنما هو مال لغيره. والمرتد لا يرث أحداً مسلماً ولا مرتداً. وإذا مات المرتد على ردته أو قتل عليها فماله لورثته من المسلمين على فرائض الله جل وعز التي يورث عليها لو مات على غير ردة والكافرون سوى المرتدين يرث بعضهم بعضا ائتلفت مللهم أو اختلفت لأن النكفر كله ملة واحدة ولا يرثون مسلماً ولا يرتهم مسلم. وإذا غرق المتوارثان أو ماتا تحت هدم أو ماتا بما سوى ذلك فجهل تقدم موت بعينه موت الآخر منهما لم يتوارثا وورثهما من سواهماه من الأحياء ومن لم يرث ممن ذكرنا لم يحجب. والأب لا يرث معه من فوقه من الآباء ولا أحد من أمهاته ولا أحد من الإخوة ولا من الأخوات لأب وأم كانوا أو لأب أو لأم. ولا يرث مع الأم جدة من قبلها كانت أو من قبل الأب. ولا يرث مع الجد ابن أخ للمتوفى ولا أحد من إخوة المتوفى ولا من أخواته لأمه. ولا يرث الإخوة ولا الأخوات للأم مع بنت الصلب وإن سفلت. ولا ترث المرأة بالولاء إلا من أعتقت أو من أعتق من أعتقت.
باب قسمة المواريث
وللزوج النصف من ميراث زوجته إذا لم يكن لها ولد ولا ولد ابن قرب منها أو بعد فإن كان لها ولد أو ولد ابن فله الربع من ميراثها وإنما نعنى من ولد الولد من هو لها عصبة أو من يرث منها بفرض مسمى. وللمرأة من ميراث الزوج الربع إذا لم يكن له ولد ولا ولد ابن فإن كان له ولد أو ولد ابن وإن سفل فلها الثمن. والمرأتان والثلاث والأربع شركاء في الربع إذا لم يكن ولد قرب أو بعد وفى الثمن إذا كان ولد.
وللأم الثلث إذا لم يكن للمتوفى ولد ولا ولد ولد و إن سفل ولا اثنان من الإخوة أو من الأخوات فصاعداً فإن كان له ولد وإن سفل أو اثنان من الإخوة أو من الأخوات فصاعداً فلها السدس إلا في فريضتين إحداهما زوج وأبوان والأخرى امرأة وأبوان ولا ولد للمتوفى ولا للمتوفاة وإن سفل ولا إخوة ولا أخوات فإنه يكون في هاتين المسألتين ثلث ما يبقى بعد نصيب الزوج أو الزوجة وما بقى فللأب وإن كان في موضع الأب في هاتين الفريضتين جد وإن علا فإنه يكون للأم الثلث كاملاً وللبنت النصف وللابنتين الثلثان وكذلك ما كثر من البنات لم يزدن على الثلثين ولبنت الابن مع ابنة الصلب السدس تكملة الثلثين تكملة الثلثين ولا شيء لابنة الابن مع ابنتين من بنات الصلب ولا مع أكثر منهن
الجزء 1 · صفحة 82
من بنات الصلب لأنهن قد استكملن الثلثين وحجبنها عنه إلا أن يكون للميت ابن ابن فيكون ما بقى بعد نصيب الابنة للصلب و بعد أنصباء البنات للصلب له ولمن في درجته من بنات البنين للذكر منه ومنهن من ذلك مثل حظ الأنثيين فإن كان للمتوفى بنت لصلبه أو بنات اصليه وبنات ابن وابن ابن ابن أسفل منهن كان ما بقى بعد نصيب الابنة وبعد نصيب البنات بين ابن ابن الابن وبين من فوقه من بنات ابن المبيت للذكر منه ومنهن مثل حظ الانثيين ولا يحجب الجد من الجدات أحداً إلا من ن كان منهن من قبله. فأما من كان. منهن من قبل الام فإنه لا يحجبهن وإن بعدن والواحد من الإخوة ومن الأخوات للأم السدس وللأنثيين منهم فصاعداً الثلث وذكورهم وإنا تهم في ذلك سواء وللأخت من الأب والأم النصف وللأختين فما أكثر من ذلك منهن الثلثان. وإذا استوفى الأخوات للأب والأم الثلثين من الميراث فلا شيء للأخوات من الأب منه إلا أن يكون من أخ لأب فيكون ما بقى له ولهن للذكر منهم من ذلك مثل حظ الانثيين فإن لم يكن من الأخوات إلا أخت واحدة لأب وأم وكان معها أخت أو أخوات لأب كان للأخت للأب والأم النصف وللأخت أو الأخوات من الأب السدس تكملة الثلثين وإن كان مع الأخت أو الأخوات للأب أخ لأب فلا سدس لهن ولهن وللأخ الذي معهن ما بقى للذكر مثل حظ الأنثيين. ولا يرث مع أخ لأب وأم من الإخوة ولا من الأخوات من قبل الأب أحد والميراث كله للأخ للأب والأم ولا مشاركة بين الإخوة للأب والأم وبين الإخوة والأخوات للأم على حال في سدس ولا في ثلث وإنما أردنا بذلك الوقوف على مذهبنا في المشتركة وهى زوج وأم وأخوات وإخوة لأم وإخوة لأب وأم فللزوج النصف من الميراث وللأم السدس والإخوة والأخوات من الأم الثلث ويسقط الإخوة للأب والأم ومن كان معهم من الأخوات للأب والأم فلا يرثون شيئاً. ولا يكون الأخوات من قبل الأب والأم ولا من قبل الأب إذا لم يكن معهن ذكر عصبة في شيء من الفرائض إلا مع البنات وإن سفلن فإنهن يكن معهن عصبة فإن كانت بنتاً واحدة كان لها النصف وإن كانت اثنتين أو أكثر من ذلك من البنات كان لهن الثلثان وكان ما يقى بعد ذلك للأخت أو الأخوات من قبل الأب والأم فإن لم يكن هناك أخوات لأب وأم ولا أخت لأب وأم وكان هناك أخوات لأب كان ما بقى لهن أيضاً وكذلك إن لم يكن من الأخوات للأب إلا واحدة كان ما بقي لها والأخوات من الأب في ذلك كالأخوات من الأب والأم إذا لم يكن أخوات لأب وأم. وللأب السدس مع الولد وإن سفل وإن بقيت بقية بعد سدسه و بعد استيفاء أهل الفرائض سواه فرائضهم كانت البقية له وهو يرث جميع المال إذا لم يكن معه أحد يحجبه عنه. وللجدات وإن كثرن إذا تساوين السدس لا يزدن عليه فإن قربت الجدة من قبل الأم و بعدت الجدة
الجزء 1 · صفحة 83
من قبل الأب أو قربت التي من قبل الأب وبعدت التي من قبل الأم فالقربى منهما أولى من البعدى منهما وإذا اجتمع أربع جدات اثنتان من قبل الأم واثنتان من قبل الأب أم أم أم وأم أبي أم وهن وأم أم أب وأم أب أب فالسدس بينهن جميعاً إلا أم أبى الأم فإنها تسقط ولا ترث شيئاً.
باب العصبة
و إذا كان ابن أو أكثر منه من البنين الذكور فهو أوهم أقرب العصبة تم بنوهم الذكور الأصلابهم كذلك وإن سفلوا فإذا لم يكونوا كان الأب هو العصبة فإذا لم يكن كان من قرب ممن فوقه من آبائه هو العصبة في قول أبي حنيفة رضى الله عنه و به نأخذ وأما في قول أبي يوسف ومحمد رضى الله عنهما فالإخوة للأب والأم أو للأب يشاركون الجد في ذلك غير أنه لا يكون الإخوة من قبل الأب والأم ولا من قبل الأب عصبة مع الجد في قولها؛ إلا أن يكون أحد من الإخوة من قبل الأب والأم ولا من الإخوة من الأب ثم بنو الإخوة الذكور للأب والأم ثم بنو الإخوة الذكور للأب يجرى ذلك فيهم درجة بعد درجة ثم العم للأب والأم ثم العم للأب ثم بنوهما الذكور كذلك يتقدم في ذلك من قرب على من هو هو أبعد منه وإذا لم يكن عصبة من نسب فمولى النعمة هو العصبة العصبة ثم كذلك عصبته هم عصبة المعتق ثم مولى الموالاة ثم عصبته كذلك بعد أن لا يكون للموالى أحد من ذوى أرحامة ممن هو عصبة ولا ممن ليس هو عصبته وللجد.
باب ميراث الجد أب الأب
الولد السدس فإن كان الولد غير ذكر كان ما بقى بعد مع الواجب له للجد أيضاً وإن كان مع الجد أحد من الإخوة والأخوات للأب والأم وليس معهم من له فرض معلوم فإن أبا حنيفة كان يقول المال كله للجد ولا يرث معه أحد من الإخوة ولا من الأخوات وأقامه فى ذلك مقام الأب وهو قول أبي بكر الصديق رضى الله عنه و به نأخذ. وأما أبو يوسف وعمل فكانا يقولان في ذلك إن الجد يقاسم الأخ الواحد والأخت الواحدة. وأكثر من ذلك من الإخوة ومن الأخوات من الأب والأم ما كان حظ الجد بالمقاسمة ثلث المال فصاعداً فإن نقص حظه بالمقاسمة من ثلث المال أكمل له ثلث المال ثم قسم ما بقى بين الإخوة والأخوات للأب والأم للذكر منهم من ذلك مثل حظ الأنثين وإن لم يكن للمتوفى إخوة لأب وأم ولا أخوات لأب وأم وله إخوة أو أخوات لأب كانوا في ذلك كالإخوة والأخوات للأب والأم وإن كان في شيء مما ذكرنا مع الجد أحد ممن له فرض معلوم زوج أو امرأة و أم أو جدة أو بنات أو بنات ابن
الجزء 1 · صفحة 84
وكان ذلك الفرض المعلوم نصف المال أو أقل منه منه بدى. بأهل الفرائض فوفوا فرائضهم ثم قسم ما بقى بين الجد وبين. الإخوة والأخوات للذكر منهم من ذلك مثل حظ الأنثيين ما كان الذي نصيب الجد بالمقاسمة ثلث ما يبقى فصاعداً وكان ما يبقى للإخوة والأخوات للذكر منهم من ذلك مثل حظ الأنثيين وإن كثرت الفرائض فزادت على النصف ولم يتجاوز الثلثين قاسم الجد من معه من الإخوة والأخوات ما كان حظه السدس من المال فإن نقص عن ذلك بالمقاسمة كان له السدس من المال كاملاً وكان. ما بقى من المال بينه و بين من معه من الإخوة والأخوات للذكر مثل حظ الأنثيين وإن زادت الفرائض على الثلثين لم يقاسم من الإخوة. ولا من الأخوات وكان له السدس وكان ما بقى للإخوة والأخوات للذكر منهم من ذلك مثل حظ الأنثيين وإن عالت الفريضة فالسدس للجد من المال .. والعول يدخل عليه منه كما يدخل على غيره منه وليس يعال لأحد من الإخوة والأخوات مع الجد إلا في الأكدرية وهى زوج وأم وأخت لأب وأم أو لأب وجد فللزوج النصف وللأم الثلث وللجد السدس وللأخت النصف يعال به لها تم يضم الجد سدسه إلى نصف الأخت فيقسمان ذلك للذكر منهم مثل حظ الأنثيين وتصحيح سهامها من سبعة وعشرين الزوج منها سبعة وللأم منها ستة والجد منها ثمانية وللأخت منها أربعة والإخوة والأخوات للأب والأم يعادون الجد بالإخوة والأخوات للأب ولا يصير في أيدى الذين للأب شيء إلا أن يكون أخت واحدة لأب وأم فيصيبها بالمقاسمة أكثر من النصف فترد ما زاد على النصف على الإخوة والأخوات لأب. وهذا قول زيد اين ثابت رضى الله عنه. وأكثر ما تعول به الفرائض ثلثاها.
باب ميراث ولد الملاعنة وولد الزنا
وإذا مات ولد الملاعنة وولد الزنا ورثت أمه حقها في كتاب الله عز وجل وورث إخوته لأمه حقوقهم في كتاب الله فإن كانت أمه مولاة لقوم ولاء عتاقة كان ما بقى لمواليها وإن لم يكن كذلك كان ما بقى ردا على أمه وعلى إخوته لأمه على مقادير فرائضهم. وإن كان اللعان بين رجل وامرأته فولادت ولدين في بطن واحد كانا في ميراث كل واحد منهما صاحبه كالأخ للأم أخيه لأمه وكذلك ابنا الزنا إذا كانا ولدا فى بطن واحد في ميراثه من وإذا ادعى الملاعن الولد الذى لاعن عليه ضرب الحمد ورد نسبه إليه فإن كان الولد قد توفى قبل ذلك ولم يخلف ولداً ولا ولد ولد لم يكن له من ميراثه شيء وكان ميراثه لوارثه سواه وإن كان له ولد من صلبه ورث معهم كما يرث من ولده الذي لم يلاعن به وإن كان له ابن بنت ففيها قولان أحدها فالدعوة جائزة ويرد النسب إليه وهو قول أبي حنيفة وفي قول آخر الدعوة باطلة ولا يرد النسب إليه ولا يرث وهو قول أبي يوسف ومعنى قول محمد و به نأخذ. قال أبو جعفر وأما أنا
الجزء 1 · صفحة 85
فأرى أن دعواه جائزة وأن يحدد ويرد النسب إليه ويرث. وهو قول الثورى.
باب ميراث المجوسى
قال ولا يتوارث المجوسي بالنكاح إلا ما كان منه صحيحاً حلالا فأما ما كان. منه فاسداً حراماً فإنهم لا يتوارثون به. وإذا مات المجوسي وترك امرأة وهى أمه التي ولدته وهي أيضاً أخته لأبيه كان الأب تزوج ابنته فأولدها إياه ورثته ثلث المال بأنها أمه ونصف المبال بأنها أخته لأبيه وكان ما بقى من المال ردا عليها برحميها اللتين ورثت المتوفى بهما يرد عليها بكل واحد منهما بقدر ما ورثت به .. و إن ترك امرأة هي ابنته وهى أخته لأمه كأنه كان تزوج أمه فأولدها إياها كان لها النصف لأنها ابنته ولا شيء لها لأنها أخته لأن الأخت للأم لا ترثه مع الابنة.
باب الميراث بالأرحام
وإذا ترك الرجل ابنته أو أمه أو أخته لأمه أو أخاه لأمه ولم يترك وارثاً سواه من عصبة ولا من غيرها كان له من الميراث ما فرض الله عز وجل له منه وكان ما بقى منه ردا عليه برحمه وإن ترك أمه وأخاه لأمه كان لأمه الثلث بالفرض ولأخيه لأمه السدس بالفرض وكان له ما بقى ردا عليهما بأرحامهما على مقادير مواريثهم وكذلك يرد على ذوى السهام من ذوى الأرحام ولا يرد على زوج ولا زوجة وإنما يرد على ذوى الأرحام دون ما سواهم ولا يرد على غير ذى سهم مع من له سهم. وإن لم يكن للمتوفى أحد من ذوى الفرائض المعلومة وكان له أحد من ولد ولده الذين لا فريضة لهم كأولاد البنات كان الميراث لهم للذكر مثل حظ الأنثيين ولا يرث أحد برحم معهم. و إن ترك هذا المتوفى ابن ابنته وابنة بنت له أخرى كان. الميراث بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين وإن كان المتوفى ترك ابنة أخيه لأبيه وأمه وابن أخته لأبيه وأمه فإن أبا يوسف قال الميراث بينهما للذكر منهما منه مثل حظ الأنثيين وكان يورنهما فى ذلك على أبدانهما وكان محمد يقول الميراث. بينهما نصفان لأرحامهما يدليان بهما متساوية و به نأخذ. ولا يرث أحد برحمه معهما ممن ليس يرجع إلى المتوفى بولادة وإن كان المتوفى ترك بنت أخيه لأبيه وأمه و ابن أخيه لأبيه وأمه فإن أبا يوسف قال الميراث بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين وقال محمد لابنة الأخ للأب والأم منه الثلثان ولابن الأخت للأب والأم منه الثلث. وكان أبو يوسف يورثهما في ذلك على أبدانهما وكان محمد بن الحسن يقول الميراث بينهما على أرحامهما التي يدليان بها و به تأخذ. ولا يرث أحد يرحم معهما ممن ليس يرجع إلى المتوفى بولادة. وإن كان المتوفى ترك ولد أخت لأب وأم وولد أخت لأب وولد أخت لأم فإن
الجزء 1 · صفحة 86
أبا حنيفة ومحمد بن الحسن رضى الله عنهما قالا لولد الأخت للأب والأم النصف ولولد الأخت من الأب السدس تشكيلة الثلثين ولولد الأخت من الأم السدس وما بقى كان مردوداً عليهم على مقادير مواريثهم فيعود الميراث بينهم على خمسة لولد الأخت للأب والأم منه ثلاثة أخماسه ولولد الأخت للأب خمسه ولولد الأخت من الأم خمسه. وقال أبو يوسف المال لابنة الأخت من الأب والأم ويسقط من سواها وكان قوله قبل ذلك كقول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن. وإن ترك ثلاث بنات إخوة متفرقين فلبنت الأخ من الأم السدس وما بقى فلابنة الأخ من الأب والأم وسقطت ابنة الأخ من الأب و به نأخذ. وأما في قول أبي يوسف الآخر فالميراث لابنة الأخ من الأب والأم خاصة وسقط من سواها ممن ذكرنا ولا يرث مع هؤلاء أحد من عمة ولا من خالة ولا أحد من أولادهما. وإن ترك عمة وخالة كان للعمة الثلثان والخالة الثلث وإن ترك خالة وابن عمة كان المال للخالة وكذلك إن ترك عمة وابن خالة أو ابن خال فالمال للعمة ولا شيء لابن الخال ولا لابن الخانة. وإن ترك ثلاث عمات متفرقات فالمال للعمة التي من قبل الأب والأم وكذلك إن ترك ثلاث خالات متفرقات فالمال للخالة من قبل الأب والأم وإن ترك خالا وخالة متساويين في القرابة منه فالمال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين. وإن ترك جده أبا أمه وابنة أخيه لأمه فإن أبا حنيفة كان يقول المال للجد. وقال أبو يوسف ومحمد هو لابنة الأخ للأم لأنها من ولد الأم و به نأخذ.
باب الميراث بالموالاة
وإذا والى الرجل الرجل ثم مات الموالى ولم يترك وارثاً من عصبته ولا من ذوى أرحامه فالمال الذى والاه وإن كان له ذو رحم من خالة أو من عمة فالمال لها دون مولى الموالاة.
باب من يجوز للرجل أو للمرأة دعواه إياه فيحجب من سواه من عصبته أو من ذوى أرحامه ولا يجوز دعوى الرجل إلا في أربعة أن يقول هذا ابنى أو هذا أبي أو هذا مولاى الذى أعتقنى أو هذه زوجتي بعد أن يكون في دعواه البنوة أو الأبوة موهوما ما قال فيهما. ولا يجوز دعوى المرأة إلا في ثلاثة أن تقول هذا أبي بعد أن يكون جائزا أن يكون مثله أباها أو هذا زوجي أو هذا مولاى الذى أعتقنى؛ ولا يجوز قولها هذا ابنى لأنها إنما تحمل النسب في ذلك على غيرها. والله أعلم.
باب إقرار بعض الورثة بوارث مجهول
قال وإذا توفى الرجل وترك ابنين فأقر أحدهما بزوجة لأبيه وكذبه فيها أخوه فإنها تقاسمه ما في يده