الجزء 1 · صفحة 7
الفقة النافع
للإمام ناصر الدين أبي القاسم محمد بن يوسف الحسني السمرقندي
توفي سنة (556هـ)
اعتنى به: لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات.
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين حمداً أمده الأبد، وعدده ألا يحصيه العدد والصلاة والسلام على الرسول النبي الهاشمي محمد وأصحابه بعدد من قام وقعد.
قال السيد الإمام الأجل، الزاهد ناصر الدين أبو القاسم بن يوسف الحسني المدني السمرقندي تغمده الله بالرحمة والغفران
إخواني رحمكم الله، وأبقاكم، وبصركم، ونصركم وأواكم.
سألتموني أن أصوغ لكم في الفقه كتاباً نافعاً، ولما يحتاج إليه في الحوادث جامعاً، وللأحكام كافياً، وفي الإحكام هادياً، مسائله للإيقان بها شفاء ودلائله للإتقان فيها ضياء تقتصر على المفتقر إليها وبدقائقها خالياً، وعن الشواذ والعويصة التي يقل إليها الافتقار، ويذهب دون تحصيلها الأعمار خالياً، فإنها تشغل عمر المره عن المقاصد، وتعرضه للتقاعد والمفاسد.
فاستخرت الله - تعالى - في صنعة كتاب نظري الدراية صحيح الرواية، يقتصر على قدر الافتقار إليه وسميته: «الفقه النافع» لقصور الحاجة إليه: وسألت الله - تعالى - وأسأله أن يشيعه في العالمين ضياء وشفاء، وأن يضيئه في العالمين سناً وسناء ن سناً وسناء وأن يبقيه لنا لسان صدق في الآخرين، وأن يجعله حجة يوم الدين وبه أستعين في صنعته وتسويده وعليه أتوكل في تصحيحه وتجويده، وهو حسبي ونعم المعين.
كتاب الطهارة
قال الله تعالى: {يَا أَيتهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ... } الآية ففرض الطهارة، غسل الأعضاء الثلاثة، ومسح الرأس، لأن محكم الكتاب تناول غسل هذه الأعضاء بالأمر
الجزء 1 · صفحة 9
فاقتضى الفرضية.
والمرفقان والكعبان تدخلان في الوجوب عندنا، خلافاً لزفر، رحمه الله ... لأن الحد لا يدخل في المحدود عنده ولنا أن المرافق الله والكعاب حد الإسقاط فلا يدخل تحت الإسقاط بعد تناول اسم اليد والرجل إياهما.
والمفروض في مسح الرأس مقدار الناصية لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح ناصيته، وهو قدر ربع الرأس، أو مقدار ثلاثة أصابع.
وسنن الطهارة غسل اليدين ن قبل إدخالهما الإناء إذا استيقظ المتوضاء من نومه لحديث أبي هريرة رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمسن يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، فإنه لا يدري أين باتت يده. وتسمية الله تعالى في ابتداء الوضوء سنة، لقوله عليه السلام: لا وضوء لمن لم يسم. يعني نفي الفضيلة.
والسواك سنة، لقوله - عليه السلام - لولا أن أشق على أمني لأمرتهم بالسواك عند كل وضوءه. والمضمضة والاستنشاق في الوضوء سنة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعلهما، وليسا " بفرضين في الوضوء لأن اسم الوجه لا يتناولهما، ومسح الأذنين سنة، لقوله عليه السلام: «الأذنان من الرأس أراد به بيان الحكم دون الخلقة».
وتخليل اللحية سنة، وفي رواية مستحب. وتخليل الأصابع سنة مبالغة في إيصال الماء إليها، لقوله - عليه السلام -: «خللوا أصابعكم قبل أن تخللها النار».
وتكرار الغسل إلى الثلاث سنة، لأن النبي - عليه السلام - لما غسل أعضاءه ثلاثاً ثلاثاً قال: هذا وضوئي، ووضوء الأنبياء من قبلي، فمن زاد على هذا أو نقص فقد تعدى وظلم.
ويستحب للمتوضيء أن ينوي الطهارة وعند الشافعي النية الطهارة في الوضوء فرض، وعندنا مستحب، لقوله عليه السلام: «الأعمال بالنيات».
ولنا قوله - عليه السلام -: «لا صلاة إلا بالطهارة».
وقد حصلت بدون النية. ويستوعب رأسه بالمسح، لأن عند البعض. استيعاب الرأس بالمسح فرض. ويرتب الوضوء، فيبدأ بما بدأ الله تعالى بذكره، وبالميامن، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم
الجزء 1 · صفحة 10
توضا هكذا.
وعند الشافعي الله رحمه الله الترتيب في الوضوء فرض.
فصل
في بيان نواقض الوضوء
كل ما خرج من السبيلين ينقض الوضوء لقوله تعالى: {جاءَ أَحَدٌ مِنكُم مِّنَ الْغَابِطِ}.
والدم، والقيح إذا خرجا من البدن فتجاوزا إلى موضع يلحقه حكم التطهير.
والنوم مضطجعاً أو متكناً، أو مستنداً إلى شيء، لو أزيل لسقط، لقوله - عليه السلام - إنما الوضوء على من نام مضطجعاً، والغلبة على العقل بالإغماء والجنون، لأنهما فوق النوم. والقهقهة في كل صلاة ذات ركوع وسجود.
وعند الشافعي: - رحمه الله - لا ينقض كما لو كان قبل الشروع في الصلاة، ولنا حديث الأعرابي في عينيه سوء، فتردى الذي في بئر عليها خصفة فضحك بعض من خلف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم فلما فرغ النبي - عليه السلام - من صلاته قال - عليه السلام ـ ألا من ضحك منكم قهقهة، فليعد الوضوء والصلاة جميعاً، والأخذ بالحديث الواحد أولى من الأخذ بالقياس.
فصل
وفرض الغسل المضمضة والاستنشاق، وغسل سائر البدن لقوله تعالى: {وإن كُنتُمْ جُنُباً فَأَطْهَرُوا} وقد أمكن الإظهار بالمضمضةالصلاة، والاستنشاق وسنة الغسل أن يبدأ المغتسل فيغسل يديه وفرجه ويزيل النجاسة إن كانت على بدنه ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، إلا رجليه، ثم يفيض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثاً، كذا روت ميمونة عن النبي صلي الله عليه وسلم: ثم يتنحى عن ذلك المكان، فيغسل رجليه لأنهما كانتا. في مستنقع الماء المستعمل.
وليس على المرأة أن تنقض ضفائرها في الغسل إذا بلغ الماء أصول الشعر لقوله عليه السلام لتلك المرأة: إذا بلغ الماء شؤون"، رأسك أجزاك.
فصل
الجزء 1 · صفحة 11
المعاني الموجبة للغسل: إنزال المني على وجه الدفق، والشهوة من الرجل والمرأة حالة النوم واليقظة لقوله ـ عليه السلام ـ الماء من الماء. فهموا من ذلك إيجاب الاغتسال من إنزال المني، والتقاء الختانين" من غير إنزال، لحديث عائشة - رضي الله عنها – ترفعه: «وإذا التقى الختانان وتوارت الحشفة وجب الغسل، أنزل أو لم ينزل».
والحيض؛ لقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ بتشديد الطاء وكذا النفاس، لأنه أقوى من الحيض. والغسل للجمعة والعيدين والإحرام سنة، سنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
ولنا قوله تعالى: {إذا قُمتُم إلى الصلوة} الآية.
والمذي: ما يخرج عقيب ملاعبة الرجل أهله والودي: ما يخرج عقيب البول.
والمني إذا زال عن شهوة عن مكانه، وخرج لا على سبيل الشهوة يجب الغسل عند أبي حنيفة و محمد - رحمهما الله ـ وعند أبي يوسف رحمه الله - لا يجب لعدم الشهوة
فصل
والطهارة من الأحداث، جائزة بماء السماء، والأودية، والعيون والأبار وماء البحار، لقوله تعالى: فَأَغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ والغسل المعتاد بالماء المطلق، لقوله - عليه السلام -: الماء طهور لا ينجسه شيء، إلا ما غير لونه، أو طعمه، أو ريحه.
ولا تجوز الطهارة بماء اعتصر من الشجر، والثمر، لأنه ليس بماء مطلق.
والطهارة عن الحدث ثبتت بخلاف القياس، الطهارة الأعضاء، حقيقة وشرعا، وتطهير الطاهر محال فاقتصر على مورد النص ولا يجوز بماء غلب عليه غيره فأخرجه عن طبع الماء كالأشربة والخل وماء الباقلا، والمرق، لأنه لا يسمى ماء مطلقاً.
ويجوز الطهارة بماء خالطه شيء طاهر فغير أحد أوصافه كماء المد والماء الذي يختلط به «الأشنان أو الصابون أو الزعفران لأن الخلط إذا كان قليلاً طاهر لا يمكن صون الماء عنه.
وكل ماء دائم وقعت فيه نجاسة، لم يجز الوضوء به، قليلاً كان أو كثيراً، لقوله - عليه السلام: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسلن فيه من الجنابة، فالأمر بحفظ الماء الراكد دل على تأثر الماء. والماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسة، جاز الوضوء منه، إذا لم ير لها أثر، لأن النجاسة لا تستقر مع جريان
الجزء 1 · صفحة 12
الماء.
والغدير العظيم الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر إذا وقعت نجاسة في أحد جانبيه: جاز الوضوء من الجانب الآخر، لأن الظاهر أن النجاسة لا تصل إليه.
وموت ما ليس له نفس سائلة في الماء لا ينجسه، كالبق، والذباب، والزنابير، والعقارب وقال الشافعي -رحمه الله -؛ لتحلل أجزاء الميتة فيه، ولنا قوله - عليه السلام: «إذا وقع الذباب في طعام أحدكم فأمقلوه ثم انقلوه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء، وإنه ليقدم الداء على الدواء»، ولو أفسد الطعام لكان إضاعة له وقد منع من الإضاعة، وأدلة الشرع لا تتناقض.
و موت ما يعيش في الماء لا يفسده كالسمك، والضفدع والسرطان، لأن هذه الأشياء لا دم لها، لأن الحرارة خاصية الدم، ولو كان لها دم لانطفت بدوام السكون في الماء.
والماء المستعمل لا يجوز استعماله في طهارة الإحداث وعليه الإجماع، وإنما الخلاف في نجاسته والمستعمل كل ماء أزيل به حدث أو استعمل في البدن على وجه القربة. وكل إهاب دبغ فقد طهر وجازت الصلاة فيه، والوضوء منه، لقوله - عليه السلام – أيما إهاب دبغ فقد طهر إلا جلد الخنزير والآدمى لقوله تعالى: أَوْ لَحْمَ خِنزيرِ فَإِنَّهُ رِجْسٌ والكناية تنصرف إلى أقرب المكنيات وهو الخنزير لا اللحم، وكذا؟ جلد الآدمي محرم للتكريم، لقوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدم} الآية.
وشعر الميتة وعظمها طاهر، وقال الشافعي - رحمه الله -؛ لأنه من أجزاء الميتة، ولنا قوله تعالى: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا نجس وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَتَنا ... مطلقاً وهذه الأشياء ليست بميتة، لأن الميتة اسم ما زالت الحياة عنها لوجود التضاد بين الموت والحياة والمحل لا يخلو عن أحد الضدين ولا حياة في الشعر، لعدم الحس والحركة وإنما فيه النمو كما في النبات والنامي لا يسمى حياً فلا يكون ميتة.
فصل
وإذا وقعت في البئر نجاسة نزحت لشيوع النجاسة في أجزاء الماء لان. وجوب التحرز عن النجاسة واجب وما لا يتوسل إلى الواجب إلا به يجب کوجوبه ونزح ما فيها من الماء طهارة لها. فإن ماتت فيها فارة، أو عصفور، أو صعوة، أو سودانية، أو سام أبرص، نزح منها ما بين عشرين دلواً إلى ثلاثين، بحسب كبر الدلو وصغره. وإن ماتت فيها حمامة أو دجاجة، أو سنور نزح ما بين أربعين دلوا إلى ستين لحديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - وإن كان آدميا نزح ماء البئر كله، لحديث الزنجي
الجزء 1 · صفحة 13
الذي مات في بئر زمزم، فأمر عبد الله بن عباس - رضي الله عنه- وابن الزبير بنزح ماء البئر كله وكذلك الشاة والكلب. وإن انتفخ الحيوان فيها أوتفسخ نزح جميع ما فيها، صغر الحيوان أو كبر، لأن أجزاء المينة شاعت في الماء.
وعدد الدلاء يعتبر بالدلو الوسط المستعمل في الآبار لأن الوسط إلى العدل أقرب فإن نزح منها بدلو عظيم قدر ما يسع فيه من الدلاء الوسط المستعمل للآبار أحتسب به لحصول المقصود، وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة - رحمهما الله- أنه لا يجوز لأن بتواتر الدلاء يصيرالماء في معنى الماء الجاري. وإن كانت البئر معيناً لا تنزح و وجب نزح ما فيها، أخرجوا مقدار ما فيها وعن محمد- رحمه الله ـ أنه قال: ينزح منها مائتا دلو إلى ثلثمائة دلو، وإن وجد في البئر فأرة ميتة أونحوها ولا يُدري متى وقعت ولم تنتفخ أعادوا صلاة يوم وليلة، إذا كانوا توضؤا منها، وغسلوا كل شيء أصابه ماؤها، وإن كانت انتفخت، أو تفسخت أعادوا صلاة ثلاثة أيام ولياليها في قول أبي حنيفة - رحمه الله- وقال ليس عليهم إعادة حتى يتحققوا متى وقعت لأن الشك وقع في إفساد ما مضى والوقوع أمر حادث فيضاف إلى أقرب الأزمان وجوداً، لأبي حنيفة - رحمه الله أن الوقوع سبب للموت أو التفسخ فيضاف الحكم إلى السبب الظاهر غير انه قدر باليوم والليلة احتياطياً فيما لم يتفسخ، وبثلاثة أيام ولياليها فيما تفسخ، والله أعلم.
فصل
وسورالآدمي وما يؤكل لحمه طاهر لأنه يمازج لعابه، ولعابه طاهر، وسؤر الكلب والخنزير وسباع البهائم نجس لأن لعابها نجس، وسؤر الهرة مكروه، وعن أبي يوسف - رحمه الله - أنه غير مكروه لقوله عليه السلام: الهرة ليست نجسة.
و لهما قوله - عليه السلام: الهرة سبع وسؤر الدجاجة المخلاة مكروه، لأن بمنقارها قذراً ظاهراً، وكذا سؤر سباع الطير لأنها لا تتحامى عن الجيف، وسؤر سواكن البيوت مكروه لقوله -عليه السلام – خمر وا آنيتكم وسؤر البغل والحمار مشكوك فيهما لتعارض الأدلة فإن لم يجد غيرهما توضأ بهما وتيمم، وأيهما قدم جاز، وعند زفر - رحمه الله يجب تقديم الوضوء على التيمم، ليكون عادماً للماء عند التيمم ولنا أن المطهرإما الماء أو التراب فلا يضره التقديم.
باب التيمم
ومن لم يجد الماء وهو مسافر، أو خارج المصر وصلى لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا
الجزء 1 · صفحة 14
طَيِّبًا} وهذا إن كان بينه وبين الماء نحو ميل، أو أكثر وكذلك إن كانيجد الماء إلا أنه مريض يخاف إن استعمل الماء أن يشتد مرضه، أو كان جنباً خاف إن اغتسل أن يقتله البرد أو يمرضه، لأن الذي يضر به مرفوع شرعاً، لأنه ضيق وحرج قال الله - تعالى -: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج}.
والتيمم في الجنابة والحدث سواء لقوله تعالى: أو جاء أحد منكم مِنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طيبا والمراد به الوقاع، حمل عليه
ليكون في التيمم بياناً، شافياً للطهارتين جميعاً، كما في الطهارة بالماء. و يجوز التيمم عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله ـ بكل ما ويجوز التيمم كان من جنس الأرض كالتراب والرمل والحجر، والنورة والجص والكحل والزرنيخ وما أشبه ذلك، وقال أبو يوسف - رحمه الله - لا يجوز إلا بالتراب والرمل، وعند الشافعي - رحمه الله - لا يجوز إلا بالتراب المنبت، لأن النص شرط الطيب وأنه المنبت كما قال الله تعالى: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نكدا و لأبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله – أن الصعيد ما يصعد من وجه الأرض، فعيل بمعنى مفعول، والطيب، لأنه أليق بالطهارة والنية فرض في التيمم، لأنه ليس بطهارة حقيقية، فلا يجعل طهارة إلا بالنية، بخلاف الوضوء.
وينقض التيمم كل شيء ينقض الوضوء لأنه خلف الوضوء وينقضه أيضاً رؤية الماء، إذا قدر على استعماله لقوله - عليه السلام -: «التراب وضوء المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء»، جعله طهوراً إلى غاية وجود الماء، ولا يجوز التيمم إلا بصعيد طاهر، لقوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيْبًا}، ويستحب لمن لم يجد الماء في أول الوقت يجده في آخر الوقت أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت أن وهو يرجو ليؤديها بأكمل الطهارتين، فإن وجد الماء وإلا تيمم. ويصلي بتيممه ما شاء من الفرائض والنوافل لقوله - عليه السلام - التيمم طهور المسلم ولو إلى عشر حجج. ويجوز التيمم للصحيح في المصر إذا حضرت جنازة والولي غيره، ولو اشتغل بالوضوء يخاف فوت الصلاة لأنه غير واجد للماء في حق الصلاة على هذه الجنازة وكذا الذي يخاف إن اشتغل بالوضوء أن تفوته العيد. وفي الجمعة لا يجوز التيمم، لأنها تفوت إلى ما يقوم مقامها الأصل، وهو الظهر، وكذا الذي يخشى فوات الوقت، لا يتيمم ولكن يتوضأ، ويقضي الفائتة، لأنه يفوت الأداء إلى خلف، وهو القضاء.
والمسافر إذا نسي الماء في رحله فتيمم وصلى ثم تذكر الماء، لم يعد صلاته عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله ويعيدها عند أبي يوسف رحمه الله، لأنه قادر على الماء حقيقة ولهما أن أخص أوصاف القدرة؛
الجزء 1 · صفحة 15
العلم بالمحل، ولم يوجد. وليس على المتيمم طلب الماء، إذا لم يغلب على ظنه أن يقربه ماء، فإن غلب على ظنه أن هناك ماء، لم يجز له أن يتيمم، لأنه واجد للماء، وإذا لم يغلب على ظنه فهو ممن لم يجد الماء حقيقة، وإن كان، وإن كان مع رفيقه ماء، طلبه منه، لأن الظاهر في الماء عدم الضنة، فإن منعه تيمم لأنه لم يجد الماء والله أعلم.
باب المسح على الخفين
المسح على الخفين جائز بالسنة التي قربت التواتر، ويجوز من كل حدث موجب الوضوء إذا لبسهما على طهارة كاملة، ثم أحدث ولا يجوز من الجنابة لحديث صفوان بن عسال المرادي، - رضي الله عنه - أنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا [إذا كنا سفراً، أن لا تنزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليها إلا عن جنابة ولكن من بول أو غائط أو نوم] وشرطنا اللبس على طهارة كاملة، لحديث المغيرة بن شعبه، أنه روى هذا الشرط.
وبمسح المقيم يوماً وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليها كذا الحديث، وابتداؤها عقيب الحدث، لأن قبل الحدث لو نزع الخفين ثم لبسهما، أو لم يلبسهما إلى وقت الحدث ثم لبسهما قبل الحدث، يجوز.
والمسح على الخفين على ظاهرهما خطوطاً بالأصابع، كذلك السنة ويبتداء من الأصابع إلى الساق اعتباراً بالغسل. وفرض ذلك ثلاث أصابع من أصابع اليد لأنه أكثر آلة المسح وللأكثر حكم الكل.
ولا يجوز المسح على خف فيه خرق كبير يبين منه مقدار ثلاث أصابع من أصابع الرجل، لأنه يجب غسله لظهوره، ولا يجمع بين الأصل والخلف، وإن كان أقل من ذلك جاز، لأن التحرز عن قليل الخرق متعذر في الأسفار.
وينقض المسح على الخفين ما ينقض الوضوء لأنه بعض الوضوء کغسل القدمين وينقضه أيضاً نزع الخف لأن الخف يمنع سراية الحدث إلى الرجلين وقد زال المانع.
ومضي المدة أيضاً للحديث فإذا تمت المدة نزع خفيه وغسل رجليه وصلى لوجود سراية الحدث إلى الرجلين عند تمام المدة وليس عليه إعادة بقية الوضوء لعدم الناقض فيها.
ومن ابتدأ المسح وهو مقيم فسافر قبل تمام يوم وليلة مسح ثلاثة أيام ولياليها، لأنه مسافر. فيمسح المسافر ثلاثاً للحديث ثلاثاً للحديث وإن ابتدأ المسح وهو مسافر ثم أقام فإن كان مسح يوماً وليلة الزمه نزع خفيه وغسل رجليه وإلا تمم مسح يوم وليلة، لأن المقيم لا يزيد على يوم وليلة في المسح.
الجزء 1 · صفحة 16
ومن لبس الجرموق فوق الخف مسح عليه، لأنه كطاق من طاقات الخف.
ولا يجوز المسح على الجوربين عند أبي حنيفية -رحمه الله- إلا أن يكونا مجلدين أو منعلين وقالا يجوز المسح على الجوربين إذا كانا ثخينين لا يشفان، للحديث. لما روي عن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الجوربين. ولأبي حنيفة ـ رحمه الله أنه لا يطيق السفر فلا يكون بمعنى الخفين، فلا يترك ظاهر الكتاب بالحديث الغريب.
ولا يجوز المسح على العمامة، والقلنسوة، والبرقع والقفازين، لأنه يخالف ظاهر الكتاب لأن ظاهر الكتاب يوجب غسل هذه الأعضاء فلا يترك إلا بدليل قوي ولم يوجد بخلاف المسح على الخفين.
ويجوز المسح على الجبائر وإن شدها على غير وضوء، لحديث علي- رضي الله عنه - أنه قال: كسرت إحدى زندي. يوم أحد فأمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أمسح عليهما فإن سقطت من غير برء لم يبطل المسح لأن غسل ما تحتها لا يجب، وإن سقطت عن برء بطل لوجوب غسل ما تحته بطريق التَبَيَّنُ بطريق التَبَيِّنُ، وإذا سقطت في الصلاة يستقبل.
باب الحيض
أقل الحيض ثلاثة أيام ولياليها، وأكثره عشرة أيام لما روي عن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - أنهم قالوا: الحيض ثلاثة، أربعة خمسة ستة سبعة ثمانية تسعة عشرة دل هذا الاقتصار على منع الزيادة والنقصان وما نقص عن ثلاثة أيام ولياليها أو إذا زاد على عشرة أيام ولياليها فهو استحاضة، لأنه دم خرج من العرق لا من الفرج، فعلمنا أنه ليس بنفاس ولا حيض وما تراه المرأة من الحمرة، والصفرة والكدرة، في أيام الحيض فهو حيض حتى ترى البياض خالصاً، وكانت عائشة - رضي الله عنها – تقول للنساء اللاتي يبعثن بالكرسف إليها: ولا حتى ترين القصة البيضاء»،، وعند أبي يوسف - رحمه الله - الكدرة حيض إذا تأخرت عن الدم، لأن الكدرة تخرج بعد الصافي، كما في الكوز ولنا أن الصافي قد يتأخر عن الكدرة، كما في دم العرق.
الحائض لا تصوم ولا تصلي تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة الحديث عائشة - رضي الله عنها - سئلت. رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نقضي الصوم، ولا نقضي الصلاة.
ولا تدخل المسجد لقوله تعالى: وَلَا جُنُباً إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ والحائض أبعد من الطهارة عن الجنب.
ولا تطوف بالبيت، لأن المطاف في المسجد، ولا يأتيها زوجها لقوله تعالى: فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ
الجزء 1 · صفحة 17
فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتى يطهرنولا يجوز لحائض ولا جنب قراءة القرآن قال علي ـ رضي الله عنه - كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يحجزه شيء عن قراءة القرآن إلا الجنابة. والحيض أقوى مانعاً.
ولا يجوز لمحدث مس المصحف لقوله تعالى: لا يمسه إلا الْمُطَهَّرُونَ إلا أن يأخذه بغلافه لأنه لم يمسه.
وإذا انقطع دم الحيض لأقل من عشرة أيام لم يجز وضه الحائض، وإن انقطع دمها لعشرة أيام، جاز حتى تغتسل وطؤها قبل الاغتسال، لقوله تعالى: {وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ
وحتى يتطهرن بالتشديد يقتضي حرمة الوطء إلى غاية الاغتسال وبالتخفيف إلى غاية الطهر، فنعمل بهما في حالين فتحرم حتى تغتسل إذا كان أقل من عشرة أيام ... وإذا كان عشرة حتى تظهر والحمل على هذا الوجه أولى، لأن الحمل على عكسه يوجب ترك العمل بأحدهما.
والطهر المتخلل بين الدمين في مدة الحيض فهو كالدم الجاري، لأنه طهر فاسد، فيكون له ضده كالصوم الفاسد، وهو اختيار أبي يوسف الله رحمه وهوآخر أقوال أبي حنيفة - رحمه الله وهو الأيسر على المفتي والمستفتيات فيكون أليق بأوضاع الشرع، كما قال النبي -عليه السلام - بعثت بالحنيفية السمحة السهلة. وأقل الطهر خمسة عشر يوماً، كذا روي عن إبراهيم وعطاء ولا يعرف إلا نقلاً، ولا غاية لأكثره.
ودم الاستحاضة هو ما تراه المرأة أقل. من ثلاثة أو أكثر من عشرة أيام، وحكمه حكم الرعاف الدائم لا يمنع الصلاة ولا الصوم ولا الوطء، لقوله - عليه السلام - للمستحاضة: توضئي وصلي وإن قطر الدم على الحصير قطر فإنما هو دم عرق.
فإذا زاد الدم على العشرة وللمرأة عادة معروفة، ردت إلى أيام عادتها، وما زاد على ذلك فهو استحاضة، لأن الدم الزائد على العادة لما اتصل بدم الاستحاضة وهو الزائد على العشرة احتمل أنه دم الاستحاضة، وقد تقوى ذلك بمخالفة العادة.
وإن ابتدأت مع البلوغ مستحاضة، فحيضها عشرة أيام من كل شهر والباقي استحاضة عندنا. وعند الشافعي - رحمه الله - حيضها يوم وليلة لأنه أقل الحيض عنده وفيه يقين ولنا أنه دم متصل بالحيض فالظاهر أنه دم رحم إلا إذا قام الدليل على خلافه، وهو 4 ما زاد على العشرة، بخلاف صاحبة العادة، حيث ترد إلى عادتها لأنه قام الدليل على أنه ليس بدم الحيض بمخالفة العادة.
الجزء 1 · صفحة 18
والمستحاضة و من به سلس البول والرعاف الدائم، والجرح الذي لا يرقأ يتوضؤون لوقت كل صلاة، فيصلون بذلك الوضوء في الوقت ما شاءوا من الفرائض والنوافل فإذا خرج الوقت بطل وضوؤهم، وكان عليهم استئناف الوضوء الصلاة أخرى.
وقال الشافعي- رحمه الله- يتوضؤون لكل فرض صلاة لقوله - عليه السلام المستحاضة تتوض
لكل صلاة إلا أن النافلة تبع للفرض، فلا تفرد بحكم على حده.
و لنا: قوله - عليه السلام-: «المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة»، وما روي يحتمل ما روينا لأن الصلاة تذكر ويراد بها وقتها توفيقاً تقول آتيك صلاة الظهر، أي وقتها، فيحمل على ما قلنا بين الحديثين، وإنما تبطل بخروج الوقت عند أبي حنيفة - رحمه الله - وأبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - ولا تبطل بالدخول عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله ـ وعند أبي يوسف وزفر رحمهما الله تبطل بالدخول لعدم الضرورة قبل الوقت و تبطل بالخروج لأن الطهارة قارنها ما يرفعها فيدفعها ضرورة، إلا أنها قدرت طهارة ضرورية تُمكن المكلف من التقضي عن عهدة التكليف وأمارته خروج الوقت.
فصل في النفاس
النفاس هوالدم الخارج عقيب الولادة وما تراه الحامل من الدم قبل خروج الولد استحاضة، لأن الحبل يمنع خروج دم الرحم لانسداد فم الرحم بالحبل لأن الثقب من أسفل الرحم بخلاف الكلية، فدل أنه دم عرق.
وأقل النفاس لا حد له، وأكثره أربعون يوماً عندنا و عند الشافعي- رحمه الله- ستون يوماً لأنه أكثر من أكثر مدة الحيض بأربعة أضعافه لاجتماع الدم في الرحم أربعة أشهر، ثم بعد ذلك يصيرغذاء للولد كما قال النبي عليه السلام: يمكث أحدكم في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم أربعين يوماً علقة، ثم أربعين يوماً مضغة، ثم يأمر الله تعالى ملكاً ينفخ فيه الروح وما زاد على الأربعين فهو استحاضة.،
فإن كانت لها عادة في النفاس، ردت إلى أيام عادتها، والزيادة على الأربعين، وإن ابتدأت مع البلوغ استحاضة إذا زادت مستحاضة فنفاسها أربعون يوماً كما ذكرنا في الحيض.
وان ولدت ولدين في بطن واحد فنفاسه من الولد الأول لوجود دليل انفتاح فم الرحم بالحبل وهو خروج الولد وفيه خلاف محمد وزفررحمة الله عليهما.
الجزء 1 · صفحة 19
باب الأنجاس
تطهير النجاسة واجب من بدن المصلي وثوبه، والمكان الذي يصلي عليه، لقوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَفِرْ} والوارد في الثياب وارد في البدن، والمكان بطريق الأولى، لأن الإتصال بها أقوى، ويجوز تطهيرالنجاسة بالماء، وبكل مائع طاهر يمكن إزالتها به، كالخل، وماء الورد، وقال رحمهما الله لا يجوز إلا بالماء، والدليل على الجواز أنه مزيل النجاسة طبعاً كالماء.
وإذا أصاب الخف نجاسة لها جرم مخفف، فدلكه بالأرض جاز لقوله - عليه السلام - فمن أراد دخول المسجد فليقلب نعليه فإن كان عليهما قذر فليمسحهما بالأرض، فإن الأرض لها طهور.
والمني نجس عندنا خلافاً للشافعي - رحمه الله ولنا قوله - عليه السلام - إنما يغسل الثوب من خمس: من بول، وغائط، ودم، وقيء، ومني يغسل رطبه، ولو جف على الثوب أجزأه الفرك، لقول عائشة ـ رضي الله عنه ـ كنت أفرك المني من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم، وهو يصلي فيه.
والنجاسة إذا أصابت المرآة أو السيف اكتفى بمسحهما، لأن النجاسة لا تدخل في أثنائهما، لضيق المسام وإنما هي على سطحه الأعلى، وقد زال بالمسح. وإذا أصابت الأرض نجاسة، فجفت بالشمس وذهب أثرها جازت الصلاة على مكانها ولم يجز التيمم بها لقوله عليه السلام: ذكاة الأرض يبسها.
ومن أصابه من النجاسة المغلظة؛ كالدم والبول والخمر والغائط مقدارالدرهم، وما دونه جازت الصلاة معه فإن زاد لم يجزء، كذا قدر بمحل الاستنجاء، ولأن القليل لا يمكن لأن قدر الدرهم عفوكّذا قدر بمحل الأستنجاء و لأن القليل لا يمكن التحرز عنه.
والدرهم، قد الدرهم الكبير الشهليلي، مثل الكف وفي بعض الروايات مثل الدراهم السود الزبرقانية وفي بعضها. مثل الدرهم الكبير - رحمه الله النجاسة التي لها جرم
المثقال، قال الفقيه أبو جعفر يعتبر فيها وزن الدرهم، والتي لا جرم لها يعتبر فيها المساحة.
وإن أصابته نجاسة مخففة، كبول ما يؤكل لحمه، جازت صلاته معه، حتى يبلغ ربع الثوب، لأن الكبير الفاحش يمنع جواز الصلاة والربع ملحق بالكل في بعض الأحكام، وقيل ربع الموضع، الذي أصابه، إن كان كما فربع الكم، وإن كان ذيلاً فربع الذيل، والنجاسة المرئية الطهارة عنها بزوال عينها إلا أن يبقى من أثرها ما يشق إزالته، لأن عينها يعرف باللون.
الجزء 1 · صفحة 20
والتي هي غير مرئية فطهارتها أن يغسل حتى يغلب على ظن الغاسل أنه قد طهر، وقدّره النبي - عليه السلام. بالثلاث في حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه - إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسنفي الإناء، حتى يغسلها ثلاثاً ز
الاستنجاء سنة فعله رسول الله ? صلى الله عليه وسلم يجزاء فيه الحجر، وما قام مقامه بمسحه حتى ينقيه لأن المقصود هو التنقية * وليس فيه عدد مسنون عندنا ووعند الشافعي رحمه الله المسنون ثلاثة أحجار، أو حجر له ثلاثة أحرف يقوم كل حرف مقام حجر، لقوله عليه السلام: «من استنجى منكم فليستنج بثلاثة أحجاره. ولنا قوله -عليه السلام: من استجمر فليوتر، ومن فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج وغسله بالماء أفضل نزل عليه قوله تعالى: فِيهِ رجال يحبون أن ينطهَرُوا.
فإن تجاوزت النجاسة مخرجها لم يجز فيه إلا بالماء، لأن للبدن حرارة جاذبة أجزاء النجاسة فلا تظهر بالمسح وكذا القياس في موضع الاستنجاء، إلا أنه اكتفى بالمسح للضرورة.
ولا يستنجى بعظم ولا بروث، لورود النهي عنهما ولا بطعام لأنه إسراف، ولا بيمينه لقوله - عليه السلام اليمين للوجه واليسار للمقعده والقسمة توجب قطع الشركة.
كتاب الصلاة
أول وقت الفجر، إذا طلع الفجر الثاني، وهو البياض المعترض في الأفق لقوله عليه السلام: «لا يغرنكم أذان بلال ولا الفجر المستطيل وإنما الفجر المستطير في الأفق.
وآخر وقتها طلوع الشمس لقوله تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الصلاة الشَّمْسِ بمعنى وأول وقت الظهر حين تزول الشمس لحديث جبريل ـ عليه السلام أنه أم النبي - عليه السلام -، فصلى زالت الشمس وفي اليوم الثاني حين صار كل الظهر في اليوم الأول حين شيء مثله وقال: الوقت ما بين هذين الوقتين، وآخر وقتها عند أبي حنيفة رحمه الله إذا صار ظل كل شيء مثليه سوى في الزوال. وقالا إذا صار ظل كل شيء مثله، لأبي حنيفة ـ رحمه الله أن عند تعارض الأدلة، وقع الشك في خروج وقت الظهر ودخول وقت العصر فلا يثبت بالشك.
وأول وقت العصر إذا خرج وقت الظهر على القولينوآخر وقتها ما لم تغرب الشمس.
وأول وقت المغرب إذا غربت الشمس لحديث إمامة جبريل صلوات الله عليه ـ وآخر وقتها ما لم يغيب الشفق. وأول وقت العشاء الأخيرة إذا غاب الشفق، وهو البياض الذي الحمرة عند أبي حنيفة-
الجزء 1 · صفحة 21
رحمه الله - وقالا هو الحمرة، ولهما أن الشفق يذكر ويراد به الحمرة في أغلب الاستعمال لأبي حنيفة - رحمه الله - أنه اسم مشترك بين والبياض فوقع الشك في دخول وقت العشاء وخروج وقت المغرب
أول وقت الوتر بعد العشاء، وآخر طلوع الفجر، لقوله - عليه السلام: إن الله تعالى زادكم صلاة، ألا وهي الوتر فصلوها ما بين العشاء والفجر.
فالنبي - عليه السلام - جعل وقتها ما بين العشاء إلى الفجر. وآخر وقت العشاء طلوع الفجر لقوله - عليه السلام -: «ليس أخرى التفريط في النوم إنما التفريط أن يؤخر صلاة حتى يدخل وقت صلاة ويستحب الإسفار بالفجر، لقوله- عليه السلام: أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر.
ويستحب الإبراد بالظهر في الصيف، لقوله - عليه السلام -: «أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم».
ويقدم في الشتاء لأن الصلاة في أول الوقت مسارعة إلى مغفرة ربنا. وتأخير العصر أفضل، ليكون مؤدياً بفراغ البال، ما لم تتغير الشمس. الورود النهي عن الصلاة عند الغروب.
ويستحب تعجيل المغرب لقوله " عليه السلام: لا يزال أمتي بخير ما لم يؤخروا المغرب إلى اشتباك النجوم. ويستحب تأخير العشاء إلى ما قبل ثلث الليل، لقوله عليه السلام: لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى ثلث الليل. ويستحب في الوتر لمن يألف صلاة الليل أن يؤخر الوتر إلى آخر
الليل لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لعمر رضي الله عنه: حين قال: إني أوتر آخر الليل، قال - عليه السلام: إنك لأنت القوي الأمين فإن لم يثق بالانتباه أوتر قبل النوم تحرز عن الفوات.
باب الأذان
الأذان سنة للصلوات الخمس والجمعة دون ما سواها للتوارث.
وصفة الأذان أن يقول: الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله ولا ترجيع فيه للتوارث والروايات المشهورة ويزيد في أذان الفجر بعد الفلاح، الصلاة خير من النوم مرتين للتعارف وما رآه المؤمنون حسناً
الجزء 1 · صفحة 22
فهو عند الله حسن وفيه نظر لبعضهم.
والإقامة مثل الأذان إلا أنه يزيد فيها بعد الفلاح قد قامت الصلاة مرتين، كذا الرواية.
ويترسل الأذان في:
ويحدر في الإقامة، لقوله - عليه السلام - لبلال - رضي الله عنه: إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحدر ويستقبل بهما القبلة، فإذا بلغ إلى «الصلاة» و «الفلاح» حول وجهه يميناً وشمالاً، كذا التوارث، ويؤذن للفائتة ويقيم كما فعل النبي -عليه السلام - في حديث ليلة التعريس، فإن فاتته صلوات أذن للأولى، وأقام وكان مخيراً في الثانية إن شاء.
أذن وأقام وإن شاء اقتصر على الإقامة لأن إعلام الحاضرين تكفيه الإقامة، وكذا الذكر المشرف لأن تعظيم ذكر اسم الله تعالى حصل بالإقامة كالأذان.
وينبغي أن يؤذن ويقيم على طهر لأنه ذكر مشرف، فإن أذن على غير وضوء جاز كقراءة القرآن ويكره أن يقيم على غير وضوء، لأنه لا يمكنه الشروع في الصلاة متصلاً بالإقامة، ويكره أن يؤذن وهو جنب لأنه ذكر معظم، كقراءة القرآن.
ولا يؤذن لصلاة قبل دخول وقتها، لأنه لا يحصل الإعلام المقصود وعن أبي يوسف - رحمه الله - أنه يجوز في صلاة الفجر.
باب شروط الصلاة
يجب على المصلي أن يقدم الطهارة عن الإحداث والأنجاس كما الأمر.
ويستر عورته لقوله تعالى: {يَبَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وأدنى الزينة ما يستر العورة. والعورة من الرجل ما تحت السرة إلى الركبة، لإجماع الأمة على اتخاذ الأرز، والركبة عورة عندنا، لحديث جرهد قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - «غط ركبتك فإنها عورة».
وبدن المرأة الحرة كله عورة لقوله - عليه السلام: «المرأة عورة مستورة إلا وجهها وكفيها لقوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}، قيل الكحل والخاتم يعين موضعهما وما كان عورة من الرجل فهو عورة من الأمة بطريق أولى، وبطنها وظهرها، عورة، لأن النظر والمس سبب للفتنة وما سوى ذلك من بدنها ليس بعورة، لما روي أن عمر الله -رضي الله عنه -رأى جارية متقنعة قال: «ألق عنك الخمار يا
الجزء 1 · صفحة 23
دفار أتتشبهن بالحرائر. ومن لم يجد ما يزيل النجاسة صلى معها للضرورة ولم يعد الصلاة وهذا بالإتفاق، إذا كان الطاهر من الثوب ربعاً أو أكثر، وإن كان أقل من الربع طاهراً يتخير إن شاء صلى معه وإن شاء صلى عريان وعند محمد رحمه الله يصلي معه.
ومن لم يجد ثوباً صلى عرياناً قائداً يومي لأن الركوع والسجود يزيد كشفا، فإن صلى قائماً أجزأه لوجود الانكشاف في الفصلين، والأول أفضل.
وينوي للصلاة التي يدخل فيها بنية لا يفصل بينهما وبين التحريمة بعمل لأن العلم بأنه يصلي والقصد إلى الصلاة شرط لثلا يقع عن العادة.
فإن اشتبهت عليه القبلة وليس بحضرته من يسأله عنها اجتهد وصلى فإن علم أنه أخطأ بعدما صلى فلا إعادة عليه الشافعيرحمه الله إن استدبر الكعبة أعاد، لأنه ترك الفرض وهو الاستقبال قال الله تعالى: {وَحَيْتُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ}، ولنا: قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُوا فَثَمَّ وَجْهُ الله}، وإن علم ذلك وهو في الصلاة استدار إلى القبلة، وبنى كما فعل أهل قباء لما أخبروا بانتقال القبلة إلى الكعبة استدارواإلى الكعبة
باب صفة الصلاة
فرائض الصلاة ستة «التحريمة»، لقوله تعالى: {وَرَبَّكَ فَكَبر}. والقيام لقوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَنِتِينَ}. والقراءة لقوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}. والركوع والسجود» لقوله تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اَرْكَعُوا وَأَسْجُدُوا} الآية، فهم من هذه الأوامر تعلق جواز الصلاة بها. والقعدة في آخر الصلاة مقدار التشهد، لقوله عليه السلام لابن مسعود: إذا رفعت رأسك من آخر السجدة وقعدت قدرالتشهد فقد تمت صلاتك.
وإذا دخل الرجل في صلاته كبر ورفع يديه مع. التكبير حتى يحاذي بإبهاميه شحمة أذنيه، عندنا وقال الشافعي - رحمه الله - إلى منكبيه وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه إلى منکبيه.
وقال مالك - رحمه الله - إلى رأسه وما قلناه أولى عملا بالأحاديث لأنه يكون أصل الكفين إلى المنكبين، وأصول الأصابع إلى الأذنين ورؤوسها إلى الرأس. فإن قال بدلاً من التكبير الله، أجل، أو أعظم، أو الرحمن أكبر، أجزاء عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - لأن التكبير تعظيم الله تعالى.
وقد حصل وعند أبي يوسف - رحمه الله ـ لا يجوز إلا بلفظة التبكير وعند مالك - رحمه الله -
الجزء 1 · صفحة 24
لا يجوز إلا بقوله الله أكبر. ويعتمد بيمينه على يساره ويضعهما تحت سرته في الصلاة لقوله عليه السلام: ثلاث من سنن المرسلين تعجيل الإفطار وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال تحت السرة في الصلاة.
ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، كذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه افتتح به الصلاة ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم لقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْوَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ}. ويقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ويسر بهما عندنا وعند الشافعي: يجهر بها في كل صلاة يجهر فيها بالقراءة لأنه من فاتحة الكتاب.
ولنا حديث عبد الله بن مغفل قال: صليت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلف أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما وكانوا لا يجهرون بالتسمية. ثم يقرأ فاتحة الكتاب وسورة، أو ثلاث آيات من أي سورة شاء، لأنه دواظب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم في الأوليين على قراءة الفاتحة وسورة.
وإذا قال الإمام: وَلَا الضَّالِّينَ قال آمين، ويقولها المؤتم، لقوله - عليه السلام -: إذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين فإن الإمام يقولها والملائكة يقولون فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له.
ويخفي الإمام التأمين، لحديث ابن مسعود - رضي الله عنه -: ا يخفي الإمام أربعاً التعوذ والتسمية وآمين، وربنا لك الحمده.
ثم يكبر ويركع، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم أنه كان يكبر عند كل خفض ورفع ويعتمد بيديه على ركبتيه القول ابن عمر - رضي الله عنه خذوا بالركب وللتوارث ويفرج بين أصابعه ليكون أقدر على أخذ الركبة، ويبسط ظهره ولا يرفع رأسه، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم أنه كان اذا ركع سوي ظهره حتى لو وضع على ظهره قدح من ماء أنه كان إذا ركع ثلاثاً ذلك أدناه لاستفره ويقول في ركوعه «سبحان ربي العظيم، ثا لحديث عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه - قال: «لما نزل قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} قال النبي - صلى الله عليه وسلم ـ: اجعلوها في ركوعكم ولما نزل قوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} قال عليه السلام اجعلوها في سجودكم.
ثم يرفع رأسه ويقول سمع الله لمن حمده» ويقول المؤتم ربنا لك الحمده عند أبي حنيفة - رحمه الله - لقوله ـ عليه السلام ـ إذا قال الامام اسمع الله لمن حمده، فقولوا ربنا لك الحمد». قسم بينهما فاقتضى قطع الشركة، وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله يقول الإمام ربنا لك الحمد. لئلا يصير تاركاً لما صار
الجزء 1 · صفحة 25
آمراً به لقوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ}.
فإذا استوى قائماً كبر وسجد واعتمد بيديه على الأرض، للحديث إذا سجدت فدعم راحتيك ووضع وجهه بين كفيه لما روي. أن النبي صلى الله عليه وسلم ـ كان يسجد بين كفيه، ويسجد على أنفه وجبهته وإن اقتصر على أحدهما جاز وقالا: لا يجوز الاقتصار على الأنف إلا من عذر لقوله - عليه السلام -: أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء الوجه والكفين والقدمين والركبتين وأشار إلى الأنف.
ولأبي حنيفة - رحمه الله ـ أن السجود ينيني عن النطاطؤ فقط، وإنما وجب وضع أحدهما بالإجماع.
وإذا سجد على كور عمامته أو فاضل ثوبه يجوز لأنهما تبع له ويبدي ضبعيه ويجافي بطنه عن فخذيه لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان إذا سجد جافي بطنه عن فخذيه وعضديه عن جنبيه. حتى بهيمة لو أرادت أن تمر بين يديه لمرت». ويوجه أصابع رجليه إلى القبلة لقوله - عليه السلام -: «فليوجه إلى القبلة ما استطاع» ويقول في سجوده سبحان ربي الأعلى، ثلاثاً وذلك أدناه؛ لحديث عقبة.
ثم يرفع رأسه ويكبر، فإذا اطمأن جالساً كبر وسجد، كذلك أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم فإذا اطمأن ساجداً كبر واستوى قائماً على صدور قدميه ولا يقعد لما روي أن النبي - عليه السلام: «كان إذا قام من الأولى إلى الثانية قام وكأنه على الرضف وهي الحجارة المحماة».
ولا يعتمد بيديه على الأرض، ويفعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في الأولى، إلا أنه لا يستفتح ولا يتعوذ ولا يرفع يده إلا في التكبيرة الأولى.
وإذا رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة افترش رجله اليسرى وجلس عليها، ونصب اليمنى نصباً ووجه أصابعه نحو القبلة ووضع يديه على فخذيه كذلك أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم وما پروي عن النبي - عليه السلام ـ أنه تورك كان ذلك بعد ما كبر وأسن ... ثم يتشهد.
والتشهد: التحيات الله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ولا يزيد على هذا في القعدة الأولى، وهذا التشهد رواه ابن مسعود ود ـ رضي الله عنه ـ وكثير من الصحابة - رضي الله عنهم وقال ابن مسعود - رضي الله عنه - علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ التشهد في الصلاة كما يعلمني سورة من القرآن ويقرأ في الركعتين الأخريين فاتحة الكتاب خاصة فإذا جلس في آخر جلس كما
الجزء 1 · صفحة 26
جلس في الأولى، وتشهد وصلى على النبي – صلى الله عليه وسلم - ودعى بما شاء مما يشبه ألفاظ القرآن والأدعية المأثورة للتوارث ولقوله تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَأَنصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَأَرْغَب} ثم يسلم عن يمينه فيقول السلام عليكم ورحمة الله وعن يساره مثل ذلك، لما روي عن النبيصلى الله عليه وسلم - أنه كان يسلم عن يمينه حتى يرى بياض خده الأيمن، وعن يساره حتى يرى بياض خده الأيسر.
ويجهر بالقراءة في الفجر، وفي الركعتين الأوليين من المغرب والعشاء إن كان إماماً، ويخفي القراء فيما بعد الأوليين للتوارث، وإن كان منفرداً إن شاء جهر وأسمع نفسه لأنه إمام في حق نفسه، وإن شاءخافت لأنه ليس معه من يسمعه.
ويخفي الإمام القراءة في الظهر والعصر للتوارث.
والوتر ثلاث ركعات لا يفصل بينهن بالسلام، لما روي عن النبي - عليه السلام - أنه أوتر بثلاث ويقنت في الثالثة قبل الركوع في جميع السنة، كذلك السنة.
ويقرأ في كل ركعة من الوتر بفاتحة الكتاب وسورة كذلك. روي عن النبي عليه السلام.
وإذا أراد أن يقنت كبر ورفع يديه ثم قنت، لحديث مقسم ابن عباس - رضي الله عنهما -: فعه «لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن منها عند القنوت في الوتر ولا يقنت في صلاة غيرها، قال ابن مسعود. رضي الله عنه -: اما قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم في الفجر إلا شهراً ثم ترك.
وليس في شيء من الصلوات قراءة سورة بعينها، ويكره أن لا يقرأ غيرها لأن فيه هجرالقرآن من وجه. وأدنى ما يجزأ من القراءة في الصلاة ما يتناوله اسم القرآن عند أبي حنيفة - رحمه الله - لإطلاق قوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}، وقالا لا يجزاء أقل من ثلاث آيات قصار أو آية طويلة، لأن القرآن هوالمعجز، والكلمة الواحدة لا يكون معجزاً ولا يقرأ المؤتم خلف الإمام عندنا وقال الشافعي رحمه الله ـ يقرأ لقوله - عليه السلام -: لا صلاة إلا بقراءةولنا: قوله - عليه السلام: من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة.
ومن أراد الدخول في صلاة غيره يحتاج إلى نيتين نية الصلاة، ونية المتابعة لأنه لا يكون داخلا في صلاة الغير بلا إرادة.
فصل
الجزء 1 · صفحة 27
والجماعة سنة مؤكدة لقوله - عليه السلام: «لقد هممت أن أمر فتيتي ليجمعوا إليّ حزماً وأولى الناس بالإمامة أعلمهم بالسنة فإن تساووا فاقرؤهم فإن تساووا فأورعهم فإن تساووا فأنهم لقوله - عليه السلام - يوم القوم لكتاب الله تعالى فإن تساووا فأعلمهم بالسنة فإن تساووا فأقدمهم هجرة فإن تساووا فأكثرهم سناً ـ أو كلاماً هذا معناه ..
وقوله - عليه السلام - أقرؤهم أي أعلمهم، لأن علمهم كان هو القرآن ومعانيه فقط وقوله - عليه السلام - «أقدمهم هجرة، فانتسخت الهجرة إلى المدينة، لقوله - عليه السلام - لا هجرة بعد الفتح، فقام مقامه، لقوله - عليه السلام: المهاجر من هجر السيئات.
ويكره تقديم العبد والأعرابي والأعمى والفاسق وولد الزنا لأن الناس يانفون من الإقتداء بهم جاز لقوله - عليه السلام - صلوا خلف كل بر وفاجره.
وينبغي للإمام أن لا يطول بهم الصلاة، لقوله - عليه السلام - ذ بن جبل ... - رضي الله عنه -: صل بالقوم صلاة أضعفهم فإن فيهم الصغير والكبير وذا الحاجة وعن النبي - عليه السلام ـ: أنه كان أخفهم صلاة في تمام. ويكره للنساء أن يصلين وحدهن جماعة لأن السنة لم تكن فيهن كذلك فإن فعلن قامت الإمامة وسطهن تحرزا عن زيادة الكشف كما في العراة.
ومن صلى مع واحد أقامه عن يمينه كما أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عباسرضي الله عنهما - حين صلى معه وإن كان اثنين تقدم عليهما كما صلى النبي - صلى الله عليه وسلم بأنس و ويتيم فقاما خلفه وأم سليم وراء هما ولا يجوز للرجال أن يقتدوا بامرأة لقوله - عليه السلام - أخروهن من حيث أخر من الله.، ويصف الرجال ثم الصبيان ثم النساء لقوله - عليه السلام - ليليني ذوو الأحلام منكم وأولوالنهى ويؤخر النساء، لما روينا.
ألا إنها جعلت صلاة في حقهم للضرورة. ويجوز أن يؤم المتيمم المتوضئين والماسح على الخفين الغاسلين في قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - وقال محمدرحمه الله لا يؤم المتيمم المتوضئين للحديث لا يؤم المتيمم المتوضئين ولنا: حديث: عمرو بن العاص - رضي الله عنه: أنه فعل ذلك واستصوبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ويصلي القائم خلف القاعد، وقال محمد - رحمه الله - لا يصلي القائم خلف القاعد لأن حال الإمام ضعيف. ولنا والحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم ـ صلى قاعداً والصحابة خلفه قيام ولا
الجزء 1 · صفحة 28
يصلي الذي يركع ويسجد خلف الموميء لأنه لا يأتي بأركان الصلاة ولا يصلي المفترض خلف المتنقل لأن المتنقل أدنى حالاً منه ولا من يصلي فرضاً، خلف من يصلي فرضاً آخر، لأن الموافقة لا الاختلاف ويصلي المتنفل يتصور مع خلف المفترض، لقوله - عليه السلام للرجلين: «إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما المسجد فصليا معنا فإنها لكما سبحة سبحة أي نافلة.
فصل
ويكره للمصلي أن يعبث بشيء من جسده أو ثيابه لأن العبث خارج الصلاة حرام ففي الصلاة أولى ولا يقلب الحصى إلا مرة ليمكنه من السجود، لقوله - عليه السلام - لأبي ذر: لما سأله عن تسوية الحصى: يا أبا ذر مرة أو ذر، ولا يفرقع أصابعه لأنه من اعبث ولا يتخصر لأنه ترك سنة أخذ اليد ولا يسدل ثوبه ولا يعقص شعره، ولا يكف ثوبه، لقوله - عليه السلام -: أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء وأن لا أكف ثوباً ولا شعراً ولا يلتفت لأن الصلاة مناجاة الرب تعالى، ولا يقعي لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ? نهى عن إقعاء كإقعاء الكلب ولا يرد السلام بلسانه ولا بيده لأنه كلام من كل وجه إن كان بلسانه، وباليد ترك سنة الأخذ ولا يتربع إلا من عذر لأنه يخالف سنة القعود ولا يأكل ولا يشرب لأنه عمل كثير.
فإن سبقه حدث انصرف فإن كان إماماً استخلف وتوضأ وبني على صلاته والاستئناف أفضل ليكون مؤدياً بغير خلل، والبناء جائز عندنا مخالفاً للقياس، لحديث ابن أبي مليكة. عائشة عن - رضي الله عنهما - ترفعه: من قاء أو رعف في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليين على صلاته ما لم يتكلم.
وإن نام فاحتلم أو جن أو أغمى عليه استأنف الصلاة لأنها لا يكثر وجودها فلا يكون في معنى ما ورد به النص. وكذا القهقهة والكلام ناسياً أو عامد ثم الكلام ناسياً يفسد صلاته لقوله ـ عليه السلام: إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس وإنما هي التسبيح والتهليل وقراءة القرآن. وإن سبقه الحدث بعد التشهد توضأ، وإن تعمد الحدث في هذه الحالة أو تكلم أو عمل عملاً ينافي الصلاة تمت صلاته لقوله - عليه السلام -: «إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك.
فإن رأى المتيمم الماء في صلاته وهو قادر على استعماله بطلت، لقوله - عليه السلام: «التيمم طهور المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء» أنهاه إلى وجود الماء فإن رآه بعدما قعد قدرالتشهد بطلت الصلاة في قول أبي حنيفة فيرحمه الله - وعندهما لا تبطل لانتهاء الصلاة بالقعود قدر التشهد بالحديث،
الجزء 1 · صفحة 29
ولأبي حنيفة - رحمه الله ـ أن الخروج من الصلاة بصنيعه فرض لأن إتمامها واجب وإنما ذلك بإنهائها وانتهاؤها بتحصيل ما يضادها، وكذلك على هذا الاختلاف الماسح على الخفين إذا انقضت مدة مسحه أو انخلع خفاه أو كان أمياً فتعلم سورة أو عرياناً فوجد ثوباً، أو مومئاً فقدر على الركوع والسجود أو تذكر أن عليه صلاة قبل هذه أو أحدث الإمام القاريء فاستخلف أمياً، أو صاحب العذر إذا خرج وقت صلاته، أو طلعت الشمس في صلاة الفجر، أو دخل وقت العصر في الجمعةأو كان ماسحاً على الجبيرة فسقطت عن برء والله أعلم وأحكم.
باب قضاء الفوائت
ومن فاتته صلاة قضاها إذا ذكرها وقدمها على الوقت عندنا، لقوله - عليه السلام - من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها أو استيقظ فإن ذلك وقتها.
وقال الشافعي - رحمه الله - الترتيب ليس بواجب لإطلاق الأمر بالصلاة، إلا أن يخاف فوت صلاة الوقت لأن آخر الوقت للوقتية بالإجماع فلا يصير للفائتة بخلاف ما إذا كان في الوقت سعة لأنه أمكنه العمل بالدليلين وكثرة الفوائت بمعنى ضيق الوقت وكذا النسيان: لما روي أن النبي - عليه السلام - قدم المغرب على العصر في القضاء فصلى العصر ولم يعد المغرب
وإن فاتته صلوات رتبها في القضاء كما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم أربع صلوات يوم الخندق مرتباً، إلا أن تزيد الفوائت على ست صلوات فيسقط الترتيب لكثرة الفوائت.
باب الأوقات التي تكره فيها الصلاة
لا تجوز الصلاة عند طلوع الشمس ولا عند قيامها في الظهيرة ولا عند غروب الشمس لقول عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه -: ثلاث ساعات نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ أن نصلي فيها وأن نقبر فيها، موتانا عند طلوع الشمس، وعند غروبها وعند انتصاف النهار»
ولا يصلى على جنازة لما روينا ولا يسجد للتلاوة، لأن المعنى أنها تطلع بعض الألفاظ. بين قرني الشيطان إلا عصر يومه عند غروب الشمس كذلك ورد التقيد في بعض الالفاظ.
ويكره أن يتنقل بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس القوله -
الجزء 1 · صفحة 30
عليه السلام: لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس. ولا بأس بأن يصلى في هذين الوقتين الفوائت ويسجد للتلاوة لأنه لم يوجد النهي " وقوله ـ عليه السلام - لا صلاة لنفي الفضيلة لا الأصل ولا يصلى ركعتي الطواف، لأن الأولى أن لا يصلى لما روينا ويكره أن يتنقل بعد طلول الفجر بأكثر من ركعتي الفجر كذلك السنة المأثورة، وكذلك بعد الغروب قبل صلاة المغرب لأنه يؤدي إلى تأخير المغرب وأنه مكروه.
باب النوافل
السنة أن يصلى ركعتين بعد طلوع الفجر، وأربعاً قبل الظهر، وركعتين بعدها وأربعاً قبل العصر، وإن شاء ركعتين وركعتين بعد المغرب، وأربعاً قبل العشاء، وأربعاً بعدها وإن شاء ركعتين لورود الأحاديث وعمل الأمة.
ونافلة الليل تجوز ركعتين وأربعاً وستاً وثماني والزيادة على ثمان ركعات بتسليمة واحدة يكره. ونافلة النهار تكره الزيادة على الأربع، قال أبو حنيفة - رحمه الله - الأفضل بالليل والنهار أن يصلى أربعاً أربعاً، وقال الشافعي رحمه الله مثنى مثنى، وقالا بالنهار كما قال أبو
لأبي حنيفة - رحمه الله.- حديث عائشة- رضي الله عنها ـ في صلاة الليل كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم يصلي أربعاً لا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعاً لا تسأل عن حسنهن وطولهن. وفي النهار كما قال أبو أيوب الأنصاري، - رضي الله عنه - قلت: يا رسول الله إنك لتدمن على الأربع قبل الظهر، قال تلك ساعة، تفتح فيها أبواب السماء فلن ترتج حتى تصلي الظهر، فأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح قلت هل فيهن قراءة؟ قال: نعم، قلت: هل فيهن سلام؟ قال: لا
وما قال أبو حنيفة - رحمه الله - أشد على النفس فكان أولى لقوله - صلى الله عليه وسلم -: أفضل الأعمال. أحمزها أي أشقها على البدن.
والقراءة واجبة في جميع ركعات النفل لأن كل شفع أصل على حدة بخلاف الفرض، لأن الصلاة كانت في الأصل ركعتين زيدت في الحضر وأقرت في السفر فتجب القراءة في الأصل ولا تجب في التبع لئلا يؤدي إلى التسوية بين الأصل والتبع.
ومن دخل في صلاة نفل ثمّ أفسدها قضاها، لأنه يجب عليه صيانة ما مضى عن البطلان، ولا يحصل ذلك إلا بالإتمام، وكذلك صوم التطوع وفيه خلاف الشافعي، - رحمه الله.
الجزء 1 · صفحة 31
فإن صلى أربع ركعات وقرأ في الأوليين وقعد ثم أفسد الأخريين قضى ركعتين لأن الشفع الأول قد تم.
ويصلي النافلة قاعداً مع القدرة على القيام ـ إن شاء ـ لأن تركه يجوز فترك وصفه أولى وإن افتتحها قائماً ثم قعد بغير عذر يجوزعند أبي حنيفة - رحمه الله وقالا لا يجوز لأن الشروع ملزم كالنذر ولأبي حنيفة - رحمه الله ـ أنه أمكن صيانة ما مضى عن البطلان باصل الباقي، فلا حاجة إلى وصفه - وهو القيام .. ومن كل خارج المصر يتنفل على دابته إلى أي جهة توجهت يوماء لحديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال: «نزل قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهُ} في صلاة النافلة على الراحلة
باب سجود السهو
سجود السهو واجب في الزيادة والنقصان بعد السلام عندنا،، لحديث ابن مسعود - رضي الله عنه ـ مرفوعاً وليسجد سجدتي السهو بعد السلام.
ثم يتشهد ويسلم لأنه التحق بحرم السلام ـ وليسجد سجدتي السهو قبل السلام. يعني قبل السلام الثاني توفيقاً بين الحديثين والأصل أنه إذا ترك الواجب فعليه سجود السهو ليقوم مقامه جابراً فإذا زاد سجدة أو نحوها يجب لأنه ترك الواجب وهو الإتيان بالفعل الذي يليه بعد تمام السجدتين.
وكذا لو ترك فاتحة الكتاب في الأوليين أو في إحداهما لأنها واجبة لقوله - عليه السلام - لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب. وكذا القنوت والتشهد (7) وتكبيرات العيدين واجبة لمواظبة النبي - صلى الله وكذا لو جهر الإمام فيما يخافت أو خافت فيما عليه وسلم ? لأن تلك الهيئة واجبة لمواظبة النبي - عليه السلام
وسهو الإمام يوجب على المؤتم السجود تبعاً له فإن لم يسجد الإمام لم يسجد المؤتم وإن سها المؤتم لم يلزم الإمام ولا المؤتم السجود کيلا يؤدي إلى المخالفة. ومن سها عن القعدة الأولى ثم تذكر، وهو إلى القعود أقرب عاد فجلس وتشهد، وإن كان إلى م أقرب لم يعد وسجد للسهو لأن القيام فرض فلا يترك لأجل الواجب وهو القعود الأول وكذا إذا قرب إلى القيام لأنه كالقائم حكماً وإن سها عن القعدة الأخيرة فقام إلى الخامسة يرجع إلى القعدة ما لم يسجد، وألغى الخامسة، وسجد للسهو لأن القعدة الأخيرة فرض والقيام إلى الخامسة ليس بفرض ولا واجب.
وإن قيد الخامسة بطل، فرضه لأنه انتقل إلى النافلة قبل إكمال الفرض لأن القعدة الأخيرة فرض
الجزء 1 · صفحة 32
وتحولت صلاته نفلا على قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله، وكان عليه أن يضم إليها ركعة سادسة ولو لم يضم لا شيء عليه عندنا خلافاً لزفر رحمه الله ـ لأنه شرع في الشفع الأخير على ظن أنه عليه ثم تبين ليس عليه والشروع بالظن لا يوجب الإتمام.
وإن قعد في الرابعة ثمّ قام لم يسلم يظنها القعدة الأولاعاد إلى القعدة ما لم يسجد في الخامسة وسلم فإن قيد الخامسة بسجدة ضم إليها ركعة أخرى ليتم شفعاً وقد تمت صلاته والركعتان له نافلة.
ومن شك في صلاته ولم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً وذلك أول ماعرض له، استأنف الصلاة وقد جاء في الحديث أنه يستأنف الصلاة، وهو محمول على ما إذا وقع ذلك له أولاً.
وإن كان الشك يعرض له كثيراً بنى على غالب ظنه إن كان له ظن، وإن لم يكن له ظن بنى على اليقين لقوله - عليه السلام: «إذا شك أحدكم في صلاته ولم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً فليتحر الصواب وليبن عليه وليسجد سجدتي السهو بعد السلام.
باب صلاة المريض
إذا تعذر على المريض القيام صلى قاعداً يركع ويسجد فإن لم يستطع الركوع والسجود أوما إيماءاً ويجعل الركوع أرفع من السجود لقوله ـ عليه السلام ـ يصلي المريض قائماً فإن لم يستطع فقاعداً فإن لم يستطع القعود استلقى على ظهره وجعل رجليه إلى القبلة وأوما بالركوع والسجود»
وإن اضطجع على جنبه ووجهه إلى القبلة وأوما جاز، وقال الشافعي ? رحمه الله - الأولى الصلاة على الجنب لقوله تعالى: فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَما وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ وقال النبي - صلى الله عليه وسلم 0 - العمران بن حصين - رضي الله عنه ـ: اصل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى الجنب توماء إيماء. ولنا قوله تعالى: {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَةٌ}. ولما كان الاستقبال فيما قلناه أكثر كان ذلك أولى.
لا يومى بعينيه ولا بقلبه ولا بحاجبيه لأن الأفعال أصل في الصلاة.
فإن قدر على القيام ولم يقدر على الركوع، والسجود لم يلزمه القيام لأن القيام إنما شرع ليكون وسيلة إلى التواضع بالركوع والسجود.
وإن صلى الصحيح بعض صلاته قائماً وحدث به مرض ممها قاعداً يركع ويسجد أو يوماء إيماءاً
الجزء 1 · صفحة 33
أو يصلي مستلقياً إن لم يستطع القعود لأنه لو استقبل الصلاة وقع الكل ناقصاً."
وإن صلى بعض صلاته بإيماء ثم قدر على الركوع والسجود استأنف الصلاة لأنه قدر على الأصل قبل تمام الحكم بالخف.
ولو كان يصلي قاعداً، بركوع وسجود ثم قدر على القيامفي خلال صلاته بني على صلاته لأن صلاة القاعد بركوع وسجود استجمع الأركان ولهذا يجوز إمامة القاعد للقائم إلا في قول محمدرحمه الله - بخلاف الموماء.
ومن أغمى عليه خمس صلوات فما دونها قضاها إذا صح وإن فاتته بالإغماء أكثر من ذلك لم يقض لما روي عن رجلين من الصحابة -رضوان الله عليهم - أحدهما أغمي عليه أكثر من يوم وليلة لم يقض الصلاة والآخر أغمي عليه أقل من ذلك فقضى.
باب سجود التلاوة
سجود التلاوة في القرآن أربع عشرة في آخر الأعراف، والرعد، والنحل، وبني إسرائيل والنمل ومريم، وأول سورة الحج، والفرقان، والم تنزيل، وص، وحم السجدة والنجم، وإذا السماء انشقت، واقرأ. والسجود في هذه المواضع واجب على التالي
والسامع قصد، سماع القرآن أو لم يقصد، لقول الصحابة: - رضوان الله عليهم أجمعين: السجدة على من سمعها وعلى من ثلاها.
وإذا تلى الإمام آية سجدة سجدها وسجد المأموم معه لأنه تبع وإن تلا المأموم لم يسجد الإمام ولا المأموم لئلا يؤدي إلى مخالفة الإمام.
وإن سمعوا وهم في الصلاة آية سجدة من رجل ليس معهم في الصلاة لم يسجدوها في الصلاة لأنه سببه القراءة خارج الصلاة ويسجدونها بعد الصلاة فإن سجدوها في الصلاة لم تجزهم ولم الصلاة وقال محمد رحمه الله ـ في المقتدى إذا قرأ آية سجدة أنهم يسجدونها إذا فرغوا من الصلاة لوجود سبب وجوب السجدة وهو السماع وعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ـ لا تجب لأنه محجور عليه لحق الإمام فلا يتعلق به
حكم كتصرف العبد المحجور بخلاف قراءة الجنب والحائض أنه يجب على السامع فيهما وعلى
الجزء 1 · صفحة 34
الجنب القاراء، لا على الحائض لأنه منهى لحقالشرع لا لحق العبد فلا يمتنع وجوبه كالبيع الفاسد.
ومن تلا آية سجدة فلم يسجدها حتى دخل في صلاة فتلاها وسجد أجزأته السجدة عن التلاوتين لأن المجلس واحد وإن تلاها في غير الصلاة فسجد لها ثم دخل في الصلاة فتلاها سجد لها لأن غير الصلاتية لا تنوب عن الصلاتية وفي المسألة الأولى الصلاتية تنوب عن غيرها.
ومن كرر تلاوة سجدة واحدة في مجلس واحد أجزأته سجدة واحدة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ـ كان يسمع من جبريل عليه السلام، ويعلم أصحابه ولا يسجد إلا مرة السلام، ولا يسجد إلا مرة، ومن أراد السجود كبر ولم يرفع يديه وسجد ثم كبر ورفع رأسه ولا تشهد عليه ولا سلام للسنة المتوارثة.
باب صلاة المسافر
السفر الذي يتغير به الأحكام أن يقصد الإنسان موضعاً بينه وبين ما قصد إليه مسيرة ثلاثة أيام بسير الإبل ومشي الأقدام ولا يعتبر في أيام ذلك بالسير في الماء لأن العدل اعتبار الأوسط في السير وهو سير الإبل ومشي الأقدام لا سير البريد لأن سير البريد سريع جداً وسير العجلة بطيء جدا وإنما اعتبرنا بالثلاث لقوله - عليه السلام -: يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليها ذكر المسافر محلى بالألف واللام فاقتضى الجنس.
وفرض المسافر في كل صلاة رباعية ركعتان، وقال الشافعي - رحمة الله عليه ـ أربع والحجة عليه أن الفرض ما لو تركه يأثم، والركعتان الأخريان لو تركهما لا يأثم بالإتفاق.
فإن صلى أربعاً وقعد في الثانية مقدار التشهد أجزأته الركعتان، عن فرضه والأخريان نافلة، فإن لم يقعد على الركعتين وقيد الثالثة بالسجدة بطلت صلاته لأنه ترك القعدة الأخيرة وهي فرض.
ومن خرج مسافراً صلى ركعتين إذا فارق بيوت المصر، لحديث علي ـ رضي الله عنه ـ أنه قال حين خرج من البصرة: «لو جاوزنا سونا ولا يزال على حكم هذا الخص القصرن السفر حتى ينوي الإقامة في بلد خمسة عشر يوماً فصاعداً لأن السفر ينتهي بالإقامة فيلزمهالإتمام، ولو
نوى أقل من ذلك لم يتم لما روي عن إبراهيم روي عن إبراهيم وعطاء أنهما قالا: أقل مدة الإقامة خمسة عشر يوماً ولا يعرف ذلك إلا نقلا ولو لم ينو الإقامة خمسة عشر يوماً بل يقول غداً أخرج أو بعد غد أخرج فبقي على ذلك سنين صلى ركعتين.
الجزء 1 · صفحة 35
وإذا دخل العسكر أرض الحرب فحاصروا مدينة أو حصن فنوو الإقامة خمسة عشر يوماً لم يتموا الصلاة لأنهم ينتظرون الفتح والرجوع عن أبي يوسف رحمه الله، ـ إذا نزلوا في البيوت أتموا لأنهم نووا الإقامة. وإذا دخل المسافر في صلاة المقيم مع بقاء الوقت أتم، لأنه صار تبعاً (15) له وإن دخل معه في فائتة لم تجز صلاته لأن التشهد الأول من المسافر فرض فلا يجوز اقتداؤه فيه بالمتنفل.
وان، صلى المسافر بالمقيمين ركعتين سلم ثم أتم المقيمون صلاتهم كما فعل النبي - عليه السلام - بمكة: «صلى ركعتين ثم قال: أتموا صلاتكم يا أهل مكة فإنا قوم سفر ويستحب له إذا سلم أن يقول أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر اقتداء بالنبي ـ عليه السلام ـ وإذا دخل مصره أتم الصلاة وإن لم ينو الإقامة فيه لأنه مقيم ومن كان له وطن فانتقل عنه واستوطن غيره ثم سافر فدخل وطنه الأول لم يتم الصلاة كمكة للنبي - صلى الله عليه وسلم.
وإذا نوى المسافر أن يقيم بمكة ومنى خمسة عشر يوماً لم يتم الصلاة لأنه لم ينو الإقامة بأحدهما مدة الإقامة.
ومن فاتته صلاة في السفر قضاها في الحضر ركعتين.
ومن فاتته صلاة في الحضر في حال الإقامة فقضاها في السفر: يقضيها أربعاً، لأنهيقضي الفائت فيعتبر حال الفوات.
والعاصي والمطيع في سفره سواء لإطلاق قوله تعالى: {فَمَن كان منكم مرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ} ولقوله - عليه السلام - يمسح المسافر ثلاثة أيام - - ولياليها وفيه خلاف الشافعي رحمه الله والله أعلم.
باب الجمعة
لا تصح الجمعة إلا في مصر جامع للحديث: «لا جمعة ولا تشريق ولا فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع ويجوز في مصلى المصرلاتصاله به ولا يجوز في القرى. ولا تجوز إقامتها إلا للسلطان أو من أمره السلطان، لأن كل واحد يتقدم أو يقدم رجلاً فيؤدي إلى المنازعة
المبطلة للجمعة.
ومن شرائطها الوقت لأن الظهر، واجب إلا أنه جاز ركعتان بالحديث في الوقت فيقتصر عليه حتى لو خرج وقت الظهر لا تجوز.
الجزء 1 · صفحة 36
ومن شرائطها الخطبة قبل الصلاة لأن القصر في الحضر بخلاف الدليل فيقتصر على مورد النص كيف وقد قالت عائشة. رضي الله عنها -: إنما قصرت الصلاة لمكان الخطبة.
ويخطب الإمام خطبتين يفصل بينهما بقعدة، ويخطب قائماً لأن السنة هكذا، قال الله تعالى: {وَتَرَكُوكَ قَآيما} ويكون على الطهارة لأنه في المسجد.
فإن اقتصر على ذكر الله جاز، وقالا لا بد من ذكر طويل يسمى خطبة لمواظبة النبي - عليه السلام ولقول عائشة - رضي الله عنها ـ «إنما قصرت الصلاة لمكان الخطبة ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن الخطبة فعلة من الخطاب وهو ما يخاطب به وقد وجد ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لذلك الأعرابي: بئس خطيب القوم أنت ولم يوجد منه إلا قوله: «من أطاع الله ورسوله فقد رشد ومن عصاهما فقد غوى وإن خطب قاعداً أو على غير طهارة جاز ويكره.
ومن شرائطها الجماعة، لأن الاجتماع هو المقصود ولذلك سميت جمعة وأقلهم ثلاثة سوى الإمام لأنها أقل الجمع، وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله اثنان سوى الإمام لأن الكل جماعة. ويجهر الإمام بالقراءة في الركعتين للتوارث
وليس فيهما قراءة سورة بعينها لإطلاق النص.
ولا تجب الجمعة على مسافر لأنه أسقط عنه شطر الصلاة فيسقط هذا الوصف، ولا تجب على عبد لاشتغاله بخدمة المولى ولا على مريض الثلا يؤدي إلى الحرج، ولا على امرأة، لثلا يؤدي إلى الكشف، فإن حضروا وصلوا جاز عن فرض الوقت لأن السقوط عنهم للترفيه، فلو لم يجز عاد على موضوعه بالنقض. ويجوز للمسافر والعبد والمريض أن يثم في الجمعة، لكمال الأهلية.
وإن صلى الظهر في منزله - ولا عذر به - قبل أن يصلي الإمام الجمعة يكره لأنه خالف الجماعة، ويجوز لأنه أتى بالفرض، وقال زفر رحمه الله ـ لا يجوز لأن فرضه الجمعة، ولنا أن الفرض أحدهما لوجود الدليل على كل واحد منهما قال الله تعالى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله وقال الله تعالى: أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ، والأفضل هو الجمعة، فإن توجه إلى الجمعة بطلت صلاة الظهر عند أبي حنيفة ـ رحمه الله ـ بالسعي، وقالا، لا تبطل حتى يدخل مع
الإمام، لأنه لم يقدر على الخلف بعد، ولأبي حنيفة - رحمه الله ـ أن الإقدام على الجمعة إبطال للظهر فصح من حيث أن إبطال، ولأنه قدر على الجمعة معنى حيث أقدم والإمام في الجمعة بعد.
الجزء 1 · صفحة 37
ويكره أن يصلي المعذورون يوم الجمعة صلاة الظهر بجماعة، وكذا أهل السجن لإجماع الأمة على ترك يوم الجمعة مع أن المصر لا يخلو معذورين عن لا يمكنهم إتيان الجامع. ومن أدرك الإمام يوم الجمعة صلى معه ما أدرك وبنى عليها الجمعة لقوله ـ عليه السلام: ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا فإن أدركه في التشهد أو في سجود السهو بنى عليها الجمعة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد رحمه الله. إن أدرك معه أكثر الركعة الثانية بنى عليها، (7) الجمعة وإن أدرك أقلها بني عليها الظهر، لأنه أدرك الجمعة حرمة لأركانها فيجمع بينهما، ولهذا قلنا إنه يقعد في الركعتين لا محالة ويقرأ في الآخرين.
وإذا خرج الإمام يوم الجمعة ترك الناس الصلاة والكلام حتى يفرغ على قول أبي حنيفة - رحمه الله - لقوله - عليه السلام -: إذا خرج الإمام يوم الجمعة فلا صلاة ولا كلام وعندهما لا يحرم الكلام حتى يأخذ في الخطبة، وإذا أذن المؤذن. الجمعة الأذان الأول ترك الناس البيع وتوجهوا إلى الجمعة لقوله تعالى: إذا نُودِيَ لِلصَّلَوةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْمَوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا البيع، فإذا صعد الإمام المنبر جلس وأذن المؤذن بين يدي المنبر فإذا فرغ من الخطبة أقاموا للسنة المتوارثة.
باب العيدين
يستحب يوم الفطر أن يطعم الإنسان قبل الخروج إلى المصلى فرقاً بينه وبين يوم الصوم ويغتسل ويتطيب ويلبس أحسن ثيابه كذلك السنة ويتوجه إلى المصلى ولا يكبر في الطريق جهراً عند أبي حنيفة رحمه الله - وعندهما يكبر، لقوله تعالى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا الله عَلَى مَا هَدَنكُمْ}، ولأبي حنيفة - -رحمه الله ـ أنه من شعائر الدين، فينبغي أن يكون على السكينة الوقار.
ولا يتنقل قبل صلاة العيد الحديث علي - رضي الله عنه ـ أنه قال: صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة العيد فلم يتنفل أنه رأى رجلاً يتنفل قبل صلاة العيد فقيل له ألا تنهى؟ فقال أخشى أن أكون من الذين قيل فيهم أَيْتَ الَّذِي يَنعَنْ عَبْدًا إذا صل،. فإذا حلت الصلاة بارتفاع الشمس دخل وقتها إلى وقت الزوال فإذا زالت الشمس خرج وقتها لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ? أدى صلاة العيد في وقت صلاة الضحى حتى قال مشائخنا – رحمهم الله - إنها صلاة الضحى أديت بجماعة.
ويصلي الإمام بالناس ركعتين يكبر في الأولى تكبيرة الإحرام وثلاثاً بعدها، ثم يقرأ فاتحة الكتاب وسورة ويكبر تكبيرة الركوع ثم يبتداء في الركعة الثانية بالقراءة فإذا فرغ منها كبر ثلاثاً وكبر رابعة يركع بها وهذا قول ابن مسعود - رضي الله عنه، - وهو اختيار علمائنا رضوان الله عليهم أجمعين وعامة البلاد
الجزء 1 · صفحة 38
إنما يعملون اليوم بقول عبد الله بن عباس، - رضي الله عنه، وإنما رجح علماؤنا رحمهم تكبير ابن مسعود - رضي الله عنه - لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما صلى العيد أقبل عليهم بوجهه وقال: «أربع كتكبير الجنائزلا يسهو
والتكبير ذكر مسنون فيفتتح به في الركعة الأولى، كالثناء ويختم به الركعة الأخيرة كالقنوت.
وعن ابن عباس- رضي الله عنهما ـ سبعاً وخمساً، وعنه، ـ رضي الله عنه ـ وسبعاً وستا، وعنه مثل قول ابن مسعود -رضي الله عنه- عن علي - رضي الله عنه ـ يكبر في الفطر، إحدى عشرة تكبيرة، ستاً في الأولى وخمساً في الأخيرة و يبدأ بالقراءة في الركعتين وفي الأضحى يكبر خمساً ثلاثاً في الأولى وثنتين في الأخيرة، ويبدأ بالقراءة فيهما. ويرفع يديه في تكبيرات العيد بالإجماع، ويخطب بعد الصلاة خطبتين يعلم الناس فيهما صدقة الفطر، وأحكامها كذا السنة.
ومن فاتته صلاة العيد مع الإمام لم يقضها لأن الجماعة شرط، فإن غم الهلال على الناس وشهد عند الإمام برؤية الهلال بعد الزوال صلى العيد من الغد، لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: وأضحاكم يوم تضحون فإذا حدث عذر منع من الصلاة في اليوم الثاني لا يصلي بعده، لأن الضرورة في تأخيره عن اليوم الأول، مع أن وقته اليوم الأول فقط، لاتحاد يوم الفطر. ويستحب يوم الأضحى الغسل والتطيب ويؤخر الأكل إلى ما بعد الصلاة تحقيقاً لإجابة الضيافة من الذبائح ويتوجه إلى المصلى وهو يكبر لقوله تعالى: وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ وقوله تعالى: أَيَّامٍ مَّعْلُومَت ويصلي ركعتين ويخطب بعدهما خطبتين يعلم الناس فيهما الأضحية وتكبير التشريق، ويصليها غداً وبعد غد إن كان عذر، لأن أيام النحر ثلاثة أولها أفضلها كذا في آثار الصحابة ـ رضي اللهعنهم ولا يصليها في الرابع.
وتكبير التشريق أوله عقيب صلاة الفجر من يوم عرفة وآخره عقيب صلاة العصر من يوم النحر عند أبي حنيفة رحمه الله وهو قول ابن مسعود، ـ رضي الله عنه ـ وقالا رحمهما الله ـ إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق وهو قول علي ـ رضي الله عنه - وهما رجحا قوله بالكثرة، والاحتياط في العبادات الأخذ بالأكثر، ولأبي حنيفة - رحمه الله ـ أن الإخفاء أولى والجهر بخلاف الدليل فالاحتياط بالأخذ بالأقل. والتكبير عقيب الصلوات المفروضات [المؤديات بالجماعة. والأفضل في التكبير ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أفضل ما قلت وقالت الأنبياء من قبلي]: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر والله الحمد كذا، السنة المروية.
الجزء 1 · صفحة 39
باب صلاة الكسوف
إذا انكسفت الشمس صلى الإمام بالناس ركعتين كهيئة النافلة. كل ركعة ركوع واحد، وقال الشافعي - رحمه الله - ركوعان، وقد روي كلاهما في الحديث وما قلناه أقيس.
ويطول القراءة فيها ويخفى عند أبي حنيفة، - رضي الله عنه وقالا يجهر اعتباراً بالجمعة ولنا قوله صلى الله عليه وسلم -صلاة النهار عجماء،
أي صماء ثم يدعو حتى تنجلي الشمس لقوله - عليه السلام -: «إذا رأيتم من هذه الإفزاع شيئا، فارغبوا إلى الله تعالى بالدعاء، ويصلي بهم الإمام الذي يصلي الجمعة، فإن لم يحضر الإمام لم يجتمع الناس صلي الناس فرادى لأن الاجتماع بدون الإمام يفضي إلى الشر.
وليس في خسوف القمر، جماعة، وإنما يصلي كل واحد وحده لأن الاجتماع بالليل يشق وليس في الكسوف خطبة.
باب الاستسقاء
قال أبو حنيفة - رحمه الله رحمه الله ـ ليس في الاستسقاء صلاة مسنونة في جماعة، فإن صلى النّاس وحدانا جاز وإنما الاستسقاء الدعاء والاستغفار، وقالا - رحمهما الله ـ يصلي الإمام بالنّاس ركعتين يجهر فيهما بالقراءة ثمّ يخطب ويستقبل القبلة بالدعاء ويقلب الإمام رداءه، ولا يقلب القوم أرديتهم ذكر في كتاب الصلاة قول محمد رحمه الله]ـ وحده لحديث ابن عباس رضي الله عنهما ـ «أن النبيصلى الله عليه وسلم ـ صلى في الاستسقاء ركعتين ركعتين» و لأبي حنيفة - رحمه الله - ما روي عن رسول الله - صلي الله عليه وسلم ـ أنه خرج للاستسقاء فلم يكن إلا الدعاء والتضرع فلما تركه مرة وفعله أخرى دل أنه ليس بواجب وبه يحتج أنه لا يقلب الرداء.
ولا يحضر أهل الذمة الاستسقاء لأن الخروج لطلب الرحمة وخروجهم ليس بسبب الرحمة.
باب قيام رمضان
يستحب أن يصلى الإمام أن يصلى الإمام بالجماعة في كل ليلة من شهر رمضان عشرين ركعة بخمس ترويحات 4 في كل ترويحة تسليمتان، [ويجلس بين كل ترويحتين مقدار ترويحة واحدة، ثم يوتر بهم، ولا يصلي الوتر بجماعة في غير رمضان للسنة المتوارثة.
الجزء 1 · صفحة 40
باب صلاة الخوف
إذا اشتد الخوف جعل الإمام الناس طائفتين، طائفة إلى وجه العدو وطائفة خلفه فصلى بهذه الطائفة ركعة وسجدتين فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية مضت هذه الطائفة إلى وجه العدو وجاءت تلك الطائفة فيصلي بهم الإمام ركعة وسجدتين وتشهد وسلّم ولم ويسلموا وذهبوا ة، إلى وجه العدو وجاءت الطائفة الأولى فصلوا وحداناً ركعة وسجدتين بغير قراءة وتشهدوا وسلموا ومضوا إلى وجه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلوا ركعة وسجدتين بقراءة وتشهدوا وسلموا ومضوا، إلى وجه العدو.
وإن كان الإمام مقيماً صلى بالطائفة الأولى ركعتين، وبالثانية ركعتين ويصلي بالطائفة الأولى ركعتين من المغرب وبالثانية ركعة وهذا الوجه أولى عندنا لأنه أوفق لظاهر الكتاب
ولا يجوز الصلاة مع المقاتلة لأنه عمل كثير ولو جاز لما أخر رسول الله - صلى الله عليه وسلم أربع صلوات يوم الخندق وإن اشتد الخوف صلوا ركباناً وحداناً يومؤون بالركوع والسجود إلى أي جهة شاءوا، إذا لم يقدروا على التوجه إلى القبلة للضرورة.
باب صلاة الجنائز
إذا احتضر الرجل وجه إلى القبلة على شقه الأيمن لأنه الأفضل كما في القبر، ولقن الشهادتين لقوله - عليه السلام -: «القنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله» فإذا مات شدو لحييه وغمضوا عينيه، فإذا أرادوا غسله وضعوه على سريره وجعلوا على عورته خرقة ونزعوا ثيابه ووضؤوه، ولا يمضمض ولا يستنشق لأن إخراج الماء عنه متعسر، ثم يفيضون الماء عليه ويجمر سريره وتراً تعظيماً له.
ويغلى الماء بالسدر أو بالحرض فإن لم يكن فالماء القراح. ويغسل رأسه ولحيته بالخطمي تنقية وتطهيراً ثم يضجع على شقه الأيسر فيغسل بالماء والسدر حتى يرى أن الماء قد وصل إلى ما يلي التحت منه ثم يضجع على شقه الأيمن فيغسل حتى يرى أن الماء قد وصل إلى ما يلي التحت منه ثم يجلسه ويسنده إليه ويمسح بطنه مسحاً رقيقاً، فإن خرج منه شيء غسله، ولا يعيد غسله. روي ذلك عن إبراهيم بالميامن، وتنقية للميت وتحقيق للغسل.
ويجعل الحنوط في رأسه ولحيته، والكافورمساجده، لأن الطيب سنة، وأولى المواضع بالتطيب، المساجد.
الجزء 1 · صفحة 41
والسنة أن يكفن الرجل في ثلاثة أثواب لأنه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم - كفن في ثلاثة أثواب بيض (7) سحوليه، وإن اقتصرواعلى ثوبين جاز لأن المقصود هو الستر والإكرام وأنه حاصل وتلف اللفافة بالجانب الأيسر ثم بالجانب الأيمن، فإذا أرادوا أن لا ينتشرالكفن عنه عقوده.
وتكفن المرأة في خمسة أثواب لما روت أم عطية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كفن ابنته في خمسة أثواب.
ويكون ذلك، إزار، وقميص، وخمار وخرقة تربط بها فوق ثديها ولفافة، وإن اقتصروا على ثلاثة أثواب جاز، ويجعل شعرها على صدرها ولا يسرح شعر المرأة ولا لحية الرجل قالت عائشة عنها ـ علام تنصون ميتكم؟».
ولا يقص ظفره ولا شعره لأنها تدفن معه. وتجمر الأكفان قبل أن يدرج فيها وتراً تعظيماً له فإذا فرغوا منه صلوا عليه.
وأولى الناس بالصلاة الإمام إن حضر، لأن له الولاية، فإن لم يحضر فيستحب تقديم إمام الحي الولي، لأنه رضي بإمامته في حياته، ثم الولي فإن، صلى عليه غير الولي والسلطان أعاد الولي لأنه لم يجز بدون الولي لحقه، فإن صلى الولي لا يعاد لأنه لو جاز إعادة صلاة الجناز لصلينا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن دفن الميت ولم يصلي عليه صلى على قبره، ما لم ينتفخ لأن الصلاة على الميت المسلم واجبه.
والصلاة أن يكبر تكبيرة يحمد الله - تعالى - عقيبها ثم يكبر الثانية ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يكبر الثالثة ويدعو فيها لنفسه وللميت وللمسلمين ثم يكبر الرابعة ويسلم وقد اجتمعت الصحابة رضي الله عنهم - على أربع تكبيرات حتى قال عمر ـ رضي الله عنه -أربع كأربع الظهر ولا يصلى على ميت في مسجد جماعة لأنه لا يؤمن من تلوث المسجد، وإذا حملوه على سريره أخذوه بقوائمه الأربع تعظيماً له لا كما يحمل الأحمال.
ويمشون به مسرعين دون الخبب، لأن السنة هو التعجيل بلغوا إلى قبره كره للناس أن يجلسوا قبل أن يوضع من أعناق الرجال.
موافقة للذين يحملون الجنازة، واستعداداً لإعانتهم ويحفر القبر ويلحد للحديث المرفوع اللحد لنا والشق لغيرنا.
الجزء 1 · صفحة 42
ويدخل الميت القبر مما يلي القبلة. الذي يضعه: بسم الله وعلى ملة رسول الله.
ويوجه إلى القبلة وتحل العقدة لأنها عقدت لئلا ينتشر الكفن ويسوي اللبن عليه ويكره الآجر والخشب لأنهما للبقاء والقبر للبلاء والفناء، ولا بأس بالقصب، ثم يهال التراب عليه ويسنم القبر ولا يسطح، أخبر من رأى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم مستماً
ومن استهل بعد الولادة سمى، وغسل، وصلي عليه، لأنه حتي كسائر الأحياء، وإن لم يستهل أدرج في خرقة ولم يصل عليه لأنه أقرب إلى غيرالمكلفين.
باب الشهيد
الشهيد من قتله المشركون أو وجد في المعركة وبه أثر الجراحة أو قتله المسلمون ظلماً ولم يجب بقتله، دية لأنه في معنى شهداء فيهم أحد وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: زملوهم بكلومهم ودمائهم فأيما جريح يجرح في سبيل الله تعالى إلا ويجيءيوم القيامة وأوداجه تشخب دماً، اللون لون الدم والريح ريح المسك فيصلى عليه عندما ولا يغسل.
وإذا استشهد الجنب غسل عند أبي حنيفة - رحمه الله - وكذلك الصبي، وقالا لا يغسلان لإطلاق الحديث في شهداء أحد ولأبي حنيفة. رحمه الله - حديث غسل الملائكة عليهم السلام - وهو حنظلة،. رضي الله عنه ـ حين استشهد وهو كان جنباً ولأن شهداء أحد كفر القتل عنهم الذنوب، القوله - عليه السلام -: «السيف محاء للذنوب، وليس الصبي في معناهم.
ولا يغسل عن الشهيد دمه ولا ينزع ثيابه، وينزع 4. عنه الفرو والخف، والحشو والسلاح ومن أرتث غسل، لحديث السعدين.
والخليفتين فإن سعد بن الربيع وعثمان بن عفان ـ رضي اللهعنهما - لم يرتثا فلم يغسلا،
وعمر وسعد بن معاذ. رضي الله عنهما - أرتثا فغسلا والارتثاث أن يأكل أو يشرب أو يداوى أو يبقى حياً حتى يمضي عليه وقت صلاة وهو يعقل أو ينقل من المعركة وهو حي.
ومن قتل في حد أو قصاص غسل وصلي عليه، لأنه ليس في معنى شهداء أحد، ومن قتل من البغاة وقطاع الطريق لم يصلى عليه لأن علياً - رضي الله عنه ـ لم يصل على البغاة.
باب الصلاة في الكعبة
الجزء 1 · صفحة 43
الصلاة في الكعبة جائزة فرضها ونفلها لأنه ولي وجهه شطر المسجدالحرام، فإن صلى الإمام بجماعة فجعل بعضهم ظهره إلى ظهر الإمام جاز، لأنه مستقبل شطر المسجد الحرام ومن جعل منهم ظهره إلى وجه الإمام لا يجوز لوجود تقدمه على الإمام.
وإذا صلى الإمام في المسجد الحرام تحلق الناس حول الكعبة وصلوا بصلاة الإمام فمن كان منهم أقرب إلى الكعبة من الإمام جازت صلاته إذا لم يكن في جانب الإمام لأنه لا يظهر التقدم باختلاف المتوجه إليه، إذ التقدم يكون بالنسبة الواحدة.
ومن صلى على ظهر الكعبة يجوز لأنه توجه نحو هذه البقعة، والمتوجه إليه تلك البقعة المحدودة إلى السماء ألا ترى أنه لو صلى على جبل أعلى من حيطان الكعبة يجوز.
كتاب الزكاة
الزكاة واجبة على الحر المسلم، البالغ العاقل إذا ملك نصابا كاملا ملكاً تاماً، وحال عليه الحول ولا تجب على صبي ولا مجنون عندنا خلافاً للشافعي - رحمه الله - له قوله ـ عليه السلام: «من، ولى يتيماً فليزك ماله ولنا أنها، عبادة فلا تجب على الصبي والمجنون كالصوم والصلاة. ولا تجب على المكاتب، لقوله - عليه السلام - لا صدقة إلا عن ظهر غنى
ولا غنى إلا بالملك ولا ملك للمكاتب لأنه في رقبه المال.
ومن كان عليه دين يحيط بماله لا زكاة عليه عندنا وقال الشافعي رحمه الله - يجب لإطلاق النصوص ولنا أنه مشغول بالحاجة، الأصلية وهو دفع الهلاك عن نفسه فلا يجب عليه كتياب البذلة والمهنة، وليس في دور السكنى وثياب البدن وأثاث المنازل ودواب الركوب وعبيد الخدمة وسلاح الاستعمال زكاة لأنها غير فاضلة عن الحاجة الأصلية
وقال ? صلى الله عليه وسلم: عفوت لكم صدقة الخيل والرقيق.
ولا يجوز أداء الزكاة إلا بنية مقارنة للأداء أو مقارنة لعزل مقدار الواجب لأن العبادة لا تجوز إلا بالإخلاص قال الله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إلا ليعبدوا اللهَ مُخلِصِينَ لَهُ الذِينَ، (7) ومن تصدق بجميع ماله لا ينوي
الزكاة سقط فرضها عنه، لأن الواجب أداء جزء من النصاب وقد أدي.
الجزء 1 · صفحة 44
باب زكاة الإبل
ليس في أقل من خمس من الإبل السائمة صدقة فإذا بلغت خمساً وحال عليها الحول ففيها شاة إلى تسع فإذا كانت عشراً ففيها شاتان، إلى أربع عشرة فإذا كانت فإذا كانت خمس عشرة ففيها ثلاث شياه، إلى تسع عشرة فإذا كانت عشرين ففيها أربع شياه، إلى أربع وعشرين فإذا بلغت خمساً وعشرين ففيها بنت مخاض إلى خمس وثلاثين، فإذا بلغت ستاً وثلاثين ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين، فإذا بلغت ستاً وأربعين ففيها حقة، إلى ستين، فإذا كانت إحدى وستين ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا كانت ستاً وسبعين ففيها بنتاً لبون إلى تسعين، فإذا كانت إحدى وتسعين ففيها حقتان إلى مائة وعشرين كذا روي في كتاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم - لبعض آل حزم ثم يستأنف الفريضة ففي الخمس شاة مع الحقتين وفي العشر شانان وفي خمس عشرة ثلاث شياة، وفي العشرين أربع شياة وفي خمس وعشرين بنت مخاض إلى مائة وخمسين ففيها ثلاث حقاق ثم تستأنف الفريضة ففي الخمس شاة وفي العشر شاتان وفي خمس عشرة ثلاث شياه وفي العشرين أربع شياه وفي الخمس والعشرين بنت مخاض، وفي ست وثلاثين بنت لبون فإذا بلغت مائتين ففيها أربع حقاق ثم تستأنف الفريضة هكذا عندنا، وعند الشافعي- رحمه الله - يعتبر في الزيادة على مائة وعشرين في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة حديث عمرو بن حزم- رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال فيما زاد على مائة وعشرين: «فإذا كانت أكثر من ذلك ففي كل خمس شاة 4. والبخت والعراب سواء لعموم اسم الإبل إياهماً لقوله صلى الله عليه وسلم: في خمس من الإبل السائمة شاة والله أعلم وأحكم.
باب صدقة البقر
ليس في أقل من ثلاثين من البقر صدقة، فإذا كانت ثلاثين مسن أو تبيعة وفي الأربعين سائمة، وحال عليها الحول ففيها تبيع، أو مسنة، فإذا زاد على الأربعين ففي الزيادة يجب بقدر ذلك إلى الستين عند أبي حنيفة - رحمه الله - ففي الواحد ربع عشر مسنة وفي الثنتين نصف عشر مسنة، وقالا لا شيء في الزيادة حتى تبلغ ستين فيكون فيها تبيعان أو تبيعتان ثم بعدها بالإجماع في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي كل مسن أو مسنة.
لهما أن إيجاب الشقص يخالف أصول الزكاة وروى أسد بن عمرو وعن أبي حنيفة مثل قولهما.
والجواميس والبقر سواء لاشتمال اسم البقر عليهما لقوله - عليه السلام - لمعاذ بن جبل - رضي
الجزء 1 · صفحة 45
الله عنه - لما بعثه إلى اليمن في كل ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة وفي كل أربعين مسن أو مسنة.
باب صدقة الغنم
ليس في أقل من أربعين شاة، صدقة، فإذا كانت أربعين سائمة وحال عليها الحول ففيها شاة إلى مائة وعشرين، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى مائتين فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياة، فإذا بلغت أربعمائة ففيها أربع شياة ثم في كل مائة شاة كذا كتب أبو بكر الصديق،. رضي الله عنه ـ كتاب الصدقات لأنس بن مالك، ـ رضي الله عنه ـ والضأن والمعز سواء لشمول اسم الغنم إياهما والله أعلم وأحكم.
باب صدقة الخيل
إذا كانت الخيل سائمة ذكوراً وإناثاً فصاحبها بالخيار إن شاء أعطى عن كل فرس ديناراً وإن شاء قومها وأعطى من كل مائتي درهم خمسة دراهم وليس في ذكورها منفردة زكاة، وقالا رحمهما الله لا زكاة في الخيل، لقوله عليه السلام: عفوت لكم صدقة الخيل والرقيق ولأبي حنيفة - رحمه الله ـ حديث ابن الزبير عن جابر ـ رضي الله عنه ـ يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم ـ قال: «في كل فرس سائمة دينار وليس في الرابطة شيء.
ولا زكاة في البغال والحمير إلا أن تكون للتجارة لقوله - صلى الله عليه وسلم - ليس في النخة ولا في الجبهة ولا في الكسعة صدقة.
قيل: النخة: الرقيق والجبهة: الخيل والكسعة: الحمير وليس في الحملان والفصلان والعجاجيل صدقة عند أبي حينفة ومحمد - رحمهما الله إلا أن يكون معها. كبير و قال أبو يوسف رحمه الله فيها واحد منها، لأبي يوسف قوله - عليه السلام -هاتوا ربع عشور أموالكم، لهما أنه جنس لا يؤخذ منه في الصدقة فلا يجب فيه الزكاة وعن أبي حنيفة - رحمه الله - في هذا ثلاثة .. أقوال آخرها مثل قول محمد - رحمه الله - فإن وجب في أبله سن فلم ا يوجد أخذ الأفضل ورد الفضل أو، أخذ دونها وأخذ الفضل ولو أخذ القيمة يجوزعندنا وعند الشافعي ـ رحمه الله - لا يجوز وليس في العوامل والعلوفة، صدقة لأنها ليست من السائمة. ولا يأخذ المصدق خيار المال ولا رذالته، نظرا للجانبين ويأخذ الوسط.
المستفاد من جنس النصاب في أثناء الحول يضم إليه عندنا وعند الشافعي رحمه الله لا يضم إليه والأولاد والأرباح يضم بالإجماع والمستفاد بخلاف جنسه لا يضم بالإجماع
فإذا أعلف السائمة نصف الحول أو أكثر فلا زكاة فيها، لأن جهة كونها سائمة لم يترجح فلا
الجزء 1 · صفحة 46
يجب. والزكاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، في النصاب دون العفو لأن وجوده وعدمه سواء، وعند محمد - رحمه الله الكل لأن الكل نعمة. وإذا هلك المال بعد وجوب الزكاة سقطت عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله ـ إذا هلك بعد التفريط لا يسقط لأنه صار ضامناً، ولنا أن الواجب جزء من النصاب، وقد هلك فتعذر أداء الواجب. ولو قدم الزكاة على الحول وهو مالك للنصاب يجوز لوجوده بعد السبب لأن المال سبب والزكاة تضاف إليه.
باب زكاة الفضة
ليس فيما دون مائتي درهم صدقة فإذا كانت مائتي درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم للحديث المعروف [وهو قوله ـ عليه السلام ـ: ليس فيما دون مائتي درهم صدقة]، ولا شيء في الزيادة حتى تبلغ أربعين درهماً، فيجب درهم وقالا يجب الزيادة بقدرها لقوله- عليه السلام -: في الرقة، وربع العشر مطلقاً لأبي حنيفة، رضي الله عنه أن في إيجاب الكسور تضييقاً، وما دون هذا الضيق مدفوع في الزكاة (7)، وإذا كان الغالب على الورق الفضة فهفي و حكم الفضة لأن العبرة للغالب، وإذا كان الغالب عليه الغش في حكم السلع يعتبر أن تبلغ قيمتها نصاباً.
باب زكاة الذهب
ليس فيما دون عشرين مثقالاً صدقة، فإذا كانت عشرين مثقالاً وحال عليها الحول ففيها نصف مثقال، ثمّ في كل أربعة مثاقيل ربع العشر، وليس فيما دونه صدقة عند أبي حنيفة رحمه الله ـ وفي تبر الذهب والفضة وحليهما وأوانيهما الزكاة، وقال الشافعي رحمه الله ـ لا زكاة في الحلي لأنه أعد للابتذال كالثياب ولنا قوله-عليه السلام- يا علي ليس عليك الذهب حتى يبلغ عشرين مثقالاً فإذا بلغت عشرين مثقالاً وحال عليها الحول ففيها نصف مثقال والله أعلم.
باب زكاة العروض
الزكاة واجبة في عروض التجارة من أي شيء أي شيء كانت بعد أن تبلغ قيمتها نصاباً من الورق أو الذهب يقوم بما هو الأنفع للفقراء نظراً لهم، والنصاب إذا كان كاملاً في طرفي الحول فنقصانه في خلال الحول لا يضر لأن أصل المال باق والكمال لانعقاده سبباً، وذلك في ابتداء الحول أو لثبوت الحكم وذلك في آخر الحول.
الجزء 1 · صفحة 47
وتضم قيمة العروض إلى الذهب والفضة لأن الكل للتجارة إلا أن الحجرين للتجارة وضعاً وغيرهما جعلا.
ويضم الذهب إلى الفضة بالقيمة عند أبي حنيفة ـ رحمه الله - وقال يضم بالأجزاء لأن الشرع اعتبر الأجزاء في كل فرد منها، ولنا أن المعتبر هو الغني لقوله - عليه السلام - «لا صدقة إلا عن ظهرغنى والغنى بالمالية لا بالأجزاء.
باب زكاة الزروع والثمار
قال أبو حنيفة - رحمه الله - في قليل ما أخرجته الأرض وكثيرة العشر واجب، سواء سقى سيحاً أو سقته السماء إلا الحطب والقصب والحشيش لقوله - عليه السلام - ما سقته السماء ففيه العشر وما سقى بغرب أو بدالية. أو بدالية، أو سانية ففيه نصف العشره.
وقالا: لا يجب العشر إلا فيما له ثمرة باقية للحديث، وليس في الخضروات شيء ويشترط أن يبلغ خسمة أوسق لقوله عليه السلام: «ليس في أقل من خمسة أوسق من التمر صدقة ولا حجة لهما فيه لأنه يحتمل زكاة التجارة.
والوسق ستون صاعاً بصاع النبي - صلى الله عليه وسلم كل صاع أربعة أمناء.
وليس في الخضروات عندهما شيء. وما سقي بغرب أو دالية أو سانية ففيه نصف العشر في القولين وقال أبو يوسف - رحمه الله ـ في الزعفران والقطن وما لا يدخل تحت الوسق يعتبر أن يبلغ قيمته قيمة خمس أوسق من أدنى ما يدخل تحت الوسق اعتباراً بالنصاب المذكور في الحديث معنى، وقال و عند أبي حنيفة ـ رحمه الله - يجب في قليله وكثيره لأن عنده النصاب ليس بشرط وعند أبي يوسف - رحمه الله - لا شيء حتى يبلغ عشرة زقاق، وعند محمد - رحمه الله - خمسة أفراق،. وليس في الخارج من أرض الخراج شيء، لأنه بدل والعشر مع الخراج لا يجتمعان في أرض واحدة
باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز
قال الله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكين ... } الآية سقط من الأصناف الثمانية المذكورة في الآية: {وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} بإجماع الصحابة في صدر خلافة أبي بكر الصديق ... ? رضي الله عنهم - والفقير
الجزء 1 · صفحة 48
له أدنى شيء، والمسكين من لا شيء له وقد قيل على القلب. من والعامل يدفع إليه بقدر عمله كفاية، له والرقاب المكاتبون يصرف منها في فك رقابهم، والغارم من لزمه دين وفي سبيل الله منقطع الغزاه، وابن السبيل من له مال في وطنه وهو في مكان لا شيء له فيه.
وللمالك أن يدفع إلى كل واحد منهم وله أن يصرف إلى صنف واحد وقال الشافعي - رحمه الله - لا يجوز الأداء إلى صنف واحد الظاهر النص ولنا أن هذا بيان، المصرف، كما في قوله: عليه السلام: فليستنج بثلاثة أحجاره، ولا يجوز دفع الزكاة إلى ذمي لقوله ـ عليه السلام - وخذها من أغنيائهم وردها في فقرائهم م والمأخوذ من أغنياء المسلمين فكذا المردود عليهم. ولا يبنى بها مسجد، ولا يكفن منها ميت ولا يشترى بها رقبة تعتق لأن الإيتاء مأمور به.
ولا يدفع إلى غني لقوله - عليه السلام -: «لا تحل الصدقة لغني».
ولا يدفع زكاة ماله إلى أبيه أو جده وإن علا ولا إلى ولده، وولد ولده وإن سفل، لأن هذا ليس بإيتاء من كل وجه ولا إلى امرأته، ولا المرأة إلى زوجها عند أبي حنيفة رحمه الله لأن الأموال مشتركة ولهذا لا يجوز قبول شهادة أحدهما للآخر، وعندهما4 يجوز دفع المرأة إلى زوجها، استحساناً لحديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود ? رضي الله عنه - سألت عن دفع الصدقة إلى عبد الله، عليه السلام. لك أجران أجر الصدقة وأجر الصلة
ولأبي حنيفة يحتمل أن هذا في صدقة التطوع. ولا يدفع إلى مكاتبه ولا إلى مملوكه ولا إلى أم ولده؛ لأنه ليس بإيتاء، ولا إلى مملوك غني، ولا إلى ولد غني إذا كان صغيراً لأنه أداء إلى الغني من وجه ولا يدفع إلى بني هاشم، لقوله - عليه السلام -: أن الله حرم عليكم غسالة أوساخ الناس وعوضكم منها خمس الخمس من الغنيمة.
وآل هاشم هم آل عباس وآل علي،- رضي الله عنه - وآل جعفر وآل عقيل وآل الحارث وابن عبد المطلب - رضي الله عنه ومواليهم؛ لأنهم كلهم ينسبون إلى هاشم بن عبد مناف إلا من أبطل النص قرابته وهم بنو أبي لهب.
وإذا دفع الزكاة إلى رجل يظنه فقيراً ثم تبين أنه غني أو هاشمي أو كافر، أو دفع في ظلمه فبان أنه أبوه أو جده أو ولده فلا إعادة عليه.
وقال أبو يوسف- رحمه الله.- يعيد لأنه ظهر خطوه، والنا حديث معن بن يزيد - رضي الله عنه
الجزء 1 · صفحة 49
ـ أن أباه وكل رجلا يدفع الزكاة، فدفعه إلى معن فاختصما إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم - فقال، صلى الله عليه وسلم: يا معن لك ما أخذت ويا يزيد لك ما نويت.
ولو تبين أنه عبده أو مكاتبه لا يجوز لأنه لم يوجد الإيتاء.
ولا يجوز دفع الزكاة إلى من يملك نصاباً من أي مال كان لأنه غني ويجوز دفع الزكاة إلى من يملك أقل من ذلك وإن كان صحيحاً مكتسباً وعن الحسن البصري - رحمه اللهـ قال «يجوز الزكاة لمن له عشر آلاف درهم قبل وكيف ذلك؟ قال: أن يكون له الدار والخادم والكراع والسلاح وكانوا ينهون عن بيع ذلك من أغنيائهم وردها
ويكره نقل الزكاة من بلد إلى بلد إنما يفرق صدقة كل بلد فيها لقوله - عليه السلام - من أغنيائهم وردها فقرائهم إلا أن في ينقلها الإنسان إلى قرابته أو إلى قوم هم أحوج من أهل بلده، لأن حق القرابة أقوى والله أعلم
باب صدقة الفطر
هي واجبة لقوله ـ عليه السلام - أدوا» عن كل حر أو عبد صغير أو كبير نصف صاع من بر أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر، يشترط أن يكون من تجب عليه حراً مسلماً يملك مقدار النصاب فاضلاً و عن مسكنه وثيابه وأثاثه وفرسه وسلاحه، لأن هذه الأشياء لا تباع"، ويفتقر إليها وهي سبب الحرج.
وعليه أن يخرج عن نفسه وعن أولاده الصغار وعن مماليكه بالنص ولا يؤدي عن زوجته ولا عن أولاده الكبار لقوله ـ عليه السلام: وأدوا عمن تمونون وليس عليه مؤنة ولده الكبير ولا مؤنة زوجته على الإطلاق، فإنه لا يجب عليه أجرة الطبيب والحجام لأجلها.
عبد بين شريكين لا فطرة على كل واحد منهما، لأنه ليس في مؤنة كل واحد منها، مطلقاً، ويؤدي المسلم صدقة القطر عن عبده الكافر العموم قوله - صلى الله عليه وسلم، -: أدوا عمن تمونون.
والفطرة نصف صاع من بر أو صاع من تمر أو صاع من شعير أو صاع وأسد بن عمرو، - رحمهما الله من زبيب كذا روى الحسن عن أبي حنيفة - رحمه الله وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله وهو الأحوط وفي الجامع الصغير نصف صاع من زبيب لأن كله مأكول كالبر، وجه ظاهر الرواية أنه في التغذية مقصر فكان كالشعير.
الجزء 1 · صفحة 50
والصاع عند أبي حنيفة ومحمد. ومحمد - رحمهما الله ثمانية أرطال بالعراقي، وقال أبو يوسف - رحمه الله - خمسة أرطال وثلث رطل وقيل لا خلاف بينهم لأن الرطل عند أبي حنيفة ومحمد، ? رحمهما الله عشرون إستارا ووعند أبي يوسف ـ رحمه الله - ثلاثون.
ووجوب الفطرة يتعلق بطلوع الفجر من يوم الفطر فمن مات قبل ذلك فطرته ومن أسلم أو ولد بعد طلوع الفجر لم تجب فطرته لأن لم تجب سببه الفطر والفطر إنما يكون عند طلوع الفجر من أول يوم من شوال، شوال، وعند الشافعي ـ رحمه الله - المعتبر غروب الشمس من آخر يوم من رمضان لأن ذلك الوقت الفطر الدائم لكنا نقول إنه لا يسمى فطراً، لأن لا الصوم يتصور فيه فإنما الفطر باليوم.
والمستحب أن يخرج الناس الفطرة (11) يوم الفطر قبلالخروج إلى المصلى لقوله - عليه السلام - اغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم، وإن قدموها قبل يوم الفطر جاز وعند بعضهم
لا يجوز لعدم السبب وهو الفطر، وإن أخرها عند يوم الفطر لم يسقط، وعليهم إخراجها لأن الواجب يبقى من غير دليل مبقي. والله أعلم
كتاب الصوم
الصوم ضربان واجب ونفل والواجب ضربان: منه ما يتعلق بزمان معين کصوم رمضان والنذر المعين.
فيجوز صوم بنية من الليل وبنية من النهار إلى وقت الزوال وقال الشافعي ـ رحمه الله ـ لا يجوز إلا بنية من الليل - لقوله - عليه السلام: لا صيام لمن لم ينو من الليل.
ولنا أن النية للتعيين أو لصيرورته عبادة وأنه متعين وقد صار عبادة لوجود النية في الأكثر
والضرب الثاني ما يجب في الذمة كقضاء رمضان والنذر الذي هو فلا يجوز إلا بالنية من الليل ليحصل التعيين. غير معين والنفل كله يجوز قبل الزوال، لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم ـ كان يدخل على بعض نسائه فيقول هل بات عندكن طعام فإن قلن: نعم أكل أكل (7) وإن قلن: لا. قال إني إذاً لصائم.
وينبغي للناس أن يلتمسوا الهلال في اليوم التاسع والعشرين من شعبان لأن معلم وجوب الصوم فإذا رأوه صاموا وإن غم عليهم أكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً، ثم صاموا لقوله ـ عليه السلام: «صوموا
الجزء 1 · صفحة 51
لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم الهلال فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً.
ومن رأى هلال رمضان وحده صام وإن لم تقبل شهادته عملاً بالرؤية وأن كان في السماء علة قبل شهادة الواحد العدل لأن النبي - عليه، وإن كان. السلام ـ قبل شهادة الأعرابي برؤية الهلال رجلاً كان أو امرأة حراً كان أو عبداً لأنه شهادة على نفسه قصداً فإن لم يكن بالسماء علة لم تقبل الشهادة حتى يراه جمع كثير يقاع العلم بخبرهم، لأن من دونهم لو أخبر كان مكذباً بالظاهر.
ووقت الصوم من حين طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس. لقوله تعالى: {فالآن بشرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُم الخيط الأبيض من الخيط الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِتُوا القِيَامَ إِلى اليل} والخيط الأبيض بياض النهار، والخيط الأسود سواد الليل4 كما قال أمية بن أبي الصلت: الخيط الأبيض لون الصبح منفلق والخيط الأسود لون الليل مكموم، والصوم هو الإمساك عن الأكل والشرب والمباشرة نهاراً مع النية لقوله تعالى: {فالآن بَشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا القِيَامَ إِلى اليل}، عرفه بالألف واللام فينصرف إلى الصيام عن الأشياء المذكورة.
فإن أكل الصائم أو شرب أو جامع ناسياً لم يفطر لقوله - عليه السلام - لذلك الرجل: تم على صومك فإنما أطعمك الله وسقاك. فإن احتلم أو احتجم أو قاء فلا شيء عليه للحديث المرفوع «ثلاث لا يفطرن الصائم: القيء، والحجامة، والاحتلام
فإن استقاء فعليه القضاء، لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - يرفعه من استقاء فعليه القضاء وكذلك لو نظر إلى امرأة فأمنى لا يفسد صومه لأن المباشرة قاصرة، وكذا إذا أدهن أو اكتحل أو قبل، لأن المفطرات أحد الثلاث لم توجد.
فإن قبل أو لمس فأنزل فعليه القضاء لكمال المباشرة صورة و?، ولا بأس بالقبلة إذا أمن على نفسه ويكره إن لم يأمن، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «يقبل بعض نسائه وهو صائم وكان أملككم لإربه».
ومن ابتلع الحصاة أو النواة أو الحديد أفطر لوجود الأكل ولا كفارة عليه لأنه ليس في معنى ما ورد النص. بإيجاب الكفارة به.
ومن جامع عامداً في أحد السبيلين أو أكل أو شرب ما يتغذى به أو يتداوى به فعليه القضاء
الجزء 1 · صفحة 52
والكفارة.
أما القضاء فلقوله تعالى: فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر فلما وجب القضاء على المعذور إذا أفطر فعلى غير المعذور أولى وأما الكفارة لحديث الأعرابي في: الوقاع لأنه مفسد للصوم، لا لأنه وقاع، وقد وجد الإفطار الكامل في الأكل الوجود صورته ومعناه. وليس في إفساد صوم غير رمضان كفارة لأنه لم يهتك حرمة الشهر فلا يكون في معنى حديث الأعرابي.
ومن جامع دون الفرج فأنزل فعليه القضاء لكمال المباشرة ولا كفارة عليه، لأنه دون المباشرة و التي علق به الكفارة في حديث الأعرابي ومن احتقن أو استعط أو أقطر في أذنه أو داوى جائفة أو أمة بدواء رطب فوصل إلى جوفه أو دماغه أفطر للحديث: الفطر مما يدخل (11) ولأنه أكل معنى في النفع الواصل إلى الباطن بالإدخال.
وإن أقطر في إحليله لم يفطر عند أبي حنيفة ـ رحمه الله - لأن الوصول إلى الجوف لا يوجد لأن البول يصل إلى المثانة بالترشيح، وعند أبي بوسف - رحمه الله ـ يفطر استدلالاً بالحقنة. ومن ذاق شيئاً بفمه لم يفطره ذلك لأنه لم يصل إلى الجوف ويكره للمرأة أن تمضغ لصبيها الطعام إذا كان لها منه بد لأنه تعريض الصوم على الفساد، ومضغ العلك يكره كذلك ولا يفطره لأنه لم يصل إلى الجوف.
المريض في رمضان يخاف إن صام ازداد مرضه أفطر
وقضى لإطلاق قوله تعالى: {فَمَن كان مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَر، وإن كان مسافراً لا يستضر بالصوم فصومه أفضل، لقوله - ان: من فاته صوم يوم من رمضان لم يقضه صيام صلى الله عليه وسلم. الدهر كله، وإن أفطر وقضى جاز لقوله تعالى: {فمن كان مِنكُم مَّرِيضًا أوعَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ)، فإن مات المريض أو المسافر وهما على حالهما لم يلزمهما القضاء لأن الوقت عدة من أيام أخر، ولم يقدر، وإن صح المريض أو أقام المسافر ثم ماتا لزمهما القضاء بقدر الصحة والإقامة لأن القدرة وجدت بهذا القدر.
ابن عباس ـ رضي الله عنهما - في قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينَ}، قال: يطوقونه ولا يطيقونه مات وعليه قضاء رمضان فأوصى به أطعم عنه لكل يوم مسكيناً لأنه تعذرعليه القضاء. ومن دخل في صوم التطوع أو في صلاة التطوع ثم أفسدها
قضاها وقال الشافعي رحمه الله - لا شيء عليه لقوله - عليه السلام - لتلك المرأة التي قالت:
الجزء 1 · صفحة 53
كنت صائمة إلا أني كرهت أن أرد سؤرك قال: «إن شئت قضيته وإن شئت لا.
ولنا قوله - عليه السلام - لعائشة وحفصة - رضي الله عنهما - «وكانتا صائمتين متطوعتين أفطرتا، واقضيا يوماً مكانه»، وهذا الحديث أولى بالأخذ به لأنه محرم ترك القضاء وذاك مبيح ترك القضاء. وإذا بلغ الصبي أو أسلم الكافر في رمضان أمسكا بقية يومهما، وصاما ما بعده الأن النبي - عليه السلام - أمر منادياً ينادي ألا من أكل فلا يأكل بقية يومه ومن لم يأكل فليصم ولم يقضيا ما مضى؛ لأن صوم اليوم لم يكن واجباً عليهما.
ومن أغمي عليه في رمضان لم يقض اليوم الذي حدث فيه الإغماء لأنه نواه من الليل وقضى ما بعده، لعدم النية.
و إذا أفاق المجنون في بعض، رمضان قضى ما مضى منه لأنه قد يطول وقد يقصر فإن قصر فهو كالإغماء، وإن طال واستوعب الشهرولا يُقضى كالصبا، وإذا حاضت المرأة أفطرت وقضت لحديث عائشة - رضي الله عنها.
وإذا قدم المسافر أو طهرت الحائض في بعض النهار أمسكا عن الطعام والشراب بقية يومها.
ومن تسحر وهو يظن أن الفجر لم يطلع أو أفطر وهو يرى أن الشمس قد غربت، ثم تبين أنها لم تغرب أو قد طلع الفجر، فقضى اليوم ذلك لوجود الإفطار ولا كفارة عليه لقصور الجناية.
ومن رأى هلال الفطر وحده لم يفطر لقوله - عليه السلام -: وفطركم يوم تنطرون. وإذا كان بالسماء. وإذا كان بالسماء عله لم يقبل إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين لأنه شهادة بحق
العباد و لأنهم ينتفعونابالفطر في أمر وإن لم يكن بالسماء (1) لم يقبل إلا شهادة جماعة يقع العلم بخبرهم لأن خبر القليل يكون مخالفاً للجماعة.
باب الاعتكاف
الاعتكاف مستحب اعتكف رسول الله ? صلى الله عليه وسلم وهو اللبث في المسجد مع الصوم لحديث علي - رضي الله عنه -: ولا اعتكاف إلا بصوم،
ويشترط نية الاعتكاف أيضاً، لأن الأعمال بالنيات. ويحرم على المعتكف الوطيء واللمس والقبلة، لقوله تعالى: {وَلَا تُبْشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَنكِفُونَ في الْمَسَجِدِ}، ولا يخرج من المسجد إلا لحاجة
الجزء 1 · صفحة 54
الإنسان والجمعة، لأن الخروج ينافي اللبث، ولا بأس بأن يبيع ويبتاع في المسجد من غير أن تحضره السلع للضرورة، ولا يتكلم إلا بخير لقوله تعالى: {وَقُل لِعِبَادِى يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}،ويكره له الصمت والأولى له الذكر.
وإن جامع المعتكف ليلاً أو نهار بطل اعتكافه، لإطلاق قوله تعالى: وَلَا تُبْشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ومن أوجب على اعتكافه أيام معدودة لزمه اعتكافها بلياليها، لأن اسم الأيام ينتظم ما بإزائها من الليالي عرفاً تقول: ما رأيتك منذ عشرة أيام دخلت الليالي المتخللة فيكون متتابعاً في الشهر وإن لم يشترط، لأن اسم الشهر للأيام والليالي المتوالية المتتابعة.
كتاب الحج
الحج واجب على الأحرار البالغين العقلاء الأصحاء إذا قدروا على الزاد والراحلة، فاضلاً عن المسكن وما لا بد منه وعن نفقة عياله إلى حين عودة وكان الطريق آمناً لقوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً والمستطيع هو الموصوف بهذه الأوصاف ويعتبر للمرأة أن يكون لها محرم يحج بها، أو زوج لقوله ـ عليه السلام ـ: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر فوق ثلاثة أيام إلا معها زوجها أو أخوها أو أبوها أو ذو رحم محرم منها إلا إذا كان بينها وبين مكة أقل من ثلاثة أيام لأنها لا تكون مسافرة.
والمواقيت التي لا يجوز أن يتجاوزها الإنسان إلا محرماً
ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ أنه وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن ولأهل اليمن يلملم وفي رواية لأهل العراق ذات عرق، ثم قال: من لهن ولمن مر بهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة.
فإن قدم الإحرام على هذه المواقيت، جاز، قيل في قوله تعالى: وَأَنمُوا الحَج وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ إن إتمام الحج أن يحرم الرجل من دوبره أهله. ومن كان بمكة فميقاته في الحج الحرم ليحرم من دويره اهله وفي العمرة الحل، لأن «عائشة رضي الله عنها - أمرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تهل بالعمرة من التنعيم».
وإذا أراد الإحرام اغتسل أو توضأ والغسل أفضل لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ـ اغتسل
الجزء 1 · صفحة 55
وأحرم ولبس ثوبين جديدين أو غسيلين، إزاراً ورداءاً كذا السنة ومس طيباً إن كان له، قالت عائشة. الله عنها ـ كنت أطيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإحرامه قبل إهلاله.
وصلى ركعتين لقوله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةُ وقال اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني وإنما يدعو إستعانة بالله تعالى4 ويسأل القبول كما قال إبراهيم - صلوات الله عليه - لما بنى البيت: رَبَّنَا تَقَبل مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ،
ثم يلبي عقيب صلاته كذلك المروى فإن كان مفرداً بالحج نوى بتلبية الحج.
والتلبية أن يقول: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، ولا ينبغي أن يخل بشيء من هذه الكلمات للسنة المتوارثة وإن زاد جاز لما روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: «أنسي الناس أم طال عليهم العهد أن يقولوا لبيك بعدد التراب لبيك.
فإذا لبى ناوياً للإحرام صار محرماً، كما لو كبر في الصلاة فليتق ما نهى الله تعالى عنه من الرفث والفسوق والجدال، لقوله تعالى: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوفَ وَلَا جدَالَ فِي الْحَج}، ولا يقتل صيداً لقوله تعالى: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُم ولا يشير إليه ولا يدل عليه؛ لقوله - عليه السلام ـ في حديث أبي قتادة: هل أعنتم؟ هل أشرتم؟.
ولا يلبس قميصاً، ولا سراويلاً، ولا عمامة ولا قلنسوة ولا قباء ولا خفين إلا أن لا يجد نعلين فيقطعهما أسفل الكعبين، لأن النهي ورد عن لبس الخفين والجبة والمخيط ولا يغطي رأسه ولا وجهه لقوله ـ عليه السلام -: «إحرام المرأة في وجهها وإحرام الرجل في رأسه»، ولا يمس طيباً لقوله - عليه السلام -: «المحرم الشعث التقل».
ولا يحلق رأسه، ولا شعر، بدنه ولا يقص من لحيته لأنهما تزيل الشعث، ولا يلبس ثوباً مصبوغاً بورس ولا بزعفران ولا عصفرلأنه تطيب إلا أن يكون غسيلاً لا ينقض، ولا بأس أن يغتسل ويدخل الحمام ويستظل بالبيت والمحمل، لأنهم كانوا لا ينهون عن ذلك. ولا بأس بأن يشد في وسطه الهميان لأنه لا يكون لبساً، ولا يغسل رأسه ولا لحيته بالخطمي لأنه تطيب، ويكثر من التلبية عقيب الصلوات وكلما علا شرفاً أو هبط وادياً أو لقي راكباً وبالأسحار، كذا روي عن الصحابة - رضي الله عنهم ..
فإذا دخل مكة ابتدأ بالمسجد، فإذا عاين البيت كبر وهلل ثم ابتدأ بالحجر الأسود فاستلمه إن
الجزء 1 · صفحة 56
أمكنه أو استقبله إن لم يمكنه وكبر ورفع يديه، وقبله إن استطاع من غير أن يؤذي مسلماً لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ـ قبله واستلمه وقال لعمر - رضي الله عنه -: إنك رجل قوي وإنك لتؤذي الضعيف فإذا وجدت مسلكاً فاستلم وإلا فدع وكبر وهلل ثم أخذ عن يمينه مما يلي الباب وقد اضطبع قبل ذلك، كذلك السنة.
ويطوف بالبيت سبعة أشواط من وراء الحطيم وقال عليه السلام: الحطيم من البيت.
ويرمل في الأشواط الثلاثة الأول ويمشي فيما بقي على هيئته، كذلك فعله النبي - عليه السلام ويستلم الحجر كلما مر به إن استطاع، ويختم بالاستلام الطواف، ثم يأتي المقام فيصلي عنده ركعتين، لقوله تعالى: وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلى أو حيث تيسر من المسجد حتى يكون آتياً بركعتي الطواف كما صلاهما النبي ـ عليه السلام ـ إلى حائط، وهذا الطواف طواف التحية والقدوم وهو سنة، وليس بواجب، لأن الواجب هو طواف الزيارة 4 المراد بقوله تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا نَفَتَهُمْ وليوفُوا نُذُورَهُمْ وَلَيَطُوفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ}، ذكر هذه الجملة بكلمة ثم بعد ذكر البدن والأضاحي والطواف المتأخر. عن (7) الأضاحي هو الواجب المراد بالنص.
وليس على أهل مكة طواف التحية لأنه لا يكون لهم تجديد العهد بالبيت.
ثم يخرج إلى الصفا ويبدأ. به، لقوله - عليه السلام ـ «أبدأ بما بدأالله، به فيصعد عليه ويستقبل البيت ويكبر ويهلل ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم ـ ويرفع يديه. ويدعو بحاجته ويرفع يديه، لحديث مقسم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ولا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطنه منها الصفا والمروة وينحط عن المروة ويمشي على هيئته، فإذا بلغ بطن الوادي سعى بين الميلين الأخضرين سعياً، كذلك السنة. حتى يأتي المروة فيصعد عليها، ويفعل كما فعل على الصفا، وهذا شوط، فيطوف سبعة أشواط يبتدئ بالصفا ويختم بالمروة، لقوله تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطْوَّفَ بِهِمَا.
ثم يقيم بمكة حراماً يطوف بالبيت ما بدا له لقوله تعالى: (آنطَهْرَا بَيْتِيَ لِلطَّابِفِينَ).فإذا كان قبل يوم التروية بيوم فالإمام يخطب خطبة يعلم الناس فيها الخروج إلى منى والصلاة بعرفات والوقوف والإفاضة، كذا السنة.
فإذا صلى الفجر يوم التروية بمكة خرج إلى منى فأقام بها حتى يصلي الفجر يوم عرفة ثم يتوجه إلى عرفات فيقيم بها كذا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الجزء 1 · صفحة 57
فإذا زالت الشمس يوم عرفة صلى الإمام بالناس الظهر والعصر، قال ابن مسعود ـ رضي الله عنه -: ما صلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم - صلاة إلا لمواقيتها ما خلا عرفة وجمع فيبتدى فيخطب خطبة يعلم الناس فيها الوقوف بعرفة والمزذلفة الظهر بأذان وإقامتين كذ (11) الجمار، والنحر، وطواف الزيارة، ويصلي بهم الظهر والعصر في وقت الظهر بأذان و أقامتين كذلك.
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم،، .. ومن صلى في رحله وحده صلى كل واحدة منهما في وقتها عند أبي حنيفة - رحمه الله، يجمع بينهما المنفرد كسائر الصلوات، لأن وقت العصر في حق الحاج بعيد الظهر ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن وقت العصر بعد ما صار ظل كل شيء مثليه، إلا فيما ورد به النص والنص ورد بصلاة النبي - عليه السلام - بعرفات يوم عرفة بجماعة فيعتبر جميع الأوصاف.
ثم يتوجه إلى الموقف فيقف بقرب الجبل وعرفات كلها موقف إلا بطن عرنة، لقوله تعالى: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ،.
وينبغي للإمام أن يقف بعرفة على راحلته يدعو ويعلم الناس المناسك، كذا روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم،. ويستحب أن يغتسل قبل الوقوف بعرفة، ويجتهد في الدعاء، روي أن النبي - عليه السلام كان يدعو يوم عرفة ماداً يديه كالمستطعم المسكين.
فإذا غربت الشمس أفاض الإمام والناس معه على هيئتهم. كذلك، يأتوا المزدلفة فيبيتون بها، والمستحب أن ينزل بقرب الجبل الذي عليه الميقدة يقال له قزح، ويصلي الإمام بالناس المغرب والعشاء بأذان وإقامة في وقت العشاء، ومن صلى المغرب في الطريق وحده لم يجزه،، عند أبي حنيفة - رحمه الله - لحديث أسامة بن زيد - رضي الله عنه - قال: كنت رديف رسول الله - صلي الله عليه وسلم ـ وهو يسير من عرفات إلى المزدلفة فقلت: يا رسول الله الصلاة؟ فقال: الصلاة أمامك.
فإذا طلع الفجر من يوم النحر صلى الإمام الفجر بالناس بغلس، ثم وقف ووقف الناس معه فدعا، كذلك السنة.
قال تعالى: {فَاذْكُرُوا اللهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ}، ومزدلفة كلها موقف إلا بطن محسر، فإذا طلعت الشمس أفاض الإمام والناس معه حتى يأتوا منى، لأن يوم النحر يوم بجمرة العقبة فيرموها من بطن الوادي بسبع حصيات، مثل حصى الخذف، يكبر مع كل حصاة ولا يقف عندها ويقطع التلبية مع اول حصاة.
الجزء 1 · صفحة 58
ثم يذبح إذا كان قارناً أو متمتعاً ثم يحلق أو يقصر لقوله تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفتَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ}، والحلق أفضل لقوله - عليه السلام - رحم الله المحلقين فقيل والمقصرين فقال رحم الله |المحلقين، وفي المرة الثالثة أو الرابعة قال والمقصرين وقد حل كل شيء إلا النساء كذا روي عن عمر رضي الله عنه، ثم يأتي مكة للطواف قال تعالى: {وَلْيَطُوفُوا بِالْبَيْتِالْعَتِيقِ}، ووقت الطواف أيام النحر، وهي ثلاثة أيام فإن سعى في طواف القدوم لا سعي عليه، لأن إيجاب الشيء لا يقتضي التكرار. ولا يرمل في هذا الطواف، وإن لم يكن قدّم السعي، رمل في هذاالطواف وسعي بعده لأن الرمل في طواف بعده سعي، لأنه يخالف السكينة والوقار فيقتصر شرعه على مورد النص.
فإذا طاف حل له النساء وإن لم يسع في طواف التحية، فإذا طاف ورمل وسعي حل له النساء لتمام الحج، وهذا الطواف هو الواجب والمراد بقوله تعالى: {تُمَّ لْيَقْضُوا تَفثهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَوَّفُوا بِالْبَيْتِ العتيق}.
ويكره تأخيره عن هذه الأيام فإن أخره عنها لزمه دم عند أبي حنيفة الله؛ لأنه - رحمه الله - جني جناية فيكفر بالدم كالحلق، ثم يعود إلى منى فيقيم بها، فإذا زالت الشمس من اليوم الثاني من يوم النحر رمي الجمار الثلاث يبتدأ بالتي تلي مسجد الخيف فيرميها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ويقف عندها فيدعو ثم يرمي التي تليها مثل ذلك ويقف عندها، ثم يرمي جمرة العقبة كذلك ولا يقف عندها، فالوقوف عقيب كل رمي بعده رمي رور نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما: «لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن منها عند المقامين وعند الجمرتين
فإذا كان من الغد رمي الجمار الثلاث بعد زوال الشمس كذلك، فإن أراد أن يتعجل النفر نفر إلى مكة لقوله - تعالى -: {فَمَن تَعَجَّل فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ)، [وإن أراد أن يقيم رمي الجمار الثلاث اليوم الرابع بعد زوال الشمس لقوله - تعالى -: {وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ أنقى فإن قدم في اليوم الرابع الرمي فرمى بعد طلوع الفجر يجوز عند أبي حنيفة - رحمه الله - لأنه لو ترك يجوز، ويكره أن يقدم الإنسان ثقله إلى مكة ويقيم حتى يرمي روي أنهم كانوا ينهون عن مكة نزل بالمحصب، وقالوا التحصيب ليس بنسك.
ثم يطوف طواف الصدر وهو طواف الوداع، سبعة أشواط، لا رمل فيه ولا سعي، وهو واجب إلا على أهل مكة لأنهم لا يصدرون عن مكة قال - صلى الله عليه وسلم ـ من حج هذا البيت فليكن
الجزء 1 · صفحة 59
آخر عهده، بالبيت الطواف ثم يعود إلى أهله.
فلو لم يدخل المحرم مكة حتى وقف بعرفات يفعل ما ذكرنا فقد سقط عنه طواف القدوم ولا شيء عليه لتركه، لأنه لم يترك واجباً. ومن أدرك الوقوف بعرفة ما بين زوال الشمس من يومها إلى طلوع الفجرمن يوم النحر، فقد أدرك الحج، لأن النبي - عليه السلام - وقف بعرفات بعد الزوال، وهذا بيان لأول الوقت وقال: «من أدرك عرفة بليل فقد أدرك الحج، بين أن الليل وقت الإدراك، وقال: «و من فاته عرفة بليل فقد فاته الحج وهذا بيان أن آخر وقته آخر الليل.
ومن اجتاز بعرفة مغمى عليه، أو نائماً، أو لم يعلم أنها عرفة أجزاء ذلك عن الوقوف، لقوله ـ عليه السلام - من وقف بعرفة فقد تم حجه.
والمرأة في جميع ذلك كالرجل، لأن الأدلة لا تفصل إلا أنها لا تكشف رأسها، وتكشف وجهها، لقوله - عليه السلام -: إحرام الرجل في رأسه و إحرام المرأة في وجهها. ولا ترفع صوتها بالتلبية لأنه فتنة، ولا ترمل في الطواف ستر لها (7) ولا تسعى بين الميلين، ولا تحلق لأن الحلق لها مثلة، ولكن تقصر. والله أعلم.
باب القران
القران أفضل من التمتع عندنا روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أفرد بالحج و روي أنه - عليه السلام ـ قال: «البيك بحجة وعمرة»
لكن رجحنا القرآن لأن القارن يحل له أن يقول: لبيك بحجة وعمرة و أما المفرد بالحج لا يحل أن يقول: لبيك بحجة وعمرة.
والقارن: أن يحرم بالحج والعمرة معاً من الميقات ويقول عقيب الصلاة «اللهم إني أريد العمرة والحج فيسرهما لي وتقبلهما مني.
فإذا دخل مكة ابتدأ بالعمرة فطاف بالبيت سبعة أشواط يرمل في الثلاثة الأول منها، ويسعى بعدها بين الصفا والمروة وهذه أفعال ويبدأ بها، لقوله تعالى: {فَمَن تَمَتَّعَ بِالعمرة إلى الحج}. ثم يبدأ العمرة بأفعال الحج، فيطوف طواف القدوم سبعة أشواط يرمل في الثلاثة الأول ويسعى كما ذكرنا في الحج، فإذا رمى ا الجمرة يوم النحر ذبح شاة أو بقرة أو بدنة أو سبع بدنة لقوله تعالى: {ومن تَمَتَّع بالعمرة إلى التي ما أستير من الهدي}.
الجزء 1 · صفحة 60
فإن لم يجد، له ما يذبح صام ثلاثة أيام في الحج وآخرها يوم عرفة، لأن أيام الحج التي يجوز فيها الصوم هذه الأيام، ثم يصوم سبعة أيام إذا رجع إلى أهله لقوله تعالى: {ومَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحِ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ يلك عشرة كاملة} وإن صامها بمكة بعد فراغه من الحج يجوز، لأن قوله {إِذَا رَجَعْتُم} للترفيه، فلا يقتضي التضييق، فإن فاته صوم ثلاثة أيام في الحج حتى أتى يوم النحر لم يجزه؛ لأن الصوم إنما قام مقام الهدى بالنص والنص أقام صوماً موصوفاً، بأن. صام ثلاثة أيام منها في الحج المعروف المعهود ولم يوجد. وإن لم يدخل القارن مكة وتوجه إلى عرفات صار رافضاً لعمرته بالوقوف لأنه تعذر السبق بالعمرة وسقط عنه دم القران وعليه دم لرفض العمرة وعليه قضاؤها لوجود الشروع فيها.
باب التمتع
التمتع أفضل من الافراد عندنا، لأنه جمع بين النسكين لأن المتمتع من حج واعتمر في سفره واحدة والتمتع على وجهين: متمتع يسوق الهدى، ومتمتع لا يسوق الهدى وصفة التمتع أن يبتداء من الميقات فيحرم بعمرة ويدخل مكة فيطوف لها ويسعى ويحلق أو يقصر، وقد حل من عمرته ويقطع التلبية إذ ابتدأ بالطواف.
فإذا كان يوم التروية أحرم بالحج من المسجد لأنه في معنى المكي، كما قال ـ صلى الله عليه وسلم - في المواقيت «هنّ لهن ولمن مر بهنّ من غير أهلهنّ ممن أراد الحج والعمرة أراد الحج والعمرة» وفعل ما يفعله المفرد بالحج وعليه دم التمتع فإن لم يجد صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، وإن أراد المتمتع أن يسوق الهدي أحرم وساق هديه، فإن كانت بدنة قلدها بمزادة أو نعل، وقالت عائشة - رضي الله عنها: «كنت أقتل قلائد بدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم» وأشعر البدنة عند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله ـ وقد روى الإشعار في الآثار، وقال أبو حنيفة - رحمه الله، - يكره، لأنه تعذيب الحيوان لا لمأكله، وقد نهى عنه، والمحرم مع المبيح إذا ورد فالمحرم أولى.
فإذا دخل مكة طاف وسعى، ولم يتحلل حتى يحرم بالحج يوم التروية، لقيام المبقي للإحرام، وإن قدم الإحرام قبله جاز وعليه دم، فإذا حلق يوم التروية فقد حل من الإحرامين لوجود ما ينافي الإحرام.
وليس لأهل مكة تمتع ولا قران، لقوله - تعالى - في آخر آية التمتع هو {ذلك لمن لم يكن أعلمُ حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} وإذا عاد المتمتع إلى بلده بعد فراغه من العمرة ولم يكن ساق الهدي بطل تمتعه لأنه لم يتمتع بالسفرة تمتعاً كاملاً.
الجزء 1 · صفحة 61
ومن أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج فطاف لها أقل من أربعة أشواط، ثم دخل أشهر الحج فتممها وأحرم بالحج، كان متمتعاً لأن أكثر طواف العمرة وجد في أشهر الحج، فقد وجد أكثر أحد النسكين والنسك الآخر في أشهر الحج، حتى لو طاف لعمرته قبل أشهر الحج أربعة أشواط فصاعداً ثم حج من عامه ذلك لم يكن متمتعاً، لاختلاف الوقت. وأشهر الحج: شوال وذو القعدة والعشر من ذي الحجة، لذا قالوا في قوله تعالى: {الحَج أَشْهُرُ مَّعْلُومَات} أي وقت الحج أشهر معروفات عند الناس
حاضت فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «عقرى حلقي» أحابستنا هي؟ فقيل: إنها أفاضت يا رسول الله قال: «فلتنفر إذن»، والله أعلم.
باب الجنايات
إذا تطيب المحرم فعليه الكفارة، لأنه باشر محظور الإحرام فعليه الدم كالحلق، فإن طيب عضواً كاملاً فما زاد فعليه دم لتمام التطيب عادة، فإن كان أقل من عضو فعليه صدقة لأنه دون ما يوجب الدم، وإن لبس ثوباً مخيطاً أو غطى رأسه يوماً كاملاً فعليه دم لتمام الجناية عادة، وإن كان أقل من ذلك فعليه صدقة، وإن حلق ربع رأسه فصاعداً فعليه دم لأن من الناس من لا يحلق أكثر من الربع - فقد وجد الحلق عادة قال الله تعالى: {فمن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكِ} وإن كان أقل من الربع فعليه الصدقة. وإن حلق موضع المحاجم فعليه دم عند أبي حنيفة ـ رحمه الله، لأنه مقصود بالحلق، وعندهما عليه صدقة لأنه يحلق تبعاً للرأس.
وإن قص أظافر يديه ورجليه فعليه دم، لأنه يزيل الشعث. وهومن قضاء التفت وإن قص يداً أو رجلاً فعليه دم، وإن قص أقل خمسة أظافير من فعليه صدقة وإن قص خمسة أظافير متفرقة من يديه ورجليه فعليه صدقة عند أبي حنيفة وأبي يوسف،، وقال محمد رحمه الله عليه دم كما لو قصها من يد. لهما أنه يزيده شعثا من وجه، لأن قبح غير المقصوص يظهر بجانب المقصوص، فبضدها تتبين الأشياء.
وإن تطيب أو لبس أو حلق من عذر فهو مخير إن شاء ذبح شاة، وإن شاء تصدق على ستة مساكين بثلاثة أصواع من طعام وإن شاء صام ثلاثة أيام، لقوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسكٍ} نزل في كعب بن عجرة-رضي الله عنه - قال: كنت أوقد النار تحت برمة، والقمل يتهافت، على وجهي، فقال: ـ عليه السلام «أتؤذيك هوام رأسك يا كعب فقلت: نعم يا رسول الله فقال النبي - عليه السلام - إحلق رأسك» فأنزل الله تعالى هذه الآية فقال النبي - عليه السلام
الجزء 1 · صفحة 62
- «اذبح شاة نسما او صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين».
وان قبل أو لمس بشهوة فعليه دم لقوله - تعالى -: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فسوق ولا جدال في الحج} دل أن القبلة واللمس محظورلإحرام.
ومن جامع في أحد السبيلين قبل الوقوف بعرفة فسد حجه وعليه شاة ويمضي في الحج كما يمضي من لم يفسد حجه.
وعليه القضاء كذلك روي عن ابن عباس وليس عليه أن يفارق امرأته إذا حج في سنة أخرى، لأنه تعريض لها على الزنا.
ومن جامع بعد الوقوف بعرفة لم يفسد حجه، وعليه بدنة. كذا رويعن ابن عباس رضي الله عنه، - وإن جامع بعد الحلق فعليه شاة لأنه محرم بعد، ومن جامع في العمرة قبل أن يطوف أربعة أشواط أفسدها ومضى فيها وقضاها وعليه شاة، لأنه لم يأت بأكثر طواف العمرة وكفارته دون كفارة الحج، وإن وطاء بعد ما طاف أربعة أشواط فعليه شاة، ولا تفسد عمرته ولا يلزمه قضاؤها، لأنه لو اقتصر على أربعة أشواط تجوز عمرته وعليه لترك الثلاثة الأشواط دم، فكذاهذا. ومن جامع ناسياً كان كمن جامع عامداً لإطلاق النص، وقد ورد الفارق بين الناسي والعامد في الصوم فقط.
فصل
ومن طاف طواف القدوم، محدثاً، فعليه صدقة، لأن تركه لا يوجب شاة فالحدث دونه، وإن طاف طواف الزيارة محدثاً فعليه شاة، لأنه فرض الحج ولو طاف جنباً فعليه بدنة، والأفضل أن يعيد الطواف ما دام بمكة ليصير آتياً بالطواف الكامل، لأن الطواف صلاة بالحديث فمن طاف يجوز، ومن حيث أنه صلاة لا طواف الصدر محدثاً فعليه صدقة لأن بتركه تجب شاة والإتيان به محدثاً دون الترك.
ومن ترك من طواف الزيارة ثلاثة أشواط فعليه شاة، لأنه لو ترك الأكثر وهو أربعة أشواط فصاعداً بقي محرماً أبداً حتى يطوفها لأن الطواف فرض الحج وهو طواف الزيارة، قال الله - تعالى: {وَلْيَطُوفُوا بِالْبَيْتِ العتيق}. ولو ترك ثلاثة أشواط من طواف الصدر فعليه صدقة، لأنه دون تركه، وتركه أو ترك الأكثر منه يوجب الدم ومن ترك السعي بين الصفا والمروة تم حجه، لأنه ليس بفرض، لأن دليل الفرضية الكتاب أو السنة المتوارثة ولم يوجد وعليه دم، لأنه واجب دل على أنه ليس بفرض قوله - تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَظُوفَ بِهِمَا} قوله {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ}، يدل على الإباحة إلا أن النبي صلى الله عليه
الجزء 1 · صفحة 63
وسلمسعى.
ومن أفاض من عرفة قبل الإمام فعليه دم، لأن النبي - عليه السلام - وقف إلى آخر النهار وقال: من أدرك عرفة بليل فقد أدرك الحج". ومن ترك الوقوف بالمزدلفة فعليه دم لأنه ترك الواجب فإن النبي - عليه السلام - قال: «من وقف معنا هذا الموقف وصلى معنا هذه الصلاة وكان وقف قبل ذلك بعرفة فقد تم حجه»
علق به تمام الحج، ومن ترك رمي الجمار في الأيام كلها، أور. يوماً، فعليه دم، وكذا لو ترك رمي جمرة العقبة يوم النحر لأنه وإن ترك رمي جمرة من الجمار الثلاث يوماً من الأيام الثلاثة فعليه الصدقة. لأن ترك وظيفة اليوم توجب الدم فما دونه يوجب الصدقة. ومن أخر الحلق حتى مضت أيام النحر فعليه دم عند أبي حنيفة رحمه الله - لقوله - تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا} تفتهم وليوفوا لدورهم معطوفاً على نحر البدن، فاختص بأيام النحر، فالتأخير. عن محظور، أو عند أبي يوسف ومحمد، لا يجب لتأخير النسك دم، روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم، - سأل عمن يحلق قبل أن يذبح فقال: افعل ولا حرج، فما سأل عن شيء يومئذ إلا قال: افعل ولا حرج وكذا إذا أخر طواف الزيارة عن أيام النحر فعليه دم عند أبي. - رحمه الله.
فصل
إذا قتل المحرم صيداً أو دل عليه فعليه الجزاء لقوله تعالى: {وَمَن قَتلَه مِنكُم مُتَعَمِّدًا فَجَزَاهُ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ}، قال ابن عباس رضي الله عنه: على الدال الجزاء والعامد والناسي والمبتداء والعائد سواء لعموم قوله - تعالى -: {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم متعمدا} في معناه، لأنه متلف المحل، والجزاء عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله - قيمة الصيد في المكان الذي قتله. أو في أقرب المواضع منه، يقومه دوا عدل منكم
ثم هو مخير في القيمة إن شاء ابتاع بها هدياً فذبحه إن بلغ يا هديا، أو اشترى بقيمته طعاماً، فتصدق على كل مسكين نصف صاع، أو يصوم بقدر طعام كل مسكين يوماً، لقوله - تعالى -: {يَحْكُمُ بِهِ. ذَوَا عَدْل ينكُمْ هَدْيا بلغ الكعبة}، فلهذا لا يجوز الهدي إلا بالغ الكعبة أو كثرة طَعَامُ مَسَكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيَامًا يعني عدل الطعام صياماً فإن فضل من الطعام أقل من نصف صاع فهو مخير إن شاء أطعمه وإن شاء صام عنه يوماً لأن الصوم لا يتجزأ. وقال محمد رحمه الله. - يجب في الصيد النظير فيما له نظير
الجزء 1 · صفحة 64
ففي الظبي شاة وفي الضبع شاة وفي الأرنب عناق وفي النعامة بدنة وفي اليربوع جفرة، لأن الله ـ تعالى ـ أمر بالمثل، أن مثل الحيوان قيمته قال الله - تعالى -: {فَجَزَاهُ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النعم} وقال: {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ ثم في إتلاف الحيوان القيمة مفهومة من اسم المثل، كذا هذا.
ومن جرح صيداً، أو نتف شعره، أو قطع عضواً منه، ضمن ما نقصه، لأن إتلاف الكل يوجب ضمان الكل فإتلاف البعض يوجب ضمانه. وإن نتف ريش طائر، أو قطع قوائم صيد فخرج من حيز الامتناع، فعليه قيمته كاملا لأنه أتلف عليه معنى الصيدية. ومن كسر بيض صيد فعليه قيمته لقوله - تعالى -: {لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ ورِ مَا حُكُمْ}، قيل ما تناله الأيدي هو البيض، فإن خرج من البيض صيد ميت فعليه قيمته، لاحتمال أنه المتلف.
وليسفي قتل الغراب والحدأة، والذئب، والحية، والعقرب، والفأرة، جزاء، لقوله ـ عليه السلام - «خمس من الفواسق يقتلن الحل والحرم بلا جزاء الحدأة، والحية والعقرب، والفأرة، والكلب العقوره» والذئب في معناه، وليس في قتل البعوض، والبراغيث، والقراد شيء، لأنها مؤذية، ومن قتل قملة تصدق ما شاء، لأن قتلها من إزالة الشعث، لأنها تنشأ من الدرن على البدن، ومن قتل جرادة تصدة بما - رضي الله عنه: يا أهل حمص إنكم قوم دراهمكم شاء، قال عمر كثيرة تمرة خير من جرادة. ومن قتل ما لا يؤكل لحمه من السباع والصيد ونحوها فعليه الجزاء، لأن قوله - تعالى -: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُم حُرم}، يتناول كل ممتع بقوائمه وجناحيه لقول الشاعر: صيد الملوك أرانب وثعالب فإذا ركبت فصيدي الأبطال ولا يتجاوز بقيمتها شاة، لأنه لا يزيد عليه ظاهراً.
وإن صال السبع على محرم فقتله المحرم فلا شيء عليه، لأنه يجب عليه الدفع.
وإن اضطر المحرم إلى أكل الصيد فقتله فعليه الجزاء، لأنه بقي صيداً اسماً وعرفاً، ولا بأس بأن يذبح، المحرم الشاة والبقرة والبعير والدجاجة والبط الكسكري لأن هذه الأشياء لا تعد من الصيد لأنها غير ممتنعة بالجناح أو القوائم، ولو ذبح الحمام المسرول أو الظبي المستأنس فعليه الجزاء، لأنهما من الصيد بالنظر إلى الأصل.
وإذا ذبح المحرم صيداً، فذبيحته ميتة لا يحل أكلها لقوله ـ عليه السلام - لأبي قتادة: هل أعنتم؟ هل أشرتم؟ - يعني إلى الصيد - قالوا: لا. قال: فكلوا إذن ولهذا قلنا إنه لا بأس للمحرم أن يأكل صيداً
أصطاده حلال وذبحه، إذا لم يدل المحرم عليه ولا أمره بصيده. وفي صيد الحرم إذا ذبحه الحلال
الجزء 1 · صفحة 65
الجزاء، لقوله - عليه السلام: ألا إن مكة حرام من حرام الله - تعالى - لا تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي. وإنما حلت لي ساعة من نهار ثم عادت حراماً إلى يوم القيامة ألا لا يختلا خلاها ولا يعضد شوكها ولا ينفر صيدها وإن قطع حشيش الحرم أو
الشجرة التي ليست بمملوكة، ولا مما ينبتها الناس فعليه القيمة، لقوله - عليه السلام: ألا لا يختلا خلاؤها نهى عن اختلاء الخلاء، المنسوب إلى الحرم وإنما ينسب إلى الحرم إذا لم يكن مملوكاً لأحد ولا منسوباً إليه بالإثبات.
في كل موضع يجب على المفرد دم واحد فعلى القارن دمان، لأنه جنى على إحرامين إحرام العمرته وإحرام لحجته إلا أن يتجاوز الميقات غير محرم ثم يحرم بالحج والعمرة فعليه دم واحد لأنه لم يجن إلا جناية واحدة. وإذا اشترك محرمان في قتل صيد فعلى كل واحد جزاء كامل جنى لأنه على إحرامه ألا ترى أن الشركة في الإتلاف فوق الدلالة، والدلالة على الصيد توجب الجزاء. وإذا اشترك حلالان في قتل الحرم فعليهما جزاء واحد، لأن الواجب ضمان المحل. وإذا باع المحرم صيداً أو ابتاعه، فالبيع باطل، لأنه فوق الدلالة
باب الإحصار
إذا أحصر المحرم، بعدو، أو أصابه مرض منعه من المضي جاز له التحلل، وقيل له ابعث شاة تذبح في الحرم، وواعد من يحملها ليوم بعينه يذبحها فيه، ثم تحلل وإن كان قارناً بعث بدمين لقوله - تعالى -: {فإن أَحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهدي والهدي هو المبعوث إلى الحرم ولهذا قلنا لا يجوز ذبحه إلا في الحرم ويجوز ذبحه قبل يوم النحر عند أبي حنيفة - رحمه الله - لإطلاق النص، وعندهما لا يجوز إلا يوم النحر، استدلالاً، بالضحايا، ولأنه خلف الحج، فلا يجوز مع القدرة على الأصل، وإنما يعجز مطلقاً عن الحج بعد فوات وقت الحج، وهو عند صبيحة يوم النحر، حتى لو كان محصراً بالعمرة يجوز ذبحه متى شاء، لأن فوات وقتها لا يتصور.
والمحصر بالحج إذا تحلل فعليه حجة وعمرة، أما الحجة فقضاء وأما العمرة فلان فاسد الحج يتحلل بأفعال العمرة، وعلى المحصر بالعمرة القضاء، وعلى القارن حجة وعمرتان، حجة وعمرة قضاء. وعمرة لفساد الحج. وإذا بعث المحصر هدياً وواعدهم أن يذبحوا في يوم بعينه ثم زال الإحصار فإذا قدر على إدراك الهدي والحج لم يجز له التحلل ولزمه المضي، لأنه قدر على الأصل.
الجزء 1 · صفحة 66
وإن قدر على إدراك الهدي دون الحج تحلل لفوات الأصل، وإن قدر على إدراك الحج دون الهدي جاز له التحلل استحساناً، لأن ذبح الهدي محلل، والقياس أن لا يكون له التحلل لقدرته على الأصل. ومن أحصر بمكة وهو ممنوع الوقوف والطواف كان محصراً وإن قدر على أحدهما فليس بمحصر، لأن المحصر هو الممنوع، والممنوع عن الحج هو الممنوع عن الركنين جميعاً، ولم يوجد حتى لو صار ممنوعاً عنهما جميعاً كان محصراً داخلاً في إطلاق النص.
باب الفوات
ومن أحرم بالحج وفاته الوقوف بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج، لقوله - عليه السلام - «من فاته عرفة بليل فقد فاته من الحج» وعليه أن يتحلل بأفعال العمرة يطوف ويسعى لقوله ـ عليه السلام: «من فاته الحج يحل بعمرة ويقض الحج من قابل» ولا دم عليه، والعمرة لا تفوت، لأنه يجوز فعلها في سائر السنة، إلا خمسة أيام يكره فعلها يوم عرفة ويوم النحر، وأيام التشريق، لأنها مشغولة، بأفعال الحج. والعمرة سنة وهي الإحرام والطواف والسعى.
باب الهدي
الهدي أدناه شاة وهو من ثلاثة أنواع الإبل والبقر والغنم، لأن الهدي ما يهدى إلى الكعبة يجزاء في ذلك الثني فصاعداً، لقوله - عليه السلام -: «اضحوا بالثنيان» ويجوز من الضأن فقط الجذع لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه يرفعه: «نعم الأضحية الجذع من الضأن، إذا كان ضخماً عظيماً».
ولا يجوز في الهدي مقطوع الأذن، لقوله - عليه السلام -: «استشرفوا العين والأذن» وكذلك مقطوع الذنب أو اليد أو الرجل أو ذاهب العين أو العجفاء أو العرجاء التي لا تمشي إلى المنسك، لحديث جابر يرفعه:
لا تضحوا بالعرجاء البين عرجها ولا بالعوراء البين عورها، ولا بالعجفاء اليين ظلعها ولا بالكبيرة التي لا تنقى.
والبقرة والبدنة يجوز كل واحد منهما عن سبعة لقوله ـ عليه السلام: «البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة» فإن أراد أحد الشركاء بنصيبه اللحم لم يجز من لأنه لم يصر كلها لله - تعالى -، وقال النبي - عليه السلام -: «انا أغني الشركاء عن الشرك فمن عمل لي عملاً وأشرك فيه غيري فأنا منه بري».
ويجوز الأكل من هدى التطوع والمتعة والقرآن، كما في الأضاحي، ولا يجوز الأكل من بقية الهدايا
الجزء 1 · صفحة 67
لأن في الجنايات يجب التكفير وذلك بالتصدق وإراقة الدم جميعاً.
ولا يجوز ذبح هدي التطوع والمتعة والقرآن إلا يوم النحر، لقوله - تعالى -: {ومن لم يجدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ في الحج} فكذلك الأصل وهو دم المتعة، ويجوز ذبح بقية الهدايا أي وقت شاء لإطلاق النصوص، إلا أن الهدي لا يجوز ذبحه إلا في الحرم، لقوله - تعالى -: {هَدْيا بالغ الكعبة}، ولأن الهدي ما يهدى ولا يتصور إلا بالنقل إلى مكان ولا مكان ورد الشرع بالنقل إليه إلا الكعبة.
ويجوز التصدق بها على مساكين الحرم وغيرهم، لإطلاق النص. ولا يجب التعريف بالهدايا، لأن النص يأمر بالهدي، ولأنه لا ينبيء عن التعريف. والأفضل في البدن النحر لقوله - تعالى -: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر} أي أنحر الجزور وفي البقر الذبح قال الله - تعالى -: أن تذبحوا بقرة وكذلك في الغنم، لقوله - تعالى – {وَفَدَيْتَه بذبح عظيم} وهو ما أعد للذبح، وهو الكبش في التفسير
والأولى أن يتولى الإنسان ذبحها بنفسه، إذا كان يحسن ذلك، لقوله - عليه السلام - لفاطمة،: «يا فاطمة قومي إلى أضحيتك» ولأنه قربة، وفي القربات الأولى أن يتولى بنفسه، إظهاراً للخضوع والضراعة ويتصدق بجلالها وخطامها ولا يعطي أجرة الجزار منها، كذلك أمر النبي - صلى الله عليه وسلم ومن ساق بدنة فاضطر إلى ركوبها ركبها وإن استغنى لم يركبها، لأنه يجب تعظيم شعائر الله - تعالى وإن كان بها لبن لم يحلبها وينضح ضرعها بالماء البارد حتى ينقطع اللبن، لأنه من أجزائها. ومن ساق هدية فعطب، فإن كان تطوعاً فليس عليه غيره، لأنه فات المحل وإن كان واجباً يقيم غيره مقامه ليسقط عنه الواجب، وكذلك لو أصابه عيب كبير أقام غيره مقامه، وصنع بالمعيب ما شاء، لأن الواجب عنه قد سقط بالكامل.
وإذا عطبت البدنة بالطريق يفعل بها ما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ ناجيه الأسلمي حين بعثه بهداياه و قال: «انحرها واصبغ نعلها بدمها، واضرب بها صفحة سنامها وخل بينها وبين الناس، ولا تأكل أنت ولا أحد من رفقتك يعني إذا كانوا أغنياء».
وإن كانت واجبة أقام غيرها، مقامها لأن الواجب لا يتأدى بالذي عطب بالطريق ويفعل بها ما شاء.
ويقلد هدي التطوع والمتعة والقران لأن التقليد إظهار المتعة والقرآن، وأنهما من الطاعات، وإظهار الطاعات ليقتدي به حسن، قال الله تعالى: {إن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِىَ} ولا يقلد دم الإحصار،
الجزء 1 · صفحة 68
ولا دم الجنايات لأنه يؤدي إلى إظهار الجنايات والواجب هو الستر مهما أمكن تقليلاً للفاحشة، كما قال - صلى الله عليه وسلم - «من أصاب من هذه القاذورات شيئاً، فليستتر بستر الله - تعالى -» والله أعلم.
كتاب النكاح
النكاح ينعقد بالإيجاب والقبول بلفظين يعبر بهما عن الماضي، أو يعبر بأحدهما عن الماضي والآخر عن المستقبل، مثل أن يقول الرجل زوجني ابنتك فيقول الآخر قد زوجتك لأن الملتمس وكل المأمور به فقام المأمور بهما جميعاً، والواحد يقوم بطرفي عقد النكاح.
ولا ينعقد نكاح المسلمين إلا بحضور شاهدين حرين عاقلين بالغين مسلمين، لقوله ـ عليه السلام: لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل أو حضور رجل وامرأتين، لقوله - تعالى - {فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ عقيب قوله - تعالى -: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن يُجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ}، يعني فإن لم يكن الشاهدان رجلين فرجل وامرأتان عدولاً كانوا أو غير عدول، لإطلاق النص فالنكاح ينعقد بشهادة الفساق والمحدودين في القذف عندنا، لقوله ـ عليه السلام -: «لا نكاح إلا بشهود» والشهود هو الحضور من غير شرط العدالة وقد وجد خلافاً للشافعي- رحمه الله مسلم تزوج، ذمية بشهادة ذميين، جاز عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله ـ لأن الشهادة بالملك عليها والذميان يصلحان شاهدين عليها، وقال محمد - رحمه الله _ لا يجوز، لأن العقد يلزمهما. ولا يجوز للرجل أن يتزوج بأمه، ولا جداته، من قبل الرجال والنساء، لقوله - تعالى -: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أَنْهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ}، ولا ببنته ولا ببنت ولده وإن سفلت، لقوله - تعالى -: وَبَنَاتُكُمْ ولا بأخته ولا بينات أخته، ولا بينات أخيه، ولا بعمته، ولا بخالته للنص ولا بأم امرأته التي دخل ببنتها أو لم يدخل، لقوله - تعالى -: {وَأُمَّهَاتُ نِسَآبِكُمْ} مطلقاً، ولا ببنت امرأته التي دخل بها، لقوله - تعالى -: {وَرَبِّكُمُ الَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَايِكُمُ الَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُم} وكذا لو لم تكن في حجره، لأن الحجر مذكور على وفق العادة ولا بامرأة أبيه وأجداده، لقوله - تعالى -: {وَلَا تَتَنكِحُوا مَا نَكَحَ وَابَاؤُكُم} ولا بامرأة ابنه وبني أولاده، لقوله - تعالى -: {وَحَلَبِلُ أَبنَا بِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَبِكُمْ}. ذكر الأصلاب كيلا يظن به للابن المتبنى، كما قال -
تعالى -: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدُ مِنْهَا وَطَرًا زَوَحْتَكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوج أَدْعِبَابِهِمْ إِذَا فَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً} أي الحاجة. ولا بأمه من الرضاعة أو أخته من الرضاعة لقوله - تعالى -: {وَأَنْهَتُكُمُ
الجزء 1 · صفحة 69
الَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَعَةِ} وقوله - عليه السلام: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» ولا يجمع بين أختين بنكاح، لقوله - تعالى -: {وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ}، ولا بملك يمين في الاستمتاع لقوله ـ عليه السلام: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمعن ماءه في رحم أختين،.
ولا يجمع بين المرأة وعمتها و خالتها ولا على بنت أخيها ولا علي بنت أختها لقوله - عليه السلام: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا على ابنة أختها ولا على ابنة أخيها لتكفي ما في صحفتها، و الحديث المشهور يقضي على عموم الكتاب ولا يجمع بين امرأتين لو كان إحداهما رجلاً لم يجز له أن يتزوج بالأخرى، لأن القرابة المحرمة للنكاح محرمة للقطع، والجمع بينهما في النكاح سبب للقطع.
ولا بأس بأن يجمع بين امرأة وبين بنت زوج كان لها قبله لأن الحرمة ليس بسبب الرحم.
ومن زنى بامرأة حرمت عليه، أمها وابنتها لأن في الوطء الحلال إنما حرم لوجود سبب الجزئية والبعضية وقد وجد هاهنا. وفيه خلاف الشافعي- رحمه الله .. وإذا طلق الرجل المرأة طلاقاً بائناً أو رجعياً لم يجز له أن يتزوج: بأختها حتى تنقضي عدتها وقال الشافعي رحمه الله ـ في الطلاق البائن يجوز، لأنه لا يكون جمعاً بينهما نكاحاً لزوال الملك، لنا أنه جمع بينهما نكاحاً من و وجه، فحرمت من وجه احتياطاً.
ولا يجوز أن يتزوج المولى أمنه ولا المرأة عبدها لأن المولى مالك نكاحها، فلا يصح إثبات الثابت والمرأة مالكة فلا يتحقق كونها مملوكة للتنافي.
ويجوز تزوج الكتابيات القوله - تعالى -: {وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواالكتب مِن قَبْلِكُمْ}.
ولا يجوز تزوج المجوسيات " ولا الوثنيات، لقوله - تعالى - {وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنُ}، وقال - صلى الله عليه وسلم ـ في مجوس هجر «سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا أكلي ذبائحهم»
ويجوز تزوج الصابئيات عند أبي حنيفة - رحمه الله - وعندهما لا يجوز وقيل قول أبي حنيفة - رحمه الله - فيما إذا كانوا يؤمنون بدين ويقرون بكتاب وقولهما فيما إذا كانوا يعبدون الكواكب ولا كتاب لهم، ولا خلاف فيه. ويجوز للمحرم والمحرمة أن يتزوجا في حال الإحرام، لعموم قوله -تعالى -: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاة ذَلِكُمْ}.
فصل
الجزء 1 · صفحة 70
وينعقد نكاح المرأة الحرة البالغة برضاها وإن لم يعقد عليها، ولي عند أبي حنيفة رحمه الله بكراً كانت أو ثيباً، وهو قول أبي، وعن أبي يوسف الأخير - رحمه الله ـ أنه لا ينعقد إلا بولي، وعند محمد - رحمه الله - ينعقد موقوفاً على إجازة الولي وعند الشافعيرحمه الله - لا ينعقد أصلا لقوله - صلى الله عليه وسلم ـ: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل»، ولهما قوله -صلى الله عليه وسلم: «الأيم أحق بنفسها من وليها».
ولا يجوز للولي إجبار البالغ على النكاح، وله إجبار الصغيرة والصغير، بكراً كانت أو ثيباً عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله. علة الولاية بكارة، البنت بالغة كانت أو صغيرة لأنها لم تمارس الرجال، ولم تقف على مصالح النكاح و مفاسده.
ولنا أن الصغير والصغيرة لا يعرفان مصالح النكاح للقصور عقلهما، فوجب أن يقوم مقامهما أقرب الناس إليهما، بخلاف الكبيرة، لأنها بالعقل وقفت على مصالح النكاح فلا يجوز إبطال ولايتها على نفسها.
وإذا استأذنها الولي فسكتت أو ضحكت وهي بكر فذلك إذن لقوله - صلى الله عليه وسلم «تستأمر النساء في أبضاعهن فقالت عائشة رضي الله عنها -: إن البكر لتستحي يا رسول الله، فقال: إذنها صماتها».وكذلك الضحك دليل الرضى وإن أبت لم يزوجها.
وإذا استأذن الشيب فلا بد من رضاها بالقول، لقوله - عليه السلام: «تستأمر النساء في أبضاعهن» وكذلك ما يدل عليه من الفعل. وإذا زالت بكارتها بوثبة أو دورة حيض أو جراحة أو تعنيس فهي بكر، لأن البكر من يكون مصيبها أول مصيب لها، ذلك ومن بكرة النهار و باكورة الثمار، ولهذا لو أوصى لأبكار بني فلان دخلت في الوصية. وإن زالت بكارتها بزنا فكذلك عند أبي حنيفة - رحمه الله. وعندهما تستنطق لأنها ثيب قال ـ عليه السلام -: «الثيب تشاور» ولأبي حنيفة - رحمه الله إنها مستحية كالبكر.
وإذا قال الزوج بلغك النكاح؟ فسكت وقالت بل رددت، فالقول قولها، لأنها منكرة ولا يمين عليها، لأن عند أبي حنيفة رحمه الله لا يستحلف في والولاء، الاشياء الستة النكاح، والرجعة، والرق، والفيء والإيلاء والاستيلاد في النسب، وعندهما يستحلف لأن فائدة الحلف ظهور الحق بالنكول. والنكول بدل عند أبي حنيفة - رحمه الله ـ صيانة للمسلم أن يظن به الكذب والبدل لا يجري
الجزء 1 · صفحة 71
في هذه الأشياء. وعندهما النكول إقرار لأن الحلف لما وجب عليه فتركه لأمر أوجب منه، وهو الاحتراز عن اليمين الكذابة المهلكة والإقرار يجري في هذه الأشياء.
وينعقد النكاح بلفظ النكاح والتزويج والتمليك وينعقد الهبة بلفظ والصدقة عندنا وقال الشافعي رحمه الله لا ينعقد، لأن الله - تعالى - قال: {خَالِصَةً لَكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينُ}.
ولنا: ظاهر الآية و قوله: {خَالِصةً لك} يحتمل نفس المرأة، ولا ينعقد بلفظ الإجارة والإعارة والتحليل والإحلال والإباحة، لأن هذه الألفاظ لا تتعرض لملك العين والمملوك بالنكاح في معنى ملك العين، ولهذا كان التأبيد من شرطه كالبيع، لا كالإجارة.
فصل
والولي العصبة لقوله - عليه السلام: الإنكاح إلى العصبات فإن زوجها الأب أو الجد فلا خيار لهما بعد بلوغهما، وإن زوجها غير الأب و الجد فلكل واحد منهما الخيار إذا بلغ، وعند أبي يوسف -رحمه الله، لا خيار الا، لأن النكاح صدر عن كمال عقل وكمال رأفة، ولهما أن في الشفقة خللاً، فلهما الخيار، دفعاً للضرر.
ولا ولاية لعبد لأنه لا يملك نفسه ولا لصغير لأنه لا يملك على نفسه شيئاً، ولا مجنون، ولا كافر على مسلم لقوله - تعالى: {وَلَن يَجْعَلَ اللهُ الكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}. وقال أبو حنيفة ـ رحمه الله يجوز لغير العصبات من الأقارب التزويج لوجود الداعي إلى الشفقة ووجود كمال الرأي وعند أبي يوسف ومحمد - رحمه الله - لا يجوز، لأن قوله ـ عليه السلام -: «الإنكاح إلى العصبات يقتضي أن يكون جميع الإنكاح إليهم».
وإن كانت المعتقة لا ولي لها فوليها من أعتقها، لقوله - عليه السلام - «لذلك الرجل وإن مات ولم يترك وارثاً كنت أنت عصبته مع قوله - عليه السلام: الانكاح إلى العصبات».
وإذا غاب الولي الأقرب غيبة منقطعة جاز لمن هو أبعد منه أن يزوجها،، وعند الشافعي - رحمه الله - لا يجوز، لأن. عنده لو زوج الأقرب حيث هو يجوز ولنا أنه يؤدي إلى إبطال حقها في إنكاح الكفوء.
والغيبة المنقطعة، أن يكون في بلد لا تصل إليه القوافل في السنة إلا مرة، والأقرب إلى الفقه أن لو انتظر يفوت الكفوء الخاطب، لأنه حينئذ يبطل حقها في الكفوء الخاطب مع قلة وجوده.
الجزء 1 · صفحة 72
والكفاءة معتبرة في النكاح لقوله - عليه السلام: «قريش بعضهم أكفاء لبعض»، و لأن مصالح النكاح لا تتحقق إلا بطاعتها إياه ولا تطيعه مع عدم الكفاءة ظاهرا والكفاءة تعتبر، في النسب والدين والمال، أما النسب لقوله -عليه السلام - قريش بعضهم أكفاء بعض، وكذلك الدين لأنه أشرف أسباب الشرف والكفاءة فى المال، وهو أن يكون مالكاً للمهر والنفقة، وتعتبر في الصنائع.
فصل
إذا زوجت المرأة نفسها من كفوء ونقصت من مهرها فللأولياء حق الاعتراض عند أبي حنيفة - رحمه الله - حتى يتم لها مهر مثلها أو يفارقها، وقالا ليس لهم حق الاعتراض، لأن المهر خالص حقها، ولأبي حنيفة - رحمه الله - أنهم يعيرون بقلة مهرها كما يعيرون بعدم الكفاءة.
وإذا زوج الأب بنته الصغيرة وقصر من مهر مثلها أو ابنه وزاد في مهر امرأته جاز ذلك عليهما عند أبي حنيفة أبي حنيفة - رحمه الله ـ، لأن شفقته تمنعه من الاضرار بهما، وفي النكاح من الأغراض الخفية، وبه فارق البيع وفارق غير الأب والجد، وعندهما لا يجوز، لوجود الضرر ظاهراً. ويصح النكاح وإن لم يسم فيه مهراً، لأن الأصل هو تمليك المرأة نفسها.
وأقل المهر عشرة دراهم لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا مهر أقل من عشرة دراهم» وإن سمي | أقل من عشرة فلها عشرة للحديث،
ومن سمى مهراً عشرة أو زاد فعليه المسمى إن دخل بها، لأنها أوقته أحد العوضين فيجب عليه العوض الآخر وكذلك إن مات عنها، لأنه تم العقد بانتهائه، وإن طلقها قبل الدخول بها والخلوة، فلها نصف المسمى، لقوله - تعالى -: {وَإِن طَلَقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} والخلوة مكملة للمهر إذا كانت صحيحة، لقوله - تعالى -: {وَكَيْفَ تَأخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ أي دخل في الفضاء وهو المكان الخالي،، وفيه خلاف الشافعي.
وإن تزوجها ولم يسم لها مهراً أو تزوجها على أن لا مهر لها فلها مهر مثلها إن دخل بها أو مات عنها، لحديث عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه - أنه قال: «من تزوج امرأة ولم يسم لها مهراً: أن لها مهر مثل نسائها، ولا وكس فيه ولا شطط وان، طلقها قبل الدخول، ولم يسم لها مهراً، فلها المتعة لقوله. لي: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَنْعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِع قَدَرُهُ وَعَلَى
الجزء 1 · صفحة 73
الْمُقْنِرِ قَدَر}.
والمتعة ثلاثة أثواب درع وخمار وملحفة من كسوة مثلها على قدر فقر الرجل ويساره، لأنه أقل ما تلبسه المرأة عند الخروج.
وان تزوج المسلم على خمر أو خنزير فالنكاح جائز ولها مهرمثلها، لأن الخمر والخنزير ليس بمال في حق المسلم. وإن تزوجها ولم يسم لها مهراً ثم تراضيا على تسميته [فهو] لها إن دخل بها أو مات عنها.
وإن طلقها قبل الدخول فلها المتعة.
وإن زادها، في المهر بعد العقد لزمته الزيادة وتسقط بالطلاق قبل الدخول وقال أبو يوسف - رحمه الله - لا تسقط الزيادة بالطلاق قبل الدخول بل تنتصف. ولا تجب المتعة فيما إذا طلقها قبل الدخول وقد فرض لها بعد العقد ولم يسم لها في العقد شيئاً، بل يجب نصف المفروض، لإطلاق قوله - تعالى -: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ مطلقا ولأبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - أنه ينصرف إلى الفرض المعتاد، وهو عند العقد، وإن حطت عنه من مهرها صح الحط، لأنه حقها وملكها.
فصل
وإذا خلا الزوج بامرأته وليس هناك مانع من الوطء ثم طلقها قبل الدخول بها فلها كمال مهرها، فإن كان أحدهما مريضاً أو صائماً في رمضان أو محرماً بحج أو عمرة أو كانت حائضاً أو نفساء، فليست بخلوة صحيحة لوجود المانع حقيقة أو شرعاً.
وإذا خلا المجبوب بامرأته فلها كمال المهر عند أبي حنيفة رحمه الله - وعندهما لا يجب لأن المانع موجود ولأبي حنيفة -رحمه الله ـ أن الواجب عليها التسليم بأقصى إمكانها، وقد وجد، وهذا العذر لا يتصورزواله بخلاف المرض والصوم والإحرام، لأن التسليم بأقصى من ذلك ممكن بأن تسلم نفسها بلا عذر.
وتستحب المتعة لكل مطلقة لقوله - تعالى -: {مَتَعَاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} ودفعاً لوحشة الفراق إلا التي طلقها قبل الدخول وقد سمي لها مهراً، لأن نصف مهرها لها لدفع وحشتها بسبب الفراق لأنه لم يستوف منها شيئاً.
فصل
الجزء 1 · صفحة 74
وإذا زوج الرجل بنته على أن يزوجه الزوج أخته أو بنته " فيكون أحد البضعين عوضاً عن الآخر فالعقدان جائزان، لأن عدم المهر لا يخل بالعقد، ولكل واحدة، مهر مثلها، لأنه لم تقع التسمية للمرأة بمال عند العقد وهو نكاح الشغار.
امرأة على خدمته سنة، أو على تعليم القرآن فلها مهر مثلها، لأنه لا خدمته مهراً لها، لأن العقد اقتضى أن تكون المرأة خادمة لا مخدومة. يصلح وإن تزوج عبد حرة بإذن مولاه على خدمتها سنة يجوز، لأنه في الحقيقة يخدم المولى معنى لما خدمها بإذنه.
فصل
وإذا اجتمع في المجنونة أبوها وابنها فالولي في نكاحها ابنها، لأنه أقرب العصبات، كما في الإرث، وقال محمد - رحمه الله أبوها، لأنه أقدمهما والأولى أن يقدم الابنُ الأب احتراماً له.
فصل
ولا يجوز نكاح العبد والأمة إلا بإذن، مولاهما، لأنه مالك لهما، وإذا تزوج العبد بإذن مولاه فالمهر دين في رقبته تباع فيه، لأنه دين ظاهر في حق المولى واجب على العبد فتعلق برقبته كسائر ديون تجارته. وإذا زوج المولى، أمته فليس عليه أن يؤيها بيت الزوج ولكنها تخدم المولى ويقال للزوج متى ظفرت بها، وطئتها لأن حق المولى أقوى بدليل أنه يدخل فيه ملك المتعة تبعاً.
وإذا تزوجها على ألف على أن لا يخرجها من البلد، أو على أن لا يتزوج عليها، فإن وفى بالشرط فلها المسمى، وإذا لم يف بالشرط فلها مهر، لأنها لم ترض بنقصان مهر المثل، إلا بذلك الشرط المفيد في المثل حقها، وإن تزوجها على حيوان غير موصوف فلها مهر مثلها وإن تزوجها على فرس أو على حمار صحت التسمية ويجب الوسط منه، والزوج مخير إن شاء أعطاها القيمة وإن شاء أعطاها ذلك لأن الوسط أعدل، ولا تؤدي، هذه الجهالة إلى المنازعة المانعة من التسليم والتسلم في النكاح، لأنه يسامح فيه عادة، بخلاف البيع حيث لا يجوز هذا الوجه، لأنه تضايق فيه عادة.
ولو تزوجها على ثوب ولم يزد عليه يجب مهر المثل لأن الثوب أجناس شتى فصار كأنه تزوجها على حيوان، ولم يزد على ذلك يجب مهر المثل كذا هذا.
ونكاح المتعة وشرط التوقيت يبطل النكاح، لحديث عمر، رضي الله عنه -: «متعتان كانتا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أنهي عنهما وأعاقب عليهما ولو تقدمت فيهما لرجمت
الجزء 1 · صفحة 75
متعة النساء ومتعة الحج».
وإذا تزوج العبد والأمة بغير إذن المولى فالعقد موقوف لقصور ولايتهما فإن أجازه جاز، وإن رده بطل، وكذلك لو زوج رجل رجلاً بغير رضاه أو امرأة بغير رضاها، لأن الأهلية والمحلية وركن التصرف، والفائدة قد وجدت إلا أن الرضى غير موجود فينعقد ولا ينفذ.
ويجوز لابن العم أن يزوج بنت عمه لنفسه، لأنه وليها والواحد يقوم بطرفي عقد النكاح، لأن التمانع في الحقوق وفي النكاح حقوق العقد، لا يرجع إلى العاقد.
وإذا أذنت المرأة للرجل أن يزوجها من نفسه، فعقد بحضرة شاهدين جاز. وإذا ضمن الولي المهر صح ضمانه، لأنه سفير ومعبر، وللمرأة الخيار في مطالبة زوجها أو وليها، لأنه كفيل وأصيل.
فصل في النكاح الفاسد
وإذا فرق القاضي بينهما في النكاح الفاسد قبل الدخول فلا مهر لها عليه، لأنه لم يستوف منها شيئاً والنكاح الفاسد غير داخل في قوله: تعالى -: {وَإِن طَلَقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} الآية لأن التطليق رفع النكاح من كل وجه، ولم يوجد النكاح من كل وجه وكذلك بعد الخلوة، لأن فساد النكاح يمنع صحة الخلوة، فإن دخل بها فلها مهر المثل لا يزاد على المسمى، لأن الوطء في المحل المعصوم سبب، للضمان الجابر أو الحد الزاجر، وقد تعذرإيجاب الحد، فيجب المهر ولا يجب المسمى لفساد التسمية، ولكن لا يزاد على المسمى، لأن ما زاد على أقل المهر شرعاً يجب لحقها، وقد رضيت بقدر المسمى، وعليها العدة ويثبت نسب ولدها، لوجود النكاح من وجه والنسب مما يثبت بأدنى شبهة لما فيه من إحياء الولد، وتجب العدة صيانة للنسب عن الاشتباه.
ومهر مثلها يعتبر بأخواتها وعماتها وبنات عمها، ولا يعتبر بأمها وخالاتها لقول ابن مسعود - رضي الله عنه - لها مهر مثل نسائها وإنما يضاف إلى أقارب الأب، لأن السبب إليهم ولا تنسب إلى أقارب الأم. ويعتبر في مهر المثل أن تتساوى المرأتان في السن والجمال والمال والعقل والدين والبلد والعصر، لأن المهر يتفاوت بتفاوت هذه الأشياء، والحديث أوجب لها مهر مثل نسائها.
فصل
ويجوز تزويج الأمة مسلمة كانت أو كتابية، لقوله - تعالى -: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ المُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ فَمِن مَا مَلَكَتْ أَيْمَنَكُم مِّن فتياتكُمُ الْمُؤْمِنَتِ}، وقال - تعالى -: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا
الجزء 1 · صفحة 76
نَتعدِلُوا فَوَاحدة أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانَكُمْ}، ولا يجوز تزويج الأمة على الحرة، ويجوز تزويج الحرة عليها لقوله - عليه السلام - «لا تنكح الأمة على الحرة، وتنكح الحرة على الأمة».
وللحر أن يتزوج أربعاً من الحرائر والإماء، لقوله - تعالى -: {مثى وَثُلَثَ وَرُبَعَ} وليس له أن يتزوج بأكثر من الأربع من الحرائر والإماء، لقوله - تعالى -: وَرُبع ولو زاد لصار خمساً، ولم يدخل تحت التحليل ولا يجوز للعبد أن يتزوج أكثر من اثنتين، لأن ملكه على النصف من ملك الحر، فإن طلق الحر إحدى الأربع طلاقاً بائناً لم يجز له أن يتزوج برابعة. ا حتى تنقضي عدتها، كما في نكاح الأخت في عدة الأخت إذ الجمع بين الخمس حرام كما في الأختين.
وإذا زوج الأمة مولاها ثم أعتقت فلها الخيار، حراً كان أو عبداً، وكذلك المكاتبة لقوله - عليه السلام - البريرة - رضي الله عنها ـ لما أعتقت: «ملكت بضعك فاختاري.
وإن تزوجت أمة بغير إذن مولاها ثم عتقت فالنكاح جائز، لأن المانع حق المولى وقد زال؛ فأما النكاح صحيح لصدور ركنه من الأهل في المحل، ولا خيار لها، لأن النكاح نفذ على المحل بعد العتق.
فصل
وإذا تزوج امرأتين في عقد واحد وإحداهما لا يحل له نكاحها جاز نكاح التي حل نكاحها وبطل نكاح الأخرى، لأن المانع في إحديهما.
فصل
وإذا كان بالزوجة عيب فلا خيار للزوج عندنا،، وقال الشافعي ـ رحمه الله - له الخيار في العيوب الخمسة: الجنون والجذام والبرص والقرن والرتق، لأنها مانعة من الوطء، حقيقة أو طبعاً، في الزوج، ولأصحابنا - رحمهم الله. فصار كالجب والعنة أن في الفسخ إضرار بها، فلا يجوز وحق الزوج يصير مقضياً بامرأة أخرى، وبها عند زوال المرض، ولا كذلك، المرأة، لأنه لا يمكنها التزوج بآخر.
وإذا كان بالزوج جنون أو جذام أو برص فلا خيار لها عند أبي حنيفة و أبي يوسف، - رحمهما الله، وعند محمد - رحمه الله - لها الخيار كالعنة، ولنا أن هذه الأشياء لا تمنع التحصين بالوطء. فإن كان عنيناً أجله الحاكم حولاً، فإن وصل إليها، وإلا فرق القاضي بينهما لحديث عمر- رضي الله عنه: «العنين يؤجل سنة يفرق بينهما، إن طلبت المرأة ذلك.
الجزء 1 · صفحة 77
والفرقة تطليقة بائنة، لأنه لما تعذر عليه الإمساك بالمعروف فعليه التسريح بالإحسان، وإذا لم يفعل قام القاضي مقامه ولها كمال المهر إذا خلا بها، لأن خلوة العنين صحيحة، إذا لا وقوف على حقيقة العنة، وإن كان مجبوباً فرق القاضي بينهما في الحال إن طلبت، لأن لا فائدة في الانتظار، والخصي يؤجل كما يؤجل العنين لأن الخصي لا يمنع الجماع فهو عنين مما لم يقدر فيؤجل
فصل
وإذا أسلمت المرأة وزوجها كافر عرض عليه الإسلام، فإن أسلم فهي امرأته وإن أبى فرق بينهما لأن الإسلام طاعة فلا يصلح سبباً للفرقة، وإنما المفرق إباؤه، فإن فرق بالإباء فهو طلاق، عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - وعند أبي يوسف وعند أبي يوسف - رحمه الله - فسخ. وإن ارتد الزوج بطل نكاح المرأة وهو فسخ عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله ـ وعند محمد طلاق، فعند محمد كلاهما، طلاق، لأنه رفع النكاح من جهة الزوج وعند أبي يوسف - رحمه الله ـ كلاهما فسخ لتصورهما من المرأة، وعند أبي حنيفة - رحمه الله ـ الردة فسخ والإباء طلاق عملاً بهما وإذا أسلم الزوج وتحته مجوسية عرض عليها الإسلام، فإن أسلمت فهي امرأته، وإن أبت فرق القاضي بينهما، ولم تكن الفرقة طلاقاً لصدورها من المرأة فإن كان دخل بها فلها المهر لأنه استوفى منها أحد العوضين فيجب عليه العوض الآخر، وإن ارتدت قبل الدخول سقط المهر ولا يجب لها شيء، لأنها استهلكت المبيع في النكاح قبل التسليم. وإذا أسلمت المرأة في دار الحرب لم تقع الفرقة عليها حتى تحيض ثلاث حيض، فإذا حاضت ثلاث حيض بانت من زوجها، لأن انقضاء العدة شرط الفرقة والطلاق سببها فوجب التفريق وتعذر تحصيل السبب فأقيم الشرط مقامه كما في الحافر مع الدافع،.وإذا أسلم زوج الكتابية فهما على نكاحهما، لأن النكاح بينهما ابتداء يجوز فبقاؤه أولى.
وإذا خرج أحد الزوجين إلينا في دار الحرب مسلماً وقعت البينونة بينهما، لقوله - تعالى -: {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ} فهموا من ذلك اللائي يبقين في دار الحرب بمكة، وإن سبي أحدهما وقعت البينونة بينهما بتباين الدارين، وإن سبيا معاً وأخرجا معاً لم تقع البينونة، لأن الرق لا يمنع النكاح فلا يرفع وإنما يبطل النكاح بتباين الدارين
وإذا خرجت المرأة إلينا مهاجرة جاز أن تتزوج ولا عدة عليها عند أبي حنيفة - رحمه الله - لقوله - تعالى -: {يَتأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَ كُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَاجرَاتِ} ... إلى قوله - تعالى -: {وَلَا جُنَاحَ
الجزء 1 · صفحة 78
عَلَيْكُمْ أَن تنكِحُوهُنَّ}، من غير شرط العدة، وعندهما عليها العدة، لأن ولدها من الكافر ثابت النسب، وإن كانت حبلى فلا يتزوجها حتى تضع حملها، لقوله - عليه السلام - في سبايا أوطاس «ألا لا يوطا الحبالى حتى يضعن حملهن، ولا الحيالا، حتى يستبرئن بحيضة».
وإذا ارتد أحد الزوجين عن الإسلام وقعت البينونة بينهما، لأنه لا دين له، فإن كان الزوج هو المرتد وقد دخل بها فلها المهر، وإن لم يدخل بها فلها نصف المهر كالطلاق، لأن الفرقة منه، وإن كانت الردة من المرأة قبل الدخول بانت ولا مهر لها، وإن كانت الردة منها بعد الدخول فلها كمال المهر وإن ارتدا معاً وأسلما معاً فهما على نكاحهما، كما في زمن أبي بكر، ـ رضي الله عنه - ارتدت العرب وأسلمت ولم يؤمروا بتجديد النكاح.
ولا يجوز أن يتزوج المرتد مسلمة ولا كافرة ولا مرتدة، لأن المرتد لا دين له، لأن الدين الذي انتقل إليه لا يقرر عليه شرعاً وكذلك المرتدة لا يتزوجها مسلم ولا كافر. وإذا كان أحد الزوجين مسلماً فالولد على دينه وكذلك إذا كان أحدهما كتابياً والآخر مجوسياً، فالولد كتابي يجعل الولد تابعاً لأفضلهما ديناً نظراً له. وإذا تزوج الكافر - بغير شهود أو في عدة - كافرة وذلك في دينهم جائز ثم أسلما أقرا عليه، لأنا عند كفرهما أمرنا بتركهم وما يدينون. وإن تزوج المجوسي أمه أو ابنته ثم أسلما فرق بينهما لعدم المحلية.
فصل
وإذا كان لرجل امرأتان حرتان فعليه أن يعدل بينهما في القسم بكران كانتا أو ثيبان أو إحداهما بكر والأخرى ثيب جديدة أو قديمة، لقوله - تعالى -: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ} وكان النبي - صلى الله عليه وسلم ـ يعدل. قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك.
وإن كانت إحداهما حرة والأخرى أمة فللحرة ليلتان". من القسم وللأمة ليلة كذلك ورد الحديث. ولا حق لهن في القسم حالة السفر، يسافر الزوج بمن شاء منهن كذلك كان النبي
- صلى الله عليه وسلم - يفعل و حالة السفر ليست حالة استمتاع، وإن خرج بالقرعة فهو أولى تطيباً القلوبهن، وإن رضيت إحدى الزوجات بترك قسمتها لصاحبتها جاز، لأنه حقها، ولها أن ترجع لأن ذلك في المستقبل وعد، وفي مثله نزل قوله - تعالى -: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُورًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلحاً}، روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أن ذلك في المرأة تكبر عند
الجزء 1 · صفحة 79
الزوج فتهب بعض قسمتها لصاحبتها»
كتاب الرضاع
الأصل فيه قوله - تعالى -: {وَأَنهَتُكُمُ الَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَانُكُم من الرَّضَعَةِ} وقال - عليه السلام: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسبه قليل الرضاع وكثيره سواء لإطلاق النص، وقال الشافعي - رحمه الله - لا بد من خمس رضعات، لقوله - عليه السلام: «ولا تحرم المصة ولا المصتان ولا الإملاجة ولا الإملاجتان».
ولنا عن ابن عباس انتساخه. وينبغي أن يكون في مدة الرضاع، لقوله ـ عليه السلام: «لا رضاع بعد الفطام. ومدة الرضاع عند أبي حنيفة - رحمه الله ـ ثلاثون شهراً وعندهما
سنتان لقوله - تعالى - {وَالْوَلِدَتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حولين كاملين} فإذا مضت المدة لا يتعلق به التحريم لأبي حنيفة - رحمه الله. إطلاق قوله - تعالى -: {وَأَنْهَتُكُمُ الَّتِي أَرْضَعْنَكُم} وقوله - عليه السلام: «الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم» إلا أن ما زاد على ثلاثين شهراً لا ينشر العظم ظاهراً.
و أم أخته من الرضاع لا تحرم، وأم أخته من النسب تحرم لأنها تكون أماً له أو امرأة أبيه، وكذلك في الرضاع و أخت ابنه من الرضاع تحل ولا تحل من النسب لأنها تكون ابنته أو ابنة امرأته ولا تحل امرأة أبيه، أو امرأة ابنه من الرضاع كما في النسب للحديث،
ولبن الفحل يتعلق به التحريم بأن ترضع المرأة صبية فتحرم هذه الصبية على زوجها وعلى آبائه و أبنائه، ويصير الزوج الذي نزل منه اللبن أباً للمرضعة لعموم قوله - عليه السلام: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ويجوز أن يتزوج بأخت أخيه من الرضاع، كما في النسب مثل ابن الزوج، إذا تزوج بنت المرأة وبينهما ولد فتكون المرأة للزوج أخت الأخ والزوج للمرأة أخ الأخ.
وكل صبيين اجتمعا على ثدي واحد لم يجز لأحدهما أن يتزوج بالآخر، لأن أمهما واحدة، فهما أخ وأخت ولا المرضعة أحداً ة أحداً من ولد التي أرضعت ولا ولد ولدها لأنهم أخوة للرضيع لأنهم أخوة للرضيع وأخوات.
ولا يتزوج الرضيع أخت زوج المرضعة، لأنها عمته من الرضاع وإذا اختلط اللبن بالماء واللبن هو الغالب تعلق به التحريم، وإن غلب الماء لم يتعلق به التحريم عبرة للغالب وإن اختلط بالطعام لم يتعلق به التحريم وإن كان اللبن غالباً عند أبي حنيفة - رحمه الله - وعندهما العبرة للغالب كما في الماء و لأبي
الجزء 1 · صفحة 80
حنيفة - رحمه الله ـ أن بالخلط بالطعام يصير شيئاً آخر، وإن اختلط بالدواء واللبن غالب تعلق به التحريم، وإذا اختلط اللبن بلبن شاة ينظر إلى الغالب فإن غلب لبن المرأة تعلق به التحريم، وإن غلب لبن الشاة لم يتعلق به التحريم.
وإذا اختلط لبن امرأتين ولبن أحدهما أكثر تعلق التحريم بأكثرهما عند أبي يوسف - رحمه الله - وقال محمد رحمه الله ـ بهما، لأن العمل بهما ممكن فلا حاجة إلى الترجيح.
وإذا نزل للبكر لبن فأرضعت صبياً تعلق به التحريم لإطلاق النص. وإن نزل للرجل لبن فأرضع صبياً لم يتعلق به التحريم، كما في لبن الشاة، واسم الرضاع في الشرع ينصرف إلى المعتاد ألا ترى لو شرب صبيان من لبن شاة، فلا رضاع بينهما. وإذا تزوج صغيرة وكبيرة فأرضعت الكبيرة الصغيرة حرمنا على الزوج، لأنه صار جامعاً بين الأم وبين الإبنة فإن لم يدخل بالكبيرة فلا مهر لها، لأن الفرقة بفعل من قبلها، وللصغيرة نصف المهر، لأن الفرقة قبل الدخول لا من جهتها، ويرجع به الزوج على الكبيرة إن تعمدت الفساد، وإن لم تتعمد فلا شيء عليها، لأنها سبب لفساد النكاح، وإنما يضمن المسبب إذا تعدى وإنما تصير متعدية إذا قصدت الفساد و الدليل على أنها تسببت أن الرضاع ما وضع للإفساد ولا يفضي إلى الإفساد إلا قصداً. ولا يقبل في الرضاع إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، لأنه حكم لازم للعبد.
كتاب الطلاق
أحسن الطلاق أن يطلق الرجل امرأته تطليقة واحدة في طهرواحد لم يجامعها فيه ويتركها حتى تنقضي عدتها لأنه ترك لزيادة الضرر بها وتبقية الحق لنفسه فيها.
وطلاق السنة أن يطلق المدخول بها ثلاثاً فى ثلاثة أطهار، لقوله. تعالى -: {فَطَلِقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} قال ابن عباس - رضي الله عنهما ـ: أي الإطهارعدتهن.
وطلاق البدعة: أن يطلقها ثلاثاً بكلمة واحدة أو في طهر واحد. فإذا فعل ذلك وقع الطلاق، لأنه حق له كما في التفريق ويكون عاصياً. وقال الشافعي ? رحمه الله ـ لا يكون عاصياً، لأنه مملوك له. ولنا أنه إبطال حق المرأة وإضاعة حق نفسه من غير حاجة، لأن إمارة الحاجة الإقدام عند تجديد زمان، الرغبة لأنه الذي يدل على الحاجة الماسة إلى الفرقة، فأما مجرد الضجر الطاراء في كل وقت فلا يجوزالفرقة. والسنة في الطلاق من وجهين: سنة في الوقت وسنة في العدد، فالسنة في العدد، يستوي فيه المدخول بها وغير المدخول بها لما مر. والسنة في الوقت يثبت في المدخول بها خاصة، وهو أن يطلقها في طهر لم يجامعها
الجزء 1 · صفحة 81
فيه ليكون الإقدام عند تجدد زمان الرغبة، وهو تجديد الطهر دليلاً على الحاجة وغير المدخول بها يطلقها في حال الطهر والحيض، لأن عدم الدخول سبب الرغبة عنها، ولأن الطلاق في الحيض يكره للمدخول بها لأن هذه الحيضة لا تعتبر من العدة فتؤدي إلى تطويل العدة عليها ولا كذلك قبل الدخول، لأن العدة لا تجب فيالطلاق قبل الدخول.
وإذا كانت المرأة لا تحيض من صغر أو كبر فأراد أن يطلقها ثلاثاً للسنة طلقها واحدة وبعد شهر أخرى وبعد شهر أخرى لأن الشهر في حق الآيسة والصغيرة مقام حيض وطهر.
ويجوز أن يطلقها ولا يفصل بين وطئها وطلاقها بزمان، لأنه تعذر اعتبار تجدد زمان الرغبة بتجدد الطهر في حقها.
وطلاق الحامل يجوز عقيب الجماع لهذا، ولأن الحبل منه سبب الرغبة منها، ويطلقها للسنة ثلاثاً يفصل بين كل طلاقين بشهر عند أبي حنيفة - رحمهما الله، وعند محمد وأبي يوسف وزفر - رحمهما الله الحامل لا تطلق للسنة إلا واحدة كالممتد طهرها، ولأبي حنيفة يوسف ـ رحمهما الله أن هذه معتدة بالأشهر فيجوز إيقاع الثلاث عليها، وهذا لأن سبب الرغبة قد وجد، لأن الحبل منه سبب الرغبة.
وإذا طلق الرجل امرأته في حالة الحيض الطلاق ويستحب وقع الله له أن يراجعها لقوله - عليه السلام: [في عبد بن عمر لما طلق امرأته في حال الحيض فقال - صلى الله عليه وسلم - لعمررضي الله عنه مر إبنك فليراجعها فإذا طهرت وحاضت ثم طهرت طلقها، وإن شاء أمسكها.
ويقع طلاق كل زوج إذا كان عاقلاً بالغاً، ولا يقع طلاق الصبي والمجنون، لأن لفظهما لا يدل على إرادة صحيحة.
وإذا تزوج العبد ثم طلقها وقع طلاقه ولا يقع طلاق المولى امرأته لقوله - عليه السلام: «لا يملك العبد و لا المكاتب شيئاً إلا الطلاق».
والطلاق على ضربين صريح وكناية فالصريح قوله: أنت طالق ومطلقة، وطلقتك، فهذا يقع به الطلاق الرجعي لقوله - تعالى -:: {وَالْمُطَلَّقَتُ يتربَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ} إلى قوله - تعالى -: {وَيُمُولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَزِهِنَ} ولا يقع به إلا واحدة، لأن اللفظ لا يدل على العدد، وإن نوى أكثر من ذلك لا يقع إلا واحدة، لأنه لا يدل على العدد والنية الخالية من اللفظ الدال عليها لا تفيد.
وقال الشافعي - رحمه الله - يقع عن ما نوى وكذلك قول أنت الطلاق، أو أنت طالق، الطلاق، أو
الجزء 1 · صفحة 82
أنت طالق طلاقاً، فإن لم يكن له نية فهي واحدة رجعية، وإن نوى ثلاثاً فثلاث لأن المصدر يذكر و يراد به الجنس، وإن لم ينو ينصرف إلى الواحد، لأن فيه يقيناً.
فصل في الكنايات
والكنايات لا يقع بها الطلاق إلا بالنية، أو بدلالة حال، لأنها غير موضوعة للطلاق، وفي ثلاث منها يقع الطلاق رجعياً، ولا يقع بها إلا واحدة وهي قوله: «اعتدى»، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ? قال لسودة بنت زمعة اعتدى ثم راجعها والثانية قوله: «استبرئي رحمك»، لأنه في معنى اعتدى والثالثة: أنت واحدة، معناه أنت طالق واحدة.
وبقية الكنايات إذا نوى بها الطلاق كانت واحدة باتنة عندنا، لأن اللفظ يدل على البينونة، وإن نوى ثلاثاً فثلاث، وإن نوى اثنتين كانت واحدة بائنة، لأن اللفظ لا يدل على العدد فإنما يدل على البينونة الكاملة والناقصة وهذا مثل قوله أنت «بائن و بته و بتله» و «حرام» و حبلك على غاربك و «الحقي بأهلك» و «خلية و «برية و وهبتك لأهلك» و «سرحتك» و «فارقتك» و «أنت حرة» و «تقنعي و «استبرئي و اغربي» و «ابتغي الأزواج فإن لم تكن له نية لم يقع بهذه الألفاظ طلاق لأنها تحتمل الطلاق وغيره.
فأما صريحها غير موضوع للطلاق إلا أن يكونا في مذاكرة الطلاق فيقع بها الطلاق في القضاء، ولا يقع فيما بينه وبين الله - تعالى - إلا أن ينويه لأن ذكر الطلاق يغلب على ظنوننا أنه أراد به الطلاق، وإن لم يكونا في ذكر الطلاق وكانا في غضب أو خصومة: وقع الطلاق بكل لفظ لا يقصد به السب والشتيمة، ولم يقع بما يقصد به السب والشتيمة إلا أن ينويه، لأن عند الغضب إما أن يسبها وإما أن يطلقها، فإن كان لا للسب تعين للطلاق، وإن كان يصلح للسب يصلح الطلاق بقي محتملاً فلا يقع الطلاق إلا بالنية.
فصل في وصف الطلاق
إذا وصف الطلاق بضرب من الزيادة والشدة كان بائناً، لأنه أشد من الرجعي حكماً، مثل أن يقول: أنت طالق بائن، أو طالق أشد الطلاق، أو أفحش، الطلاق، أو طلاق الشيطان، و البدعة، وكالجبل، و ملء البيت.
فصل
وإذا أضاف الطلاق إلى جملتها أو إلى ما يعبر به عن الجملة، وقع الطلاق مثل أن يقول: أنت طالق
الجزء 1 · صفحة 83
أو رقبتك طالق، أو عنقك، أو رجلك، أو بدنك، أو جسدك، أو فرجك، أو وجهك وكذلك إن طلق جزءا شائعا منها مثل أن يقول: ثلثك أو نصفك، لأنه و جزءاً شائعاً وجب التحرز عن ذلك الجزء منها، ولا يمكن ذلك إلا بالتحرز عن الكل فيجب التحرز عن الكل وإذا وجب التحرز عن الكل ارتفع النكاح، ضرورة.
وإن قال يدك طالق أو رجلك طالق لم يقع عندنا، لأن اليد تبعاً للكل فلو وقع الطلاق لصار الأصل تبعاً للتبع و قال الشافعي- رحمه الله: يقع فيه ثم في الكل ضرورة، لأن المرأة لا تتجزأ في وقوع الطلاق فيتكامل ولنا أنه أخرج الكلام مخرج الإنشاء واليد ليس بمحل لوقوع الطلاق فبطل كلامه. وإن طلقها نصف تطليقة، أو ثلث، تطليقة، كانت تطليقة واحدة. لأنه لا يتجزأ فيتكامل، لأن الواقع واقع بدليل وغير الواقع واقع بغير دليل فكان التكامل، أولى من التساقط.
وطلاق المكره والسكران واقع عندنا خلافاً للشافعي. رحمه الله - له قوله ـ عليه السلام -: رفع عن أمتي الخطأوالنسيان وما استكرهوا عليه، والمراد به الحكم، ولنا قوله ـ عليه السلام: كل طلاق جائز إلا طلاق الصبي والمجنون والمعتوه. ويقع طلاق الأخرس بالإشارة، لأن الإشارة معهودة منه يجب إقامتها مقام العبارة ضرورة.
فصل
إذا أضاف الطلاق إلى النكاح وقع عقيب النكاح مثل أن يقول: إن تزوجتك فأنت طالق، أو كل امرأة أتزوجها طالق، و قال الشافعي رحمه الله ـ لا يقع، لأنه يقع بالإيقاع، وأنه قبل النكاح محال، لنا: أنه أوقعه بعد النكاح.
وإذا أضافه إلى الشرط وقع عقيب الشرط مثل أن يقول لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق، لأنه وقع هكذا.
ولا يصح إضافة الطلاق إلا أن يكون الحالف مالكاً أو يضيفه إلى يصح ملكه، لأنه ينبغي أن يكون غالب الوجود عند وجود الشرط أو متيقن الوجود وذلك بأن يكون في الملك أو مضافاً إلى الملك، فإن قال لأجنبية إن دخلت الدار فأنت طالق ثم تزوجها فدخلت الدار لم تطلق، لأنه ليس في الملك ولا مضافاً إلى الملك.
وألفاظ الشرط: إن وإذا، ما، وكل وكلما، ومتى ومتى ما، ففي هذه الألفاظ إذا وجدت الشرط
الجزء 1 · صفحة 84
انحلت اليمين لأن المعلق بالشرط غير مکرر إلا في كلمة كلما، لأنه يوجب التكرار حتى يقع ثلاث تطليقات إذا تكرر الشرط.
فإن تزوجها بعد ذلك زوج ج آخر وتكرر الشرط لم يقع شيء عندنا خلافاً لزفر - رحمه الله - إلا إذا علق بالتزوج بأن قال: كلما تزوجتك فأنت طالق، فتزوجها ثلاثاً طلقت ثلاثاً، فلو تزوجها بعد ذلك و بعد زوج آخر طلقت أيضاً، لأن في مسألة التعليق بالتزويج تعليق بالملك وفي غير ذلك لم يتعلق بالملك وفي الملك لم يوجد إلا الطلقات الثلاث فقط وزوال الملك بعد اليمين لا يبطلها فإن وجد الشرط في الملك انحلت ووقع الطلاق ولو وجد الشرط في غير الملك انحلت اليمين ولم يقع شيء لعدم المحلية.
وإذا اختلفا في وجود الشرط، فالقول قول الزوج، لأنه منكر إلا أن تقيم المرأة بينه فإن كان الشرط لا يعلم إلا من جهتها، فالقول
قولها لأن الآخر يخبر لا عن علم مثل أن تقول: حضت وقال لها الزوج: إن حضت فأنت طالق، وإذا قال لها: إن حضت فأنت طالق وفلانة معك يعني ضرتها فقالت: قد حضت طلقت ولم تطلق فلانة، لأن قولها لا يقبل على غيرها.
وإذا قال لها: إذا حضت فأنت طالق فرأت الدم لا يُقضي بوقوع الطلاق في الحال، لاحتمال أن لا يكون حيضاً بأن ينقطع لأقل من ثلاثة أيام، فإذا تم ثلاثة أيام حكمنا بالطلاق من حين حاضت لأنها قد حاضت من ذلك الوقت وقد علق الطلاق بوجود حيضها، ولو قال لها إذاحضت حيضة فأنت طالق لم تطلق حتى تظهر من حيضها، لأن الحيضة الكاملة بالطهر، ومطلق الحيضة هي الكاملة. وطلاق الأمة تطليقتان حراً كان زوجها أو عبداً وطلاق الحرة ثلاث حراً كان زوجها أو عبداً، وقال الشافعي رحمه الله الطلاق بالرجال. و لنا قول عمر - رضي الله عنه -: «طلاق الأمة ثنتان».
فصل
وإذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً بدفعة واحدة قبل الدخول، وقعت عليها لوجود المحلية، فإن فرق الطلاق بانت بالأولى ولم تقع الثانية، لأن المحلية لم تبق، لأنها لم تبق لا في الملك ولا في العدة. ولو قال لها أنت طالق واحدة وواحدة وقعت واحدة، لأن الثانية بعد لم تقع الأولى لأنها غير معتدة وبعد الأولى لم يبق المحلية.
ولو قال أنت طالق واحدة قبل واحدة أو بعدها واحدة أو واحدة وقعت واحدة، لأن بعد
الجزء 1 · صفحة 85
للتأخر، وقبل للتقدم، ومع للقران، والقبلية أو البعدية صفة للمذكور أولاً، فإن ذكر بحرف الكناية فصفة للمذكور آخر، تقول: جاءني زيد قبل عمر، اقتضي سبق جاءني زيد قبله عمرو اقتضي سبق عمرو.
وإذا قال لغير المدخول بها أنت طالق واحدة قبل واحدة تقع واحدة لكون الأول ذكراً سابقاً من كل وجه فبطلت المحلية عند وقوع الثانية. وكذلك لو قال أنت طالق واحدة بعدها واحدة التأخر الثانية من كل وجه، ولو قال أنت طالق واحدة بعد واحدة يقع ثنتين، لأن التأخير صفة المذكور الأول فكان سابقاً ذكراً متأخراً معنى، فيقعان معاً. وكذلك لو قال واحدة قبلها واحدة وكذلك لو قال واحدة مع واحدة أو قال معها واحدة ففي هذه الفصول الأربعة يقع ثنتين.
ولو قال لغير المدخول بها إن دخلت الدار فأنت طالق واحدة و واحدة فدخلت الدار وقعت واحدة عند أبي حنيفة - رحمه الله، لأن الواو لمطلق الجمع ولا يتصور وقوع التطليقتين إلا بصفة القرآن أو الجمع أو التعاقب فاحتمل أن يقع بصفة التعاقب فلا يقع حكماً بالشك، وعندهما يقع ثنتين] لأن الواو لمطلق الجمع.
ولو قال لها أنت طالق واحدة وواحدة إن دخلت الدار، فدخلت، الدار طلقت ثنتين بالإجماع ولو قال لها أنت طالق بمكة فهي طالق في الحال، لأن اللفظ يدل على الوقوع وتكون طالقاً في كل البلاد، لأن وقوع الطلاق لا يتخصص بمكان، وكذلك لو قال أنت طالق في الدار ولو قال: أنت طالق إذا دخلت مكة لم تطلق حتى تدخل لوجود التعليق، ولو قال: أنت طالق غداً [وقع عليها الطلاق] بطلوع الفجر، لأن الوقوع يجوز أن يتأخر إلى مجيء وقته
فصل
وإذا قال لامرأته: اختاري ينوي بذلك الطلاق أو قال لها طلقي نفسك فلها أن تطلق نفسها ما دامت في مجلسها ذلك فإن قامت منه أو أخذت في عمل آخر خرج الأمر من يدها لأن المخيرة لها مجلس العلم بإجماع الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين فإن اختارت نفسها قوله اختاري كانت واحدة بائنة، لأنه رضي بأن تختار نفسها وذلك بأن في تسلم نفسها لها فلا يجوز له إبطال حقها في نفسها بالرجعية، ولا يكون ثلاثاً وإن نوى الزوج ذلك، لأنه لا يتنوع بخلاف البينونة والحرمة. ولا بد من ذكر النفس في كلامه أو كلامها، لأنه لو قال: اختاري فقالت اخترت يحتمل اختيار نفسها، ويحتمل اختيار زوجها]، فلا يقع ولو قال لها طلقي نفسك، فقالت: طلقت نفسي فهي واحدة رجعية، لأنه صريح وإن أراد الزوج
الجزء 1 · صفحة 86
ثلاثاً فأوقعت ثلاثا وقعن لأن الأمر بالتطليق ذكر التطليق معنى فيجوز فيه نية الثلاث ولو قال لها: طلقي نفسك متى شئت لها أن تطلق نفسها في المجلس وبعده، لأن، متى تعم الأوقات صريحاً.
وإذا قال لرجل طلق امرأتي له أن يطلقها في المجلس وبعده، لإطلاق التوكيل وآثار الصحبة، رضي الله عنهم أجمعين ورد في التفويض فإنه تمليك، فيقتصر جوابه على المجلس ولا يكون وارداً في التوكيل. ولو قال لرجل طلقها إن شئت فله أن يطلقها في المجلس خاصة لأنه تفويض إليه عندنا، ولو قال لها إن كنت تحبيني أو تبغضيني فأنت طالق. فقالت أنا أحبك أو أبغضك وقع الطلاق، وإن كان في قلبها خلاف ما أظهرت لأن الحقيقة لا يوقف عليها فأقيم السبب الدال عليه مقامه وهو الإخبار عنه.
وإذا طلق الرجل امرأته في مرض موته طلاقاً بائناً فمات وهي في العدة ورثت منه، وإن مات بعد انقضاء عدتها فلا ميراث لها، وقال الشافعي" رحمه الله - لا ترث بحال، لأن الميراث إنما يكون بصفة الزوجية وقد زالت، و لنا أن الصحابة - رضي الله عنهم - اجتمعت على توريث تماضر امرأة عبد الرحمن بن عوف ـ حين مات وقد طلقها في مرضه وهذا إذا كانت العدة باقية فأما إذا انقضت العدة لا شيء لها، لأنه لم يبق بينهماعلقة النكاح
وإذا قال أنت طالق إن شاء الله متصلاً لم يقع الطلاق، لأن موسى - صلوات الله عليه ـ قال للخضر - عليه السلام سَتَجِدُنِي إن شَاءَ اللهُ صَابِرًا ولم يصبر و لم يكن خلفاً في الوعد، إذ الأنبياء - صلوات الله عليهم - عصموا عن الخلف في الوعد.
ولو قال لها أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة طلقت ثنتين وإن قال ثلاثاً إلا ثنتين طلقت واحدة لأن المستثنى يخرج من الصدر قال وإن إلا ثلاثاً يقع ثلاثاً، لأن استثناء الكل من الكل لا يصلح.
وإذا ملك الزوج امرأته أو شقصاً منها وقعت الفرقة، لأن النكاح عقد ضروري ولا حاجة في ثبوت النسب في المملوكة له إلى النكاح، وكذلك لو ملكت المرأة زوجها أو شقصاً منه وقعت الفرقة لوجود التمانع بين مقتضى ملك النكاح و ملك اليمين والله أعلم
كتاب الرجعة
إذا طلق الرجل امرأته تطليقة أو تطليقتين فله أن يراجعها في عدتها رضيت بذلك أو لم ترض، لقوله - تعالى - في المطلقات {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ} إلى قوله {وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَذِهِنَ} والرجعة أن يقول راجعتك أو راجعت امرأتي، وهذا صريح في الرجعة، أو يطؤها، أو يقبلها، أو يلمسها بشهوة،