هدية الأبرار ..............
....... في سبحة الأذكار
جارٍ تحميل الكتاب…
هدية الأبرار ..............
....... في سبحة الأذكار
هدية الأبرار
في سبحة الأذكار
وعليها
النفحة بتحشية النزهة
للإمام أبي الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الحنفي
ولد سنة (1264) وتوفي سنة (1304 هـ)
حققه وخرج أحاديث وعلق عليه
الأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرَّحْمَن الرحيم
تقدمة الكتاب:
الحمدُ لله حمد المسبحين، والصلاة والسلام على رسوله محمد إمام العالمين، وعلى آله وصحابته الأكرمين، وعلى مَن تبعهم وسار على دربهم إلى يوم الدين.
وبعد:
فكلُّ ما في هذا الكون خاضع لربَّه ومُسَبِّحٌ له {يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} (¬1) طائعين بخلقتهم على ذلك، وما أَحْسَنَ أن يُسايرَ الإنسانُ هذا الكون فيمضي معه في تسبيحه ولا يخالفه فيشذَّ وسط المسبحين الذاكرين لله، فالسموات والأرضون وما فيهما من أحياء وجمادات ونباتات يُسبِّحون ربَّهم، وكذا المؤمنون الطائعون، فلم يبق بعيداً عن التسبيح لله إلا الكفار والعصاة.
¬
(¬1) سورة الحشر، الآية: (24).
وما بين أيدينا من تأليف لرافع راية الشريعة وخافض البدعة وأهلها، مجدِّد زمانه، والفرد بين أقرانه، محقُّ الحقَّ فيما تنازعه النَّاس، وما يثيره الجهلاء البعيدين عن إدراك مرامي الشريعة السمحاء، الإمام عبد الحي اللَّكْنَوِيّ الأيوبي الأنصاري نسبة إلى أبي أيوب الأنصاري الصحابي الجليل رضي الله عنه.
وفي هذا المؤلَّف جَمَعَ وحَرَّرَ ما يتعلَّق بِسُبْحَة الذِّكْرِ من مباحثَ ما لم يَجْمَعْهُ ويُحَقِّقْهُ غَيْرُهُ، فقد سبقَهُ إلى الكتابة عن السُّبْحَةِ الإمام السُّيُوطِيّ في «المنحة في السبحة» المطبوعة ضمن «الحاوي للفتاوي»، وقد تضمن ما فيه الإمام اللَّكْنَوِيّ في مؤلَّفِهِ، وأضاف إليه أضعافاً مضاعفةً مع التحقيق والتحرير.
واستطاعَ الإمامُ اللَّكْنَوِيّ أن يثبتَ أصلاً للسُّبْحَةِ في زمن الرسول المصطفى
صلوات الله عليه وسلامه، واستخدام الصحابة لمثيلها بوجه تَطْمَئِنُ له قلوبُ المؤمنينَ المسبحين لله تعالى المستعينين بالسُّبْحَةِ المباركة على ذِكْرِ الله تعالى، وهي مُذَكِرَةٌ به.
وقد جَعَلَ الإمامُ حاشيةً على مؤلَّفِهِ زادَ فيها كثيراً من مسائلِهِ تَحْقيقاً واستفاءً، وترجمَ لكثيرٍ ممن وردَ فيها من الأعلام، مُقَسِمَاً لتصنيفه على مقدِّمَةٍ وعشرة فصولٍ وخاتمة.
وكان اعتمادي في إخراجه على الطبعة الحجرية المطبوعة في زمان الإمام اللَّكْنَوِيّ رحمه الله تعالى منسوباً فيها إليه، ونسبه له أيضاً في كثير من مصنفاته بالاسم نفسه، منها: «ظفر الأماني» (ص 283). و «دفع الغواية» (ص 42). و «مقدِّمة عمدة الرعاية» (ص 31).
إلا أنه في «النافع الكبير» (ص 64)، قد ذكره بلفظ: «رسالة في السُّبْحَة»، إذ لم يكن مقصوده بيان ضبط اسمه، وإنما عدّ مؤلَّفاته، والإرشاد إلى أن له مؤلَّفاً في السُّبْحَةِ.
وكذلك نسبه له تلاميذه منهم: المؤرخ المشهور عبد الحي الحسني في «معارف العوارف» (ص 147). وعبد الباقي الأنصاري كما في مقدِّمة «تحفة الأخيار» (ص 37).
وسعيتُ إلى ضبطِ عباراتِهِ وتوثيقِها من مصادرِها ما استطعت، وإلى تخريج أحاديثِهِ، وتفصيل عباراتِهِ ومقاطعِهِ، وصنعِ فهارسَ عامةٍ له تيسيراً على القارئ الكريم، وتسهيلاً له في الرجوع إلى ما يريد بأقلِّ كلفةٍ وأسرعِ وقت.
وأسالُ الله عزَّ وجلَّ أن يتقبَّلَ عملي هذا، ويجعلَهُ خالصاً لوجهه الكريم، ويفيدَ به المؤمنين، ويجعلني من المسبحين الذَّاكرين، وصلى الله على سيدنا محمد.
وكتبه
في 18 رمضان 1420 هـ ... صلاح محمد أبو الحاج
الموافق 26/كانون الأول/1999 مـ ... الأعظمية/ بغداد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لمالكِ الرِّقابِ، مُسَهِّل الأسبابِ، الذي يُسبِّحُ لَهُ ما في السَّمواتِ والأرضِ حَتَّى الشَّجرُ والحجرُ والحيتانُ والدوابُ، أَحَمْدُهُ حَمْدَ المملوك لمالكِهِ، والمخلوقِ لخالقِهِ، وأشكرُهُ شُكرَ العبدِ لسيدِهِ والمربوبِ لربِّهِ الملكِ الوَّهابِ، أشهدُ أَنَّهُ لا إله إلا هو وحدَهُ لا شريكَ له، مُفتحِ الأبوابِ، وميسرِ الصِّعابِ، وأشهدُ أنَّ سيدنا ومَوْلانا مُحمَّداً عبدَهُ ورسولُهُ، الذي أُوتى عِلْمُ الحِكْمَةِ وفَصْلُ الخِطابِ، وهُدِيَ المُهْتَدِين به إلى طريقِ الصَّوابِ، اللَّهُمَ صَلِّ عليه وعلى آلهِ وتابعيهِ إلى أن يقومَ يومُ الحِسابِ.
أمَّا بعدُ:
فيقولُ السَّابِحُ في بَحرِ الخَطيئاتِ، السَّائحِ في بَرِّ السَّيئاتِ، الرَّاجي عفو ربِّهِ ذي الكَرَمِ والهِباتِ، أَبُو الحسناتِ مُحَمَّدٌ عبدَ الحي اللَّكْنَوِيّ تجاوزَ اللهُ عن ذَنْبِهِ الجَلِي والخَفِي ابنَ مولانا الحافظ الحاج مُحَمَّدٍ عبدِ الحليم أدخلَهُ اللهُ دار النعيم.
لَمَّا كَثُرَ السُّؤال عن السُّبْحَةِ التي (¬1) يتخذُها الأخيارُ لِعَدِّ الأذكارِ مرَّةً بعدَ مرةٍ، هل لها (¬2) أصلٌ في السُّنَّة السُّنِّيَّةِ؟ أمّ هو بدعةٌ شرعيةٌ؟
وأجبتُ عنه كلَّ مَرَّةٍ أنَّ لَهُ أَصْلاً في السُّنَّةِ يَرتفعُ به عنه اسمُ البدعةِ، أردتُ أنَّ أَكْتُبَ فيه رِسَالةً وافيةً وعجالةً شافيةً تتضمنُ (¬3) على ذِكْرِ ما يدلُّ عليها، وتشتملُ (¬4) على ما يتعلَّقُ بها، فَتَوجَّهْتُ إلى تتبعِ ما يتعلَّقُ بها من أَسفارِ الحديثِ المعتبرةِ، ودفاترِ الفقهِ المعتمدةِ، وجمعتُ قَدَراً كثيراً في الأوراقِ المُتفَرِقةِ، ثُمَّ ظَفَرْتُ برسالةِ الحافظِ جلالِ الدينِ عبدِ الرحمنِ السُّيُوطِيّ الشَّافِعيّ صاحبِ التَّصانيفِ المُفيدةِ والتَّآليفِ
¬
(¬1) بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحيمِ
سبحانَ الله وبحمدِهِ، أشهدُ أنَّ لا إله إِلا هو المُتَوحِدُ بِلَفْظِهِ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورسولُهُ، صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وصحبهِ.
وبعد:
فهذه تعليقاتٌ على رسالتي نُزْهَةُ الفِكْرِ في سُبْحَةِ الذِّكْرِ مسمَّاة بـ:
الْنَّفْحَةِ بِتَحْشِيَةِ النُّزْهَةِ
متشتملة على غررٍ الفوائد، ودرر الفرائد. (النفحة).
() في الأصل: الذي.
(¬2) في الأصل: له.
(¬3) في الأصل: يتضمن.
(¬4) في الأصل: يشتمل.
العَديدةِ في هذهِ المسألةِ المُسمَّاةِ بـ «المِنْحَةِ بالسُّبْحَةِ» فرأيتُها مُختَصرَةً في ورقتينِ غايةَ الاختصارِ، مُقتصرَةً على الأصولِ نِهايةَ الاقتصار.
فأردتُ أنْ أَضُمَّ ما جَمَعْتُ إلى ما جَمَعَ هو في مجموعٍ يكون هو
جَمْعَ الجُمُوعِ، وأُسميه بـ «هَدَيَّةِ الأَبْرَارِ فِي سُبْحَةِ الأَذْكَارِ»، وكان ذلك في السّنةِ الخامسةِ والثَّمانينَ بعد الألف والمئتينِ من الهجرةِ النَّبويةِ على صاحبِها أفضلُ صلاةٍ وتحية، لكن لم يتيسرْ لي ذلك؛ لوقوعي في المَهَالكِ إِلى أن رَجَعْتُ إلى الوطنِ حُفِظَ عَن الفتن، وأقمتُ فيه قَدَراً من الزَّمنِ، وصَنَّفْتُ هناك رسائلَ كثيرةً ودفاترَ كبيرةً، ولم أزلْ أقصدُ تَبييضَ تلكَ الصَّحائفِ، وجَمْعَ تلك اللطائفِ، لكن لم يَتيسرْ لي ذلك؛ لعوارضٍ عرضتْ فيما هنالك إلى أن رَجَعْتُ في السَّنةِ الحاديةِ والتِّسعين إلى حيدر آباد الدّكن نقاها الله عن البدع والفتن، فأردتُ أن أَصْرِفَ عِنانَ العزيمةِ إليها، وأزيدُ ما وقفتُ عليه في أثناءِ هذه المدَّةِ، وهو ضِعْفُها عليها.
لكن اشتغالي بتأليفِ ((الفَوَائِدِ البَهِيَةِ فِي تَرَاجِمِ الحَنَفِيَّةِ)) مَنَعَنِي عن جمعِها قاصداً تقديمَ ترصيفِهِ على تأليفها، فلمَّا أوصلتُهُ إلى خيرِ التَّمامِ، وفضضتُ ختامَهُ بالاختتامِ في صفر من السَّنةِ الحاضرة، عرضتني أمراضٌ عالقةٌ ظلماتٌ بعضُها فوقَ بعضٍ متراكمةٌ إلى أن رزقَني اللهُ النَّجَاةَ منها في هذا الشَّهرِ شَهْرِ الجمادى الأولى، فرجعتُ إلى إبراز الأمرِ المكنونِ، وإذا أرادَ اللهُ شيئاً قالَ لَهُ: كنْ فيكون. فجمعتُ هذا المجموعَ
الأنيقَ مُشتملاً على حُسْنِ التَّحقيقِ مُورداً فيه أَكْثَرَ ما أوردَهُ السُّيُوطِيُّ في «المنحةِ» وزياداتٍ شريفةً عليه أضعافاً مُضعَّفَةً، وسَمَّيْتُهُ (¬1) بـ:
«نُزْهَةِ الفِكْرِ فِي سُبْحَةِ الذِّكْرِ»
ولَقَبْتُهُ بـ:
«هَدِيَةِ الأَبْرَارِ فِي سُبْحَةِ الأَذْكَارِ»
ورتَّبْتُهُ على مقدمةٍ وعشرةِ فصولٍ وخاتمةٍ:
ولئن غاص في بَحْرِهِ مُسْتَبْحِرٌ ماهرٌ (¬2) لقال: كمْ تركَ الأَوَّلُ للآخرِ؟ ولئن كان الفضلُ بالتَّقدمِ للسَّابق فكثرةُ الاطلاعِ عند اللاحقِ، لا أقول ذلك فخراً بل تَحَدُثَاً بالنِّعمةِ وشكراً، والله تعالى أسألُ سؤالَ الضَّارعِ الخاشعِ أن يَجعلَ هذه الرِّسالةَ وسائرَ تصانيفي خالصةً لوجْهِهِ الكريمِ، إِنَّهُ ذو الفَضْلِ العَمْيمِ، والإحسانِ القديمِ، ومنه أسألُ أن يُلهِمَنِي الصِّدقَ والصَّوابَ في كلِّ بابٍ، إِنَّهُ المستعانُ وعليه التكلانُ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ، لا نعبدُ ولا نستعينُ إلا إيَّاهُ.
* * *
¬
(¬1) قوله: وسميته بِنُزهَةِ الفِكْرِ: هو بضم الأَوّل، مأخوذ من النَزَاهَةِ بمعنى البعد عَن السُّوء، ذكره الجَوْهَرِي في الصحاح. (6: 2253) (النفحة).
(¬2) في الأصل: ستبحر الماهر.
المُقَدِّمَةُ
فِي حَقِيقَةِ السُّبْحَةِ
قال محيي الدِّين النَّوَوِيُّ (¬1) في «تهذيب الأسماء واللغات»: السُّبْحَة: بضم السِّين وإسكان الباء، خَرَزٌ منظومةٌ يُسَبَّحُ بها، معروف، يعتادُها أهلُّ الخيرِ، مأخوذةٌ من التَّسبيح.
والمُسَبِّحَةُ: بضم الميمِ وفتحِ السَّينِ وكسرِ الباء المشدَّدة، الأُصْبَعُ
¬
(¬1) قوله: قال محيي الدِّين النَّوَويُّ: هو يَحْيَى بنُ شرفِ بنِ حسنِ بنِ حسينِ بنِ مُحَمَّدٍ، الفقيهُ المحدِّثُ الدِّمَشْقِيّ النَّوَويُّ، بغير ألفٍ ويجوز إثباتُهُ بين الواوين، نسبةً إلى قريةٍ بدمشقَ، وُلِدَ في المحرم سنة (631 هـ)، وقرأ القُرآنَ لمدَّةٍ، وَقَدِمَ به وَالِدُهُ في دمشقَ سنة (649 هـ)، وحجَّ مع وَالدِهِ سنة (651 هـ) وبَرَعَ في جميع العلوم، وولي تدريس الحديثِ بالأَشرفيةِ بعد موت شيخه أَبِي شامة، وصار إماماً يُقْتَدَى به في جميع العلوم لا سيما الحديث، وتُوفِّي سنة (677 هـ)، وله تصانيفٌ كثيرةٌ، منها: شرح صحيح مسْلِم، والروضة، والمنهاج، والمناسك، وغيرُها، كذا في طبقات الشافعية (3: 9 - 13) لتقي الدِّين ابن شهبة. (النفحة).
السَّبابةُ، وهي الَّتِي تلي الإبْهَام سمِّيتْ بذلك؛ لأنَّ المصلِّي يُشيرُ بها إِلى التَّوحيد والتَّنْزيهِ. انتهى (¬1).
وفي «صحاح الجَوْهَريّ» (¬2): السُّبْحَة بالضمِ: خَرَزَاتٌ يُسَبَّحُ بها،
والسُّبْحَةُ أَيضاً: التَّطوع من الذِّكر والصَّلاة، تقولُ: قضيتُ سُبْحَتِي، ورُوي أنِّ عُمَرَ جَلَدَ رَجُلَيْنِ سَبْحَا بَعْدَ العصرِ، أي صلَّيا. انتهى (¬3).
وفي «المصباح المنير في غريب الشَّرح الكبير» للشِّهابِ (¬4) الفَيُّومِيِّ: التَّسْبِيحُ: التَّقديسُ والتَّنْزِيهُ. ويكونُ بمعنى الذِّكرِ، والصَّلاةِ فَريضةٌ
¬
(¬1) من تهذيب الأسماء واللغات (1:143 - 144).
(¬2) قوله: وفي صحاح الجَوهَريّ: هو أَبُو نصر إِسماعيل بن حَمَّاد الفَارَابي، نسبةً إلى فاراب من بلاد الترك، كان إماماً في الأدبِ واللُّغةِ، يُضْرَبُ به المثلُ، دَخَلَ العراقَ فقرأ على أَبِي عَليٍّ الفارسيّ والسِّيرافِيِّ، وسافرَ إلى الحجازِ، وطافَ البلادَ، وعادَ إلى خراسانَ، وأقام بنيسابورَ مدَّةً ملازماً للتَّدريسِ والتَّأليفِ وصنَّفَ الصِّحَاحَ، ومقدمة في النحو، وكتاباً في العروض، مات سنة (393هـ)، وقيل: في حدود سنة (400هـ).كذا فيبغية الوعاة في طبقات النحاة (1: 446 - 447) للسُّيُوطِيِّ. (النفحة).
(¬3) من صحاح الجوهري (ص1: 372).
(¬4) قوله: للشَّهاب: هو أحمدُ بنُ مُحَمَّد الفَيُّومِيّ ثُمَّ الحَمَويّ، قال ابنُ حَجَرٍ: اشتغلَ وَمَهَرَ وتَمَيَزَ بالعربية عند أَبِي حَيَّان، وتوطَّنَ حَمَاةَ، وكان فاضلاً كاملاً عارفاً بالفقهِ وَاللُّغَة، توفِّي سنة نيفٍ وسبعين وسبعمئة. كذا فيبغية (1: 389) للسُّيُوطِيّ. (النفحة).
كانت أو نافلةٌ. ويُسَبِّحُ على راحلتِهِ: أي يُصلِّي النَّافلةَ، وصلَّى سُبْحَةَ الضُّحى: أي صَلاةَ الضُّحى، ومنه: {فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ} (¬1): أي مِن المصلِّينَ، والسُّبْحَة: خَرَزَاتٌ معروفةٌ منظومةٌ.
قال الفَارَابيُّ (¬2) وتَبِعَهُ الجَوهَريّ: والسُّبْحَة التي يُسبَّحُ بها، وهو يَقَتْضَي كونَها عربيةً.
وقال الأَزْهَريُّ (¬3): كلمةٌ مُوَلَّدَةٌ، وجَمْعُهَا سُبَح مثل: غُرْفَةٌ وغُرَفٌ. انتهى ملخصا (¬4).
وفي «القاموس» (¬5): السُّبْحَة: خَرَزَاتٌ للتَّسبيحِ تُعَدُّ، والدُّعاءِ،
¬
(¬1) من سورة الصافات، الآية (143).
(¬2) هو الأديب أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الفَارَابي، خال الجَوْهَرِيّ، صنَّفَ كتاباً سماه ديوان الأدب عرَّفه بقوله: وهو ميزان اللغة ومعيار الكلام، توفي نحو (350هـ). الأعلام (1: 285)
(¬3) هو الإمام أبو منصور محمد بن أحمد بن الأَزْهَرِي الهروي، أحدُ الأئمة في اللغة والأدب. ومن مؤلفاته غريب الألفاظ التي استعملها الفقهاء وتفسير القرآن، (282 - 370هـ).الأعلام (6: 202).
(¬4) في المصباح المنير (1:401 - 402).
(¬5) قوله وفي القاموس: هو لمجدِ الدِّين مُحَمَّدِ بنِ يَعْقُوبَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ إِبراهيمَ الفَيْرُوزآبادي الشِّيرَازِيّ الشَّافِعِيّ رحمهُ اللهُ تعالى، وُلِدَ سنة (729هـ) بكازرون، وتفقه في بلادهِ، ومَهَرَ في اللُّغَة، ودَخَلَ الشَّامَ والقاهرةَ، وجَالَ البلادَ، وَقُرِّرَ في قضاءِ زبيد، وله تصانيفٌ منها: شرح صَحِيح البُخَارِيّ، والقاموس، وطبقات الحَنَفِيَّة، وغيرُ ذلك. كذا في البغية (1: 273). (النفحة). أقول: توفِّي سنة (816هـ).
وصَلاةُ التَّطوعِ، وبالفتحِ الثيابُ من جلودٍ. انتهى (¬1).
وفي «شمس العلوم» (¬2): السُّبْحَةُ الصَّلاةُ، يقالُ: قضيتُ سُبْحَتِي. والسُّبْحَةُ الخَرَزَاتُ الَّتِي يُسَبَّحُ بها، وجَمْعها سُبَح. انتهى.
* * *
¬
(¬1) من القاموس (1: 234).
(¬2) قوله: وفي شمس العلوم: وهو لنشوان بنِ سعيدِ بنِ نشوان اليَّمَنِيِّ الحِمْيَرِيّ أَبي سَعِيدٍ العلامة المُعْتَزِلِيّ، كان أَوْحَدَ عَصْرِهِ فقيهاً نبيهاً عالماً كاملاً محقِّقاً لغوياً متفنِّناً عارفاً بالنحو وَاللُّغَة والأصول والفروع والأنساب والتواريخ، شاعراً فصيحاً، صَنَّفَ شمس العلوم، سَلَكَ فيه مَسْلَكَاً جديداً، واختارَ مَسْلَكَاً غريباً، واختصرَهُ وَسَمَّاهُ ضياء الحلوم، مات يوم الجُمُعَةِ رابعَ عشرَ ذي الحجَّةِ سنة (573هـ). كذا في البغية (2: 312 - 313). (النفحة).
الفَصْلُ الأَوَّلُ
فِي سَرْدِ الأَحَادِيثِ
الوَارِدَةِ فِي إِبَاحَةِ الْعَدِّ
بِالأَنَامِلِ وَالحَصَى وَالنَّوَى وَنَحْوِ ذَلِكَ
وهي مُجَوِّزَةٌ لاتخاذِ السُّبْحَةِ وعدِّ الأَذْكارِ بها، فإنَّهُ لا فَرْقَ بينَهُ وبينَ ذلك.
أَخرجَ أبو داود (¬1) عن عائشةَ بِنتِ سعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ عن أَبِيهَا: «أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم عَلَى امْرَأَةٍ وَبَيْنَ
¬
(¬1) قوله: أخرج أَبُو دَاوُد: وهو سُلَيمان بن الأشعث بن بشر بن شداد على ما قاله مُحمَّد بن عبد العَزِيز الهاشمي، أَو سُلَيمان بن الأشعث بن شداد بن عَمْرو بن عامر على ما ذكرَهُ عبد الرَّحمن ابن أَبِي حاتم، أَو سُلَيمان بن الأشعث بن إِسحاق بن بَشِير ابن شداد على ما قاله ابنُ داسته، أصلُهُ من سجستان، وُلِدَ سنة (202 هـ)، ورحل وبرع في العلوم، قال أحمد بن ياسين: كان أحدَ حفاظِ الإِسلامِ للحديثِ وسندِهِ وعلَّلِهِ، كانت وفاتَهُ سنة (275 هـ). كذا ذَكَرَهُ الذَّهَبيُّ في سِيَر النُّبَلاء (13: 203 - 221). (النفحة).
يَدَيْهَا نَوىً أَو حَصىً تُسَبِّحُ بِهِ، فَقَالَ: أُخْبِرُكِ بِمَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكِ مِن هَذَا أَو أَفْضَلُ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي السَّمَاءِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي الأَرْضِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ بَيْنَ ذَلِكَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا هُوَ خَالِقٌ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ مِثْلُ ذَلِكَ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ مِثْلُ ذَلِكَ» (¬1).
وأخرجَهُ أَيضاً التِّرْمِذِيُّ (¬2) وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ من حديثِ سعدٍ (¬3).
¬
(¬1) رواه أَبُو دَاوُدَ في كتاب الصَّلاة في (باب التَّسْبِيحِ بِالحَصَى)،رقم (2: 80) برقم (1500). وفي صحيح ابن حِبَّان بترتيب ابن بلبان (3: 118) برقم (837). ومستدرك الحاكم (1: 732) برقم (2009).ومسند أبي يَعْلى (2: 66) ر (710).
(¬2) قوله: وأخرجه أيضاً التِّرْمِذِيّ ... الخ: هو أَبو عيسى مُحَمَّدُ بنُ عيسى بنِ سورة التِّرْمِذِيِّ، نسبةً إلى تِرْمِذ، الحافظُ، سَمِعَ أَبَا قُتَيْبَةَ وأبا مُصْعَبٍ وغيرَهُمَا، وكان ضريراً، وقيل: وُلِدَ أَكْمَه، كان أحد العلماء الحُفَّاظ الأعلام، له تصانيفٌ كثيرةٌ، وكتابه الجامع أحسنُ كتبهِ وأكثرها فائدةً وأحسنها ترتيباً، وكانت وفاتَهُ بِتِرْمِذَ في رجبٍ سنة (279هـ). كذا في جامع الأصول لابن الأثير الجَزَرِيّ. (النفحة).
(¬3) رواه التِّرْمِذِيّ في كتاب الدعوات في (باب في دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَعَوُّذِهِ في دُبُرِ كُلِّ صلاةٍ)، رقم (5: 562) برقم (3568).
وقد أوردَهُ المُنْذِريُّ (¬1) في كتاب «التَّرغيب والتَّرهيب»: معزواً إلى أَبِي داودَ، والتِّرْمِذِيِّ، والنَّسائي (¬2)، وابنِ حِبَّان (¬3)، والحاكم (¬4)، وقال: قال الحاكم: صحيحُ الإسنادِ (¬5).
¬
(¬1) قوله: وقد أورده المُنْذِريّ في كتابالترغيب .. الخ: هو الحافظُ عبدُ العظيم بنُ عبدِالقوي المِصريّ، وُلِدَ بمصرَ سنة (581هـ)،وتفقَّهَ وطلبَ وبرعَ وصارَ عديمَ النَّظيرِ في معرفةِ الحديث على اختلاف فنونه، متبحراً في معرفةِ معانيه ومشكلِهِ، ومات في ذي القَعْدة سنة (656هـ). كذا في حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة للسُّيُوطِيِّ. (النفحة).
(¬2) قوله: والنَّسَائِي: وهو أَبو عبدِ الرَّحمنِ أحمدُ بنُ شُعَيْبِ بنِ عَليٍّ، وُلِدَ سنة (215هـ)، ومات بمكةَ سنةَ (303هـ). أحد الأئمة الحُفَّاظ، لقي المشايخ الكبار= وأخذ عنهم، =وصنَّفَ السُّننَ، فقيل له: أكلُّهُ صَحِيحٌ، قال: لا. فجرد الصحيح، وسمَّاه بالمجتبى. كذا في جامع الأصول. (النفحة).
(¬3) قوله: وابن حِبَّان: وهو أَبو حاتمٍ مُحَمَّدُ بنُ حِبَّانَ بنِ أحمدَ البُسْتِيّ، نسبةً إلى بُسْت بضم الباء، إمامُ عصرِهِ في السُّننِ والرِّجالِ وَاللُّغَةِ والفقهِ والوعظِ، مات بوطنه في شوال سنة (354هـ). كذا في أنساب أَبِي سَعْدٍ عبدِ الكريم السَّمْعانيّ. (النفحة).
(¬4) قوله: والحاكم: هو أَبُو عبدِ الله مُحمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ مُحمَّدِ بنِ حمدويه النَيْسَابوريّ، وُلِدَ سنة (321هـ)، ورحلَ في طلبِ الحديث، وَقُلِّدَ القضاءَ بنيسابورَ سنة (359هـ)؛ فَعُرِفَ بالحاكمِ، ومات سنة (405هـ). كذا في طبقات الشافعية (1: 197 - 198) لابن شهبة وغيرِهِ. (النفحة).
(¬5) انتهى من الترغيب والترهيب (2: 286).
وأوردَهُ السُّيُوطِيّ في رسالتِهِ «المنحة في السُّبْحَة» (¬1)، والجَزَرِيُّ (¬2) في «الحصن الحصين» منسوباً إِلَى المذكورينَ وإلى ابنِ ماجه (¬3).
وأخرج أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيّ والنَّسَائِي عن ابنِ عَمْرِو - رضي الله عنهم - قال: «رأيتُ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم يَعقِدُ التَّسبيح» (¬4).
¬
(¬1) (2:1)، مطبوعة ضمن الحاوي للفتاوي في دار الكتب العلمية. 1988م.
(¬2) قوله: والجَزَرِيُّ: وهو أَبو الخير مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيّ الجَزَريِّ، نسبةً إلى جزيرةِ ابنِ عُمَرَ، وُلِدَ في رَمَضَان سنة (751هـ)، ومَهَرَ في القراءاتِ والحديثِ وغيرِ ذلك، وتَوَجَّهَ من القدسِ إلى الرومِ ثُمَّ إلى بلاد فَارِسٍ وولي قضاء شِيراز، ومات هناك سنة (833هـ). كذا في الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل (2: 109 - 110) لمجير الدِّين الحنبلي، وقد بسطتُ في ترجمته تراجم أولاده في التعليقات السنية على الفوائد البَهيَّة في تراجم الحَنَفِيَّة (140 - 141. (النفحة).
(¬3) قوله: وإلى ابن مَاجَه: هو مُحَمَّدُ بنُ يَزِيدٍ أَبو عبدِ اللهِ القَزْوِينِيّ، كان حافظاً صادقاً واسعَ العلمِ، وُلِدَ سنة (209هـ)، وتُوفِّي في رَمَضَانَ (273هـ)، ومَاجَه: لقبٌ لأبيه يَزِيد، قاله أَبو يَعْلَى الخَلِيلي. كذا في سِيَر النُّبَلاء (13: 277 - 279)، وقيل: مَاجَه اسم أمّه. (النفحة).
(¬4) رواهُ التِّرْمِذِيّ في كتاب الدعوات في (باب ما جاءَ في التَّسْبِيحِ والتَّكْبِيرِ والتَّحْمِيدِ عند المَنَامِ) (5: 478) رقم (3411)، وفي (باب ما جاءَ في عَقْدِ التَّسْبِيحِ بِاليدِ) (5: 521) رقم (3486). والنَّسَائِي في المجتبى في كتاب السَّهو في (باب عَقْدِ التَّسْبِيحِ) (3: 79) رقم (1355)، وفي السُّنن الكبرى (1: 403) رقم (1278). وأبو دَاوُدَ في كتاب الصَّلاة في (باب التَّسْبِيحِ بِالحَصَى) (2: 81) برقم (1502). وفي صحيح ابن حبَّان بترتيب ابن بلبان (3: 123) برقم (843). وفي مستدرك الحاكم (1: 731) برقم (2005) و (1: 732) برقم (2005). وسنن البَيْهَقِي الكبرى (1: 403) برقم (2850) و (2: 253) برقم (3184). ومُصَنَّف ابن أبي شَيْبَةَ (2: 161).
زادَ أَبُو دَاوُد منقولاً عَن بعضِ رواتِهِ «بيمينه» (¬1).
وفي رِوايةِ التِّرْمِذِيّ: «بيده» (¬2).
وقالَ (¬3): هذا حديثٌ حَسَنٌ غرِيبٌ من هذا الوَجْهِ من حديثِ الأَعْمَشِ، عن عَطَاءِ بنِ السَّائِبِ، عن أَبِيهِ، عن عبد اللهِ بنِ عَمْرِو، وروى شُعْبَةُ والثَّوْرِيُّ هذا الحديث عن عَطَاءِ بنِ السَّائِبِ بِطُولِهِ، وفي الباب عن يُسَيْرَةَ بِنْتِ يَاسِرٍ. انتهى (¬4).
¬
(¬1) وروى زيادة بيمنه أيضاً البَيْهَقِي.
(¬2) زيادة بيدهلم اقف عليها عند التِّرْمِذِيّ، وإنما وقفت عليها عند ابن حبَّان.
(¬3) أي التَّرْمِذِيّ.
(¬4) من سُنن التِّرْمِذِيّ (5: 521) رقم (3486).
وقد ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ في «الجامع الصغير في حديث البشير النذير» مسنداً إِلَى التِّرْمِذِيِّ والنَّسائِي والحَاكِمِ.
قال العَزِيزِيُّ (¬1) في «السّراج المنير شرح الجامع الصّغير»: معناه يَعدُّ التَّسبيحَ على أصابعِهِ لتشهدَ له؛ فإنَّهنَّ مُستنطقاتٌ مسؤلاتٌ. انتهى.
وأخرجَ التِّرْمِذِيّ من طريقِ هاشِمٌ عن كِنَانَةَ مَوْلَى صَفِيَّةَ عنها قالت: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم وَبَيْنَ يَدَيَّ أَرْبَعَةُ آلافِ نَوَاةٍ أُسَبِّحُ بِهَا، فَقَالَ: لَقَدْ سَبَّحْتِ بِهَذِهِ أَلا أُعَلِّمُكِ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَبَّحْتِ بِهِ، فَقُلْتُ: بَلَى عَلِّمْنِي، فَقَالَ: قُولِي سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ» (¬2). قال التِّرْمِذِيّ: هذا حديثٌ غرِيبٌ لا نعرِفهُ من حديثِ صَفِيَّةَ إِلا من هذا
¬
(¬1) قوله: قال العَزِيزي ... الخ: هو عَليُّ بنُ أحمدَ بنِ نورِ الدِّينِ مُحمَّدِ بنِ إِبراهيمَ العَزِيزِيّ الشَّافِعِيّ، نسبةً إلى العَزِيزيَّةِ من شرقيَّةِ مِصْرَ، كان إماماً فقيهاً محدِّثاً حافظاً ذكياً قوي الحفظ، أخذ عَن النُّورِ الشِّبْرَامَلِّسِي وشاركه في شيوخه، توفِّي ببولاق سنة (1070هـ). كذا في خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر (201:3) لمحمد ابن فضل الله الدِّمَشْقِيّ. (النفحة).
(¬2) رواهُ التِّرْمِذِيّ في كتاب الدعوات في (باب في دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) (5: 555) برقم (3554)، والحاكم في المستدرك (1: 732) برقم (2008)، وقال الحاكم: هذا حديثٌ صحيحُ الإسنادِ ولم يخرجاه، وله شاهد من حديث المصريين بأصح من هذا. والطَبَرَاني في المعجم الكبير (24: 74) برقم (195).
الوَجْهِ من حديثِ هاشمِ بنِ سعيدٍ الكُوفِيِّ، وليسَ إِسنادُهُ بِمعروفٍ، وفي الباب عن ابنِ عَبَّاسٍ. انتهى (¬1).
وقد أوردَهُ المُنْذِريُّ والجَزَرِيُّ مَنْسوباً إِلَيْه وإلى الحاكمِ، والسُّيُوطِيُّ منسوباً إليهما وإلى الطَّبَرَانِيِّ (¬2).
وأخرجَ التِّرْمِذِيُّ والحَاكِمُ عَن يُسَيْرَةَ: «عَلَيْكُنَّ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّقْدِيسِ، وَاعْقِدْنَ بِالأَنَامِلِ؛ فَإِنَّهُنَّ مَسْئُولاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ وَلا تَغْفُلْنَ فَتَنْسَيْنَ الرَّحْمَةَ» (¬3).
¬
(¬1) من سنن التِّرْمِذِيّ.
(¬2) قوله: وإلى الطَّبَرانَيّ: هو أَبو القاسِم سُلَيمانُ بنُ أحمدَ بنِ أَيُّوبٍ اللَّخْمِيّ الطَّبَرَانِيّ، نسبةً إلى طَبَرية، مدينةٌ من الأردنِ، صاحب المعاجمِ المشهورة، كان ثقةً صدوقاً عارفاً واسعَ الحفظِ بصيراً بالعللِ والرِّجالِ، كثيرَ التصانيفِ النَّافعةِ، توفِّي بأصبهان في ذي القَعْدة سنة (360هـ). كذا في العِبَر بأخبار من غبر (3: 315 - 316) للذَّهَبِيِّ وغيرِهِ. (النفحة).
(¬3) رواة التِّرْمِذِيّ في كتاب الدعوات في (باب في فَضْلِ التَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ والتَّقْدِيسِ) (5: 571) برقم (3583). وأحمد في باقي مسند الأَنصار (6: 370) برقم (27134). وفي صحيح ابن حبِّان بترتيب ابن بلبان (3: 732) برقم (842). وفي مستدرك الحاكم (1: 732) برقم (2007). ومعجم الطَبَرَاني الكبير (25: 73) برقم (180) و (25: 74) برقم (181). والآحاد والمثاني (6: 73) برقم (3285). والمنتخب من مسند عبد بن حميد (ص454) برقم (1570). ومصنَّف ابن أبي شَيْبَةَ (2: 160) و (6: 53).
قال العَزِيزِيُّ: يُسَيْرَةُ بمثناةٍ تحتيةٍ مضمومةٍ، وسين مهملةٍ، وراءٍ بينهما مثناةٌ تحتيةٌ، وهي بنتُ ياسرٍ، قال الشَّيْخ أي مُحَمَّدٌ الحِجَازيّ (¬1):
حديثٌ حسنٌ. انتهى.
وقد أوردَهُ السُّيُوطِيُّ في «المنحة» منسوباً إلى ابن أَبِي شَيْبَةَ (¬2) وأَبِي دَاوُدَ والتِّرْمِذِيّ والنَّسَائِي والحَاكِم، وذَكَرَ أنَّ الحَاكِمَ صحَّحَهُ، ولفظ أَبِي دَاوُدَ عنها: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم أَمَرَهُنَّ أَنْ يُرَاعِينَ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّقْدِيسِ وَالتَّهْلِيلِ، وَأَنْ يَعْقِدْنَ بِالْأَنَامِلِ؛ فَإِنَّهُنَّ مَسْئُولاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ» (¬3).
¬
(¬1) هو ... الفقيه المحدث المفسِّر مُحَمَّدُ بنُ ... مُحَمَّدِ بنِ عبدِ الله الأكراوي
القَلْقَشَنْدِي، من كتبه فتح المولى بشرح الجامع الصغيرللسيوطي، وسواء الصراط، والقول المشروح في النفس والروح، (957 - 1035هـ). الأعلام (7: 291).
(¬2) قوله إلى ابنِ أَبِي شَيْبَة: هو صَاحِب المصنف عبدُ الله بنُ مُحمَّدِ بنِ أَبِي شَيْبَة إِبراهيم بن عُثمان العيسى، نسبةً إلى بني عيسى، قال أَبُو زُرْعَة: ما رأيتُ أحفظَ منه، توفِّي سنة (235هـ). كذا في مرآة الجنان (2: 116) لليَافِعِيّ. (النفحة).
(¬3) رواه أَبُو دَاوُدَ في كتاب الصَّلاة في (باب التَّسْبِيحِ بِالحَصَى) (2: 81) برقم (3538).
وفي «الاستيعاب في أحوال الأصحاب» لابنِ عبدِ البَرِّ (¬1): يُسَيْرَة الأنصاريَّة تكنى أمّ ياسر، وقيل: بل هي يُسَيْرَة بنت ياسر تكنى أمّ حُميضة، كانت من المهاجراتِ المبايعاتِ من حديثها عن النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم أَنَّهُ قال: «يَا نِسَاءَ المُؤْمِنَاتِ عَلَيْكُنَّ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهَلِيلِ والتَّقْدِيسِ، وَاعْقُدْنَ بِالأَنَامِلِ، فَإِنَهُنَّ مُسْئُولاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ». انتهى (¬2).
وأخرجَ أَبُو دَاوُدَ في (باب ما يُكْرَهُ من ذِكْرِ الرَّجُلِ ما يكون من إِصابَتِهِ أَهلَهُ) من كتابِ النِّكاحِ: عن أَبي نَضْرَةَ حدَّثنِي شَيْخٌ من طُفَاوَةَ، قال: تَثَوَّيْتُ أبا هُرَيْرَةَ بِالمَدينةِ فلم أَر رَجُلاً من أصحابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم أَشَدَّ تَشْمِيراً، ولا أَقْوَمَ على ضَيْفٍ منه، فبينما أنا عنده يوماً، وهو على سرِيرٍ له، ومعه كِيسٌ فيه حصىً أَو نَوىً، وأَسفلَ منه جارِيةٌ له سوداءُ وهو يُسَبِّحُ بها، حتَّى إذا أَنْفَدَ ما في الكِيسِ أَلقاهُ إليها،
¬
(¬1) قوله لابن عبد البَرِّ: هو صَاحِب الاستذكار والتمهيد شرحي الموطأ وغيرهما، يُوسُفُ بنُ عبدِ البَرِّ بنِ مُحمَّدِ بنِ عبدِ البَرِّ بنِ عاصمٍ القُرْطُبِيِّ المَالِكِيِّ، قال البَاجِي: لم يكنْ بالأندلسِ مثلُهُ في الحَدِيث، وقال ابنُ حزمٍ: لا أعلمُ في الكلامِ على فقهِ الحَدِيث مثلُهُ، وكانت وفاتَهُ في ربيع الآخر سنة (463هـ) بشاطبه، وولادتُهُ في ربيع الآخر سنة (368هـ). كذا في تاريخ ابْن خَلكان (71:7. (النفحة).
(¬2) من الاستيعاب (8: 1924).
فَجَمَعَتْهُ فأعادَتْهُ في الكِيسِ فَدَفَعَتْهُ إليه، فقال: ألا أُحَدِّثُكَ عنِّي وعن رسولِ اللَّهِ ... » (¬1) الحديث.
قال السُّيُوطِيُّ في «مرقاة الصّعود إِلَى سنن أبي دَاوُد» معنى تَثَوَّيْتُ: تَضَيَّفْتُ نَزَلْت (¬2) عندَهُ ضَيْفَاً. انتهى.
وفي «المنحة في السُّبْحَة» (¬3) للجلالِ السُّيُوطِيّ: أَنَّهُ أخرجَ أحمدُ (¬4) في «الزُّهْدِ»: نا عَفَّان نا عبد الواحد بن زِيَاد عن يونسِ بنِ عبيدِ عنِ أُمِّهِ، قالتْ: رأيتُ أبا صفيةَ رجلٌ من أصحابِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم وكان جارنا، قالتْ: فكان يُسَبِّحُ بالحَصَى (¬5).
¬
(¬1) رواه أَبُو دَاوُد (2: 252) برقم (2174). وأحمد في باقي مسند المكثرين (2: 540) (10990). والبَيْهَقِي في سننه الكبرى (7: 194) برقم (13876). وابن أبي شَيْبَةَ في مصنَّفه (2: 162).
(¬2) في الأصل: ونزلت.
(¬3) (1: 2).
(¬4) قوله أخرج أحمد: هو أحدُ الأئمةِ الأربعةِ أَبو عبدِ اللهِ أحمدُ بنُ حنبلٍ الشَّيْبَانِيّ البَغْدَادِيّ، وقيل: أحمدُ بنُ مُحمَّدِ بنِ حنبلٍ، وُلِدَ سنة (164هـ)، وماتَ سنة (241هـ)، كان إماماً بالفقه والحديث، وبه عُرِفَ الصَّحيحُ من السَّقيمِ، والمجروحُ من المعدِّلِ، سَمِعَ ببغدادَ والكوفةَ والبصرةَ والحرمينِ وغيرِها، وأخذَ عن الشَّافِعِيّ وغيرِه. كذا في أَسماء رجال المشكاة لصاحبه. (النفحة).
(¬5) وأخرجها ابن سعد في الطبقات (7: 60).
وفيه أَيْضًا (¬1): أخرجَ ابن سعد (¬2) عن حَكِيم: أنَّ سعدَ بنَ أبي وقاصٍ كان يُسَبِّحُ بالحَصَى (¬3).
أخرجَ ابنُ أَبِي شَيْبَة في «مُصَنَّفِهِ» (¬4) عن مولى سَعْدٍ: أنَّ سَعْداً كان يُسَبِّحُ بالحَصَى والنَّوى (¬5).
وفيه أَيْضًا: أخرجَ أحمد في «الزُّهْدِ»: نا بكيرُ أنبانا ثابتُ بنُ عَجْلانِ عن القاسمِ ابنِ عبدِ الرَّحمنِ، قال: كان لأبي الدرداء نوى بن نوى العجوة في كيسٍ، فكان إِذَا صلَّى الغداةَ أخرجَهُنَّ يُسبِحُ بهنَّ حَتَّى تَنَفَدَ.
وفيه أيضاً (¬6): أخرجَ ابنُ سعدٍ عن أبي هُرَيْرَة: أَنَّهُ كان يُسَبِّحُ بالنَّوى المجزع يعني الَّذِي حكَّ بعضَهُ بعضاً حَتَّى ابيض شيءٌ منه وتَرَكَ الباقي على لونِهِ، وكلُّ ما فيه سوادٌ وبياضٌ فهو مجزع.
¬
(¬1) أي في المنحة (2:1).
(¬2) قوله أخرج ابنُ سَعْدٍ: هو مُحمَّدُ بنُ سعدٍ أَبُو عبدِ اللهِ البَصْرِيّ، كاتبُ الواقدي، مُصَنِّفُ الطبقاتِ المشهورةِ، كان إمامَ عصره، لم يكن في زمانه مثلُهُ، توفِّي سنة (230هـ). كذا في مرآة الجنان (2: 100) وغيرِهِ. (النفحة).
(¬3) انتهى من طبقات ابن سعد (3: 143).
(¬4) (2: 161).
(¬5) انتهى من المنحة (1:2 - 3).
(¬6) أي في المنحة (3:1).
وفيه أَيْضًا (¬1): أخرجَ ابنُ أَبِي شَيْبَة عن أَبِي سعيدٍ الْخُدْرِيّ: أَنَّهُ كان يُسبِحُ بالحصى (¬2).
وفيه أَيْضًا (¬3): أخرجَ البَغَوي (¬4) في «معجم الصَّحَابَة»، ... ..
وابنُ عسَاكِر (¬5) من طريقِ معتمدِ بنِ سُلَيْمَانَ عن أُبَي بنِ كعبٍ عن جدِّهِ بقية عن أَبِي صفيةَ مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم: أنَّهُ كان
¬
(¬1) أي في المنحة (3:1).
(¬2) انتهى من مصنَّف ابن أبي شَيْبَةَ (2: 161).
(¬3) أي في المنحة (2:1).
(¬4) قوله أخرج البَغَويُّ هو أَبُو القاسم عبدُ اللهِ بنُ مُحمَّدِ بنِ عبدِ العَزِيزِ، عَمَّرَ
عُمُرَاً طويلاً، حَتَّى رحل إليه النَّاسُ، وسَمَعَ من أحمدَ بن حنبلٍ وعليِّ بن المَدِيني وغيرِهما،= =وعنه: الطَّبَرَانِيُّ، وابنُ حبَّانٍ، وغيرُهُمَا، وكان ثقةً عارفاً بالحديثِ وعلَّلِهِ، وُلِدَ ببغداد سنة (213هـ)، ومات سنة (317هـ)، وَإِنَّمَا قيل له البَغَويّ؛ لأنَّ جدَّهُ لأمِّهِ أحمدَ ابنَ منيع صَاحِبَ المسند أصلُهُ من بَغَ بلدةٌ بين مرو وهراة. كذا في أَنْسَاب السَّمْعانيّ (1: 375 - 376)، وغيرِهِ. (النفحة).
(¬5) قوله: وابنُ عساكر: هو أَبو القاسم عَليُّ بنُ الحَسَنِ الدِّمَشْقِيّ، صاحب التَّصانيفِ الكَثِيرَةِ، كان محدِّثَ الشَّامِ في عصرِهِ ومن أعيان الفقهاء الشَّافِعِيَّةِ، غَلَبَ عليه الحديث وبالغَ في طلبه، ورحل وطوَّفَ البلادَ، وكان رفيقَ أَبِي سَعْد السَّمْعانيّ، وكان حافظاً ديناً حسَنَ الكلام على الأحاديث، صنَّفَ تاريخ دمشق في ثمانين مجلداً وغيره، وكانت ولادتُهُ سنةَ (499هـ)، وماتَ سنة (571هـ). كذا في تاريخ ابن خَلكان (311:3. (النفحة).
يُوضعُ له نَطْعٌ فيه حَصَى فَيُسَبِّحُ به إلى نصفِ النَّهارِ، ثُمَّ يُرفَعُ فإذا صلَّى الأُولَى أتى به فَيُسَبِّحُ حتَّى يُمْسِي.
فهذه الأخبارُ والآثارُ تنادي بأعلى النِّداء أنَّ العدَّ بالأناملِ والنَّوَى
والحَصَى وأَمَثَالِ ذلك، أمرٌ مندوبٌ قد رَغَبَ إِليه النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم وأقرَّ عليه، واختارَهُ أصحابُهُ ـ نُجوم الاهتداء ـ، فَمَن حَكَمَ بكراهةِ ذلك، فقولُهُ مردودٌ عليه، لا ينبغي أن يُعوَّلَ ويُعتَمَدَ عليه.
ومن المعلومِ أَنَّهُ لا فَرْقَ بين العدِّ بالنّوى وأمثالِهِ المنثورةِ، وبينَ العَدِّ بالنَّوَى وأشباهِها المنظومَةِ، فإذا ثَبَتَ جَوازُ الأَوَّل بهذه الجُمْلَةِ، ثَبَتَ جَوازُ اتخاذِ السُّبْحَةِ.
* * ... *
الْفَصْلُ الْثَّانِي
فِيمَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ اِتْخَاذِ الْسُّبْحَةِ
مِنْ الْحُجَّةِ الْوَاضِحَةِ
أخرج أَبُو نُعَيْم (¬1) في «حلية الأولياء» في ترجمةِ أَبِي هُرَيْرَة - رضي الله عنه -: نا أحمدُ ابنُ جَعْفَر بنِ حمدان نا عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حنبل نا الحَسَنُ بنُ
¬
(¬1) قوله: أخرج أَبُو نُعَيْمٍ: هو أَحمدُ بنُ عبدِ اللهِ الأَصْفَهَانِيّ، كان من مشايخِ الحديث الثِّقَاتِ المعمولِ بحديثهم، وُلِدَ سنة (334 هـ)، ومات في صفر سنة (430 هـ). كذا قال صاحب المشكاة في أَسماء رجاله، والذَّهَبِيُّ في تذكرة الحُفَّاظ (3: 1093 - 1097): لا سنة ثلاثٍ بعد أربعمئة كما ذَكَرَهُ بعضُ أفاضل عصرنا في المقصد الثَّاني من إتحاف النُّبَلاء. (النفحة). أقول: المصرَّح به في تذكرة الحفاظ (3: 1092) والأعلام (1: 150) أنَّهُ وُلِدَ سنة (336 هـ) لا سنة (334 هـ).
الصَّبَّاحِ نا زيدُ بنُ الحبابِ عن عبدِ الواحدِ بنِ موسى، قال: أخبرني نُعَيْم بنُ محيريز (¬1) ابنِ أَبِي هُرَيْرَة عن جدِّهِ أَبِي هُرَيْرَة: أَنَّهُ كان لَهُ خَيْطٌ فِيْهِ ألفا عُقْدَةٍ
فلا يَنامُ حَتَّى يُسبِّحَ بِهِ (¬2).
وأخرجَ ابنُ سعدٍ في «الطبقات» على ما نَقَلَهُ السُّيُوطِيُّ (¬3): أَنْبَأَنَا عبيدُ اللهِ بنُ موسى أَنْبَأَنَا إِسرائيلُ عن جابرٍ عن امرأةٍ حدَّثتهُ عن فاطمةَ بنتِ الحُسَيْنِ بنِ عَليّ بنِ أَبِي طالبٍ: أَنَّهُا (¬4) كانَتْ تُسَبِّحُ بِخَيْطٍ مَعْقُودٍ فِيْهَا (¬5).
¬
(¬1) في الحلية: المحرر.
(¬2) انتهى من حلية الأولياء (1: 383).
(¬3) في المنحة (3:1).
(¬4) في الأصل: أنه.
(¬5) انتهى من طبقات الكبرى (473:8) لابن سعد.
فهذان الأثران يخبران بجواز العدِّ بالسُّبْحَة المتداولة؛ إذ لا فَرْقَ بَيْنَها وبَيْنَ خَيْطِ العُقْدَةِ، فإنَّ السُّبْحَةَ ليست حقيقتُهَا إلا أن يُنْظَمَ قدرٌ من نوى، أو قطعات العظمِ، أو الخشبةِ، أو الحجرِ، أو الدّررِ، أو غير ذلك في خيطٍ، فيصيرُ كخيطٍ فيه (¬1) نُبَذٌ من العُقَدَةِ.
* * *
¬
(¬1) في الأصل: فيها.
الْفَصْلُ الْثَّالِثُ
فِي ذِكْرِ حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ فِيمَا نَحْنُ فِيْهِ
لِيُعْلَمَ أَنَّ جَوَازَ اِتِخَاذِ السُّبْحَةِ
مِمَّا لا رَيْبَ فِيْهِ
أخرجَ الدَّيْلَمِيُّ (¬1) في «مسند الفردوس»: أَنْبَأَنَا قدوسُ بنُ عبدِ اللهِ أَنْبَأَنَا أَبو عبيدِ اللهِ الحُسَيْنُ بنُ فنجويه الثَّقَفِيّ نا عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ نا مُحَمَّدُ ابنُ هارونَ بنِ عيسى بنِ مَنْصُورٍ الهاشمي ثنى مُحَمَّدُ بنُ عَلِيّ ... بنِ حَمْزَةَ
¬
(¬1) قوله: أخرج الدَّيْلَمِيّ: هو الحافظُ شهردار مات سنة (550هـ)، وأبوه صاحب الفردوس وتاريخ همدان شيرويه بن شهردار بن شيرويه بن فنا خسرو أَبُو شجاع الدَّيْلَمِيّ الهَمْدَانِي، وُلِدَ سنة (445هـ)، ورحلَ في طلب الحديث، قال يحيى بن مَنْدَة: كان شاباً حسناً ذكي القلب صلب [في] السُّنَّة، مات في تاسع عشر رجب سنة (509هـ). كذا في سير النُّبَلاء (20: 375) للذَّهَبِيّ.
وفي كشف الظنون عن أسامي الكتب (1253:2: فردوس [الأخبار] بمأثور الخطاب المخرج على كتاب الشهاب في الحديث لأبي شجاع شيرويه بن شهردار بن شيرويه الهمداني الدَّيْلَمِيّ، ذكر فيه عشرة آلاف حديث، ورتبها على حروف مجردة عن الأَسانِيد، ثُمَّ جمع ولده الحافظ شهردار المتوفَّى سنة (558هـ) أسانيده ورتبه ترتباً حسناً، وسمَّاه مسند الفردوس انتهى.
ونقل ابنُ حَجَرٍ المَكِّيّ الهَيْتَمِيّ في رسالتهشن الغارة عن فتاوي ابن الصلاح: أنَّ أَبا شجاع الدَّيْلَمِيّ هو أَبُو شجاع شيرويه الهَمْدَانِيّ صَاحِب كتاب الفردوس، جمع فيه بين الصحيح والسقيم، وبلغ به الحال إلى أن أخرج شيئاً من الموضوع. انتهى.
وفي تذكرة الحُفَّاظ (1259:4 للذَّهَبِي: شيرويه بن شهردار بن شيرويه بن فنا خسرو الدَّيْلَمِيّ المحدِّث الحَافِظ مفيد هَمْدَان، ومُصَنِّفُ تاريخها، وكتاب الفردوس. سَمِعَ يُوسُفَ بنَ مُحمَّدِ بنِ يُوسُف المُسْتَمْلِيّ، وسفيانَ بنَ الحُسَيْنِ بن فنجويه، وعبدَ الحميدِ بنَ الحَسَن، وأبا الفَضْلِ مُحَمَّدَ بنَ عُثمانَ القومساني، وخلائق من هَمْدَان، وعبدَ الوهاب بن مَنْدَه بأصبهان، قال يحيى بن مَنْدَه: هو شِهاب كيس حسن القلب ذكي القلب، صلب في السُّنَّة، قلت: هو حسن المعرفة وغيره أتقن منه، رواه عنه ابنه شهردار، ومحمدُ بنُ الفَضْلِ الإسْفَرَائِنِيّ، والحافظُ أَبو موسى المديني، توفِّي في تاسع رجب (509هـ). (النفحة).
العَلَوِيّ ثنى عبدُ الصمدِ بنُ موسى حدثتني زينبُ بنتُ سليمانَ بنِ عَلِيّ حدثتني أمُّ الحُسَيْنِ بنتُ جَعْفَر بنِ الحَسَن عن أمِّها عن جدِّها عن عَلِيّ قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم: «نِعْمَ المُذَكِرُ السُّبْحَة».
كذا أوردَهُ السُّيُوطِيُّ مشيراً إِلى إثباتِ المقصدِ بالقولِ النّبويّ، لكن تَعَقَبَهُ شيخُ شَيْخ شيخي مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدٍ الأَميرِ الأَزْهَرِيّ في رسالتِهِ التي ذَكَرَ فيها أسانيدَهُ باحتمالِ أن يكون المرادُ بالسُّبْحَةِ الصَّلاةُ، وبعدَمِ صحَّةِ الحديثِ حيثُ قال بعد ذِكْرِ الحديثِ المسلسلِ بالسُّبْحَة: للسُّيُوطِيّ رسالةٌ لطيفةٌ سمَّاهُ «المنحة في السُّبْحَة»، ذَكَرَ فيها تَسبيحَ جماعةٍ من الصَّحابة بالنّوى أَو بخيطٍ فيه عقد كأبي هُرَيْرَة وغيرِهِ، وذَكَرَ فيه إطلاعه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على مَن أَعَدَّ نوى لتَسْبِيحِهِ فقال: «أُعَلِمُكَ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ وَأَسْهَلَ، سُبْحَانَ الله عَدَدَ مَا خَلَقَ» (¬1)، ويُحْمَلُ على عادتِهِ الشّريفةِ من التَّيْسيرِ على أُمَّتِهِ، وذَكَرَ فيها حديثاً أخرجَهُ الدَّيْلَمِيُّ في «مسند
¬
(¬1) سبق تخريجه (ص19).
الفردوس» بسندٍ طويلٍ عن عَلِيٍّ - رضي الله عنه - مرفوعاً: «نعْمَ المُذَكِر السُّبْحَةُ»، ولا تَظْهَرُ صِحَّتُهُ، ويحتملُ تفسيرُ السُّبْحَةِ بصلاةِ النَّافلةِ كما هو أحدُ معانيها. انتهى.
قُلْتُ: يؤيدُ هذا الاحتمالَ ورودُ استعمالِ السُّبْحَةِ في هذا المعنى في كثيرٍ من المروياتِ مع أَنَّهُ لمْ تَكُنْ السُّبْحَةُ المعروفةُ في زمنِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم كَمَا قال عليٌّ القَارِي (¬1) في «مرقاة المفاتيح شرح
¬
(¬1) قوله كما قال عَليٌّ القاري: هو عَليُّ بنُ مُحمَّدِ سلطان الهروي الحَنَفِي، نزيلُ مكة. وقيل: عَلِيُّ بنُ سلطان مُحَمَّدٍ، له تصانيفٌ كثيرةٌ منها: شرح المشكاة، وشرح مسند الإِمَام، وشرح الشفا، وشرح الشمائل، ورسائلُ كثيرةٌ ذكرتُ كثيراً منها في التعليقات السنية على الفوائد البهية (ص25)، قال صاحبُ خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر (3: 185 - 186: أحدُ صدور العلم في عصره، الماهرُ السَّمْتُ في التَّحقيقِ، ولِدَ بهراةَ ورحلَ إلى مكة وأخذَ بها عَن: أَبِي الحَسَن البكري، والشهاب أحمد بن حَجَر الهيتمي، والشيخ عَبْد الله السِّنْديّ، وغيرهم. واشتهر ذِكْرُهُ وطارَ صيتُهُ، وكان وفاتَهُ بمكةَ في شوالِ (1014هـ). انتهى. ملخصاً. وأَرَّخَ بعضُ أفاضلِ عصرنا في إتحاف النُّبَلاء وفاته سنة (1019هـ) وليس بصحيح فلا تلتفت إِليه. (النفحة).
أقول: حقَّقَ خليل قوتلاي في كتابه الإمام علي القاري وأثره في علم الحديث (ص44)، أنَّ اسمَ والد عَلِيّ القاري هو: سلطان محمد، وما عداه مجانب للصواب، بدليل أنه عبَّرَ عنه في مصنفاته. وقد وقفت على اسم أبيه بهذا الصورة في رسائله المخطوطة في المكتبة القادرية ببغداد.
أما مقصود الإمام اللَّكنَويّ ببعض أفاضل عصرنا هو صاحب إتحاف النبلاء صديق حسَن خان القَنُّوجِيّ المتوفَّى سنة (1307هـ)، ومؤلفه هذا باللغة الفارسية، وقد أكثر المذكور هذا من التعرض للعلماء الأعلام كأبي حنيفة النُّعمان وغيره، الأمر= =الذي دعا الإمام اللَّكْنَوِيّ تنبيهه لذلك؛ ليكفَّ عمّا تَقْتَرِفُ يداه، فكان يشير في مؤلفاته يشير في مؤلفاته إلى مسامحاته التي لا يقعُ بها طلابُ العلمِ، وقد صرَّحَ بهذا الإمام اللكنوي في إبراز الغي في شفاء العي، فراجعه.
مشكاة المصابيح» في شرحِ حديث: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الجُمُعَةَ فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ؛ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ وَزِيَادَةُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الحَصَى فَقَدْ لَغَا» (¬1). أخرجَهُ أبو داود وغيرُهُ.
المرادُ بمسِّ الحصى تسويةُ الأرضِ للسّجودِ فإنَّهم كانوا يَسْجُدونَ عليها، وقيل: تقليبُ السُّبْحَة وعدِّها، ذَكَرَهُ الطِّيبِيّ (¬2)، وفيه: أنَّ السُّبْحَةَ المعروفةَ لم تكنْ في زمنِ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم. انتهى.
¬
(¬1) رواه مسْلِم في كتاب الجمعة، رقم (1419). والتِّرْمِذِيّ في كتاب الجمعة، رقم (458). وأبو دَاوُدَ في كتاب الصَّلاة، رقم (886). وابن مَاجَه في كتاب إقامة الصَّلاة، رقم (1015،1080). وأحمد في باقي مسند المكثرين، رقم (9120).
(¬2) هو العلامةُ المحدِّثُ المفسِّرُ شرفُ الدين الحسينُ بنُ محمد بن عبد الله، وقيل: الحسين بن عبد الله بن محمد، من مؤلفاته: الخلاصة في معرفة الحديث، وشرح الكشاف، وشرح مشكاة المصابيح، توفي سنة (743هـ). الأعلام (2: 280).
وقد يقالُ: عدَمُ كونِ السُّبْحَةِ المتداولةِ في العهدِ النّبويّ لا يَمنَعُ حَمْلَ السُّبْحَةِ الواقعةِ في الحديثِ المذكورِ عليها، فقد أَخْبَرَ النّبيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم عن كثيرٍ من الأشياءِ التي حدثتْ بعدَهُ فيحتملُ أن يكونَ هذا منها.
وأمَّا عدَمُ الصِّحَّةِ فلا يَقدَحُ في المرامِ؛ لأنَّ الحديثَ الضَّعيفَ معتبرٌ في فضائلِ الأعمالِ على ما صَرَّحَ به جماعةٌ من الأعلام (¬1).
ومن ثُمَّ أوردَهُ السُّيُوطِيُّ في معرضِ الاستدلالِ، وكذا عَلِيّ القاري حيثُ قال في «المرقاة» في باب الذِكْرِ بعدَ الصَّلاةِ: صحَّ أنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم كان يعدُّ الذِّكْرَ بيمينِهِ، ووردَ أنَّهُ قال: «وَاعْقِدُوهُ بالأنَامِلِ فإنَّهُنَّ مَسْئولاتٌ مُسْتَنْطَقاتٌ» (¬2).
¬
(¬1) منهم: أحمد بن حنبل وابن سيد النَّاس وعلي القَارِي والسُّيُوطِيّ والسَّخَاويّ والعِرَاقِيّ=
=والنَّوَوِيّ وزكريا الأنصاريّ وابن حَجَرٍ وابن الهُمَام، كما في ظفر الأماني بشرح مختصر الشريف الجرجاني (189 - 190) للإمام اللَّكْنَوِيّ، ولمعرفة اختلاف العلماء بالمقصود بفضائل الأعمال ومذاهبهم في ذلك يراجع الكتاب المذكور وغيره من كتب المصطلح.
(¬2) سبق تخريجه (ص23).
وجاءَ بسندٍ ضعيفٍ عن عَلِيّ - رضي الله عنه - مرفوعاً: «نِعمَ المُذَكِّرُ السُّبْحَة».
وعن أَبِي هُرَيْرَة: أَنَّهُ كان له خيطٌ فيه ألفا عُقْدَةٍ، فلا يَنامُ حَتَّى يُسَبِّحَ بِهِ.
وفي روايةٍ: أَنَّهُ كان يُسَبِّحُ بالنَّوى.
وقال ابنُ حَجَرٍ: الرّواياتِ في التّسبيحِ بالنَّوى والحَصَى كثيرةٌ عن الصَّحَابَة وبعضِ أمهاتِ المؤمنينَ، بل رآها النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم وأقرَّها (¬1). انتهى.
* * *
¬
(¬1) ينظر حاشية الطَّحْطَاويّ على مراقي الفلاح (2: 213).
الْفَصْلُ الْرَّابِعُ
فِي بَيَانِ أَنَّ السُّبْحَةَ
كَانَتْ مُسْتَعْمَلَةً فِي زَمَانِ الصَّحَابَةِ
قد مرَّ أن أَبَا هُرَيْرَة - رضي الله عنه - كان يُسَبِّحُ بخيطٍ فيه ألفا عُقْدَةٍ، وهو عينُ وجودِ السُّبْحَةِ.
وورَدَ في حديثٍ مسلسلٍ أنَّ الحسَنَ البصريّ كان يَستعمِلُ السُّبْحَةَ، وكان هو في عصرِ الصَّحَابَة، وهو ما أجازني به الوَالِدُ الماجدُ مولانا عبدُالحليمِ (¬1) المرحومُ في رابعِ شعبانَ سنةَ خمسٍ وثمانينَ بعدَ الألفِ والمئتينِ، وقد رأيتُ ملازمتَهُ للسُّبْحَةِ، قال: أَجَزْتُكَ بما أجازني به الشَّيْخُ عبدُ الغني الدِّهْلَوِيّ (¬2) نزيلُ المدينةِ المنورةِ مؤلِّفُ «إنجاح الحاجة بشرحِ
¬
(¬1) هو الإمام العلامة الفقيه المحقِّق مُحَمَّد عبد الحليم بن مولانا مُحَمَّدِ أَمين الله (ت 1253 هـ) ابن مولانا مُحَمَّدِ أكبر اللَّكْنَوِيّ الحَنَفِيّ، صاحب التَّصانيف الشَّهيرة والفيوض الكثيرة الذي كان يَفتخر بوجوده أَفاضل الهند والعرب والعجم، من مؤلفاته: قمر الأقمار لنور المنار، وحل المعاقد في شرح العقائد، وكشف المكتوم فِي حاشية بحر العلوم (1237 - 1285 هـ). وقد ألَّف المصنِّفُ رسالةً في ترجمتِهِ اسمها حسرت العالم بوفاة سيد العالم.
(¬2) هو العلامة الشيخ عبد الغني بن أبي سعيد بن الصفي العمري الدِّهلَويّ ولد سنة (1235 هـ). وصفه عبد الحي الحسيني في نزهة الخواطر (7: 297): قد انتهت= =إليه الإمامة في العلم والعمل والزهد والحلم والأناة مع الصدق والإمانة والعفة والصيانة، وحسن المقصد والإخلاص، اتفق عليه العلماء من أهل الهند والعرب. ينظر الإمام عبد الحي اللكنوي (ص 106)، وأبجد العلوم (3: 260).
سنن ابن ماجه» ابن الشَّيْخِ المرحومِ أَبِي سعيد المُجددي الدِّهْلَوِيّ، وكان ذلك في السَّنةِ الثَّمانين بعد الألفِ والمئتينِ في المدينةِ المنورةِ، وقد رأى في يدِهِ سُبْحَةً قال: أَجَزْتُكَ بما يجوزُ لي رِوايته ممَّا هو مَذكورً في ثَبَتِ (¬1) شيخنا الشيخِ عابدِ السّنديّ نَزيلُ المدينةِ يعني «حصر الشَّارد» عنه قال هو في «حصر الشارد»: ناولني الشَّيْخُ يوسفُ بنُ محمدِ بنِ علاءِ الدِّينِ المِزْجَاجِيّ سُبْحَةً، قال: ناولني الشيخُ عبدُ الخالقِ بنُ أَبِي بكرٍ المِزْجَاجِيّ، ورأيتُ في يدِهِ سُبْحَةً، قال: ناولنيها الشيخُ مُحَمَّد حيوة السّنديّ، ورأيتُها في يَدِهِ، قال: ناولينها الشيخُ عبدُ اللهِ بنُ سالم البصريّ، ورأيتُها في يدِهِ، قال: ناولينها مُحَمَّدُ بنُ علاءِ الدِّينِ البَابِلِيّ، ورأيتُها في يدِهِ، قال: ناولنيها أَبُو النّجا سالمُ بنُ مُحَمَّدِ السَّنْهُورِيّ، ورأيتها في يدِهِ، قال: ناولنيها النّجمُ مُحَمَّدُ ابنُ أحمد بنِ الغَيْطِيّ، ورأيتها في يدِهِ، قال: ناولنيها الشَّيْخُ زكريا الأَنصارِيّ، ورأيتها في يده، قال: ناولنيها الحافظُ ابنُ حَجَرٍ، ورأيتها في
¬
(¬1) الفهرس الذي يجمع فيه المحدِّث مروياته وأشياخه، كأنه أُخذ من الحجَّة؛ لأن أسانيدَه وشيوخه حجَّةٌ له، وقد ذكره كثير من المحدِّثين، وقيل: إنه من اصطلاحات المحدثين، ويمكن تخريجه على المجاز. تاج العروس (4: 477).
يده، قال: ناولنيها مجد الدِّين يعقوبُ الفَيْرُوزآبادِيّ صاحب «القاموس»، ورأيتُها في يدِهِ.
«ح» وأجازني شيخُ أهلِ مكةَ الشَّيْخُ أحمد دحلان (¬1) مؤلِّف «السيرة النّبويَّة» في ذي القعدةِ من السَّنةِ التّاسعةِ والسبعينَ بمكةَ، ورأيتُ السُّبْحَةَ في يدهِ، قال: أجزتُكَ بما أَجازني به خاتمةُ العلماءِ المحقِّقين العلامةُ الشَّيْخُ عُثْمَانُ بنُ الشَّيْخِ حسَن الدِّمْيَاطيّ الشَّافِعِيّ بما أجازَهُ أشياخُهُ من علماءِ الجامعِ الأزهر، وهم كثيرون أجلُّهم العلامةُ مُحَمَّدُ الأمير، قال هو في رسالته: أجازني الشيخُ شهابُ الدِّينِ أحمدُ الجوهري عن شيخِهِ عبدُ اللهِ بنِ سالم البصريّ المَكِّيّ، قال: ناولني السُّبْحَة الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بنُ سليمانَ المغربيّ، ناولها له أَبُو عثمانَ الجزائريّ عن أَبِي عُثمان المقرئي عن سيدي أحمدَ حجِّي عن سيدي إِبراهيمَ عن أَبِي الفتح المَرَاغِيّ عن أَبِي العَبَّاس أَحمدَ بنِ أَبِي بكرٍ الرّواد عن مجدِ الدِّينِ الفَيْرُوزآبادِيّ، قال: ناولنيها جمالُ الدِّينِ يُوسُفُ بنُ مُحَمَّدٍ، ورأيتها في يدِهِ، قال: ناولنيها تقي الدِّينِ بنُ أَبِي الثناءِ مَحْمُود بنِ عَلِيّ، ورأيتها في يدِهِ، قال: ناولنيها محي الدِّين عبدُ الصمدِ بنُ أَبِي الحَسَنِ المقرئي، ورأيتها في يَدِهِ، قال: ناولنيها
¬
(¬1) هو العلامة الشيخ أبو العباس أحمد بن زيني دحلان الشَّافِعِيّ المَكِّيّ، من مؤلفاته: الجداول المرضية في تاريخ الإسلام ووالفتح المبين في فضائل الخلفاء الراشدين وأهل البيت الطاهرين، والدرر السنية في الرد على الوهابية (1231 - 1304هـ). الإمام عبد الحي اللكنوي (ص102).
أَبِي، ورأيتها في يده، قال: ناولنيها أبو الفضلِ مُحمَّدُ بنُ ناصر، ورأيتها في يَدِهِ، قال: ناولنيها مُحمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أحمد السَّمَرْقَنْدِيّ، ورأيتها في يده، قال: ناولنيها أَبُو بكرٍ بنُ عَلِيّ السَّلاميّ الحَدَّاد، ورأيتها في يده، قال: ناولنيها أَبُو نصر عبدُ الوهابِ بنُ عبدِ اللهِ، ورأيتها في يَدِهِ، قال: ناولنيها أبو الحسَن عَلِيّ بنُ الحَسَنِ بنِ القاسم الصُّوفِيّ، ورأيتها في يده، قال: ناولنيها أبو الحَسَنِ المَالِكِيّ، ورأيتها في يده فقلت: يا أستاذ وأنت إلى الآن مع السُّبْحَةِ، قال: كذلك رأيتُ أُستاذي الجُنَيْد، فقلتُ: يا أستاذي أنت إلى الآن مع السُّبْحَةِ، قال كذلك رأيتُ أُستاذي سَرِيّ السَّقَطِيّ (¬1) وفي يَدِهِ سُبحةٌ، فقلتُ: يا أستاذ أنت إلى الآن مع السُّبْحَةِ، قال: كذلك رأيتُ أُستاذي معروف الكَرْخي فسألتُهُ عمَّ سألتني عنه، فقال: كذلك رأيتُ أُستاذي بشر الحافي وفي يَدِهِ سُبْحَةٌ، فسألته كما سألتني عنه، فقال: رأيتُ أُستاذي عُمَر المَكِّيّ وفي يده سُبْحَةٌ، فسألته لما سألتني عنه، فقال: رأيتُ أُستاذي الحَسَن البَصْرِيّ وفي يده سُبْحَةٌ، فقلتُ: يا أُستاذ مع عظمِ شأنكِ وحسنِ عبادتِكَ أنت إلى الآن مع السُّبْحَةِ، فقال لي: هذا شيءٌ كُنَّا استعملناهُ في البداياتِ ما كُنَا نتركُهُ في النِّهاياتِ، إني أُحبُّ أن أَذْكُرَ اللهَ بقلبي ويدي ولساني.
¬
(¬1) هو الإمام أبو الحسن سَريّ بن المغلس السَّقَطِيّ، خال الجنيد، من كلامه: من عجز عن أدب نفسه كان عن أدب غيره أعجز، (ت253هـ). الأعلام (3: 129).
قال مُحَمَّدُ الأمير في رسالته قال الشيخ أَبو العباس الرّواد: تَبيَّنَ من قَولِ الحَسَنِ أنَّ السُّبْحَة كانت موجودةً في زمنِ الصَّحَابَةِ؛ لأنَّ بدايتَهُ في زمنهم (¬1).
قلتُ: فَعُلِمَ أنَّها لا تصحُّ في زمنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولا ما اشتهر من عدِّها من خلفائه. انتهى.
وقال الشَّيْخُ عابدُ: أهلُ المسلسلاتِ قد أوردوا هذا المسلسلَ، وأشارَ السَّخَاويّ إلى غالب طُرقِهِ، وقال: إنَّ مدارَ روايتِهِ على أَبِي الحَسَنِ الصُّوفِيّ، وقد رُمي بالوضعِ.
وروايةُ عُمَر المَكِّيّ عن الحَسَنِ البَصْرِيّ مُعْضَلةٌ (¬2)، ثُمَّ سلسله من طريقٍ آخر وسكتْ عنه.
وظَهَرَ من هذا المسلسلِ أَنَّ السُّبْحَةَ كانت مُتَخَذَةً في عهدِ الصَّحَابَةِ، وذلك؛ لأنَّ بدايةَ الحَسَنِ كانت في زمنِهم، فقد رآى عُثمانَ وعَليَّاً
¬
(¬1) أي بداية الحسَن البصريّ رضي الله عنه فقد ولد (21هـ)، وتوفي (110هـ).
(¬2) في الأصل: معضل.
وطَلْحةَ، وكان يوم الدَّار (¬1) ابنَ أربعَ عشرةَ سنة، وقد روى عن خَلقٍ كثيرٍ من الصَّحَابَةِ.
وقصة جويرية أوَّلُ دليلٍ عليه، ولذلك ألَّفَ السُّيُوطِيُّ فيه رسالةً مُستقلةً. انتهى.
وقال سالمُ بنُ عبدُ اللهِ بنِ سالمِ البَصْرِيّ المَكِّيّ في رسالته «الإمداد في علو الإسناد» بعدما ذَكَرَ طريقَ والدِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الأمير، قالَ الشَّيْخ أبو العباسِ الرّواد: تَبَيَّنَ من قولِ الحَسَنِ البَصْرِيّ أنَّ السُّبْحَةَ كانت موجودةً مُتَخَذَةً في عهدِ الصَّحَابَةِ لقولِهِ هذا شيءٌ كنَّا استعملناهُ في البداياتِ، وبدايةُ الحَسَن من غير شكٍّ كانت مع أصحابِ رسولِ الله صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم فإنَّهُ وُلِدَ لسنتين بقيتا من خلافةِ عُمَر رضي الله عنه، ورأى عثمان وعلياً وطلحةَ، وحضرَ يوم الدَّار في قضيةِ عثمانَ وعُمُرُهُ أربعَ عشرةَ سنةً، وروى عن عثمانَ وعَلِيّ وعمران بنِ حصين ومعقلِ بنِ
¬
(¬1) يوم الدار: هو اليوم الذي اجتمعت فيه الغوغاء لقتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقد كفَّ أيدي الصَّحابة عن قتالهم حقناً لدماء المسلمين وأخذاً بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روى التِّرْمِذِيّ في سننه (5: 631) وغيره، قال عثمان يوم الدار: إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قد عَهِدَ إليَّ عَهْدَاً فأَنا صابرٌ عليه، قال التِّرْمِذِيّ: هذا حديث حسن صحيح غريب.
يسارٍ وأبي بكرةَ وأبي موسى وابنِ عباس وجابرٍ وخلقٍ كَثيرٍ من الصحابةٍ.
والخلافُ في روايته (¬1) عن عَلِيّ مشهورٌ. انتهى.
وَذَكَرَ السُّيُوطِيُّ (¬2) هذا المسلسلَ من طريقِ أَبِي عبدِ الله مُحَمَّدِ بنِ أبي بكرٍ قال أخبرني الإمامُ أبو العباسِ أحمدُ بنُ المحاسن يُوسُف بقراءتي عليه، ورأيتُ في يَدِهِ سُبْحَةً، قال أخبرني الإِمَامُ أَبُو العَبَّاس أَبو المظفر يُوسُفُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ مسعودِ التِّرْمِذيّ، ورأيتُ في يَدِهِ سُبْحَةً، قال: قرأتُ على شيخنا أبي الثَّناءِ، ورأيتُ في يَدِهِ سُبْحَةً، قال: أخبرنا عبدُ الصمدِ أحمد بن عبد القادر، ورأيتُ في يَدِهِ سُبْحَةً، قال: أخبرنا أَبو مُحَمَّدٍ يُوسُفُ بنُ عبدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَلِيّ، ورأيتُ في يَدِهِ سُبْحَةً، قال: أخبرنا أَبِي، ورأيتُ في يَدِهِ سُبْحَةً، قال قرأتُ على أَبِي الفَضْلِ بنِ ناصرٍ، ورأيتُ في يَدِهِ سُبْحَةً، بسندِهِ المذكورِ.
ثُمَّ قال (¬3): فلو لم يكنْ في اتخاذِ السُّبْحَة غير موافقة هؤلاء السَّادَةِ والدُّخُولِ في مَسْلَكِهم لصارتْ بهذا الاعتبار من أهم الأمور وآكدها،
¬
(¬1) في الأصل: رواية ..
(¬2) في المنحة (1: 4 - 5).
(¬3) أي السُّيُوطِيّ في المنحة (5:1).
فكيف وهي مُذكرةٌ لله تعالى؛ لأنَّ الإنسانَ قَلَّ أن يراها إِلا ويَذْكُرُ (¬1) اللهَ، وهذا من أعظمِ فوائدها، وبذلك كان يُسمِّيها بعضُ السَّلف (¬2). انتهى.
* * *
¬
(¬1) في الأصل بذكر.
(¬2) أي يسمونها بالمذكرة كما سيأتي.
الفَصْلُ الخَامِسُ
فِي نُصُوصِ العُلَمَاءِ
عَلَى جَوَازِ اِتْخَاذِ السُّبْحَةِ
غَيْرَ مَا مَرَّ فِي أَثْنَاءِ الفُصُولِ السَّابِقَةِ
قال عَلِيٌّ القَارِي في «المِرقاة» في شرح حديث سعد المذكورِ في الفصلِ الأَوَّلِ: هذا أصلٌ صحيحٌ لتجويزِ السُّبْحَةِ لتقريرِهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم تلكَ المرأةِ إذ لا فَرْقَ بين المنظومةِ والمنشورةِ، ولا يُعتَدُّ قَولُ مَن عدَّها بدعةً.
وقد قال المشايخُ: إِنَّها سَوْطُ الشَّيطانِ.
وَرُئي مع الجُنَيْدِ سُبْحَة في يَدِهِ حال انتهائِهِ، فسئلَ عنها (¬1)، فقال: شيءٌ وَصَلْنَا بِهِ إلى اللهِ كيفَ نَتْركُهُ. ولعلَّ هذا أحد معاني قولهم النّهاية هي الرّجوع إلى البدايةِ. انتهى.
¬
(¬1) في الأصل: عنه.
وقال السُّيُوطِيُّ في «المنحة»: لم ينقلْ عن أحدٍ من السَّلفِ ولا من الخَلَفِ المنعُ من جوازِ عدِّ الذِّكْرِ بالسُّبْحَةِ، بل كان أكثرُهُم يعدُّونَهُ بها ولا يرونَهُ مَكروها، وقد رُئِي بعضُهم يعدُّ تسبيحاً، فقيل له: أتعدَّ على اللهِ، فقال: لا، ولكنى أعدُّ له. انتهى (¬1).
وقال مُحمَّدُ (¬2) بنُ مُحمَّدِ بنِ مُحمَّدِ الشَّهيرِ بابنِ أميرِ حاج الحَلَبِيّ في «حَلْبَة المُجَلِّي (¬3) شرح مُنْيَة المُصلِّي» بعدما ذَكَرَ حديثَ سعدٍ ويُسَيْرَةٍ: هذه الأحاديثُ ممَّا تَشهدُ بجوازِ اتخاذِ السُّبْحَةِ المعروفةِ لإحصاءِ عددِ التَّسبيحِ وغيرِهِ من الأذكارِ من غير أن يتوقفَ على ورودِ شيءٍ خاصٍ فيها بعينِها، بل حديثُ سعدٍ كالنَّصِّ في ذلك، إذ لا تَزيدُ السُّبْحَةُ على مضمونِهِ إلا بضمِ النّوى ونحوِهِ في خيطٍ، ومثلُ ذلك لا يَظهرُ تأثيرُهُ في المنعِ، فلا جَرَمَ إن نُقِلَ اتخاذها والعملُ بها عن جماعةٍ من السَّادةِ الأخيارِ. انتهى.
¬
(¬1) في المنحة (5:1).
(¬2) قوله وقال مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ ... الخ: هو تلميذُ للشيخِ ابنِ الهُمَام والحافظِ ابنِ حَجَرٍ، وشرحه للمُنْيَةِ يدلُّ على تبحرِهِ وسعةِ نظرِهِ ورجحانِ فِكْرِهِ، ولو جُعِلَ من أربابِ التَّرْجيحِ فهو رأيٌ نجيحٌ، وقال العلامةُ حيوةُ السِّنْديّ المَدَنيّ في رسالته فتح الغفور في وضع الأيدي على الصدور: أَنَّهُ تلو شيخه ابن الهُمَام في التَّحقيقِ وسعةِ الاطلاعِ. انتهى. وذَكَرَ صَاحِبُ كشف الظنون (358:1) أنَّ وفاتَهُ كانت سنةَ (879هـ). (النفحة).
(¬3) في الأصل: حلية المحلي.
وفي «البحر الرّائق» (¬1) بعد ذِكْرِ حديثِ سعدٍ: هذا الحديثُ ونحوهُ ممَّا يَشهدُ بأنَّهُ لا بأسَ باتخاذِ السُّبْحَةِ المعروفةِ لإحصاءِ عدد الأذكارِ، إذ لا تزيدُ (¬2) السُّبْحَةُ على مضمونِ هذا الحديثِ إلا بضمِّ النّوى ونحوهِ في خيطٍ، ومثلُ ذلك لا يَظَهَرُ تأثيرُهُ في المنعِ، اللهم إلا إذا ترتبَ عليها رياءٌ وسمعةٌ، فلا كلامَ لنا فيه. انتهى (¬3).
وفي «الدُّر المُخْتَار» (¬4): لا بأس باتخاذِ السُّبْحَة لغيرِ رياءٍ كما بَسطَهُ في
¬
(¬1) قوله وفي البحر: هو شرح كنز الدقائق للفاضل زين العابدين بن إِبراهيم بن نجيم الحَنَفِي، صاحب الأشباه والنظائر، ووفتح الغفار شرح المنار، والفتاوي، والرسائل الكَثِيرَة النافعة، قال النجم الغَزِّي في الكواكب السائرة في أعيان المئة العاشرة في ترجمته: أَنَّهُ أخذ العلومَ عن جماعةٍ منهم: الشَّيْخ شرف الدِّين البُلْقِينِيّ والشِّهَاب بن الشَّلَبِيّ، وأمين الدِّين بن عبد العادل، وأفتى في حياة أشياخِهِ، وانتفعَ به=
=خلائقٌ، كانت وفاتُهُ سنة (969هـ). انتهى ملخصاً.
وذَكَرَ ابنُهُ أحمدُ بنُ نجيم في ديباجة الرسائل الزينية (ص7): أن وفاتَهُ في شعبان سنة (970هـ). وهذا هو الصحيح. (النفحة).
(¬2) في الأصل يَزِيد.
(¬3) من البحر الرائق (2: 31).
(¬4) قوله وفي الدُّر المُخْتَار: هو شرح لتنوير الأبصار لعلاء الدِّين مُحمَّدِ بنِ عَليِّ ابنِ مُحمَّدِ بنِ عَلِيّ بنِ عبدِ الرَّحمنِ الدِّمَشْقِيّ المعروف بالحَصْكَفِيّ، نسبةً إلى حصن كيفا من ديار بَكْر على خلافِ قياسٍ، كان عالماً محدِّثاً فقيهاً نحوياً كثيرَ الحفظِ جيدَ التقريرِ والتحريرِ، وُلِدَ بدمشقَ، وقرأَ على: وَالِدِهِ، وعلى مُحمَّد المحَاسِبيّ، خطيبُ دمشق ولازمَهُ وانتفعَ به حَتَّى أجازَهُ سنةَ (1062هـ)، وأخذَ برملة عن خير الدِّين الرَّمْلِيّ وسافر إلى الروم سنة (1073هـ) فولي المدرسة، ثُمَّ صار مفتي الشَّام، وصنَّفَ التصانيفَ المفيدةَ منها: خزائن الأسرار شرح تنوير الأبصار، ومختصره الدُّر المُخْتَار، والمنتقى شرح الملتقى، ومختصر الفتاوي الصوفية، وتعليقات على البُخَارِيّ والبيضاوي وغيرِ ذلك، وتوفِّي بدمشق عاشر شوال سنة (1088هـ). كذا في خلاصة الأثر (4: 63 - 65). (النفحة).
«البحر». انتهى (¬1). (¬2)
¬
(¬1) من الدُّر المُخْتَار بهامش رَدّ المُحْتَار (1: 437).
(¬2) نصوص العلماء في جواز اتخاذ السُّبْحَةِ كثيرة، أضيف بعضها إلى ما ذكره الإمام اللَّكْنَوِيّ:
قال صاحب عون المعبود شرح سنن أبي داود (4: 257 - 258): الحديث دليلٌ على جوازِ عدِّ التَّسبيحِ بالنَّوى والحصى، وكذا بالسُّبْحَةِ لعدم الفارق لتقريره صلى الله عليه وسلم للمرأةِ على ذلك، وعدم إنكاره، والإرشاد إلى ما هو أفضل لا ينافي الجواز، وقد وردت بذلك آثار.
وقال الشَّوْكانِيُّ في نيل الأوطار (3: 258 - 259): والحديثان الآخران يدلان على جوازِ عدِّ التَّسبيحِ بالنَّوى والحصى، وكذا بالسُّبْحَةِ لعدم الفارق لتقريرِهِ صلى الله عليه وآله وسلم للمرأتين على ذلك وعدم إنكاره، والإرشاد إلى ما هو أفضلُ لا ينافي الجواز، وقد وردت بذلك آثار، ففي جزء هلال الحفار من طريق معتمر بن سليمان عن أبي صفية مولى النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنَّهُ كان يوضع له نطع، ويجاء بزنبيل فيه حصى، فيسبِّحُ به إلى نصف النَّهار، ثم يرفعُ، فإذا صلَّى أُتى به فيسبِّحُ حتَّى يُمسي.
وقد أقرَّ صاحبُ تحفة الأحوذي (9: 322) كلامَ الشَّوْكاني هذا.
وكلام ابن الصلاح في فتاواه (1: 400) يفيد جوازها، حيث قال في مسألة يجوز للإنسان أنَّ يُسَبِّحَ بِسُبْحَةٍ خيطها حرير والخيط ثخين؟
أجاب رضي الله عنه: لا يحرُّمُ ما ذَكَرَهُ في السُّبْحَةِ المذكورةِ، والأولى إبداله بخيط آخر.
وفي «المرقاة» في شرح حديثِ يُسَيْرَةٍ: فيه جوازُ عدِّ الأذكار بسُبْحَةِ الأبرارِ، وقد كان لأبي هُرَيْرَة خيطٌ فيه (¬1) عقدٌ كثيرةٌ يُسَبِّحُ بها، وَزَعْمُ أنَّها بدعةٌ غير صحيحٍ؛ لوجودِ أصلها في السُّنَّة، ولقوله صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيُّهُمْ اِقْتَدَيْتُمْ اِهْتَدَيْتُمْ» (¬2)، وإنَّما العقدُ
¬
(¬1) غير موجودة في الأصل.
(¬2) وقد ذَكَرَهُ عبد الوهاب بن محمد المعروف بابن مَنْدَه (388 - 475هـ) في الفوائد (ص29) وقال: إسناده ساقط والحديث موضوع.
وفي لسان الميزان (2: 137): أخرجه الدَّارَقُطْنِي في غرائب مالك، والخطيب في الرواة عن مالك من طريق الحسن بن مهدي بن عبدة المروزي عن محمد بن أحمد السكوني عن بكر بن عيسى المروزي أبي يحيى عن جميل به، قال الدَّارَقُطْنِيّ: لا يثبتُ= =عن مالك ورواتُهُ مجهولون، قلتُ ـ أي ابن حجر ـ: وذَكَرَهُ ابن أبي حاتم بن يزيد عن أبي شهاب الحناط، وعنه أحمد بن عبد الله بن قيس بن سلمان بن شريك المروزي، وقال: سألت أبي عنه، فقال: لا أعرفه، كذا أورده النباتي في ذيل الكامل.
وقال العجلوني (ت1162هـ) في كشف الخفاء (1: 147): رواه البَيْهَقِي وأسنده الدَّيْلَمي عن ابن عبَّاس بلفظ: أصحابي بِمَنْزِلة النجوم في السماء بأيهم اقتديتم اهتديتم.
وقال ابن المُلَقِّن (723 - 804هـ) في خلاصة البدر المنير في تخريج كتاب الشرح الكبير (2: 431): رواه عبد بن حميد من: رواية ابن عمر، وغيره من: رواية عمر، وأبي هريرة، وأسانيدها كلّها ضعيفة، قال البَّزَارُ: لا يصحُّ هذا الكلام عن رسول الله صلَّى الله تعالى عليه وسلَّم، وقال ابنُ حزمٍ: خبرٌ مكذوبٌ موضوعٌ باطلٌ لم يصحَّ قط.
وقال ابن حَجَر بعد التفصيل بذكر الكلام السابق في تلخيص الحبير (4: 190): وقال البَيْهَقِي في الاعتقاد عقب حديث أبي موسى الأشعري الذي أخرجه مسلم بلفظ: النجوم أمنة أهل السماء فإذا ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون، قال البَيْهَقِي: رُوِي في حديث موصولٍ بإسنادٍ غير قوي، يعني: حديث عبد الرحيم العمي، وفي حديث منقطعٍ يعني حديث: الضحاك بن مزاحم: مثل أصحابي كمثل النجوم في السماء من أخذ بنجم منها اهتدى، قال: والذي رويناه هاهنا من الحديث الصحيح يؤدي بعض معناه، قلت ـ أي ابن حجرـ: صدقَ البَيْهَقِي هو يؤدي صحَّة التشبيه للصحابة بالنجوم خاصةً، أمَّا في الاقتداء فلا يظهر في حديث أبي موسى، نعم يمكن أن يتلمح ذلك من معنى الاهتداء بالنجوم، وظاهر الحديث إنما هو إشارةٌ إلى الفتن الحادثةِ بعد انقراضِ عصر الصحابة من طمس السُّنن، وظهور البدع، وفشو الفجور في أقطار الأرض، والله المستعان.
وجَعْلُ حديثِ مسلمٍ شاهداً له هو ما مال إليه عبد الله بن الصديق الغماري في أحد تعليقاته على رسالة السُّيُوطِيّ في الطريقة الشاذلية. ... وقال الإِمَام اللَّكْنَوِيّ في نخبة الأنظار (54) عنه: حسَّنه الصَّغَانيّ، وفي شرح مختصر المنار لقاسم بن قُطْلُوبُغَا: رواه الدَّارَقُطْنِيّ وابن عبدِ البَرِّ من حَدِيث ابن عُمَر رضي الله عنهما، وقد روي معناه من حديث أنس، وفي أسانيدها مقال لكن يشدُّ بعضُها بعضاً.
وقال الشَّيْخ المحدِّث عبد الفتاح أَبُو غدة فيها: ورد هذا الحديث في الجملة وأنه ليس بموضوع.
بالأناملِ دلالةٌ على الأفضلِ ويدلُّ عليه التَّعليل بقولِهِ: «فإنَّهنَّ ـ أي الأنامل ـ مَسْئولاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ» (¬1). انتهى.
وفي «الإرشاد والتّطريز في فضل ذكر الله وتلاوة كتابه العزيز» للقطب اليَافِعِيّ (¬2): رآى بعضُهم في يدِ الجُنَيْدِ سُبْحَةً، فقال له: أنتَ مع شرفكَ تأَخُذُ بيدكَ سُبْحَةً، فقال: طريقٌ وصلتُ به إلى ربي لا أُفارقُهُ.
¬
(¬1) سبق تخريجه (ص23).
(¬2) قوله للقطب اليَافِعِي: هو صاحبُ مرآة الجنان في التاريخ وغيره، عبدُ اللهِ بنُ عَليّ بن سُلَيمان بن فلاح اليمني الشَّافِعِيّ أَبُو السعادات، وُلِدَ باليمن قبل سبعمئة بسنتين أَو ثلاث، وأخذ عن: مُحمَّدِ بنِ أحمدَ الذهيبيّ المعروفِ بالبصالِ، وعن شرفِ الدِّينِ أحمدَ مفتي عدن. ونشأ على خيرٍ وصلاحٍ، وحجَّ سنةَ (712هـ)، وجاور بمكة من سنة (716هـ)، ولازمَ المشايخَ، ورحلَ إلى قدس ومصر ودمشق وغيرها، قال الآسنوي [في طبقات الشافعية (2: 330)]: كان كثير التصانيف، واشتهر ذكره، وَبَعُدَ صِيْتُهُ، وتوفِّي في جمادى الأخرى سنة (768هـ). كذا في الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة للحافظ أحمد بن حَجَر العسقلاني. (النفحة).
قُلْتُ: ولم يزلْ الأكابرُ من الشُّيوخِ السَّالكينَ أُولى التَّحقيقِ والأخيارِ (¬1) من المريدينَ والنَّاسكين أُولِى التَّوفيق يستحسنونَ السُّبْحَةَ، وقد رأيتُ في بعضِ المناماتِ سُبْحَتَينِ عند النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم بعدما رأيتُ كأَني في جماعةٍ من الصَّالحينَ، وفيهم شيخنا أَبُو عبدُ اللهِ محمدُ بنُ أحمد الذَّهَبِيّ، وشيخُنا وسيدُنا الشيخُ مسعودٌ، إذ قد أقبلَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم كأنَّهُ البدرُ الطَّالعُ، وهو يَحملُ في ردائِهِ شيئاً قاصداً ذلك الجمعَ، فأعطاهُ، وإذا هو شيءٌ أخضرٌ من ثمارِ الفواكهِ.
فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، نصيبي، فأشارَ إِلَيَّ أن أمشي فمشيتُ بعدَهُ فَدَخلَ بيتاً، ثُمَّ صَعَدَ غُرْفَةً فَصعدتُ، وإذا في زاوية الغرفةِ من تلكَ الفاكهةِ المذكورةِ، فَغَرَفَ لي (¬2) منها بكفيِهِ الكريمتينِ، ورأيتُ في الغرفةِ السُّبْحَتَينِ المذكورَتَينِ.
وَذَكَرَتْ (¬3) بعضُ النّساءِ الخيراتِ أنَّها رأتْ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم فأطالتْ الكلامَ، ثُمَّ قالتْ: ما أشتهي أن أُفارِقَكَ فَأَخَذَ تُراباً
¬
(¬1) في الأصل: الأخبار.
(¬2) في الأصل: له.
(¬3) في الأصل: وذكر.
أبيضَ من جدارِ القبلةِ، ووضعَه (¬1) في كفِهِ اليُسرى ثُمَّ نَحتَ في الأرضِ بكفِهِ اليمنى، فنبعَ ماءٌ فغَرَفَ غُرْفَةً بكفِهِ اليُمنى وعَجَنَ به التُّرابَ الذي في اليُسرى، وأخذَ السُّبْحَة التي كانت معها فلطخها بذلك الطّينِ، ثُمَّ وَضَعَ السُّبْحَةَ على جِسْمِهِ المباركِ، أحدُ طرفيها على صدرِهِ والآخرُ على وجهِهِ، ثُمَّ أعطاها إياها، وقال: إن أردتِ أن لا تفارقيني فلا تُفارقي هذه السُّبْحَةِ، ثُمَّ استيقظتُ وأَثَرُ الطّينِ في السُّبْحَةِ.
وأخبرني بعضُ الأخيارِ، وهو زوجُ تلك المرأةِ أنَّ أَثَرَ الطّينِ المذكورِ باقٍ في السُّبْحَةِ.
قُلْتُ: والظَّاهرُ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم أرادَ بملازمةِ السُّبْحَةِ التَّسبيحُ بها. انتهى.
قُلْتُ: وهذا من أحسَنِ الحجج على جوازِ اتخاذِ السُّبْحَةِ؛ وتحسينُهُ؛ لأنَّ مَن رأى النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم في المنامِ، فقد رأى الحقَّ، فإن الشَّيطانَ لا يتمثلُ به (¬2) على ما أَخْرَجَهُ ثُقاتُ الأعلامِ فَمَن رأى النَّبِيّ صَلَّى
¬
(¬1) في الأصل: ووضع.
(¬2) قوله: لا يتمثل به: لقوله صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم: من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي، أخرجه الْبُخَارِيّ (6: 2568) برقم (6593)، وأحمد (2: 342) برقم (8489) والترمذي (4: 535) برقم (2276) من حَدِيث أنس، وفي رِوَايَةٍ مسْلِم (4: 1775) برقم (2266) من حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة: من رآني في المنامِ فسيراني في اليقظة، وقال: وكأنما رآني في اليقظة. وفي رواة الْبُخَارِيّ (6: 2568) برقم (6595) ومسلم من حَدِيث أَبِي قَتَادَة: من رآني فقد رآى الحقَّ. ولمسلم (4: 1776) برقم (2268) من حَدِيث جَابِر: من رآني في المنام فقد رآني، فَإِنَّه لا ينبغي للشيطان أن يتمثل في صورتي. وفي روايةٍ أخرى له (4: 1776) برقم (2268): فَإِنَّه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي. وفي رِوَايَة أخرى لمسلم والبخاري من حَدِيث أَبِي قَتَادَة: من رآني فقد رأى الحقَّ، فإن الشيطان لا يتراآى أن يتمثل بي. والأخبار في هذا الباب كثيرةٌ وشواهدها شهيرةٌ. (النفحة).
اللهُ عليهِ وَسَلَّم في المنامِ يَسْتَحْسِنُ شَيْئًا لم يدلَّ الدَّليلُ الصَّحيحُ على كونِهِ قبيحاً فهو حسنٌ (¬1)، وما رآه النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم حسناً فهو عند اللهِ حسنٌ.
¬
(¬1) قوله: فهو حسنٌ كما قال عبدُ اللهِ بنُ أَبِي جمرة الأندلسي المالكي في شرح مختصر البُخَارِيّ المسمَّى ببهجة النفوس: مَن رآه في صورة حسنةٍ، فذلك حسنٌ في دينِ الرآئي، وإن كان في جوارحه شين أَو نقصٌ، فذلك خللٌ في الرآئي من جهة الدِّين، فهذا هو الحَقّ، فقد جُرِبَ فَوجِدَ على هذا الأسلوب، وكذلك يُقَالُ في كلامه عليه= =السلام في النّوم أنَّهُ يُعرضُ على سنتهِِ فما وافقها، فهو حقٌ، وما خالفها فالخللُ في سَمِعَ الرآئي. فرؤيا الذات الكريمة حقٌّ، والخللُ إما هو في سَمِعَ الرَّائي أو بصره، وهذا خيرُ ما سمعته في ذلك. انتهى ملخصاً.
ويؤيدُهُ ما ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ في تنوير الحوالك على مُوَطَّأ مَالِك (214:1): أَنَّهُ وَقَعَ في زمنِ شيخِ الإِسلامِ عِزِّ الدِّينِ بنِ عبدِ السَّلام أن رجلاً رأى النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم في النّوم، فقال له: اذهب إلى موضعِ كذا فاحفره، فإن فيه ركازاً فخذه لك ولا خمسٌ عليك فيه، فلمَّا أصبحَ ذَهَبَ إلى ذلك الموضعِ فحفرَهُ، فوجدَ الرَّكازَ، فاستفتى علماءَ عصرِهِ، فأفتوه بأنَّهُ لا خمسَ عليه لصحةِ الرُّؤيا، وأَفتى الشَّيْخُ عِزُّ الدِّين بأنَّ عليه الخمسَ، وقال: أكثر ما يُنَزَّلُ منامه مَنْزِلَةَ حَدِيثٍ روي بإسنادٍ صحيحٍ، وقد عارضه ما هو أَصَحُّ منهن وهو الحديثُ المخرج في الصَّحيحين (2: 544)، (3: 1334): في الرَّكَازِ الخُمْسُ فَيُقَدَّمُ عليه. انتهى.
ولعلك تَتَفَطَّنُ من هاهنا أنَّ مَن قال: المنام ليس بحجَّةٍ ليس مراده كما يفهمه العوام أنَّ كُلَّ منامٍ كائن ما كان ليس بحجَّةٍ، بل أرادَ منامَ غير النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم، ومنامه المخالف للثابت بأدلة شريعته الطَّاهرة، فإن قلتَ: فلو رأى أحدٌ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم يوجب عليه شَيْئًا هو مباحٌ في شرعِهِ، فهل يكون ذلك حجَّةً ويجب عليه ذلك، أم يبقى في درجة الإباحة.
قلت: قد اختلفَ فيه: فمن قائل يَقُولُ: لا يجب عليه، لأنَّ كلامَهُ إِنَّمَا يكون موجباً ولازماً الإطاعةِ إِذَا صدر عنه في زمان التشريع، وهو زمان حياته الدنيوية، وأمَّا كلامه في الحياة الأخروية فليس بموجبٍ. ومن قائل يلزم عليه ذلك لأنَّهُ لا شبهة في رؤية النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم؛ لعدم إمكان تصور الشيطان به، فليست رؤيته كرؤية غيره، وهو صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم حيٌّ كحياةِ عالم الدُّنْيا، فيلزمُ إطاعةُ قولِهِ في هذه الحالةِ أيضاً. لذلك غاية ما في الباب أن لا يكون هو حجَّةً على غيره.
فإن قُلْتُ: يخالفُ ما ذكرتَ ما ذَكَرَهُ مُحَمَّد الخطيب الشَّرْبينيّ الشَّافِعِيّ في الإقناع شرح مختصر أَبِي شجاع (1: 235): أَنَّهُ لا عبرة لقول مَن قال: أخبرني النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم في النوم بأنَّ الليلةَ أولُ رمضانٍ، فلا يَصِحُّ الصَّومُ به بالاجماعِ؛ لفقد ضبط الرَّآئي له، لا للشَّكِ في الرُّؤيَةِ. انتهى.
قُلْتُ: لا مخالفةَ فَإِنَّهُ إِنَّمَا لم يكنْ الاعتبارَ له هاهنا لأنه صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم علَّقَ الصَّومَ برؤيةِ الهلالِ، حيث قال: صُومُوا لِرؤيتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرؤيتِهِ. أخرجه مسْلِم (2: 762)، والتِّرْمِذِيّ (3: 68) وغيرهما.
فإذا لم يرَ أحدٌ الهلالَ لا يصحُّ صومُ رمضان المتعلِّقِ بها بمجرد ذلك المنام؛ لكونه مخالفاً لشرعه الثَّابت فيحمل على خلل في فهم الرَّائي أَو سمعه. فافهم واستقم.
وممن اختارَ أنَّ أمرَهُ المنامي ليس بموجب لا للشَّكِ في الرُّؤيَةِ بل لعدم الاعتماد على الضبط الإِمَامُ محيي الدَّين النَّوويّ الشَّافِعِيّ كما نقله الشِّهابُ أحمدُ الخَفَاجيّ الحَنَفِي في نسيم الرياض شرح شفا القاضي عياض حيث قال: اعلم أَنَّهُ حكى عَن الأَشْعَرِيّ والقُشَيْريّ وأصحابه أنهم قالوا: إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم ليس بنبيٍّ في قبرِهِ، وإنَّ رسالته انقطعتْ بموتِهِ. وقد شَنَعَ عليهم بذلك جماعةٌ، وقالوا: بتكفيرهم، وقال السُّبْكِيُّ: إِنَّهُ افتراءٌ عليهم، وقد كَتَبَ بذلك إلى الآفاقِ، وكيف يُقَالُ مثله مع ما صَحَّ في الحديث من أنَّ الأنبياء أحياءٌ في قبورهم يصلُّونَ، وإِنَّمَا فُهِمَ هذا عنهم للكراهة، وادَّعوا أَنَّهُ لازمٌ لمذهبهم ولازمٌ المَذْهَب ليس بمذهبٍ، فَإِنَّه صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم حي في قَبْرِهِ باقٍ على ما كان عليه حيٌ.
سُئِلَ النَّوويُّ عمن رآه في منامِهِ يأَمُرُهُ بأمرٍ هل يجبُ عليه أم لا؟
فأجابَهُ: بأَنَّهُ إن لم يخالفْ الشَّرعَ وكان له خاصةً في نفسهِ ينبغي العمل، وإنَّما لم يجبْ؛ لأنَّ النائمَ لم يضبطْ ما قيل له، وربما لم يفهمه، أَو يكون إشارةً ربما تحتاجُ إلى التأويل، وهو كلامٌ حسنٌ لا ينافي قوله صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم: من رآني فقد رآني حقّاً. انتهى كلامه.
وفي موضع آخر من نسيم الرياض: إذا رأى أحدٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم في منامِهِ وأَمَرَهُ بأمرٍ، قال: يلزمُهُ العملُ بما قالَهُ. ... [و] فيه تفصيلٌ: فإن وافقَ الشَّرعَ فله العملُ به ولا يلزمُهُ أمرُ غيرِهِ به، وما عداه لا يلزمه العملُ به؛ لأنَّ الرُّؤيا لا يضبطها النَّائمُ، ويحتملُ التأويل، وهذا هو الصَّحيحُ، وفيه كلامٌ ليس هنا محله. انتهى. (النفحة).
الفَصْلُ السَّادِسُ
فِي رَفْعِ الشُّبْهِ الوَارِدَةِ البَاعِثَةِ
عَلَى قُبْحِ اتْخَاذِ السُّبْحَةِ
فمنها: أَنَّها (¬1) لم تكنْ (¬2) في العهدِ النّبويّ، فتكون (¬3) بدعةً، وكلُّ بدعةٍ ضلالةٌ.
¬
(¬1) في الأصل: أنه.
(¬2) في الأصل: يكن.
(¬3) في الأصل: فيكون.
وجوابُهُ: أن البدعةَ التي حُكِمَ عليها بالضَّلالةِ إنَّما هي البدعةُ الشَّرعيةُ، وهي ما لم يوجد في القرونِ الثَّلاثةِ، ولم يدلُّ عليه دليلٌ من الأدلةِ الأربعةِ، كما حقَّقته (¬1) في رسالتي «إقامة الحُجَّة على أن الإكثارَ في التعبد ليس ببدعة»، واتخاذ السُّبْحَةِ وعدُّ الأذكار بذلك ليس كذلك.
¬
(¬1) وخلاصة تحقيقه للبدعة في إقامة الحجَّة (ص16 - 58) هو: أنَّ مَا فعله الصَّحَابَة، أَو التَّابعون، أَو مَن تَبعهم، وَمَا فُعل فِي زمانهِم مِن غير نَكيرٍ منهم، ليس ببدعةٍ حَذَّرَ الشَّارعُ منها.
ومقصود البدعة هو: ما كان في عهدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم سواءٌ كان فعلَهُ بنفسه أَو فعلَهُ أصحابه وقرَّرهم على ذلك: ليس ببدعةٍ اتفاقاً، وما لم يكن في عهدِهِ بل حَدَثَ بعدَهُ، فهو بدعةٌ بالمعنى العام بمعنى المحدثِ مطلقاً بعد العهدِ النَّبوي، وهو لا يخلو: إمَّا أن يكونَ مِن قبيل العاداتِ أَو مِن قبيل العبادات.
فإن كان الأَوَّل فهو ليس ببدعةِ ضلالةٍ أصلاً، ما لم يدلُّ دليلٌ شرعي على قبحه.
وإن كان الثَّاني فهو لا يخلو:
إمَّا أن يكون حَدَثَ في زمن الصَّحابة، بأن فعله الصَّحابة كلُّهم أَو بعضهم أَو فُعِلَ في زمانهم مع اطِّلاعهم عليه.
وإمَّا أن يكون حَدَثَ في زمان التَّابِعينَ.
وإما أن يكون حادثاً بعد ذلك إلى يومنا هذا.
أمَّا الحادث فِي زمان الصَّحابة، فلا يخلو: إمَّا أن يوجد منهم النكيرُ على ذلك، أَو لم يوجد مع اطِّلاعهم على ذلك.
فالأَوَّلُ: بدعة ضلالة، داخلٌ فِي كُلُّ بدعةٍ ضلالةٍ، مثاله الخطبة قبل الصَّلاة في العيدين، فعَلَه مَرْوَان بن الحَكَم، وأنكره عليه أَبو سعيد الخُدْرِيّ ...
والثَّاني: وهو أنَّ لا يوجد منهم النّكير بل الرِّضى والتَّوافق وليس ببدعة شرعية، وإن أُطلقَ أَنَّهُ بدعةٌ بالمعنى العامّ، بالبدعةٌ حَسَنَهٌ، فَمِنْ ذلك الأذانُ الأَوَّل يوم الجمعة ...
وأمَّا الحادثُ في زمان التَّابِعِينَ وتبعهم، فالتفصيل فيه: هو التفصيل المذكور سابقاً، فإن كان المُحدَّثُ في أزمنتهم قد وَقَعَ النَّكير منهم عليه كان بدعةً، وإلا فليس ببدعةٍ.
وأَمَّا الحَادِثُ بعدَ الأزمنةِ الثَّلاثَةِ: فيعرضُ على أدلَةِ الشَّرعِ، فإن وُجِدَ نظيره في العهود الثَّلاثَةِ أَو دَخَلَ في قاعدةٍ مِن قواعدِ الشَّرعِ: لم يكنْ بدعةً، لأنَّها عبارةٌ عمَّا لا يوجد في القرون الثَّلاثةِ وليس له أصلٌ من أُصولِ الشَّرعِ، وإن أطلقت عليه البدعةُ، قُيَّدتْ بالحَسَنَةِ. وإن لم يوجد له أصلٌ مِن أُصولِ الشَّرع صار بدعة ضلالةٍ، وإن ارتكبه مَن يُعَدُّ من أَرباب الفضيلة أَو مَن يشتهر بالمشيخة، فإنَّ أَفعال العلماءِ والعُبَّادِ ليستْ بحُجَّةٍ مَا لم تكنْ مطابقةً للشَّرعِ.
أمَّا أولاً: فلدلالةِ أحاديثِ مُطلقِ العدِّ على جوازِهِ.
وأمَّا ثانياً: فلوجودِ نظيرِهِ عن أبي هُرَيْرَة وغيرِهِ.
وأمَّا ثالثاً: فلاتخاذِ الحسَن البصري وفي عهدِ الصَّحَابَة به.
وأمَّا رابعاً: فلتحسين النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم اتخاذَهُ على أحدِ الاحتمالينِ في: «نِعْمَ المُذَكِّرُ السُّبْحَةَ».
وأمَّا خامساً: فلوجود تجويز ذلك من النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم في المنامِ حسب ما رآه الأعلامُ.
وبوجه آخر لا شبهةَ في وجودها في عهدِ الصَّحابةِ والتَّابعين من غير نكير منهم على المُتخذينَ، وما وُجِدَ في عهدِ الصَّحابةِ على هذا الطريقِ فليس ببدعةٍ على التَّحقيق لحديث: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ (¬1) بِأَيِّهِمْ اِقْتَدَيْتُمْ اِهْتَدَيْتُمْ» وغيرِ ذلك من الأخبارِ التي ذَكَرْتُها في رسالتي «تحفةِ الأخيارِ في إحياءِ سنةِ سيدِ الأبرارِ» (¬2).
¬
(¬1) قوله أصحابي كالنجوم ... الخ هذا الحديث أخرجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ وابنُ عَبْدِ البَرِّ وعبدُبن حُمَيْدٍ والبَزَّار والقُضَاعي وغيرُهم بطرقٍ كثيرةٍ يَشُدُّ بعضها بعضاً، وفي أَكْثَرِها مقالٌ، وقد طال الكلام عليه فذكر الفاضل معين في دراسات اللبيب في الأسوة الحسنة بالحبيب: أَنَّهُ حديثٌ موضوعٌ، وقد اقتدى بالبَزَّار وابن حزم ولم يصبْ لا المقتدي ولا الإمام، والحقُّ أَنَّهُ حديثٌ ضعيفٌ كما ذَكَرَهُ البيهقي، أَو حَسَنٌ كما نقله السيد في حواشي المشكاة عَن الصَّغَانِيّ، وذكر عبدُ الوهاب الشَّعْرانيّ: أَنَّهُ صَحِيح عندَ أهلِ الكشفِ، وقد بسطت بتحقيق هذا الحَدِيث في رسالتي تُحْفَة الأخيار في إحياء سنة سيد الأبرار (53 - 65 وفي تعليقاتي عليها المسمَّاة بـ نخبة الأنظار (ص53 - 65) بما لا مزيدَ عليه، فليراجع. (النفحة).
(¬2) (ص43 - 66) مطبوعة باعتناء الشَّيْخ عبد الفتاح أَبُو غدة. مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب. ط1. 1992م.
وبوجهِ آخرٍ لا ريبَ في أنَّ السُّبْحَة اتخذَها جماعةٌ من التَّابعين وأتباعِهم ومَن بعدَهم من جماعاتِ الفقهاءِ والمحدِّثين والمتصوفةِ النَّاسكينَ واستحسونُها ولازموها، ولم يَرَ واحدٌ منهم أنَّهم استقبحوها، وما كان كذلك فهو ليس بضلالةٍ بل هو حَسَنٌ لا محالةَ لقولِ ابنِ مسعودٍ - رضي الله عنه -: «مَا رَآهُ المُسْلِمُونَ حَسَنَاً فَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَسَنٌ» (¬1).
أخرجه أحمدُ والبَزَّارُ (¬2) ..........................................
¬
(¬1) رواهُ أحمد في مسند المكثرين من الصَّحابة، (1: 379) برقم (3600)، وفي مستدرك الحاكم (3: 83) برقم (4465)، والمعجم الكبير (9: 112) برقم (8583)، ومسند أبي داود الطَّيَالِسي (ص33) برقم (246)، وفضائل الصحابة (1: 367) برقم (541)، ولفظ أحمد عن عبدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ، هو: إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ في قُلُوبِ العِبَادِ، فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم خَيْرَ قُلُوبِ العِبَادِ، فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ، فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ العِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ، فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ، خَيْرَ قُلُوبِ العِبَادِ، فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ، يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ، فَمَا رَأَى المُسْلِمُونَ حَسَنًا، فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا، فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ سَيِّئٌ.
(¬2) قوله والبَزَّار: هو صاحبُ المسندِ المعروف أَبُو بَكْرٍ أحمدُ بنُ عَمْرِو بن عبدِ الخالق البَصْرِيّ، كان حافظاً سَمِعَ من هدبة بن خالدٍ وإسماعيلَ بنِ يُوسُفٍ والحسَنِ بنِ عَليّ الوَاسِطيّ وغيرِهم، وعنه: عبد الباقي بن قانع وغيره، وكان ثقة، صنَّفَ المسندَ، وتكلَّم على الأحاديث، مات في الرَّملةِ سنة (292هـ). كذا في أنساب السَّمْعانيّ (1: 336). (النفحة).
والطَّيالِسي (¬1) والطَّبَرَانِيُّ وأبو نُعَيْمٍ وغيرُهم بل
نَسَبَهُ مُحَمَّدٌ (¬2) في ((الموطأ)) (¬3) إِلَى النَّبِيّ (¬4) صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم، فإنَّ المرادَ بالمسلمينَ فيه زبدتُهم وعمدتُهم وهم العلماءُ بالكتابِ والسُّنَّةِ، الأتقياء عن الشبهةِ والحرامِ، كذا قال القَارِي في ((المرقاة شرح المشكاة)).
¬
(¬1) قوله: والطَّيَالِسيُّ: هو أَبُو دَاوُدَ سُليمان بن دَاوُدَ بن الجارود الطَّيَالِسيّ، نسبةً إلى الطيالسة جمع الطيلسان أصله من فارس سكن البصرة. وروى عن شُعْبَة والثَّوْرِيّ وهشام الدَّسْتُوَائِيّ وغيرهم، وصنَّفَ مسنداً، وروى عنه: أحمد، وعَلِيّ بن المديني، وأبوبَكْر ابن أَبِي شَيْبَة، وغيرهم، وقال أحمد العجلي: كان بصرياً ثقةً، وقال وَكِيع: ما بقي= =أحدٌ أحفظ لحديث رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم الطويل من أَبِي دَاوُدَ، وُلِدَ سنة (133هـ)، ومات سنة (203هـ). كذا قال السَّمْعانيّ (4: 91). (النفحة).
(¬2) قوله: بل نسبه مُحمَّد: هو مُحمَّدُ بنُ الحسَن الشَّيْبَانِيّ من تلامذة الإمام أَبِي حَنِيْفَةَ، صاحب المبسوطة في الفقه والحديث، المتوفَّى سنة (189هـ)، وترجمته مبسوطةٌ في تصانيفي مقدِّمة الهداية (14:3)، والنافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير (ص34 - 38)، والفوائد البَهيَّة (ص163)، وغيرِها. (النفحة).
(¬3) في كتاب الصلاة (باب قيام شهر رمضان وما فيه من الفضل) (1: 633).
(¬4) قوله: إلى النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم: حيث قال في (باب قيام رمضان): لا بأس بصلاة في شهر رمضان بأنَّ يصلِّي النَّاس تطوعاً بإمامٍ؛ لأنَّ المسلمينَ قد أجمعوا على ذلك ورأوه حَسَنَاً، وقد روي عن النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم أَنَّهُ قال: ما رَآهُ المُؤمِنُونَ حَسَنَاً فَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَسَنٌ، وَمَا رَآهُ المُؤمِنُونَ قَبِيحَاً فَهُوَ عِنْدَ اللهِ قَبِيحٌ. انتهى.
ولم يزلْ علماء مذهبنا يرفعون هذا الحديث في القديمِ والحديثِ، والثابتُ عند جماعةٍ أَنَّهُ موقوفٍ على ابن مَسْعُود، وإن شئت تحقيق كُلّ ذلك فارجع إلى رسالتي تُحْفَة الأخيار بإحياء سنة سيد الأبرار (ص43 - 48) وتعليقاتي عليه المسمَّاة بنخبة الأنظار (ص43 - 48)، وحواشي على مُوَطَّأ مُحَمَّد المسمًّاة بالتعليق المُمَجَّد (1: 633)، وفَّقنا الله لاختتامها كما مَنَّ علينا ببدئها. (النفحة).
ومنها: أنَّ في اتخاذِ السُّبْحَةِ شُبْهَةُ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ؛ فيجبُ اجتنابها وتركُ الأَخْذِ بها.
وجوابَهُ: أنَّ اتخاذها إِذَا كان مُفْضِياً إلى الرِّياءِ فلا رَيبَ في الامتناعِ عنها، وكذلك كلُّ تطوعٍ أَو مباحٍ إِذا أَفْضَى إلى الرِّياءِ واجبُ الامتناعِ ولا كلامَ فيه، إنَّما الكلام إِذَا خلا عَن هذه الشُّبْهَةِ لا سيما إِذا اقترنَ به التَّشَبُهُ بالأجلةِ.
ومنها: أَنَّهُ لو كان فيه حُسنٌ ما لاتخذها النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم وهدَى أصحابَهُ إليها، وإِذ ليس فليس.
وجوابُهُ: أَنَّهُ ليس أنَّ كُلَّ ما لم يفعلْهُ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم بنفسِهِ فهو ليس بحَسَنٍ، فإنَّ ما رَغَّبَ إليه أَو قرَّرَ عليه أو على نظيرٍ له وُجِدَ بين يديه أيضاً حَسَنٌ.
ومنها: أنَّ بعضَ الفقهاءِ قد حَكَمَ على أنَّ مُطلقَ العدِّ بدعةٌ، فما بالك بالعدِّ بالسُّبْحَةِ، والأمرُ إذا دارَ بين الحَسَنِ والابتداعِ تُرِكَ حذراً عن شبهةِ اختراعٍ.
وجوابُهُ: أنَّ قَولَ مَن قالَ: مُطلقُ العدِّ بدعةٌ مردودٌ بنصِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم وفعلِهِ وفعلِ أصحابِهِ الأَجِلةِ، والأمرِ الدَّائر بين الحُسْنِ والابتداعِ إنَّما يُترَكُ إذا تساوى فيه طرفا الحُسْنِ والابتداعِ، وهاهنا قد ترجَّحَ جانبُ الحُسْنِ بالوجوهِ العديدةِ، فيكونُ العِبْرَةُ لها لا لشُبْهَةٍ سَخِيفَةٍ (¬1).
* * *
¬
(¬1) في الأصل السخيفة.
الفَصْلُ السَّابِعُ
فِي فَوَائِدِ اتْخَاذِ السُّبْحَةِ
منها: أَنَّها مُذَكِرَةٌ لله تعالى، كما مرَّ (¬1).
ومنها: الاستعانةُ على دوامِ الذِّكرِ، فإنَّ الإنسانَ كلَّما رآها ذَكَرَ أنَّها آلةٌ للذِّكْرِ فَقَادَهُ إِلَى ذِكْرِ ربِّهِ، ذَكَرَهَ السُّيُوطِيُّ (¬2).
ومنها: إنَّ في اتخاذها اقتداءٌ بجماعةِ المتصوفةِ المتنسكينَ والعلماءِ والمحدِّثينَ، «ومَنْ تَشَبَهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (¬3) أخرجَهُ أَبو داود وغيرُهُ مرفوعاً إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم.
¬
(¬1) (ص).
(¬2) في المنحة (5:1).
(¬3) رواه أَبُو دَاوُد في كتاب اللباس في (باب في لُبْسِ الشُّهْرَةِ)، (4: 44) برقم (4031) قال الزَّيْلَعِيُّ في نصب الراية (4: 374) عن رواية أبي داود: فيه ابن ثوبان وهو ضعيف. ورواه أحمد في مسند المكثرين من الصَّحَابَة، رقم (4868،4869). والقُضَاعيُّ في مسند الشهاب (1: 244).
ومنها: إنَّ فيها (¬1) نجاةً من المهالكِ الدُّنيويةِ والأُخرويةِ، كما حَكَى
السُّيُوطِيُّ (¬2) عن بعضِ الثّقاتِ: أَنَّهُ أخبرَهُ أَنَّهُ كان مع قافلةٍ في دربِ بيتِ المقدسِ، فقامَ عليهم سريةُ عربٍ وجردوا القافلةَ جميعَهم وجردوني معهم، فلمَّا أَخذوا عمامتي سقطتْ سُبْحَةً من رأسي، فلمَّا رأوها قالوا: هذا صاحبُ سُبْحَةٍ، فردُّوا عَلَيّ ما كان أُخذ لي (¬3)، وانصرفت سالماً منهم.
قال السُّيُوطِيُّ: فانظر يا أخي إِلى أَهلِ الآلةِ المباركةِ الزَّاهرةِ وما جُمِعَ فيها (¬4) من خيرِ الدُّنيا والآخرةِ.
ومنها: إنَّ فيها (¬5) أداءٌ لأكثرِ الأذكارِ المحدودةِ الواردةِ المعدودةِ، كما قال السُّيُوطِيُّ (¬6): المقصودُ أنَّ أكثرَ الذِّكرِ المعدودِ الذي جاءتْ به السُّنَّةُ لا ينحصرُ بالأناملِ غالباً، ولو أمكنَ حصرُهُ لكانَ الاشتغالُ بذلك يُذْهِبُ الخشوعُ. انتهى.
¬
(¬1) في الأصل فيه.
(¬2) في المنحة (5:1).
(¬3) وقع في الأصل: ني، والتصويب من المنحة.
(¬4) وقع في الأصل: فيه والتصويب من المنحة.
(¬5) في الأصل: فيه.
(¬6) في المنحة (5:1).
الفَصْلُ الثَّامِنُ
فِي أَسَامِي السُّبْحَةِ غَيْرَ السُّبْحَةِ
ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ (¬1) أنَّ بعضَ السَّلَفِ كان يُسمِّيها: بالمُذَكِرَةِ.
وكان بعضُهم يُسمِّيها: حَبْلَ الوصلِ.
وبعضُهم: رابطةَ القلوبِ. انتهى.
وقال اليَافِعِيُّ في «الإرشاد والتَّطريز»: السُّبْحَةُ على ثلاثة (¬2) أقسامٍ:
مسبحةٌ بالسِّينِ المهملةِ: وهي الَّتِي يُسَبَّحُ بها.
ومشبحةٌ بالشِّينِ المعجمةِ: وهي البطالةُ.
ومذبحةٌ: وهي الَّتِي يُديرها صاحبها وهو يغتابُ النَّاسَ ويوذيهم.
وفي ذلك أقولُ:
وكم من مسبحاتٍ علقتْ في ... حلوقٍ مذبحاتٍ للرقاب
¬
(¬1) في المنحة (5:1).
(¬2) في الأصل: الثلاثة.
لقد في غيبةٍ عمَّتْ وطمَّتْ ... مصيباتٍ بها كم مِن مصاب
بمقراضٍ من النِّيرانِ قرض ... لساناً ذاتَ قرضٍ واغتياب
انتهى.
قلت: وفي بلادِنا يقالُ لها: التَّسْبيحُ إطلاقاً لاسمِ ذي الآلة على الآلةِ.
* * *
الفَصْلُ التَّاسِعُ
فِي حُكْمِ عَدِّ الآيَاتِ وَالتَّسْبِيحَاتِ
فِي الصَّلاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ
اعلم أنَّ لَهُ صُوراً:
الأولى: العدُّ باللِّسانِ.
والثَّانية: العدُّ بالقلب.
والثَّالثة: العدُّ بالغمزِ برؤوسِ الأصابع.
والرَّابعة: العدُّ باليدِ.
والخامسة: العدُّ بالسُّبْحَةِ ونحوِ ذلك.
أما الأولى: فهي مفسدةٌ للصَّلاةِ اتفاقاً صَرَّحَ به ابنُ نجيم في «البحر الرائق» (¬1)، وشيخ .............................................
زاده (¬2) في «مجمع الأنهرِ شرحُ مُلتَقَى الأبحرِ» (¬3) وغيرِهما.
وأمَّا الثَّانيةُ (¬4): فهي جائزةٌ غيرُ مكروهةٍ اتفاقاً صَرَّحَ به العَيْنِيُّ (¬5) في «منحة السّلوك شرح تُحفة الملوك»، وابنُ نُجَيْمٍ في «البحر» (¬6) وغيرُهما،
¬
(¬1) البحر الرائق (2: 31).
(¬2) قوله: وشيخ زاده: هو قاضي القضاة في العساكر الرومية، عبدُ الرَّحمنِ بنُ الشَّيْخِ مُحمَّدِ بنِ سُلَيمان، المتوفَّى سنة (1078هـ)، فَرَغَ من تأليف: مجمع الأنهر سنة (1077هـ). كذا في كشف الظنون عَن أسامي الكتب والفنونِ (1814:2). (النفحة).
(¬3) (125:1).
(¬4) أي العدُّ بالقلب.
(¬5) قوله صرَّح به العَيْنِيّ: هو صَاحِب البِنَاية شرح الهداية، ورمز الحقائق شرح الكنز، وعُمدة القَارِي شرح صَحِيح البُخَارِيّ وهو قاضي القضاة مَحْمُودُ بنُ أحمدَ ابنِ موسى بدرُ الدِّين الحَنَفِي، وُلِدَ في رمضان سنة (762هـ) بحلب، وكان أبوه قاضياً بعين تاب، فنسب إِليه، وقدم القاهرة سنة (787هـ)،وأَخَذَ عن زين الدِّين العراقي وغيرِهِ، وماتَ سنة (855هـ). كذا في معجم الحَافِظ ابن حَجَر وغيرِهِ، وليطلب تفصيل حاله من كتابي الفوائد البَهيَّة من تراجم الحَنَفِيَّة (207 - 208). (النفحة).
(¬6) أي البحر الرائق (2: 31).
وكذا (¬1) في «المحيط»، و «الخلاصة»: إنَّ الحفظَ بالقلبِ لا يُكْرَهُ، وفي «الإيضاح»: إشارةٌ إلى أَنَّهُ يُكرهُ العدُّ بالقلبِ أيضاً؛ لأنَّ فيه شغلاً بالبال، ذَكَرَهَ العَيْنِي في «البِنَاية شرح الهداية» (¬2).
وقال الحَلَبي في «حَلْبَة المُجَلِّي» بعدما نقل عن «غاية البيان» (¬3): إنَّ
¬
(¬1) قوله وكذا في المحيط: المحيط من تصانيفِ مُحَمَّد بن الصدر السعيد أحمد بن برهان الدِّين الكبير عبد العَزِيز بن عُمَر بن مازة البُخَارِيّ صاحب الذخيرة، وشرح جامع الصغير، و شرح الزيادات وغيرها.
والخلاصة من تصانيف طاهر بن أحمد بن عبد الرشيدالبُخَارِيّ المتوفى سنة (542هـ).
والايضاح شرح التجريد كلاهما لركن الإِسلام عبدِ الرَّحْمَنِ بنِ مُحَمَّدِ بن أميرويه الكرماني المتوفَّى سنة (543هـ)، وكلُّهم من صدور علماء الْحَنَفِيَّة، وليلطب البسط في تراجمهم من الفوائد (98،84،91 - 92. (النفحة).
(¬2) (2: 477 - 478).
(¬3) قوله: غاية البيان: هو شرح الهداية لأمير كاتب بن أمير غازي الإَِتْقَانيّ، نسبةً إلى إِتقان بالكسر، بلدة بفاراب، صاحبشرح المنتخب الحساميوغيره، وُلِدَ سنة (685هـ)، ومات سنة (758هـ)، وليطلب البسط في حاله من الفوائد (50 - 52. (النفحة).
الحفظَ بالقلبِ لا يُكرَهُ اتفاقاً، فما أشار إِلَيْه في «الإيضاحِ»: أَنَّهُ يُكرَهُ العدُّ بالقلبِ أَيْضًا؛ لأنَّ فيه شُغلُ البالِ والإخلالُ بالخشوعِ، كما ذَكَرَهُ صَاحِب «المنافع» فيه نظرٌ. انتهى.
قُلْتُ: وجهُ النَّظرِ ظاهرٌ، فإنَّهُ بعد تسليمِ أنَّ الإخلالَ بالخشوعِ يُوجبُ الكراهةَ، يُقالُ لا بدَّ أن يكونَ هذا القَدَرُ معفواً إقامةً لحدودِ الأذكارِ الواردةِ في الصَّلواتِ كصلاةِ التَّسبيحِ وغيرِها، فإنَّهُ إذا لم يعدَّها
باليدِ ولا بالخَيْطِ ولم يحفظْها بالقلبِ كيف يؤديها على حدِّها.
وأمَّا الثَّالثةُ (¬1): فهي أَيْضًا غيرُ مكروهةٍ اتفاقاً، نَصَّ عليه العَيْنِيُّ في «المنحة»، وابنُ نجيم في «البحر» (¬2). وبه صَرَّحَ في «الخلاصة»، و «البِنَاية» (¬3).
وقال قاضي خان (¬4): قالوا: إن غَمَزَ برؤوسِ الأصابعِ لا يُكرَهُ (¬5).
¬
(¬1) أي العدُّ بالغمز بالرؤوس الأصابع.
(¬2) البحر الرائق (2: 31).
(¬3) (477:2).
(¬4) قوله: وقال قاضي خان: هو حسَن بن مَنْصُور بن مَحْمُود الأُوزْجَنْدِيّ، صاحب الفتاوي وشرح الجامع الصغير، والزيادات، وغيرها، المتوفَّى سنة (592هـ)، وتفصيله في الفوائد (65). (النفحة).
(¬5) في فتاوي قاضي خان (1:118). بهامش الفتاوي الهندية.
وأما الرَّابعةُ والخامسةُ (¬1): فصرَّحوا بكراهتهما وعدَمُ إباحتهما عند أَبِي حَنِيْفَةَ، وقال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لا بأسَ به؛ لأنَّ المصلِّى قد يُضطَّرُ إِلَى هذا لمراعاةِ سُنةِ القراءةِ في الصَّلاة، والعملُ بما جاءتْ به السُّنَّة في صلاة التَّسبيحِ ونحوها.
وله أنَّ هذا عملٌ ليس مِن أعمالِ الصَّلاة ولا حاجةَ إِليه لمراعاةِ سُنَّةِ القراءةِ؛ لأنَّهُ يُمكنُهُ أن ينظرَ فيما يريدُ أن يقرأَ قبلَ الشّروع في الصَّلاة، ولو احتاجَ إليها عدَّها إشارةً بقلبه.
ثُمَّ مِن مشايخِنا مَن قال: لا خلافَ في التَّطوعِ أَنَّهُ لا يُكرَهُ، إنَّمَا الخلافُ في المكتوبةِ.
ومنهم: مَن قال: لا خلافَ في المكتوبةِ أَنَّهُ يكرَهُ، إنَّما الخلافُ في النَّوافلِ، وقال الفقيه أَبُو جعفر (¬2): وجدتُ روايةً عن أصحابِنا: أَنَّهُ يُكرَهُ فيهما، كذا في «المحيط البرهاني».
¬
(¬1) أي العدُّ باليد والسُّبْحَةِ ونحو ذلك.
(¬2) قوله: قال الفقيه أَبُو جَعْفَر: هو مُحمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ مُحمَّدِ البَلْخي الهِنْدُوَانيّ، المتوفَّى ببخارا سنة (362هـ)، وقد بسطتُ في ترجمته في الفوائد (ص179). (النفحة).
وفي «النهاية» (¬1): الصَّحيحُ أَنَّهُ لا يباحُ العدُّ أصلاً؛ لأنَّهُ ليس في الكتابِ فصلٌ بين الفرضِ والنَّفل، وقد يَصيرُ العدُّ عملاً كثيراً فيوجبُ فسادَ الصَّلاةِ، وما وَرَدَ في الأحاديثِ مَن قَرَأَ في الصَّلاةِ كذا وكذا مرَّةً
{قُلْ هُوَ اللهُ أَحَد}، وكذا وكذا تسبيحة، فتلكَ الأحاديثُ لم يصحِّحها الثّقاتُ.
وأمَّا صلاة التَّسبيحُ فقد أوردها الثِّقاتُ، وهي صلاةٌ مباركةٌ فيها ثوابٌ عظيمٌ ومنافعٌ كثيرةٌ، فإن يقدرَ أن يحفظَ بالقلبِ وإن احتاج يعدُّ بالأنامل حَتَّى لا يَصِيرُ عملاً كثيراً. انتهى.
قُلْتُ: الأحاديثُ الَّتِي ذَكَرَ أنَّها لم يصحِّحها الثّقات:
منها: ما هي موضوعةٌ فلا عبرةَ بها.
¬
(¬1) قوله: وفي النهاية: هو شرح الهداية لحسامِ الدِّينِ الحُسَيْنِ بنِ عَلِيّ السِّغْنَاقيّ، نسبةً إلى سِغْنَاق بالكسر، بلدةٌ في تركستان، المتوفَّى (710هـ). وليطلب ذكره من الفوائد (ص62). (النفحة).
أقول: ورد ذكره في الفوائد فيمن اسمه الحَسَن لا الحُسَيْن، وأشار رحمه الله إلى أنَّ صاحب الكشف والسُّيُوطِيُّ وصاحب مدينة العلوم قد ذكروا أن اسمه الحسين. وأضيف أنَّهُ قد ذكره الحسين أيضاً صاحب تاج التراجم (ص160) وصاحب الأعلام (2: 168)، وذكرا أنَّ وفاته كانت سنة (711هـ).
ومنها: ما هي ضعيفةٌ، فتكفي للعملِ بها على ما لا يَخفَى على مَن طالع «تنزيه الشَّريعةِ (¬1) في الأحاديث الموضوعة»، و «تذكرةِ الموضوعاتِ» لطاهرِ الفَتَّنِي وغيرَهما مِن الكتبِ المعتبرةِ.
ومجردُ عدَمِ تصحيحِ الثِّقاتِ لها لا يَضرُّها، فإنَّ عدَمَ الصِّحةِ لا يَستلزِمُ بطلانها.
وحينئذٍ فالأولى أن يقالَ الأذكارُ المحدودةُ الواردةُ في الصَّلاةِ إن أمكنَ عدُّها بالقلبِ كأذكارِ صلاة التَّسبيح يُكتَفَى بذلك، وإن لم يتيسر ذلك للكثرةِ يعدُّها بالرؤوسِ؛ فانَّهُ غير مكروهٍ بالنّصوصِ، وان اضطرَ إلى العدِّ باليدِ يعمل بقولهما، كما نَقَلَهُ صَاحِب «الحَلَبة» عَن قاضي خان.
وفي «البحر الرائق»: يُكرَهُ عدُّ الآياتِ والتَّسبيحِ وكذا السّورِ؛ لأنَّهُ ليس من أعمالِ الصّلاةِ، وأطلقه فشمل العدَّ في الفرائضِ والنَّوافلِ جميعاً باتفاقِ أصحابِنا في ظاهرِ الرِّوايةِ. وروي عنهما في غيرِ ظاهرِ الرِّوايةِ أنَّ
¬
(¬1) قوله تنزيه الشَّرِيعَة: هو للشيخ أَبِي الحَسَن عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عِرَاق الكِنَانِي، المتوفَّى سنة (963هـ). كذا في كشف الظنون (494:1).
ومؤلف التذكرة مُحَمَّد طاهر الفَتَّني، نسبةً إلى فتن من بلاد كجرات، رئيس محدِّثي الهندِ، صاحب مجمع الأبحر وغيره، المتوفَّى سنة (986هـ). وليطلب في ترجمته من التعليقات السنية على الفوائد البَهيَّة (ص164 - 165. (النفحة).
العدَّ باليدِ لا بأسَ به، كذا في «العنايةِ» وغيرِهِ، لكن في «الكافي» قالا: لا بأسَ به فجزَمَ به عنهما. انتهى (¬1).
قلت: وكذا ذَكَرَهُ بصيغة الجزمِ برهانُ الدِّين مَحْمُودُ بنُ أحمدَ البُخَارِيّ في «المحيط البرهاني»، وذَكَرَهُ عمُّهُ الصدرُ الشَّهيدُ (¬2) حسامُ الدِّين عُمَرُ بنُ عبدِ العَزِيز في «شرح الجامع الصغير» بلفظِةِ «عن»، وكذا ذَكَرَهُ تلميذُهُ صاحب «الهداية» (¬3) وقال العَيْنِيّ في «شرحها»: ذَكَرَهُ بكلمةِ «عن»، إشارةً إلى أن خلافهما ليس مِن ظاهرِ الرِّوايةِ، ولذا لم يذكرْ أَبُو اليُّسرِ خلاَفهما أصلاً، وعن أَبِي يُوسُفَ لا بأس به في النَّقلِ، ومثلهُ عن أَبِي حَنِيْفَةَ، ذَكَرَهُ في «التحفة».
وفي «التجريد»: ذَكَرَ قولَ مُحَمَّدٍ مع أَبِي حَنِيْفَةَ. انتهى (¬4).
¬
(¬1) من البحر الرائق (2: 31).
(¬2) قوله الصدر الشهيد: هو شارح الجامع الصغير أستاذ صاحب الهداية، توفِّي سنة (536هـ)، قيل: أَنَّهُ شافعي، والصحيح أَنَّهُ حنفي كما ذكرته في الفوائد (ص149). (النفحة).
(¬3) قوله: صاحب الهداية: هو برهانُ الدِّينِ عَلِيُّ بنُ أَبِي بَكْرٍ المَرْغِينَانِي صاحب مُختَارات النوازل، والتنجيس و المزيد، وغيرهما، المتوفَّى سنة (593هـ)، وقد بسطتُ في ترجمتِهِ وذِكْرِ آدابِهِ في مقدِّمة الهداية (3: 2 - 4)، وغيره. (النفحة).
(¬4) من البِنَاية شرح الهداية (2: 478).
وفي «الحَلَية»: لفظ «الذخيرة»: قال الفقيه أبو جعفر: وجدتُ روايةً عن أصحابِنا أَنَّهُ يُكرَهُ فيهما، وهو في «الخانيةِ» مغزوَّاً إِلَى أبي حَنِيْفَةَ فقط، ونَقَلَ فيها عن أَبِي يُوسُفَ وحدَهُ أَنَّهُ لا بأسَ به في المكتوبةِ والتّطوعِ (¬1).
ولم يذكرْ محمداً مع واحدٍ منهما، وقد اختلفَ فيه، فقيل: هو مع أَبِي حَنِيْفَةَ وممَّن ... ذَكَرَهُ ... معه ... القُدُوِريّ (¬2) ... في «التّجريد» ... بل ... ذَكَرَ في
«البدائع» (¬3): أِنَّهُ ذَكَرَهُ في «الجامع الصّغير» معه (¬4).
لكنَّ العبدَ الضَّعيفَ لم يرَهُ فيه على ما هو روايةُ فخر الإِسلام.
¬
(¬1) انتهى من الخانية (1: 117).
(¬2) قوله: وممن ذكره معه القُدُوْرِيّ: هو أحمدُ بنُ مُحمَّدِ بنِ أَحمدَ صاحبُ المختصر المشهور وغيرِهِ، المتوفَّى سنة (428هـ). وليطلب تفصيل ذِكْرِهِ من الفوائد (ص30). (النفحة).
(¬3) قوله: بل ذكر في البدائع: هو شرح تُحْفَة الفقهاء لأبي بَكْر ابن مَسْعُود بن أحمد علاء الكاساني، المتوفَّى سنةَ (587هـ)، ومَتْنَهُ: لعلاءِ الدِّينِ مُحمَّدِ بنِ أحمدَ السَّمَرْقَنْدِيّ، وهو تلميذُ لصدرِ الإِسلام أَبي اليسر مُحمَّدِ بنِ مُحمَّدِ البَزْدَوي، المتوفَّى سنة (493هـ)، أخي فخر الإِسلام عَلِيِّ بنِ مُحمَّدِ البَزْدَوي صاحبِ الأصول، المتوفَّى سنة (483هـ)، وليطلب تراجمهم من الفوائد (ص158). (النفحة).
(¬4) انتهى من بدائع الصنائع (216:1).
وقيلَ: هو مع أبي يوسفَ، وهو المذكورُ في «شرح الجامع الصغير»: لفخر الإِسلام وقاضي خان، و «المحيط» لرضي الدين (¬1)، و «الهداية» (¬2)، وغيرها، لكن بلفظة: «عن»، قال شارحوا «الهداية»: وفي ذلك إشارةً إلى أنَّ خلافَهما ليس في ظاهرِ الرِّوايةِ، ومن ثُمَّ لم يَنصَّ صدرُ الإِسلام ولا شمسُ الأئمةُ السَّرَخْسيّ (¬3) خلافهما.
قلت: لكنَّهُ في «الحاوي القدسي» (¬4) بصيغةِ جَزَمَ. انتهى.
وفي «البحر»: قالوا: محلُ الخلافِ إنَّما هو العدُّ باليدِ كَمَا وَقَعَ به التَّقييدُ في «الهداية» (¬5) سواءً كان بإصبعه أو بخيطٍ يمسكُهُ، أمَّا الغمزُ برؤوس الأصابعِ والحفظُ بالقلبِ فلا يُكرَهُ اتفاقاً، والعدُّ باللسانِ مُفسدٌ
¬
(¬1) قوله لرضي الدِّين: هو مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ السَّرَخْسيّ، المتوفَّى سنة (544هـ)، ومحيطه غير المحيط البرهاني، وكثيراً ما يشتبه أحدُهما بالآخر، وقد أوضحتُهُ في الفوائدِ (ص188 - 191). (النفحة).
(¬2) (65:1).
(¬3) قوله: ولا شمس الأئمة السَّرَخْسيّ: هو أَبُو بَكْر مُحمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ أَبِي سهلٍ شارحُ الجامع الصغير، وغيرها، المتوفَّى بحدود سنة (490هـ)، والتفصيل في الفوائد (ص158 - 159). (النفحة).
(¬4) قوله: لكنَّهُ في الحاوي القدسي: هو لجمالِ الدِّينِ أَحمدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ نوح القَابِسي الغَزْنَويّ، المتوفَّى في حدود سنة (600هـ)، ذَكَرَهُ في الكشف (627:1). (النفحة)
(¬5) (65:1).
اتفاقاً، وقُيِّدَ بالآي والتَّسبيحِ؛ لأنَّ عدَّ غيرهما مكروهٌ اتفاقاً، كذا في «غاية البيان». انتهى (¬1).
وفي «البِنَاية»: قُيِّدَ باليدِ؛ لأنَّ المكروهَ العدُّ بالأصابِعِ أَو بخيطٍ يمسكُهُ، أمَّا الغمزُ برؤوسِ الأصابعِ، أَو الحفظُ بالقلبِ فلا يُكرَهُ، كذا في «المحيط»، و «الخلاصة»، وخصَّ الآيَ والتّسبيحَ بالذِّكرِ؛ لأنَّ عدَّ غيرِهما مكروهٌ بالاتفاقِ.
وفي «ملتقى البحار»: لو حَرَّكَ أصابعه باليدِ تحريكاً بليغاً بحيث لو نَظَرَ النَّاظرُ إليه من بعيدٍ ظنَّ أَنَّهُ في غيرِ الصَّلاةِ تَفسدُ صلاتُهُ، فإذا لم يكنْ بليغاً يُكرَهُ. انتهى (¬2).
وفي «الحَلَبة»: وجهُ القولِ بعدَمِ الكراهةِ ما ذَكَرَهُ في «الإمام» (¬3) عن عَطَاء بنِ السّائبِ عن أَبِيهِ عن ابنِ عُمَرَ - رضي الله عنهم -، قال: «رأيتُ رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم يعدُّ الآي في الصَّلاة» (¬4).
¬
(¬1) من البحر الرائق (2: 31).
(¬2) في (البِنَاية:1: 477 - 478).
(¬3) هو للإمام تقي الدِّينِ مُحمَّدِ بنِ عَلِيِّ بنِ وهب بنِ مطيع القُشَيري المعروف بابنِ دقيق العيد الشَّافِعِيّ (ت702هـ)، وهو شرح الإلمام في أحاديث الأحكام الذي جَمَعَ فيه متونَ الأحاديث المتعلقة بالأحكام مجردةً عن الأسانيدِ، وبرع فيه، وقيل: إنه لم يؤلَّف في هذا النوع أعظمَ منه لِمَا فيه من الاستنباطاتِ والفوائدِ لكنَّه لم يكمله. ينظر الكشف (1: 158).
(¬4) بوَّبَ البَيْهَقيُّ باباً في سننه الكبرى (2: 253) بعنوان: (باب من عدَّ الآي في صلاته أو عقدها ولم يتلفظ بما يكون كلاما)، وذكر فيه الآثارَ في ذلك. وكذا ابن أبي شَيْبَة في مصنَّفه (1: 426) حيث قال: (في عدِّ الآي في الصلاة من لم ير به بأسا. وأخرج أبو يَعْلَى في مسنده (13: 474): عن واثلة عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: عُدَّ الآي في التَّطوعِ ولا تَعدُّهُ في الفريضة قال الهيثمي في مجمع الزوائد (2: 267) فيه أبو يحيى التميمي الكوفي وهو ضعيف. وأخرج الخطيب في تاريخ بغداد (3: 355) بسنده عن مكحول عن واثلة بن الأسقع عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: عُدَّ الآي في الفَرِيضَةِ وَالتَّطَوعِ. وأخرج ابن عدي في الكامل (2: 371): عن أنس قال: رَأَيْتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَعُدُّ الآي فِي الصَّلاةِ، ورواه أيضا في (7: 34) عن عطاء بن السائب عن عبد الله عمرو بن العاص، وقال: إنَّه غير محفوظ عن عطاء.
قال أبو موسى الأَصْبَهَانِيُّ: في هذا حديثٌ غريبٌ، ووجه القولِ بالكراهةِ في المكتوبةِ دون النَّفل ما رواه مكحولٌ عن أَبِي أُمَامَةَ وواثلةَ بن الأسقع قالا: «نهى رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم عن عدَّ الآي في المكتوبِةِ ورخَّصَ في السُّبْحَةِ».
قال في «الإمام» أَيضاً: أخرجَهُ أَبُو موسى الأَصْبَهَانِي بإسنادِهِ.
ووجه القولِ بالكراهةِ مطلقاً أنَّ في العدِّ باليدِ تركُ سنَّةِ اليدِ وذلك مكروهٌ، وأيضاً هو ليس من أعمالِ الصَّلاةِ، وكثيرهُ مفسدٌ فقليلهُ مكروهٌ.
وأجيبَ عن الأَوَّل: بأنَّ الإِمَامَ أحمدَ، قال: عَطَاءُ بنُ السّائبِ اختلطَ في آخر عُمُرِهِ فلا يُحْتَجُّ بحديثِهِ إلا إذا عُلِمَ أنَّ ذلك كان قَبْلَ الاختلاطِ وهذا ممَّا لا يُعلمُ مع غرابتِهِ.
قُلْتُ: ويمكنُ أن يقالَ أَيضاً إِنَّهُ واقعةُ حالٍ، فلعلَّ ذلك كان منه في أوَّلِ الأمرِ حين كان العملُ مباحاً في الصَّلاةِ مع أَنَّهُ ليس نصَّاً في الأَصابعِ، فيجوزُ أن يكونَ بغمزِ رؤوس الأصابعِ، ثُمَّ الذي في سننِ أَبِي دَاوُدَ والنَّسائيّ والتِّرْمِذيِّ بإسنادٍ حسنٍ عن عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ - رضي الله عنهم -: «رأيتُ رسولَ اللهِ يعقدَ التَّسبيحَ» (¬1)، وزادَ أَبُو دَاوُد بيمينِهِ، وليس فيه «في الصَّلاة».
وأمَّا الثَّاني: فلا يَتمُّ الجوابُ عنه بأنَّ المرادَ أَنَّهُ مرخَّصَ برؤوسِ الأصابعِ ونحوِها في النَّافلةِ؛ لأنَّ الفرضَ أن العدَّ بغمزِ رؤوسِ الأصابعِ ونحوِها مُرخَّصٌ فيه في المكتوبةِ والنَّافلةِ، بل الحقُّ أَنَّهُ إن ثَبَتَ هذا على وجه يَقومُ به الحُجَّةُ في مثل هذا المطلوبِ، ترجَّحَ القولُ بعدمِ الكراهةِ في النَّافلةِ وإلا فالقولُ قولٌ بالكراهةِ في الصَّلاة مطلقاً مراداً بها الكراهةُ التَّنزيهيةُ. انتهى.
قُلْتُ: المروي في «سنن أَبِي دَاوُدَ» وغيرِه عن عبدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ قد أخرجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عنه بلفظ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ
¬
(¬1) سبق تخريجه.