الجزء 1 · صفحة 1
فيض البارى شرح صحيح البخارى 1
محمد أنور شاه الكشميري
المحدث الكبير والفقيه المحقق الحجة المولود سنة 1292 والمتوفى سنة 1352 رحمه الله تعالى
كتاب بَدْءِ الوَحْي
باب كَيفَ كَانَ بَدْءُ الوَحْي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلّم
الحمد لله رب العالمين والصَّلاة والسَّلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
قال الإمام محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المُغِيْرة بن بَرْدِزْبَه الجُعْفِي البُخَاري رحمه الله تعالى:
(بسم الله الرحمن). وليُعْلم أن حديث: «كل أمر ذي بال».. إلخ، اضطربت فيه الألفاظ الواردة، بعضها: «باسم الله»، وبعضها: «بحمد الله». وخَالَ بعضُهم التعارض، وظن اختلاف الألفاظ اختلاف الحديث. والحال أن الحديث واحد، ومع اضطراب كلماته حسَّنه الحافظ الشيخ أبو عمرو بن الصَّلاح، وهو شيخ الإمام النووي، دقيقُ النَّظر، واسع الاطِّلاع، وليس صاحبه النووي مثله في الحديث. فالعمل بالحديث إما بصورة الجمع، فيراد ذكر الله، ويؤيده ما ورد في رواية: «بذكر الله»، وإما يرجَّح اللفظ الأول، لأن أول ما نزل من القرآن: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ}، فالتَّأسي به يحصل بالشروع بالبسملة، وأيضاً يؤيده افتتاح كُتُب رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى الملوك، وكُتُبِهِ في القضايا بالبسملة. وراجع «الفتح» و «العمدة» للتفصيل.
وبالجملة: فلا إيراد على الإمام البُخاري في افتتاحه الصحيح بالتسمية دون التحميد، وما يُذكر من حمل الابتداء بالحقيقي في لفظ، وبالإضافي في لفظ، أو العرفي، فلا يُعبأ به، لأن مدارَ ذلك على تعدُّد الحديث. وذِكَرُ الاحتمالات التِّسْعةِ من بين صحيح وباطل ههنا كلها من سَقْط الكلام.
الجزء 1 · صفحة 2
(باب): لفظُ الباب مضاف. أو مبني كمَثْنَى وثُلاث. قال الرَّضِيّ: إن المفردات على سبيل التوارد مبنية. وقد عَلِمت من عادات المصنِّف رحمه الله تعالى أنه يُصدِّرُ الأبواب بصيغة السؤال، ولا يجيب عنه، بل يوجه النَّاظر إلى الحديث ويكون الجواب فيه.
(بَدْء): مهموز، وقيل: بدو، بمعنى الظهور، والأول أولى، لما في بعض النسخ: «كيف ابتداء الوحي» ولأنه نظير قوله فيما بعد: «بَدْء الأذان» و «بدء الحيض»، فهذا بَدء الوحي على شاكلة أخويه. واعتُرضَ عليه، أنه لو قال: كيف كان الوحي؟ لكان أحسن، لأنه تعرض فيه لبيان كيفية الوحي مطلقاً، لا لبيان كيفية بدء الوحي فقط. وأجاب عنه شيخ الهند رحمه الله تعالى أن البدء ههنا عام، سواء كان زمانياً، أو مكانياً، أو باعتبار صفات المَوْحَى إليه، فيدخل فيه سائر ما يتعلق بالوحي، وجواب آخر للشاه ولي الله رحمه الله تعالى فراجعه من تراجمه.
وما سنح لي بعد الإمعان في صنيعه، والنظر إلى نظائره، كبدء الأذان وبدء الحيض، أن البَدء عنده لا يختصُ بالحصة الابتدائية، بل يعتبر مما يضاف إليه لفظ البدء بما فيه من أحواله أولاً، ثم يضاف إليه لفظ البدء ثانياً، ثم يُسأل عنه أن بدء هذا المجموع كيف كان؟ وحينئذٍ فيندرج تحته جميع أحواله، وهكذا فعل المصنف رحمه الله تعالى فيما بعد أيضاً. فقال: «بدء الأذان، وبدء الحيض»، ثم لم يقتصر على أول الحال فقط، بل ذكر حالهما من الأول إلى الآخر، ففهمت من صنيعه أنه لا يريد من لفظ البدء البداية في مقابل النهاية، بل بدؤه بعد أن لم يكن، ووجوده من كَتْم العدم، فهو سؤال عن هذا الجنس بتمامه، أنه كيف بدأ؟
الجزء 1 · صفحة 3
فالحاصل: أن معناه، السؤال عن جنس الوحي، وجنس الأذان، وجنس الحيض، أنه كيف جاء من كتم العدم إلى ساحة الوجود؟ وحينئذٍ معناه كونه بعد أن لم يكن، لا بدايته قبل نهايته، وهذا التصرف في لفظ البدء مستفادٌ من كلام المصنف رحمه الله تعالى نفسه، لا أني تصرفت في كلامه، وصرفته عن ظاهره.
وبعبارة أخرى، معناه: كيف بدأت تلك المعاملة مع المخلوقات؟ ولك أن تقول: إن بدء الوحي مقصود بالذات، وبقاءه مقصود بالتبع. أما معنى الوحي فسيجيء الكلام فيه عن قريب.
ولعمري أن المصنف رحمه الله تعالى أبدع في بدء كتابه، فصدَّره بالوحي على خلاف دأب المصنفين رحمهم الله تعالى، إشارة إلى أن أول معاملة العبد مع ربه إنما تقوم بالوحي، ثم بالإيمان، ثم بالعلم، ثم بسائر الأعمال، كما قال تعالى: {مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلاَ الإِيمَنُ} الآية (الشورى: 52) ثم علَّمَه ما علمه بالوحي، فهو مقدمه للإيمان والأعمال، فهو مقدمٌ طبعاً، فلا بد أن يكون مقدَّماً وضعاً.
(وقول الله عزَّ وجل) أراد به التوجيه إليه، والرعاية له والاستيناس منه، دون الاستدلال به. ثم اعلم أن المصنف رحمه الله تعالى ربما يذكر قطعة آية ولا يذكرها بتمامها. ويكون مقصوده في اللاحق أو السابق، فيتحير هناك الناظر، حيث لا يرى لها مناسبة بالمقام، فاعلم ولا تغفُل. وإنما انتخبها المصنف رحمه الله تعالى من بين سائر الآيات لكونها أبسط آية في باب الوحي، والغرض منه بيان مبدأ الوحي، أنه هو سبحانه وتعالى، وأنه إذا كان مبدأ هذا الوحي هو مبدأ وحي نوح عليه السلام والنبيين من بعده، فوجب لأهل الكتابين أن يؤمنوا به كما آمنوا بوحيهم، وأنه لما كان مبدؤهما واحداً، فإنكار هذا الوحي كأنه إنكار لوحيهم أيضاً.
الجزء 1 · صفحة 4
وقوله تعالى: (كما أوحينا) بيان سنة، أي إيحائنا سنة قديمة من لَدن نوح إلى يومنا هذا، وليس بأمر جديد ليتوحش منه متوحش، ويتأخر عنه متأخر. وإنما خص نوحاً بالذكر، ولم يذكر آدم عليه السلام، لأن الوحي قبله كان في الأمور التكوينية، ولم يكن فيه كثير من أحكام الحلال والحرام، كما ذكره الشاه ولي الله رحمه الله في رسالته: «تأويل الحديث».
وذكر الشاه عبد العزيز رحمه الله تعالى: أنه لما هبط آدم عليه السلام من الجنة أعطي بذوراً للزرع، وأكثر أحكامه كانت من هذا القبيل، ثم تغيرت شاكلته من زمن نوح، فنزلت الأحكام والشرائع، كما يُعلم من التفاسير، أن الكفر إنما ظهر في السِّبط السادس من قابيل، وأول رسول بعثه الله تعالى لِزَهْقِهِ هو نوح عليه الصَّلاة والسَّلام ولم يكن قبله كفر، ومن ههنا صار لقبه: «نبي الله» فإنه أول نبي بعث لإزهاق الكفر، والناس كلهم الآن من نسلِهِ، فهو آدم الثاني، ومنه نُشر العالم من بعد لفه، كذا ذكره المؤرخون.
ثم إنه لما بُعث ودعا الناس إلى التوحيد ولم يؤمنوا به، وكان من أمره ما كان، واستقر فُلْكُه على الجُوْديِّ، نزلت الشريعة وبعض من الحلال والحرام. فعند النَّسائي من كتاب الأشربة من الطِّلاء - ما يدل على بعض أحكام شريعته عليه الصَّلاة والسَّلام - عن أنس بن سيرين. قال: سمعت عن أنس بن مالك يقول: إن نوحاً صلى الله عليه وسلّم نازعه الشيطان في عود الكَرْم، فقال: هذا لي، فاصطلح على أن لنوح ثلثها وللشيطان ثلثيها.
وإن نوحاً قد كان وضع عود الكَرْم، ومن كل حيوان زوجين حين ركب الفُلْك وطغى الماء، فإذا استوت سفينته ونزل منها نازعه الشيطان في عود الكرم وادّعاه لنفسه، فإن الخمر يتخذ منه، ثم انفصل الأمر كما في الحديث.
الجزء 1 · صفحة 5
قلت: وهو يفيدنا في جواز المُثَلث من الأشربة، فإن الثلث صار لنوح عليه الصلاة والسلام، فيكون حلالاً البتة، وصار الثلثان للشيطان فإن بقي فيه شيء من الثلثين لم يحل، لكون حظ الشيطان باقياً، فإذا ذهب ثُلثاه بقي حق نوح عليه الصَّلاة والسَّلام فيكون حلالاً. قال ابن رشيد في «التهافت»: إن تعليم القيامة لم يكن قبل التوراة: أقول: بل هو مدار النبوة، وأساس الأديان السماوية، وشرائع الأنبياء، فلا بد أن يكون تعليمه من بدء الأمر، فإن الشريعة وإن اختلفت، إلا أن أصولها لم تختلف قط. وفي التفاسير: إن حرمة الخنزيرة كانت من زمن آدم عليه السلام. نعم تحتاج أمثال هذه النقول من المفسرين إلى الانتقاد، فكيف بالقيامة واعتقاد حقيتها، فإنها من أصول الدين؟
شرحُ الحديث على نحو ما قالوا
واعلم أن الحديث تكلموا عليه قديماً وحديثاً، وهو من أساس الدين، حتى رُوي عن الشافعي رحمه الله تعالى: أنه يدخُلُ فيه نصف العلم. ورُوي عن أحمد رحمه الله تعالى: أنه ثُلث الإسلام، أو ثُلث العلم. وقيل: ربعه كما قيل:
*عُمدة الخيرِ عندنا كلماتٌ ** أربعٌ قالهنَّ خيرُ البريه
*اتق الشُّبْهات، وازْهَد، ودع ما ** ليس يَعْنِيْك، واعمَلَنَّ بنيه
ونسبهما علي القاري رحمه الله تعالى إلى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى وهو سهو منه، بل هما لشاعر آخر كما يُعلم من شرح «عقود الجمان» للسيوطي رحمه الله تعالى.
ثم الحديث مروي عن إمامنا أبي حنيفة أيضاً في «مسنده» بلفظ: «الأعمال بالنيات» رواه عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التَّيمي، عن علقمة، عن أبي وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم «الأعمال بالنيات».. إلخ. ورواه بهذا اللفظ ابن حبان في «صحيحه»، والحاكم في «أربعينه»، وصححه.
الجزء 1 · صفحة 6
واقعته: ما رواه الطبراني بسند رجاله ثقات عن ابن مسعود رضي الله عنه: كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها: أُمُّ قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر، فهاجر فتزوجها. قال: فكنا نسميه: مهاجرَ أم قيس.
قال ابن دقيق العيد: لم يُصنِّف أحد في شأن ورود الأحاديث، إلا ما بلغني عن أبي حفص العُكْبَري، أنه صنف في هذا الموضوع شيئاً، ولو فعله أحد لنفع جداً.
وإنما لم يقل: «الأفعال بالنيات» لأن بين العمل والفعل فرقاً، فالعمل ساختن والفعل كردن يعني أن العمل فيما يتمادى ويطول، بخلاف الفعل، ولذا قال: {وَاعْمَلُواْ صَلِحاً} (المؤمنون: 51) وقال: {إِنَّ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ} (البقرة: 277). ولم يقل: افعلوا وفعلوا، دلالة على الدوام والاستمرار.
ذكر الكلام في الفرق بين النِّيَّة والإرادة
واعلم أنَّ المعتبر في الإرادة هو إصدار المراد، ولا يعتبر فيه غرضٌ للمريد، بخلاف النية، فإنها يعتبر فيها غرض، ولذا لا يكاد يُتْرك معها ذكر الغرض، فيقال: نويت لكذا، بخلاف الإرادة، فإنها تُستعمل بدون ذكر الغرض أيضاً، فيقال: أراد الله سبحانه، ولا يجب معه ذكر الغرض، ولذا لا يقال: نوى الله، بل يقال: أراد الله.
أقول: حاصله أن النية لما اعتُبر فيها الغرض، فلو أطلق لفظ النية في جنابه تعالى لأوهم تعليل أفعاله بالأغراض، مع أنهم قالوا: إن أفعاله تعالى لا تعلل بالأغراض وقد مر منا تحقيقه في المقدمة، وأنه لا استحالة في كون أفعاله تعالى معللة بالأغراض، وأن ما زعموه في إبطاله باطل. نعم، لما استعمل الإرادة في لسان الشرع دون النية اقتصرنا في الإطلاق على ما ورد به الشرع، ورأينا التحرُّز عما لم يَرِد به الإطلاق أولى. وكذا حجروا على إطلاق العزم فيه تعالى، وقد وقع في مقدمة مسلم، وجوَّزَه التِّبَرِيزي، والله تعالى أعلم.
الجزء 1 · صفحة 7
واعلم أنهم تكلموا على هذا الحديث، وأطالوا فيه الكلام من الجانبين، وحَمَلَهُ كلٌّ على مسائله، وجرَّه إلى مختاراته. ولما لم يكن فيه بُدٌّ من التقدير، إذ لا معنى لكون ذوات الأعمال بالنيات، لثبوتها حِساً وصورة من غير اقتران النية بها، فمنا من قدَّر الثَّوار بدليل قوله فيما بعد: «فهجرته إلى الله ورسوله» وهذا هو الثواب، ومنا من قدَّر الحكم كشارح «الوقاية»، فمعناه عندنا: ثواب الأعمال أو حكم الأعمال بالنيات، على اختلاف التقديرين. وقدر الشافعية الصحة، لأن متعلَّقات الظروف لا تكون إلا من الأفعال العامة، والصحة منها، فإن الثواب بعد الصحة، فمعناه عندهم: صحة الأعمال بالنيات. وعلى هذا فالأعمال عند عدم النيات تصير خالية عن الثواب عندنا وباطلة عندهم. ثم بنوا عليه اشتراط النية في الوضوء.
أقول: وكلام شارح «الوقاية» وإن كان أولى من غيره، إلا أنه خلاف الوجدان. أما تقدير الثواب والصحة فلا يصح عندي.
أما الأول: فلأن تقدير الثواب يؤدي إلى تخصيصين في الحديث: الأول بالدار الآخرة، فإن الثواب والعقاب من أحكام الآخرة. والثاني: تخصيصه بالطاعات فقط، لأنها هي التي يثاب عليها.
بخلاف المعاصي، فإنها يعاقب عليها، فلو قلنا: ثواب الأعمال بالنيات، يقتصرُ الحديث على أحكام الآخرة، ثم على الطاعات. وأحكام الدنيا والمعاصي تخرج عن قضية الحديث ومدلوله، ولا تُبقي له علاقه بها، مع أن الحديث عام قطعاً، فإن المعاصي مذكورة في آخر الحديث صراحةً كما قال: «ومن كانت هجرته إلى دنيا».. إلخ فعُلِم أن الحديث لم يَرِدْ في الطاعات فقط. على أن صحة الأعمال والطاعات هي كونها بحيث يترتب عليها الثواب فإذا خلت عن الثواب فقد بطلت، فصار مآل تقدير الثواب والصحة واحداً، فيلزم عليهم ما لزم على من قدَّر الصحة أيضاً.
الجزء 1 · صفحة 8
والتزمه المصنفون إلا أنهم رأوا فيه نفعاً يسيراً في الجواب عن مسألة النية، فرضوا بهذا النفع اليسير بالضرر الكثير، واختاروا هذا التقدير مع أنه لا يجدي أيضاً كما سيجيء.
وأما الثاني: أي تقدير الصحة فيؤدي إلى تخصيصين أيضاً: الأول بأحكام الدنيا، فإن الصحة اسم لاستجماع الشرائط والأركان، بحيث يَسْقط الفرض عن ذمته، وكذا البطلان نقيضه، وهما من أحكام الفقه والدار الدنيا، وحينئذٍ يقتصر الحديث على أحكام الفقه والدار الدنيا، ولا يَشْملُ أحكام الآخرة. والثاني أن من الأفعال ما لا يقال فيه: صَحَّ أو بَطَلَ، فإن الصحة تجري فيما فيه جهتان، الحِلة والحُرمة، أما الحرام قطعاً أو الحلال قطعاً فلا يقال فيه: إنه صح أو بطل، مثل من قتل رجلاً أو زنى أو سرق، فلا يقال فيه: إنه صَحّ قلته وزِناه وسرقتُه أو بطل. فيكون الحديث ساكتاً عن هذه الأحكام، مع أنه عام لجميع الطوائف كما علمت. على أن الصحة والبطلان بهذا الاصطلاح من المصطلحات الحادثة، ولا ينبغي أن يُحمل الحديث على مصطلحات الفنون، بل يجري على صرافة اللغة، هذا كلام على شرحهم.
أما الكلام على مسائلهم فقال الحنفية: إن النية لا تُشترط في الوضوء، وقالوا بصحته بدونها. والحديثُ واردٌ عليهم، فقال بعضهم: إن الحديث إنما ورد في العبادات دون القُرُبات والطاعات، ونحن نلتزم أن الوضوء بدون النية لا ينعقدُ عبادة. أما أنه لا يصلح لكونه مفتاحاً للصلاة، فلا يدل عليه الحديث أصلاً.
قال الشيخ زكريا الأنصاري: العبادة يشترط فيها النية ومعرفة من يُتقرَّب إليه. والقُرْبة يُشترط فيها معرفة من يتقرب إليه دون النية، كتلاوة القرآن. والطاعة لا يشترط فيها شيء، كالنَّظر الموصل إلى الإسلام.
الجزء 1 · صفحة 9
ثم أقول مراعياً مسائل الدين إجمالاً: إن الدين مركبٌ من خمسة أشياء: العبادات، والعقوبات، والمعاملات، والاعتقادات، والأخلاق. أما الأخلاق والاعتقادات فالبحث عنهما في فنونهما، والبواقي مذكورة في الفقه.
أما العبادات فالمقصود منها: الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج. والنية شرط لصحتها بالإجماع.
وأما المعاملات فأيضاً خمسة: مناكحات، ومعاوضات مالية، وخوصمات، وتركات، وأمانات. ولا تُشترط النية لصحتها بالإجماع.
وأما العقوبات فخمسة أيضاً: حد رِدَّة، وقذف، وزنا، وسرقة، وقصاص. ولم يَشتَرِط فيها النية واحد منهم.
فيا ليت شعري كيف زعموا أن الحديث واردٌ علينا وموافق لهم؟ مع أنهم أخرجوا عنه المعاملات والعقوبات بتمامهما أيضاً، فلو كان الحديث يرد علينا في الوسائل فقط، فقد ورد عليهم في المعاملات والعقوبات.
ثم أقول: إن من الوسائل ما يشترط فيها النية عندنا أيضاً، كالتيمم، والوضوء بالنَّبيذ، فإنها شرط للصحة فيهما. والعجب أن الإمام الأَوْزَاعي، والحسن بن حَيّ، لا يشترطان النية في التيمم أيضاً كما في العيني، فقد سبقوا إمامنا أبا حنيفة في عدم اشتراط النية.
أما اشتراط النية في التيمم عندنا، فلأن الأرض ليست طهوراً بطبعها، وإنما هو بالجَعْل، كما قال صلى الله عليه وسلّم «جُعِلتْ لي الأرض مسجداً وطهوراً». وإنما يُسْتعمل الجعل فيما ينصرف الشيء عن حقيقته، فالأرض ليست بطهور في أصلها، وإنما جُعلت طهوراً لهذه الأمة كرامة لها، بخلاف الماء فإنه ليس طهوراً بالجعل، بل أُنزل على هذه الصفة كما قال: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآء مَآء طَهُوراً} (الفرقان: 48)، فلا يحتاج فيه إلى النية، بل تقع به الطهارة بمجرد استعماله، نعم، لا يكون عبادةً بدون النية كما هو مُصرَّح في كتبنا، بخلاف التراب، فإنه ليس طهوراً بالطبع، فاحتاج إلى ضمّ النية ليظهر معنى الجَعْل.
الجزء 1 · صفحة 10
وهذا كما شرط الشافعية النية للجمع عند الجمع بين الصلاتين، فإنه لو مضى وقت الصلاة الوقتية ولم ينو جمع التأخير، يكون فاسقاً عندهم، فلا بد له أن ينوي الجمع قبل مضي الوقت في التأخير، وقبل السلام في التقديم. فكذلك شرطنا النية في التراب. بقي النَّبيد، فلعلهم شرطوا النية فيه لأجل نقص في معنى الطَّهورية، فإنه لم يبق على الصفة التي أنزل عليه، وإن كان طهوراً وطاهراً.
ويقول العبد الضعيف: معناه أن النَّبيذ ماءٌ مُطلق عندنا، إلا أنه ليس كالقَرَاح، فكأنه بين المُطلق والمقيد، وكثير من الحقائق ما يدور النظر فيها ولا يزال يتردد ولا يقنع إلا بعد إقامة المراتب. فالنبيذ إن قلنا: إنه ماء مقيد فلا يُناسب أذواقنا، وإن قلنا: إنه مطلق فكذلك، فإنه ليس كالقَرَاح، فصار نظر إمامنا أنه أقرب إلى الإطلاق، فوضعه تحت المطلق وفوق المقيد، وشَرَط فيه النية إظهاراً لدنو رتبته، ولو علم الخصوم مُدْرَك إمامنا لما طعنوا عليه في هذه المسألة، وهذا كالحقيقة القاصرة تعسَّر عليهم دَرْجُها في الحقيقة المطلقة، وكذا في المجاز، فأقاموا المراتب، وجعلو فوق المجاز وتحت الحقيقة وسمَّوها: حقيقة قاصرة.
فالحاصل: أن في الوسائل أيضاً نية عندنا ولو في الجملة. ولو تعمقنا النظر فالنية مرعية في الوضوء من الماء المطلق أيضاً، فإنهم إن أرادوا بالنية الملفوظة والعبارة المخصوصة فلن يجدوا إليها سبيلاً.
الجزء 1 · صفحة 11
وقد صرح ابن تيمية وغير واحد من العلماء: أن التلفظَ بالنية لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلّممدة عُمُره، ولا عن واحد من الصحابة والتابعين، ولا من الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى. وإن أرادوا بها النية التي تكون قبيل الأفعال الاختيارية، فنحن وهم فيه سواء ولا ننكرها أصلاً. والنية قبل الصلاة ليست إلا أن يعلم بقلبه أنه أيُّ صلاة يصلي، فكذلك في الوضوء. ولا أرى أحداً من الحنفية أنه يتوضأ ثم لا يكون له شعور في نفسه أنه يتطهر أم لا، فالنية أمرٌ قلبي لا مَنَاص عنها في الأفعال الاختيارية. وإن أرادوا بها زائداً على هذا القَدْر، فليس إليه إيماء في الحديث ولا حرف ولا شيء.
وجملة الكلام أن النية التي لا تصح العبادات والأعمال بدونها لا تزيدُ على ما قلنا. وهي توجد في وضوء الحنفية والشافعية سواء بسواء، فأين الخلاف وأين الإيراد؟ اللهم أن يفرض كفَرَض - المنَّاطقة زيداً حماراً - أن رجلاً جاء وقد مَطَر السحاب من فوقه وابتلت أعضاء وضوئه، فإنه لم توجد منه تلك النية، فهل يُباح له يجتزىء بذلك الوضوء ويصلى؟ فلو كان الاختلاف في هذا الجزء الذي قلما يتفق أن يُبتلى به في عمره الأولى أن يفرزبالبحث عنه ويترك تحت مراحل الاجتهاد، ولا يدخل في مراد الحديث لئلا يصير مرادُه نَظَرياً بعدما كان بديهياً. ولكن يُعلم من كلام الطرفين أنهم يزعمونه، كأنه مصرَّحٌ في الحديث، فيُلزِم كل واحد منهم الآخر أنه خالف الحديث مع أن الحديث لا مِسَاس له بموضع النِّزاع، كما ستعرف عن قريب إن شاء الله تعالى.
الجزء 1 · صفحة 12
فالحاصل: أن الحديث إن قصرناه على العبادات كما يُعلم من كلام الطرفين، وعلى الثواب، كما يعلم من كلام فقهائنا، فنحن نلتزم أن الوضوء بدون النية لا ينعقد عبادةً. أما أنه لا يصلح للشروع في الصلاة، ولا يقع مفتاحاً لها فلا نسلِّمه، فإنه أمرٌ حسي، ومعنى الطهورية فيه أظهر، فيقع المفتاحية بلا مِرية. وإن ادعوا أن الضروري منه هو الذي يقع عبادة ولا تصح الصلاة إلا به، فذلك نداء من بعيد. ثم إنهم إن أرادوا بالعبادة ما مر تفسيرها في كلام شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، فعليهم أن يُقيموا عليه دليلاً، أن الضروري هو الوضوء بهذه الصفة. وإن أرادوا بها ما يؤجر عليه فمسلم. ونحن نلتزمه ونقول: إنّ في وضوئنا أيضاً أجراً وإن لم يكن عبادة بالتفسير الذي مر، فإن القُرُبات والطاعات أيضاً عبادة، بمعنى أنها يؤجر عليها.
ثم نُورد عليهم سوى ما ذكر: أنكم أوجبتم الدِّية في الخطأ مع أنه لا نية فيه. وقلتم بطهارة الثوب ولا نية فيها أيضاً. فما الفرق بين طهارة الأَنجاس والأحداث؟ حيث جعلتم النية شرطاً في إحداهما دون الأخرى، فأجابوا عن الأول: أن الحديث إنما ورد في الخطاب التكليفي، وهو متعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء والتخيير، دون الوضعي، وهو أن يكون هذا سبب ذلك أو شرطه، كالدُّلوك للشمس والقتل من الثاني. وعن الثاني: أنه من قبيل التُّروك دون الأفعال. قلتُ: وكلها تفلسف وأمارة عن عدم إدراك المراد وعدم إصابة المرمى.
هذا خلاصة كلام الأكثرين منهم، ويحوم حوله كلمات الباقين، والأمرُ بعد في الخفاء
الجزء 1 · صفحة 13
والذي أراه: هو أن الحديث لم يَرِد في وجود النية وعدمها كما يُشعر به تفاريعهم. وإنما ورد في بيان الفرق بين النية الفاسدة والصحيحة فقال: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله» فهذه نية صحيحة. وقال: «ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها» فهذه نية فاسدة، فالحديث فصَّل بنفسه آخراً ما أجمله أولاً. وصرَّح بأنه لم يرد في بيان حكم الأعمال التي فيها النية والتي ليست فيها النية، بل جاء لبيان منفعة النية الصحيحة ومفسدة النية الفاسدة، وللتنبيه على أن للأعمال ربطاً بالنيات، فلا يغتر أحد بحسن علانيته مع قُبح سريرته، فإن الله لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وليأتكم وهذا الذي يناسب علوم النبوة.
أما الكلام في الصحة، والبطلان، والجواز، والكراهة، فإنما هو وظيفة الاجتهاد. وما يجبُ عليه التنبيه من جهة النبوة. هذا لأن رجلاً يصلي طول ليله، ويصوم طول نهاره، ويجاهد بنفسه وماله، ويحج ويسعى، ومع ذلك لا يزن عمله عند الله جَنَاح بعوضة إذا كان لغرض من الأغراض الدنيوية، وهذا كله لفساد سريرته. ويكون رجل آخر فلا يكون له عمل صالح يُذكر، فييأس من مغفرته، ثم تخرُج له بِطاقة وتُوزَن بسائر أعماله الطالحة فيزنها ويرجحها، وهذا لحسن طويته وطيب نيته. حتى إن الأعمالَ قد تنقلب بالنيات حسنات، كما أنها قد تنقلب بها سيئات. قال تعالى: {فأولئك الذين يُبدلُ ا سيئاتهم حسنات} (الفرقان: 70).
الجزء 1 · صفحة 14
والحاصل: أن بركة الأعمال ومحقها تناط بالنيات على نحو ما عند «ابن ماجه» في: باب التوفي على العمل، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّميقول: «إنما الأعمال بالنيات كالوعاء، إذا طاب أسفله طاب أعلاه، وإذا فسد أسفلُهُ فسد أعلاه». وإسناده ضعيف. وكما في الحاشية: الإناء يترشح، بما فيه. والظاهر عنوان الباطن. فتنوع الأعمال وتلوُّنها تدور بالنيات. وليس عملٌ إلا وله صِبْغ بلون نيته؛ إن خيراً فخيراً، وإن شراً فشراً. فالنية الصحيحة مثمرة للبركات، وتوجب النمَّاء في الأعمال. والفاسدة تمحو الأجور وتحبط الأعمال. وفي مثل هذا قص الله سبحانه: {مَنْ كَان يريدُ الحياةَ الدنيا وزينتَها نُوفّ إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يُبْخَسون * أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار} (هود: 15، 16) فنعى على من كان نيته هكذا أنه قد حبط عمله. وقال تعالى: {كالذي ينفقُ ماله رئاء الناس ولا يؤمن با واليوم الآخر فثلهُ كَمَثَلِ صفوانٍ عليه ترابٌ فأصابه وابلٌ فتركه صَلْداً} (البقرة: 264) {ومثلُ الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات اللَّهِ وتثبيتاً من أنفسهم كمثلِ جنةٍ بربوة أصابها وابلٌ فآتَتْ أُكْلَهَا ضِعفين} الآية (البقرة: 265).
ولما انكشف الغطاء عن وجه المقصود، وظهر أن الحديث ورد في جميع أنواع الأعمال، ولم يختص بحكم دون حكم. وإنه لم يتعرض إلى ما فيه نيته وما ليست فيه تلك، ولكنه جاء مادحاً لمن نوى نيةً حسنةً، وقادحاً فيمن نوى نيةً فاسدةً فحبط عمله، علم أن ما ليس فيه نية خارج عن متناول الحديث. وأن الحديث لا مِساس له بموضع النزاع، فينبغي أن يفوض صحة الوضوء بالنية وعدمها إلى الاجتهاد. وما يدلك على أن الحديث عام كما قلتُ ما قال البخاري نفسه باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحِسبة، ولكل امرىء ما نوى، فَدَخل فيه الإيمانُ، والوضوءُ، والصلاةَ، والزكاةُ، والحجُ، والصومُ والأحكام... إلخ.
الجزء 1 · صفحة 15
ثم الحديث لما كان عاماً عندي فينبغي أن يكون التقدير أيضاً كذلك كالنماء، والزكاة، والعبرة، والثمرة، والحِسبة: فمعناه، نماء الأعمال وزكاؤها وعبرتها وحسبتها بالنيات. ولست أريد من العبرة والحِسبة الفقهي، لئلا يرجع الكلام إلى موضوعه بالنقض، بل أريد على حد قوله صلى الله عليه وسلّم «إنما الأعمال بالخواتيم»، وفي لفظ: «العبرة بالخواتيم» أو ما سواها من الألفاظ التي تدل على اعتناء جانب الموافق، وعدم البطلان بجانب المخالف. وهذه الألفاظ كلها كذلك. وكأن تقدير الألفاظ إليك بعد ما عرفت حقيقة المراد. فهناك ثلاثة أشياء: العمل، والنية، والغاية. فأشار إلى الأول بقوله: «فمن كانت هجرته» فالهجرة عمل، وإلى الثاني بقوله: «إلى الله» فهو نية، وإلى الثالث بقوله: «فهجرته إلى الله ورسوله» وهو غايته، وهكذا في الجملة الثانية.
الفرق بين القرينتين
قد سبق إلى بعض الأذهان أن قوله: «وإنما لكل امرىء ما نوى» مؤكد لقوله: «إنما الأعمال بالنيات» مع أنهما يفترقان من وجوه. منها كما قال الشيخ السِّندي: أن الجملة الأولى جملة عرفية تجربية وليست بتشريع. أقول: وله نظائر كقوله: «لكل أمةٍ أمين، وأمينُ هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح». «ولكل شيء زينة، وزينة القرآن آخر البقرة». فكون الأمين في كل أمة وكون الزينة في كل شيء أمر يعلمه أهل العرف أيضاً ويستعملونه فيما بينهم. ثم جاءت الشريعة ونبهت على أن تلك الحقيقة سرت إليها أيضاً، فدلت على أمين هذه الأمة. وهذا مما لا يُعلم إلا من تلقائه على حد. «وزينة القرآن» وهي لا تُقتنى إلا من جهته، فبيَّن أنها البقرة، وكذلك: «الأعمال بالنيات» جملة يستعلمونها أهل العرف ويقوله: هذه ثمرة أعماله يعني عملون كي بهل.5
الجزء 1 · صفحة 16
والجملة الثانية: «وإنما لكل امرء ما نوى» حكم من جانب الشرع وتشييدٌ لما جرى بينهم وتحقيقٌ لما اعتبروه. وقيل: إن الأولى علة فاعلية، والثانية غائية، ففي الأُولى بيان للنية وهي مؤثرة، وفي الثانية بيان للغاية والثمرة. إلا أن الأغبياء جعلوا الغاية أيضاً علة فاعلية لفاعلية الفاعل، إلا أن يفرَّق بين الفاعلية للشيء وبين الفاعلية لفاعلية الفاعل للشيء. وحينئذٍ وإن كانت الغاية فاعلية، لكنها لفاعلية الفاعل للشيء، دون الشيء نفسه. وقيل: أن الأولى في حال الأعمال، والثانية في حال العالمين. وقيل: مفاد الأُولى ضرورة النية في الأعمال، فهي المدار لحبطها وعبرتها. والثانية في تعيين المنوي، فإن لكل امرىء ما نوى، فلا بد أن يعين المنوي.
ثم ما المراد بقوله: «ما نوى» هل المراد منه الغاية والثمرة؟ أو عين ما نوى؟ والأظهر عندي هو الثاني. فكلٌ يجدُ في آخرته عينَ عمله وعين ما ينويه في دُنياه. ولهذه الدقيقة ورد الجزاء بعين ألفاظ الشرط. والناس لما لم ينتقل أذهانهم إليه شمروا للجواب عن اتحاد الشرط والجزاء، مع أن في الحديث أذان من الله ورسوله إلى من هاجر إليهما في الدنيا أنه يجدُ هجرته تلك بعينها في الآخرة. ومن هاجر إلى دنيا أو امرأة لا يجدها إلا تلك {وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}، (الكهف: 49) وقال تعالى: {وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا} (الكهف: 49) فهذه حقيقة غَفَلَ عنها الناس، وفهموا أن في الدنيا أعمالاً وفي الآخرة ثمراتها. ثم أشكل عليهم مسألة التقدير، وقالوا: إن الأعمال لما كان من إقداره وتقديره، فترتب الجزاء عليها غير ظاهر. وفيه نظم لي طويل:
*وليس جَزَاءُ ذاك عينَ فِعَالِنَا ** وقد وجدوا ما يعملون وعوَّلوا
*وفي الحَال نارٌ ما تورط ههنا ** ولكنَّ سِتراً حالَ سوف يزولُ وسنقرره إن شاء الله تعالى في مقامه.
هل يُشترط سُنُوح الجُزئيات لإحراز الثواب؟
الجزء 1 · صفحة 17
فقوله: «إنما الأعمال بالنيات» يُشعر بكفاية النية الإجمالية، وقوله: «إنما لكل امرىء ما نوى» يُشعر بتفصيلها. فإنه إذا وجد ما نواه ولم يجد ما لم ينوِ، فقد لزم منه التفضيل. والذي يظهر أن النية الإجمالية كافية لإحراز الثواب قطعاً ولا يجب سنوحها. ألا ترى أن من ربط فرساً في سبيل الله يحصل له الأجر على روثه، وبوله، واستنانه، وريِّه، وعلفه، وشربه، مع أنه لم يَسْنَح له هذه الجزئيات عند ربطه في سبيل الله. نعم، بسط النية دخيل في انبساط الأجر، فإن الأعمال وثمارها تابعة للنيات، فقبضها بقبضها وبسطها ببسطها.
والحاصل: أن الحديث فَرَّق بين النية الفاسدة والصحيحة نصاً. أما كونها مجملة أو مفصلة فلم يعط فيه تفصيلاً من عنده. وقوله: «ما نوى» أيضاً مجملٌ ومعناه: ما نوى نية إجمالية أو تفصيلية.
بقي أن القدر الضروري هو النية نفسها، أو يشترط شعورها أيضاً. والأوضح أن النية في مرتبة العلم كافية، وهي التي تسبق الأفعال الاختيارية، ولا يشترط في مرتبة علم العلم. وحينئذٍ فصورة الذهول ليست بمذكورة في الحديث.
وحاصله: أن النية العرفية تكفي لإحراز الثواب، ولا يشترط شعورها وتقررها واستحضارها. وهو العرف في هذه المواضع، ولا ينساق الذهن إلى المرتبة المنطقية، وهي علم العلم، فلا يُحْمَلُ عليها الحديث أصلاً. بخلاف الخصوم، فإن كلامهم أقرب إلى مرتبة علم العلم.
الجزء 1 · صفحة 18
تنبيه: ومما ينبغي أن يُحْفَظَ ولا يُذْهَلَ عنه ما اختاره الغزالي فيما يتعلق بالثواب: أنه إن كان القصد الدنيوي هو الأغلب لم يكن فيه أجر، أو الديني أُجِرَ بقدره، وإن تساويا فتردَّد القصدُ بين الشيئين فلا أجر. وأما إذا نوى العبادة وخالطها شيء بما يغاير الإخلاص، فقد نقل أبو جعفر بن جرير الطبري عن جمهور السلف: أن الاعتبار بالابتداء، فإن اعتراها فساد بعد الشروع - والعياذ بالله من الحَوْر بعد الكَوْر - فنرجو من رحمة الله أن يتغمده بغفرانه ولا يُحْبِطَ عَمَلَه. فعلى المحسن الخاشع المريد وجهَ الله أن يصحح نيته، ويسعى فيهما عند الشروع في العمل، ويبذل في استقامتها جهده، ثم يسأل الله أن يقيمَه. وهي غنيمة باردة للإنسان الذي خُلِقَ ضعفَياً، وصدق الله عزَّ وجلَّ: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (البقرة: 185).
وثانياً: أن الأجساد هي البادية في هذا العالم والنية مستورة بالمرة. وينعكس الأمر في المحشر، فتكون النيات متبوعة والأعمال تابعة، وتكون هي البادية. فيراها أهل المحشر كلهم عِيَاناً، كالأجساد في هذا العالم، فإن ظهورَ كل شيء ما ناسب مكانه ومحله، والمحشر هو محل ظهور النيات، فإن الله سبحانه لا ينظر إلى أعمالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم ونياتكم، ومن يرائي يرائي الله، ومن سمع سمع الله به. فهذه كلها ظهور النيات. وعلى هذا لو اشتمل عمل على ألف نية، تكون ألف عمل يوم القيامة، والله تعالى على ما يشاء قدير.
وقوله: «إنما الأعمال بالنيات» بحرف القصر في مقابلة من زعم عبرة الأعمال ونماءها بالنية الفاسدة، أو أن الأعمال لا تأثير فيها للنيات، فجيء «بإنما» على طريق قصر القلب، كما قال عبد القاهر في «إنما».
الجزء 1 · صفحة 19
ثم تحير الشارحون في وجه حذف البخاري قطعة من الحديث وهو قوله: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله... إلخ» مع أنه ذكره من غير طريق الحُميدي مستوفى، وقد راجعت نُسخة الحُميدي - غير مطبوعة - فوجدت تلك القطعة فيها. فعُلم أن التصرف من جانب المصنف رحمه الله. ومحصل الجواب أن الجملة الأولى المحذوفة تشعر بالقربة المحضة، والجملة المذكورة تحتمل التردد. فلما كان المصنف رحمه الله كالمخبر عن حال نفسه في تصنيفه هذا بعبارة هذا الحديث، حذف الجملة المُشعرة بالقُربة المحضة فراراً من التزكية. كذا في «الفتح» والتفصيل في الشروح.
أما وجه مناسبة الحديث مع الترجمة فمن وجوه ذكرها الشارحون، وما يحكم به الخاطر الفاتر هو أن ورود الأفعال إنما هو بالوحي وصدورها بالنيات. فالوحي مبدأ لوجودها، والنية مصدر لصدورها ونعني بورود الأفعال مبدئياً، أي الأوامر والنواهي. فالأوامر والنواهي ليست إلا من تلقاء الوحي، فيكون مبدأ لها. وكذلك صدورها لا يعتبر في الشرع بدون النية، فتكون مبدأ أيضاً. فالأفعال ذو حظ من الطرفين، والعلاقة هي الوحي في جهة: والنية في جهة. فالوحي والنية علاقتان لها: إحداها لوجودها، والثانية لصدورها والله تعالى أعلم.
ولنا أن نقول في وجه المناسبة، ولنمهد لذلك مقدمة: إن كل شيء إنما يعرف بآثاره، فإن كانت آثارهُ حسنة، كان الشيء حسناً، وإن كانت قبيحة، كان الشيء أيضاً كذلك. كيف لا وإنما الثمرة تنبىء عن الشجرة، ولذا تراهم عدوا الاستدلال من الأثر على المؤثِّر تحولٌ من الحُجة.
الجزء 1 · صفحة 20
وبعد ذلك نقول: إن أحوال العرب قبل مبعثه صلى الله عليه وسلّم غير خافية من له شيء من الخِبرة، فإن ظلمات الكفر والطغيان قد كانت متراكمة على ضواحي الدنيا، لم يكن يُعرف الحق من الباطل، ولم يكن فيهم من كان يعبد الله على حرف، وكانت الكلمة الإبراهيمية قد انطمست، والملة الحنفية قد اندرست وانعدمت، ومصابيح الهداية أطفئت، ورياح العلوم الحقة ركدت، حتى إنهم كانوا عاجزين أن يفهموا أن لهم رباً، فنحتوا الأصنام وعبدوها.
أما أخلاقهم فلا تسأل عنها، كان سفك الدماء، وهتك الأعراض، ونهب الأموال من عظم مفاخرهم، يبولون كما يبول الإبل، يمشون وهم عراة، لا يفرقون بين المحارم وغيرها، يرثُ أكبر الأبناء زوجةَ أبيه، يئدون البنات، قاموا لعصبية الجاهلية، ودعوا لعصبة الجاهلية، وإذا هاج شر قَضم بعضهم كالفحل، وعاثوا في الأرض، حتى انقطعت السُّبُل والتجارة، وتعذر الخروج إلا في الأشهر الحرم، وكانوا في تَرَحٍ وَمَرَحٍ، إذ بعث الله فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، فلم يترك شيئاً من دينهم ودنياهم إلا وعلمهم، حتى سادوا الناس وملكوا الأرض، فضُرِبت بهم الأمثال، واهتزت الأرض من الأنوار الإلهية، وملئت عدلاً وأمناً، وأخرجت الكلمة شطأه حتى قامت على سوقها ليغيظ بها الكفار، فمن كان صاحب تلك الآثار وقريبها، ما ظنك به؟ لا ريب في حسن نيته وكونه موحى إليه، ومن هنا ظهرت المناسبة من وجه آخر.
باب
حديث صلصلة الجرس
الجزء 1 · صفحة 21
واعلم أن المصنف لما فرغ عن النية التي هي مبدأ الأعمال من جهة، شرع في الوحي الذي هو مبدؤها من جهة أخرى، وهو المقصود ههنا. أما الوحي والكلام فيه فالحق أنه خارج عن موضوعنا كما ذكره الشيخ الأكبر في «الفتوحات»، أن ما لا يحصل لنفسه لا يُدْرِكُ كُنْهَه. وذكر أنه دخل مرة في ملأ من الأولياء وهم في ذكر من المقام الموسوي، فَوَكَلوا الكلام إليه، فقال: لا يحل لي أن أتكلم فيه، لأنه لا يحصل لي، فكذلك الوحي لا يُدْرِك كنهه إلا لمن اتصف به. ولم يرو في هذا الباب عن السلف شيء كثير، إلا ما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنه: أن الوحي هو القذف في القلب - أي في الآية التي سنتكلم عليها آنفاً - ولم ينفصل الأمر منه، فإن القذف والقذف يتغايران فلا ندري ما كيفيته، فإننا أيضاً نقذف في قلوبنا. وقد ذكر العلماء أقسامه. والأولى عندي أن يقتصر على ما اقتصر عليه النص، فقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً} إلخ (الشورى: 51).
تفسير آية الوحي إجمالاً
واعلم أولاً أن الوحي على ثلاثة أنحاء: الأول: أن يُسخَّر باطن المُوحى إليه إلى عالم القدس، ثم يُلقى في باطنه، فلا توسُّط للملَك في هذا النوع.
الثاني: ما يكون فيه دخل لحواس المُوحى إليه، فَسمِعَ فيه الصوت، وهو صوت الباري تعالى عند البخاري، بحيث لا يُشبه أصوات المخلوقين، ليس فيه مخارج ولا تقطيع. وقال الشيخ المجدِّد السَّرهندي رحمه الله تعالى: وليس بجزء ولا كل وليس بزماني ولا مكاني وسيجيء الكلام فيه.
والثالث: أن يجيء المَلَكَ وهو على نحوين:
الأول: أن يُسخر الملك باطن النبي.
والثاني: أن يتمثل بنفسه في صورة البشر، كقوله تعالى: {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً} (مريم: 17).
الجزء 1 · صفحة 22
إذا علمت هذا فاسمع منا تفسير الآية: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ} أي نبي ورسول، فالمراد منه هو النبي أو الرسول وإن كان اللفظ عاماً، وإنما لم يقل: لنبي أو رسول صراحة، حذراً عن شبهة المصادرة على المطلوب. فإنهم لما قالوا: {لولا يُكلمنا ا..} (البقرة: 118)، أجابهم بأنه: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلّمَهُ اللَّهُ} وحينئذٍ لا يناسب وصفه بالنبوة أو الرسالة، لأنه أول النزاع، وهو اعتراضهم أن الله لم لا يكلم واحداً منا ويكلم هؤلاء فأجاب بنحو تعميم في اللفظ مماشاة معهم كما قال الرسل: {إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ} (إبراهيم: 11) {أَن يُكَلّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً} والمراد منه عندي: الإعلام بخفية، وهو النوع الأول، ويدخل فيه الإلهام والمنام. ولا يقصر على الإلهام والمنام فقط كما قالوا: {أَوْ مِن وَرَآء حِجَابٍ} إشارة إلى النوع الثاني: وهو ما تيسر له صلى الله عليه وسلّمليلة المعراج ولموسى عليه الصَّلاة والسَّلام على الطور.
الكلام في أنه صلى الله عليه وسلّم هل جمع بين الرؤية والكلام ليلة المعراج؟
بقي الكلام في أن النبي صلى الله عليه وسلّمهل جُمع له بين الكلام والرؤية ليلة المعراج أو كانت الرؤية بدون الكلام والكلام من وراء حجاب؟ فالله أعلم به. نعم، التفسير المذكور يُبنى على الفصل بينهما، فإن قوله: {مِن وَرَآء حِجَابٍ} حينئذٍ يدل على أنه لم تكن وقت الكلام رؤية، بل حصل له الكلام بدون الرؤية. وإن قلنا بالجمع له بين الرؤية والكلام أي كانا معاً، فالجواب على حديث مسلم أن الرؤية أيضاً كانت في الحجاب: «عن أبي موسى: أن حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سُبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه».
وفي «القاموس»: سبحات وجه الله: أنواره. فعُلم منه أن الحجاب لا يُكشف، ولو كشفه لأحرقت سبحات وجهه. فالرؤية في الحجاب، والحجاب هو النور.
الجزء 1 · صفحة 23
وعند مسلم «نورٌ أَنَّى أراه»؟ يؤيده فإنه لا ينفي الرؤية مطلقاً، ولكنه ينفي اكتناهه والإحاطة به والتحديق إليه ورؤيته متمكناً؛ فإن كمال النور يمنع الإدراك، وحينئذٍ لو كانت بدون الحجاب لأمكن أيضاً. فالنبي صلى الله عليه وسلّمحصل له الرؤية ألبتة، ولكنها كانت رؤية دون رؤية، وهي التي تليق بشأنه تعالى؛ فإنه لا يمكن لأحد أن يتقرر بصره على وجهه تعالى، وهو العلي العظيم، فإن مهابة كبريائه مانعةٌ عن النظر إليه متمكناً، ولكنه رؤية دون رؤية، كما يتيسر لنا لأحد من الكبراء في الدنيا بطريق مسارقة النظر.
ولذا ترى الألفاظ فيها واردة بالإيجاب مرة والنفي أخرى. ولا تريد أن تؤدي تلك الرؤية في العبارة إلا جاء التعبير هكذا موجباً مرة ونافياً أخرى. ونظيره قوله تعالى: {وما رميتَ إذا رميتَ ولكنَّ ا رمى} (الأنفال: 17) فجاء فيه النفي والإثبات معاً، فهكذا أمر الرؤية. والحق أن المعاملات الربانية كلها لا توفيها الألفاظ كما هي، فيحدث هذا العُسر لضيق نطاق البيان. فاختلاف الإثبات والنفي ليس تنافياً وتضاداً، بل كل منهما أحد طرفي المراد. وإذا هو رؤية المتأدب، ورؤية بين رؤيتين، ورؤية دون رؤية. فلو شئت أن تثبتها أثبتها، ولو شئت أن تنفيها نفيتها، لا بمعنى أنها لم تحصل، بل بمعنى أنها رؤية تتحمل الإثبات والنفي معاً.
الجزء 1 · صفحة 24
وحينئذٍ لو كان لفظ مسلم: «نُورٌ أَنَّى أرَاه» لصح أيضاً، فإنه رأى ربه ألبتة وكان نورانياً. وقد وقع إطلاق النور عليه في القرآن أيضاً: {ا نور السموات والأرض} (النور: 35). ولكن هذا أيضاً رؤية دون رؤية، فإن شئتَ أثبتها وقلت: كان نورانياً حين رآه. وإن شئتَ نفيتَ عنه وقلت: «نور أنَّى أراه» فإنها ليست رؤية بتمامها وكمالها. وفي لفظ: «رأيت نوراً» وهذا أيضاً يحتمل المعنيين: أي رأيت نوراً فحسب دون الذات، ومنعني النور عن رؤيتها. أو رأيت ذاتاً منوراً. وقد فهم الناس التقابل بين هذين الاحتمالين، وهما عندي واحد، فإن الرؤية التي حصلت له صلى الله عليه وسلّمكانت رؤية حقيقة وأمكن أن تكون بدون الحجاب أيضاً، إلا أن مهابة الكبرياء مَنَعَ التحديق إليه، فصارت بين بين، وكان كما قيل:
*فبدا لينظرَ كيف لاحَ فلم يُطِق ** نظراً إليه وردَّه أشْجَانُه ولكنه صلى الله عليه وسلّمتشرَّف برؤيته تعالى، ومَنَّ عليه ربُّه بها وكرَّمَه، وتفضَّل عليه بنوالِهِ، وأفاضَ عليه من أفضاله، فرآه رآه كما قال أحمد رحمه الله تعالى مرتين. إلا أنه رآه كما يرى الحبيبُ إلى الحبيب، والعبد إلى مولاه، لا هو يَمْلِكُ أن يَكُفَّ عنه نظرَه، ولا هو يستطيع أن يُشِخص إليه بَصَرَه. وهو قوله تعالى: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} فالزيغ: أن يتغافل عن جمال وجهه، فلا يراه مستجمَعاً. والطغيان: أن يراه، ولكن يتجاوز عن حَدِّه، فيقع في في إساءة الأدب. وهذا إثبات لرؤيته في غاية اعتدال. فالحاصل: أنها كانت بحيث لا يصفُها واصف، أمَّا أنَّها كيف كانت؟ فلا تَسأل عنها، فإنها كانت وكانت.
*أَشْتَاقُهُ فإذا بَدَا ** أطرقتُ من إجلالِهِ ولو كانت رؤية منام لما احْتِيج إلى تلك الاحتراسات.
الجزء 1 · صفحة 25
ومن ههنا اختلفوا في نفس الرؤية لعامة المسلمين في الجنة. هل تحصل برفع الحجاب؟ أو تكون في الحجاب؟ فجنح الشيخ الأكبر إلى أن رداء الكبرياء لا يُرفع في الجنة أيضاً، فإن المرئي في الرداء يُعَدُّ ذاتُهُ مرئياً عُرفاً، كما لو رأيت رجلاً في ملبوس، لا تقول إلا أنك رأيتَ ذاته حقيقة. ولا يُشترط لرؤية الشخص رؤيته مجرداً عن اللباس. وإنما يكون المراد منه ما هو المعروف، والمعروف فيها ما قلنا. فكذلك الله سبحانه يكون مرئياً البتة، إلا أن رؤيته تكون في رداء الكبرياء عنده، وهي التي بَشَّر بها الله سبحانه عبادَه بالغيب. وذهب العلماء إلى أنها تكون برفع الحجاب، على ما وقع من تشبيه رؤيته برؤية القمر ليلة البدر. وهذا التشبيه لا يَرِدُ على ما اختاره الشيخ، كما سبقت الإشارة إليه، فإن المراد في الأحاديث من عدم الحجاب عنده، سوى حجابه الذي هو نورده ورداؤه الكبرياء، والرؤية مع الرِّداء رؤيةٌ للذات عرفاً وشرعاً بلا تأويلٍ وتأمل.
قلتُ: وليس هذا اختلافاً وإنما هو اختلاف الأنظار، ونَظَرُ العلماء أحكم، ونظر أرباب الحقائق أسبق وألطف، فهم يُمَثِّلون على ما يظهر من ظاهر الشريعة، وهؤلاء يراعون ما كَشَفَ الله سبحانه عليهم من حقائق الشريعة وخبيثة أسرارها. وفي الحديث: «لكلِّ آيةٍ ظهر وبطن، ولكلِّ حدَ مطلع». والأمر إلى الله سبحانه. وسيجيء بقية الكلام فيه إن شاء الله تعالى في موضعه في آخر الكتاب.
الجزء 1 · صفحة 26
ولعله صلى الله عليه وسلّمتشرَّف بالإيحاء أولاً، ثم انتهى الأمر إلى الرؤية، وكانت عِياناً. ولذا انتقل إلى تحقيقه وتثبيته في سورة النجم. ولم يكن في الإيحاء أمر بديع في حقه، فذكره كأنه أمرٌ مفروغٌ عنه. وإذا نزل إلى ذكر الرؤية أكَّده بأنها كانت بالفؤاد والعين معاً. وكانت بدون الطغيان والزيغ. وهذا على نحو ما وقع لموسى عليه الصَّلاة والسَّلام: الكلام أولاً ثم الرؤية ثانياً. ولكنه رآه تعالى ثم غُشي عليه؟ أو لم يره وغَشِي قبله. فأمرٌ يعلمه الله سبحانه، إلا أن نبينا صلى الله عليه وسلّمرآه قطعاً ولم يُغْشَ عليه، ولكن خَرَّ ساجداً كما كان يليق بهذا الوقت، وبقي صاحياً لم يأخذه غَشْيٌ، مؤدِّياً وظيفة العبودية، مؤدَّباً في حضرة الربوبية.
فانظر كيف ذَكَرَ رؤيتَه حيث لم يجعلها مقصودة بالذكر؟ فكأنها أمرٌ مما لا يُنكر، إذ كان صلى الله عليه وسلّمدُعِي لذلك، وإنما اهتم برفع ما يمكن أن يقع فيه من اشتباهات، فأزاحها وأكدها بما لا مزيد عليه، فنفى عنه: الضلال، والغِواية، والنُّطق عن الهواء، والزيغ، والطغيان، وذَكَرَ عِلْمَه، وحال معلِّمِهِ، والمباسطة بينهما، وأثبت له الرؤية بالفؤاد، والعين، وأنه قد تصادقا عليه، فما رآه البصر صدَّقه الفؤاد ولم يكذبه، ولا تردد فيه، وما ذاك إلا لأنها كانت رؤيةً بصريةً يَقَظَةً. {فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} ( الأعراف: 185) ولكن {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} (النور: 40) والله تعالى أعلم.
(أنواع الوحي)
الجزء 1 · صفحة 27
ثم لنرجع إلى ما كنا بصدده ونقول: إن قوله: {مِن وَرَآء حِجَابٍ} إشارة إلى النوع الثالث مع قَسِيمَيْه. فإن قلت: إذا قال في الثالث: {فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآء} فهذا وحي، والأول أيضاً كان وحياً، فلم يستقم التقابل بين الأقسام. قلتُ: بل الأول وحي، وهذا إيحاء، وبينهما فرق، فإنه جاءت المعهودية الشريعية في الوحي، وهو ما عُرِف نزولُه على الأنبياء، يَعْرِفون به شريعتهم، بخلاف الإيحاء، فإنه على صَرَافة اللغة كالنبوة والنبي، فإن النبوة على صرافة اللغة فيقال: قد نبأنا الله من أخباركم، ولا يقال: إنه نبي ذلك. ولهذه الدقيقة نُسِب الإيحاء إلى غير الرسل أيضاً. بخلاف الوحي فقال تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ}.. إلخ (النحل: 68)، وقال تعالى: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمّ مُوسَى} (القصص: 7).d
فالإيحاء ههنا على اللغة بخلاف الوحي، فإنه لم يُستعمل إلا في شأن الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام. وأيضاً إنما صح التقابل بينهما لأن بينهما عموماً وخصوصاً. فإنهما يشتركان في التسخير ويختلفان بمجيء المَلَك في الثالث دون الأول.
ولذا جمع ههنا بين الإرسال والإيحاء فقال: {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ} إلخ. ففي هذا النوع إيحاء أيضاً، إلا أنه بتوسط المَلَك. والحاصل: أن الله سبحانه لا يُكَّلَم مشافهة، ولا يليق بشأن العبد أن يكلِّمه عِياناً، فإما يكلمه خُفْيَةً، أو مِن وراء حجاب، أو بتوسط المَلَك. أما الفرق بين الكشف والإلهام، فكما قال الشيخ المُجَدِّد السَّرْهَنْدِي: إن الكشف أقرب إلى ما سمَّوه أهل المعقول بالحِسِّيات، والإلهام إلى ما سمَّوه بالوجدانيات، ولعل الإلهام أقرب إلى الصواب من الكشف، فإن الكشف: رفع الحجاب عن الشيء، والإلهام: إلقاء المضمون.
الجزء 1 · صفحة 28
2 - (أحياناً يأتيني) وفاعله باعتبار الظاهر هو الوحي. ولكن المصنف (رواه) بوجه آخر عن هشام في بَدْء الخلق قال: «كل ذاك يأتي المَلَك». ويُعلم منه أن الفَاعل بالحقيقة هو الملك. والصلصلة قيل: هي صوت المَلَك بالوحي، وقيل: هي صوتُ حَفِيْفِ أجنحة المَلَك، وعليه اعتمد الحافظ.
2 - (مثل صلصلة الجرس) والصلصلة: صوت وقوع الحديد بعضه على بعض، ثم أُطلق على كل صوت له طنين، ولا يَرِدُ أنه تشبيه محمودٍ بمذموم، فإن التشبيه لا يلزم فيه التساوي من جميع الوجوه، بل يكفي اشتراكهما في صفة. ووجه الشَّبه ههنا هو تدارك الصوت بدون مبدأ ومقطع، فكما أن صوت الصلصلة والسلسلة متدارك ومسلسل، كذلك صوت الوحي يكون بسيطاً بدون مبدأ ومقطع. وهذا بخلاف أصواب البشر، فإنه ينطوي على مبادىء ومقاطع، فهذا هو وجه الشبه. وما ألطف ما قال الشيخ الأكبر: إن صوت الباري جل ذكره يُسمع من كل جهة، ولا تتعين له جهة. وصوت الصلصلة أيضاً كذلك، فوجه الشَّبه حينئذٍ مجيئُهُ من جميع الجوانب ومن جميع الجهات. ونُقِل أنَّ موسى عليه السلام كان يسمع كلامه تعالى على الطُّور من كل جهة.
ولذا أقول: إن الصلصلة هي صوت الباري تعالى على خلاف ما اختاره الشارحون.
واعلم أن ههنا مطلبان:
الأول: ثبوت الصوت للباري تعالى ولا تردد لي في ثبوته، ولكن لا كأصوات المخلوقين سبحانه وتعالى. واختاره البخاري أيضاً في آخر كتابه.
والثاني: أن تلك الصلصلة هل هي صوت الباري عَزَّ اسمُهُ أم لا؟ وأختار فيه من عند نفسي أنها صوت الباري تعالى، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
الجزء 1 · صفحة 29
والسِّرُّ فيه أن ذلك الصوت ثابت في ثلاثة مواضع: عند صدوره من الحضرةِ الربوبية، وعند تلقِّي المَلَك، وعند إلقائه على النبي. فمبدؤه من فوق العرش ومنتهاه إلى النبي، وليس مقصوراً على هذا الموضع فقط، فينبغي أن لا يُغْفَلَ عنه، فإنه يتحدس منه أنه شيء واحد من هناك إلى ههنا. ويُستفاد من كلامهم أنهم قَصَرُوا ذلك الصوت على الموضع الأخير فقط، فحكموا عليه أنه صوت أجنحة الملائكة. وفي حديث النَّواس بن سمعان عند الطبراني وأخرجه الحافظ في باب قول الله عز وجل: {وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَعَةُ} (سبأ: 23) تحت حديث أبي هريرة ما نصه: «أَخَذَتْ أهلَ السمواتِ منه رَعْدَةٌ، خوفاً من الله، وخَرُّوا سُجَّداً، فيكون أول من يرفع رأسه جبرائيل فيكلمه الله بما أراد» اه.
(وبالجملة): الصوت هو صوت الباري تعالى. ويجيء الكلام في ثبوت الصوت وسائر صفاته تعالى في آخر الكتاب مبسوطاً إن شاء الله تعالى.
ثم إن هذا الصوت هل يبلغ إلى النبي بعينه كما يبلغُ إلى أهلَ السموات؟ أو يتلقاه المَلَك ويحفظه كما تُحفظ الأصوات في الألواح المعروفة اليوم: - بما يسمى بالفونوغراف 0؟ فأمرٌ يدور النظر فيه. ولم يتعرَّض إليه الحديث. فلذا اكتفيت بقدر ما أثبته الحديث، وكففت عما سكت عنه الحديث. فإن قلتَ: في إثبات الصوت تشبيهٌ؟ قلتُ: كلا، فإنه صوتٌ بحيث لا يُشبه أصوات المخلوقين، فلا تشبيه. والتنزيه عند أهل السنة ليس كتنزيه الفلاسفة. وكذا التشبيه عندهم ليس كتشبيه المُشبِّهة. بل نقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (الشورى: 11) فنفى المِثليَّةَ وأثبتَ السمع والبصر بدون تأويل وتشبيه، فليس ربُّنا مجرداً عن السمع والبصر منزهاً عنهما كما زعمه عقلاء الفلاسفة، ولا مشبَّهاً سمعُهُ بسمعنا، وبصَرُهُ ببصرنا، كما توهمه جهلاء المشبِّهة، وإنما أمرنا بين التَّعطيل الصِّرف والتشبيه البحت كما قال الشيخ الأكبر:
الجزء 1 · صفحة 30
*فلا تَنْظُر إلى الحقِّ ** وتَعْرُوهُ عن الخَلْقِ
*ولا تنظر إلى الخلق ** وتَكْسُوهُ سوى الحقِّ
*ونَزِّهْهُ وَشَبِّههُ ** وقُمْ فِي مَقْعَدِ الصِّدْقِ وترجمةُ قوله: ونَزِّهْهُ وشَبِّهْهُ: (أور تنزيه كي جااور تشبيه دائى جا)
2 - (وهو أَشَدُّه عَلَيّ) ولمَّا كان في هذا النوع تسخيرٌ لباطنِهِ وانسلاخٌ عن بعض أوصافه، كان شديداً من سائر أنواعه، وإن كان الوحيُ كلُّه شديداً. وهو إشارة إلى النوع الأول: (فَبَفْصِم عني) إي إذا انقطع الوحي فيُقْلِع ويَتَجلّى ما قد غشيتني من الشِّدة. (وقد وَعَيت عنه ما قال) إنما جاء بصيغة الماضي إشارة إلى مزيد التثبُّت فيه، ودفعاً لِمَا قد يختلجُ، من أنه إذا كان مثل الصَّلصلة فلعله لا يَفْهَمُ معناه، أو يتعسَّر فهمُهُ، فأزاحه أنه كان يَعِيهِ ويحفظه بدون تردد، وإنما التشبيه لمعنى آخر.
2 - (وأحياناً يتمثل)... إلخ إشارة إلى النوع الثالث. ولعل العسر لو كان فيه لكان على جبريل عليه السلام، بعكس ما في الأول، لأنه هو التاركُ لصورته الأصلية، والنازلُ إلى الصورة البشرية، وترك النَّشأة هو الموجب للعسر والشدة. وإنما لم يذكر الثالث لنَدْرَته وكونه مخصوصاً في الإسراء. فإن قيل: كيف تَمثُّلُه مع عِظَمِ جُثَّته؟ قلت: هذا أمر لا ندخل فيه، ونؤمن حقاً بما أخبر به نبينا صلى الله عليه وسلّم وهو كقوله تعالى: {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً} (مريم: 17).
الجزء 1 · صفحة 31
وسئل إمام الحرمين عنه في الطواف، فأجاب بما تفصيله من «الفتوحات»: إن الأرواح على نوعين: طيبة، وخبيثة. فالأُولى: الملائكة، والثانية: الجِنّ، ثم جعل الشيخ رحمه الله الملائكة، والشياطين، والنفوس الناطقة الإنسانية عالماً برأسه. وسمّاه: عالم الأرواح، وقال: إن أشياء هذا العالم تتمكن أن تتصور بصور متنوعة، وتتشكَّل بأشكالٍ مختلفة، وتَكْبُر ما كانت صغيرةً، وتَصْغُر ما كانت كبيرةً، بلا زيادة أمر ونقصانه، بخلاف الأجساد، فإنها لا تتمكن أن تتغير بتلك التغيرُّات، وهذه المسألة تسمى اليوم: بتجسد الأرواح، وتروُّح الأجساد.
قلتُ: وهكذا قال الصدر الشِّيرازي، وهو صوفي شيعي لا يَسُبُّ الصحابة رضي الله عنهم، ولكنه يُسيىء الأدب في شأن الأشعري والرازي، وذكر أن أرواح المرتاحين رضي الله عنهم، تقدر على ذلك. قلتُ: ولا أعلم أحداً من علماء الإسلام قال بتشكّل أرواح الإنسان غير الشيخ الأكبر.
2 - (فأعي ما يقول وقوله: (وعَيْتُ) يدلّ الثاني على الفهم مع الصوت، والأول على الفهم بعده، كما هو الطريق المعروف عند مخاطبة رجل برجل. والفرق ما أشرنا إليه. (لَيَتَفَصَّدُ) مأخوذ من الفَصْد: وهو قَطْع العِرق لإسالة الدَّم. شُبِّه جبينُه بالعِرْقِ المفصود مبالغةً في كثرة العَرَق. وفي قولها بيان لما رأته من الشدة، ودَلالة على كثرة معاناة التَّعب، لما في العَرَق في شِدَّة البرد من مخالفة العادة. وقد وردت في بيان نقله أخبار، فلتُطْلَب من مواضعها. والله تعالى أعلم.
باب
الحديثُ الثَّالث
3 - (الرؤيا) قد كنتُ حققتُ في سالفٍ من الزمان أن الرؤيا ليست بنومٍ ولا يقظة، بل هي حاله متوسطة بينهما، ولذا لا تزال تتسلسل ولا تنقطع إلا بالنوم الغَرِق أو اليقظة، ثم اطلعتُ بعد زمن طويل على «دائرة المعارف» لفريد وجدي، فرأيت فيها تحقيق أهل أوروبا الآن بعين ما كنت حققته سابقاً.
رؤيا الأنبياء
الجزء 1 · صفحة 32
ولا شك أنه وحي وإن احتاج إلى التعبير، ولذا لما رأى إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام أنه يَذبح ابنه تَشمَّر للذبح، وكان من شأنه كما قصَّه الله سبحانه وتعالى، ولولا أنها وحي لما اجترأ على مثل هذا. واعلم أن أهل الكفر كانوا يذبحون أولادهم تقرُّباً إلى الله، ولم يكن هذا في دين سماوي قط. وتأويل رؤياه ما وقع منه فحسب، وبه تمّ الاختبار والابتلاء، ولم يكن الذبح مراداً من أول الأمر، فلما صدَّقه وامتثل به وأجراه على ظاهره، ناداه ربه: {أنْ يا إبراهيمُ قد صدَّقتَ الرؤيا} (الصافات: 105)، ثم فداه بكَبْشٍ، فإن شاكلةَ وحي الرؤيا على خلاف شاكلة الوحي الصريح، فإنه قد يكون أُنموذجاً يكفي لصدقتها في الخارج نحو من الوجود، لا كما قال الشيخ الأكبر: إن إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام كانَ مأموراً بذبح الكَبْش من أول الأمر، ولكنه شدَّد على نفسه، وأراد أن لا يُؤَول رؤياه، بل يُجربها على ظاهرها، فكشف الله سبحانه عن مراده: أنه ذَبْحُ الكَبْش.
ومعنى قوله: {قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَآ} عنده أي أمضيتها على ظاهرها، مع أن المراد منها ما كان هو ذبح الكَبش، دون ذبح الولد. فإن الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام، أقرب فهماً لهذه الأمور من الأولياء والصواب أنها تحتاج إلى التعبير كرؤيا يوسف عليه الصلاة والسلام وكرؤيا نبينا صلى الله عليه وسلّمفي دار هجرته، فذهب وهْله إلى أنها اليمامة وكانت هي المدينة، وفي هزيمة المسلمين، ثم في فتحهم،. فرأى سيفاً، هَزَّها مرة فانقطعت، ثم هَزَّها مرة أخرى فعادت كأحسن ما كانت، وفي كَذَّابَيْن حيث رأى في يديه سواران من ذهب، وفي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أُرِيْهَا في سَرَقَةٍ من حرير وغيرها. وما نقل في واقعة الحُدَيْبِيَة فافتراء محضٌ ليس له إسناد ولو ضعيفاً.
الجزء 1 · صفحة 33
اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلّم واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلّمينتظر الوحي في الأمور كلها، فإذا لم ينزل عليه وَدَعَتْ له حاجة اجتهد. ثم لا يُتْرَكُ على الخطأ لو وقع فيه، ولا يَسْتَقِرُّ عليه حتى الموت قط، وهو تأويل قوله تعالى: {وما أرسلنا من رسول ولا نبي إلا إذا تمنَّى ألقَى الشيطانُ في أُمْنِيَّتِه}... إلخ (الحج: 52) وسنعود إلى تفسيره إن شاء الله تعالى. وما ذكره المفسرون من القصص ههنا فكلُّها باطلة. وقول إبراهيم عليه الصَّلاة والسلام {هَذَا رَبّى} (الأنعام: 76) من هذا القبيل عندي. والناس ذكروا عنه وجوهاً من رَطْبٍ ويابس، وما نُلْقِي عليك الآن هو أنه لم يكن هناك شيء في الخارج، بل السلسلة كلها حكاية عن انتقالاته التدريجية الفكرية، حتى انتهى إلى العِلم الحقيقي. ولم يكن لهذا المعنى لفظ يؤدي مؤدَّاه، فسبق الوَهْم من مجرد التعبير إلى ما سبق، وكان المراد منه هو التدرّج، ولذا كرر قوله: {هَذَا رَبّى} ثلاث مرات. معناه: أنه اجتهد في أنه ربه أم لا؟ ثم اجتهد واجتهد حتى تبيَّن له أنَّ مَنْ كان محطاً للتحوُّلات، ومحّلاً للتغيرات، وآفلاً بعد كونه طعالعاً، ومُظلماً إثْرَ كونه مضيئاً ومستضيئاً، لا تليق به الأولوهية، فتبرَّأ منه حنيفاً مسلماً. ولفظ الاجتهاد حادثٌ، والتدرج لم يكن في الخارج بلفظ، ولكنه نية على نحو التقادير، وما المانع عنه عند ظهور الحُجة شيئاً فشيئاً، فإبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام ما كان له أن يعتقد بقوله: {هَذَا رَبّى}، ولكنْ تَدرجَ نحو العلم الحقيقي شيئاً فشيئاً حتى بلغ إلى حقيقة العِلم، ولم يستقر على ما يلوح من ظاهر الألفاظ، ولو كلمحة برقٍ خاطفٍ، فاعلمه.
الرؤيا الصالحة في النوم
الجزء 1 · صفحة 34
وعند المصنف في التعبير: «الرؤيا الصادقة». وبينهما فرق ظاهر، فإن رؤيا الأنبياء لا تكون إلا صادقة. وقد تكون غير نافعة، كرؤياه صلى الله عليه وسلّمفي أحد: وإنما بُدىء بذلك ليكون له تمهيداً وتوطِئةً لما يكون في اليقظة. كتسليم الحجر عند مسلم، وكسماع الصوت عند بناء الكعبة أن: «اشْدُدْ عليكَ إزارَكَ» وهو في البخاري عن جابر، وهذا الصوت عندي صوت المَلَك، وكرؤية الضوء، وكلها لتقريبه إلى عالم الرُّوحانيات وعالم الغيب.
3 - (فَلَقِ الصبح) قال ابن أبي جَمْرَة: إنما شبهه به دون غيره؛ لأن شمس النبوة كانت الرؤيا مَبَادىء أنوارها، فما زال ذلك النور يتسع حتى أشرقتِ الشمس، فمن كان باطنه نورياً كان في التصديق بَكْرِياً كأبي بكر، ومن كان باطنه مظلماً كان في التكذيب خفَّاشاً كأبي جهل، وبقية الناس بين هاتين المنزلتين، كل منهم بقدر ما أُعطي من النور. كذا في «الفتح» من كتاب التعبير.
3 - (ثم حُبِّبَ إليه الخلاء) وهذا على نحوٍ من مجاهدات الصوفية وخلواتهم ثم إن اعتكاف الفقهاء وخلوات الصوفية عندي قريب من السَّواء. والفرقُ من جهة تعيين الأيام.
3 - (اللياليَ ذَوَاتِ العَدَد) وأُبهم العددُ لاختلافِهِ. وفي تفسير «روح المعاني»: عن الصفيري أن النبي صلى الله عليه وسلّمكان يذهب إلى حِراء في رمضان، ويمكث إلى أربعين يوماً. قلت: أما ذهابه في رمضان فقد تحقق عندي. وأما مكثُهُ إلى الأربعين فلم أقف عليه سوى ما ذكره الصفيري. ولا أدري حاله؟ وقد تحقق عندي أنه كان يذهب خارج رمضان أيضاً، كما يُستفاد الإكثار من هذا الحديث.
الجزء 1 · صفحة 35
وأما وجه خَلوته في حِرَاء خاصة. فكما عند الحافظ في التعبير: عن ابن أبي جمرة، أن المقيمَ فيه كان يمكنه رؤية الكعبة، فيجتمع لمن يخلو فيه ثلاث عبادات: الخلوة، والتعبد، والنظر إلى البيت. وفيه أيضاً: أن جدَّه عبد المطلب كان يخلو به أيضاً، وكان على الفِطرة، ويمكن أن يكون على الحنيفية. وتِنْقَلُ من كلماته ما يدل على إقراره بالقيامة، وأخلاقه الحسنة، وكان أُخْبِرَ بنبوته صلى الله عليه وسلّمبأن ابنه هذا يكون له شأن من الشرق إلى الغرب، وعلى هذا أمكن أن يكون ناجياً، إلا أنْ يثبت عنه الشِّرك وعبادة الأصنام. والله تعالى أعلم.
3 - (جَاءَهُ الحقّ) أي جبرائيل عليه السلام، أو المراد أنه انكشف له الحال الآن، وتحقق جلياً أن سماعَ الصوت ورؤية الضوء وسلام الحجر وغيرها، كان تمهيداً للأمر الذي بُعث به.
(اقرأ) ليس من باب التكليف، بل من باب التَّلقين والتلقي لما يقوله، كما إذ يَحْضُر الصبيُّ قِبَل المعلِّم وكتابُهُ معه، فيقول له أستاذه: اقرأ، لا يريد بذلك تكليفه بالقراءة، ولكنه يكون تلقيناً له أن أقرأ كما أقرأ لك الآن.
3 - (ما أنا بقارىء) واختُلف في هذا التركيب إنه مفيد للقصر أم لا، وذهب السكَّاكي إلى أنه يُفيد القصر، وهو المختار عندي، ولكنه ليس بمطَّرِد. قيل: (ما) في المرة الأولى نافية، أي لستُ بقارىء، وفي البواقي استفهامية، أي أيَّ شيء أقرأ؟ والأرجح عندي أنها كلها نافية، وترجمته: مين وه شخص نهين جس سى قراءت هوسكى.
3 - (فعظَّني) ذكر العلماء: أنه كان ضَرْبَاً من التنبيه. وقال الصوفية - كَثَّرهم الله تعالى : إنه كان للإلقاء في القلب، وللتقريب إلى المَلَكِيّة وإحداث المناسبة بها، وفيه أن للمعلِّم حقاً على المُتعلِّم.
الجزء 1 · صفحة 36
فقال: اقرأ بسم ربك... إلخ وإنما أضاف لفظ الاسم ولم يقل: اقرأ بربك، تبرُّكاً باسمه تعالى، فكما أن ذاتَه مَجْمَعُ البركات، كذلك صفاتُهُ وأسماؤه تعالى، فأدخل لفظَ الاسم وتبرَّك به إيذاناً بذلك، وإنما بدأ بالقراءة لأنها الأهمُّ إذ ذاك، وأما اسمُ الله تعالى فيصلحُ لبداية جميع الأمور، وليس له اختصاصٌ بشيء دون شيء.
الكلامَ في أولِ السُّورِ نُزُولاً
واعلم أنه اختُلف في أول ما نزل من القرآن، فقيل: وهو الصحيح: أنه: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ}، وهو الظاهر من هذا السياق، وله أدلة أخرى، مذكورة في موضعها. والقول الثاني: {يأَيُّهَا الْمُدَّثّرُ}، ويُؤيده ما في الصحيحين، عن أبي سَلَمة عن جابر: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلّم وهو يُحدِّث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: «بينا أنا أمشي سمعت صوتاً من السماء، فإذا المَلَكُ الذي جاءني بحِراءَ جالسٌ على كرسي بين السماء والأرض، فرجعت فقلت: زمِّلوني فدثَّروني، فأنزل الله: {يأَيُّهَا الْمُدَّثّرُ}.
والجواب عنه بوجوه، منها: أن المراد منه نزولُهَا بعد زمنِ الفترة، كما يؤيده السياق. وقوله: فإذا المَلَك الذي جاءني بحِراء أيضاً يدلُّ على سابقيةِ عَهدٍ وتقدُّم خبرٍ. ومنها: أنه اجتهاد من جابر وليس مرفوعاً، وهو الأصوب عندي. والتوفيق عسير جداً، وبه قال الكرماني كما في «الفتح» في سورة المدثر. والقول الثالث: الفاتحة، وله مُرْسَل عند البيهقي. قال البيهقي: إن كان محفوظاً فيحتمل أن يكون خبراً عن نزولها بعد ما نزلت عليه «اقرأ» و «المدثر».
الجزء 1 · صفحة 37
والجواب أن يُلْتَزَمَ بتعدُّدِ نزولها، فلعلها نزلت أولاً بغير صفة القرآنية، ونزلت أخرى بصفتها. وفي «الإتقان» رواية في ترتيب السور مسلسلة بأئمة النحو، فأمعنت فيها النظر، فبدا لي أنه قد سرى في هذا الباب اجتهاد، فالطرد والعكس عليه مشكل. ثم ههنا نُكتةٌ نبّه عليها الحلبيُّ في سيرته، وكأنه أراد منها تأييداً لمذهب الحنفية أن الفاتحة إذا لم تنزل أولاً، فكيف يكون حَال الصلوات عند من جعلوها ركناً.
هل التَّسمية جزءٌ من كلِّ سُورة؟
فقال الشافعية: إنها جزء من كل سُورة وجزءٌ من الفاتحة أيضاً. وقال الحنفية: إنها ليست جزأً للفاتحة، ولا من كل سورة، قيل: أول مَنْ كتب هذه المسألة منا هو أبو بكر الرَّازي، وليست منقولة عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى. قلتُ: ومن رآها مكتوبةً بين كل سورتين يَحْكُمُ ذِهْنُه إلى أنها آية نزلت للفصل بين السور، كما ذكر في «الكنز». واعتُرض على الشافعية أن التسمية لو كانت جزءاً من كل سورة نزلت هناك أيضاً. وأجاب عنه الشافعية أولاً: بأن مضمون التسمية قد أُدِّيت في ضمن: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ} وثانياً بأنها صارت جزأً بعد نزولها وهو كما ترى، فإن الكلام في صيغة التسمية لا في معناها.
3 - (حتى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ) رُوي بنصب الدال ورفعها.
3 - (يَرْجُفُ فُؤادُهُ) وفي «نوادر الأصول» للحكيم الترمذي - وهو غير الترمذي صاحب «الجامع» : أن القلب خاص، وهو موضع الإدراك، والفُؤاد يُطْلَق على وعائه. قال الشيخ الأكبر: إنه حنفي والخشية إنما كانت بالعجز عن حمل أعباء النبوة، وإنما لم تضطرب خديجة رضي الله عنها لأنها لم تكن صاحب الواقعة، وفَرْقٌ بين مَنْ يدخل في الشيء ويكون صاحبَة الواقعة، وبين من يسمعها من وراء وراء.
3 - (زَمِّلُونِي) ولا يذهب وَهْلُك إلى نزول المُزَّمِّل في هذه القصة، نظراً إلى مجرد اشتراك اللفظ، فإنه متأخر قطعاً.
الجزء 1 · صفحة 38
3 - (ما يُخْزِيك الله) أصلُ الخْزِي أن يفوَّض أمرٌ إلى رجل فلا يستطيع حمله فيتركه، فيُعَدُّ غُمْراً بين الناس وغيرَ أهل له.
3 - (تَكِسب) بفتح التاء وضمها أيضاً، والأول أفصح، وحينئذٍ يتعدى إلى مفعولٍ واحد، وعلى الثاني إلى مفعولين، أي وتَكْسِبُ الفقيرَ المعدومَ، أي المال.H
3 - (تَحْمِل الكَلَّ) أي الغرمات. وقولها: (وتُعين على نوائب الحق) كلمة جامعة لما تقدم وما لم يتقدم. كان بنو هاشم قد اشتهروا بهذه الأوصاف، ولذا قال لهم أبو طالب في قصيدته: يا قريش، إنما تقاطعون أُناساً بلغ مواساتهم إلى بكر بن وائل.
3 - (ابنَ عَمّ) فيه تَجَوُّز، لأنهم كانوا يتوسَّعون في بيان الأنساب.
3 - (العبراني) سُمِّي به لأن إبراهيم عليه السلام كان اختاره بعد عبوره من العراق إلى الشام. وفي نُسخة: «العربي» وهما شعبتان من أصل واحد، فلعله كان يكتب العربي أيضاً، وكذا السُّرياني منسوب إلى السريا وهو الشام. وبالجملة كان لسان اليهود العبراني، والتوراة والإنجيل كلاهما كانا بالعبري. أما التوراة العبرية فتوجد اليوم أيضاً، ولا يوجد أصل الإنجيل العبري. نعم، توجد تراجمه مع اختلاف فاشٍ بينها، وقد أقرُّوا أنه ليس من إملاء عيسى عليه السلام، ولكن جُمِع بعده بسنين. وجَمَعَ ملك من القسطنطينية نُسخة منه وسمّاها: سبعينية، وجمع فيها عقائد النصارى. ورأيت شارحاً من شرّاح الإنجيل يقول: إني كتبت هذا الشرح بعد مطالعة تسع مئة شرحاً.
الجزء 1 · صفحة 39
3 - (النَّاموس) أي مُبلِّغ الخير، وهو ضِدُّ الجاسوس. والآن يستعمل بمعنى القانون. يقال: نواميس النور، أي قوانيها. (أنزل الله على موسى عليه السلام) وهذا كما في القرآن: {إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَهِداً عَلَيْكُمْ كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً} (المزمل: 15) وإنما أحال على موسى عليه السلام مع كونه نصرانياً، لأن الشريعة الجامعة عندهم هي شريعته. أما الإنجيل فقالوا: إنه من تتمته. وإنما نزل عيسى عليه الصَّلاة والسَّلام للتزكية فقط. قلت: وهو باطل بنص القرآن، فإنه صريح في أنه نَسَخَ بعضاً من التوراة، فقال تعالى: {وَلاِحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرّمَ عَلَيْكُمْ} (آل عمران: 50). وكذلك يوم عيدهم، كان الأحد بدل السبت. وكذلك ليس في الإنجيل الختنة. ثم إن الخنزير كان حراماً في التوراة، والنصارى يُنْكِرُون حرمته.
قلتُ: وليس في الإنجيل حِلُّ الخنزير أصلاً، بل هو حرام في شريعة عيسى عليه الصَّلاة والسَّلام أيضاً. ولذا يقتله بعد نزوله. وكان قَتَلَه عند ذهابه إلى بيت المقدس أيضاً، فكيف قالوا بِحِلِّهِ؟ {إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ} (ص: 7). والوجه فيه: أن ما حُرِّم في التوراة هو كل ذي ظُفُر، كما قال تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ}... إلخ (الأنعام: 146)، فاختلفوا في تفسيره فجعله اليهود من ذي ظفر، بخلاف النصارى فأحلوه، وغلِطوا في ذلك قطعاً، كما علمت أن عيسى عليه الصَّلاة والسَّلام قَتَلَه حين ذهب إلى بيت المقدس. وسيقتله بعد النزول أيضاً. فالحاصل: أنه أيضاً نبيٌ مرسلٌ ذو شريعةٍ، ولكنها كانت شريعة كالتتمة للتوراة. ثم في بعض لفظه «ناموس عيسى» أيضاً وقد وجهه الحافظ، فراجعه.
الجزء 1 · صفحة 40
3 - (يا ليتني فيها جَذَعَاً) كأنه تمنى أن يكون عند ظهور الدَّعوة إلى الإسلام شاباً، ليكون أمكن لنصره. وبهذا تبين سِرُّ وصفه بكونه كان: «شيخاً قد عَمِيَ». قال الحافظ: ويظهر لي أن التمني ليس مقصوراً على بابه، بل المراد من هذا التَّنبيه على صحةِ ما أخبَرَه به، والتنويه بقوة تصديقهِ فيما يجيءُ به.
3 - (فتر الوحي) وفتوره عبارة عن تأخُّره مُدَّة، وكان ذلك ليذهب ما كان صلى الله عليه وسلّموَجَدَهُ من الرَّوع. واختُلِف في زمن الفترة كم كان؟ وكان ينزلُ إسرافيل عليه السلام في تلك المُدة ويُسَلِّيه، ويُقَوِّي روحانيته، لأن له مناسبة مع الأرواح ولذا قالوا: أن الأرواح بعد مفارقتها عن الأبدان تسكن في الصُّور، ومنها تخرج إلى أبدانها عند نفخه فيها، وأما جبريل عليه الصَّلاة والسلام فله مناسبةٌ تامة مع عالم الشهادة، ولذا كان ينزل بالوحي.
وَرَقَةُ وإسلامه
واتفقوا على إيمانه، حتى إن بعضاً منهم عَدُّوه في الصحابة رضي الله تعالى عنهم. نعم، كونه من هذه الأمة محلَّ تردُّد، فإنه تُوفِّي قبل ظهور دعوته. ويشهدُ لإيمانه رؤياه صلى الله عليه وسلّم حيث رآه في ثياب بيض، ثم لا يكون مقدَّماً على خديجة رضي الله تعالى عنها، والصِّديق الأكبر رضي الله تعالى عنه، بل يوضع بعدهما، فإنهما أسلما في زمن رسالته بدون تردد، بخلاف ورقة. واستحسنه الشيخ الأكبر أيضاً.
4 - (قال ابن شهاب) قيل: إنه تعليق. وقال الحافظ: بل هو موصول بعين هذا الإسناد، ولكن ليست القِطْعَةُ المذكورة عنده عن عروة، بل هي عن أبي سَلَمَة، فهذا تحويل لا تعليق. ثم التحويل على نحوين: الأول: أن يتغاير الإسناد في الأول ويتَّحِد في الآخر، وهو أكثر. والثاني عكسه، بأن يتَّحِدَ الإسناد في الأول ويتغاير في الآخر. وهذا النوع نادر، وهو المتحقق ههنا.
4 - (فأنذر) قيل: كان نبياً والآن صار رسولاً أيضاً. قلتُ: ولا أدخل في مثل هذه الأمور.
الجزء 1 · صفحة 41
4 - (وربَّكَ فكَبِّر) استدل به الحنفية: أن مُطلق الذِّكر المُشْعِر بالتعظيم يكفي للدخول في الصلوات، لأن قوله: «كبِّر»، معناه عظِّم، فالمأمور به هو مطلق التعظيم بأي صيغة كان، لا خصوص صيغة: الله أكبر، ولا سيما إذا ورد في سياق الصلاة، كما في قوله تعالى: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبّهِ فَصَلَّى} فالسياق سياق الصلاة. والظاهر من الذكر هو الذي للشروع في الصلاة. فهذا دليل واضح على أن الضروري هو مطلق الذكر كما قلنا. وأجاب عنه ابن المُنَيِّر - وهو ركيك ، وقال: إن الإضافة في ذكر اسم ربه للعهد، فالمراد هو الصيغة المعهودة، أي: الله أكبر. وهو كما ترى نداء من بعيد. نعم، لك أن تقول: إنّ كبر ليس تفعيلاً من كبَّر المجرد، بل هو قصر من جملة: الله أكبر، كَ: سَبْحَلَ وهَلَّل من قوله: سبحان الله، ولا إله إلا الله. فإذاً لا يكون التكبير معناه التعظيم مطلقاً، بل يكون معناه هو القول ب: الله أكبر. ولا يثبت ما أراده الحنفية رحمهم الله تعالى.
ثم ههنا تتفيش ويقتضي تمهيدَ مقدمة وهي: أن النُّحَاةَ جعلوا (كَبَّر) قصراً من اللَّهُ أكبرُ، مثل سَبْحَل، وجعلوهما من وادٍ واحد، وهو عندي خطأ للفرق الجلي بينهما، لأن كبّر لفظ يفيد معنى بنفسه، بخلاف حَوْقَل وسَبْحَل، فإنه لا معنى له في نفسه، فوجب أن يُجعل قصراً من الجملة، بخلاف كبّر، فإنه موضوعٌ ومفيدٌ لمعنى بنفسه، ولا ضرورةُ فيه إلى أخذه من الجملة.
الجزء 1 · صفحة 42
والوجه فيه عندي أنه مأخوذ من جزء الجملة أي من أكبر في قوله: الله أكبر، وليس مأخوذاً من الجملة كمجرب ومرغن، وملبب (بالأردية)، بخلاف حَوْقَل، فإنه مأخوذ من مجموع جملة: لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا بد. وإذا اتضح الفرق بينهما فالأولى أن يُفَرَّق في التسمية أيضاً ويُسمَّى مثل سَبْحَل نحتاً، لكونه منحوتاً من الجملة. ويسمى مثل كَبَّر وسَبَّح قصراً لكونه مأخوذاً من جزئها، فإن سبح مأخوذ من سبحان في قوله: سبحان الله. فالخطأ إنما هو ممن سمى الأخذ من مجموع الجملة قصراً، مع أنه ينبغي أن يسمى بالنحت، وهذا بالقصر.
ثم اعلم أنه لا بد في التفعيل من ذكر المفعول، بخلاف النحت. فإن المفعول يدخل في نفس مفهومه، فسبَّح يحتاج إليه، بخلاف سَبْحَل، فإنه صار لازماً واستغنى بمفعولٍ في معناه عن ذكر مفعول آخر.
الجزء 1 · صفحة 43
وإذ قد علمتَ: أن القصر ما يكون مأخوذاً من جزء الجملة لا من مجموع الجملة، لم يبق دليل في قوله كَبَّر على خصوص الصيغة، وصار معناه مطلق التعظيم. وكذا جاز لك أن تقول: معنى قوله {وَلِتُكَبّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} (البقرة: 185) ولتُعَظِّموا الله على ما هداكم، ومع هذا لا أُغَيِّر المسألة ولا أدَّعي أن المأمور به مطلقُ التعظيم بأي صيغة كان. وإنما تكلمتُ في تحقق المدلول وبيان اللغة فقط، مع بقاء المسألة بحالها، فإن اللفظ وإن صار صالحاً للعموم، إلا أن التعامل قد تواتر على صيغة الله أكبر قُبَيل الصلاة، وفي العيدين. ولم يَرِد في العمل غيرُهُ، والتعامل هو الفاصل في تعيين المراد عندي. فينبغي أن يُترك وجوب الصيغة وسُنِّيتَها تحت مراحل الاجتهاد، فإنه لا بحث لنا في العمل، لأن الحنفية كافة لا يشرعون صلواتهم إلا بتلك الصيغة، وإنما البحث في الأنظار فقط، فَلْيَكِلْهُ إلى الاجتهاد لا سيما إذا اختار ابن الهُمَام رحمه الله وجوبَهَا. ونُقِل عن الإمام الأعظم أنَّ مَنْ ترك التكبير، أي الصيغة المخصوصة، فقد أساء، فماذا بعده إلا الجدال. وسيجيء للمسألة أشياء أُخَر في موضعه.
ثم إن قوله: {وَرَبَّكَ فَكَبّرْ} إشارة إلى الصلاة، وقوله: {وَثِيَابَكَ فَطَهّرْ} إشارة إلى اشتراط الطهارة، {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} قالوا: أي الأصنام فاهجر. قلت: وعلى هذا لا يبقى له تعلق بمسألة الصلاة إلا أن يقال معناه: استمر على هجر الأصنام عند الصلاة وغيرها. ويكون المطلوب ههنا من الأمر هو دوام الهجران لا نفس الفعل. كما قرروا في قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ ءامِنُواْ}، والأَولى أن يُجْعل إشارة إلى طهارة المكان. كما أن الجملة الأُولى إشارة إلى طهارة الثياب، فتتعلق الجملتان بالصلاة، ويتسق النظم.
الجزء 1 · صفحة 44
تنبيه: واعلم أن الصلاة فريضةٌ عندي من أول أمر النبوة، نعم ما زالت تتحول صفاتها من حال إلى حال إلى أن آل الأمر إلى الخمس ليلة المعراج. ومعنى فرضية الخَمْس فيها بيان عدد المجموع مما فُرِض فيها مع ما قبلها. ثم أُمِدَّ بصلاة هي خير من خُمْر النَّعَم. وإذاً لا تأويل عندي في الآيات التي ذُكِرَت فيها الصلاتان فقط، كقوله تعالى: {وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} (ق: 39) فإنهما صلاتان فُرِضَتَا أولاً ثم زِيدت عليهما. وكذلك أجدهما قد صُلِّيتا بعين شاكلة الفريضة قبل فرضية الخَمس أيضاً، كما عند البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلّمصلى الفجر ببطن نخلة وَجَهَر فيها بالقراءة، وهي بعينها شاكلتها بعد فرضيتها. واتفقوا أيضاً على ثبوتهما إلا أنهم قالوا بكونهما نفلاً. وعندي لا دليل عليه.
فالحاصلُ: أنه لا خلاف في ثبوت الصلاتين من بدء الأمر كما في السير بإسناد فيه ابن لَهِيْعَة: أن جبرائيل عليه الصَّلاة والسَّلام علَّمه الوضوء عند نزول أوائل {اقْرَأْ} وعلمه الصلاة أيضاً. وابن لَهِيْعة عالم كبير احترقت كُتُبه، ثم كان يروي من حفظه، فاختلط فيها، فرواياته قبل الاحتراق مقبولة.
واستمر على ما يَرِدُ عليه والأجوبة عنه: (تابعه عبد الله بن يوسف).
باب
واعلم أن في المتابعة أربعة أشياء: المُتَابِع، والمتابَع، والمتابَع عنه، والمتابَع عليه. والبخاري يتفنَّن في ذكر المتابعات، فتارة يقول: تابعه فلان، وأخرى: تابعه عن فلان. فليعلم الفرق بينهما، فالفرق بين الأَوَّلين ظاهر، «وعنه»: هو ذلك الشيخ، «وعليه»: هو اللفظ، فعبد الله بن يوسف ههنا متابع (بالكسر)، ويحيى بن بُكَير الراوي شيخُ البخاري متابَع - بالفتح ، والليث متابَع عنه.
ثم المتابعَة إما تامة أو ناقصة، وقد بينها العلماء في أصول الحديث، وكذا المتابعة غيرُ الشاهد والفرق بينهما مذكور في «النُّخْبة» وغيرها من كتب الأصول.
الجزء 1 · صفحة 45
وفي هذا الحديث صفة أخرى للوحي.
5 - (وكان مما) قيل: مركب من «من» و «ما»، وقيل: «مما» بمعنى ربما، مركباً كان أو مفرداً، واستشهد له بقول الحماسي:
وإنما لمَمِا نضربُ الكبش بيضة.
5 - (لتعجل به) من باب تلقي المخاطبَ بما لا يترقب، فإن النبي صلى الله عليه وسلّمإنما كان ينازِع جبريل عليه السلام في القراءة، ولا يصبر حتى يُتِمَّها لمسارعته إلى الحفظ لئلا يتفَلَّتَ منه شيء، لا لأنه كان يستعجل ليستريح عن مشقة الحفظ ولا يقاسي تعبه فيما بعد، ولكنه تلقَّى بما لا يترقبه إظهاراً لعدم ابتغاء التحريك مع قراءته، وتعليماً لحسن الاستماع، وتأديباً لأمر القراءة، كما قال تعالى: {وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْءانِ مِن قَبْلِ إَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} (طه: 114).
5 - (جَمْعُه لك في صدرك) وفيه اختلاف النسخ، والأفصحُ عندي أن يكون (جمعه) مصدراً.
5 - (قال: فاستمع له وأَنْصِتْ) واعلم أن الإنصاب والاستماع يقتصران على الجهرية، فإن ا لإنصاب مقدمة للاستماع ومعناه التهيؤ للاستماع.
5 - (ثم إنّ علينا بيانَه) قد وقع ههنا سوء ترتيب من الراوي: فذكر (أن تقرأه) في تفسير (بيانه) وهو وَهمٌ منه، لأنه تفسير لقوله: {وقرآنه} لا لقوله: {بيانه}، فنقل تفسير هذا إلى هذا، ويشهد له ما أخرجه البخاري في «التفسير» متناً وسنداً وفيه: {قرآنه}، أي أن تقرأه {وبيانه}، أي أن تبينه على لسانك. وهذا واضح في المراد، فلا تلتفت إلى التأويلات. ثم اعلم أن القرآن معناه اتساق النَّظْم، يقال: ليس لشعره قرآن بندش، ومنه سُمي القرآن قرآناً عندي.
الجزء 1 · صفحة 46
5 - (لا تحرك به لسانك)... إلخ، تكلَّم الناس في ربطه، فإن أوَّله وآخره في ذكر أحوال القيامة، وحينئذٍ قوله: {لاَ تُحَرّكْ}... إلخ لا يظهر له كثيرُ ربط، فقيل: لعلَّ النبي صلى الله عليه وسلّمحَرَّك شفتيه عند نزوله فنُهي عنه. وقد تعرَّض إليه الرازي إلا أنه لم يأتِ بالجواب الشافي. وقد عُرِف من عادته أنه يَبْسُط في الإيراد ويُجْمِل في الجواب، ولذا اشتهر عنه أنه يعترض نقداً ويُجِيب نسيئة.
وقد فتح الله عليَّ جوابَه، ولا بد له من تمهيدِ مقدمةٍ وهي: إن القرآن قد يكون له معنى بالنظر إلى سياقه، فإذا نُظِر إلى شأن نزوله يظهر منه معنى آخر. فالوجه في مثله عندي أن يَحْمِل ما يُفْهَم من النَّظْم مرادَه الأَوَّليّ، وما يُفْهَم من النظر إلى الخارج مرادَه الثانوي، وقَصْرُ القرآن على شأن نزوله ليس بوجيه عندي، ولم أر أحداً منهم صرح بالمراد الأوَّليّ والثانوي إلا مصنفٌ في «حاشية التلويح» حيث قال: إن للخمر إطلاقين، فما قاله الحنفية رضي الله تعالى عنهم مرادٌ أَوَّلِي، وما ذكره الشافعية أنَّ كلَّ مُسْكِر خمرٌ، فهو مرادٌ ثانوي. وكانت المسألة من علم الأصول، فعلى العلماء أن يَبْحثوا في أن نظم القرآن إذا أُعطِي معنىً ثم جاء الحديث يحمله على خلافِهِ، فهل يُعْتَبَر بنظمِ النص أو الحديث؟
الجزء 1 · صفحة 47
والذي ظهر لي فيه أن يُجعل مراداً أولياً وثانوياً كقوله تعالى: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ}... (البقرة: 230) إلخ قال الشافعية: إنه يتعلق بصدر الكلام، أي قوله تعالى: {الطَّلَقُ مَرَّتَانِ}... إلخ (البقرة: 229) وجعلوا ذكر الخُلْعِ جملةً معترضة، والخُلُع فسخٌ عندهم. وقال الحنفية رضي الله تعالى عنهم: إنه يتعلق بما قبله، وقالوا: إن القول تعلُّقه بصدر الكلام مع إمكان بتعلقه بما قبله فكذلك في النظم. قال الشافعية رحمهم الله تعالى: إن قوله: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَنٍ} طلاقٌ ثالث لما عند أبي داود أن رجلاً سأل عن الطلاق الثالث، فقال: هو تسريح بإحسان، وحينئذٍ لو قلنا: إن قوله {فَإِن طَلَّقَهَا}... إلخ يترتب عليه، لَزِمَ أن يكون هذا الطلاق رابعاً.
قلتُ: التسريح بالإحسان تركُ الرَّجْعَة، وهذا مرادُهُ الأولى، ويدخل فيه الطلاق الثالث أيضاً على طريق المراد الثانوي، فإن الطلاق أيضاً صورة وقِسْمٌ من تَرْكِ الرَّجْعَة، وإذن لا يكون قوله: {فَإِن طَلَّقَهَا} بياناً للطلاق المستأنف بل يكون بياناً لأحد قِسْمي ترك الرجعة، فالمراد هو ما يُفْهَم من النظم. وما يدلّ عليه الحديث فهو داخل في مؤدَّاه أيضاً على طريق المراد الثانوي. وهذا هو الطريق في جميع المواضع التي يُخالف الحديث النص، فإنه يُوَفي حق النظم القرآني، ويؤل في الحديث.
الجزء 1 · صفحة 48
إذا أتْقنتَ هذا فاعلم أن الله تعالى لمَّا ذكر القيامة وأحوالها وكان المشركون مولَعين بالسؤال عنها تعّنتاً فقالوا: {أَيَّانَ مُرْسَهَا} (النازعات: 42) وأمثال ذلك، فحقَّق الله من أول الأمر أن لا يتكلم فيه بحرف، وأن لا يتعجل في تحصيل علمه وتفصيله، بل عليه أن يحفظ بقدر ما علَّمناه، وينتظرَ تفصيله فيما يأتي حسبما يريده الله تعالى شيئاً فشيئاً. وما ذكره ابن عباس رضي الله تعالى عنه من تحريك شفتيه فهو مراد أيضاً لكن على طريق المراد الثانوي، وقد علمتَ أن قصر النَّظْم على ما ورد في شأن نزوله ليس بسديد، ولا سيما إذا خالف سياق القرآن، والله تعالى أعلم وعليه التُّكْلان.
باب
6 - (حدثنا عَبْدَانُ)... إلخ كان في الأصل تثنيةً ثم صار عَلَماً، وقيل: بل عَلَمٌ من الأصل نحو عثمان، وذكر الزَّمْخَشَرِيّ عند الكلام على لفظ الرحمن: إني كنت ذاهباً إلى الطائف فسألتُ عن البدوي هذا شخدف، قال: بل شغنداف يريد به الشغدف الكبير فكذلك عبدان، وحيثما كان بعده عبد الله فهو ابن المبارك. قال الحافظ: من دأب المصنف رضي الله تعالى عنه أنه يذكر المتن في التحويل لآخر الطريقين، وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: أنه يكون لآخر الطريقين أو للسند العالي.
قلت: ولعل ما ذكره الحافظ رضي الله تعالى عنه فهو عادة للبخاري خاصة، وأما ما ذكره ابن الصلاح فهو عادة عامة المحدثين، فالمتن ههنا لبشر بن محمد.
قلت: وهو كذلك إلا أنه قد يوجد خلافه أيضاً، فإنه أخرجه في مقام آخر من لفظ عبدان أيضاً.
6 - (أجودُ ما يكون) والجُودُ أبلغُ من السَّخَاء، ولذا يقال: إن الله سبحانه جَوَادٌ ولا يقال سَخِيٌ. واخْتُلِفَ في إعرابه، وأجاز ابن مالك الرفعَ والنصبَ.
الجزء 1 · صفحة 49
قلت: وهما صحيحان إلا أن رواية الكتاب بالرفع، وما قيل: إن النصب لا يجوز لأن ما مصدرية، فلا يصح الحمل، فليس بشيء، فإنّ حرف المصدر لا يُخْرج الفعل عن حقيقته بحيث لا يبقى بينه وبين المصدر الصِّرْف فرق، ولهذا ذهب السيد الجُرجاني رضي الله تعالى عنه في بعض حواشيه إلى أنَّ المصدر المُنْسَبِك لا يتجرَّد عن معنى الفعلية بالكلية. وفَرَّق ابن القَيِّم رضي الله تعالى عنه في «بدائع الفوائد» بين قولهم: أعجبني قيامُك، وبين قولهم: أعجبني أن تقوم: بأن الأول يَصْلُح فيما حَصَل التعجبُ من نفس القيام، أو من بعض أحواله، بخلاف الثاني، فإنه يختص بما حصل التعجب من نفس القيام. وأيضاً لا دلالة للأول على الزمان أصلاً بخلاف الثاني، فافترقا.
ومُحَصَّل الوجه المختار عندي: أن (أجود) اسم كان، و(في رمضان) حال، وحاصلاً خبرُه مقدَّر، والضمير في (يكون) للنبي صلى الله عليه وسلّم وليس في أجود ضمير. وهذا جائز في المشتق كما قيل في سيد الأنبياء لا ضمير فيه، وكان أجود ما يكون النبي صلى الله عليه وسلّمحال كونه في رمضان حاصلاً، يعني كان جوده الكثير في رمضان. وحينئذٍ لم يُحْكم فيه بكونه أجودَهم، ولكن المقصود منه أن جوده الكثير كان في رمضان، بخلاف صورة النصب، فهو كقولهم ضربي زيداً قائماً. (جبرائيل) إيل أي: الله، ومِيْكَا، وجِبْرَ، قريبٌ من معنى العبد، وحاصله عبد الله، وعَكَسَهُ بعضُهم أن إيل بمعنى العبد، ومِيْكَا وغيره بمعنى الله، وحينئذٍ شَاكِلَتُه كشاكله عبد الله وعبد الرحمن، حيث يبقى لفظ العبد ويتغير لفظ الله والرحمن.k
قلت: وهو القياس إلا أن علماءهم مصرِّحون بخلافه. (فيدارسه القرآن) ودَارَسَهُ في سنةِ رِحلته مرتين. أقول: ما كتب عمر رضي الله تعالى عنه في التراويح إلى البلاد لعله مأخوذ من مثل هذه الأمور.
باب
ذكر حديث هرقل
الجزء 1 · صفحة 50
واعلم أنه لا بد لنا أوّلاً أن نُلقي عليك ما في الحديث من القصة إجمالاً ليتضِح عندك أنه كيف اتفق اجتماع أبي سفيان مع قيصر في بيت المقدس. ثم نشرح لك الحديث. فاعلم أن السلطنة العظيمة قديماً كانت في الروم وإيران، وأصل إطلاق الرُّوم كان على إيطالية وكانت تُدعى برومة الكبرى، وعامة إطلاق الرُّوم في القرآن والحديث على نصارى إيطالية ويونان وقسطنطينية، وقد يُطْلق على مطلق النصارى أيضاً، ثم إيطالية وقسطنطينية كانتا بمنزلة واحدة، فلما جرت بينهما ريح الاختلاف جعل الملك العظيم دار مملكته القسطنطينية، وكان مَلِكَهم في زمنه صلى الله عليه وسلّمهِرَقلُ، وكان نصرانياً.
ثم إن لَقَبَ ملك الروم كان قَيْصَر، وملك إيران كِسْرَى، فهرقلُ اسمُهُ وقَيْصَر لقبه، وكذا اسم كسرى إذ ذاك خسرو برويز، وهو ابن هُرْمُز بن أَنُو شِيْروَان، وكان كسرى لقبه، فوقع الحرب بينهما في زمن النبي صلى الله عليه وسلّم ولما كان قيصر نصرانياً وكسرى مجوسياً كان المسلمون يفرحون بفتح قيصر والمشركون بفتح كسرى. وفي هذا وقعت قصة اشتراط أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه مع المشركين، وهو معروف، ويُستفاد منه جواز الفرح بفتح الكافر إذا كان أهونَ من الآخر، كما فَرِح المسلمون بفتح قيصر في مقابلة كسرى، فإنه كان مجوسياً وأشد كفراً من قيصر لكونه كتابياً.
الجزء 1 · صفحة 51
وكان قيصر نذر لله تعالى إن كشف الله عنه جَوْرَ فارس ليمشي إلى إيليا حافياً، فلما فتح له أوفى بنذره ووصل إليه، وكان تُبْسَطُ له البُسُط، وتُلقى على طريقه الرياحين فيمشي عليها، وكان أبو سفيان إذ ذاك كافراً لم يُسْلِم، وأسلم السنة الثامنة، وكان النبي صلى الله عليه وسلّمصالح المشركين في الحديبية إلى عشرة سنين، وأدرك منها أربعة، فغدروا فيها فغزاهم في السنة الثامنة، وأرسل في تلك المدة الخُطُوط إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام، فصدَّق كثيرٌ منهم، غير أنهم لم يلتزم منهم طاعَته إلا النجاشيُّ. أما كسرى مَلِك إيران فمن شقاوته مَزَّقَ كتابه صلى الله عليه وسلّم فلما بلغه خبره دعا عليه فَمُزِّقَ كلَّ مُمَزَّق، وكان هلاكه على يد ابنه.
وقصته: أن ابنه عَشِق على امرأته شيرين فقتل أباه. وكان شيرويته بن خسرو برويز مغرماً بالأدوية المقوية، فرأى يوماً دواء في حُقِّهَ، وزعم أنه دواء مقوي فأكله، وكان فيه سُمّ فهلك، فأصابهم دعاء نبي الله صلى الله عليه وسلّم ومُزِّقوا كلَّ مُمَزَّق.
وأما من كان صَدَّقه فَسَلِمُوا من الهلاك، ولو آمنوا به لأفلحوا كلَّ الفلاح، وكان هرقل محروماً حيث لم يؤمن به طمعاً في مُلْكِه، ولو آمن به لَسَلِمَ مُلْكُه. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلّمأشار إليه أيضاً، حيث كتب «أَسْلِمْ تَسْلَمْ»، ولكنَّه اسْتَحْمَقَ وآثر الدنيا على الآخرة.
الجزء 1 · صفحة 52
وبالجملة لمَّا كتب النبي صلى الله عليه وسلّمإلى الملوك كتب إلى قيصر أيضاً. وأبو سفيان خرج في تلك المدة إلى الشام للتجارة فوافق مجيء قيصر، ثم كان أمرهما كما في الحديث. وإنما بعثه بواسطة دِحْيَة الكَلْبِي، لأنه كان جميلاً، وكان الملوك إذ ذاك لا يقبلون الكتاب إلا من رسول جميل. ثم إن النبي صلى الله عليه وسلّملم يبعث كتابه إلى هرقل بل بعث إلى عظيم بُصْرَى ليدفعه إلى هرقل، لأن ذلك هو الطريق في الملوك، فلما بلغه كتابه سأل هل فيهم من أهل قَرَابة النبي صلى الله عليه وسلّم فلما أُخْبِر به فتح الكتاب... إلى آخر القصة.
7 - (عند ظهره) لئلا يَسْتَحْيُوا أن يواجهوه بالتكذيب إن كذب.
7 - (إن كذبني) بالتخفيف أي إن نقل إلى الكذب.
7 - (يأثروا) ينقلوا.
(سِجَال) فكأنه شبه المحاربين بالمُسْتَقِين بالدلو ليستقي هذا دلواً وهذا دلواً. وأشار أبو سفيان بذلك إلى ما وقع بينهم في غزوة بدر وغزوة أُحُد. واعلم أن هرقل كان عالماً بالتوراة وأحوال الأنبياء فلم يجعل هزيمة أصحابه صلى الله عليه وسلّمدليلاً على عدم صدقه، لأنه كان يعلم أن موسى عليه السلام أول من انهزم في مقابلة العمالقة فقال: يا رب ما هذا؟ قال: لا أبالي، أي هذه سنتي قد يكون النبي غالباً وقد يكون مغلوباً. نعم، إنما تكون العاقبة للأنبياء، ففتح الله في زمن يُوشَع عليه السلام.
الجزء 1 · صفحة 53
قوله: {وَلاَ تُشْرِكُواْ}... إلخ واعلم أن الإشراك بالله على عِدّةُ أقسام: الإشراك في الذات، والإشراك في الصفات، والإشراك في العبادة، والرابع: الإشراك في الطاعة، أما الأوَّلانِ فظاهران. وأما الثالث فيعم أن يكون عبادةَ الغير مع زعم كونه معبوداً، أو لا كبعض مشركي العرب حيث قالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} (الزمر: 3) وأما الرابع، فنبه عليه الشاه عبد القادر رحمه الله، وهو أن يُتَّبِع في تحليل الحرام وتحريم الحلال غير الله سبحانه وتعالى، كما كان النصارى يتخذون أرباباً من دون الله، فهذا أيضاً نوع من الشِّرك، وسماه الشاه عبد القادر رحمه الله الشركَ في الطاعة، فاعلمه.
7 - (بالصلاة) واعلم أن الألفاظ التي لُوحِظت فيها القيود عند الشرع حقائق عندي لا مجازَ فيها ولا عموم المجاز، كيف مع أن أبا سفيان في زمن الجاهلية يستعمل الصلاة في تلك الحقيقة حقيقة، وإن لم يَكْتَنِه حقيقتَها فالشيء لا يصير مجازاً بتبدُّل الهيئة، وإلا يلزم أن تكون صلاة الحنفية مجازاً عند الشافعية وبالعكس. وكذا يلزم أن يكون إيمان أحدهما مجازاً عند الآخر، وهو باطل، خلافاً لبعضهم كما سيجيء.
7 - (وقد كنت أعلم) قال المازني هذه الأشياء التي سأل عنها هِرَقْل ليست قاطعةً على النبوة، إلا أنه يحتمل أنها كانت عنده علامات على هذا النبي بعينه صلى الله عليه وسلّملأنه قال بعد ذلك: قد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظنّ أنه منكم. وما أورده احتمالاً جَزَمَ به ابن بَطَّال وهو ظاهر كذا في «الفتح». وهو وإن صدقه صلى الله عليه وسلّملكنه كافر لما في المسند لأحمد: أنه كتب من تبوك إلى النبي صلى الله عليه وسلّمأني مسلم، فقال صلى الله عليه وسلّم «كذب بل هو على نصرانيته».
قال الحافظ رحمه الله: فعلى هذا إطلاق صاحب «الاستيعاب» أنه آمن، يعني به أَظْهَر التصديقَ، لكنه لم يستمر عليه ويعمل بمقتضاه.
الجزء 1 · صفحة 54
7 - (بسم الله الرحمن الرحيم) وإنما جمع بين اسم الله والرحمن، لأن اسم الله كان معروفاً عند بني إسماعيل، والرحمن عند بني إسرائيل، فجاء القرآن يجمع بينهما، وقال: {قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الاْسْمَآء الْحُسْنَى} (الإسراء: 110).
7 - (عظيم الروم) فيه عدول عن ذكره بالمَلِك، لأنه معزول بحكم الإسلام، لكنه لم يُخْلِهِ من إكرام لمصلحة التألُّف. كذا في «الفتح».
7 - (إني أدعوك) والدعاية كالشِّكَاية، وعند مسلم بداعية الإسلام، أي بالكلمة الداعية إلى الإسلام.
7 - (أسلم تَسْلَم) لي فيه شبهةٌ، وهي أن هرقل كان مسلماً من قبلُ على دين عيسى عليه الصَّلاة والسَّلام ولم تبلغه الدعوة إذ ذاك، فإن يكُ كافراً فمن حين الإنكار، فما معنى دعوته إلى الإسلام مع كونه مسلماً؟ لا يقال الإسلام على معناه اللغوي أي الإطاعة، لأن الذوق لا يقبله. فالأوجه أن يقال: إن الإسلام لقبٌ مخصوص بهذه الأمة، ولم يُطْلق على أحد من الأمم من حيث اللقبُ قال تعالى: {هُوَ سَمَّكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ} (الحج: 78)، وقال تعالى: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الأسْلاَمَ دِيناً} (المائدة: 3)، وقال: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} (آل عمران: 85)، فإطلاقه وإن شَمِلَ الكلَّ إلا أنه صار وصفاً مشتهراً لهذه الأمة فقط، وحينئذٍ فالإسلام أضيقُ من الإيمان، فإنّ الإيمان لا يختص بأمة دون أمة إجماعاً، وهذا على عكس ما سيجيء في كتاب الإيمان ولكنهما نظران.
ثم إن تكلّف متكلِّفٌ أن الإسلام وإن كان عاماً لكنه يتحول إلى نبي الوقت في زمانه، وإذاً معناه: أَسْلِم بنبي الوقت، لأن الإسلام قد انتقل إليه الآن أقول: والأفصح حينئذٍ أن يقول: أسْلِمْ لي، ليدلَّ على الانتقال والتحوُّل.
الجزء 1 · صفحة 55
7 - (يُؤْتِكَ اللَّهُ أجركَ مرتين) قال الحافظ: والأجرُ مرتين لكونه مؤمناً بنبيه ثم آمن بمحمد صلى الله عليه وسلّم ويحتمل أن يكون تضعيف الأجر له من جهة إسلامه، ومن جهة أن إسلامه يكون سبباً لدخول أتباعه. وسيأتي التصريح بذلك في كتاب العلم إن شاء الله تعالى. وقد اشتملت هذه الجملُ القليلة التي تضمَّنها كتابُ النبي صلى الله عليه وسلّمعلى: الأمر بقوله: «أَسْلِم»، والترغيب بقوله: «تَسْلَم»، و «يُؤْتِكَ». والزَّجْرِ بقوله: «فإن تَولَّيْتَ»، والترهيب بقوله: «فإنَّ عليك»، وفي ذلك من البلاغة ما لا يخفى.
7 - (فإن تولَّيْتَ) وإنما لم يَقُلْ: فإن كفرتَ، لئلا يُغْضِبَه.
7 - (اليريسين) وفيه لغات، ومعناه الأَكَّارِين أي الزَّرَّاعين، ومرّ عليه الطحاوي في مشكله وتكلم كلاماً جيداً وحاصله: أن المراد منه الرعايا وسكانُ بلده. بقي أنه يخالف قوله تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (الأنعام: 64) فإنها تدل على أنَّ أحَداً لا يحمل إثمَ أحدٍ، قلت: الإثم إثمان: إثم التسبُّب وإثم المباشرة، وإثم التسبُّبب يكون عليه لأنه مِن فعله، ولا يخالف الآية، فإنها في إثم المباشرة، والوجه عندي أن معناه إثم إهلاكهم عليك، وأما إثم كفرهم فعليهم.
7 - ({سَوَآء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ}) فإن قيل: إن القوم كانوا مشركين، وكانوا يعبدون غير الله، فكيف قال: إن التوحيد سواء بيننا وبينكم؟
قلت: إنما خاطبهم باعتبار مزعومهم ودعاويهم، فإن النصارى أيضاً يدَّعون التوحيد مع شركهم الجليّ، وكذلك أكثر المشركين لا يؤمنون بربهم إلا وهم مشركون، ولكنهم يدَّعون بألسنتهم التوحيد، فدعاهم إلى التوحيد الصحيح بعد اشتراكهم فيه بحسب الصورة على حد قوله: {إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ} (إبراهيم: 11) في جواب قولهم: {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا} (إبراهيم: 10) فهذا مجاراة مع الخصم.
الجزء 1 · صفحة 56
7 - (ابن أبي كَبْشَة) تعريض بالنبي صلى الله عليه وسلّم فإن أبا كبشة كان رجلاً في الجاهلية ترك دين آبائه وعبد الشعرى، فكذلك النبي صلى الله عليه وسلّمانتقل إلى دين آخر وترك دين آبائه، - والعياذ بالله مما أرادوه ، وقيل: إن أبا كبشة أحدُ أجداده، وعادةً العرب إذا انتقصت أحداً نَسَبَتْ إلى جَدَ غامض.
7 - (ملك بني الأصفر) والمراد منهم الرُّوم، وجعلهم العيني من ذرية إبراهيم، وليس بصحيح، وقد فصَّلته في عقيدة الإسلام في فصل مستقل. وأبو سفيان لم يكن إذ ذاك مسلماً، لأنه أسلم في فتح مكة، ثم صار من مخلصي الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
«وكان ابن الناطوري» هذا مقولة الزهري، وهذه القطعة سمعها الزُّهري من ابن الناطور بلا واسطة، ولعله حين أسلم وكان ابن الناطور عاملاً لهرقل باعتبار منصب المملكة وكان أُسْقُفًّا بحسب العهدة المذهبية، فإن المناصب المذهبية عند النصارى عديدة: بابا، وبطريق، وكاهن، وسقف، وبوب، راجع له «المقدمة» لابن خَلدون.
7 - (صاحب إيلياء) وتمسك منه الشافعية على جواز الجمع بين معاني المشترك، فإن معنى الصاحب المصاحب والحاكم، وقد جمع بينهما ههنا، لأن صاحب إيلياء هو الحاكم، وصاحب هرقل بمعنى المصاحب، يلزم الجمع بين المعنيين. قلتُ: بل هو بمعنى واحد، والفرق باعتبار المتعلَّق، فصاحب بلد يقال له الحاكم، وصاحب رجل يقال له المصاحب، فهذا الفرق راجع إلى المتعلق دون نفس معنى اللفظ، وترجمته في الهندية (إيليا والا أور هرقل والا). ثم إن الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى صرح أن المسألة المذكورة لم يصرح بها الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه، وإنما أخذها الشافعية من بعض مسائله. ولو سلمنا فلنا أن نقول: إن الحديث ليس بحجة في مثل هذه الأمور، لأن الرواية بالمعنى قد فَشَتْ فيها، فلا يُؤمن بألفاظه من جهة النبي صلى الله عليه وسلّمبتاً.
الجزء 1 · صفحة 57
7 - (حَزَّاءً ينظر في النجوم) أي كاهناً، فالكهانة تستند تارة إلى الشياطين، وتارة تُستفاد من أحكام النجوم، والحَزَّاء في أصل اللغة الكاهن بالتخمين، أما مَنْ ينظر في النجوم فيقال له المنجِّم، ثم إن الشرع نهى عن الاعتماد عليهم قال الحافظ: فإن قيل: كيف ساغ للبخاري هذا الخبر المُشْعِر بتقوية أمر المنجمين والاعتماد على ما تدلّ عليه أحكامهم؟ فالجواب: أنه لم يقصِدُ ذلك، بل قَصَدَ أن يُبيِّن أن الإشارات بالنبي صلى الله عليه وسلّمجاءت من كل طريق، وعلى لسانِ كل فريق: من كاهنٍ، أو منجمٍ مُحقَ أو مُبطلٍ، إنسي أو جني. وهذا من أبدع ما يُشير إليه عالمٌ أو يَجْنَحُ إليه محتج.
تأثيرات النجوم
واعلم أنه لا يُنكر عن آثارها الطبيعية كالحرارة والبُرودة، لكن لا أثر لها في السعادة والنُّحوسة عند جمهور العلماء خلافاً لبعضهم.
7 - (يختَتِنُون) وكان الكفار أيضاً يختتنون تبعاً للملة الحنيفة. وكانت الخَتْنَة في دين عيسى عليه الصَّلاة والسَّلام أيضاً لكن محى عنه البولوس.
7 - (ملك غسان) هو صاحب بُصْرى.
7 - (فسجدوا له) وكانت السَّجْدةُ عند بني إسرائيل وهي الانحناءُ لغةً. ثم الانحناءُ أيضاً جُعِل مكروهاً تحريماً في شريعتنا.
7 - (فكان ذلك آخر شأن هرقل) لما كان أمر هرقل عند كثير من الناس مستبهماً أشار الراوي إلى آخر حالِهِ.
كتاب الإِيْمَان
الإيمانُ وَمَعْنَاهُ اللُّغوي
الإيمان في اللغة: عبارة عن التّصديق، وقد يجيءُ بمعنى الوثُوق، لأنه إفعال من الأمن، وهمزة الإفعال إذا دخلت على الفعل المتعدي، فإما أنْ يعديه إلى مفعولٍ ثانٍ، أو يجعله لازماً على معنى الصَّيرورة.
الجزء 1 · صفحة 58
فالأول، أي التَّصديق، منقولٌ من الأَفعال المتعدية، يقال: آمنته فلاناً، أي جعلتُه آمناً منه، وآمَنْته غيري، أي جعلت غيري آمناً منه، وكلا المعنيين اللغويين، معنيان حقيقيان لِلَفظ الإيمان، وُضِعَ أولاً لجعل الشيء أمناً من أمر، ثم وُضِع ثانياً لمعنىً يناسبه وهو التَّصديق، فإنك إذا صَدَّقْتَ المخبر فقد أمنته من تكذيبِكَ إياه. وتعدِيتُهُ بالباء لتضمِينه معنى الاعتراف، فإنك إذا صدَّقت شيئاً فقد اعترفت به.
والمعنى الثاني منقول من الأفعال اللازمة، بمعنى صار ذَا أمن، فيتعدى بالباء، ليقال: آمن به، أي وثِقَ به، لأن الواثِقَ بالشيء صار ذا أمنٍ منه، وحينئذٍ لا يحتاج إلى التَّضمين. وأضاف الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى على معناه اللغوي، فبدأ قيداً آخر، وقال: إن الإيمان اسم للتَّصديق بالمغيبات خاصة، ولا يطلق الإيمان على غير ذلك، فلا يقال: آمنت بذلك في جواب من قال: السماء فوقنا، ولذا قال تعالى: {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} (البقرة: 3)، فقيَّد الإيمانَ بالغيبِ، لأنه لا يتعلق إلا به، وقال: إن الإيمانَ هو تصديق السامِعِ للمخاطب، واثِقَاً بأمانته، ومعتمداً على دِيانته.
وأصلُ الإيمان تبجيل الذاتِ وتعظيمها، ثم استعمل في التصديق مطلقاً، ويتعلق بالذوات والأخبار. فإن تَعَلَّقَ بالذات يُؤْتَى بالباء في صِلته، وإن تعلق بالأخبار فباللام لتضمينه معنى الإقرار، وعليه قوله تعالى: {وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا} (يوسف: 17) أي بمقر لنا، ولم يقولوا: بنا، لأن المرادَ التصديقُ بخبرهم دونَ ذَوَاتِهِم، وفي خلافه يكون التَّضمين، ولم نجد تعديتُهُ بعلى إلا ما عند مسلم: (ما مِنْ نبيَ إلا أُتِي من الآيات ما مثلُهُ آمن عليه البشرُ) أي آمن معتمداً عليه البشر.
الجزء 1 · صفحة 59
ثم الكفر لغةً: الستر وجَحْدُ النِّعمة وتناسيها، وحينئذٍ لم يبق التقابل بين الإيمان والكفر لغة إلا باعتبار اللازم، فإنّ جحود النعمةِ والتناسي لا يجتمع مع التَّصديق بأحد، وتصديقه لا يجتمع معه جحود نُعمتِهِ، وأما ضِدُّه الصريح فهو الخيانة، كما أن ضِدُّ الكفر هو الشكر. ثم ههنا ألفاظ ينبغي الفرق بينها فالعلم دانستن والتصديق إن كان صفة القضية فمعناه: راست داشتن وإن كان صفة القائل فمعناه: راست كوداشتن وباوركردن والمعرفة شناختن واليقين إزاحة الشَّكِ وتحقيق الأمر، والفِكْر انديشيدن والفهم فهميدن فهذه ألفاظ ميزها أهلُ اللغة أي تمييز، فَرَاعِها تغنيك عن حدودِهِم الطويلة.
كتاب الإيمان
الإيمانُ وتَفْسِيْرُهُ عند الشَّرْع
الجزء 1 · صفحة 60
قال عامة الفقهاء والمتكلمين: إن الإيمان تصديق بأمور مخصوصة عُلِم كونُها من الدين ضرورة. فلنتكلم أولاً على معنى التَّصديق وما يتعلق به، ثم لنبحث عن معنى الضرورة فالتَّصديق هو الإذعان عند الحكماء، وهو إما إدراك أو من لواحق الإدراك، والحق عندي هو الثاني ثم التَّصديق قد يجتمع مع الجُحود أيضاً وهو كفرٌ قطعاً قال تعالى: {وَجَحَدُواْ بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} (النمل: 14)، وقال تعالى أيضاً: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءهُمْ} (البقرة: 146)، وقال تعالى: {فلما جاءهم ما عَرَفُوا كفورا به} (البقرة: 89) فانظر كيف اجتمع اليقين والإذعان، والمعرفة مع الجحود فيلزمُ على التعريفِ المذكورِ أن يجتمع الإيمان مع الجحود، واللاّزمُ باطلٌ، ولذا جعل الفقهاء الإقرارُ شرطاً للإيمان، لإخراج تصديق الجاحدين، فإن الجاحد لا يُقر بلسانه البتة، ومن أقر باللسان لا يمكن منه الجحود، فكأنهم فهموا أن الإقرار مقابلٌ للجحودِ فجعلوه شرطاً، أو شطراً، احترازاً عن مثل هذا اليقين والمعرفة. وحينئذٍ فالجواب عندهم: إن هؤلاء وإن كانوا مستيقنين به، لكنهم لم يكونوا يقرُّون بألسنتهم، بل كانوا يجحدون، فلم يعتبر تصديقهم، ولم يُحكم عليهم بالإيمان، لأن التصديق المعتبر ما كان مع الإقرار باللسان ولم يوجد، وهو الفاصل في الباب.
الجزء 1 · صفحة 61
واختلف فيه صدر الشريعة رحمه الله تعالى، والعلامة التَّفْتَازَاني رحمه الله تعالى، فقال صدر الشريعة رحمه الله تعالى: إن التصديق المنطقي أعم من الاختياري والاضطراري، والمعتبر في الإيمان هو الاختياري فقط؛ لأن الإيمان مُثَاب عليه، والثواب لا يترتب إلا على فِعله الاختياري، فما هو معتبر في باب الإيمان ليس بجامعٍ مع الجحود، وما هو بجامع معه ليس بمعتبر في الإيمان، وكأنه فَهِمَ أن الرجل إذا صدّق أحداً عن اختياره وطوعه، بدون إكراه مُكْرِه، لا يتمكّن على الجحود. والذي يجحدُ به لا يُمكنه التَّصديق عن اختياره. نحو أن يقعَ بصركُ على الجِدار، ويحصلُ لك الإذعان بوجوده اضطراراً، فهذا النوع من اليقين يمكن أن يجامع الجحود، فإنه ليس من فعله، بخلاف ما صدر عن اختياره، فإنه فعله، والظاهر أنه إذا فعل فعلاً عن اختياره لا يفعل نقيضه إلا أن يكون به جِنَّة، أو يكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً.
وادعى التفتازاني أن تلك المعرفة الحقة اليقينية المجامعة مع الجحود ليست بتصديق، بل هي من التصورات والتصديق اسمٌ لليقين المجامع مع التسليم، فكأنه أخرجَ تصديقَ الجاحدين عن مُسَمَّى التصديق ومتناولاته رأساً، وحينئذٍ ساغَ له أن يقول: إن المعتبر في الإيمان هو التصديق، وما وُجِد منهم هو اليقين المجامع مع الجحود، وهو تصورٌ وليس بمعتبر في الإيمان، وكأنه فَهِمَ أن التّصديق إذا قارنه التسليم لا يكون إلا اختياراً.v
وحينئذٍ فالتصديق عنده مساوٍ للإيمان، بخلافه على الأول، فإنه كان أعم من الإيمان.
الجزء 1 · صفحة 62
والذي يظهر عندي أن الصواب مع صدر الشريعة، فإن أرباب المعقول لعلهم لا يحكمون على تلك المعرفة اليقينية بكونها تصوراً، والظاهر أنها تصديق عندهم ثم العجب من صدر الشريعة كل العجب حيث اعترض على شيخ التسليم في «باب الزكاة» من «شرح الوقاية» بقوله: فانظر إلى هذا الذي أدرج ركناً زائداً في الإيمان... إلخ كيف، مع أن صدر الشريعة أيضاً قيدَ التصديقَ بالاختياري، وهذا الاختياري ليس أمراً وراء التسليم، على أنه مصرحٌ به في القرآن أيضاً: {فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً} (النساء: 65) فهذا التسليم هو الذي أضافه الشيخ رحمه الله، فلم يكن أمراً زائداً، كما ألزمه صدر الشريعة.
والحاصل: أن الفقهاء رحمهم الله شرطوا الإقرار لإخراج مثل هذا التصديق عن مُسمّى الإيمان. والشيخ الهروي: التسليم. وصدر الشريعة وإن عَمَّم التصديق أولاً، لكنه خصصه آخراً، وأراد منه الاختياري فقط، والتفتازاني خصصه من أول الأمر، وأخرجه عن مُسمّى التصديق ابتداءً، فلم يحتج إلى التخصيص، فالبيت واحدٌ وتلك أبوابه فأته من أيها شئت، ولعلك علمت مما ذكرنا مرامى الفقهاء والعلماء، وأنهم لماذا يختلفون في العبارات وماذا يريدون منها.
الجزء 1 · صفحة 63
ثم رأيتُ حكايةً في «الفتح» عن أحمد رحمه الله تعالى لا أرى في نقلها بأساً، وأريد أن أنبه على ما استفدت منها. قال أحمد رحمه الله: بلغني أن أبا حنيفة رحمه الله يقول: إن الإسلام يهدم ما كان قبله، وكيف يكون هذا مع أنه رُوي عن ابن مسعود في الصحيحين، أن المرء إذا أسلم فأحسن في إسلامه، فهو كفارة له، وإلا فيؤخَذُ بالأول والآخر، فإنه يدل على أن الإسلامَ لا يهدم ما كان قبله مطلقاً، بل تبقى عليه المؤاخذة بعده أيضاً. واستفدت منه أن الإيمان عند أحمد رحمه الله كالتوبة الكلية، وهي عزمٌ على الإقلاع عن المعصية فيما يأتي، فمن أحسن بعد إسلامه، فقد صحت توبتُهُ وصار إسلامه كفارةً له، ومن أساء بعده ولم يقلع عن المعصية لم تصح توبته، فيؤخذ بالأول والآخر، وإذا كان الإسلام عنده كالتوبة، يكون وسيلة للأعمال، والأعمال مقصودة، فإنها المقصودة من التوبة، وإليه يشير ما نُقل عنه، أن الإيمان معاقدةٌ على الأعمال، أي أنه عقدٌ على التزام الطاعات على نفسه، والعقد يكون وسيلةً للمعقودِ عليه.
والإمام الهمام رحمه الله تعالى جعله من أكبرِ الأعمال وأساسها، ومقصوداً لذاته غير وسيلة لشيء. ثم لا اعتراض عليه بحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، فإنه إن كان عند أحمد رحمه الله حديث ابن مسعود رضي الله عنه، فعنده أيضاً حديث صريح عند مسلم: «إن الإسلام يَهدِمُ ما كان قَبْلَه» فلو كان عند أحمد رحمه الله محمل لحديث الهدم، فيمكن أن يكون عند الإمام الأعظم رحمه الله أيضاً محملٌ لحديثه. والله تعالى أعلم.
بحث في معنى الإِقْرار
الجزء 1 · صفحة 64
واخْتُلِفَ في الإقرار، فقال المرجئة: إن الإقرار ليس بشطرٍ ولا شرطٍ للإيمان، فالتصديق وحده يكفي للنجاة عندهم، حتى اشتهر القول عنهم: بأنه لا تضرُ مع الإيمان معصية. وعلى خلافهم الكرَّامية، فإنهم زعموا أن الإقرار باللسان يكفي للنجاة، سواءٌ وُجِدَ التصديق أم لا، فكأنهما على طرفي نقيض. وعندنا لا بد من الإقرار أيضاً، إما شطراً أو شرطاً.
قال التفتازاني: إن الإقرار لو كان شرطاً لإجراء الأحكام فلا بد أن يكون على وجه الإعلان والإظهار للإمام وغيره من أهل الإسلام، وإن كان لإتمام الإيمان، فإنه يكفي مجرد التكلم به وإن لم يظهر على غيره. ومن جعل الإقرار ركناً كالتصديق فرّق بينهما بكون التصديق لا يحتملُ السقوطَ في حال، بخلاف الإقرار، فإنه يسقطُ عند الأعذار. وفي «المسايرة» وجَعْلُ الإقرار بالشهادتين ركناً من الإيمان هو الاحتياط بالنسبة إلى جعله شرطاً خارجاً عن حقيقة الإيمان. ثم إنه شرطاً كان أو شطراً، لا بد منه عند المطالبة عند الكل، فإن طُولِبَ به ولم يُقر، فهو كافر كفر عناد، وهو معنى ما قالوا: إنّ تَرْك العناد شرطٌ في الإيمان. كذا صرح به ابن الهمام رحمه الله.
الجزء 1 · صفحة 65
تنبيه: وههنا إشكالٌ يردُ على الفقهاءِ والمتكلمين وهو أن بعضَ أفعال الكفر قد توجد من المُصدِّق، كالسجود للصنم والاستخفاف بالمصحف، فإن قلنا: إنه كافر، ناقض قولنا: إن الإيمان هو التصديق. ومعلومٌ أنه بهذه الأفعال لم ينسلخ عن التصديق، فكيف يُحْكم عليه بالكفر؟ وإن قلنا: إنه مسلم، فذلك خلافُ الإجماع. وأجاب عنه الكَسْتلِّي تبعاً للجُرْجَاني: أنه كافر قضاءً، ومسلم دِيَانَة. وهذا الجواب باطلٌ مما لا يُصْغى إليه، فإنه كافر دِيَانة وقضاءً قطعاً، فالحق في الجواب ما ذكره ابن الهمام رحمه الله تعالى، وحاصله: أن بعض الأفعال تقوم مَقَام الجحود، نحو العلائم المختصة بالكفر، وإنما يجب في الإيمان التبرؤ عن مثلها أيضاً، كما يجب التبرؤ عن نفس الكفر. ولذا قال تعالى: {لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَنِكُمْ} (التوبة: 66)، في جواب قولهم: {إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} (التوبة: 65)، لم يقل: إنكم كذبتم في قولكم، بل أخبرهم بأنهم بهذا اللعب والخوض اللذين من أخصِّ علائم الكفر خلعوا رِبْقَةَ الإسلام عن أعناقهم، وخرجوا عن حِمَاهُ إلى الكفر، فدل على أنّ مثلَ تلك الأفعال إذا وجدت في رجل يُحكم عليه بالكفر، ولا يُنظر إلى تصديقه في قلبه، ولا يلتفت إلى أنها كانت منه خوضاً وهزأً فقط، أو كانت عقيدة. ومن ههنا تسمعهم يقولون: إن التأويل في ضروريات الدين غيرَ مقبول، وذلك لأن التأويلَ فيها يُساوِق الجحود وبالجملة: إن التصديق المجامعُ مع أخصِّ أفعال الكفر، لم يعتبره الشرع تصديقاً، فمن أتى بالأفعال المذكورة فكأنه فاقدٌ للتصديق عنده وأوضحه الجصَّاص، فراجعه.
المحورُ الذي يدورُ عليه الإيمان
الجزء 1 · صفحة 66
وإذا قد علمت أن التَّصديقَ والتسليمَ والمعرفةَ واليقينَ كلُّها يُجَامِعُ الجحود، فلا بد من تفسير يتميز به الكفرُ من الإيمان. كيف وهذا القرآن يشهدُ بمعرفة الكفار، قال تعالى: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءهُمْ} (البقرة: 146) وهذا أبو طالب يُقِرُ بنبوتِهِ ونباهته صلى الله عليه وسلّمويُعْلنُ بها في أبياته، حتى دارت وسارت، فيقول:
*ودعوتَني وزعمتَ أَنَّكَ صادِق ** وصدقت فيه وكنت ثَمّ أمِيناً
*وعرفتُ دينَك لا محالةَ أنه ** من خيرِ أديانِ البَرِيَّةِ دِينا
*لولا الملامةُ أو حَذَارِ مَسَبَّةٍ ** لوجدتَّني سمحاً بذاك مُبِيناً وهذا هرقل عظيم الروم يقول: لو أني أعلم أني أَخْلُصُ إليه لتجَشَّمْتُ لقاءه، ولو كنت عنده لغَسَلْتُ عن قدميه، وفي «فتح الباري»: عن مرسل ابن إسحق عن بعض أهل العلم: أن هرقل قال: ويحك، والله إني لأَعْلَمُ أنه نبيٌ مرسل، ولكني أخاف الرومَ على نفسي، ولولا ذلك لاتَّبعتُهُ. فهل تريدُ من التصديق أمراً وراء ذلك؟ فلما وُجِد منهم التصديقُ والتسليمُ والإقرارُ بهذه المثابة، وَجَبَ على التعريفِ المذكورِ أن يُحْكم عليهم بالإسلام، مع اتفاقهم على كونهم كافرين.
فأقول: إنّ الجزءَ الذي يمتاز به الإيمان والكفر، هو التزام الطاعة مع الردع والتبري عن دين سواه، فإذا التزم الطاعة فقد خرجَ عن ضلالة الكفر ودخل في هَدْي الإسلام. وحينئذٍ تبين لك وجه كفر هؤلاء الكفرة مع تصديقهم ومعرفتهم، وذلك لأن أبا طالب وإن أعلن بحقية دينه، إلا أنه لم يلتزم طاعته، ولم يدخل في دينه، ولذا قال: لولا الملامة أو حذار مسبة.... إلخ، فآثر النار على العار. وهكذا هِرَقل، وإن تمنى لقاءه وَبجَّلَه وعظمه بظهر الغيب، لكنه خشي الرومَ أشدَّ خشية، فلم يلتزم طاعته. وكذلك حال الكفار الذين أخبر الله سبحانه عن معرفتهم، فإنهم مع معرفتهم الحقَ، صفحوا عن كلمة الحق، ولم يَدِينُوا بدين الإسلام.
الجزء 1 · صفحة 67
ولذا أقول: إن الإيمان من الإرادات وترجمته في الهندية (ماننا) فهذا هو الصواب في تفسيره، فقد نقل الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى الإجماعَ على كون هذا الجزء مما لا بد منه في باب الإيمان، وحينئذٍ ينبغي أن يراد من الإقرار في قول الفقهاء: الإقرار بالتزام الطاعة. وإن كان المراد منه الإقرار بالشهادتين كما هو المشهور، يبقى الإشكال.
ثم إنهم اكتفَوا بذكر هذه الأشياء، وفسروا بها الإيمان، لأن الإيمانَ بعد تحقُّقِها يتحققُ في أكثر المواد، وإن تخلَّف عنها في بعض، فبالنظر إلى مواد الاجتماع، جعلت كاللوازمِ المساوية له. وزعم أنها عين الإيمان، ثم إذا أمعنتَ النظرَ في مادة الافتراق وعلمت أنها ليست بإيمان ولا لوازمَ مساوية له، وجب عليك أن تطلبَ أنَّ حقيقةَ الإيمانِ ماذا؟ فهذا الذي نبهناك عليه، هو حقيقة الإيمان، وذلك وإنْ لم يقرع سمعُكَ، لكنه هو الصواب إن شاء الله تعالى، فإن هذا الجزء لا يجامعُ الكفرَ بأنواعه، أي نوع كان.
ونُقِل عن إمام الحرمين رحمه الله تعالى وعن الأشعري رحمه الله تعالى أيضاً كما في «المسايرة»: أنّ الإيمانَ كلامٌ نفسيٌ، وكأنهم أرادوا به: أن القلب إذا تكلَّمَ بكلمة الشهادةِ وأذعن بها فقد تم الإيمان، لأنه لا يمكن منه الجحود بعده، بخلاف الإقرار باللسان، فإنه يمكن الجحود بعده أيضاً. فالإيمان على هذا التقدير ليس عِلماً من العلوم، بل قول من أقوال القلب. فقول القلب تصديقٌ وإيمان عندهم، وقول اللسان إقرار. ويمكن أن يُحْمَل عليه قول مَنْ قال: إن الإيمانَ قولٌ وعملٌ. ولست أريدُ أنّه مراد البخاري رحمه الله تعالى أو المحدثين، بل أريدُ أن له وجهاً أيضاً. وأما ما نُقل عن إمامنا رحمه الله تعالى: أن الإيمان معرفة.
الجزء 1 · صفحة 68
فالمراد منه المعرفةُ المصطلحةُ عند الصوفية رحمهم الله تعالى، وهي التي تحدثُ بعد الرياضات، وهي الإيمان الكامل. وتلك لا تجامِعُ الجحود أصلاً، بل قلما توجد في قلوب عامة المسلمين، وليس المرادُ منها المعرفة اللغوية ونحوه.
نُقل عن علي رضي الله عنه وأحمد رحمه الله: أن الإيمان معرفةٌ بالقلب، وإقرارٌ باللسان، وعملٌ بالأركان. وأما ما شَرَطَه جَهْمٌ، فقد ردّ عليه إمامنا رحمه الله، كما نقله أصحابنا، فالمراد من المعرفة ما يستوجب العمل، لا التي تجامع الجحود أيضاً، وهي التي تراد في مواضع المدح، وهي التي من الأحوال والأعمال.
أما الإيمان أو المعرفة إذا أطلق على غير هذا مما لا يكون معتبراً، فيُحْترسُ هناك ولا يُتركُ بدون تنبيه. قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الأْخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} (البقرة: 8) فنبَّه أن إيمانهم غير معتبرٍ. ثم اعلم أنه أطلق في «الإحياء» الحال على الإيمان. أقول: والأولى لفظ العمل، لأن العمل في اللغة يختص بالاختياري وأما ما يقال: «مات زيد»، فمات فعلٌ، فهو اصطلاحُ النُّحاة. وأما أهل اللغة فلا يُسمُّونَه فعلاً، وإنما الفعلُ عندهم ما يصدر عن اختيار، فالإيمان فعلٌ اختياري، ولا بُدٌّ، فإن المرء لا يُثاب إلا على ما فعله من اختياره، بخلاف الحال، فإنه يُنبىءُ عن عدم الاختيار، ثم له وجه أيضاً، فإن الإيمان وإن كان عملاً في الابتداء، لكنه بعد الرسوخ يصيرُ حالاً غير اختياري، فإطلاق الحال عليه أيضاً صحيحٌ بنحو من الاعتبار.
الجزء 1 · صفحة 69
وعن أحمد رحمه الله: أنه معاقدةٌ على الأعمال، أي الإيمان عقدٌ، على أنه التزامٌ بأداءِ جميع الأعمال على نفسه. أقول: وحينئذٍ يكون الإيمان كالوسيلة، والأعمال مقصودة، فإن العقد وسيلةٌ، والمقصودُ هو المعقود عليه، مع أن الإيمانَ من أسنى المقاصد، وبعد اللُّتيا والتي أن الإيمان تصديقاً اختيارياً كان، أو معه تسليم، كلاماً نفسياً كان، أو معرفة، أو معاقدة، لا يفنك عن هذا الالتزام، والطاعة له صلى الله عليه وسلّمفي جميع ما جاء به. فأما أن يراد بألفاظهم هذا، أو يُزادُ عليها هذا الجزء. بقي إصلاح الاصطلاحات والألفاظ، فهذا أمر نَكِلُهُ إليك، ولسنا بصدده بعد وضوح حقيقة الحال. والله تعالى أعلم وملمُهُ أتم.
المَعْرِفَةُ شرطٌ في الإيمان أم لا؟
فالمشهور عن الأئمة الأربعة رحمهم الله: أنها ليست بشرط، بخلاف المعتزلة فإنها شرط عندهم، ومعناه عندهم: أن يكون عنده من الدلائل على التوحيد والرسالة ما يوجب اليقين، بحيث لا يزولُ بتشكيكِ المشكِّك، ويجبُ عند أئمتنا اليقين، ولا يجب سُنُوحُ الدلائل معه، وهو الحق، فإنه يُعلم من الصحيحين العبرةُ بإسلام رجالٍ أسلموا في الحروب والسيوف تلمع عليهم. وكذلك أمرنا أنْ نَكُفَّ سيوفنا عمن قال: لا إله إلا الله، لأنه دليل صادق على رضائه بالإسلام، والترك لدينه، وحسابُهُم على الله، وأين تحضرهم الدلائل في هذا الحين. وهذا معنى ما يقال: إن إيمانَ المقلدُ معتبرٌ عندنا، فمن آمن تقليداً وأذعن به قلبه، فإنه مؤمنٌ وإن لم يكن عنده دليل على ذلك، بخلاف المعتزلةِ وزعم بعض السفهاء: أن الاختلافَ في عبرةِ إيمان مقلدي الأئمة رحمهم الله تعالى وعدمها، وهو حمقٌ، والصواب ما علمت.
الجزء 1 · صفحة 70
والحاصل: أنّ أولَ الواجبات عند المعتزلة: هو المعرفة، ثم الإيمان. وعندنا: الإيمان، هو أول الواجب، وليست تلك المعرفة شرطاً أصلاً، ثم رأيتُ، في «جمع الجوامع»: أن لو حصل لرجل ظن، ولم يكن عنده اعتقادٌ جازمٌ، فهو أيضاً كاف لإيمانه، بشرط أن لا يخطر الكفرُ في قلبه، ولا يوسوس به صدرُهُ، ولا تترددُ فيه نفسُه.
قول وعمل
وفي عامّة نُسخ البخاري: قولٌ وفعلٌ، ولا أعلم وجهَه. ولفظ السَّلف: الإيمان: اسم للاعتقاد والقول والعمل، فلا أدري ما وجه تغييرِهِ عُنوان السلف، ووضعُ الفعل بدل العمل، مع أن الأظهرَ هو العمل. ولما أراد البخاري من القول ما يوافقُ الباطنَ اندرج الاعتقاد تحته. ولذا حذفه من مقولتهم. فالإيمان عند السلف عبارة عن ثلاثة أشياء: اعتقاد، وقول، وعمل. وقد مر الكلام على الأولين: أي التصديق، والإقرار، بقي العمل، هل هو جزءٌ للإيمان أم لا؟ فالمذاهب فيه أربعة:
قال الخوارج والمعتزلة: إن الأعمال أجزاءٌ للإيمان، فالتارك للعمل خارج عن الإيمان عندهما. ثم اختلفوا، فالخوارجُ أخرجوه عن الإيمان، وأدخلوه في الكفر، والمعتزلةُ لم يدخلوه في الكفر. بل قالوا بالمنزلةِ بين المنزلتين.
والثالث: مذهب المرجئة فقالوا: لا حاجة إلى العمل، ومدار النَّجاة هو التصديق فقط. فصار الأوَّلونَ والمرجئة على طرفي نقيض.
الجزء 1 · صفحة 71
والرابع: مذهب أهل السنة والجماعة وهم بين بين، فقالوا: إن الأعمال أيضاً لا بد منها، لكنّ تَارِكها مُفَسَّقٌ لا مُكَفَّر. فلم يُشددوا فيها كالخوارج، والمعتزلة، ولم يِهوِّنوا أمرها كالمرجئة. ثم هؤلاء افترقوا فرقتين، فأكثر المُحدِّثين إلى أن الإيمانَ مركبٌ من الأعمال. وإمامنا الأعظم رحمه الله تعالى وأكثر الفقهاء والمتكلمين إلى أن الأعمال غير داخل في الإيمان، مع اتفاقهم على أن فاقدَ التَّصديق كافرٌ، وفاقدَ العمل فاسقٌ، فلم يبق الخلاف إلا في التعبير. فإن السلف وإن جعلوا الأعمال أجزاء، لكن لا بحيثُ ينعدمُ الكل بانعدامِهَا، بل يبقى الإيمان مع انتفائها.
وإمامنا وإن لم يجعل الأعمال جزءاً، لكنه اهتم بها وحرَّضَ عليها، وجعلها أسباباً سارية في نماء الإيمان، فلم يهدُرها هَدْر المرجئة، إلا أن تعبيرَ المُحدِّثين القائلين بجزئية الأعمال، لما كان أبعد من المرجئة المنكرين جزئية الأعمال، بخلاف تعبير إمامنا الأعظم رحمه الله تعالى، فإنه كان أقرب إليهم من حيث نفي جزئية الأعمال، رُمِي الحنفية بالإرجاء. وهذا كما ترى جور علينا فالله المستعان. ولو كان الاشتراك بوجه من الوجوه التعبيرية كافياً لنسبة الإرجاء إلينا، لزم نسبة الاعتزال إليهم، فإنهم قائلون: بجزئية الأعمال أيضاً كالمحدثين، ولكن حاشاهم والاعتزال، وعفا الله عمن تعصب ونسب إلينا الإرجاء، فإن الدين نُصْحٌ كله، لا مُرَامَاة ومُنابذة بالألقاب. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
تعدد الاصطلاح في الإرجاء
صرح الشَّهرستاني في «المِلل والنِّحل» على تعدد الاصطلاح فيه، وقال: إن المرجئة على قسمين:
مرجئة أهل البدعة، وهم الذين أهملوا الأعمال وزعموا التَّصديق كافياً للنجاة، فلا يضر عندهم مع الإيمان معصية.
الجزء 1 · صفحة 72
والثاني: مرجئة أهل السنة، وهم المنكرونَ جُزئيتها، مع شَغفِهم بالأعمال والأوامر من حيث الائتمار، والنواهي من حيث الاجتناب. وعُدّ الحنفية من القسم الثاني. وفي عقائد الحافظ فضل الله التُّوْربِشْتي رحمه الله تعالى: عندي أن المرجئة هم الذين قالوا: إنه لا اختيار للعبد. والتوربشتي هذا حنفيُ متقدِّم على الرازي رحمه الله تعالى، وكتابه هذا أجودَ من «شرح المقاصد» وغيره. فليس النزاعُ بين الأئمة إلا في كون الإيمان مجموع الأجزاء، أو التصديق فقط. أما كون الأعمال واجبة، فلا اختلاف بينهم في ذلك.
شَرْحُ قَوْلِهِم: قَوْلٌ وَعَمَلٌ
فلنشرح أولاً مراد السلف، والكشف الغِطاء عن قولهم: الإيمان: قول وعمل، ثم لنبحث أن الأعمال هل تصلح لجزئية الإيمان أم لا؟ فاعلم أن قولهم هذا ليس نصاً في الجزئية كما فهموا، لأنه ليس من لفظ السلف أن الأعمالَ أجزاءٌ للإيمان، بل لفظهم: «قول وعمل» وهو يحتملُ شروحاً يصدقُ بعضها على مذهبنا أيضاً، بل هو أولى الشروح كما ستعرف.
الأول: ما فهمه عامةُ الناقلين وأرباب التصانيف، وهو أن الإيمانَ مركبٌ من القول أي الشهادتين والعمل، وهذا الشرحُ دائرٌ فيما بينهم. والإيمان على هذا الشرح ذا أجزاء كالجدار واللُّبِنات. ثم إنهم قالوا: إن المُخلَ بالتصديق فقط مع القول الظاهر، منافقٌ، والمخلُ بالتصديق والقول كافرٌ مجاهِرٌ، والمخلُ بالعمل فقط فاسقٌ. وحكمه: أنه لا يخلدُ في النار، ففرقوا بين جزءٍ وجزء فبانتفاء البعض حكموا بانتفاء الكل، كالتصديق، وبانتفاء بعض آخر لم يحكموا بانتفاء الكل، كالعمل. واستشكله الرَّازي وقال: إن الأجزاء كلها متساوية الأقدام في أن انتفاءَ بعضها أي بعض كان - يستلزمُ انتفاءَ الكل قطعاً، ولا نتعقَّلُ فرقاً بين جُزء وجزء. وأجابوا عنه بأجوبةٍ كلها مشى على القواعدِ وغَفْلةٍ عن الحقائق.
الجزء 1 · صفحة 73
فقال قائل: إن الأجزاءَ على قسمين: حقيقةٌ، وعُرفيةٌ. وبانتفاء الأول ينتفي الكل، بخلافِ الثاني. والعمل من الثاني دون الأول، وحولَهُ تَحُومُ أجوبة أخرى. والحق في الجواب: أن المجموعَ المركبَ من الأجزاء لا يلزمُ من زوالِ بعض أجزائه انعدامُ هذا المركب أيضاً. نعم، تزول تلك الهيئة السابقة، لكن لا يقتضي التباينُ بينها وبين اللاحقة، وذلك كالإنسان مثلاً، فإذا أصابت بعض أعضائه عاهة، لم يخرج عن كونه إنساناً، نعم يقال من حيث الصورة: إنه إنسان ناقص، فإذا زاد النقصُ ربما خرجَ عن تسميته إنساناً ظاهراً، بل لا أجد أحداً من الأشياء يزولُ اسمه بزوال جُزء منه. نعم، ههنا مجال للنظر، فمن أهلكَ الحرثَ والنَّسل وفعلَ كلَّ مُنكَر، ولم يأت بخير ما، فلا علينا أن لا يُسمّى بأشرف أسماءِ الأمة.
فإن قيل: فما مِقْدَارُ الطاعات التي يَخْرُجُ بتركها من الإيمان؟ قلنا: عِلمُها عند الله، وعدم علمنا بمقدارها، لا يقتضي أن لا يكون لها مقدار في الواقع. وهذا كالسواد والبياض، إذا انتقصْتَ من السواد درجة، لا يأخذُ البياضُ مكانها. نعم، لا تزال تنحطّ منه درجة بعد درجة، حتى إذا انتفت جميع مراتب السواد، يجيء البياضُ بدله. فهكذا الإيمان والكفر، لا يزال الإيمانُ ينقصُ بالمعاصي، حتى إذا انتفت المرتبة التي هي مَدَار النَّجاة، استخَلَفه الكفر، فيصبح من الكافرين.l
والعياذ بالله فافهمه، فإنه يُنْجِيك من الشَّبهات. فالعملُ على هذا التقدير حاصلٌ المصدر، ومثلُهُ القول.
الجزء 1 · صفحة 74
والشرح الثاني: أن الإيمان تصديقٌ يظهرُه اللسان والجوارح. وحاصله: أنه التصديقُ المساعدُ بالقول والعمل، وحينئذٍ لا يكون الإيمانُ إلا التصديق فقط، ويبقى القول والعمل ساعداً ومُساعداً للإيمان لا أجزاء له. فالتصديقُ الذي يخلو عن الإقرار والأعمال، كأنه ليس بتصديق. وهذا أيضاً نظرٌ على حد قوله: «المسلمُ مَنْ سَلِمَ المسلمونَ من لسانِهِ ويده»، «والمؤمنُ من أمِنَه الناسُ على دمائهم وأموالِهم». رواة الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وفي القرينتين حصرٌ، وهو يؤدي انتفاء اسم الإسلام والإيمان عند عدمِ سلامة الناس، وعدم الأمن منه، فمن كان مسلماً ينبغي أن يشهدَ له عملُهُ، وهو سلامةُ الناس من لسانه ويده، ومن كان مؤمناً يجب أن يأمَنَه الناسُ على دمائهم. وبدون ذلك، إسلامه وإيمانه، غير مصدَّقٍ من العمل، وإذا لم يصدَّق عمله، فإذن هو أمرٌ يدَّعيه هو، ولا ندري أهو كذا أم لا؟
الشرح الثالث: إن التصديق منسحب على القلب، والجوارح، فتصديق القلبِ هو التصديق الباطني المُسمّى بالإيمان، وتصديق الجوارح يُسمّى عملاً وأخلاقاً. فالشيءُ واحد من هناك إلى ههنا. ويختلف الأسامي باختلاف المواطن. فالإيمان على اللسان قولٌ، وعلى الجوارح عملٌ. وهذا أيضاً محتملٌ، كقول الأطباء: إن الإرادة شيءٌ واحد، وهي التي تُسمّى في اليد: بقوة التحريك، وفي القلب: بالإرادة. فهكذا ما دام التصديقُ في القلب فهو إيمانٌ. وبعد كونِهِ مجبُولاً عليه يصيرُ أخلاقاً. وبالظهور على الجوارح يسمّى أعمالاً. فهذه كلها أنظار، والأخير تفلسف. لا كما زَعَمُوه: أنه حدٌ كحدِ المناطقة، فجعلوا عليه الطرد والعكس. والأمرُ كما عَلِمْتَ أنه نظرٌ من الأنظار، وهو الذي يليق أن يدورَ في السلف، لا تحديدُهُ، فإنه من طريق الخَلَفِ المشتغلين في الفنون.
الجزء 1 · صفحة 75
وهناك شرح رابع: وهو أن الإيمان اسم للتصديق الذي يَعقبُهُ القول والعمل، فينبغي أولاً أن يُصدِّق، ثم يُقر، ثم يعمل، والقولُ والعمل على هذا التقدير مصدر، لا الحاصل بالمصدر، وهذا نحو ما نقل الحافظ في «الفتح» في: باب الإنصات للعلماء من كتاب العلم: عن سفيان: أول العلم الاستماع، ثم الإنصات، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر. وعن الأصمعي تقديم الإنصات على الاستماع. فانظر كيفَ رأيتَ قولَه هل هو تحديدٌ له وذكر لأجزائه؟ بل مُراده أن حقَّ العلم أن يترتب عليه تلك الأشياء، فهذه الأشياء من مقتضياته، وهو داع لها. فكذلك الإيمان ليس تصديقاً فقط، بل من حقِّه أن يصدقه اللسان والجوارح، وهو القول والعمل.
إذا علمتَ هذا فقد علمتَ أن قولهم: لا ينحصرُ في الجزئية، بل هو أحذُ شروحِهِ والظاهر أنهم ليسوا بصدد التحديد. وبيان الأجزاء، بل ببيان الأنظار، وأنَّ ما ينبغي أن يكون، وإذن يتأتَّى قولهم على مذهبنا أيضاً.
وإذ قد فرغنا من شرح مقولتهم، فلنعرِّج إلى أن الأعمالَ هل هي أجزاءٌ للإيمان أم لا؟
بحثٌ في أنَّ الأعمالَ أَجْزاءٌ للإيمانِ أم لا؟
والظاهر أنَّه أيضاً نَظرٌ جعلَهُ الناسُ عقيدة.
واعلم أن إطلاق الإيمان على الأعمال مما لا يمكن إنكاره، فقد تواتر به الحديث. لكن صنيع القرآن على خلافه. فإنه ينبىءُ أن الإيمان هو التصديق وحده من غير أن يعتبِرَ معه العمل، لأنه تعالى كلما ذكر الإيمانَ في القرآن أضافَهُ إلى القلب، وظاهره أن فعل القلب هو التصديق وحده.
والثاني: أنه تعالى عَطَفَ عليه العمل الصالح في مواضع لا تحصى. ولو كان ذلك داخلاً فيه، لكان مجرد ذكره عبثاً، فضلاً عن أن يُذكر بطريق العطف.
الجزء 1 · صفحة 76
والثالث: أنه سبحانه وتعالى ذكر الإيمان في مواضع وصفاً للعُصاة، مقترناً بالمعاصي، فلو كانت الطاعةُ داخلةً في الإيمان، لكانت المعصية منافيةً له ممتنعة الاجتماع معه. قال تعالى: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ} (الحجرات: 9) فوصف المقتتلين بالإيمان، مع أن تقاتل المؤمنين حرام ومعصية. وأجاب الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى عن عطف القرآن، وقال: إن الأعمالَ وإن كانت داخلة في قوله: آمنوا، إلا أنها عُطفت عليه استقصاءً واستيفاءً للبيان، ولئلا يَذْهَل عنه. وهذه النُّكتةُ غير ما ذكروها من أن العطفَ قد يكون من عطف الخاص على العام، لأنها لا تتمشَّى ههنا. فإن الخاصّ في مثله يكون أشرف، وههنا المعطوف هو العمل، وهو أدونُ من الإيمان. فالعطف ههنا لبيان الاهتمام.
فعلم منه أن التخصيص بعد التعميم، قد يكون لزيادة اهتمام الأدنى أيضاً، لئلا يَذْهَل عنه ذاهلٌ فيتركه، ويُحرم عما قدِّر له من منازلِ الجنة. وكلامه وإن كان متيناً دالاً على فطانته، لكنّ الأمر هو كما قال الإمام الهُمام، لأن هذا الجواب وإن سلَّمناه في العطف، لكنه ماذا يقول في آية أخرى؟ قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَلِحاً مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ}... إلخ (النحل: 97). فجعل الإيمانَ قيداً للأعمال، وليس فيها عطفاً.
بقي الجوابُ عن إطلاق الإيمان على الأعمال في الحديث، فلا نُنكرُ أنه أيضاً إطلاق، لكنه لا ينحصِرُ فيما قالوه، بل يجوز أن يكونَ من إطلاقِ الكل على الجزء، كما فهموه. ويجوز أن يكونَ من باب إطلاق المبدأ على الأثر، كما فهمنا، فالمبدأ هو الإيمان، والعمل أثره. ولو انحصر الأمرُ في أنّ الحديثَ أطلق الإيمان على الأعمال، والقرآن جعلها مغايرةً له، بعطفها عليه، كان اتِّباعُ القرآن، والتأويل في الحديث، هو الأَوْلى.
الجزء 1 · صفحة 77
فالحقيقة أدَّاها القرآن، والحديث ورد على الاعتبار، لأن القرآنَ يؤدي الحقيقةَ ويُوفِّى حقها، والحديث قد يَردُ على المصالح ويُراعيها أيضاً. فإن شئت أخذَ الحقيقة كما هي فلا تجدها إلا في القرآن. وقد رأيتُ أن القرآنَ لا يجعلُ الأعمال أجزاءٌ للإيمان، فكانت حقيقة الإيمان مغايرة للأعمال. كما قلنا، ولما أمكن أن يُفرِّطَ فيه مفرطٌ أزاحه الحديثُ وأطلق الإيمان على الأعمال، تنبيهاً على أهمية الأعمال، وتلافياً لما قد يسبق من عطف الأعمال على الإيمان من المغايرة، بحيث لا تبقى لها سراية في زيادته أيضاً. وهذا صنيع الحديث مع القرآن كثيراً، فما يتركُه القرآن يأخذه الحديث، وما يُشكل عليه يزيحهُ.
وبالجملة لا خلاف بعد الإمعان إلا في التعبير، فإن كان إمامنا رحمه الله تعالى غيَّر تعبيرَهم، وأخرج الأعمال عن حقيقة الإيمان، فله فيه سَلَفٌ وقدُوة، فإن ذلك صنيعُ القرآن، فلو كان المحدثون اختاروا جزئية الأعمال نظراً إلى إطلاق الإيمان على الأعمال في الأحاديث، فإمامنا رحمه الله تعالى اختار تغايرَهُما، نظراً إلى تغاير القرآن بالعطف، فأي الفريقين أحق، وأي النَّظَرين أصوب؟
وبعد اللُّتيا والتي إذا لم تكن نِسبة الأعمال إلى الإيمان كنسبةِ الأجزاءِ إلى الكل، ولا كنسبة الأوراق، والعُروق، والأغصان إلى الشجرة، فكيف نسبتُهُ إليها؟ فالجواب: أن النِّسبة بينهما على نَظَر الحنفية كنسبةِ الأصل إلى الشجرة والشجرة إلى الثمرة، فكما أن الشجرةَ نابتةٌ من أصلها، ثم الثمرةُ من تلك الشجرة، كذلك الأعمال تنبُت من الإيمان، فهو المبدأ وهذه آثارها. وكما أن الثمارَ تبدو وتسقط، تجيء وتذهب، كذلك حال الأعمال مع الإيمان فتكون قد وقد. وقوله تعالى: {أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِى السَّمَآء} (إبراهيم: 24) فالأصلُ هو الإيمان، والفُروعُ هي الأعمال، ولعل حديث شُعب الإيمان أيضاً على الفرعية لا الجزئية.
الجزء 1 · صفحة 78
فلا أقول كما هو المشهور: أن نِسْبةَ الأعمال إلى الإيمان كنسبة المُكِّمل إلى المُكَّمل، ولا أجعله في التعبير مكملاً للإيمان، بل لا أحب أن أقول: إنها كنسبة الثمرة إلى الشجرة أيضاً، فإن المقصودةَ من الشجرة الثمار، فتكون الأعمالُ مقصودةً، والإيمان تابعاً مع أنه أصل وهي فرع تنبُت منها. فالتعبير الأوفى هو: الأصلية والفرعية.
ثم إني مع التتبُّعِ البالغ لم أجِدْ صورةَ الإيمان في المحشر، ووجدت صورَ الأعمال كلها تقريباً. وهو على ما أقول: إن الأعمالَ تتجسدُ في الآخرة، وتتحولُ الأعراضُ إلى الجواهر. فدل على أن الإيمان لعله منفصلٌ عن الأعمال. وإليه يُشير قوله صلى الله عليه وسلّم «مُلئت إيماناً وحكمة» فما صُبّ في صدره كان هو الإيمان، وهو المصبوبُ حقيقة، وإنما الأعمال ثمراته، والمقصود منها الإتيانُ بها، والحكمةُ غير العمل، وسيجىء تحقيقها.
نعم، رأيت صورة الإسلام والإيمان في رواية مرسل عن قتادة: أن الإيمان يجيءُ يوم القيامة ويقول: أنت المؤمن، وأنا الإيمان، فاغفر لمن كسبني، ويجيءُ الإسلام ويقول: أنت السلام وأنا الإسلام... إلخ. ولكنه لا يدرى أنه صورةُ الإيمان وحده أو المركب من الأعمال وههنا نَظَرٌ يفيدنا وهو: أن مدَار دخولُ الجنة على الإيمان عند الكل، وكذا الخلودُ في النار على الكفر. وإنما الأعمالُ للدخولِ أولاً والتجنُّبِ عن النار. فعُلم أن الإيمانَ غير الأعمال، وأنها خارجة عنه.
والقول الفصل ما اختاره الشاه ولي الله رحمه الله تعالى: أن للإيمان إطلاقين: الأول: الإيمان الذي هو مَدَارُ الأحكام في الدنيا، ولا ريب أنه عبارة عن الاعتقاد فقط. والثاني: ما هو مدارُ للأحكام في الآخرة، وهي النجاةُ السرمدية، والفوزُ بالجنان بدون عذاب. ولا ريب أنه عبارة عن مجموع الأعمال والأخلاق، والله تعالى أعلم بالصواب.
الجزء 1 · صفحة 79
وهذا الذي عناه الغزالي رحمه الله تعالى في «الإحياء»: أن الإيمانَ المبحوثُ عنه في علم الكلام لا يزيد ولا ينقص. ولذا اتفقوا على تسليم إسلام المصدِّق، وإن كان فاسقاً. وكذا اتفقوا على أنه ليس بمرتد ولا كافر. وأما الإيمانَ المبحوثُ عنه في الأحاديث، فإنه يزيد وينقص البتة.
وبالجملة من جَعَله مركباً كالكلِّي المشكِك، ومن جعله بسيطاً جعله كالمتواطىء، لا تفاوت في صِدْقِهِ على أفراده. فظهر أن النزاعَ ليس لفظياً، فإنه بعيدٌ عن أئمة الدين، بل الاختلاف في تحقيق حقيقة الإيمان، أنها التصديق فقط أو المجموع، على حد نزاعهم في مُسمّى الصلاة أنها اسم للمجموع من الأركان إلى الآداب، أو اسم للأركان فقط؟ وسيأتي عن قريب.
ذِكْرُ الزِّيادَةِ والنُّقْصَان
واعلم أن نفي الزيادة والنقصان وإن اشتهر عن الإمام الأعظم، لكني متردد فيه بعد. وذلك لأني لم أجد عليه نقلاً صحيحاً صريحاً، وأما مانسب إليه في «الفقه الأكبر» فالمحدِّثون على أنه ليس من تصنيفه. بل من تصنيف تلميذه أبي مطيع البلخِي، وقد تكلم فيه الذهبي، وقال: أنه جَهْمِيٌّ. أقول: ليس كما قال، ولكنه ليس بحجةٍ في باب الحديث، لكونه غير ناقد. وقد رأيت عدة نُسخ للفقه الأكبر فوجدتُها كلها متغايرة. وهكذا «كتاب العالم والمتعلم» «والوسيطين» الصغير والكبير، كلها منسوبة إلى الإمام، لكن الصواب أنها ليست للإمام.
الجزء 1 · صفحة 80
أما الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى فإنه وإن نسب الزيادة والنقصان إلى إمامنا رحمه الله تعالى، لكنّ في طبعه سَوْرَةٌ وحِدَّة، فإذا عَطَفَ إلى جانب عَطَفَ ولا يبالى، وإذا تصدى إلى أحد تصدى ولا يُحاشي، ولا يُؤمَنُ مثله من الإفراط والتفريط، فالتردد في نقله لهذا، وإن كان حافظاً متبحراً. ونقل في «شرح عقيدة الطحاوي» بسند أبي مطيع البَلْخي عن النبي صلى الله عليه وسلّمما معناه: أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص. قال ابن كثير: وفي إسناده كلهم مجروحون. ورأيتُ هذا الحديث في «الميزان» في ترجمة البَلخي، فأسقطه الذهبي. ثم رأيت في «طبقات الحنفية» تحت ترجمة: إبراهيم بن يوسف تلميذ أبي يوسف، وأحمد بن عمران، أنهما كانا يقولان: بزيادة الإيمان ونقصانه، مع كونهما من كبار الحنفية. فهذا أيضاً كان يَرِيبُني.
ولما انعدمت النقول الصحيحة عن الإمام رضي الله تعالى عنه كِدْت أن أنفي عنه تلك النسبة، غير أني رأيت أن أبا عمرو المالكي نسبه في «شرح الموطأ» إلى شيخ إمامنا حَمّاد، وهو من المتقنين المتثبتين في باب النقل، فلا مناص من تسليم تلك النسبة أما المحدثون فكلهم إلى أن الإيمانَ يزيد وينقص. وأثبت شيء في هذا الباب عقيدة الطحاوي، فإنه كتب في أوله أنه يكتبُ فيه عقائد الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى وأبي يوسف رحمه الله تعالى. وأحسن شروحه شرح القُونوي، وهو حنفي المذهب، تلميذ ابن كثير. ويُستفاد منه أن الإمام رحمه الله تعالى إنما نفى الزيادة والنقصان في مرتبة محفوظة، كما سيأتي ولم ينفي مطلقاً، وكيف ما كان سلمت القول المذكور.
فنقول: إنّ الزيادةَ والنقصان في الإيمان يحتمل أربعةَ معانٍ:
الأول: الزيادة والنقصان في نفس الإيمان.
والثاني: الزيادة والنقصان في الإيمان باعتبار التصديق.