تحقيق الآمال في جواز ..........
. إخراج صدقة الفطر بالمال
جارٍ تحميل الكتاب…
تحقيق الآمال في جواز ..........
. إخراج صدقة الفطر بالمال
تحقيق الآمال
في جواز إخراج صدقة الفطر بالمال
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يهده الله فهو المهتد، ومَن يضلله فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله بعثه بالحنيفية السمحة، مبلغاً وهادياً ومرشداً وميسراً، وعلى آله وصحابته الكرام البررة، وعلى مَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فمن سنن الله عز وجل في إعمار هذا الكون وديمومة الحياة عليه التدافع بين مخلوقاته أجمع، ومن ذلك ظهور أقوام ليس لهم شغل شاغل إلا فتنة العوام في دينهم، وإرباكهم في أحكامه؛ لتمسكهم بظواهر من النصوص دون تمحيص لمعانيها ومبانيها، وعرضها على غيرها من الأدلة الشرعية، مما جعلهم يتخبطون ويتيهون في معرفة أحكام الشرع المبين، وما ذاك إلا لتركهم هدي نبيهم - صلى الله عليه وسلم - وصحابته والتابعين لهم ومن تبعهم، الذين اقتدى كل منهم بمن سبقه واقتفى أثره، في العلم والتعليم.
ولما كانت مسألة جواز إخراج القيمة في صدقة الفطر من المسائل التي يثيرون الضجيج حولها كل عام في رمضان مخالفين في ذلك للعقل والبرهان، ومتمسكين بظواهر للنصوص لا تسعفهم في تحقيق المرام، وقد تصدى لتعريتها محدث العصر، وخاتمة الحفاظ، السيد أحمد الصديق الغماري في كتابه «تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال»، فأتى بالحجج الساطعة من
القرآن والسنة وعمل الصحابة والتابعين وفقهاء الدين على ذلك، بما يرفع شك كلّ قارئ في صحة وجواز إخراج القيمة في عصرنا بعدما تبدل الحال، وتغير الزمان، وانتشر المال، وعسر الحصول على الأطعمة المنصوص عليها.
وهذه الطبعة للكتاب هي الثالثة، إذ أنه طبع أول مرّة في حياة المؤلف (1362هـ) بالمطبعة المهدية بتطوان في المغرب، واعتمدت في تحقيق الكتاب على هذه الطبعة؛ لأنها طبعت في حياة المؤلف، وعلى نفقته الخاصة.
والطبعة الثانية بتحقيق نظام بن محمد صالح يعقوبي سنة (1409هـ) في مصر.
والطبعة الثالثة هي التي بين أيدينا، دفعنا إليها نشر العلم الشرعي بين المسلمين، لا سيما لما سبق أن قلنا أن هذه المسألة من المسائل التي يعاني المسلمون منها كل عام، بسبب ما يثار حولها من الشكوك، فما أحوجنا إلى نشر هذا الكتاب، وإيصاله إلى كل طالب علم؛ لننتهي من هذه البلبلة المفتعلة؛ وليتفرغ المسلمون لعبادة ربهم والقيام بالدعوة في سبيله بدل الاشتغال بالفتن والقيل والقال، مما لا فائدة فيه إلا تشكيك الناس في دينهم وعلمائه.
وتتميماً للفائدة قدمت بين يدي النص المحقق بتمهيد في ترجمة المؤلف، وتمهيد في اختصار ما ورد في الرسالة من الأدلة على جواز إخراج القيمة تسهل على القارئ الكريم الاطلاع عليها في دقائق معدودات، وتمهيد في أحكام صدقة الفطر على المذهب الحنفي الذي يتخرج عليه جواز إخراج القيمة، سائلاً المولى عز وجل أن يكون هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم،
وأن يتقبله مني ويجعله في ميزان حسناتي، وأن يغفر لي ولوالديّ وشيوخي وزوجي والمسلمين والمسلمات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
6/شوال/1425هـ
الموافق 19/تشرين الثاني/2004م
الأردن/عمان/صويلح
التمهيد الأول
ترجمة المؤلف (¬1)
أولاً: اسمه ونسبه وكنيته ولقبه:
السيد شهاب الدين، أبو الفيض وأبو الخير، أحمد بن محمد بن الصديق بن أحمد بن محمد بن قاسم بن محمد بن محمد بن عبد المؤمن، ينتهي نسبه إلى إدريس الأكبر ـ فاتح المغرب ـابن عبد الله الكامل ابن الحسن المثنى ابن الحسن السبط ابن سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
ونسبه من جهة أمه ينتهي إلى إدريس الأكبر، وهي حفيدة الإمام المفسر العارف أحمد بن عجيبة الحسني (ت 1224 هـ).
¬
(¬1) هذه الترجمة اقتبستها من ترجمته في بداية كتابه: درء الضعف عن حديث من عشق فعف ص 10 - 13، ومن ترجمته في بداية تحقيق الآمال ص 13 - 27، ومن أراد التفصيل في ترجمته فليراجع: الأنيس والرفيق في ترجمة الشيخ أحمد الصديق لتلميذه عبد الله التليدي، وتشنيف الأسماع بشيوخ الإجازة والسماع لمحمود سعيد ممدوح، وإسعاف الإخوان الراغبين بتراجم ثلة من علماء المغرب المعاصرين لابن الحاج السلمي، البحر العميق في مرويات ابن الصديق للمؤلف، وهو مخطوط بخطه في جزئين.
ثانياً: مولده وطلبه للعلم:
ولد سنة (1320 هـ) بقبيلة بني سعيد، وهي قريبة من قبيلة غمارة، وبدأ بحفظ القرآن الكريم عند بلوغه الخامسة من عمره، وبعد أن أكمل حفظه وجوَّده، حفظ «الآجرومية»، و «المرشد المعين»، و «بلوغ المرام»، و «ألفية ابن مالك»، و «الجوهرة»، و «مختصر خليل»، وغيرها.
ثم اشتغل بالدرس فحضر دروس شيخه وتلميذ والده العربي بن أحمد بودرة، ودروس الفقيه أحمد بن عبد السلام العبادي.
وفي سنة (1339 هـ) وصل للقاهرة للدراسة على علماء الأزهر المعمور حسب توجيهات والده، فقرأ على الشيخ محمد إمام السقا الشافعي كتباً عديدة، وتتلمذ على شيخ الشافعية محمد بن سالم الشرقاوي، والشيخ محمد السمالوطي المالكي، وشيخ المالكية أحمد بن نصر العدوي، وفقيه العصر الشيخ محمد بخيت المطيعي الحنفي، والشيخ عمر حمدان المحرسي، والشيخ محمد حسنين مخلوف المالكي، والشيخ محمد شاكر المالكي، والشيخ محمود خطاب السبكي المالكي، والشيخ ياسين الجندي، والشيخ حسن حجازي.
وأخذ عن المحدث محمد بن جعفر الكتاني، والسيد محمد بن إدريس القادري، ومسند العصر أحمد رافع الطهطاوي الحنفي، وشيخ علماء الشام بدر الدين البيباني، وغيرهم.
أقبل المترجم أثناء إقامته في القاهرة على مطالعة كتب الأصول وحده، وانقطع في منزله لمطالعة الحديث والاعتناء به حفظاً وتخريجاً ونسخاً، ومكث في منزله سنتين لا يخرج إلا للصلوات، ولا ينام الليل حتى يصلي الضحى،
وشرع في كتابة تخريجه الموسع على «مسند الشهاب» الذي سماه «فتوحات الوهاب»، وهو في مجلدين.
ثم أقام في المغرب حوالي أربع سنوات، أقبل فيها على الاشتغال بالحديث حفظاً ومطالعة، وتصنيفاً وتدريساً، وألف شرحاً كبيراً على رسالة ابن أبي زيد القيرواني ذكر فيه لكل مسألة أدلتها من الكتاب والسنة، وسماه: «تخريج الدلائل لما في رسالة القيرواني من الفروع والمسائل»، كتب منه مجلداً ضخماً إلى كتاب النكاح، ثم عدل عن التطويل، فكتب كتاباً مختصراً سماه: «مسالك الدلالة على متن الرسالة»، تمّ في مجلد.
ثم رجع إلى القاهرة سنة (1349 هـ) فألف عدّة مصنفات تدل على براعته، وتردد عليه علماء الأزهر للزيارة والاستفادة رغم صغر سنه، وجلس للإملاء بمسجد الحسين، ومسجد الكخيا، واحتاجه مشايخه كالشيخ بخيت، واللبان، والخضر حسين، وعبد المعطي السقا، وأحمد الطهطاوي، وعمر حمدان، ويوسف الدجوي، غيره.
وفي سنة (1354 هـ) رجع إلى المغرب بسبب وفاة والده فاستلم الزاوية وقام بالخلافة عن والده، واعتنى بالتدريس والإملاء، وكان صاحب دعوة بين الناس.
وكان يحارب السفور والمدارس العصرية والتشبه بالكفار، وله في ذلك جزء سماه: «الاستنفار لغزو التشبه بالكفار».
ثالثاً: جهاده وحجه ووفاته:
حارب الاستعمار، وسعى في إخراجه من المغرب، وقام بثورتين ضد الإسبان، سنة (1355 هـ) وسنة (1369 هـ)، وانتهت الأخيرة بالحكم عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات ونصف، ثم حدد إقامته في طنجة بعد خروجه إلى غير ذلك.
وبعد خروجه من المعتقل زاد إيذاؤه من قبل الاستعمار تارة والحزبيين تارة أخرى ففضل مغادرة المغرب إلى مصر (1377 هـ)، واستقبل فيها بكل إجلال وإكرام واشتغل بالتصنيف.
وخرج إلى الحجاز حاجاً ومعتمراً مرتين، ودخل دمشق وحلب وزار السودان.
وبعد رجوع إلى القاهرة مرض مرضاً شديداً، وفي يوم الأحد غرّة جمادى الثانية سنة (1380 هـ) انتقل إلى رحمة ربه، رحمه الله رحمة واسعة.
رابعاً: مؤلفاته:
نافت مؤلفاته على مئتين وخمسين مؤلفاً، وطبع منها خمسة وأربعون مؤلفاً، ومن مصنفاته:
1. إبراز الهم المكنون من كلام ابن خلدون، طبع بدمشق.
2. الاستعاذة والحسبلة ممن صحح حديث البسملة، طبع بمصر.
3. إرشاد المربعين إلى طرق حديث الأربعين، طبع بمصر.
4. إزالة الخطر عمن جمع بين الصلاتين في الحضر، طبع بمصر.
5. إحياء المقبور بأدلة بناء المساجد والقباب على القبور، طبع بمصر.
6. إقامة الدليل على حرمة التمثيل، طبع بمصر.
7. الإقليد في تنزيل كتاب الله على أهل التقليد.
8. الإفضال والمنة برؤية النساء لله في الجنة.
9. إياك من الاغترار بحديث اعمل لدنياك.
10. الاسهاب في الاستخراج على مسند الشهاب، مجلدان.
11. اختصار مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا.
12. الأخبار المسطورة في القراءة في الصلاة ببعض السورة.
13. الاستفاضة بحديث وضوء المستحاضة.
14. الأربعون المتتالية بالأسانيد العالية، مجلد.
15. الإشراف بتخريج الأربعين المسلسلة بالأشراف.
16. إظهار ما كان خفياً من بطلان حديث: (لو كان العلم بالثريا).
17. الأمالي المستظرفة على الرسالة المستطرفة في أسماء كتب السنة المشرفة.
18. الإلمام بطرق المتواتر من حديثه - عليه السلام -.
19. الأمالي الحسينية.
20. الأجوبة الصارفة لإشكال حديث الطائفة.
21. الائتساء بإثبات نبوة النساء.
22. إسعاف الملحين ببيان حال حديث: (إذا ألف القلب الإعراض عن الله ابتلي بالوقيعة في الصالحين).
23. الإجازة للتكبيرات السبع على الجنازة.
24. اغتنام الأجر على تصحيح حديث: (أسفروا بالفجر).
25. إيضاح المريب من تعليق إعلام الأريب.
26. البرهان الجلي في تحقيق انتساب الصوفية إلى علي. مجلد.
27. بيان الحكم المشروع في أن الركعة لا تدرك بالركوع. مجلد.
28. بيان غربة الدين بواسطة العصريين المفسدين.
29. البيان والتفصيل لوصل ما في الموطأ من البلاغات والمراسيل.
30. بذل المهجة، منظومة تائية في ستمئة بيت في التاريخ.
31. تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال، طبع بتطوان.
32. تحسين الفعال بالصلاة في النعال، طبع بمصر.
33. تشنيف الآذان باستحباب السيادة في اسمه - صلى الله عليه وسلم - في الأذان، طبع بمصر.
34. التصور والتصديق بأخبار الشيخ محمد بن الصديق، طبع بمصر.
35. توجيه الأنظار لتوحيد العالم الإسلامي في الصوم والإفطار، طبع بمصر.
36. تبيين البلة ممن أنكر حديث: (ومن لغا فلا جمعة له).
37. تعريف المطمئن بوضع حديث: (دعوه يئن).
38. تعريف الساهي اللاهي بتواتر حديث: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله).
39. تخريج الدلائل لما في رسالة القيرواني من الفروع والمسائل، تم منه جزآن.
40. تحفة الأشراف بإجازة الحبيب السقاف.
41. تبيين المبدأ في طرق حديث: (بدأ الدين غريباً وسيعود كما بدأ).
42. تحسين الخبر الوارد في الجهاد الأكبر.
43. التعريف لما أتى به حامد الفقي في تصحيح الطبقتين خاصة من التصحيف: أي طبقات الحنابلة وذيلها.
44. جؤنة العطار في طرف الفوائد ونوادر الأخبار، تم منه مجلدان وبعض الثالث.
45. جهد الإيمان بطرق حديث الإيمان.
46. جمع الطرق والوجوه لحديث: (اطلبوا الخير عند حسان الوجوه).
47. الجواب المفيد للسائل المستفيد.
48. الحنين بوضع حديث الأنين.
49. حصول التفريج بأصول العزو والتخريج.
50. درء الضعف عن حديث: (من عشق فعف). طبع بمصر في دار الإمام الترمذي ودار المصطفى.
51. دفع الرجز بطرق حديث: (أكرموا الخبز).
52. رفع شأن المنصف السالك وقطع لسان المتعصب الهالك في سنية القبض في الصلاة عند مالك، طبع بمصر.
53. رياض النزيه في فضل القرآن وفضل حامليه، مجلد.
54. الرغائب في طرق حديث: (ليبلغ الشاهد منكم الغائب).
55. رفع المنار لحديث: (من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار).
56. رفض اللي بتواتر حديث: (من كذب علي).
57. الزواجر المقلقة لمنكر التداوي بالصدقة.
58. زجر من يؤمن بطرق حديث: (لا يزني الزاني وهو مؤمن).
59. سبل الهدى في إبطال حديث: (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا)، طبع بتطوان وبمصر.
60. سبحة العقيق في ترجمة الشيخ سيدي محمد بن الصديق، مجلد.
61. شوارق الأنوار المنيفة بظهور النواجذ الشريفة، طبع بمصر.
62. شهود العيان بثبوت حديث: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان).
63. شمعة العنبر ببدعة أذان الجمعة على المنارة وعند المنبر.
64. شرف الإيوان في حديث: (الممسوخ من الحيوان).
65. الصواعق المنزلة على من صححه حديث البسملة.
66. صفع التياه بإبطال حديث: (ليس بخيركم من ترك دنياه).
67. صلة الوعاة بالمرويات والرواة. تم منه مجلد.
68. صرف النظر عن حديث: (ثلاث يجلين البصر).
69. صدق اللهجة.
70. طباق الحال الحاضرة لخير سيد الدنيا والآخرة، طبع بمصر.
71. الطرق المفصلة لحديث أنس في البسملة.
72. طرفة المنتقي للأحاديث المرفوعة من زهد البيهقي.
73. عواطف اللطائف بتخريج أحاديث عوارف المعارف، مجلد.
74. العتب الإعلاني لموثق صالح الفلاني.
75. العقد الثمين في حديث: (إن الله يبغض الحبر السمين).
76. غنية العارف بتخريج أحاديث عوارف المعارف، وهو اختصار العواطف.
77. فتح الملك العلي بصحة حديث: (باب مدينة العلم علي)، طبع بمصر.
78. فصل القضاء في تقديم ركعتي الفجر على صلاة الصبح عند القضاء.
79. فتح الوهاب بتخريج أحاديث الشهاب، جزآن.
80. فك الربقة بطرق حديث: (الثلاث وسبعين فرقة).
81. قطع العروق الوردية من صاحب البروق النجدية.
82. كشف الرين في طرق حديث: (مر على قبرين).
83. الكملة في تحقيق الحق في أحاديث الجهر بالبسلمة.
84. كشف الخبي بجواب الجاهل الغبي.
85. كتاب الحسن والجمال والعشق والحب من الحاديث المرفوعة خاصة.
86. لب الأخبار المأثورة في مسلسل عاشوراء، طبع بطنجة.
87. لثم النعم بنظم الحكم لابن عطاء الله السكندري.
88. المنح المطلوبة في استحباب رفع اليدين في الدعاء بين المكتوبة، طبع بفاس.
89. مطالع البدور في بر الوالدين، طبع بطنجة ومصر.
90. المثنوني والبتار في نحر العنيد المعثار الطاعن فيما يصح من السنن والآثار، طبع بمصر.
91. مفتاح الترتيب لأحاديث تاريخ الخطيب، طبع بمصر.
92. مفتاح المعجم الصغير للطبراني.
93. المداوي لعلل المناوي في شرحيه على الجامع الصغير، في ستة مجلدات.
94. المستخرج على الشمائل الترمذية، مجلد.
95. المؤانسة بالمرفوع من حديث المجالسة للدينوري.
96. المعجم الوجيز للمستجيز، طبع بمصر.
97. مسالك الدلائل على مسائل الرسالة لابن أبي زيد القيراوني، طبع مصر.
98. المسهم بطرق حديث: (طلب العلم فريضة على كل مسلم).
99. المنتده بتواتر حديث: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده).
100. موارد الأمان بطرق حديث: (الحياء من الإيمان).
101. المناولة في طرق حديث المطاولة.
102. مسامرة النديم بطرق حديث: (دباغ الأديم).
103. مجمع فضلاء البشر من أهل القرن الثالث عشر، تم منه مجلد كبير إلى حرف العين.
104. مناهج التحقيق في الكلام على سلسلة الطريق.
105. المغير على الأحاديث الموضوعة في الجامع الصغير، طبع بمصر.
106. مسند الجن.
107. المؤذن في أخبار سيدي أحمد بن عبد المؤمن.
108. الميزانيات.
109. منية الطلاب بتخريج أحاديث الشهاب، مجلد.
110. نفث الروع بأن الركعة لا تدرك بالركوع.
111. نيل الحظوة بقيادة الأعمى أربعين خطوة.
112. نصب الجرة لنفي الإدراج عن الأمر بإطالة الغرة.
113. هداية الرشد لتخريج أحاديث «بداية المجتهد».
114. هداية الصغراء بتصحيح حديث التوسعة على العيال يوم عاشوراء، طبع بمصر.
115. الهدي المتلقي من حديث: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً).
116. وشي الإهاب بالمستخرج على «مسند الشهاب»، ثلاث مجلدات.
117. وسائل الخلاص في تحريف حديث: (من فارق الدنيا على الإخلاص).
• • •
التمهيد الثاني
خلاصة المقال في جواز
إخراج زكاة الفطر بالمال (¬1)
كثر السؤال والقيل والقال في جواز إخراج صدقة الفطر بالمال؛ لما ظهر من تشديد بعض الناس، وحمل المسلمين على مرادهم، مع أنها من المسائل الفقهية المختلف فيها بين الفقهاء، وللتيسير ورفع الحرج فيها مجال، لا سيما في زماننا بعد أن انتشر المال، وقلّ المنصوص عليها من القمح والشعير بين الناس، كيف وقد أقرّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - أخذ القيمة في الزكاة، وكان عمل الخلفاء الراشدين كعمر - رضي الله عنه - وعلي - رضي الله عنه - وغيرهما من كبار الصحابة على ذلك، ومشى العمل على ذلك في زمن الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه -، وكانت الفتوى على ذلك في الخلافة العباسية وغيرها حتى في أيام السلطة
¬
(¬1) هذه الخلاصة تمثل تلخيص ما ورد في هذه الرسالة القيمة، وقد استخرجتها منها؛ لتيسير نشرها وتوزيعها بين المسلمين؛ لسهولة ويسر الاطلاع عليها لكل مسلم، وقد نشرت في جريدة الغد في الأردن في يوم الخميس 28/رمضان/1425 هـ الموافق 11/تشرين الثاني/2004 م.
العثمانية التي حكمت المسلمين أكثر من خمس قرون متوالية؛ لأن الإفتاء والقضاء في غالب هذه الدول كان على المذهب الحنفي، وإخراج القيمة جائز عندهم.
فجمهور الفقهاء كان على جواز إخراج القيمة بالمال كأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن والطحاوي وكافة المجتهدين في المذهب الحنفي الذي قيل: إن ثلثي المسلمين على هذا المذهب، كيف وقد وافقهم الثوري وابن راهويه وأبو ثور والإمام الناصر والمؤيد بالله من أئمة الزيدية، كما هو مذهب بقية أهل البيت، وقال به جماعة من المالكية كابن حبيب وأصبغ وابن أبي حازم وابن دينار وابن وهب وهو وجه للشافعي، ورواية عن أحمد وهو مذهب البخاري واختاره بعض الشافعية والحنابلة وغيرهم، ونصر هذا القول خاتمة الحفاظ السيد أحمد الصديق الغماري المالكي في رسالته التي بين أيدينا (¬1).
وتفصيل ما أجمل مع بيان الأدلة على ذلك فيما يلي ملخصاً:
1. إن عمل الصحابة - رضي الله عنهم - على جواز إخراج القيمة في صدقة الفطر: روى ابن أبي شيبة (¬2) عن أبي إسحاق السبيعي ـ وهو من مشاهير التابعين، وقد
¬
(¬1) ينظر: شرح الوقاية ص 229، وزكاة الفطر أحكامها ونوازلها ص 124، وتحقيق الآمال، وغيرها.
(¬2) في مصنفه 2: 398.
أدرك علياً - رضي الله عنه - وجماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - ـ يقول: ((أدركتهم ـ أي الصحابة ـ وهم يعطون في صدقة الفطر الدراهم بقيمة الطعام)).
ولم يكن أخذه - رضي الله عنهم - القيمة مقتصراً صدقة الفطر بل شاملاً للزكاة وغيرها، ومن ذلك:
أ ما رواه ابن أبي شيبة (¬1): ((قال بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معاذاً - رضي الله عنه - إلى اليمن فأمره أن يأخذ الصدقة من الحنطة والشعير، فأخذ العروض والثياب من الحنطة والشعير))، وأخذه العروض والثياب هو أخذ بالقيمة؛ إذ قدروا كم تكون الزكاة في الحنطة والشعير وأخذوا بقيمتها من العروض والثياب، وسيأتي أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أقره على ذلك.
ب إن عمر - رضي الله عنه -: ((كان يأخذ العروض في الصدقة من الورق وغيرها)) (¬2)، والورق: أي الفضة؛ إذ كان - رضي الله عنه - يأخذ قيمة صدقة الفضة عروضاً.
ت إن علياً - رضي الله عنه -: ((كان يأخذ العروض في الجزية من أهل الإبر الإبر، ومن أهل المال المال، ومن أهل الحبال الحبال)) (¬3)؛ إذ أنه - رضي الله عنه - كان يأخذ قيمة الجزية من كل قوم بما يناسبهم.
¬
(¬1) في مصنفه 2: 404.
(¬2) في مصنف ابن أبي شيبة 2: 404.
(¬3) في مصنف ابن أبي شيبة 2: 404.
قال الإمام أبو عبيد (¬1) بعد ذكر الروايات السابقة: ((قد رخصا ـ أي عمر وعلي - رضي الله عنهم - ـ في أخذ العروض والحيوان مكان الجزية، وإنّما أصلها الدراهم والدنانير والطعام، وكذلك كان رأيهما - رضي الله عنهم - في الديات من الذهب والورق والإبل والبقر والغنم والخيل، وإنما أرادا التسهيل على الناس فجعلا على أهل كل ما يمكنهم))، فهذان الصحابيان المبشران بالجنة والوارد في فضلهما أحاديث كثيرة قبلا من المسلمين دفع القيمة في كلّ صدقة وزكاة ودية وغيرها، أفلا يرضى المسلمون بما رضيا لهما، مع ما سبق وسيأتي أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - رضي بذلك لأمته.
وقال الإمام المحدث الفقيه بدر الدين العَيْني (¬2): ((واعلم أن دفع القيمة في الزكاة جائز عندنا، وكذا في الكفارة وصدقة الفطر والعشر والخراج والنذر، وهو قول عمر وابنه عبد الله وابن مسعود وابن عباس ومعاذ وطاوس - رضي الله عنهم -، وقال الثوري: يجوز إخراج العروض في الزكاة إذا كانت بقيمتها، وهو مذهب البخاري، وإحدى الروايتين عن أحمد، ولو أعطى عرضاً عن ذهب وفضة، قال: أشهب يجوز، وقال الطرطوشي: هذا قول بيِّن في جواز إخراج القيم في الزكاة، قال وأجمع أصحابنا ـ من المالكية ـ على أنه لو أعطى فضة عن ذهب أجزأه، وكذلك إذا أعطى درهماً عن فضة عند
¬
(¬1) في كتاب الأموال ص 510.
(¬2) في عمدة القاري شرح صحيح البخاري 9: 8.
مالك - رضي الله عنه - ... وهو وجه للشافعية، وأجاز ابن حبيب دفع القيمة إذا رآه أحسن للمساكين)).
2. إن على إخراج القيمة عمل الأئمة من فضلاء التابعين الذين شهد لهم
باتباع بهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وهدي الخلفاء الراشدين هو الأمر بإخراج المال بدل الطعام في صدقة الفطر، فها هو الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - يأمر ولاته في دولته بأخذ المال في صدقة الفطر، فروى وكيع عن قرة قال: ((جاءنا كتاب عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - في صدقة الفطر نصف صاع عن كل إنسان أو قيمته نصف درهم)) (¬1)، وروى عن ابن عون قال: ((سمعت كتاب عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - يقرأ إلى عدى بالبصرة يُؤخذ من أهل الديوان من أعطياتهم عن كلّ إنسان نصف درهم)) (¬2) يعني في زكاة الفطر.
3. إن إجزاء القيمة عن المال هو قول كبار التابعين؛ كالحسن البصري العالم الزاهد المشهور؛ إذ روي عنه أنه قال: ((لا بأس أن تعطى الدرهم في صدقة الفطر)) (¬3).
4. إن الأصل في الصدقة المال، قال - جل جلاله -: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} (¬4)، قال ابن الأثير - رضي الله عنه -: ((المال في الأصل ما يملك من الذهب والفضّة، ثم أطلق على
¬
(¬1) في مصنف ابن أبي شيبة 2: 298، وغيره.
(¬2) في مصنف ابن أبي شيبة 2: 298، وغيره.
(¬3) في مصنف ابن أبي شيبة 2: 298، وغيره.
(¬4) التوبة 103.
كل ما يُقتنى ويُملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق عند العرب على الإبل؛ لأنها كانت أكثر أموالهم)) (¬1).
وبيان الرسول - صلى الله عليه وسلم - الصدقة بالتمر، أو الشعير، أو الأقط، أو الزبيب؛ إنما هو للتيسير ورفع الحرج، لا لتقييد الواجب وحصر المقصود فيه؛ لأن أهل البادية وأرباب المواشي تعزّ فيهم النقود، وهم أكثر مَن تجب عليه الزكاة، فكان الإخراج ممَّا عندهم أيسر عليهم؛ فلذلك فرض على أهل المواشي أن يتصدّقوا من ماشيتهم، وعلى أهل الحب أن يتصدّقوا من حبّهم، وعلى أهل الثمار من ثمارهم، وعلى أهل النقد من نقدهم، تيسيراً على الجميع؛ ولئلا يُكَلَّفَ أحدٌ استحضارَ ما ليس عنده مع اتحاد المقصد في الجميع وهو مواساة الفقراء.
5. إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ القيمة في صدقة الزكاة، من ذلك أنه قال لمعاذ - رضي الله عنه - عند بعثه إلى اليمن: (خذ الحب من الحب والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقرة من البقر) (¬2)، ومع هذا التعيين الصريح منه - صلى الله عليه وسلم -، إلا أن معاذاً - رضي الله عنه - قال لأهل اليمن: ((ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان
¬
(¬1) ينظر: لسان العرب 6: 4300، وغيره.
(¬2) في المستدرك 1: 546، وصححه، وسنن أبي داود 2: 109، وسنن ابن ماجة 1: 508.
الشعير)) (¬1)، لعلمه - رضي الله عنه - أن المرادَ سد حاجة الفقراء لا خصوص هذه الأعيان، ولذلك قال - رضي الله عنه -: ((فإنّه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة)) (¬2)، وأقره النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك، ولو كان خلاف الشرع المفترض لما أقرّه، ولأمره برد ذلك إلى أهله ونهاه عنه.
6. إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (في خمس من الإبل شاة) (¬3) وكلمة في حقيقة للظرف، وعين الشاة لا توجد في الإبل، فلما أجاز - صلى الله عليه وسلم - إخراجها من الإبل، وليست الشاة من الإبل، دلّ ذلك على المراد قدرها من المال، ومَن أراد الاستفاضة في الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في جواز إخراج القيمة فليراجع ((تحقيق الآمال)) (¬4).
7. إن ثبت جواز أخذ القيمة في الزكاة المفروضة في الأعيان كالمواشي، فمن باب أولى جواز أخذ القيمة في صدقة الفطر المفروضة على رقاب المسلمين الكبير والصغير، وقد اقتضت حكمة الشرع أمر الناس بإخراج الطعام؛ ليتمكن جميعهم من أداء ما فرض عليهم، ولا يحصل ذلك في زمن الصحابة في النقود؛ لأنها كانت نادرة لا سيما في البوادي، فلو كان الأمر بإعطاء النقود لتعذر الأمر في إخراجها بالكلية على الفقراء، ولتعسر على كثير من الأغنياء الذي كان غناهم بالمواشي، وهذا على عكس ما في زماننا من
¬
(¬1) في صحيح البخاري 2: 525، وغيره.
(¬2) في سنن الدارقطني 2: 100، وغيره.
(¬3) في المستدرك 1: 549، وجامع الترمذي 3: 17، وسنن أبي داود 2: 98، وغيرها.
(¬4) ص 48 - 59.
تيسر النقود في أيدي الناس، وتعسر توفر القمح والشعير إلا عند خواص المؤمنين.
8. إن النبي - صلى الله عليه وسلم - غاير بين القدر الواجب من الأعيان المنصوص عليها، مع تساويها في كفاية الحاجة، فأوجب من التمر والشعير صاعاً، ومن البرّ نصف صاع، وذلك لكونه أعلى ثمناً لقلته بالمدينة في عصره، فدل أنه اعتبر القيمة، ولم يعتبر الأعيان، ولو اعتبرها لسوّى بينها في المقدار، ويؤيد هذا الفهم ما رواه ابن عمر - رضي الله عنه - قال: (كان الناس يخرجون صدقة الفطر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاعاً من شعير أو تمر ... ، فلما كان عمر - رضي الله عنه - وكثرت الحنطة جعل عمر نصف صاع حنطة مكان صاع من تلك الأشياء) (¬1)، وأن علياً - رضي الله عنه - ((لما قدم المدينة ورأى رخص السعر، قال: قد أوسع الله عليكم، فلو جعلتموه صاعاً من كل شيء)) (¬2) فدل ذلك على أن العبرة هي التيسير على الناس، وإخراج ما فيه مصلحة للفقراء، وأي مصلحة هذه الأيام في القمح والشعير، وقد تغير الزمان، وصار اعتماد الناس على المخابز الآلية، وأصبح وجود القمح نادراً بين الناس؛ لأنهم لا يستعملونه، فإخراج هذه الأعيان ذاتها أصبح فيه عسر، ولا مصلحة فيه إلا للتجار؛ لأنهم سيبيعونه بثمن غال، ويشترونه من الفقراء بثمن بخس.
¬
(¬1) في سنن أبي داود 2: 122، وغيره.
(¬2) في سنن أبي داود 2: 114، وغيره.
9. إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أغنوهم عن الطواف هذا اليوم) (¬1). فصرح النبي - صلى الله عليه وسلم -
بعلة وجوب الصدقة وهي إغناء الفقراء يوم العيد، وأفضل شيء في إغناء الفقراء هو توفير النقد لهم في زماننا؛ لأنه الأصل الذي يتوصّل به إلى كلّ شيء من ضروريات الحياة، بخلاف عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان الطعام أفضل في إغناء الفقراء عن الطواف، وكانوا يتبادلون السلع بعضها ببعض، أضف إلى ذلك الإغناء بيوم العيد؛ ليعم السرور جميع المسلمين، وهذا المعنى لا يحصل اليوم بإخراج الحب الذي ليس هو طعام الفقراء والناس كافة، ولا في إمكانهم الانتفاع به ذلك اليوم، وإنما يحصل المقصود بإخراج المال الذي ينتفع به الفقير في الحال، فكان إخراجه هو الأولى والأفضل. وأيضاً: إن الفقراء يحتاجون إلى الملابس، فلا يحصل لهم الإغناء بإخراج الطعام؛ لانعدام المبادلة في زماننا، وإنما يحصل الإغناء بالنقود؛ إذ يمكنهم شراء ما يحتاجون.
10. إنه - صلى الله عليه وسلم - فرض زكاة الفطر طعمة للمساكين، فعن ابن عباس - رضي الله عنهم -، قال: (فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين مَن أدّاها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومَن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات) (¬2)، ومعلوم أن الطعمة لا تحصل للمسلمين في
¬
(¬1) في طبقات ابن سعد 1: 248، ومعرفة علوم الحديث ص 131، وسنن الدارقطني 2: 152، وغيرها.
(¬2) في سنن أبي داود 2: 111، وسنن ابن ماجة 1: 585، والمستدرك 1: 598، وصححه الحاكم.
زماننا بإخراج البُر، والشعير، والتمر، والزبيب، كما تحصل لهم بإخراج النقد؛ لأنه يمكن أن يطعم ما يريد من أصناف المأكولات؛ لانتشار المال، واعتماد الناس عليه في التبادل، بخلاف الزمان الأول.
11. إن النبي - صلى الله عليه وسلم - عيَّن الطعام في زكاة الفطر لنُدْرَته بالأسواق في تلك الأيام، وشدة احتياج الفقراء إليه، فإن غالب المتصدّقين في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - ما كانوا يتصدّقون إلا بالطعام، فكان - صلى الله عليه وسلم - كلما حثّ الناس على الصدقة بمناسبة قدوم فقراء أو ضيوف بادروا إلى الإتيان بالطعام لمسجده - صلى الله عليه وسلم -، قال - جل جلاله -: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} (¬1)، وقال - جل جلاله -: {وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} (¬2)، ولم ينقل أنهم كانوا يتصدقون بالمال إلا على سبيل الندرة؛ لحاجة الفقراء إلى الطعام واللباس لا إلى المال، أما الآن فحاجة الفقراء إلى المال؛ لحصول الكفاية لهم به.
12. إنه - جل جلاله - قال: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} (¬3)، والمال هو المحبوب اليوم، فكثير من الناس يهون عليهم إطعام والطعام، وعمل الولائم، ويصعب عليه ثمن ذلك للفقراء، والحال في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - على خلاف ذلك؛ لذلك كان إخراج الطعام في عصرهم أفضل.
¬
(¬1) الإنسان:8.
(¬2) الحاقة:34.
(¬3) آل عمران: من الآية 92.
13. إن الزكاة وجبت على كل أحد من ماله الذي عنده، لا يكلف استحضار غيره، كما في الأحاديث السابقة، والذي عند الناس اليوم هو النقد، فالواجب عليهم الإخراج مما عندهم، ولا يكلفون استحضار الحب الذي ليس عندهم.
14. إن المنصوص عليه في صدقة الفطر هو بيان لقدر الواجب لا لعينه؛ إذ لو كان بياناً لعين الواجب لما خالفه الصحابة والتابعون والأئمة والفقهاء، فذكروا من الأعيان ما لم يرد به نص من الشارع، وإذا ثبت ذلك جاز إخراج المال؛ علماً أنه لا فارق بين زكاة الفطر وزكاة المال، فإما أن تجوز القيمة فيهما أو تمنع فيهما.
15. إن القاعدة الشرعية تقول: المشقة تجلب التيسير؛ ومعلوم أن إخراج الطعام فيه مشقة على المعطي في تحصيله، وعلى الفقير في الانتفاع منه وبيعه خصوصاً يوم العيد، وعلى فرض انتفاء المشقة فالحاجة قد تقوم مقام المشقة.
16. إن مراعاة المصالح من أعظم أصول الشريعة، وعلل أحكامها التي تنبني عليها، وإخراج المال في هذا العصر يجتمع في جلب المصلحة ودفع المفسدة؛ لأن إخراج الحب الذي فيه مصلحة مقرونة بمفسدة إضاعة المال؛ أن الفقراء سيبيعونه بأبخس الأثمان، فيضيع بذلك مال كثير يمكن للفقراء الاستفادة منه.
• • •
التمهيد الثالث
أحكام صدقة الفطر (¬1)
وتسمى زكاة الفطر، وزكاة رمضان، وزكاة الصوم، وصدقة الصوم، وصدقة الرؤس، وزكاة الأبدان (¬2).
أولاً: دليل وجوبها:
¬
(¬1) هذه الأحكام على المذهب الحنفي؛ لأن أتباعه هم غالبية المسلمين؛ ولأن جواز إخراج القيمة في صدقة الفطر قائل بها أصحاب هذا المذهب بلا نزاع ولا خلاف بينهم فيها، بخلاف المذاهب الأخرى؛ لذلك اخترنا عرض الأحكام الأخرى في صدقة الفطر طبقاً لما عليه العمل في هذا المذهب، والله الموفق.
(¬2) ينظر: معارف السنن 5: 299، وينظر: زكاة الفطر أحكامها ونوازلها المستجدة ص 83 - 138، وغيره.
أ عن بن عمر - رضي الله عنهم -: (إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين) (¬1)، ومعنى فرض: أي قدر أداء الفطر؛ لأن الفرض في اللغة التقدير، قال - جل جلاله -: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} (¬2): أي قدرتم.
ب عن عبد الله بن ثعلبة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (أدوا صاعاً من بر أو قمح بين اثنين أو صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير عن كل حر وعبد وصغير وكبير) (¬3).
ت عن ابن عمر - رضي الله عنهم -: (أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بصدقة الفطر عن كل صغير وكبير حراً أو عبد صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر فعدل الناس بعد بمدين من بر) (¬4).
ث إنها واجبةً لا فرضاً; لأن الفرض اسم لما ثبت لزومه بدليل مقطوع به، ولزوم هذا النوع من الزكاة لم يثبت بدليل مقطوع به، بل بدليل فيه شبهة العدم، وهو خبر الواحد (¬5).
ثانياً: شرائط الوجوب:
¬
(¬1) في صحيح مسلم 2: 677، واللفظ له، وصحيح البخاري 2: 547، وغيرهما.
(¬2) البقرة: من الآية 237.
(¬3) في سنن الدارقطني 2: 150، وغيره.
(¬4) في صحيح ابن خزيمة 4: 86، وصحيح ابن حبان 8: 94، وغيرهما.
(¬5) ينظر: بدائع الصنائع 2: 69، وغيره.
1. الإسلام؛ فلا تجب على الكافر; لأنه لا سبيل إلى الإيجاب في حالة الكفر; لأن فيها معنى العبادة حتى لا تتأدى بدون النية, والكافر ليس من أهل العبادة.
2. الحرية؛ فلا تجب على العبد؛ لأن الوجوب هو وجوب الأداء ولا سبيل إلى إيجاب الأداء على العبد; لأن العبد لا يكلف بأدائها في الحال ولا بعد العتق, وإيجاب فعل لا سبيل إلى أدائه رأساً ممتنع بخلاف الصبي الغني إذا لم يخرج وليه أنه يلزمه الأداء; لأنه يقدر على أدائه بعد البلوغ (¬1).
3. الغنى؛ فلا يجب الأداء إلا على الغني، بدليل:
أ عن أبي هريرة - صلى الله عليه وسلم -: (لا صدقة إلا عن ظهر غنى) (¬2)، وفي لفظ: (أفضل الصدقة أو خير الصدقة عن ظهر غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول) (¬3).
ب عن أبي صعير - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (أدوا زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير أو نصف صاع من بر أو قال قمح عن كل انسان صغير أو كبير ذكر أو أنثى حر أو مملوك غنى) (¬4).
¬
(¬1) ينظر: البدائع 2: 70، والوقاية ص 229، وغيرهما.
(¬2) في صحيح البخاري 2: 518 معلقاً، وغيره.
(¬3) في صحيح مسلم 2: 717، وغيره.
(¬4) في شرح معاني الآثار 2: 45، وغيره.
ت عن أبى هريرة - رضي الله عنه -، قال: (زكاة الفطر عن كل حر وعبد ذكر أو أنثى صغير أو كبير غنى) (¬1).
وحد الغنى الذي يجب به صدقة الفطر أن له نصاب الزكاة وإن لم ينم، والنماء يكون بالحول مع الثمنية أو السوم أو نية التجارة، والمراد بالنمو الحقيقي: وهو الزيادة بالتولد والتناسل والتجارات، أو النمو التقدير: وهو تمكنه من الزيادة بكون المال في يده أو يد نائيه (¬2).
فمَن كان له نصابُ الزَّكاة: أي نصابٌ فاضلٌ من حاجتِهِ الأصليِّة، بأن كان من أحدِ الثَّمنين، أو السَّوائم، أو مالِ التِّجارة تجبُ عليه الصَّدقة، وإن لم يحل عليه الحول، وإن كان من غيرِ هذه الأموال، كدارٍ لا يكونُ للسُّكنى ولا للتَّجارة، وقيمتُها تبلغ النِّصاب تجبُ بها صدقةُ الفطرِ مع أنه لا تجبُ بها الزَّكاة، وبهذا النصاب يحرم عليه أخذ الصدقة والزكاة التي مصارفها الفقراء، فهو نصاب حرمانِ بخلافِ نصابِ وجوبِ الزَّكاة، فإنه يشترط فيه النماء (¬3).
والغنى شرط الوجوب لا شرط بقاء الواجب حتى لو افتقر بعد يوم الفطر لا يسقط الواجب; لأن هذا الحق يجب في الذمة لا في المال، فلا يشترط لبقائه بقاء المال.
¬
(¬1) في شرح معاني الآثار 2: 45، وغيره.
(¬2) ينظر: التعليقات المرضية ص 198، وشرح الوقاية ص 229، وغيرهما.
(¬3) ينظر: الوقاية ص 229، وعمدة الرعاية 1: 302، وغيرهما.
ويخرج بشروط الوجوب:
العقل والبلوغ؛ فليسا من شرائط الوجوب، فتجب صدقة الفطر على
الصبي والمجنون (¬1) إذا كان لهما مال ويخرجها الولي من مالهما؛ لأنها ليست بعبادة محضة بل فيها معنى المؤنة.
ثالثاً: شرط وسبب وجوب الأداء عن غيره:
الأول: شرطه:
أن يكون مَن عليه الواجب عن غيره من أهل الوجوب على نفسه.
الثاني: سببه:
رأس يلزمه مؤنته ويلي عليه ولاية كاملة؛ لأن الرأس الذي يمونه ويلي عليه ولاية كاملة تكون في معنى رأسه في الذب والنصرة، فكما يجب عليه زكاة رأسه يجب عليه زكاة ما هو في معنى رأسه، فيجب عليه أن يخرج صدقة الفطر عن مماليكه الذين هم لغير التجارة؛ لوجود السبب، وهو لزوم المؤنة وكمال الولاية مع وجود شرطه سواء كانوا مسلمين, أو كفاراً؛ بدليل:
أ عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: (أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون) (¬2)، فهو عام يشمل المسلم والكافر.
¬
(¬1) وقال محمد وزفر: لا فطرة عليهما لأنها عبادة, والعبادات لا تجب على الصبيان, والمجانين كالصوم, والصلاة, والزكاة, ينظر: البدائع 2: 70، وغيره.
(¬2) في سنن البيهقي الكبير 4: 161، وسنن الدارقطني 2: 140، ومسند الشافعي ص 93، وغيرها.
ب عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: كان يخرج زكاة الفطر عن كل إنسان يعول من صغير و كبير حر أو عبد ولو كان نصرانياً مدين من قمح أو صاعاً من تمر (¬1).
ت عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: يخرج الرجل زكاة الفطر عن كل مملوك له، وإن كان يهودياً أو نصرانياً (¬2).
ث أنه وجد سبب وجوب الأداء عنه وشرطه.
وتفصيل ذلك فيما يلي:
الأول: مَن يلزمه الإخراج عنهم:
1. أولاده الصغار إذا كانوا فقراء؛ لأن نفقتهم واجبة على الأب وولاية الأب عليهم تامة, ولا يخرج الجد عن ابن ابنه الفقير الصغير حال عدم الأب أو حال كونه فقيراً؛ لأن ولاية الجد ليست بولاية تامّة مطلقة بل هي قاصرة (¬3).
¬
(¬1) قال الزيلعي في نصب الراية 2: 414: رواه الطحاوي في المشكل، وهو يصلح للمتابعة سميا من رواية ابن المبارك.
(¬2) في مصنف عبد الرزاق 3: 324، وغيره.
(¬3) هذا ما نص عليه الكاساني في البدائع 2: 70 - 71، وفي الهدية العلائية ص 213: والجد كالأب عند فقده، فلتحرر.
2. ولده الكبير المجنون.
3. خادمة المملوك له لو كان مدبراً (¬1) أو أم ولد (¬2) أو كافراً لعموم الأمر, ولا يجب عليه أن يخرج عن مكاتبه ولا عن رقيق مكاتبه; لأنه لا يلزمه نفقتهم وفي ولايته عليهم قصور ولا يجب على المكاتب أن يخرج فطرته عن نفسه ولا عن رقيقه؛ لأنه لا ملك له حقيقة; لأنه عبد ما بقي عليه درهم، والعبد مملوك فلا يكون مالكا ضرورة (¬3).
الثاني: مَن لا يلزمه الإخراج عنهم:
1. أولاده الصغار الأغنياء.
2. أولاده الكبار العقلاء سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً وإن كانوا في عياله بأن كانوا فقراء زمنى؛ لأن أحد شطري السبب وهو الولاية منعدم.
3. الحمل لانعدام كمال الولاية؛ لأنه لا يعلم حياته.
4. أبويه وإن كانا في عياله لعدم الولاية عليهما.
¬
(¬1) مُدَبَّراً: وهو العبد الذي أُعتِقَ عن دُبُر، أي بعد الموت، بأن قال له مولاه: إن مت فأنت حر، ودُبُرُ الشيءِ مؤخَّره. ينظر: طلبة الطلبة ص 53، 115.
(¬2) أمّ ولد: هي الأمة التي وطئها سيدها، فولدت له ولداً وادَّعى نسبه، فلا يجوز بيعها، وتكون حرَّة بعد وفاته. ينظر: شرح حدود ابن عرفة ص 528 - 529.
(¬3) ينظر: بدائع الصنائع 2: 70 - 71، والوقاية ص 230، والهدية العلائية ص 213، وغيرها.
5. زوجته؛ لأن شرط تمام السبب كمال الولاية وولاية الزوج عليها ليست بكاملة فلم يتم السبب؛ إذ لا يلي عليها في غير الحقوق الزوجية (¬1).
رابعاً: جنس الواجب وقدره وصفته ودليله:
الأول: جنسه وقدره:
نصف صاع (¬2) من حنطة، أو دقيق (¬3) حنطة، أو سويق (¬4) حنطة، أو زبيب (¬5)؛ لأن قيمة الزبيب تزيد على قيمة الحنطة في العادة، ثم اكتفي من الحنطة بنصف صاع فمن الزبيب أولى.
صاع من تمر، أو شعير، أو دقيق شعير، أو سويق شعير؛ ويجوز تأدية كل منها وإن كان رديئاً (¬6).
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار 2: 75، وبدائع الصنائع 2: 70 - 71، والوقاية ص 230.
(¬2) أي نصف صاع عراقي، وهو مَنَوان: والمَنّ، وهو ما يساوي: 8.1539 كيلو غرام. ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 26: 306، ومعجم لغة الفقهاء ص 460.
(¬3) دقيقه: أي طحينه. ينظر: مختار الصحاح (ص 208).
(¬4) سويقه: أي ما يتّخذ من البُرّ، وهو الناعم من الدقيق. ينظر: تاج العروس 25: 480، والتعليقات المرضية ص 213.
(¬5) وجعل أبو يوسف - رضي الله عنه - ومحمد - رضي الله عنه -: الزبيب كالتمر في وجوب صاع منه، وهي رواية الحسن عن الإمام، وصحّحها البهنسي، وغيره، وفي الحقائق، والشرنبلالية عن البرهان: وبه يفتى. ينظر: الدر المختار 2: 76، والدر المنتقى 1: 229، وفي مجمع الأنهر 1: 229: الأولى أن يراعى فيه القدر والقيمة.
(¬6) ينظر: رد المحتار 2: 364، وغيره.
وهذ الأشياء المنصوص عليه معلولة بكونها مالاً متقوماً على الإطلاق، وذكره - صلى الله عليه وسلم - المنصوص عليه للتيسير؛ لأنهم كانوا يتبايعون بذلك على عهده - صلى الله عليه وسلم - (¬1).
وأما الأقط (¬2) فتعتبر فيه القيمة لا يجزئ إلا باعتبار القيمة (¬3).
الثاني: صفة الواجب:
إن وجوب المنصوص عليه من حيث إنه مال متقوم على الإطلاق لا من حيث إنه عين فيجوز أن يعطي عن جميع ذلك القيمة دراهم, أو دنانير (¬4) , أو فلوساً, أو عروضاً, أو ما شاء؛ لأن الواجب في الحقيقة إغناء الفقير؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم) (¬5) , والإغناء يحصل بالقيمة بل أتم وأوفر; لأنها أقرب إلى دفع الحاجة، وبه تبيّن أن النص معلول بالإغناء وأنه ليس في تجويز القيمة يعتبر حكم النص في الحقيقة.
¬
(¬1) ينظر: شرح الوقاية ص 229، والبدائع 2: 72، وغيرهما.
(¬2) الأقط: قال الأزهري: يتخذ من اللبن المخيض يطبخ ثم يترك حتى يمصل. ينظر: المصباح ص 17، وغيره.
(¬3) ينظر: بدائع الصنائع 2: 72، وغيره.
(¬4) والدراهم أولى من الدقيق. ينظر: تبيين الحقائق 1: 310، ومجمع الأنهر 1: 289. قال الحصكفي في الدر المنتقى 1: 229: وعليه الفتوى حالة السعة، أما في الشدة فدفع العين أفضل فلا خلاف حينئذ في الحقيقة.
(¬5) سيأتي تخريجه.
ولا يجوز أداء المنصوص عليه بعضه عن بعض باعتبار القيمة سواء كان الذي أدى عنه من جنسه, أو من خلاف جنسه بعد أن كان منصوصاً عليه. ومن فروعه:
- لو أخرج الحنطة عن الحنطة باعتبار القيمة بأن أدى نصف صاع من حنطة جيدة عن صاع من حنطة وسط لا يجوز.
- لو أدى نصف صاع من تمر تبلغ قيمته قيمة نصف صاع من الحنطة عن الحنطة، فلا يجوز، بل يقع عن نفس التمر وعليه تكميل الباقي بأن يقدم نصف صاع أخرى من التمر; لأن القيمة لا تعتبر في المنصوص عليه، وإنما تعتبر في غيره (¬1).
خامساً: كيفية ووقت وجوبها ووقت أدائها:
الأول: كيفية وجوبها:
أنها تجب وجوباً موسعاً في العمر كالزكاة, والنذور والكفارات ونحوها على الصحيح (¬2) ; لأن الأمر بأدائها مطلق عن الوقت، فلا يتضيق الوجوب إلا في آخر العمر كالأمر بالزكاة، وسائر الأوامر المطلقة عن الوقت.
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 2: 72 - 73، وغيره.
(¬2) قال بعض أصحابنا: إنما يجب وجوبا مضيقاً في يوم الفطر عينا. ينظر: بدائع الصنائع 2: 69، وغيره.
الثاني: وقت وجوبها:
هو وقت طلوع الفجر الثاني من يوم الفطر حتى لو و ولد له ولد, أو كان كافراً فأسلم , أو كان فقيراً (¬1) فاستغنى إن كان ذلك قبل طلوع الشمس تجب عليه الفطرة, وإن كان بعده لا تجب عليه (¬2)، وكذا من مات قبل طلوع الفجر لم تجب فطرته وإن مات بعده وجبت؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون) (¬3): أي وقت فطركم يوم تفطرون خص وقت الفطر بيوم الفطر حيث أضافه إلى اليوم, والإضافة للاختصاص فيقتضي اختصاص الوقت بالفطر يظهر باليوم وإلا فالليالي كلها في حق الفطر سواء فلا يظهر الاختصاص، وبه تبين أن المراد من صدقة الفطر: أي صدقة يوم الفطر فكانت الصدقة مضافة إلى يوم الفطر فكان سبباً لوجوبهاً.
ولو عجل الصدقة على يوم الفطر فإنه يجوز مطلقاً على الصحيح (¬4)؛ لأن
¬
(¬1) ينظر: الوقاية ص 260، وفتح باب العناية 1: 554، والهدية العلائية ص 241.
(¬2) وعند الشافعي تجب بغروب الشمس، فمن أسلم في الليلة أو ولد فيها لا تجب عليه. ينظر: نهاية المحتاج 3: 112، ومغني المحتاج 1: 402، وحاشيتا قليوبي وعميرة 2: 42، والمنهاج 1: 402، وفتوحات الوهاب 2: 274.
(¬3) سبق تخريجه.
(¬4) في التبيين 1: 311: ولا تفصيل فيه بين مدة ومدة في الصحيح، وفي الدر المختار 1: 78: وعامة المتون والشروح على صحة التقديم مطلقاً، وهو المذهب. لكن صحح صاحب التنوير 1: 78 التقديم بشرط دخول رمضان، وفي الجوهر النيرة 1: 135: هو الصحيح، وعليه الفتوى.
الوجوب إن لم يثبت فقد وجد سبب الوجوب، وهو رأس يمونه ويلي عليه، والتعجيل بعد وجود السبب جائز كتعجيل الزكاة (¬1).
الثالث: وقت أدائها:
وهو جميع العمر ولا تسقط بالتأخير (¬2) عن يوم الفطر (¬3)، بدليل:
أ عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: (أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بزكاة الفطر أن تؤدّى قبل خروج الناس إلى الصلاة)، قال: فكان ابن عمر يؤدّيها قبل ذلك باليوم واليومين (¬4).
ب إن الأمر بأدائها مطلق عن الوقت فيجب في مطلق الوقت غير عين، وإنما يتعيّن بتعيينه فعلاً, أو بآخر العمر كالأمر بالزكاة، وفي أي وقت أدّى كان مؤدّياً لا قاضياً كما في سائر الواجبات الموسعة.
ويستحب أن يخرج الصدقة قبل الخروج إلى المصلى (¬5)، بدليل:
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 2: 74، وغيره.
(¬2) وإن طالت المدة. ينظر: شرح ملا مسكين ص 67، وغيره.
(¬3) وقال الحسن بن زياد: وقت أدائها يوم الفطر من أوله إلى آخره وإذا لم يؤدها حتى مضى اليوم سقطت؛ لإن هذا حق معروف بيوم الفطر فيختص أداؤه به كالأضحية. ينظر: البدائع 2: 74، وغيره.
(¬4) في سنن أبي داود 2: 111، وسكت عنه، وينظر: التمهيد 14: 326، وغيره.
(¬5) ينظر: الوقاية ص 231، وفتح باب العناية 1: 554، والهدية العلائية ص 241، وغيرها.
أ عن ابن عمر - رضي الله عنهم -: (إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بزكاة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة) (¬1).
ب عن ابن عباس - رضي الله عنهم -، قال: (فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين مَن أدّاها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومَن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات) (¬2).
ت قوله - صلى الله عليه وسلم -: (أغنوهم عن الطواف في مثل هذا اليوم) (¬3)، فإذا أخرج قبل الخروج إلى المصلى استغنى المسكين عن السؤال في يومه ذلك، فيصلي فارغ القلب مطمئن النفس (¬4).
سادساً: ركن صدقة الفطر:
وهو التمليك لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (أدوا عن كل حر وعبد) (¬5) , والأداء هو التمليك فلا يتأدى بطعام الإباحة وبما ليس بتمليك أصلاً، وليس إسلام المؤدى إليه ليس بشرط لجواز الأداء، فيجوز دفعها إلى أهل الذمة، ويجوز أن يعطى ما يجب في صدقة الفطر عن إنسان واحد جماعة مساكين ويعطى ما
¬
(¬1) في صحيح البخاري 2: 548، وغيره.
(¬2) في سنن أبي داود 2: 111، وسنن ابن ماجة 1: 585، والمستدرك 1: 598، وصححه الحاكم.
(¬3) سبق تخريجه.
(¬4) ينظر: البدائع 2: 74، وغيره.
(¬5) سبق تخريجه.
يجب عن جماعة مسكيناً واحداً; لأن الواجب زكاة فجاز جمعها وتفريقها كزكاة المال ولا يبعث الإمام عليها ساعياً; لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبعث ولنا فيه قدوة (¬1).
سابعاً: مكان الأداء:
وهو الموضع الذي يستحب فيه إخراج الفطرة فعن نفسه وعبيده حيث هو (¬2)، أما زكاة المال فحيث المال ويكره إخراجها إلى أهل غير ذلك الموضع؛ لأن صدقة الفطر تتعلق بذمة المؤدي لا بماله بدليل أنه لو هلك ماله لا تسقط الصدقة. وأما زكاة المال فإنها تتعلق بالمال. ألا ترى أنه لو هلك النصاب تسقط؟ فإذا تعلقت الصدقة بذمة المؤدي اعتبر مكان المؤدي ولما تعلقت الزكاة بالمال اعتبر مكان المال (¬3).
• • •
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 2: 74 - 75، وغيره.
(¬2) هذا عند محمد، وقال أبو يوسف: يؤدي صدقة الفطر عن نفسه حيث هو وعن عبيده حيث هم. ينظر: البدائع 2: 75، وغيره.
(¬3) ينظر: بدائع الصنائع 2: 75، وشرح الوقاية ص 229، وغيره.
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى.
أما بعد:
فمَن يعلم أنّ أفعال المكلفين لا تخلو من أحكام لله، ويعلم أن نصوصَ الشرع الدالّة على الأحكام محصورة متناهية، والأفعال والحوادث غير محصورة ولا متناهية، وما لا ينحصر ولا يتناهى لا يضبطه ما ينحصر ويتناهى.
يعلم قطعاً أن الاجتهادَ واجب الاعتبار، وأن الزمانَ لا يجوز عقلاً خلوه من مجتهد قائم لله بالحجّة على خلقه (¬1)، وذلك باستنباط حكم أفعالهم
¬
(¬1) مسألة خلو الزمان عن مجتهد مسألة مهمة يكثر طرحها والتعرض لها في الأوساط العلمية، وقلما أحدٌ يحقق القول فيها، والمؤلف رحمه الله تعالى لم تكن المسألة موضوع بحثه؛ لذا لم يوفها حقها من العرض والتبيين، فكان في كلامه إيهام لما هو الصواب، فحاصل الكلام فيها أنها مسألة خلافية عند علماء الأصول:
فذهب الأكثر كالآمدي وابن الحاجب إلى جواز خلو العصر عن المجتهد، وجزم به في المحصول، وقال الرافعي: الخلق كالمتفقين على أنه لا مجتهد اليوم، ولعله أخذه من الإمام الرازي, أو من قول الغزالي في الوسيط: قد خلا العصر عن المجتهد المستقل؛ لأن الأصل عدم موجب منع من خلو الزمان عن مجتهد، بل ثبت موجب خلو الزمان عن المجتهد، وهو ما رواه البخاري 1: 50: قال - صلى الله عليه وسلم -: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا).
وذهب الحنابلة إلى أنه لا يخلو الزمان عن مجتهد، ووافقهم بعض الشافعية كأبي إسحاق والزبيري وابن دقيق العيد؛ لأن الله تعالى لو خلى زماناً من قائم بحجة زال التكليف؛ إذ التكليف لا يثبت إلا بالحجة الظاهرة، وإذا زال التكليف بطلت الشريعة، ولأنه لو عدم الفقهاء لم تقم الفرائض كلها, ولو عطلت الفرائض كلها لحلت النقمة بذلك في الخلق؛ ولأن الخلو من مجتهد يلزم منه إجماع الأمة على الخطأ, وهو ترك الاجتهاد الذي هو فرض كفاية.
وتحقيق الكلام أنه يجوز خلو عصر عن مجتهد مطلق، ولا يجوز خلوها عن مجتهد في المذهب؛ لأن باجتهاد الأئمة الأربعة تحقق للأمة غايتها من الاجتهاد المطلق من الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين بتنقيح الفروع، وتأسيس القواعد والأصول، وبذلك تمت المرحلة الأولى والأساسية في الفقه وقد قام بها الأئمة الأربعة، ثم انتقل الفقه إلى مرحلته الثانية، وهي مرحلة البناء والتشييد التي قام بها المجتهدون في المذاهب، فهؤلاء الذين لا يجوز خلو الزمان عنهم؛ لئلا تتعطل الأحكام الفقهية فيما يستجد للناس من المسائل الفقهية، ومن تأمل في حجج القائلين بمنع خلو الزمان عن المجتهد يجد أن ما عللوا بها يمكن أن يقوم به المجتهد في المذهب، بالأضافة إلى أن الأمة لم تقبل إلا اجتهاد هؤلاء الأئمة الأربعة المستقلين رغم كثرة المجتهدين المطلقين، واستمرت في استقاء أحكام مسائل الحادثة من أصولهم وفروعهم، قال الزركشي في البحر المحيط 8: 241 - 242: والحق أن الفقيه الفطن القياس كالمجتهد في حق العامي, لا الناقل فقط ... والحق أن العصر خلا عن المجتهد المطلق, لا عن مجتهد في مذهب أحد الأئمة الأربعة وقد وقع الاتفاق بين المسلمين على أن الحق منحصر في هذه المذاهب, وحينئذ فلا يجوز العمل بغيرها , فلا يجوز أن يقع الاجتهاد إلا فيها. وينظر: التقرير والتحبير 3: 339 - 340، والبحر المحيط 240 - 242، وغيرهما.
المحدثة ووقائعهم المتجدّدة، حتى يكون لكلّ حادثة اجتهاد يُبيِّن حكم الله فيها بطريق النظر والاستدلال، وإلا لزم تعطيل الأحكام في كثيرٍ من الحوادث والأفعال، وترك الخلق سدىً يعمهون في بحار الهوى والضلال، واجتماع الأمة على الخطأ والباطل، وذلك محال.
ولهذا حكمَ الأئمةُ وفقهاءُ الإسلام (¬1) من سائر المذاهب بأن الاجتهادَ فرضٌ كفائي، وأنه يجب أن يكون في كلّ قطر مَن تقوم به الكفاية، وأن
¬
(¬1) جاء البحر المحيط للزركشي 8: 139 - 140: لما لم يكن بد من تعرف حكم الله في الوقائع, وتعرف ذلك بالنظر غير واجب على التعيين, فلا بد أن يكون وجود المجتهد من فروض الكفايات, ولا بد أن يكون في كل قطر ما تقوم به الكفايات ولهذا قالوا: إن الاجتهاد من فروض الكفايات، قال ابن الصلاح: والذي رأيت في كلام الأئمة يشعر بأنه لا يتأتى فرض الكفاية بالمجتهد المقيد, قال: والظاهر أنه لا يتأتى في الفتوى وإن لم يتأدّ به في آحاد العلوم التي منها الاستمداد في الفتوى.
وقال بعضهم: الاجتهاد في حق العلماء على ثلاثة أضرب:
الأول: فرض عين، وهو على حالين:
1. ... اجتهاده في حقّ نفسه عند نزول الحادثة.
2. ... اجتهاده فيما تعيّن عليه الحكم فيه، فإن ضاق فرض الحادثة كان على الفور وإلا على التراخي.
الثاني: فرض كفاية، وهو على حالين:
1. ... إذا نزلت بالمستفتي حادثة فاستفتى أحد العلماء توجه الفرض على جميعهم, وأخصهم بمعرفتها من خصّ بالسؤال عنها, فإن أجاب هو أو غيره سقط الفرض, وإلا أثموا جميعاً، لكن حكى أصحابنا وجهين فيما إذا كان هناك غير المفتي, هل يأثم بالرد؟ أصحهما: لا.
2. ... إن تردد الحكم بين قاضيين مشتركين في النظر فيكون فرض الاجتهاد مشتركا بينهما, فأيهما تفرد بالحكم فيه سقط فرضه عنهما.
الثالث: ندب، وهو على حالين:
1. ... فيما يجتهد فيه العالم من غير النوازل؛ ليسبق إلى معرفة حكمه قبل نزوله.
2. ... أن يستفتيه قبل نزولها.
الفرضَ لا يتأدّى بالمجتهد المقيّد، بل لا بُدّ من المجتهد المطلق (¬1)، وحكموا بالاتفاق على هذا، بل حكى الإمام الشافعي - رضي الله عنه - وغيره الإجماع عليه.
والاجتهاد: هو استعمال النظر في النصوص، واستفراغ الوسع والطاقة في استخراج الأحكام منها، بقياس ما لم يذكر فيها على ما ذكر بعلّة جامعة مع مراعاة الأصول والمقاصد.
وبهذا كانت شريعتنا مستمرة إلى قيام الساعة وعامة لكافة الناس، فكان النبي يبعث إلى قومه خاصّة، وبعث نبينا - صلى الله عليه وسلم - إلى الناس كافّة، وختم به
¬
(¬1) سبق تنقيح هذه المسألة، فكلام المؤلف رحمه الله تعالى محل نظر.
النبيون (¬1) فلا نبي بعده؛ لأن شريعتَه صالحةٌ لكلِّ جيل في كلِّ مكان وزمان متكفلة بسعادة الخلق، ومصالحهم الدينية والدنيوية في كل عصر وأوان.
فما من حادث يحدث في قطر على اختلاف عوائده وطبيعته، ولا في زمان على تبدل أطواره وتغير حالته، إلا وفي نصوص الشريعة وأصولها ما يبيِّن حكم الله تعالى في تلك العوائد المختلفة، والحوادث المتجدّدة، والوقائع النادرة المتباينة، {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} (¬2)، ولولا ذلك لكانت الأمة مضطرة إلى وضع القوانين وتغييرها بتغير الأزمان، وتبدل الأطوار، كما شأن الأمم الأخرى على اختلاف الملل والأديان، فما من أمة، بل ولا دولة إلا وتُغيِّر قوانينها الشرعية والسياسية، وتُدْخِلُ عليها من الزيادات والتعديلات ما يُناسب الظروف والأحوال كلَّما تغيَّرت الحوادث، وتبدلت الأطوار، وربَّما وقع لهم ذلك في السنة الواحدة مرّات.
أما الشريعة الإسلامية فمنذ جاء بها نبيها الأكرم، ورسولها الأشرف الأعظم - صلى الله عليه وسلم -، وهي مستمرة خالدة، عامة شاملة لكل الوقائع والحوادث والقضايا والنوازل، في كلِّ العصور والأزمان، لا تتغير ولا تتبدل، {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (¬3).
¬
(¬1) في الأصل: النبيئون.
(¬2) الأنعام: من الآية 38.
(¬3) الحجر:9.
فمَن رجع إلى كتب الفقه والنوازل الشرعيّة، يجد أحكام القضايا المحدثة، والنوازل المستجدة، لا تخرج عن قواعد الشريعة وأصولها (¬1)، مهما كثرت النوازل وتباينت أنواعها، وتعددت الوقائع، واختلفت أجناسها، لا فرق فيها بين ما صدر في القرن الأول والثاني، أو السابع والثامن، أو الثالث عشر والرابع عشر على اختلاف الأزمان، وتباينها وتغيّر حوادثها وأطوارها.
وهذا أيضاً من أعظم الحجج، وأوضح البراهين على عدم انقطاع الاجتهاد (¬2)، وخلو الزمان من المجتهدين، فإن كتبَ النوازل والفتاوى على المذاهب الأربعة وغيرها بالغة آلاف المجلدات، وجلّ ما اشتملت عليه
¬
(¬1) وهذا لا شك فيه، وفيه تأكيد لما سبق أن نقحناه سابقاً؛ لأن كتب الفتاوى والنوازل على كثرتها؛ إذ أنها لا تحصى عدداً، فإنها لا تخرج التزام مذهب فقهي والتفريع على مسائله وقواعده، وهي بذلك قد وفت حاجة أهل كل زمان كانت فيه، فلم تتعطل الشريعة، وأصحاب هذه الفتاوى لا يخرجون عن الاجتهاد المذهبي الذي به يحصل الديمومة للشريعة الإسلامية.
(¬2) إن علمائنا السابقين عندما قالوا: بإغلاق باب الاجتهاد بعد القرن الثالث والرابع الهجري، إنما قصدوا إغلاق وسد باب التلاعب في الشريعة من قبل مَن يدعي الاجتهاد المطلق، ويفتي بما يوافقه هواه وجاهه ويرضي أسياده، أما باب الاجتهاد فلم يغلق بدليل استمرار العلماء في كفاية حاجة الناس بأحكام المسائل الجديدة، واستمرار حكم دولة الإسلام بهذا الدين من خلال اجتهاد الفقهاء الملتزمين مذهباً فقهياً، وكثرت الشروح والحواشي والفتاوى وما حوته من المسائل المتجددة في كل عصر لأكبر دليل على استمرار الاجتهاد وعدم إغلاقه.
صادر عن غير الأئمة الأربعة، بل وعن غير أصحابهم، وأصحاب أصحابهم، إنما هو استنباط مَن جاء بعدهم من الفقهاء والمفتين في كلِّ عصر إلى وقتنا هذا، الذي هو مع ضعف همم أهله، وقلّة عنايتهم بالعلم، ورغبتهم فيه، قلّما يخلو فيه بلد أو قبيلة من مفت أو مفتين يستنبطون لكلّ حادثة حكمها من النصوص الفقهية والقواعد المذهبية، أو كما تقدَّمَ لها من الأشباه والنظائر التي حكم فيها أمثالُهم من المفتين السابقين.
فهذا عين الاجتهاد الذي ينكره جهلة العصور المتأخرة، ويدعون استحالته وعدم قدرة أهل الزمان عليه، مع أنهم مجتهدون حتى في إنكارهم الاجتهاد الذي لم ينكره أئمتهم، بل عدّوه من فروض الكفاية والواجبات التي لا يجوز خلو الزمان منها، وهم بهذا الاجتهاد لا يشعرون.
ومن أمثلة ذلك الحوادث العامّة التي حدثت في هذه الأزمان ممّا لم يسبق له مثيلٌ في عصر الشارع، والقرون السالفة حتى المتأخّر منها، بل منه ما لم يحدث إلا في هذا القرن الرابع عشر، ممّا نشأ عن الاختراعات الحديثة والخوارق المدهشة التي كانت من زمن قريب تعد من المستحيل، فأصبحت اليوم من المألوفات العادية: كالتصوير الفوتغرافي (¬1)، والصوت الفوتغرافي، وحبس القرآن في اسطواناته، وقراءته في الراديوم، وسماعه منه، وقبول أخبار
¬
(¬1) تعرضت لتفصيل الكلام في مسألة التصوير في كتابي البيان في فقه الأيمان والنذور والحظر والإباحة ص 243 - 261 بعرض أقوال العلماء وحججهم فيها، وببيان قوة أدلّة مَن قال بجواز التصوير الفوتغرافي؛ لأنه لا يوجد فيه مضاهاة لخلق الله تعالى، التي هي علّة تحريم التصوير اليدوي، فحقيقة التصوير الفوتغرافي أنه حبس العكس كمَن يقف أمام المرآة، فإنه يرى عكسه.
التلغراف، والتليفون بثبوت هلال رمضان والعيد، وحصول الميراث بخبر الوفاة (¬1) منهما، وركوب الطيارة، والغواصة، وحكم الصلاة فيهما، وطبع الكتب والمصاحف بالمطابع، والتعامل بالأوراق المالية والبنكية، وضمان السلع المعروف بالسكورتاه (¬2)، والتداوي بالإبر للصائم (¬3)، وغير ذلك من الحوادث المستجدات التي بين حكمهما علماء العصر القائلون بإنقطاع الاجتهاد، واستحالة وجوده، والحاكمون بضلال مَن يدعيه مع أنهم مجتهدون.
ومن أمثلة ذلك أيضاً: ما حدث في هذه الأزمان المتأخرة بسبب وجود آلات الطحن البخارية والكهربائية من انتشار الدقيق (¬4) في الحواضر انتشاراً
¬
(¬1) في الأصل: الوفات.
(¬2) أي عقود التأمين، وهذه المسألة ما زالت مجال بحث وتحقيق، وقد ألفظ فيها عشرات الكتب، لكن التأمين بصوره الحالية لا يخلو عن القمار كما أفاده شيخنا العلامة محمد رفيع العثماني حفظه الله تعالى، وقال لي: إن هذه المسألة لم تنضح بعد، وهي محلّ أخذ ورد وحوار عندهم في بلاد الهند.
(¬3) خير مَن فصَّل الكلام في مسألة التداوي في الصيام هو شيخنا العلامة محمد رفيع حفظه الله ورعاه في كتابه الماتع: ضابط المفطرات في مجال التداوي.
(¬4) دققت الشيء دقاً، فهو مدقوق، ودقيق الحنطة وغيرها: وهو الطحين. ينظر: المصباح المنير ص 197، وغيره.
أغنى عن اقتيات الحبوب، حتى قلّ وجودها، وانقطع بسبب ذلك وجود الأرحاء الحجرية من البيوت، ولم يبق إلا الآلات المذكورة التي يتعذر فيها طحن القليل من الحبّ: كالصاع ونصفه كما هو معلوم، فاكتفى الناس بالدقيق الموجود بكل دكان، وأعرضوا عن الحب لما يحصل فيه من التعب والمشقة.
فنشأ عن ذلك ما يدعو إلى النظر في زكاة الفطر، هل يُنْتَقل فيها من المنصوص عليه إلى ما جرت به العادة، وهو الدقيق، أو لا بد من المنصوص عليه، ولو مع جريان العادة بعدم اقتياته.
ثم حصل في هذه السنة بسبب الحرب العالمية وانقطاع المواصلات قلّة الحبّ والدقيق معاً، وصارت الحكومة توزّع على الناس الخبز، ومنعت بيع الدقيق، ولم يبق في المتناول إلا القمح بثمن مضاعف على الخبز سبع مرّات، بل أزيد.
فكثر سؤال الناس عن زكاة الفطر مع ارتفاع القمح إلى الثمن المذكور، فأفتيناهم بجواز إخراج المال والدقيق لمن كان متيسراً لديه.
وقلنا: إن المال أفضل من الدقيق نظراً لحال الوقت ومصلحة الفقير، وكان هذا في السنة الماضية حيث كان الدقيق لا زال متيسر الحصول عليه، أما في هذه السنة التي انقطع فيها الدقيق بالكلية، فأفتيناهم لما تكرّر السؤال بإخراج المال، ووافقنا على ذلك بعض أهل العلم، فأفتى أهل بلده بجواز إخراج المال، فقامت قيامة طلبتها، وكادت السموات يتفطرن، أو تنشق
الأرض أو تخر الجبال، هذا إن خالف المذهب وأفتى موافقة لنا بجواز إخراج المال.
فطلب منِّي أن أبيِّن له مستند ما ذهبت إليه، أذكر له ذلك مبسوطاً، فأجبته بهذا الجزء، وسميته:
تحقيق الآمال في جواز إخراج زكاة الفطر بالمال
فقلت وبالله التوفيق:
فصل
[في الأحاديث الواردة في جواز
إخراج صدقة الفطر من الدقيق] (¬1)
أما استنادنا في إخراج الدقيق:
فقال النَّسائي (¬2) (¬3): «أخبرنا محمد بن منصور، حدثنا سفيان، عن ابن عجلان، قال: سمعت عياض بن عبد الله يخبر عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: (لم نخرج على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا صاعاً من تمر، أو صاعاً من ... شعير، ... أو صاعاً من ... زبيب، أو ... صاعاً ... من
¬
(¬1) زدت هذا العنوان للتوضيح.
(¬2) وهو أحمد بن شعيب بن عليّ النَّسَائِيّ، أبو عبد الرحمن، نسبة إلى نَسَاء مدينة بخراسان، صاحب السنن الكبرى، والمجتبى، قال الدارقطني: كان أفقه مشايخ مصر في عصره وأعلمهم بالحديث، (ت 303 هـ). ينظر: مرآة الجنان 2: 240 - 241، تهذيب الكمال 1: 328 - 340، العبر 2: 123، الكشف 2: 1006، النجوم الزاهرة 4: 188.
(¬3) في السنن الكبرى 2: 28،
دقيق (¬1)، أو صاعاً من أقط (¬2)، أو صاعاً من سُلْت (¬3))، ثمّ شكّ سفيان (¬4)، فقال: دقيق أو سلت» (¬5).
ورواه أبو داود (¬6) (¬7) فقال: «حدثنا حامد بن يحيى، أخبرنا سفيان، ح، وحدثنا مسدد حدثنا يحيى عن ابن عجلان، سمع عياضاً قال سمعت: أبا سعيد الخدري - رضي الله عنه - يقول: (لا أخرج أبداً إلا صاعاً إنا كنّا نخرج على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صاع تمر، أو شعير، أو أقط، أو زبيب)، هذا حديث يحيى زاد سفيان: (أو صاعاً من دقيق)، قال حامد: فأنكروا
¬
(¬1) الدقيق: أي الطحين. ينظر: مختار الصحاح ص208، وغيره.
(¬2) الأقط: قال الأزهري: يتخذ من اللبن المخيض يطبخ ثم يترك حتى يمصل. ينظر: المصباح ص17.
(¬3) السُّلْت: نوع من الشعير يشبه البر. ينظر: شرح السيوطي على المجتبى 5: 51، وحاشية السندي5: 51، وغيرهما.
(¬4) وهو سفيان بن عُيَيْنَةَ بن أبي عمران الهلاليّ الكُوفِيّ المَكَّيّ، أبو محمد، قال ابن سعد: كان إماماً عالماً ثبتاً حجَّةً زاهداً ورعاً مجمعاً على صحَّة حديثه وروايته، حجَّ سبعين حجَّة، (107 - 198هـ). ينظر: وفيات الأعيان 2: 391 - 393، التقريب ص184.
(¬5) في المجبتى 5: 52.
(¬6) وهو سليمان بن أَشْعث بن إسحاق الأزدي السِّجِسْتَانِيّ، أبو داود، صاحب كتاب السنن، قال الذهبي في: كان رأساً في الحديث رأساً في الفقه. (202 - 275هـ). ينظر: العبر 2: 55، تذكرة الحُفَّاظ للقيسراني 2: 591، الكشف 2: 1004.
(¬7) في سننه 2: 113.
عليه، فتركه سفيان، قال أبو داود: فهذه الزيادة وهم من ابن عيينة».
قلت (¬1): ابن عيينة متأكّد من هذه الزيادة غير واهم فيها، كما بيَّنه الدَّارَقُطْنيّ (¬2) في «سننه» (¬3) فقال: «حدثنا إبراهيم بن حماد، ثنا العباس بن يزيد، ثنا سفيان ابن عيينة، حدثنا إبراهيم بن حماد، ثنا العباس بن يزيد، ثنا سفيان ابن عيينة، حدثنا ابن عجلان، عن عياض بن عبد الله، أنه سمع أبا سعيد الخدري - رضي الله عنه - يقول: (ما أخرجنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا صاعاً من دقيق، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من سلت، أو صاعاً من زبيب، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من أقط). قال أبو الفضل: فقال له علي بن المَدينيّ (¬4): وهو معنا: يا أبا محمد لا يذكر في هذا الدقيق، قال: بلى هو فيه».
¬
(¬1) القائل هو المؤلف رحمه الله رحمة واسعة.
(¬2) وهو علي بن عمر بن أحمد الدَّارَقُطْنِيّ البَغْدَادِيّ الشَّافِعِيّ، أبو الحسن، من مؤلفاته: السنن الكبير، المختلف والمؤتلف، والأفراد، قال أبو الطيب الطَبَري: الدَّارَقُطْنِيّ أمير المؤمنين في الحديث. (306 - 385هـ). ينظر: وفيات 3: 297 - 299. روض المناظرص184 - 185. الكامل في التاريخ7: 174. طبقات الشافعية الكبرى2: 312. الأنساب 2: 437 - 439. الرسالة المستطرفةص18 - 19
(¬3) سنن الدارقطني 2: 146.
(¬4) وهو علي بن عبد الله بن جعفر السَّعْدِي البصري، أبو الحسن، المشهور بابن المديني، قال ابن حجر: أعلم أهل عصره بالحديث وعلله، حتى قال البُخَاريّ: ما استصغرت نفسي إلا عند علي بن المديني، وقال شيخه ابن عيينة: كنت أتعلَّم منه أكثر مما يتعلّم مني، (ت234هـ). ينظر: العبر 1: 418، التقريب ص342.
فهذا يدل على أن (¬1) ابنَ عيينة متأكّد ممّا رواه، وهو إمام من أئمة الحديث، وأحد كبار الحفاظ الثقات الأثبات، فزيادته مقبولة.
ورواه الدَّارَقُطْنِيّ بسياق آخر (¬2) من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: «حدثنا عثمان بن أحمد الدقّاق، حدثنا أحمد بن العباس بن أشرس، ثنا سعيد بن الأزهر الواسطي، ثنا ابن عيينة، عن ابن عجلان، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لهم في صدقة الفطر: (صاع من زبيب، صاع من تمر صاع (¬3) من أقط، صاع من دقيق).».
ويشهد له ورود الدقيق في حديث ابن عباس - رضي الله عنه - وزيد بن ثابت - رضي الله عنه - وجابر بن عبد الله - رضي الله عنه - وإن كانت أسانيدها ضعيفة.
أما حديث ابن عباس - رضي الله عنه -:
فقال الدَّارقُطنيّ (¬4): «حدثنا الحسين بن إسماعيل، حدثنا أبو الأشعث، حدثنا الثقفي، عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس - رضي الله عنه -، قال: (أمرنا أن
¬
(¬1) ساقطة من الأصل، وسياق الكلام يقتضيها.
(¬2) في سننه 2: 146.
(¬3) ساقطة من الأصل، ومثبتة من السنن 2: 146.
(¬4) في سننه 2: 144.
نعطي صدقة رمضان عن الصغير والكبير والحرّ والمملوك صاعاً من طعام، مَن أدّى براً قُبِل منه، ومَن أدّى شعيراً قُبِل منه ومن أدّى زبيباً قُبِل منه، قال: وأحسبه قال: ومَن أدّى دقيقاً قُبِل منه، ومَن أدّى سويقاً (¬1) قُبِل منه) (¬2).».
وأما حديث زيد بن ثابت - رضي الله عنه -:
فقال الحاكم (¬3) في «المستدرك» (¬4): «حدثنا أبو الوليد العنزي، ثنا عباد بن زكريا، ثنا سليمان بن أرقم، عن الزهري، عن قبيصة بن ذويب، عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه -، قال: (خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: مَن كان عنده طعام فليتصدَّق بصاع من برّ، أو صاع من شعير، أو صاع من تمر، أو صاع من دقيق، أو صاع من زبيب، أو صاع من سلت).».
¬
(¬1) السويق: أي ما يتّخذ من البُرّ، وهو الناعم من الدقيق. ينظر: تاج العروس 25: 480، وغيره.
(¬2) في صحيح ابن خزيمة 4: 88، وسنن البيهقي الكبير 4: 168، وفي علل ابن أبي حاتم 1: 216: قال أبو حاتم: هذا حديث منكر.
(¬3) وهو محمد بن عبد الله بن محمد الضَّبِّي الطَّهْمَان النَّيْسابوري، أبو عبد الله، وإنما عرِّف بالحاكم لتقلده القضاء، قال ابن خَلكان: إمام أهل الحديث في عصره، والمؤلف فيه الكتب التي لم يسبق إلى مثلها، كان عالماً عارفاً واسع العلم، من مؤلفاته: المستدرك على الصحيحين، ومعرفة علوم الحديث، وتاريخ نيسابور، وفضائل الشافعي، (321 - 405هـ). ينظر: وفيات 4: 280 - 281. العبر 3: 91. طبقات ابن قاضي شهبة 1: 197 - 198. المستطرفة ص17.
(¬4) مستدرك الحاكم 1: 871.
ورواه الدَّارَقُطْنِيّ من هذا الوجه ثم قال (¬1): «لم يروه بهذا الإسناد وهذه الألفاظ إلا سليمان بن أرقم، وهو متروك».اهـ.
أما الحاكم فقال (¬2): «إنه إسناد يخرج في الشواهد».
وأما حديث جابر - رضي الله عنه -:
فرواه الطبرانيّ (¬3) في «المعجم الأوسط» (¬4) عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (صدقة الفطر على كل إنسان مدان من دقيق أو قمح، ومن الشعير صاع، ومن الحلواء زبيب أو تمر صاع). وفي سنده الليث ابن حماد، وهو ضعيف (¬5).
¬
(¬1) في سننه 2: 150.
(¬2) في المستدرك 1: 570.
(¬3) وهو سليمان بنُ أحمد بن أَيُّوب اللَّخْمِيّ الطَّبَرَانِيّ، أَبو القَاسِم، نسبةً إلى طَبَرية، مدينة من الأردن، قال الذهبي: مسند العصر، واسع الحفظ بصيراً بالعلل والرجال والأبواب (260 - 360هـ). ينظر: العبر 3: 315 - 316. مرآة الجنان3: 372.
(¬4) المعجم الأوسط 7: 338.
(¬5) ومثله قال الهيثمي في مجمع الزوائد 3: 81.
فصل
[في مذاهب الفقهاء
في إخراج الدقيق]
وإخراج الدقيق هو مذهب الحنفية (¬1)، والحنابلة (¬2).
وقول أبي القاسم (¬3) الأنماطي (¬4) من الشافعية.
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار 2: 364، والتعليقات المرضية ص 213، والدر المختار 2: 76، والدر المنتقى 1: 229، ومجمع الأنهر 1: 229، وشرح الوقاية ص 229، والبدائع 2: 72، وغيرها.
(¬2) ينظر: الإنصاف 3: 179 - 180، وكشاف القناع 2: 253، ومطالب أولي النهى 2: 112، وغيرها.
(¬3) وهو عثمان بن سعيد بن بشار الأنماطي، كان فقيهاً ورعاً أخذ الفقه عن المزني والربيع، قال أبو إسحاق: كان الأنماطي هو السبب في نشاط الناس بالأخذ بمذهب الشافعي في تلك البلاد، (ت 288 هـ). ينظر: طبقات الأسنوي 1: 33، وطبقات ابن هداية الله ص 32 - 33.
(¬4) نسبه له النووي في المجموع 6: 91، وغيره.
وابن حبيب (¬1)، وأصبغ (¬2)، وجماعة من المالكية، بل قال ابن حبيب: «إنما منع مالك - رضي الله عنه - الدقيق من أجل الريع، فإذا أخرج بمقدار ما يريع فهو جائز على قوله كما يفهم منه» (¬3).
¬
(¬1) لعله: عبد الملك بن سليمان بن هارون السلمي القرطبي المالكي، قال الذهبي: الإمام العلامة فقيه الأندلس، أحد الأعلام، من مؤلفاته: الواضحة، والجامع، وفضائل الصحابة، وغريب الحديث، وتفسير الموطأ، وطبقات الفقهاء، (ت238هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء 12: 102 - 107.
(¬2) لعله: أصبغ بن الفرج بن سعيد بن نافع الأموي المصري المالكي، أبو عبد الله، قال الذهبي: الشيخ الإمام الكبير مفتي الديار المصرية، طلب العلم وهو شاب كبير ففاته مالك والليث، وقال ابن معين: كان من أعلم خلق الله برأي مالك، يعرفها مسألة مسألة، متى قالها مالك، ومن خالفه فيها. (150ـ 225هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء 10: 656 - 657.
(¬3) في المنتقى شرح الموطأ 2: 188: زكاة الفطر تخرج من القوت. وقد اختلفت الرواية عن مالك فيما يجزئ إخراجها عنه فقال مالك في المختصر: يؤديها من كل ما تجب فيه الزكاة إذا كان ذلك من قوته، وروى عنه ابن القاسم في كتاب ابن المواز تؤدى من تسعة أشياء: القمح والشعير والسلت والأرز والدخن والذرة والزبيب والأقط والتمر زاد ابن حبيب العلس فجعلها عشرة وقال: إن أخرج الدقيق بريعه أجزأه, وكذالك الخبز. وقال أشهب: لا تجزئ إلا الأربعة التي في الحديث الشعير والتمر والزبيب والأقط إلا أن الشعير يدخل معه القمح والسلت ; لأنهما جنس واحد.
وفي التاج والإكليل 3: 260: وقال ابن الحاجب: لو أقتيت غيرها كالقطاني والسويق والتين واللحم واللبن فالمشهور تجزئ, وفي الدقيق بريعه قولان. وفي المدونة: لا يجزئ أن يخرج في زكاة الفطر دقيقاً. قال ابن حبيب: إنما كره إخراج الدقيق من أجل الريع فمن أخرج منه قدر ما يزيد على كيل الطعام أجزأه.
ويُخَرَّج أيضاً على قولهم: إن الفطرةَ تخرجُ من غالب قوت البلد، بل ومن قوت المزكي نفسه، ثم من القوت الذي كان يقتاته في رمضان لا في سائر السنة، كما قال ابن العربي (¬1) (¬2) وغيره، فعلى هذا مَن كان يقتات الدقيق في كلّ هذه الأحوال، فالواجب عليه إخراجه لا غيره على ما تقتضيه هذه الأقوال.
• • •
¬
(¬1) وهو محمد بن عبد الله بن محمد المعافري الأندلسي الإشبيلي المالكي، المعروف بابن العربي، أبو بكر، قال الذهبي: كان من أهل التفنّن في العلوم والاسبتحار فيها، مع الذكاء المفرط، من مؤلفاته: عارضة الأحوذي في شرح الترمذي، والقبس شرح الموطأ (468 - 543هـ). ينظر: الصلة 2: 559. العبر4: 125. مرآة الجنان3: 379 - 380.
(¬2) في عارضة الأحوذي 3: 189.
فصل
[في مذاهب العلماء في
إخراج صدقة الفطر مالاً]
وأما إخراج المال فهو قول جماعة من الصَّحابة والتَّابعين، منهم:
1) الحسن البصري (¬1)، و 2) عمر بن عبد العزيز (¬2)، وهو مذهب: 3) الثوري (¬3)، و 4) أبي حنيفة (¬4) ................................................
¬
(¬1) وهو الحسن بن يسار البصري، أبو سعيد، كان من سادات التابعين وكبرائهم، وجمع كل فنّ من علم وزهد وورع وعبادة، (21 - 110 هـ). ينظر: وفيات 2: 69 - 72، الأعلام 1: 242.
(¬2) وهو عمر بن عبد العزيز بن مروان، أمير المؤمنين، أمه أم عاصم بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وعدَّ مع الخلفاء الراشدين، (ت 101 هـ). ينظر: التقريب ص 353.
(¬3) وهو سُفْيان بن سعيد بن مسروق الثَّوْرِي الكوفي، أبو عبد الله، قال ابن معين: سفيان أمير المؤمنين في الحديث، (95 - 161 هـ). ينظر: وفيات 2: 386 - 391. مرآة الجنان 1: 345 - 347. الأعلام 3: 158.
(¬4) وهو النعمان بن ثابت بن المزربان، التابعي المشهور، رأى أنساً وغيره، والمنسوب إليه أكبر المذاهب الفقهية، قال الشافعي: الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة، (80 - 150 هـ). ينظر: الخيرات الحسان ص 74 - 75. مناقب الإمام أبي حنيفة 30 - 31. العبر 1: 214 - 215.
و5) أبي يوسف (¬1) واختاره من الحنفية 6) الفقيه أبو جعفر (¬2).
وبه العمل والفتوى عندهم (¬3) في كلِّ زكاة، وفي الكفارات والنذر والخراج
¬
(¬1) وهو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب، صاحب أبي حنيفةَ، قال الذهبي: أبو يوسف قاضي القضاة، وهو أول من دعي بذلك، وكان مع سعة علمه أحد الأجواد الأسخياء. وقال: ابن سماعة: كان أبو يوسف يصلي بعدما ولي القضاء في كل يوم مئتي ركعة، من مؤلفاته: الأمالي، النَّوادر، والآثار، والخراج، (113 - 182هـ). ينظر: النجوم الزاهرة 2: 107 - 708، العبر1: 284، الفوائد البهيةص372. الجواهر المضية 3: 315 - 317. تاج التراجم ص613.
(¬2) وهو أحمد بن محمد بن سلامة الأَزْدِي الحَجْريّ الطَّحَاوِيّ المِصْريّ، قال أبو إسحاق: انتهت إليه رئاسة الحنفية بمصر، وقال: ابن يونس: كان ثقة ثبتاً لم يخلف مثله، من مؤلَّفاته: شرح معاني الآثار، ومختصر الطحاوي، (229 - 321هـ). ينظر: وفيات (1: 71 - 72). العبر (2: 186). روضة المناظر (ص171)، الفوائد البهية (ص59 - 63)، والتعليقات السنية (ص59).
(¬3) والدراهم أولى من الدقيق. كما في تبيين الحقائق 1: 310، ومجمع الأنهر1: 289. قال الحصكفي في الدر المنتقى1: 229: وعليه الفتوى حالة السعة، أما في الشدة فدفع العين أفضل فلا خلاف حينئذ في الحقيقة.
قال الكاساني في البدائع 2: 72: وهذ الأشياء المنصوص عليه معلولة بكونها مالاً متقوماً على الإطلاق، وذكره - صلى الله عليه وسلم - المنصوص عليه للتيسير; لأنهم كانوا يتبايعون بذلك على عهده - صلى الله عليه وسلم -، ... وإن وجوب المنصوص عليه من حيث إنه مال متقوم على الإطلاق لا من حيث إنه عين فيجوز أن يعطي عن جميع ذلك القيمة دراهم, أو دنانير، أو فلوساً, أو عروضاً، أو ما شاء؛ لأن الواجب في الحقيقة إغناء الفقير؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم) () , والإغناء يحصل بالقيمة بل أتم وأوفر؛ لأنها أقرب إلى دفع الحاجة، وبه تبيّن أن النص معلول بالإغناء وأنه ليس في تجويز القيمة يعتبر حكم النص في الحقيقة.
وغيرها (¬1).
وهو أيضاً مذهب: 7) الإمام الناصر، و8) المؤيد بالله من أئمة أهل البيت الزيدية، وبه قال 9) إسحاق بن راهويه (¬2) و10) أبو ثور (¬3) إلا أنهما قيَّدا ذلك بالضرورة، كما هو مذهب بقية أهل البيت أعني جواز القيمة عند الضرورة، وجعلوا منها طلب الإمام المال بدل المنصوص.
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار 3: 727، والفتاوى الهندية 2: 62، والدر المختار 3: 727، والبيان في الأيمان والنذور والحظر والإباحة ص78، وغيرها.
(¬2) وهو إسحاق بن إبراهيم بن مَخْلَد الحَنْظَلي المروزي، أبو يعقوب، المعروف بابن راهويه، قال أحمد: لا أعلم بالعراق له نظيراً، وما عبر الجسر مثل إسحاق، وقال أبو زرعة: ما رؤي أحفظ من إسحاق، من مؤلفاته: المسند، والتفسير، (161 - 238هـ). ينظر: وفيات 1: 199 - 201. والعبر 1: 426. معجم المؤلفين1: 339.
(¬3) وهو إبراهيم بن خالد بن ابي اليمان الكَلْبِيّ البَغْدَادِي، أبو ثور، قال ابن حبان: كان أحد أئمة الدنيا فقهاً وعلماً وورعاً وفضلاً، صنف الكتب وفرّع على السنن، وذب عنها، يتكلم في الرأي فيخطئ ويصيب، (ت240هـ). ينظر: الميزان 1: 148 - 189. النجوم الزاهرة2: 301 - 302. الأعلام1: 30 - 31.
وهو قول جماعة من المالكية: 11) كابن حبيب، و12) أصبغ، و13) ابن أبي حازم، و14) ابن دينار (¬1)، و15) ابن وهب (¬2) على ما يقتضيه إطلاق النقل عنهم في تجويز إخراج القيم في الزكاة الشاملة لزكاة المال وزكاة الرؤوس، بخلاف ما نقلوه عن ابن القاسم (¬3) وأشهب (¬4) من كونهما أجازا إخراج القيمة في الزكاة إلا زكاة الفطر وكفارة الأيمان.
¬
(¬1) لعله: عيسى بن دينار الغافقي القُرطبي، أبو محمد، قال الذهبي: فقيه الأندلس ومفتيها، الإمام، لزم ابن القاسم مدة، وعول عليه، وكان صالحاً خيراً ورعاً، يذكر بإجابة الدعوة، وقال ابن وضاح: هو الذي علم أهل الأندلس الفقه، (ت212هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء 10: 439 - 440.
(¬2) لعله: عبد الله بن وهب بن مسلم الفِهْرِي القرشي المصري، أبو محمد، قال ابن حجر: ثقة حافظ عابد فقيه، قال أبو سعد بن يونس: جمع ابن وهب بين الفقه والرواية والعبادة، وله تصانيف كثيرة، (125 - 197هـ). ينظر: التقريب ص271، العبر 1: 322 - 323، وغيرهما.
(¬3) وهو عبد الرحمن بن القاسم العُتَقي المصري، أبو عبد الله، صاحب الإمام مالك، قال الذهبي: الإمام الفقيه قد أنفق أموالاً كبيرة في طلب العلم، ولزم مالكاً مدّة، وسأله عن دقائق الفقه. (ت191هـ). ينظر: العبر 1: 307، وغيره.
(¬4) وهو أشهب بن عبد العزيز بن داود القَيْسِيّ الجَعْديُّ المالكيّ المِصْرِيّ، أبو عمرو، تلميذ الإمام مالك، وانتهت له الرَّئاسة بمصر بعد ابن القاسم، (150 - 204هـ). ينظر: وفيات 1: 238 - 239، العبر 1: 345.
قال الدارقُطْنيّ (¬1): «حدثنا يزداد بن عبد الرحمن، ثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا يونس ابن بكير عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - قال: لو أنك أعطيت في صدقة الفطر اهليلج لأجزأ».
وقال ابن أبي شَيْبة (¬2) - رضي الله عنه - في «مصنفه» (¬3): (باب إعطاء الدراهم في زكاة الفطر):
«حدثنا أبو أسامة عن ابن عون قال: سمعت كتاب عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - يقرأ (¬4) إلى عدي بالبصرة: يُؤخذ من أهل الديوان من أعطياتهم عن كلّ إنسان نصف درهم» (¬5) يعني في زكاة الفطر.
«حدثنا وكيع عن قرة قال: جاءنا كتاب عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - في صدقة الفطر نصف صاع عن كل إنسان أو قيمته نصف درهم» (¬6).
«حدثنا وكيع عن سفيان عن هشام عن الحسن - رضي الله عنه - قال: لا بأس أن
¬
(¬1) في سننه 2: 150.
(¬2) وهو عبد الله بن محمد بن أبي شَيْبَةَ الكوفي العَبْسى، قال أَبو زرعة: ما رأيتُ أحفظَ منه. من مؤلفاته: المسند، والمصنف، (159 - 235هـ). ينظر: العبر (1: 421). مرآة الجنان 2: 116. النجوم الزاهرة 2: 282.
(¬3) في مصنف ابن أبي شيبة 2: 398.
(¬4) ساقطة من الأصل، ومثبتة من المصنف 2: 398.
(¬5) في مصنف ابن أبي شيبة 2: 398.
(¬6) في مصنف ابن أبي شيبة 2: 398.
تعطى الدرهم في صدقة الفطر» (¬1).
«حدثنا أبو أسامة عن زهير قال سمعت أبا إسحاق - رضي الله عنه -، يقول: أدركتهم وهم يعطون في صدقة الفطر الدراهم بقيمة الطعام» (¬2).
قلت (¬3): وأبو إسحاق هذا هو عمرو بن عبد الله السَّبيعيّ (¬4) من الطبقة الوسطى من التابعين أدرك علياً - عليه السلام - وجماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - فهو يحكي عنهم، ويثبت أن ذلك كان معمولاً به في عصرهم وسيأتي تعيين بعضهم.
• • •
¬
(¬1) في مصنف ابن أبي شيبة 2: 398.
(¬2) في مصنف ابن أبي شيبة 2: 398.
(¬3) القائل هو المؤلف رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
(¬4) وهو عمرو بن عبد الله بن عبيد الهَمْداني السَّبيعي، أبو إسحاق، قال ابن حجر: ثقة مكثر عابد من الثالثة اختلط بأخرة، (ت129هـ). ينظر: التقريب ص360، وغيره.
فصل
[في أدلة جواز إخراج
صدقة الفطر مالاً]
فمَن كان مقلِّداً فحسبُه تقليدَ هؤلاء الأئمة، ولو من غير مذهبه (¬1)، فإن الانتقال من مذهب إلى مذهب، ولو في بعض النوازل جائز على الصحيح المشهور في كلّ المذاهب (¬2).
¬
(¬1) قال العلامة عبد الغني النابلسي في خلاصة التحقيق في بيان حكم التقليد والتلفيق ص 122: أما غير المجتهد فهم عامة الناس فلا يجب عليهم التزام العمل بمذهب معين من المذاهب الأربعة على القول الراجح، بل يجوز لكل أحد منهم أن يعمل في عبادة أو معاملة على أي مذهب شاء، لكن بعد استيفاء جميع الشروط التي يشترطها المذهب، إلا كان عمله باطلاً بالإجماع ... ومتى عمل عبادة أو معاملة ملفقة أخذ لها من كل مذهب قولاً لا يقول به صاحب المذهب الآخر، فقد خرج عن المذاهب الأربعة واخترع له مذهباً خامساً، فعبادته باطلة، ومعاملته غير صحيحة، وهو متلاعب في الدين، وغير عامل بمذهب من مذاهب المجتهدين؛ لأنه لو سئل كل مفت من أهل المذاهب الأربعة، فلا يسوغ له أن يفتي بصحة تلك العبادة أو المعاملة؛ لفقد شروط صحتها عنده، فإن قولهم: العامي لا مذهب له، يعين معيناً، وإنما مذهبه مذهب مفتيه، فأي فقيه أفتاه جاز له العمل بقوله.
(¬2) إن الأصل للمفتي المقلّد أن لا يفتي إلا بمذهب إمامه حسب القواعد السابقة؛ إذ أن تقليد إمام معيّن حكم مبنيّ على المصالح الشرعية؛ لئلا يقع الناس في اتباع الهوى، فإن التقاط رخص المذاهب بالهوى والتشهي حرام، ولذلك منع كثير من العلماء التلفيق بين المذاهب، وليس جميع ذلك إلا لوقاية الناس عن اتباع أهوائهم الفاسدة، وإلا فالمحقق أن جميع مذاهب المجتهدين محقّة لا سبيل لطعن في أحد منها؛ لأن كل مجتهد بذل ما في وسعه من جهد في الوصول إلى مراد النصوص واستخراج الأحكام منها.
فليست الشريعة منحصرةٌ في مذهب إمام واحد، بل كل مذهب جزء من أجزاء الشريعة وطريقة من طرق العمل عليها، فالمسائل الفقهية المدونة في مذهب واحد تندرجُ في قسم الشرع المؤول دون الشرع المنَزّل، وإنما الشرع المنزّل دائر بين سائر المذاهب، ومَن ظن أن الشريعة منحصرة في مذهب واحد من هذه المذاهب فإنه مخطئ بيقين.
ومن هذه الجهة ربما يجوز لمفتي مذهب واحد أن يختار قول المذهب الآخر للعمل أو للفتوى بشرط أن لا يكون ذلك بالتشهي المجرّد واتباعاً للهوى، وإنما يجوز ذلك في حالتين:
الأولى: الضرورة أو الحاجة: وذلك أن يكون في المذهب في مسألة مخصوصة حرج شديد لا يطاق أو ضرورة واقعية لا محيص عنها فيجوز أن يعمل بمذهب آخر؛ دفعاً للحرج، ورفعاً للضرورة وهذا كما أفتى علماء الهند بمذهب المالكية في مسألة المفقود وغيرها.
وقد نص علماء المذهب على ذلك في بعض المسائل كما في أصول الإفتاء ص 52 - 53 وغيره، فقد صرَّح جمعٌ من الحنفية كالقُهُستاني في جامع الرموز 2: 217 والحصكفي في الدرِّ المنتقى شرح الملتقى 1: 713 - 714.، وابن عابدين وغيرهم: بأنّه لو أفتى حنفيٌّ في هذه المسألة بقول مالك - رضي الله عنه - عند الضرورة لا بأس به.
قال العلامة محمد تقي العثماني في في أصول الإفتاء ص 53 وقد تعقدت في عصرنا المعاملات وكثرت فيها حاجات الناس، ولا سيما بعد حدوث الصناعات الكبيرة وشيوع التجارة فيما بين البلدان والأقاليم، فينبغي للمفتي أن يسهل على الناس في الأخذ بما هو أرفق فيما تعم به البلوى، سواء كان في غير مذهبه من المذاهب الأربعة، وقد أوصى بذلك شيخ مشايخنا العلامة رشيد أحمد الكنكوهي صاحبه الشيخ العلامة أشرف علي التهانوي وقد عمل بذلك التهانوي في كثير من المسائل في إمداد الفتاوى.
ولكن يجب لجواز الإفتاء بمذهب الغير بسبب الحاجة أو عموم البلوى أن تتحقق الشروط الآتية:
1. ... أن تكون الحاجة شديدة والبلوى عامة في نفس الأمر لا مجرد الوهم بذلك.
2. ... أن يتأكد المفتي بآراء غيره من أصحاب الفتوى بمسيس الحاجة، والأحسن أن لا يتبادر بالإفتاء منفرداً عن غيره، بل يجتهد أن يضمّ معه فتوى غيره من العلماء؛ لتكون الفتوى جماعياً لا انفرادياً.
3. ... أن يتأكد ويتثبت في تحقيق المذهب الذي يريد أن يفتي به تحقيقاً بالغاً، والأحسن أن يراجع في ذلك علماء ذلك المذهب ولا يكتفي برؤية مسألة في كتاب أو كتابين؛ لأن كل مذهب له مصطلحات تخصه وأساليب ينفرد بها، وربّما لا يصل إلى مرادها الحقيقي إلا مَن مارس هذه المصطلحات والأساليب.
4. ... أن يؤخذ ذلك المذهب بجميع شروطه المعتبرة عنده؛ لأن لا يؤدي ذلك إلى التلفيق في مسألة واحدة.
الثانية: أن يكون المفتي متبحراً في المذهب عارفاً بالدلائل؛ له نظر عميق في القرآن والسنة وإن لم يبلغ درجة الاجتهاد. ينظر: كتابي المدخل إلى دراسة الفقه الإسلامي ص 261 - 263، وغيره.
وأما مَن كان من أهل العلم والنظر وقبول الحجّة والدليل فليعلم أن استدلالنا لهذه المسألة من وجوه:
الوجه الأول
إن الأصل في الصدقة المال، قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} (¬1)، والمال في الأصل ما يملك من الذهب والفضة، وأطلق على ما يُقتنى من الأعيان مجازاً وأكثر ما يطلقه العرب على الإبل؛ لكونها أكثر مالهم (¬2).
¬
(¬1) التوبة: من الآية103.
(¬2) قال ابن الأثير - رضي الله عنه -: المال في الأصل ما يملك من الذهب والفضّة، ثم أطلق على كل ما يُقتنى ويُملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق عند العرب على الإبل؛ لأنها كانت أكثر أموالهم. ينظر: لسان العرب 6: 4300.
وقال ابن منظور في لسان العرب 6: 4300: المال: ما ملكته من جميع الأشياء.
وقال محمد بن الحسن: المال: كلّ ما يتملكه الناس من دراهم أو دنانير أو ذهب أو فضة أو حنطة أو شعير أو خبز أو حيوان أو ثياب أو سلاح أو غير ذلك. ينظر: المغرب ص448 - 449.
وقال الأزهري: تموّل مالاً اتخذه قنية، فقول الفقهاء: ما يتموّل: أي ما يعد مالا في العرف، والمال عند أهل البادية النعم. ينظر: المصباح المنير ص586.
وبيان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنصوص عليه، إنما هو للتيسير ورفع الحرج، لا لتقييد الواجب وحصر المقصود فيه؛ لأن أهل البادية وأرباب المواشي تعزّ فيهم النقود، وهم أكثر مَن تجب عليه الزكاة، فكان الإخراج ممَّا عندهم أيسر عليهم؛ فلذلك فرض على أهل المواشي أن يتصدّقوا من ماشيتهم، وعلى أهل الحبّ أن يتصدّقوا من حبّهم، وعلى أهل الثمار من ثمارهم، وعلى أهل النقد من نقدهم، تيسيراً على الجميع ولئلا يُكَلَّفَ أحدٌ استحضارَ ما ليس عنده مع اتحاد المقصد في الجميع وهو مواساة الفقراء.
الوجه الثاني
إن أخذَ القيمة في الزكاة ثابت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن جماعة من الصحابة في عصره وبعد عصره:
قال يحيى بن آدم القُرشيّ (¬1) في كتاب «الخراج» (¬2): حدثنا سفيان بن عُيَيْنة عن عمرو بن دينار عن طاوس قال: قال معاذ - رضي الله عنه - باليمن: «ائتوني
¬
(¬1) وهو يحيى بن آدم بن سليمان القرشي الكوفي، أبو زكريا، قال ابن معين وأبو حاتم وآخرون: ثقة. قال النووي: وهو من العلماء المصنفين، من مؤلفاته: الخراج، والزوال، والفرائض. (ت203هـ). ينظر: تهذيب الأسماء 2: 150، ومعجم المؤلفين 4: 87، وغيرهما.
(¬2) ص147.
بعرض ثياب آخذه منكم مكان الذرة والشعير، فإنه أهون عليكم، وخير للمهاجرين بالمدينة» (¬1).
وقال أيضاً (¬2): حدثنا سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس، قال: قال معاذ - رضي الله عنه -: ائتوني بخَميس (¬3) أو لَبِيس (¬4) آخذه منكم مكان الصدقة، فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة.
وقال ابن أبي شَيْبة في «المصنّف» (¬5):
«حدثنا عبد الرحيم عن الحجاج عن عمرو بن دينار عن طاوس قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معاذاً - رضي الله عنه - إلى اليمن فأمره أن يأخذ الصدقة من الحنطة والشعير فأخذ العروض والثياب بدل الحنطة والشعير.
حدثنا جرير بن عبد الحميد عن ليث عن عطاء أن عمر - رضي الله عنه -: «كان يأخذ العروض في الصدقة من الورق وغيرها».
حدثنا ابن عُيَينة عن إبراهيم بن ميسرة ـ فذكر مثل ما رواه يحيى ابن
¬
(¬1) في سنن الدارقطني 2: 100.
(¬2) أي يحيى بن آدم في كتاب الخراج ص147.
(¬3) الخميس ثوب طوله خمسة أذرع. ينظر: طلبة الطلبة ص20.
(¬4) اللبيس: الملبوس الخَلَق. ينظر: طلبة الطلبة ص20، وقال المطرزي في المغرب ص155: يعني الصغير من الثياب.
(¬5) مصنف ابن أبي شيية 2: 404.
آدم عن سفيان في الخَميس واللَبيس ـ ثم قال: حدثنا وكيع عن سفيان عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس أن معاذاً - رضي الله عنه - كان يأخذ العروض في الصدقة.
حدثنا وكيع عن أبي سنان عن عنترة: «إن علياً - عليه السلام - كان يأخذ العروض في الجزية من أهل الإبر (¬1) الإبر (¬2)، ومن أهل المال المال، ومن أهل الحبال الحبال».» (¬3).
وقال أبو عبيد في كتاب «الأموال» (¬4): «قد جاء الثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن أمر معاذاً حين خرج إلى اليمن بالتيسير على الناس، وأن لا يأخذ كرائم أموالهم، ثم جاء مفسراً عن معاذ في حديث له آخر أنه قال هناك: ائتوني بخَميس أو لَبيس آخذه منكم مكان الصدقة، فإنه أيسر عليكم، وأنفع للمهاجرين بالمدينة، فالأسنان (¬5) بعضها ببعض أشبه من العروض بها، وقد قبلها معاذ - رضي الله عنه -.
¬
(¬1) في تاج العروس 10: 5 - 8: أبر النخل والزرع يأبره: أي أصلحه ... والإبرة: شجر كالتين. والله أعلم.
(¬2) ساقطة من النسخة المحققة، ومثبتة في الأصل، وفي المصنف 2: 404.
(¬3) انتهى النقل من مصنف ابن أبي شيبة 2: 404.
(¬4) ص509.
(¬5) الأسنان جمع سن: وهي المعروفة ثم سمي بها صاحبها كالناب للمسنة من النوق، ثم استعيرت لغيره كابن المخاض وابن اللبون ومن المشتق منها الأسنان، وهو في الدواب أن تنبت السن التي بها يصير صاحبها مسناً أي كبيراً، وأدناه في الشاة والبقر الثني، وأقصاه فيهما الصلوغ وفي الإبل البزول. ينظر: المغرب ص237، وغيره.
وروى عن عمر - رضي الله عنه - وعلي - رضي الله عنه - مثله في الجزية أنهما كانا يأخذان مكانها غيرها:
حدثني يحيى بن بكير عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر - رضي الله عنه - أنه كان يأتيه من الشام نعم كثيرة من الجزية.
حدثنا محمد بن ربيعة وأبو نعيم عن سعيد بن سنان عن عنترة عن علي - عليه السلام - أنه كان يأخذ الجزية من أصحاب الإبر الإبر ـ فذكر مثل ما رواه ابن أبي شيبة ـ ثم قال: قد رخصا في أخذ العروض والحيوان مكان الجزية، وإنّما أصلها الدراهم والدنانير والطعام، قال: وكذلك كان رأيهما في الديات من الذهب، والورق، والإبل، والبقر والغنم، والخيل، وإنما أرادا التسهيل على النّاس فجعلا على أهل كل ما يمكنهم». [ا] هـ.
وقال البُخاريّ (¬1) في «صحيحه» (¬2): (باب العروض في الزكاة): «وقال طاوس قال معاذ - رضي الله عنه - لأهل اليمن: ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في
¬
(¬1) وهو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجُعْفِي البُخَارِيّ، أبو عبد الله، من مؤلفاته: الأدب المفرد، والتاريخ الكبير، والضعفاء، قال الذهبي: كان من أوعية العلم، يتوقَّدُ ذكاء، ولم يخلف بعده مثله، (194 - 256هـ). ينظر: تهذيب الأسماء واللغات (1: 67)، العبر (2: 13).
(¬2) صحيح البخاري 2: 525.
الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم، وخير لأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة». ثم استدلّ البُخاريّ بما سيأتي من الأحاديث.
وقال البَيْهَقيّ (¬1) في «سننه» (¬2): (باب مَن أجاز أخذ القيم في الزكاة) ثم: أخرج حديث معاذ من طريق يحيى بن آدم القرشي بروايتي عمرو بن دينار وإبراهيم بن ميسرة عن طاوس.
ومعلوم أن معاذاً كان يرسل ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه هو متولي الصدقة ومفرّقها على الفقراء بالمدينة، وقد قبل ذلك وأقرّه عليه مع أنه صلى الله عليه وآله وسلم لَمّا وجهه إلى اليمن، قال له: (خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقرة من البقر) (¬3)، كما رواه البَيْهَقيّ (¬4)، فقال: «أخبرنا أبو علي الروذباريّ وأبو عبد الله الحافظ، قالا:
¬
(¬1) وهو أحمد بن الحسين بن علي الخُسْرَوْجِرْدي البَيْهَقِيّ، أبو بكر، قال إمام الحرمين: ما من شافعي إلا وللشافعي في عُنُقِهِ منَّة إلا البيهقي، فإن له المنّة على الشافعي نفسه، وعلى كل شافعي لما صنفه في نصرة مذهبه من ترجيح الأحاديث، كالسنن الكبير، والسنن الصغير، ومعرفة السنن والآثار، وجمعه لنصوصه في كتابه المسمَّى بالمبسوط، وتصنيفه في مناقبه، (ت458هـ). ينظر: العبر (3: 242). طبقات الأسنوي (1: 98 - 99).
(¬2) سنن البيهقي الكبير 4: 113، وفي سنن الدارقطني 2: 100.
(¬3) في المستدرك 1: 546، وصححه، وسنن أبي داود 2: 109، وسنن ابن ماجة 1: 508، وسنن الدارقطني 2: 99، وغيره.
(¬4) في سننه الكبير 4: 112.
حدثنا أبو العبّاس محمد بن يعقوب حدثنا الربيع بن سليمان حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني سليمان بن بلال عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن عطاء بن يسار عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعثه إلى اليمن، فقال: (خذ الحب من الحب والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقرة من البقر).».
ومع هذا التعيين الصريح قال معاذ - رضي الله عنه - للناس: ائتوني بعرض ثياب بدل الشعير والذرة؛ لعلمه أن المرادَ سد حاجة الفقراء لا خصوص هذه الأعيان، ولذلك قال: فإنّه أهون عليكم وخير لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة، وأقره النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك ولو كان خلاف الشرع المفترض لما أقرّه، ولأمره برد ذلك إلى أهله ونهاه عنه، كما وقع في غيره (¬1).
فصل:
[في ذكر دليل آخر على جواز أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - القيمة في الزكاة]
ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (في خمس من الإبل
¬
(¬1) رحم الله المؤلف رحمة واسعة على دقة فهم واستدلاله مع حفظه الواسع، فلو لم يكن له سوى هذا الاستدلال على جواز إخراج القيمة في الزكاة لكفى حجّة وبرهاناً في الردّ على كلّ مخالف، وإن مثل هذا الاستدلال لو كتبناه بماء الذهب ما أوفيناه حقّه.
شاة) (¬1)، وكلمة في حقيقة للظرف وعين الشاة لا توجد في الإبل، فلمّا أجاز إخراجها من الإبل وليست منها دلّ ذلك على المراد قدرها من المال.
وكذلك رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إبل الصدقة ناقة كَوْماء (¬2) فغضب على المصدق، وقال: (ألم أنهكم عن أخذ كرائم أموال الناس، فقال الساعي: أخذتها ببعيرين من إبل الصدقة، فقال: نعم إذاً) (¬3). كما رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (¬4): حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن مجالد عن قيس ابن أبي حازم عن الصُنابحيّ الأحمسي (¬5) قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبصر ناقة مسنّة في إبل الصدقة فغضب، وقال: قاتل الله صاحب هذه النّاقة. فقال: يا رسول الله إنّي ارتجعتها (¬6) ببعيرين من حواشي
¬
(¬1) في المستدرك 1: 549، وجامع الترمذي 3: 17، وسنن البيهقي الكبير 4: 88، وسنن أبي داود 2: 98، وسنن ابن ماجة 1: 573، وغيرها.
(¬2) الكوماء: الناقة العظيمة السنام. ينظر: طلبة الطلبة ص16، وغيره.
(¬3) ولفظه في سنن البيهقي الكبير 4: 133: عن قيس بن أبي حازم عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إنه رأى في إبل الصدقة ناقة كوماء فسأل عنها، فقال المصدق: إني أخذتها بإبل. فسكت).
(¬4) مصنف ابن أبي شيبة 5: 53.
(¬5) زاد في النسخة المحققة عن الأعمش. ولم أقف عليها في المصنف ولا في سنن البيهقي ولا في مسند أحمد، فليحرر.
(¬6) الارتجاع أن يأخذ سنا مكان سن كذلك فسره أبو عبيد فقال: إذا أوجبت على رب المال أسنان من الإبل فأخذ المصدق مكانها أسنانا فوقها أو دونها فتلك التي أخذ رجعة بكسر الراء؛ لأنه ارتجعها من التي وجبت على ربها. ينظر: التحقيق 2: 32، وغيره.
الصدقة. قال: فنعم إذاً) (¬1).
وأخذ البعير ببعيرين إنما يكون باعتبار القيمة، فهذا يدلّ على أن التنصيص على الأسنان المخصوصة والشاة إنما هو لبيان قدر المالية التي هي الأصل، وأن التخصيص المذكور إنما هو للتَّيسير على أرباب المواشي.
فصل:
[في ذكر دليل آخر على جواز أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - القيمة في الزكاة]
ومن ذلك ما رواه أبو داود (¬2): حدثنا محمد بن منصور، حدثنا يعقوب ابن إبراهيم، حدثنا أبي عن ابن (¬3) إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة، عن عمارة بن عمرو بن حَزْم، عن أبي بن كعب - رضي الله عنه - قال: (بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مصدقاً، فمررت برجل فلمّا جمع لي ماله، لم أجد عليه فيه إلا ابنة مخاض، فقلت: أدّ ابنة مخاض، فإنها صدقتك، فقال: ذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر (¬4)، ولكن هذه ناقة فتية عظيمة سمينة فخذها. فقلت له: ما أنا بآخذ ما لم أومر
¬
(¬1) لفظه عند أحمد في المسند 4: 349: عن الصنابحي قال: (رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في إبل الصدقة ناقة مسنة فغضب، وقال: ما هذه. فقال: يا رسول الله إنى ارتجعتها ببعيرين من حاشية الصدقة. فسكت).
(¬2) في سننه 2: 104، إلا أن في الرواية اختصار يسير من المؤلف رحمه الله تعالى.
(¬3) في الأصل: أبي، والمثبت من السنن.
(¬4) أي لا ينتفع بها بلبنها ولا بالركوب عليها. ينظر: بذل المجهود 8: 83، وغيره.
به، وهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منك قريب، فإن أحببت أن تأتيه فتعرض عليه ما عرضت عليّ فافعل. قال: فإنّي فاعل فخرج معي بالناقة التي عرض علي حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكر له القصّة، ثمّ قال: وها هي ذه، جئتك بها يا رسول الله خذها. فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ذاك الذي عليك فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه، وقبلناه منك. قال: فها هي ذه. فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقبضها ودعا له في ماله بالبركة) (¬1).
وجه الدلالة منه: إن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أخبر أن بعض الناقة تطوع وبعضها فرض مكان بنت مخاض، وليس في فروض الصدقة بعض ناقة، فثبت أنه عليه الصلاة والسلام أخذها على وجه البدل مراعاةً لمصلحة الفقراء.
فصل
[في ذكر دليل آخر على جواز أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - القيمة في الزكاة]
ومن ذلك ما استدلّ به البُخاريّ فقال: في «صحيحه» (¬2): حدّثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب قال: حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -
¬
(¬1) في صحيح ابن خزيمة 4: 24، وصحيح ابن حبان 8: 63، والمستدرك 1: 556، وسنن البيهقي الكبير 4: 96، وينظر: موارد الظمآن 1: 204، وتحفة المحتاج 2: 46.
(¬2) صحيح البخاري 2: 534.
قال: (أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصدقة، فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعبّاس بن عبد المطلب فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما ينقِم ابن جميل إلا أنه كان فقيراً فأغناه الله ورسوله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً قد احتبس أدْراعَه وأعْتُدَه (¬1) في سبيل الله (¬2) ... (¬3)) الحديث.
وجه الدلالة منه: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أجاز لخالد أن يحاسب نفسه بما حبسه فيما يجب عليه فدلّ على جواز إخراج القيمة في الزكاة.
واستدلّ البُخاريّ أيضاً بما رواه فقال (¬4): حدّثنا محمد بن عبد الله، حدثني أبي، قال حدثني ثمامة، إن أنس بن مالك - رضي الله عنه - حدثه: (إن أبا بكر
¬
(¬1) أعتدة وأعتاد جمع عَتاد: وهي آلات الحرب من السلاح والدواب وغيرها. ينظر: شرح النووي على مسلم ص7: 56، وغيره.
(¬2) ومعنى الحديث أنهم طلبوا من خالد زكاة أعتاده ظناً منهم أنها للتجارة، وأن الزكاة فيها واجبة، فقال لهم: لا زكاة علي. فقالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - إن خالداً منع الزكاة، فقال لهم: إنكم تظلمونه؛ لأنه حبسها ووقفها في سبيل الله قبل الحول عليها فلا زكاة فيها، ويحتمل أن يكون المراد لو وجبت عليه زكاة لأعطاها ولم يشح بها؛ لأنه قد وقف أمواله لله تعالى متبرعاً، فكيف يشح بواجب عليه. ينظر: شرح النووي على صحيح مسلم 7: 56، وغيره.
(¬3) وتماتمه: (وأما عباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي عليه ومثلها معها) في مصنف عبد الرزاق 4: 18، وصحيح مسلم 2: 676، وصحيح ابن خزيمة 4: 48.
(¬4) في صحيحه 2: 525.
الصديق - رضي الله عنه - كتب له التي أمر الله رسوله ومن بلغت صدقته بنت مخاض وليست عنده وعنده بنت لبون فإنها تقبل منه، ويعطيه المصدق عشرين درهماً أو شاتين، فإن لم يكن عنده بنت مخاض على وجهها وعنده ابن لبون فإنه يقبل منه وليس معه شيء).
وقال أيضاً (¬1): حدثنا محمد بن عبد الله، حدثني أبي، قال حدثني ثمامة، إن أنساً - رضي الله عنه - حدّثه: (إن أبا بكر - رضي الله عنه - كتب له فريضة الصدقة التي أمر الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم مَن بلغت عنده من الإبل صدقة الجَذَعة [وليست عنده جذعة] (¬2) وعنده حقة فإنّها تقبل منه الحِقّة، ويجعل معها شاتين إن استيسرت له، أو عشرين درهماً ... (¬3)) الحديث.
وهو صريح في أخذ القيمة بدل الواجب.
¬
(¬1) أي البخاري في صحيحه 2: 527.
(¬2) سقطت من الأصل، والمثبت من الصحيح.
(¬3) وتمام الحديث: (ومَن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده الحقة وعنده الجذعة فإنها تقبل منه الجذعة ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين، ومَن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده إلا بنت لبون فإنها تقبل منه بنت لبون ويعطي شاتين أو عشرين درهماً، ومَن بلغت صدقته بنت لبون وعنده حقة فإنها تقبل منه الحقة ويعطيه المصدق عشرين درهماً أو شاتين، ومن بلغت صدقته بنت لبون وليست عنده وعنده بنت مخاض فإنّها تقبل منه بنت مخاض ويعطي معها عشرين درهما أو شاتين) في صحيح البخاري 2: 527.
واستدلّ البُخاري أيضاً (¬1) بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم للنساء يوم عيد الفطر كما ورد مصرّحاً به في «مسند أحمد» (¬2): (تصدّقن ولو من حليكنّ، فجعلت المرأة تلقي الخرص والخاتم والشيء).
قال البُخاري (¬3): «فلم يستثن صدقة الفرض من غيرها».
وتتبع مثل هذه الأحاديث يطول، قال العَيْنيّ (¬4) في «شرح البخاري» (¬5): «واعلم أن دفعَ القيمة في الزكاة جائز عندنا (¬6)، وكذا في الكفارة وصدقة الفطر والعشر والخراج والنذر وهو قول عمر وابنه عبد الله وابن مسعود وابن عبّاس ومعاذ وطاوس - رضي الله عنهم -، وقال الثوري: يجوز إخراج العروض في الزكاة إذا كانت بقيمتها، وهو مذهب البُخاري وإحدى
¬
(¬1) في صحيحه 2: 525.
(¬2) مسند أحمد 1: 376، 425، 3: 502، 6: 363، وليس فيها ذكر عيد الفطر، فلعله مذكور في غيره هذه المواضع، والله أعلم.
(¬3) في صحيحه 2: 525.
(¬4) وهو محمود بن أحمد بن موسى العنتابي العَيْني الحلبي القاهري الحنفي، أبو محمد، بدر الدين، قال السيوطي: كان إماماً عالماً علامة عارفاً بالعربية والتصريف حافظاً للغة سريع الكتابة، عمَّر مدرسة بقرب الجامع الأزهر ووقف كتبه بها، من مؤلفاته: البناية في شرح الهداية، ورمز الحقائق شرح كنز الدقائق، وشرح شرح معاني الآثار، (762 - 855هـ). الضوء اللامع 10: 131 - 135. كتاب أعلام الأخيار ق351/ب-ق352/أ. الفوائد البَهيَّة ص340. البدر الطالع 2: 294 - 295.
(¬5) عمدة القاري شرح صحيح البخاري 9: 8.
(¬6) أي عندنا في المذهب الحنفي.