تحفة النبلاء ..........
.... في جماعة النساء
جارٍ تحميل الكتاب…
تحفة النبلاء ..........
.... في جماعة النساء
تحفة النبلاء
في جماعة النساء
للإمام أبي الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الحنفي
ولد سنة (1264) وتوفي سنة (1304 هـ)
حققه وخرج أحاديث وعلق عليه
الأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
تقدمة الكتاب:
الحمدُ لله الجامع للمؤمنين في الصلوات والمبعد لهم عن رذائل الهيئات، والصلاة والسلام على رسوله إمام العالمين في الحضرات والغيبات، وعلى آله وصحابته نبراس الجماعات.
أمَّا بعد:
فهذا تأليف أنيق لطيف في جماعة النساء للمجدِّد الإمام الفقيه المحدِّث أبي الحسنات محمد عبد الحي بن محمد عبد الحليم اللكنوي الأيوبي الأنصاري، حقَّق فيه مسألة جواز جماعة النساء مستنداً للأحاديث والآثار الواردة فيها، ثم ذكر وجوه كراهتها عند الحنفية وأجاب بإفاضة عنها، مبيِّناً ضعف ما استندوا إليه في الكراهة، وصراحة الأحاديث والآثار في جوازها، ولكنها خلاف الأولى، وأتبع ذلك بذكر بعض المسائل المتعلِّقة بها، فكانت مظهرة لما خفي جامعة لما تفرَّق محقِّقةً لمحل النِزاع.
واعتمدت في إخراجها على طبعة حجرية طبعت في زمن الإمام اللَّكْنَوِيّ رحمه الله تعالى منسوباً فيه إليه كما نسبها هو لنفسه في كثير من مصنفاته منها: «دفع الغواية» (ص 42). و «مقدِّمة التعليق المُمَجَّد» (ص 28). و «مقدِّمة عمدة الرعاية» (ص 31). وكذا نسبه إليه تلميذه عبد الباقي الأنصاري كما في مقدمة «تحفة الأخيار» (ص 35).
وذكره الإمام اللكنوي في «نفع المفتي والسائل» (ص 27)، باسم: «تُحْفَة الجلساء في جماعة النساء»، والعلامة عبد الحي الحسني في «معارف العوارف» (ص 112).
وقد سعيت إلى إخراجه على أحسن حال مخرجاً للأحاديث، موثقاً للنصوص ما أمكن، مفصِّلاً للجمل والعبارات، ضابطاً بالشكل ما يحتاج إلى الضبط، صانعاً لفهارس تخدمه وتيسير الرجوع لما حوى من التَّحقيقات النَّادرة والفوائد الكثيرة.
واللهَ أسألُ أن يتقبَّلها ويجعلها خالصةً لوجه الكريم، ويتجاوز عني وعن والدي وعن المؤمنين والمؤمنات، والصلاة والسلام على رسوله الكريم.
وكتبه
في 24/رمضان/1420 هـ ... صلاح محمد أبو الحاج
الموافق 1/كانون الثاني/2000 مـ ... الأعظمية / بغداد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ الذي هدانا وما كُنْا لنهتدي لولا أن هدانا إلى سواءِ السَّبيلِ، وجَعَلَ العلماءَ ورثةَ الأنبياءِ، وخَصَّهم بمزيدِ تفضيلٍ، ورَفَعَ لهم الدَّرجاتِ، وضاعفَ لهم المثوباتِ، وفَضَّلَهم بالأَجرِ الجزيلِ، ووعدٌ من نَبِيِّهِ ببعثِ مجدِّدٍ (¬1) على رأسِ كل مئةِ سنةٍ في أُمَّتِهِ يُحِقُّ الحَقَّ، ويُبْطِلَ الباطلَ
¬
(¬1) قوله: ببعث مجدِّد ... الخ: فيه إيماء إلى ما روى أبو داود (4: 109) وغيرُهُ [مثل: المستدرك على الصحيحين (4: 567،568)] عن أبي هريرة فيما أَعلم عن رسولِ الله صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم: إنَّ الله عزوجل يبعث في الأمَّة على رأس كلِّ مئةِ سنةٍ منَ يُجَدِّدُ لَهَا دينها. انتهى.
قال أحمد بن حنبل وغيرُهُ من الأَكابِرِ: أنَّهُ كان عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ في المئةِ الأولى، ومُحمَّدُ ابنُ إدريس الشَّافِعِيّ في الثَّانيةِ، وأَنا أَدعو له منذ أربعين سنةٍ في صلواتي.
والشيخُ مُحَمَّدُ بنُ الحسينِ أَنَّهُ قال سمعتُ أَصحابنا يقولون كما مَرَّ، وهكذا قال الشَّيْخُ الإمام أبو الحسينِ بنُ مسلم السَّلمي على المنبر بجامع دمشق، وزاد كان على رأس المئة الثَّالثة أبوالحسن بن إِسماعيل الأَشْعَرِيّ، والرَّابعةُ: القاضي أبو بكر مُحَمَّدُ بنُ الطيب بن الباقلاني، وعلى الخامسة: المسترشد بالله أمير المؤمنين. وهذا أصحُّ ممَّا قال غيره من أنَّهُ كان على المئة الثَّالثة أبوالعباس أحمد بن عُمَر بن شريج، وعلى الرابعة: أبو الطيب سهل بن مُحمَّدِ بن سليمان= =الصعلوكي النيسابوري، لكن الأصوب أنَّ الذي كان على رأس المئة الخامسة أَبو حامد الغَزَالي لا المسترشد بالله، وعلى رأس السَّادسة: الإمام الرَّازيّ، وعلى رأس السَّابعة: ابن دقيق العيد، وعلى رأس الثَّامنة: زين الدِّين العراقي، وعلى التَّاسعة: الجلال السُّيُوطِيّ، وعلى رأس الألف الشهاب الرَّمْلِي، وملا علي قاري مَكي. تلميذه المولوي محمد عبد الغفور صاحب رمضانفوري.
أقول: هذا أول تعليق للملوي محمد عبد الغفور وسيأتي تعليقات أخرى له على هذا المؤلَّف الذي ألَّفه الإمام اللكنوي بناءاً على طلبه، كما هو موضح في خاتمة الطبعة الحجرية كما سيأتي. وهو العالم الفقيه الحنفي البهاري، المولود في سنة (1270 هـ).نزهة الخواطر (8: 271).
بأوضحِ سبيلٍ، فسبحانُهُ ما أعظم شأنَهُ، أشهدُ أَنَّهُ لا إله إلا هو وحدَهُ لا شريكَ له، ولا ضد له، ونظيرُهُ مستحيلٌ، وأُصلِّى وأُسلم على رسولِهِ سيدِ وَلَدِ آدم، فخرُ العالمِ محمدٌ الذي أوضحَ لمتبعيهِ سُبُلَ الهدايةِ، ونَحاهُم عن طُرُقِ الضَّلالةِ صاحبِ الخُلُقِ العظيمِ والفضلِ الجميل، وعلى آلهِ وصحبِهِ وَمَن تَبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الثَّوابِ الجليلِ.
وبَعْدُ:
فيقولُ الرَّاجي عفو ربِّهِ القوي أَبُو الحسناتِ مُحمَّدٌ عبدَ الحي اللَّكْنَوِيّ الأَنصَارِيّ الحَنَفِي تجاوزا لله عن ذنبه الجَلِيّ والخفي:
هذه كراسةٌ لطيفةٌ، وعجالةٌ شريفةٌ، مسمَّاةٌ بـ:
«تُحْفَةِ النُّبَلاءِ فِي جَمَاعَةِ النِّسَاءِ»
ألَّفتُها حين وقعتْ تذكرةُ جماعةِ النِّساءِ وحدهنَّ في الصَّلواتِ الخمسِ وغيرها بين الجُلَساءِ، أرجو من فضلِ ربي أن يجعلها مَقبولةً في أعينِ الفُضَلاءِ.
وقد رتبتُها على مراصدٍ مُشتملةً على مقاصدَ:
المَرْصَدُ الأَوَّلُ (¬1)
فِي ذِكْرِ الأَخْبَارِ وَالآثَارِ الوَارِدَةِ
فِي مَشَرُوعِيَةِ جَمَاعَةِ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ
فِي الفَرَائِضِ وَالنَوَافِلِ وَكَيْفِيَةِ إِقَامَتِهُنَّ
فِي حَالِةِ إِمَامَتِهُنَّ لَهُنَّ
أخرجَ أبو دَاوُدَ في «سننه»: حدَّثنا عُثمانُ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا وَكِيعُ بنُ الجَرَّاحِ، نَا الوليدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ جُمَيْعٍ، حدَّثَتْني جَدَّتي وعبدُ الرَّحمنِ بنُ خلادٍ الأَنصَارِيُّ عن أُمِّ وَرَقَةَ بنتِ عبدِ اللَّهِ بنِ نَوْفَلٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم لَمَّا غَزَا بَدْرًا، قالت: قلت: له يا رسولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لي
¬
(¬1) قوله المرصد الأَوَّل في ذكر الأخبار ... الخ: أي في الأحاديث الصَّحيحةِ التي تدلُّ صريحاً على أن جماعةَ النِّساءِ وحدهنَّ بحيث تكون امرأةٌ منهنَّ إماماً والباقيات كلهنَّ مقتدياتٍ جائزٌ بلا كراهةٍ، وكيفيةِ إمامتهنِّ أي إذا صلَّينَّ وحدَّهنّ جماعةً، فهل يصفين كصفوف الرِّجالِ، بأن يكون إمامهنَّ مقدَّماً منهنَّ أَو يقوم في وسطهنَّ. مُحمَّد عبد الغفور الرمضانفوري.
في الغَزْوِ معكَ، أُمَرِّضُ مَرْضَاكُمْ، لعلَّ اللَّهَ أَن يَرْزُقَنِي شهادةً، قال: «قَرِّي فِي بَيْتِكِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرْزُقُكِ الشَّهَادَةَ»، قال: فكانت تسمَّى الشَّهيدةُ، قال: وكانت قد قرأَت القرآنَ فاستأذنتْ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آله وسلَّم أَن تَتَّخِذَ في دارها مُؤَذِّناً، فأذنَ لها، وكانت قد دَبَّرَتْ غُلامًا لها وجَاريةً، فقاما إِليها باللَّيلِ فَغَمَّاهَا بِقَطِيفَةٍ لها حتَّى ماتت، وذهبا فأصبحَ عُمَرُ رضِي الله عنه، فقامَ في النَّاسِ، فقال: من كان عنده من هذينِ عِلْمٌ، أَو مَن رَآهُمَا فليَجِئْ بهما، فأَمَرَ بهما فَصُلِبا فكانا أَوَّلَ مَصْلُوبٍ بِالمَدِينَةِ (¬1).
ثُمَّ أخرجَ (¬2) عن الحَسَنُ بنُ حَمَّادٍ الحَضْرَمِيُّ نَا مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلٍ عن الوليدِ بنِ جُمَيْعٍ عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ خَلادٍ عن أُمِّ وَرَقَةَ بنتِ عبدِ اللَّهِ بنِ الحَارِثِ بهذا الحديثِ، قال: «وكان رسول اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَزُورُها في بَيْتِهَا، وجَعَلَ لها مُؤَذِّناً يؤَذِّنُ لها، وأَمَرَها أَن تَؤُمَّ أَهلَ دَارِهَا، قال عبدُ الرَّحمنِ: فأَنا رَأَيْتُ مُؤَذِّنَها شَيْخًا كبيرًا».
¬
(¬1) رواه أَبُو دَاوُدَ في كتاب الصَّلاة في (باب إِمامة النِّساء)، رقم (500). وأحمد في مسند القبائل، رقم (26022،26023). وفي المستدرك (320:1)، رقم (740). وصحيح ابن خُزَيْمَة (89:3)، رقم (1676). وسنن البَيْهَقي الكبرى (406:1)، رقم (1768)، و (130:3)، رقم (5136). والمعجم الكبير (134:25)، رقم (326). وسنن الدَّارَقُطْنِيّ (279:1)، رقم (2)، و (403:1)، رقم (1).
(¬2) أي أَبُو دَاوُدَ في كتاب الصَّلاة، رقم (500).
قال ابنُ عبدُ البرِّ (¬1) في كتابه «الاستيعاب في أخبارِ الأصحاب»: أمُّ وَرَقَةَ بنتُ عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ بن عويمرِ الأَنصاريّ، وقيل: بنتُ نوفل، هي مشهورةٌ بكنيتها، واضطرَبَ أهلُ الخبرِ في نسبِها، كان رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم يسميها الشَّهيدة، وكانت حين غزا رسول الله بدراً، قالت: إِئْذَنْ لي أخرج معكم إداوي جَرْحَاكُم وأُمَرِضَ مَرْضَاكُمْ، لعلَّ الله يهدي إليَّ الشَّهادةَ، فقال لها: «إن اللهَ مُهْدٍ لَكِ الشَّهَادَةَ، وَقَرْيّ فِي بَيْتِكِ فَإِنْكِ شَهِيدَةٌ» (¬2).
وكان النَّبيّ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّم أمرها أن تَؤُمَ أَهْلَ دارها، وكان لها مُؤَذِنٌ، وكانت تَؤُمُ أهل دارِها حتَّى غَمْهَا غُلامٌ لها وجاريةٌ، قد كانت دبَّرتْهُما، فقتلاها في خلافةِ عُمْرَ - رضي الله عنه -.
فبلغَ ذلك عمرَ رضي الله عنه، فقامَ في النَّاسِ، وقال: إن أمَّ وَرَقَةَ غَمْهَا غُلامُها وجاريتُها فقتلاها، وأنَّهما هربا، فأمَرَ بطلبِهما، فأُدْرِكا فأتي بهما فُصُلِبا، وكانا أوَّل مصلوبٍين (¬3) [في الإسلامِ] (¬4) في المدينةِ، وقال عُمَرَ
¬
(¬1) هو الإمام أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البرِّ النَّمْري القُرْطُبيّ (ت463هـ). وفيات الأعيان (7: 66).
(¬2) سبق تخريجه (ص12).
(¬3) في الأصل: مصلوب، والمثبت من الاستيعاب.
(¬4) غير موجودة في الاستيعاب، وموجودة في الأصل.
رضي الله عنه: صدقَ رسولُ اللهِ حين كان يقولُ انطلقوا بنا نزورُ الشَّهيدةَ. انتهى (¬1).
وقال ابنُ الأَثير الجَزَري (¬2) في كتابه «أسد الغابة في معرفة الصَّحَابَة»: أمُّ ورقة بنتُ عبدِ اللهِ بنِ الحَارِث بنِ عُمَيْر الأَنصَارِيّة، وقيل: أمُّ ورقةَ بنتُ نوفل، هي مشهورةٌ بكنيتها، واختلفوا في نسبها، أخبرنا عبدُ الوهابِ الصُّوفِي بإسناده عن أبي دَاوُد نا عُثْمَانُ بنُ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعُ نا الوليدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ جميع حدَّثتني جدَّتي وعبدُ الرَّحمنِ بنُ خلاد الأَنصاريّ عن أمِّ ورقة بنتِ نوفل: «أنَّ النَّبيّ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّم لَمَا غزا بدراً» (¬3) الحَدِيث. انتهى.
وقال الحافظُ ابنُ حَجَرٍ (¬4) في «تلخيص الحبير في تخريج أحاديث
¬
(¬1) من الاستيعاب في معرفة الأصحاب (8: 1965).
(¬2) هو الإمام المؤرخ عز الدين أبو الحسَن علي بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشَّيْبَانِي، المعروف بابن الأَثير الجَزَري، (555 - 630هـ). الأعلام (5: 153)، الكشف (1: 82).
(¬3) سبق تخريجه (ص12).
(¬4) هو إمام الأئمة الحافظ شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي الكِنَاني العَسْقَلانِيّ المِصْريّ القَاهِريّ الشّافِعِي، المعروف بابن حَجَر، (773 - 852هـ). الضوء اللامع (2: 36).
شرح الرَّافِعِي (¬1) الكبير»:عند ذِكْرِ حَدِيث أمِّ وَرَقَةَ المذكورِ: أخرجهُ أَبُو دَاوُد والدَّارَقُطْنِيّ (¬2) والحَاكِم (¬3) والبَيْهَقِيّ (¬4) عَن أمِّ ورقة بنتِ نوفل: «أن النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم لَمَا غَزَا بَدْرَاً ... » الحديث (¬5).
وفيه: وأَمَرَها أَنْ تَؤُمَ أَهَلَ دَارِهَا، وفيه قصة وأنَّها كانت تسمَّى الشّهيدة.
وفي إسنادِهِ عبدِ الرَّحْمَنِ بنِ خلاد، وفيه جهالةٌ. انتهى (¬6).
وقال العَيْنِي (¬7) في «البِنَاية شرح الهِدَاية»: قوله: ـ أي ... صاحب
¬
(¬1) هو الإمام الفقيه الأصولي المحدِّث أبو القاسم عبد الكريم بن محمد بن الفضل الرَّافِعِيّ الشَّافِعِيّ، نسبة إلى رافع بن خديج رضي الله عنه. (ت623هـ).طبقات الشافعيةللآسنوي (1: 281).
(¬2) للإمام الحافظ أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي الدَّارَقُطْنِيّ البَغْدَادِيّ الشَّافِعِيّ، نسبة إلى دار قُطْن محلة كبيرة ببغداد، (306 - 385هـ). العبر (3: 28).
(¬3) للحافظ الكبير أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم الضَّبِّي الطَّهْمَان النَّيْسابوري، المعروف بالحاكم، (321 - 405هـ). العبر (3: 91).
(¬4) للحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي الخُسْرَوْجِرْدي البَيْهَقِيّ، نسبة إلى خُسْرَوْجِرْد وهي قرية من ناحية بَيْهَق، (ت458هـ). العبر (3: 242).
(¬5) سبق تخريجه (ص12).
(¬6) من تلخيص الحبير في أحاديث الرَّافِعِي الكبير (2: 26).
(¬7) هو قاضي القضاة بدر الدين أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى العَيْني، وكان أبوه قاضياً بعين تاب، فنسب إِليه، (762 - 855هـ). الضوء اللامع (10: 131).
«الدِّرَاية» (¬1) ـ: مع أن في حديثِ أمِّ وَرَقَةَ مقالاً إشارةً إلى ما قاله المُنْذِريّ (¬2) في «مختصرِهِ لسُنَن أَبِي داود»:أن في سندهِِ الوليدِ بنِ جُمَيْع، وفيه مقالٌ. ولا يَضُرُّهُ ذلك، فإنَّ مُسْلِماً أخرجَ له، وكفَى هذا في عدالتِهِ وثقتِهِ.
فإن قلت: قال ابنُ بطَّالٍ (¬3) في «كتابه»: الوليدُ بنُ جُمَيْعٍ وعبدُ الرَّحمنِ بنُ خلادٍ لا يعرَفُ حالهما.
قُلْتُ: ذكرهما ابنُ حِبَّان (¬4) في كتاب «الثِّقَات» (¬5)، فالحديث إذن (¬6) صحيح. انتهى (¬7).
¬
(¬1) لعلَّهُ صاحب مِعراج الدِّرَاية شرح الهداية وهو العلامة الفقيه قوام الدين محمد بن محمد بن أحمد السَّنْجَاري الكاكي، (ت749). الفوائد (ص306). والله أعلم.
(¬2) هو الإمام الحافظ شيخ الإسلام أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله المُنْذِرِيّ (581 - 656هـ) الكشف (1: 400).
(¬3) هو المحدِّث أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك بن بطَّال، من أهل قرطبة، له شرح البُخَارِيّ، (ت449هـ)، قال صاحب الأعلام (5: 96): يستفاد من التاج (7: 229): أن بني بطَّال في الأندلس يمانيون، نزل المصيصة منهم محمد بن إبراهيم بن مسلم، وحدَّث بها بعد سنة (310هـ).
(¬4) هو الحافظ أبو حاتم محمد بن حِبَّان بن أحمد التَّمِيمي البُسْتِي، صاحبالصحيح (ت354هـ). العبر (2: 300)
(¬5) الثقاتلابن حبَّان (5: 58).
(¬6) في الأصل والبناية: إِذا.
(¬7) من البناية شرح الهداية (2: 323).
وفي «المستدركِ» لأبي عبدِ اللهِ الحَاكِم: حدَّثنا أَبُو عبدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ الصَّفار نا أَحمدُ بنُ يونس الضَّبْي نا عبدُ اللهِ ابنُ دَاوُدَ الخُرَيْبي (¬1) نا الوليدُ بنُ جُمَيْعٍ عن لَيْلَى بنتُ مالكٍ وعبدِ الرَّحمنِ بنِ خالد الأَنصارِيّ عن أمِّ وَرَقَةَ الأَنصاريَّةِ: أنَّ رَسُولَ الله كان يقولُ: «اِنْطَلِقُوا بِنَا إِلَى الشَّهِيدَةِ، فَنَزُورُهَا، وَأَمَرَ أَنْ يُؤذَنَ لَهَا وَيُقَامَ، وَتَؤُمُ أَهْلَ دَارِهَا فِي الفَرَائِضِ».
قد احتجَّ مسلمٌ بالوليدِ بنِ جُمَيْع، وهذه سنةٌ غريبةٌ لا أعرف في البابِ حديثاً مُسْنَداً غير هذا.
وقد رُوِيْنَا عن عَائِشَةَ: أنَّهَا كَانَتْ تُؤَذِنُ وَتُقِيمُ وَتَؤُمُ النَّسَاءَ.
حدَّثنا أَبو العبَّاسِ مُحَمَّدُ بنُ يَعْقُوبَ نا أحمدُ بنُ عبدِ الجبارِ نا عبدُاللهِ بنُ إِدرِيس عن ليثِ عن عطاءَ عن عائشةَ: أَنَّهَا كَانَتْ تُؤَذِنُ وَتُقِيمُ وَتَؤُمُ النِّسَاءَ، وَتَقُومُ وَسْطَهُنَّ. انتهى (¬2).
¬
(¬1) وقع في الأصل: الخزيني، والمثبت من المستدرك، وفي التقريب (ص244): هو أبو عبد الرحمن عبد لله بن داود بن عامر الهَمْداني الخُرَيْبي، ثقة عابد (ت213هـ).
(¬2) في المستدرك على الصحيحين للحاكم (320:1)، رقم (740).
وأخرجَ مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ (¬1) في كتاب «الآثار»: أَخْبرنا أَبو حَنِيْفَةَ نا
حَمَّاد عن إِبراهيم عن عائشةَ رَضِي الله عَنْهُ: أنَّها كانت تَؤُمُ النِّساءَ في شهرِ رمضانَ، فتقومُ وَسْطَهُنَّ، قال مُحَمَّدُ: لا يعجبنا أن تَؤُمَ المرأةُ، فإن فعلتْ قامتْ في وَسْطِ الصَّفِ مع النِّساءِ كما فعلتْ عائشةَ، وهو قولُ أبي حنيفةَ. انتهى.
وأخرجَ ابنُ عَدِيّ في «الكامل» (¬2)، وأبو الشَّيْخ الأَصْبَهَانِي (¬3) في كتاب الأذان من حديث أسماء بنتِ أَبِي بكرٍ رضي الله عنه: أن النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم، قال: «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ وَلا إِقَامَةٌ وَلا جُمُعَةٌ وَلا اِغْتِسَالٌ وَلا تَقْدُمُهُنّ اِمْرَأةٌ، وَلَكِنْ تَقَومُ وَسْطَهُنَّ» (¬4).
¬
(¬1) هو الإمام المجتهد أبو عبد الله مُحَمَّد بن الحَسَن بن فرقد الشَّيْبَانِيّ (132 - 189هـ).بلوغ الأماني (ص4).
(¬2) الكامل في معرفة الضعفاء والمتروكين من الرواة للحافظ الكبير أبي أحمد عبد الله ابن عَدِيّ بن عبد الله، ويعرف بابن القَطَّان الجُرَجْاني، قال السَّهْمي في تاريخ جرجان (ص225): كان حافظاً، لم يكن في زمان مثله، (ت365هـ). العبر (2: 337).
(¬3) هو الحافظ أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حبًّان، المعروف بأبي الشيخ الأَصْبَهَانِيّ. (ت369هـ). العبر (2: 351).
(¬4) في الكامل في الضعفاء لابن عَدِيّ (2: 203).
قال العَيْنِيُّ في «البِنَاية»: في سندِهِ الحكمُ بنُ عبدِ اللهِ، قال ابنُ معين: ليس بثقةٍ ولا مأمون، وعن البُخَارِيّ: تركوه، وعن النَّسَائيّ: متروكُ الحديثِ، وأنكرَ ابنُ الجَوْزي (¬1) هذا الحديثَ في كتابه «التّحقيق»،
وقال: لا يعرفُ مرفوعاً، وإنَّمَا هو شيءٌ يُروى عن الحسَنِ البَصْرِيّ (¬2) وإبراهيم النَخَعي (¬3). انتهى (¬4).
وأخرجَ عبدُ الرَّزاقِ (¬5) في «مصنفه» ومن طريقِهِ الدَّارَقُطْنِيّ والبَيْهَقِيّ
¬
(¬1) الحافظ الكبير جمال الدِّين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد التَّيْمِي البَكْرِي البَغْدَادِيَ الحَنْبَلِيّ الواعظ، المعروف بابن الجَوْزِي، حكي مرَّة أن مجلسه حُزِرَ بمئة ألف، (510 - 597).
(¬2) هو الإمام التابعين أبو سعيد الحسن بن يسار البصري، حبر الأمة في زمنه (21 - 110هـ).
(¬3) هو الإمام المجتهد أبو عمران إبراهيم بن يزيد بن الأسود النَّخَعِيّ، والنَّخَعي نسبة إلى جَسر بن عمرو أحد جدوده، سمي جسر بالنَخَع لأنه انتخع من قومه، أي بعد عنهم. (46 - 96هـ).
(¬4) من البناية شرح الهداية للعَيْني (2: 323 - 324).
(¬5) للحافظ أبي بكر عبد الرزاق بن همّام بن نافع الحِمْيَري الصَّنْعَاني، نسبة إلى مدينة صَنْعاء، قال ابن السَّمْعَاني: قيل ما رحل الناس إلى أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما رحلوا إليه، (126 - 211هـ) وفيات الأعيان (3: 216).
من حديثِ أَبِي حازم عن رابطة الحَنَفِيَّة عن عَائِشَة رضي الله عنها: أنَّهَا أَمَّتْهُنَّ فَقَامَتْ بَيْنَهُنَّ فِي صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ (¬1).
وأخرجَ ابنُ أبي ... شَيْبَةَ (¬2) ثُمَّ الحَاكِمُ من طريقِ عَطَاء عن عَائِشَة
رضي الله عنها: أَنَّهَا كَانَتْ تَؤُمُ النِّسَاءَ فَتَقُومُ مَعَهُنَّ فِي الصَّف (¬3).
وأخرجَ الشَّافِعِيّ وابنُ أَبِي شَيْبَة وعبدُ الرزاق عَن ابنِ عُيَيْنَةَ عَن عَمَّارِ الدُّهني عَن امرأةٍ من قومِهِ يقالُ لها حُجَيرة عَن أمِّ سَلَمَةَ: أَنَّهَا أَمَّتْهُنَّ فَقَامَتْ وَسْطَهُنّ (¬4).
ولفظُ عبدِ الرزاق: أَمَّتنا أمُّ سَلَمَةَ فِي العَصْرِ فَقَامَتْ بَيْنَنَا (¬5)، ومن طريقِهِ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضاً (¬6).
وأخرجَ ابنُ أَبِي شَيْبَة من طريقِ قتادةَ عن أمِّ الحَسَنِ: أنَّهَا رَأَتْ أمَّ
¬
(¬1) في مصنف عبد الرزاق (3: 141). وسنن الدَّارَقُطْنِيّ (1: 404). وسنن البَيْهَقِيّ الكبرى (3: 131).
(¬2) هو الحافظ أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شَيْبَةَ العَبْسي (159 - 235).العبر (1: 421).
(¬3) في مصنف ابن أبي شيبة (1: 430).
(¬4) في مصنف ابن أبي شيبة (1: 430). وسنن البَيْهَقِيّ الكبرى (3: 131). ومسند الشافعي (2: 53).
(¬5) في مصنف عبد الرزاق (3: 140).
(¬6) في (سننه (1: 405).
سَلَمَةَ تَقَومُ مَعَهُنَّ فِي صَفْهِنَّ (¬1)، كذا ذَكَرَهُ ابنُ حَجَرٍ في «التلخيص» (¬2).
وأخرَجَ عبدُ الرَّزاقِ عن إِبراهيمَ بنِ مُحَمَّدِ عن دَاوُدَ بنِ الحُصَيْنِ عن عِكْرِمَة عن ابنِ عَبَّاس أَنَّهُ قال: تَؤُمُ المَرَأةُ النِّسَاءَ وَتَقُومُ وَسْطَهُنَّ (¬3).
وأخرجَ الحَاكِمُ في «المستدرك»: عن عبدِ اللهِ بنِ إِدرِيس عن عَطَاء عن عَائِشَةَ: أنَّهَا كَانَتْ تُؤَذِنُ وَتُقِيمُ (¬4) وَتَؤُمُ النِّسَاءَ، فَتَقَومُ وَسْطَهُنَّ (¬5)، كذا ذَكرَهَ العَيْنِي (¬6).
¬
(¬1) في مصنف ابن أبي شيبة (1: 430).
(¬2) في تلخيص الحبير لابن حجر (2: 42).
(¬3) في مصنف عبد الرزاق (3: 140).
(¬4) قوله إنَّها كانت تؤذن وتقيم ... الخ، فإن قيل: إن هذا الحديث صريحٌ في أذان المرأةِ وإقامتها مع أَنَّهُ قد مرًّ في حديث أَسماء بنت أَبي بكر أنَّ النَّبيّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وسلَّم قال: ليس على النِّساء أذان وإقامة.
قلنا: إنَّ حديث أَسماء قد أنكره ابن الجَوْزي، وقال: بعدم رفعه، وقد تكلَّم البُخَارِيُّ والنَّسائيُّ وابنُ معينٍ في سنده؛ لكون الحكم بن عبد الله منه، كما حقَّقه الأستاذ العلامة دام ظله.
(¬5) رواه الحاكمُ في المستدرك (321:1)، رقم (731). والبَيْهَقِيّ في (السُّنَن الكبرى (408:1)، رقم (1781)، و (131:3)، رقم (5139).
(¬6) في البناية شرح الهداية (2: 319).
* * *
المَرْصَدُ الثَّانِي
فِي ذِكْرِ اِخْتِلافِ الْمَذَاهِبِ
فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ
اعلم أَنَّهُ وَقَعَ الاختلافُ في أَنَّهُ هل جماعةُ النِّساءِ وحدهنَّ مشروعةٌ أم غير مشروعة:
فذهبَ الشَّافِعِيُّ إلى استحبابِها، وهو قولُ الأَوْزَاعِيِّ (¬1) والثَّوْرِي (¬2)
¬
(¬1) هو الإمام الفقيه أبو عمر عبد الرحمن بن عمرو بن يُحْمِد الأَوْزاعي، نسبة إلى الأوزع وهي بطن ذي الكلاع من اليمن، وقيل: الأوزع قرية من بدمشق على طريق باب الفراديس، ولم يكن منهم وإنما نزل فيهم فنسب إليهم، وقيل غير ذلك، يقدر ما سئل عنه بسبعين ألف مسألة أجاب عليها، وكانت الفتيا بالأندلس تدور على رأيه إلى زمن الحكم بن هشام. (88 - 157 هـ). مرآة الجنان (1: 251).
(¬2) هو الإمام الفقيه المحدِّث أبو عبد الله سُفيان بن سعيد بن مسروق الثَّوْرِي الكوفي، من بني ثور من مضر، قال ابن معين: سفيان أمير المؤمنين في الحديث، (95 - 161 هـ).مرآة الجنان (1: 361).
وأحمدَ، وحَكَاهُ ابنُ المُنْذِرِ (¬1) عن عَائِشَةَ وأمِّ سَلَمَةَ - رضي الله عنهم -.
وقال النَّخَعي والشَّعْبِي (¬2): تَؤُمُّهُنَّ في النَّفلِ دونَ الفَرْضِ.
وَشَذَّ أَبو ثورٍ (¬3) والمُزَني (¬4) ومُحَمَّدُ بنُ جريرٍ الطَّبَري (¬5) فأجازوا إمامةَ النّساءِ على الإطلاقِ للرجالِ وللنِّسَاءِ.
¬
(¬1) للعلامة الفقيه أبي بكر محمد بن إبراهيم ابن المُنْذِرِ النَّيْسَابُورِيّ، قال أبو إسحاق: صنَّف في اختلاف العلماء كتباً لم يصنف أحدٌ مثلها (242 - 319هـ). وفيات الأعيان (4: 207).
(¬2) في الحبر العلامة التابعي أبوعمرو عامر بن شراحيل بن عبد ذي كبار الشَّعْبي الحِمْيَري، نسبته إلى شعب وهو بطن من همدان، قال ابن المديني: ابن عبَّاس في زمانه، والشَّعْبي في زمانه، وسفيان الثوري في زمانه، (19 - 104هـ). مرآة الجنان (1: 244). وفي الأعلام (4: 18) توفي سنة (103هـ).
(¬3) في الإمام الفقيه أبو ثَوْر إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكَلْبِي البَغْدَادِيّ، قال ابن حبان: كان أحد أئمة الدنيا فقهاً وعلماً وورعاً وفضلاً، (ت240هـ). العبر (1:431).
(¬4) هو العلامة الفقيه أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل المصري المُزَنِي، نسبةً لولد عثمان وأوس ابن ابني عمرو بن طابخة نسبوا إلى مزينة بنت كلب، قال الشافعي: المُزَني ناصر مذهبي، (ت264هـ). العبر (2: 28).
(¬5) هو الإمام المفسِّر المحدِّث الفقيه المؤرخ أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطَّبَري، نسبة إلى طبرستان، (224 - 310هـ). وفيات الأعيان (4: 191).
وعند الحَسَنِ البَصْرِيِّ ومالكٍ: لا تَؤُمُّ المرأةُ أحداً لا في فرضٍ ولا
في نفلٍ، كذا ذَكَرَهُ العَيْنِي في «البِنَاية» (¬1).
والمشهورُ من مذاهبِ أصحابِنا: أنَّ جماعةَ النِّساءِ وَحْدَهُنَّ مكروهةٌ، وهو المذكورُ في كثيرٍ من الكتبِ الفقهيةِ لأصحابِنا الحَنَفِيَّةِ، وعلَّلوا الكراهةَ بتعليلاتٍ مُتَفَرِقةٍ، وأجابوا عن الأخبارِ المذكورةِ بجواباتٍ غيرِ شافيةٍ.
ولنذكرَ قدراً (¬2) من عباراتِ مشاهيرِ كتبهم، وأَعقبه بِذِكْرِ ما لهم وما عليهم:
¬
(¬1) في البناية شرح الهداية (2: 319).
(¬2) قولهولنذكر قدراً ... الخ: أي نذكرُ بقدرِ ما هو مثبت من مجموع عباراتهم دلائلَ الكراهةِ ومستوعباً بحيث لا يشذُّ دليل، ثُمَّ أعقبها بما عقَّبَ به فقهاؤها رحمهم اللهُ تعالى. محمَّد عبدالغفور.
قال ابنُ نُجَيْمٍ (¬1) في «البحر الرَّائق شرح كنْز الدَّقائق»: وجماعةُ النِّساءِ: أي كُرِهَ جماعةُ النّساءِ لأنَّها (¬2) لا تخلو عن ارتكابِ محرمٍ، وهو قيامُ الإمام وَسْطَ الصَّفِ فَيُكْرَهُ كالعُرَاةِ، كذا في «الهداية» (¬3)، وهو يدلُّ على كراهةِ تحريمٍ؛ لأنَّ التَّقدمَ واجبٌ على الإمام للمواظبةِ عليه من النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم، وتركُ الواجبِ موجبٌ لكراهةِ التَّحريمِ المقتضيةِ للإثم.
فإن فعلنَّ يقفُ الإمامُ وَسْطَهُنَّ كالعُرَاةِ (¬4)؛ لأنَّ عائشة فعلتْ كذلك، وحُمِلَ فِعْلُها على ابتداءِ الإسلام؛ ولأنَّ في التَّقدمِ زيادةُ الكشفِ. انتهى (¬5).
¬
(¬1) هو العلامة زين العابدي إبراهيم بن محمد ابن نُجَيْم المِصْريّ الحَنَفي (926 - 970هـ)،الكشف (2: 1515).
(¬2) وقع في الأصل لأنه، والمثبت من البحر.
(¬3) في الهداية (1: 56) للإمام برهان الدين أبي الحسن علي بن أبي بكر بن عبد الجليل بن أبي بكر الفَرْغَانِي المَرْغِيناني (ت593هـ).
(¬4) قوله كالعراة: جمع عارٍ من الثَّوب، أي كما يقف إمام العراة وسطهم إن صلُّوا بجماعةٍ، كذلك يقف إمامهنَّ في الوسط تحرزاً عن زيادة الكشف. مُحَمَّد عَبْد الغفور، تلميذ المصنِّف دام ظله.
(¬5) من البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نُجَيْم (1: 372 - 373).
وفي «رمز الحقائق شرح كنْز الدَّقائق» للعَيْني: وكُرِهَ جماعةُ النِّساءِ؛ لأنَّها لا تخلو عَن حرامٍ، فإن فعلنَ أي أردنَ أن يصلينَ جماعةً، يقفُ وَسْطَهُنَّ تحرزاً عَن زيادةِ الكشفِ كالعراةِ، فإنَّهم إِذَا صلَّوا بجماعةٍ يقفُ الإِمَامُ وَسْطَهُم. انتهى.
وفي «مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر»: وكذا يُكْرَهُ جماعةُ النّساءِ؛ لأنَّهُ يلزمهنَّ أحدُ المحظورينِ: إمَّا قيامُ الإِمَامِ وَسْطَهُنَّ، أَو تقدُّمُهُ، وهما مكروهانِ في حقِّهنَّ كراهةَ تحريمٍ إِلا في صلاةِ الجنازةِ، فإنَّها لا تُكْرَهُ فيها؛ لأنَّها فريضةٌ فلا تتركُ بالمحظورِ.
فإنَّ فعلنَّ: أي صلَّينَ بجماعةٍ وارتكبنَ الكراهةَ يَقِفُ الإمام وَسْطَهُنَّ؛ لأنَّ عائشةَ فعلتْ كذلك حين كانتْ جماعتُهنَّ مستحبَّةً ثُمَّ نُسِخَ الاستحبابُ.
وفي «السراج»: إنَّما أرشدَ إِلَى التَّوسطِ؛ لأنَّهُ أقلُّ كراهةً من التَّقدُّمِ، لكن لا بدَّ أن يتقدَّمَ عَقِبُها من عَقِبِ مَن خَلْفَها ليصحَّ الاقتداءُ حتَّى لو تأخرَ لم يصحَّ. انتهى (¬1).
وفي «تبيين الحقائق شرح كنْز الدَّقائق» للفخر الزَّيْلَعيّ (¬2): وجماعةُ النِّساءِ: أي كُرِهَ جماعةُ النِّساءِ وحدهنَّ، لقولِهِ - عليه السلام -: «صَلاةُ المَرَأَةِ فِي
¬
(¬1) من مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر (1: 109) للعلامة عبد الرحمن بن الشيخ محمد بن سليمان المعروف بشيخ زاده (ت1078هـ). الكشف (2: 1814)
(¬2) هو الإمام فخر الدين أبو محمد عثمان بن علي بن محجن الزَّيْلَعي، وزيلع مدينة مشهورة من مدن الحبشة على ساحل البحر، (ت743هـ). الوفيات (1: 426).
بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاتِها فِي حُجْرَتِها، وَصَلاتُهَا فِي مَخْدَعِها أَفْضَلُ مِن صَلاتِهَا فِي بَيْتِهَا» (¬1).
ولأنَّهُ يلزمهنَّ أحدُ المحظورينِ: إمَّا قيامُ الإمام وَسْطَ الصَّفِ وهو
مكروهٌ، أو تَقدُّمُ الإمام وهو أَيْضًا مكروهٌ في حقِّهِنَّ كالعُرَاةِ، فلم يُشَرِّعْ في حَقِّهِنَّ الجماعةَ أصلاً، ولذا لم يُشْرَعْ لهنَّ الأذان، لأَنَّهُ دعاءٌ إِلى الجماعةِ، ولولا كراهةُ جماعتهنَّ لشُرِعَ.
فإنَّ فعلنَ يقفُ الإِمَام وَسْطَهُنَّ؛ لأنَّ عَائِشَةَ فعلتْ كذلك حين كانت جماعتهنَّ مستحبَّةً، ثُمَّ نسخَ الاستحبابُ؛ ولأنَّها ممنوعةٌ عن البروزِ لا سيما في الصَّلاةِ، ولذا كانت صلاتُها في بيتِها أفضل، وتنخفضُ (¬2) في سجودِها، ولا تجافي بطنَها فخذَها، وفي تقدُّمِ إمامهنَّ زيادةُ البروزِ، فيكره. انتهى.
¬
(¬1) في سنن أبي داود في كتاب الصَّلاة في (باب التَّشْدِيدِ في ذلك) (1: 156) برقم (570). وفي معجم الطَّبَرانِي الكبير (9: 295) برقم (9482، 9483). وفي صحيح ابن حِبَّان بترتيب ابن بلبان (328:1)، رقم (757).
(¬2) في الأصل ينخفض.
وفي «المجتبى شرح مختصر القُدُوْرِيّ» للزَّاهِدِيّ (¬1): يُكْرَهُ للنِّساءِ أن يصلينَّ وحدهنَّ جماعةً، فإن فعلنَ وقفَ الإِمَامُ وَسْطَهُنَّ كالعُرَاةِ.
وقال الشَّافِعِيّ: يُستحبُّ كالرّجلِ لحديثِ رابطة: أنَّ عَائِشَةَ أَمَّتْنَا فَقَامَتْ وَسْطَنَا (¬2).
ولَنَا أنَّ جماعتهنَّ لو كانتْ مشروعةً لكُرِهَ تركها، ولشاعَ كشيوعِ
جماعةِ الرجالِ، وحديثُ رابطة كان في ابتداءِ الإِسلام، ووقوفِ الإمام وَسْطَهُنَّ استرُ لهنَّ، فكان أَوْلَى. انتهى.
وفي «جامع المُضْمَرات شرح مختصر القُدُوْرِيّ» (¬3): فإن فعلنَ وَقَفَ الإِمَامُ وَسْطَهُنَّ؛ لأنَّ عَائِشَةَ فعلتْ كذلك، وحُمِلَ فعلُها الجماعةَ على ابتداءِ الإِسلام، ولأنَّ في التَّقدُّمِ زيادةُ الكشفِ. انتهى.
وفي «النهر الرائق شرح كنْز الدَّقائق» (¬4): وكُرِهَ أَيْضًا تحريماً جماعةُ النِّساءِ للزومِ أحدِ المكروهين، أعنى قيامُ الإمام وَسْطَ الصَّف أو
¬
(¬1) هو الإمام الفقيه أبو رجاء نجم الدِّين مختار بن محمود الزَّاهِدِيّ الغَزمِيْني الحَنَفِي (ت658هـ) الفوائد (ص349).
(¬2) سبق تخريجه (ص20).
(¬3) هو للعلامة يوسف بن عمر بن يوسف الصُّوفي الكادوري المعروف بنبيرة شيخ عمر بزار (ت832هـ). الكشف (2: 1632)،الأعلام (9: 321).
(¬4) النهر الفائق بشرح الكنز الدقائقللعلامة سراج الدين عمر بن إبراهيم ابن نجيم المصري، أخو صاحبالبحر الرائق (ت1005هـ). طرب الأماثل (ص509).
تقديمِهِ، ولا فَرْقَ في ذلك بين الفرائضِ وغيرها كالتَّراويح إلا في صلاةِ الجنازةِ، ودلَّ كلامُهُ على أنَّها صحيحةٌ، إذ الكراهةُ لا تنافي الصِّحَّة.
قال في «السراج»: إلا إذا استخلفها الإمام وكان خلفَهُ رجالٌ ونساءٌ حيثُ تفسدُ صلاةُ الكلِّ، أمَّا الرِّجالُ فظاهرٌ، وأمَّا النّساءُ فلأَنَّهُنَّ دَخَلْنَ في تحريمةٍ كاملةٍ. انتهى.
وفي «منح الغفار شرح تنوير الأبصار»: وجماعةُ النِّساءِ في غيرِ صلاةِ الجنازةِ، لأنَّها لا تخلو عن ارتكابِ محرمٍ، وهو قيامُ الإمامِ وَسْطَ الصَّفِ، فيُكْرُهُ كالعُرَاةِ، كذا في «الهداية» (¬1)، وهو يَدلُّ على أنَّها كراهةُ التَّحريمِ المقتضيةِ للإثم. انتهى.
وفي «الهداية»: يُكْرَهُ للنِّساءِ أن يصلينَّ وحدَهنَّ الجماعةَ؛ لإنَّها لا تخلو عن ارتكابِ المحرمِ، وهو قيامُ الإمام وَسْطَ الصَّفِ فيكرَهُ كالعُرَاةِ، وإن فعلنَ قامت الإمام وَسْطَهُنَّ؛ لأنَّ عائشةَ فعلت كذلك، وحُمِلَ (¬2)
¬
(¬1) في الهداية (1: 56).
(¬2) وقع في الأصل وحملها، والمثبت من الهداية.
فعلها الجماعة على ابتداءِ الإسلام؛ ولأنَّ في التَّقدُّمِ زيادةُ الكشفِ. انتهى (¬1).
وقد عُلِمَ من هذه العباراتِ وأمثالِها الواقعةِ في كتبِ الأثباتِ أنَّهم علَّلوا ما حكموا به من كراهةِ جماعةِ النِّساءِ وحدهنَّ، وعدمِ مشروعيتها بطرقٍ مختلفةٍ:
الأَوَّلُ: وهو مسلكُ كثيرينَ منهم أن جماعتهنَّ وحدهنَّ يستلزمُ أحدَ المحظورينِ: إمَّا تقدُّمُ الإمامِ (¬2) على المقتديات، وإمَّا توسطهُ، وكلٌّ منهما ممنوعٌ عنه.
أمَّا الأَوَّل: فلاستلزامه زيادةَ الكشفِ، والنساءُ مأموراتٌ بالسِّتْرِ لا سيما في حالةِ الصَّلاةِ.
وأمَّا الثّاني: فلأنَّ تقدُّمَ الإمام واجبٌ؛ لمواظبةِ النَّبِيّ عليه الصَّلاة والسَّلام عليه.
وفيه بحثٌ من وجوهٍ:
¬
(¬1) من الهداية شرح بداية المبتدي (1: 56
(¬2) إمَّا تقدُّمُ الإمام ... الخ: أي تقدُّم إمامهنَّ عليهنَّ، ولفظ الإمام يستوي فيه المذكر والمؤنث؛ ولهذا لا تدخل عليه تاء التأنيث. مُحَمَّد عبد الغفور.
أحدها: أن إمامتَهنَّ في صلاةِ الجنازةِ غير مكروهةٍ، وبقاءُ الحكمِ مع وجودِ ارتكابِ أحدِ المحرمينِ غير صحيحٍ، كذا ذَكَرَهُ أكملُ الدِّين البَابَرْتي (¬1) في «العناية حاشية الهداية» (¬2).
ثُمَّ أجابَ عنه: بأنَّ تركَ جماعتهنَّ إنَّما كان لاجتماعِ السُّنَّةِ مع الكراهةِ، فتركَ السُّنَّةَ لأجلِ الكراهةِ، وفي صلاةِ الجنازةِ اجتمعَ الفرضُ مع الكراهةِ؛ لأنَّ النِّساءَ إن صلَّينَ جماعةً وأقامتْ الإمامُ وَسْطَهُنَّ أقمنَ فرضاً؛ لكونِ الصَّلاةِ فرضاً، وارتكبن مكروهاً، وإن صلَّينَّ فرادى فرادى تركنَ المكروهَ، لكن على وجهٍ يؤدي إلى فواتِ الصَّلاة عَن بعضهنَّ؛ لأنَّ الفرضَ يسقطُ بأداء الواحدةِ، وقد يتفقُ فراغُ الواحدةِ قبلَ الباقياتِ. انتهى (¬3).
أقولُ: هكذا ذَكَرَهُ جمعٌ من الشُّرَّاحِ والمحشينَ، فقال ابنُ الهُمَام (¬4) في «فتح القدير»: اعلم أنَّ جماعتَهنَّ لا تُكْرَهُ في صلاةِ الجنازةِ؛ لأنَّها
¬
(¬1) للإمام أكمل الدين أبي عبد الله محمد بن محمد بن محمود الرومي البَابَرْتي، نسبة إلى بَابَرْتا بالقصر قرية بنواحي بغداد، (714 - 786). تاج التراجم (ص276).
(¬2) (1: 306) بهامش فتح القدير.
(¬3) من حاشية العناية على الهداية (1: 306) بهامش القدير.
(¬4) هو العلامة الفقيه الأصولي المحدِّث كمال الدين محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد بن مسعود السَّكَنْدَرِيّ السِّيوَاسِيّ الأصل القَاهِريّ الحَنَفِي، نسبة إلى سيواس، الشهير بابن الهُمَام (790 - 861هـ).الضوء اللامع (6: 127).
فريضةٌ، وتركُ التَّقدُّمِ مكروهٌ، فدارَ الأمرُ بينَ الفعلِ المكروهِ لفعلِ الفرضِ أَو تركِ الفرضِ لتركهِ، فوجبَ الأَوَّلُ بخلافِ جماعتِهنَّ في غيرها، ولو صلَّينَ فرادى فقد تسبقُ إحداهنَّ فتكون صلاةُ الباقياتِ نفلاً، والتَّنفلُ بها مكروهٌ؛ فيكونُ فراغُ تلك موجباً لفسادِ الفرضيةِ لصلاةِ الباقياتِ. انتهى (¬1).
وقال ابنُ نُجَيْم في «البحر الرائق»: استثنى الشَّارحون صلاةَ الجنازةِ فإنَّها لا تُكْرَهُ؛ لأنَّها فريضةٌ، وتركُ التَّقدُّمِ مكروهٌ، فدارَ الأمر بين فعلِ المكروهِ لفعلِ الفرضِ، أَو تركِ الفرضِ فوجبَ الأَوَّلُ. انتهى (¬2).
وقال الطَّحْطَاويّ في حواشي «مراقى الفلاح»: لا تكرهُ جماعتهنَّ في صلاةِ الجنازةِ؛ لأنَّها لم تشرعْ مكررةً، فلو تفردتْ تفوتهنَّ، ولو أمَّتْ المرأةُ في صلاةِ الجنازةِ لا تعادُ؛ لسقوطِ الفرضِ بصلاتِها. انتهى (¬3).
ومثله في غيرِها لكن لا يخفَى على المتفطنِ ما فيه:
أمَّا أوَّلا: فَلِمَا قال ابن عابدين (¬4) في «رَدّ المُحْتَار على الدُّر المُخْتَار» بعد نقل عبارة «فتح القدير» (¬5) مفادُهُ: أنَّ جماعتَهُنَّ في صلاةِ الجنازةِ
¬
(¬1) من فتح القدير للعاجز الفقير (1: 306).
(¬2) من البحر الرائق شرح كنْز الدَّقائق (1: 372).
(¬3) من حاشية الطَّحْطَاوي على مراقي الفلاح (ص304) للعلامة أحمد بن محمد بن
إسماعيل الطَّحْطَاويّ الحَنَفي (ت1231هـ). ومراقي الفلاح شرح نور الإيضاح للعلامة أبي الإخلاص الحسن بن عمَّار بن علي الشُّرُنْبُلالي (994 - 1069هـ).
(¬4) هو الإمام الفقيه محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدِّمَشْقِيّ الحَنَفِي، المشهور بابن عابدين، (1198 - 1252هـ). الأعلام (267).
(¬5) (1: 306).
واجبةٌ حيث لم يكنْ غيرهنَّ؛ ولعلَّ وجهَهُ الاحترازُ عَن فسادِ فرضيةِ صلاةِ الباقيات إِذَا سَبَقَتْ إحداهنَّ.
وفيه أنَّ الرَّجالَ لو صلَّوا منفردينَ يلزمُ فيها مثل ذلك فيلزمُ عليه وجوبُ جماعتِهم فيها مع أنَّ المصرَّحَ أنَّ الجماعةَ فيها غيرُ واجبةٍ. انتهى (¬1).
وأمَّا ثانياً: وهو الحلُّ فلأنَّ الجماعةَ في صلاةِ الجنازةِ ليستْ بواجبةٍ اتفاقاً كما صرَّحوا به، وصرَّحوا أَيْضًا أنَّ صلاةَ الجنازةِ فرضُ كفايةٍ يسقطُ من الكلِّ بفعلِ واحدٍ ولو منفرداً لا فرضَ عينٍ يلزمُ أداؤه على كلِّ عينٍ، فإذا حضرتْ الجنازةُ وليس هناك رجلٌ، فلا ضرورةَ إلى جماعةِ النِّساءِ بارتكابِ أحدِ المحظورينِ، ولا إلى أن يصلِّينَ منفرداتٍ؛ ليلزمَ كونُ صلاةُ بعضِهنَّ نفلاً عند سبقِ غيرهنَّ، بل يكفي أن تصلِّي عليها المرأةُ الواحدةُ (¬2) منفردةً فيسقطُ الفرضُ عن الكلِّ من غيرِ ارتكابِ المحظورِ.
¬
(¬1) من رد المحتار على الدر المختار (1: 565).
(¬2) في الأصل الواحد.
وبالجملةِ انتقاضُ دليلِ الكراهةِ، وهو استلزامُ أحدِ المحظورينِ بصلاةِ الجنازةِ إلى الآن كما كان، ولا ينفعُ في ذلك ما ذَكَرُوهُ من أن ارتكابَ المحظورِ لأداءِ الفرضِ جائزٌ، فإنَّ الجماعةَ التي هي المستلزمةُ له ليس بفرضٍ، إنَّما الفرضُ نفسُ صلاةِ الجنازةِ، وهو أيضاً كفاية لا عيناً، ولا يتوقفُ أداءُ نفسِ الفرضِ على ارتكابِ المحظورِ.
فقولُهم: دارَ الأمرُ بين الفعلِ المكروهِ لفعلِ الفرضِ أو تركِ الفرضِ فوجبَ الأَوَّلُ، ممَّا لا صحَّةَ له، فإنَّ بتركِ المكروهِ لا يلزمُ تركُ الفرضِ لجوازِ أن تصلِّي (¬1) المرأةُ الواحدةُ منفردةً، فيتأدى الفرضُ عن كلِّهنَّ، وإنَّما يكونُ صحيحاً لو كانتْ الجماعةُ فرضاً أو كانت صلاةُ الجنازةِ فرضُ عينٍ، وإذ ليس فليس.
وثانيها: ما ذَكَرَهُ صاحبُ «العناية» أَيضاً: أنَّ التَّعليل بزيادةِ الكشفِ غير صحيحِ؛ لبقاءِ الحكمِ بدونِها فانَّ المرأةَ لو لبستْ ثوباً محشواً من قَرْنِها إلى قَدَمِها وأمَّتْ النِّساءَ خاصةً ولا رجلَ ثمة يُكْرَهُ، ولا كشفٌ هناك فضلاً عن زيادةِ الكشفِ. ثُمَّ أجاب عنه: بأنَّ ذلك أمرٌ نادرٌ لا حُكْمَ له على أنَّ تركَ التَّقديمِ بالسُّنَّة والتَّعليلِ لإيضاحها. انتهى (¬2).
¬
(¬1) في الأصل يصلي.
(¬2) من حاشية العناية على الهداية (1: 306) بهامش فتح القدير.
أقولُ: هذا جوابٌ لا يغني ولا يُسْمِنُ، فإنَّ ظاهرَ كلامهم يَحكُمُ بأنَّهم جعلوا تقدُّمَ المرأةِ على المقتدياتِ مستلزماً للكشفِ بل زيادته، وهو حُكْمٌ باطلٌ؛ فإنَّ المتقدِّمةَ لو لَبِسَتْ ثوباً من القَرْنِ إلى القَدَمِ لا يكونَ هناك كَشْفٌ فضلاً عَن زيادتِهِ، وهذا ليس أمراً نادراً.
وقد ردَّهُ العَيْني أَيضاً حيث قال في «البِنَاية» بعد نقل كلامه: لا نسلِّمُ أَنَّهُ نادرٌ؛ لأنَّ المرأةَ شأنُها التَّسَتُرِ في كلِّ الأحوالِ لا سيما في الصَّلاةِ خصوصاً إذا أمَّتْ فإنَّها تحترزُ عن انكشافِ شيءٍ من أعضائِها غايةَ الاحترازِ، فحينئذٍ لا يوجدُ الكشفُ أصلاً فضلاً عن زيادةِ الكشفِ.
وقولُهُ على أنَّ تركَ التَّقديمِ بالسُّنَّةِ: فيه نظرٌ؛ لأنَّهُ لم يُبَيِّنْ السُّنَّة التي دَلَّتْ على تركِ التَّقَدُّمِ. انتهى (¬1).
وثالثها: وهو قريبٌ من الثَّاني ما خطرَ ببالي من مُدَّةٍ مديدةٍ: أنَّ التَّقَدُّمَ إنَّما يستلزمُ الكشفَ لو لم تلبسْ ثوباً ساتراً لجميعِ بَدَنِها، فَلِمَ لا يُحْكَمُ بالتَّقَدُّمِ مع السِّتْرِ على أتمِّ وجهِهِ؛ لئلا يلزم أحدَ المحظورينِ، وأي وجهٍ للحُكْمِ بالكراهةِ مطلقاً.
¬
(¬1) من البناية شرح الهداية (2: 322).
ورابعها: وهو أيضاً اختلج بقلبي من مدَّةٍ أنَّ الكشفَ إن كان المرادُ به كَشَفُ بعضِ ما وجبَ سَتْرُهُ في الصّلاةِ وفي غيرِ الصَّلاةِ، فالتَّقَدُّمُ لا يستلزمُهُ.
وإن كان المرادُ به كَشَفُ ما لا يَجبُ سترُهُ فذلك غير منافٍ للصَّلاةِ فضلاً عن أن يكون موجباً لكراهةِ الجماعةِ.
وإن كان المرادُ به أن المرأةَ إذا تقدَّمتْ امتازتْ عن غيرها وانكشفتْ
للنَّاظرينَ من بينها، فذلك أمرٌ لا دليلَ على محظوريتِهِ مع أَنَّهُ لازمٌ حالةَ الانفرادِ أَيضاً.
فإن قيل: ينبغي للمرأةِ أن تكون (¬1) على أسترِ الأحوالِ لها لا سيما في حالةِ الصَّلاةِ التي هي حالةُ المناجاةِ، والتَّقدُّمُ مفوتٌ لذلك كما قال صاحب «النِّهاية» (¬2): إن قيل: يجوزُ للمرأةِ التَّقدُّمُ بلا كشفِ العورةِ بلبسِ الثَّوبِ من الفَوْقِ إلى القَدَمِ.
¬
(¬1) في الأصل يكون.
(¬2) لعلَّ المقصود النهاية شرح الهداية للعلامة الفقيه حسام الدين الحسن بن علي بن حجاج بن علي السِّغْنَاقي، نسبة إلى سغناق بلدة في تركستان، قال الإمام اللكنوي في الفوائد (ص106): طالعت من تصانيفه النهاية وهو أبسط شروح الهداية وأشملها، قد احتوى على مسائل كثيرة وفروع لطيفة. توفي بعد سنة710هـ). تاج التراجم (ص106).
قلنا: يجبُ على المرأةِ أن تكون على أستر الأحوال لا سيما في الصَّلاة، ولا شكَّ أن التَّوسطَ فيه السِّتْرُ أكثرَ من التَّقَدُّمِ. انتهى ملخصاً.
قُلنا: قد ردَّهُ الفاضلُ أحمد بن يحيى بنِ مُحَمَّدِ بنِ سَعْدِ التَّفْتَازَانِي المعروف بشيخ الإِسلام الهَرَوِي (¬1) في «حواشي شرح الوقاية» بقوله: أقولُ: لا يتفاوتُ النَّظَرُ إلى العورةِ بأن يكون النَّاظرُ مقتدياً بصاحبِ العورة أَو لا، فيجبُ أن لا تجوز (¬2) صَلاةُ المرأةِ وحدها قُدَّام امرأةٍ أُخرى.
وبالجملةِ بمجردِ أَنَّهُ يجبُّ على المرأةِ أن تكونَ على أسترِ الأحوالِ لا يَظْهرُ القولُ بحرمةِ تقدُّمِها في الثَّوبِ السَّاترِ من الرَّأسِ إلى القَدَمِ سيما في غيرِ الصَّلاةِ. انتهى.
وأيضاً ماذا أريد من وجوبِ كونِها على أسترِ الأحوالِ، إن أريد به كونُها ساترةً لجميع عورتِها، فذلك واجبٌ في كلِّ وقتٍ، والتَّقدُّمُ بنفسه ليس بمفوتٍ لذلك، وإن أريدَ به كونُها ساترةً لجميعِ بَدَنِها، فذلك غيرُ واجبٍ لا في الصَّلاةِ ولا في غيرِها، بل غاية ما في البابِ أَنَّهُ يكونُ أفضل، فإن كان التَّقدُّمُ مفوتاً له لا يلزمُ منه أن يكونَ مكروهاً.
¬
(¬1) المتوفىَّ سنة (916هـ) كما في مقدمة عمدة الرعاية (1: 25).
(¬2) في الأصل يجوز.
وخامسها: ما أوردهُ العَيْنِيُّ في «البِنَاية» عند قولِ صاحبِ «الهداية»: لأنَّها لا تخلو (¬1) عن ارتكابِ محرمٍ، وهو قيامُ الإمام وَسْطَ الصَّفِ ... الخ بقوله: كيف يكون قيام الإمام وَسْطَهُنَّ محرماً؟ وقد فعلَتُهُ عَائِشَةُ وأمُّ سَلَمَةَ.
ورُوِي عن ابنِ عَبَّاسٍ على ما ذَكرْناهُ. انتهى (¬2).
وسادسها: ما أوردَهُ العَيْنِيُّ أَيضاً (¬3) بقولِهِ: لقائلٍ أن يقولَ ارتكابُ المحرمِ فيه في حقِّ الرِّجالِ دونَ النِّساءِ إذ لو كان مطلقاً لَمَا كان يَجوزُ الصَّلاةُ به.
وسابعها: أن إطلاقَ المحرمِ على قيامِ الإمامِ وَسْطَ الصَّفِ مُناقضٌ لقولِهم: فإنَّ فعلنَ قامتْ الإمام وَسْطَهُنَّ، فإنَّهُ لو كان محرماً كيف يَجوزُ ارتكابُهُ أحياناً؟
وأجابَ عنه العَيْنِيُّ (¬4) بأنَّ المرادَ بالحرمةِ هناكَ المنعُ على وجهِ
الكراهةِ، ولا يمتنعُ الجوازُ مع الكراهةِ.
¬
(¬1) وقع في الأصل يخلو والتصويب من الهداية.
(¬2) من البناية شرح الهداية (2: 319).
(¬3) في البناية (2: 319).
(¬4) في البناية (2: 321).
وثامنها: ما خَطَرَ ببالي وهو أن تَوَسْطَ الإمام إن كان ممنوعاً على وجهِ الحرمةِ أو الكراهةِ، فإنَّما هو إذا كان من خَلْفِهِ ثلاثةٌ فأكثرَ، وأمَّا إذا كان مَن خَلْفَهُ اثنان فلا حتَّى قال في «الهداية»: وإن أمَّ اثنين تقدَّمَ عليهما، وعن أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يتوَسْطَهما، ونُقِلَ ذلك عن عبدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - (¬1).
ولنا أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم تقدَّمَ على أَنَسٍ واليَتِيمِ حين صلَّى بهما، فهذا دليلُ الأَفضليةِ، والأثرُ دليلُ الإباحةِ. انتهى (¬2).
فإنَّهُ يعلمُ منه أن التَّوَسْطَ عند إمامةِ اثنينِ هو المَسْنُونُ عند أَبِي يوسف، وعند أَبِي حَنِيْفَةَ وَمُحَمَّدٍ هو مباحٌ، والأفضل هو التَّوَسْطُ، إذا تقرَّر هذا فنقولُ: غايةُ ما يَلزمُ كراهةُ إمامةِ المرأةِ لثلاثةٍ فأكثرَ لاستلزامِها المحظورَ، وهو تَوَسْطُ الإمامِ لا كراهةُ جماعتِهنَّ مطلقاً ولا كراهةُ إمامتِهنَّ لامرأتينِ مع التَّوَسْطِ، لأنَّهُ ليس بمحظورٍ لا سيما عند أَبِي يوسف رحمه الله تعالى القائلِ بأفضليةِ التَّوَسْطِ في الرِّجالِ أيضاً.
وتاسعها: أن ما استدلوا به على كراهةِ تَوَسْطِ الإمامِ ومحظوريتِهِ من أَنَّهُ ممَّا واظبَ عليه النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم، وما واظبَ عليه فهو واجبٌ أو سنةٌ مؤكدةٌ، وتركُهُ مكروهٌ أو محرَمٌ أيضاً مخدوشٌ بأنَّ الثَّابتَ
¬
(¬1) أَنَّهُ صلّى مع العلقمة والأسود وقام وسطها.
(¬2) من الهداية شرح بداية المبتدي (1: 56).
بالمواظبةِ إنَّما هو التَّقدُّمُ في حقِّ الرِّجال لا في حقِّ النِّساءِ، وكم من أحكامٍ افترقتْ النِّساءُ فيها عن الرِّجالِ، ولم يَثْبُتْ عن النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم ما يدلُّ على محظوريتِهِ في حقِّ النِّساءِ أيضا، ً بل ثَبَتَ عن الصَّحابةِ خلافُهُ هذا ما خَطَرَ بالبالِ، والله اعلمُ بحقيقةِ الحالِ.
وخلاصةُ الكلامِ في هذا المقامِ:
أن ما علَّلوا به كراهةَ جماعةِ النِّساءِ وحدَهنَّ من استلزامها أحد المحظورينِ التَّقدُّم والتَّوَسُط مخدوشٌ بعدم تسليمِ محظوريةِ التَّقدُّمِ، وعدَّمِ تسليم استلزامِهِ للكشفِ المحظورِ، وعدمِ تسليم كراهةِ التَّوسط مطلقاً لا سيما في حقِّ النِّساءِ، وبالنَّقضِ بجماعتهنَّ في صلاةِ الجنازةِ.
وَالْطَرِيقُ الْثّانِي:
ما ذَكَرَهُ الإَِتْقَانيّ في «غاية البيان» (¬1) بقوله عند الشَّافِعِيّ: يستحبُّ جماعةُ النّساءِ.
لنا: أنَّها لو كانتْ ... مستحبَّةً لَبَيَّنَها النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم
فتكونُ (¬2) جماعتهنَّ بِدْعَةٌ فَتُكْرَهُ (¬3). انتهى.
¬
(¬1) غاية البيان ونادرة الأقران شرح الهداية للعلامة أبي حنيفة قوام الدين أمير كاتب بن أمير عمر ابن أمير غازي الإَِتْقَانيّ الفَارَابي الحَنَفي، نسبة إلى فاراب ناحية وراء نهر سيحون، وإِتْقَان قصبته، (685 - 758هـ). الفوائد (ص87).
(¬2) في الأصل: فيكون.
(¬3) في الأصل: فيكره.
وردَّهُ العَيْنِيُّ في «البِنَاية» بقوله: قلتُ: قولُ الشَّافِعِيّ هو قولُ الأَوْزَاعِيّ والثّوريّ وأحمد وحَكاهُ ابن المُنْذِرِ عن عَائِشَةَ وأمِّ سَلَمَة، فإذا كان كذلك فكيف يكون بِدْعةً، والبِدْعةُ اسمٌ لإحداثِ أمر لم يكنْ في زمنِ رسولِ الله صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم.
وقد روى أَبو دَاوُدَ في «سننه» في (باب إمامة النِّساء) من حديثِ أمِّ وَرَقَةَ رضي الله عنها، وفيه: «وَأَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَ أَهْلَ دَارِهَا» (¬1). انتهى (¬2).
ثُمَّ ذَكَرَ العَيْنِيُّ حديثَ إمامةِ أمّ سَلَمَةَ وعَائِشَةَ وقول ابن عَبَّاسٍ على ما مرَّ ذكرها (¬3).
أقولُ: هذا الكلامُ منه إشارةٌ إلى الإيرادِ على كلامِ الإَِتْقَانيّ بوجوهٍ، ومع هذه الوجوهِ وجوهٌ:
فالأوَّلُ: وهو ممَّا أشارَ إِليه العَيْنِيّ أنَّ الملازمةَ التي ذَكَرَها الإِتْقَانيّ
بقوله: لو كانتْ مستحبَّةً لَبَيَّنَها النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم، اللازمُ فيها مُلتزَمٌ بشهادةِ حديثِ أبي دَاوُدَ.
¬
(¬1) سبق تخريجه (ص14).
(¬2) من البناية شرح الهداية (2: 319).
(¬3) (ص21).
والثَّاني: وهو ممَّا أشارَ إليه أيضاً أنَّ قولَهُ فيكونُ بدعةً مردودٌ بشهادةِ حديثِ أَبِي دَاوُدَ، فإنَّ البدعةَ أمرٌ لم يوجدْ في زمانِ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم، وهذا قد وُجِدَ في زمانِهِ بل ثَبَتَ الأَمْرُ بِهِ.
والثَّالثُ: وهو ممَّا أشارَ إليه أيضاً أنَّ أمَّ سَلَمَةَ وعَائِشَةَ أُمهاتِ المؤمنينَ قد ارتكبا إمامةَ النِّساءِ، وذَكَرَ ابنُ عبَّاسٍ حُكْمَهَا وَكَيْفِيَتَهَا فكيف يكون بدعةً؟
فإنَّ ما فَعَلَهُ الصَّحابةُ أَو أمروا به ليس ببدعةٍ.
والرَّابعُ: أَنَّهُ ماذا أرادَ من تالي الملازمةِ التي ذَكَرَها؟
إنَّ أرادَ به البيانَ الصَّريحي الجزئيّ فالملازمةُ ممنوعةٌ فإنَّهُ لا يَلزمُ أن يُبيِّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم كلَّ جزئي من جزئياتِ المستحباتِ الشَّرعيةِ بالبياناتِ الجزئيةِ، فكم من أشياءٍ حَكَمُوا باستحبابِها ولم يبيِّنْها النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم بأَعيانها.
وإن أرادَ به مطلقَ البيانِ، فاللازمُ ملتزمٌ فإنَّ أخبارَهُ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم الواردةُ في فضلِ الجماعةِ مُبَيِّنَةً (¬1) لفضل (¬2) الجماعةِ واستحبابِها مطلقاً من دونِ الخصوصيةِ للرِّجالِ، وتلكَ العموماتِ كافيةٌ في إثباتِ
¬
(¬1) في الأصل مبنية.
(¬2) في الأصل بفضل.
الاستحبابِ بجماعةِ النِّساءِ لا سيما وأَحكامِ الشَّرعِ عامةٌ للرِّجالِ والنِّساءِ ما لم يدلَّ مُخصِّصٌ على تخصيصِ النِّساءِ.
ومن المعلومِ أن نصَّ التَّخصيصِ مفقودٌ في بابِ جماعةِ النِّساءِ.
والخامسُ: أنَّ قولَهُ: فيكونُ بدعةً: إمَّا أن يكونَ مُفَرَّعَاً على عدَمِ بيانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم للاستحبابِ.
وإمَّا أنَّ يكون مُفَرَّعَاً على ما استلزمَهُ في زَعْمِهِ، وهو عدمُ الاستحبابِ، وكلٌّ منهما باطلٌ:
أمَّا الأَوَّل: فلأنَّهُ ليس كلُّ ما لم يُبَيِّنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم بدعةً.
وأمَّا الثَّاني: فلأنَّهُ ليس كلُّ ما لا يكونُ مستحبّاً بدعةً.
والسَّادسُ: أنَّ قولَهُ فيكرَهُ: مُفَرِّعَاً على كونِهِ بِدْعةً غيرُ صحيحٍ أَيضاً، فإنَّهُ ليس أنَّ كلَّ ما هو بدعةٌ فهو مكروهٌ، فإنَّ من البدعِ التي لم يُبَيِّنْها النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم ما هي مباحةٌ، ومنها ما هي واجبةٌ، ومنها ما هي مندوبةٌ، نَعَمْ البدعةُ الشَّرْعِيَةُ كلُّها ضلالةٌ، وهي فيما نحنُ فيه مفقودةٌ، وإن شئتَ تفصيلُ بحثُ البدعةِ وتحقيقها فارجع إلى
رسالتي «إقامة الحُّجَّة على أن الإكثار في التَّعبد ليس ببدعة» (¬1)، وإلى رسالتي «التَّحقيق العجيب فيما يتعلَّقُ بالتَّثويب» (¬2).
وَالطَّرِيقُ الثَّالِثُ:
ما ذَكَرَهُ صاحبُ «الدِّرَاية حاشية الهداية»: أنَّ جماعتَهنّ لو كانتْ مشروعةً لَزِمَ أن يُكْرَهَ تركها، ولشاعتْ كما شاعتْ جماعةُ الرِّجالِ، وقد مرَّ نحو هذا نَقْلاً (¬3) عن «المُجْتَبَى».
وردَّهُ العَيْنِيُّ في «البِنَاية»: بأنَّ قولَه لو كانت جماعتُهنَّ مشروعةً لَزِمَ ... الخ: غيرُ سديدٍ؛ لأنَّهُ لا يلزمُ من كونِ الشَّيءِ مشروعاً أن يُكْرَهَ تركُهُ فهذا ليس بكلِّي، فإنَّ المشروعَ إذا كان فرضاً يكونُ تركُهُ حراماً، وإذا كان سنةً يكونُ تركُهُ مكروهاً، وإن كان ندباً يجوزُ تركُهُ ولا يُكرَهُ. انتهى (¬4).
أقولُ: هذا أحدُ الوجوهِ الواردة عليه.
¬
(¬1) إقامة الحجَّة (ص16 - 58) مطبوعة بتحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب سنة (1966هـ).
(¬2) التحقيق العجيب (ص9 - 11) مطبوعة طبعة حجرية في مطبعة جشمة فيض سنة (1304هـ).
(¬3) (ص26).
(¬4) من البناية شرح الهداية (2: 323).
والثَّاني: أنَّ قوله لشاعتْ كما شاعتْ جماعةُ الرِّجالِ منقوضٌ بكثيرٍ من المستحباتِ، بل وبعضُ الواجباتِ، حيثُ لمْ يحصلْ لها شيوعٌ كجماعةِ
الرِّجالِ، فيلزمُ أن لا يكونَ مشروعاً إلا ما شاعَ كشيوعِ جماعةِ الرِّجالِ.
فإن قال: إن جماعةَ النِّساءِ وجماعةَ الرِّجالِ متشاركان في الجنسيةِ، فشيوعُ أحدهما دون الآخر يدلُّ على عدَمِ مشروعيةِ آخرِهما، والمستحباتُ الأخرُ ليستْ من جنسها، فلا يضرُّ فيه عدَمُ الشّيوعِ كشيوعِها.
قُلنا له: فإذن يلزم أن لا يكونَ جماعةُ الصبيانِ المميزينَ والمراهقينَ مشروعةً؛ لأنَّها لو كانتْ مشروعةً لشاعتْ كشيوعِ جماعةِ الرِّجالِ البالغينَ، وإذ ليس فليس لاتحادهما في الجنسيةِ، وهذا لم يقلْ به أحدٌ فيما عَلِمْنَا.
فإن قال: الصَّبيانُ في حُكْمِ الرِّجالِ فشيوعُ جماعتِهم شيوعُ جماعتِهم.
قلنا: ليس كذلك في جميعِ الأحكامِ ألا ترى أَنَّهُ لا تصحُّ إمامَتُهم ولا ينبغي تقديمُ صفهم إلى غيرِ ذلك من الأحكامِ.
فإن قال: هم في حُكْمهم إلا فيما وَرَدَ دليلٌ بتخصيصهم.
قلنا له: كذلك النِّساءُ في حُكْمِهم إلا فيما وَرَدَ الدَّليلُ بانفرادِهنَّ عنهم.
وبالجملةِ لا يكفي شيوعُ جماعةِ الرِّجالِ في حقِّ الصِّبيانِ، وإن كَفَى كَفَى في حقِّ النِّسوانِ.
والثَّالثُ: أنَّ الملازمةَ بين مَشروعيةِ جماعةِ النِّساءِ وبينَ شيوعِها كشيوعِ جماعةِ الرِّجالِ ممنوعةٌ، لا بدَّ من إقامةِ الاستدلالِ عليها ودونه مُزَخْرَفَةٌ.
والرَّابعُ: أنَّ الجماعةَ في حقِّ الرِّجالِ سنةٌ مؤكدةٌ بل واجبةٌ على ما هو مختارُ محقِّقي علماءِ الملةِ، ودلَّتْ عليه الأخبارُ النَّبويّةِ، وهي في حقِّهم من شعائرِ الملةِ، فلذلكَ شاعتْ شيوعاً تاماً، ولا كذلك جماعةُ النِّساءِ، فإنَّها ليست بسنةٍ مؤكدةٍ، ولا واجبةٍ، فإن دلَّ عدمُ شيوعِها دَلَّ على عدمِ استنانِها وعدَمِ وجوبِها، لا على عدَمِ استحبابِها وعدَمِ مشروعيتها.
والخامس: أنَّ النِّساءَ كانت مجازاتٌ في زمانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم وأصحابِهِ لحضورِ جماعةِ الرِّجالِ واقتدائهنَّ بهم في المساجدِ وحضورهنَّ معهم في الجُمَعِ والأَعياد، كما دلَّتْ عليه أحاديثٌ نبويةٌ مُخَرَّجَةٌ في كُتُبٍ حديثيةٍ، من ذلك:
حديثُ ابنُ عُمَرَ وأَبي هُرَيْرَة - رضي الله عنهم - مرفوعاً: «لا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ» (¬1).
وحديثُ ابنُ عُمَرَ - رضي الله عنهم - مرفوعاً: «لا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمْ الْمَسَاجِدَ وَبُيُوتَهُنَّ خَيُرٌ لَهُنَّ» (¬2).
وحديثُ ابنُ عُمَرَ - رضي الله عنهم -، قال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم: «اِئْذَنُوا لِلنِّسَاءِ بِالمَسَاجِدِ بِاللَّيْلِ»، فقال ابنٌ له أي لابنِ عُمَرَ: والله لا نأذنُ لهنَّ (¬3) فيتخذنهُ دغلاً، والله لا نأذنُ لهنَّ، فسبَّهُ ابنُ عُمَرَ وغَضِبَ عليه، وقال أقول: قال رَسُولُ اللهِ: «اِئْذَنُوا لَهُنَّ»، وتقول لا نأذنُّ لهنَّ (¬4).
¬
(¬1) رواهُ أَبو دَاوُدَ في كتاب الصَّلاة في (باب ما جاءَ في خُرُوجِ النِّسَاءِ إلى المسجدِ)، رقم (478،179). وأحمد في مسند المكثرين من الصَّحابة، رقم (4426،4695،6098).
(¬2) رواهُ البُخَارِيّ في كتاب الجمعة في (باب هل على مَن لم يَشهَدِ الجُمُعَةَ ... )، رقم (849). ومسلم في كتاب الصَّلاة، رقم (668). وأبو دَاوُدَ في كتاب الصَّلاة، رقم (480). وأحمد في مسند المكثرين من الصَّحابة، رقم (4802،5211،5382). ومالك في الموطأ في كتاب النداء للصلاة في (باب ما جاء في خروج النساء إلى المساجد). والدَّارِميّ في كتاب الصَّلاة في (باب النَّهيِ عن منع النِّساء عن المساجدِ وكيف يَخْرُجْنَ إذا خَرَجْنَ)، رقم (1248).
(¬3) في الأصل له.
(¬4) رواهُ مسْلِم في كتاب الصَّلاة في (باب خُرُوجِ النِّساءِ إلى المساجدِ إذا لَمْ يَتَرَتَّبْ عليه فِتْنَةٌ وأَنَّها لا تَخْرُجْ مُطَيَّبَةً)، رقم (667،670،672). وابنُ مَاجَه في كتاب المقدمة، رقم (16). وأحمد في مسند المكثرين من الصَّحاَة، رقم (5214).
وحديثُ عَائِشَةَ قالت: «لَوْ أَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ (¬1) المَسَاجِدَ كَمَا مُنِعَهُ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ» (¬2). إلى غيرِ ذلك.
أخرجَها أبو دَاوُدَ وغيرُهُ فلم يكنْ في تلكِ الأَزمنةِ المتبركةِ ضرورةٌ
إلى جماعةِ النِّساءِ وحدَهُنَّ في بيوتِهنَّ، فلذلك لم يحصلْ لها الشُّيوع كجماعةِ الرِّجال، ولولا ذلك لشاعتْ كشيوعِ جماعةِ الرِّجالِ، فلا يلزمُ
¬
(¬1) قوله: لمنعهنَ المسجد ... الخ: قال بحر العلوم: قد يُتَوَهَمُ أَنَّ فيه ابطالُ النَّصِ بالتعليل مع أن أحكم الحاكمين هو الله تعالى وكان عالماً بما أحدَّثته النِّساء، فلا يظهر لما قالت عائشة رضي الله عنها وجه، فيندفع بأنَّ حكمَه سبحانه على لسان رسوله صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم بخروج النساء إلى المساجد وعدم منعهنَّ عنه مؤقتاً إلى عدم احتمال الفتنةِ، فإذا انتفى هذا انتفى ذاك، ومقصودها رضي الله عنها لو رأى النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم في زمانه المأمون عن الفتن ما أُحدث في هذا الزَّمن لمنعهنَّ بأمرِ الله تعالى عن الخروجِ، ولم يرخصهنَّ فيه البتة، وعبَّرت عن وقوع الأحداث برؤيته صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم كما أن الله تعالى عبَّرَ عن وقوع الجهاد لعدم العلم في قوله تعالى:} وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ {الآية [142: أل عمران] وعلمه أتمُّ. محمد عبد الغفور الرمضانفوري.
(¬2) رواهُ مالكٌ في كتاب النداء إلى الصَّلاة في (باب ما جاءَ في خُرُوجِ النِّساء إلى المساجد)، رقم (418). والبُخَاريّ في كتاب الأذان في (باب خُرُوجِ النِّساء إلى المساجد باللَّيْلِ والْغَلَسِ)، رقم (822). ومسلم في كتاب الصَّلاة في (باب خُرُوجِ النِّساء إلى المساجد ... )، رقم (676). وأبو دَاوُدَ في كتاب الصَّلاة في (باب التَّشْدِيدِ في ذلك)، رقم (482). وأحمدُ في باقي مسند الأَنصار، رقم (23461، 24432، 24790).
من عدَمِ شيوعِها عدَمُ مشروعيتِها لا سيما في أزمنةٍ مُنعتْ النِّساءُ عن حضورِ الجُمَعِ والجماعاتِ، وحرمتْ عن الشّركةِ مع الرِّجالِ في محالِ البركاتِ والعباداتِ.
وَالْطَّرِيقُ الْرَّابِعُ:
ما مرَّ نَقْلَهُ (¬1) عن «التَّبيين»، وذَكَرَهُ أيضاً صاحبُ «الدِّرَاية» وغيرُهُ أنَّهُ لو كانت جماعتُهُنَّ مشروعةً لشرعَ لهنَّ الأذان؛ لأنَّهُ دعاءٌ إلى الجماعةِ.
وفيه على ما أقولُ نظرٌ من وجوهٍ:
الأَوَّل: أنَّ اللازمَ ملتزمٌ لِمَا رواهُ الحَاكِمَ في «المستدركِ» عن عبدِ اللهِ ابنِ إِدرِيس عن عَطَاءَ عن عَائِشَةَ: «أنَّهَا كَانَتْ تُؤَذِنُ وَتُقِيمُ وَتَؤُمُ النِّسَاءَ فَتَقُومُ وَسْطَهُنَّ» (¬2)، كذا ذَكَرَهُ العَيْنِيّ (¬3).
والثَّاني: أَنَّهُ ماذا أريد من شرعيةِ الأذانِ لهنَّ؟ إن أريدَ به شرعيةُ أذانِ رجلٍ لجماعتِهنَّ، فاللازمُ مُلْتَزَمٌ بشهادةِ حديثِ أمِّ وَرَقَةَ، «فَإِنَّ
¬
(¬1) (ص25).
(¬2) مرَّ تخريجه (ص43).
(¬3) في البناية شرح الهداية (2: 323).
النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم جَعَلَ لَهَا مُؤَذِنَاً، وَأَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَ أَهْلَ دَارِهِا» (¬1).
وإن أُريدَ به شرعيةُ أذانِهنَّ، فذلك غير لازمٍ لشرعيةِ الجماعةِ، فليس يلزم أن يؤذن أَهلُ الجماعةِ حتَّى لو أذنَ صبي مميزٌ لجماعة الرِّجال لَكَفَى، فلا يلزمُ من عدمِ مشروعيةِ أذانهنَّ عدمُ مشروعيةِ جماعتِهنَّ.
والثَّالث: أنَّ مشروعيةَ الجماعةِ مطلقاً لا يستلزمُ مشروعيةَ الأذانِ لها، بدليلِ جماعةِ صلاةِ العيدينِ، وصلاةِ الكسوفِ، وصلاةِ الاستسقاء، فإنَّ الجماعةَ فيها مشروعةً دون الأذان، فكذا يَجوزُ أن تكونَ جماعتُهنَّ مشروعةً دون الأذانِ.
والرَّابعُ: أن عدمَ مشروعيةِ أذانهنَّ لجماعتِهنَّ إن سُلِّمَ فهو بسببِ أن أذانَّهُنَّ يُفضِي إلى الفتنةِ، وقد صرَّحوا بأنَّ نغمةَ المرأةِ ورَفْعَ صوتِها عورةٌ، فلا يَلزمُ من عدَمِ مشروعيةِ أذانهنَّ عدم مشروعيةِ جماعتِهنَّ.
والخامسُ: أن المستلزمَ لشرعيةِ الأذانِ إنَّما هو الجماعةُ في الصَّلواتِ الرَّاتبةِ التي هي من السُّننِ المؤكدةِ أو الواجبةِ، ومن الشَّعائرِ الإسلاميةِ، فغايةُ ما يلزمُ من عدَمِ مشروعيةِ الأذان لَهُنَّ عَدَمُ كونِ جماعتِهنَّ سُنةً وواجباً، لا عدمِ كونِها مشروعةً مطلقاً.
¬
(¬1) سبق تخريجه (ص43).
والسَّادسُ: أنَّ عدَمَ مشروعيةِ الأذانِ لَهُنَّ ليس أمراً اتفاقياً حتَّى يُسْتَدَلَ به على عدَمِ مشروعيةِ جماعتِهنَّ، بل القائلُ باستحبابِ جماعتِهنَّ قائلٌ باستحبابِ أذانِهنَّ وإقامتِهنَّ.
ففي «البِنَاية» (¬1) للعَيْنِي: ليس على النِّساءِ أذانٌ وإقامةٌ، وإن صلَّينَ بجماعةٍ، وبه قال: أحمدُ وأبو ثَوْرٍ.
وللشَّافِعِيِّ ثلاثةُ أقوالٍ:
أصحُّها ما نصَّهُ في «الأم» (¬2): أَنَّهُ يُستحبُّ لهنَّ الإقامةُ دونَ الأذانُ.
والثَّاني: أَنَّهُ لا أذانَ ولا إقامةَ.
والثَّالث: أنَّهما يُستحبانِ.
وفي «شرح الوجيز»: لا يختصُ هذا الخلاف فيما إذا صلَّينَ بجماعةٍ أو وحدِهنَّ. انتهى.
وَالْطَّرِيقُ الْخَامِسُ:
¬
(¬1) (2: 323).
(¬2) في الأم: هو اسم كتاب صنَّفه الإمام الشَّافِعِيّ رحمه الله تعالى وبَيَّنَ فيها مسائل الفقه بحسب مذهبه. عبد الغفور سلمه الله.
ما اختارَهُ في «التَّبيينِ» وغيرِهِ، وهو الاستدلالُ بحديثِ: «صَلاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِن صَلاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا ... » (¬1) الحديث أخرجَهُ أبودَاوُدَ وغَيْرُهُ.
وفيه بحثٌ ظاهرٌ فإنَّ الحديثَ لا يدلُّ إلا على أفضليةِ صلاةِ المرأةِ في بيتِها من صلاتِها في حُجرتِها، وصلاتِها في مخدعِها من صلاتِها في بيتِها، وعلى أَنَّهُ ينبغي للمرأة أن تكون (¬2) في حالةِ الصَّلاةِ على أسترِ الأحوالِ، ولا دلالةَ له على كراهةِ الجماعةِ، بل صلاة المرأةِ في بيتِها وحجرتِها ومخدعِها أعمُّ من أن تكون بالانفرادِ وبالجماعةِ.
وبعد التَّسليمِ لا دلالةَ على كراهةِ التَّحريمِ أصلاً، بل لو دلَّ فإنَّما يدلُّ على أفضليةِ صلاةِ الانفرادِ.
هذا كلُّهُ كان كلاماً على المسالكِ التي سلكوا عليها لإثباتِ الكراهةِ، وقد ظَهَرَ أن شيئاً منها (¬3) لا تدلُّ على الكراهةِ، وفوقَهُ كلامٌ آخرٌ وهو أن حُكْمَهم بكراهةِ جماعةِ النِّساءِ وحدهنَّ يُخالفُ الآثار والأخبار الدَّالةِ على مشروعيتِها على ما مرَّ ذِكْرُها.
¬
(¬1) سبق تخريجه (ص25).
(¬2) في الأصل يكون.
(¬3) في الأصل منهما.
وقد تَفَرَّقُوا في الجوابِ عنها شيعاً، فأجابَ صاحبُ «الدِّرَاية» عن حديثِ أمِّ وَرَقَةَ ورَابِطَةَ بقوله: أمَّا حديثُ أمِّ رَابِطَةَ وأمِّ وَرَقَةَ كان في ابتداء الإِسلام أو تعليماً للجوازِ مع أنَّ حديثَ أمَّ وَرَقَةَ فيه مقالاً عند أهل الحديث. انتهى.
وكذلك ذَكَرَ صاحبُ «البحر» (¬1)، وصاحبُ «الهداية» (¬2)، وصاحبُ «المُجْتَبَى» و «جامع المُضْمَرات» وغيرُهم في الجوابِ عن حديثِ إِمَامَةِ عَائِشَةَ: أَنَّهُ محمولٌ على ابتداء الإِسلام.
وذَكَرَ الزَّيْلَعيّ في «شرحِ الكنْز» وغيرُهُ: أنَّها فعلتْ ذلك حين كانت جماعتُهنَّ مستحبَّةً، ثم نُسِخَ الاستحبابُ، وقد ردَّ محقِّقوا أصحابِنا هذه الأجوبةِ بأسرها:
أمَّا جوابُهم عن حديثِ أمِّ وَرَقَةَ بأن فيه مقالاً، فقد ردَّهُ العَيْنِيُّ كما مرَّ ذِكْرُهُ في المرصدِ الأَوَّل (¬3).
وأمَّا جوابُهم عن حديثِ إِمَامَةِ عَائِشَةَ بأنَّهُ كان في ابتداءِ الإِسلام،
فقد ردَّهُ السَّرُوجِيُّ في شرح «الهداية» (¬4) عند قولِ صاحبِ «الهداية»: حمل فعلها الجماعة على ابتداءِ الإِسلام.
¬
(¬1) البحر الرائق شرح كنز الدقائق (1: 272).
(¬2) الهداية شرح بداية المبتدي (1: 56).
(¬3) (ص 19 - 21).
(¬4) المسمَّى الغاية شرح الهداية للإمام الفقيه الأصولي قاضي القضاة أبي العباس أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني بن إسحاق السَّرُوجِيّ، نسبة إلى سَرُوج بلدة بنواحي حران من بلاد جزيرة ابن عمر، (637 - 710 هـ). الفوائد (ص 32).
بقولِهِ: فيه نظرٌ، فإنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم أقامَ بمكةَ بعد النُّبوةِ ثلاثَ عشرةَ (¬1) سنةً، كما رواهُ البُخارِيُّ ومسلم ثُمَّ تزوجَ بِعَائِشَةَ بالمدينةِ وبَنَى بها وهي بنتُ تسعِ سنين، وبقيتْ عندَهُ تسعَ سنين، وما تَؤُمُّ إلا بعدَ بلوغِها فأينَ ذلك من ابتداء الإسلام؟
لكن يمكن أن يقالَ إِنَّهُ منسوخٌ فعلتْهُ حين تحضر النِّساءُ الجماعاتِ (¬2). انتهى.
ونَقَلَهُ ابنُ الهُمَامِ في «فتح القدير»: وأقرَّهُ، وقالَ في نَقلِهِ التزوج بها بعضُ خللٍ. انتهى (¬3).
ونَقَلَهُ صاحب «العناية»: وأجابَ عنه ناصراً لصاحبِ «الهداية» بقوله: يجوزُ أن يكونَ المرادُ من ابتداءِ الإِسلام ما قبل الانتساخ (¬4)، فإنَّهُ ابتداءٌ بالنسبةِ إلى ما بعدَهُ. انتهى (¬5).
¬
(¬1) في الأصل: عشر.
(¬2) العبارة في فتح القدير: حين كان النساء يحضرن الجماعة.
(¬3) من فتح القدير للعاجز الفقير (1: 307).
(¬4) في العناية: النسخ.
(¬5) من حاشية العناية على الهداية (1: 306) بهامش فتح القدير.
وقدحَ العَيْنِيُّ أَيْضًا في «البِنَاية» كلامَ صاحبِ «الهداية» نحو ما ذَكَرَهُ
السَّرُوجي، وردَّ ما أجابَ به صاحب «العناية» حيث قال عند قولِهِ المذكورِ: هذا جوابُ سؤالٍ مقدرٍ بأن يقال لَمَّا فعلتْ عائشةُ الجماعةَ دلَّ على أنَّها مستحبَّةٌ فلا يُكْرَهُ.
فأجابَ عنه بأن حملَ فعلها على ابتداءِ الإِسلام.
قلتُ: هذا كلامُ مَن لم يطَّلعْ على كتبِ القومِ، لأنَّهُ عليه الصَّلاة والسَّلام أقامَ بمكةَ بعد النُّبوَةِ ثلاثَ عشرةَ سنة، كما رواهُ البُخَارِيُّ ومسلمٌ، ثُمَّ تزوجَ بعائشةَ بالمدينةِ وبَنَى بها وهي بنت تسعِ، وبقيتْ عنده تسع سنين وما صلَّتْ إماما إِلا بعد بلغوها فكيف يَستقيمُ حملُه (¬1) على ابتداءِ الإِسلام.
وتصدى الأَكمل (¬2) للجوابِ عن هذا، وقال: يجوز المراد بابتداءِ الإِسلام ما قبل الانتساخِ.
¬
(¬1) وقع في الأصل حملها، والمثبت من البناية.
(¬2) هو الإمام أكمل الدين محمد بن محمد البَابَرْتي (ت786هـ).
قلتُ: هذا بعيدٌ من الأَوَّلِ؛ لأنَّ هذا لم يكنْ في ابتداءِ الإِسلامِ على ما دلَّتْ عليه الأَخبارُ المذكورة، فإذا كان كذلك كيف يحمل هذا على ما قبل الانتساخ؟ انتهى (¬1).
فَظَهَرَ بهذا كلِّهِ أن مَن قال: إن أثر إمامةِ عائشةَ محمولٌ على ابتداءِ الإِسلام إن أراد به أَنَّهُ منسوخٌ فالكلامُ معه كالكلامِ مع القائلِ بالنَّسخِ، وإلا فقد أَتَى بشيء يتعجبُ منه مَن له اطِّلاعٌ على كُتُبِ القومِ.
وأمَّا كلامُهم أنَّ فعل عَائِشَةَ أو أُمَّ سَلَمَة منسوخٌ، كان حين كانت
جماعتُهنَّ مستحبَّةً.
فمخدوشٌ بثلاثةِ وجوهٍ:
الأَوَّل: أنَّ المذهبَ عندنا أن انتقاءَ صفةِ الوجوبِ يستلزمُ انتفاءَ صفةِ الجوازِ كما عُرِفَ في الأصول، ولا فَرْقَ بين الوجوبِ والسُّنِّيَّةِ في ذلك، فإذا نُسختْ السُّنِّيَّةُ نُسِخَ الجوازُ، فالاستدلالُ بالمنسوخِ كما فعله أصحابُنا حيثُ استدلوا بفعلِ عائشةَ على توسطِ إمام النِّساءِ مع قولهم بأنَّهُ منسوخٌ غيرُ صحيحٍ.
وأجابَ عنه صاحب «العناية» بقوله: الجوازُ الباقي جوازٌ مع الكراهةِ، والذي كان في ضمنِ السُّنِّيَّةِ نُسخَ معها، والاستدلالُ به لبيانِ
¬
(¬1) من البناية شرح الهداية (2: 321 - 322).
أنَّها كانت سُنَّةً ونسختْ، وإنَّما جُوِّزتْ في زماننا بمقتضى الجوازِ الذي كان من اجتماعِ شرائطِهِ ورَفْعِ موانعِهِ مع ما يوجبُ كراهةً من ارتكابِ محرمٍ. انتهى (¬1).
وردَّهُ العَيْنِيُّ (¬2) بعد نَقلِهِ بقوله: فيه نظرٌ؛ لأنَّ مَن ادَّعى النَّسخَ، فعليه البيانُ.
والثَّاني: ما ذَكْرَه ابنُ الهُمَام بقوله بعد نقلِ كلامِ السَّرُوجي لكن في «المستدرك»: «أنَّهَا كَانَتْ تُؤُذَنُ وَتُقِيمُ وَتَؤُمُّ النِّسَاءَ وَتَقُومُ وَسْطَهُنَّ» (¬3).
وما في كتاب «الآثار» لمحمدٍ: أَخْبَرَنا أَبو حَنِيْفَةَ عن حَمَّاد بنِ أبي سُلَيْمَانَ عن إبراهيم النَّخَعِي: أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَؤُمُّ النِّسَاءَ فِي شَهْرِ رَمَضَانِ فَتَقُومُ وَسْطَاً.
ومن المعلومِ أنَّ جماعةَ التراويحِ إنَّما استقرتْ بعد وفاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم، وما في أَبِي دَاوُدَ عَن أمِّ وَرَقَةَ بنتِ عبدِ اللهِ بنِ الحارِثِ بنِ
¬
(¬1) من حاشيةالعنايةعلى الهداية (1: 306).
(¬2) في البناية شرح الهداية (2: 322).
(¬3) مرَّ تخريجه.
عُمَيْر الأنصاريَّة أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم: ((لَمَا غَزَا بَدْرَاً ... )) (¬1) الحديث.
ثُمَّ أخرجهُ عَن الوليدِ بنِ جُمَيْع عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ خالدِ عنها، وفيهِ: ((وَكَانَ يَزُورُهَا وَجَعَلَ لَهَا مُؤَذِنَاً وَأَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا))، قال عبدُ الرَّحمنِ: وَأَنَا رأيتُ مؤذنَها شيخاً كبيراً (¬2).
كلُّها ينفى ثبوتَ النَّسخِ، وفي الحديثِ الأخيرِ الوليدُ وعبدُ الرَّحمنِ، قال ابن القَطَّان (¬3): لا يعرفُ حالُهما. انتهى.
وقد ذَكَرَهما ابنُ حِبَّان في «الثِّقَات» (¬4). انتهى (¬5).
ثُمَّ قال ابنُ الهُمَامِ: وقد يُجابُ بجوازِ كونِهِ إخباراً عن مواظبةٍ كانتْ قبلَ النَّسخِ.
وقوله: كانتْ تَؤُمُّ في رمضان، لا يستلزمُ التَّراويحَ.
¬
(¬1) مرَّ تخريجه.
(¬2) مرَّ تخريجه.
(¬3) لعلَّه العلامة المحدِّث أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك الكتامي الحِمْيَري الفاسي، المشهور بابن القَطَّان الفاسي، صاحب كتاببيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام (562 - 628هـ). الأعلام (7: 152).
(¬4) (5: 58).
(¬5) من فتح القدير للعاجز الفقير (1: 307).
وقوله: جَعَلَ لها مؤذناً وأمرها أن تَؤُمَّ لا يستلزمَ استمرارَ إمامتِها إلى وفاتِهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم.
وما رواهُ عبدُ الرَّزاق عن إِبْرَاهِيمَ بنِ مُحَمَّدِ عَن دَاوُدَ بنِ الحُصَيْنِ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبَّاس قال: تَؤُمُّ المَرْأَةُ النِّسِاءَ فَتَقَوُمُ وَسْطَهُنَّ (¬1).
لا يقتضي عِلْمَ ابن عبَّاس ببقاء شرعيتها بجوازِ كونِ المرادِ إفادةِ مقامها بتقديرِ ارتكابِها ذلك، أو خفي على ابنِ عباسٍ النَّاسخ. انتهى (¬2).
أقولُ: هذا كلُّهُ كما أشارَ إليه ضعيفٌ، فإنَّ أمثالَ هذه الاحتمالاتِ الرَّكيكةِ الغيرِ الظَّاهرةِ لا تُسمَعُ إلا بعد تعيينِ النَّاسخِ وإذ ليس فليس.
والثَّالثُ: ما ذَكَرَهُ ابنُ الهُمَامِ أَيْضًا بقولِهِ ما مرَّ من كلامِهِ: لكن يبقى الكلامُ بعد هذا في تعيينِ النَّاسخِ إذ لا بدَّ في ادِّعاءِ النَّسخِ (¬3) ولم يتحقَّقْ،
¬
(¬1) في مصنف عبد الرزاق (3: 140).
(¬2) من فتح القدير للعاجز الفقير (3: 307).
(¬3) قوله إذ لا بدَّ في ادِّعاء ... الخ وإلى هذا أشار بحر العلوم في رسائل الأركان، بقوله: على هذا فدعوى الكراهة مشكلة، لا بدَّ لها من دليل، وميلُ الشَّيْخِ ابنِ الهُمَامِ إلى عدمِ الكراهة. انتهى.
وقال في فتح الودود حاشية سنن أبي دَاوُدَ تحت حديث أمِّ وَرَقَةَ: إِنَّ هذا الحديثَ يدَلُّ على جوازِ إمامةِ المَرْأَةِ للنِّساءِ، ومن يَقُولُ بكراهة جماعتهنَّ يحمل الحديثَ على النَّسْخِ، لكنَّ ابنَ الهُمَامِ وغيرَهُ ينكرون تحقُّقَ النَّاسخِ.
أقول: هذا هو الحقُّ، والحقُّ أحقُّ بالاتباع، كما حقَّقه الأستاذ العلامة مُدَّ ظله فانظر بعين الإنصاف، ولا تكن من أهل التَّعصب والاعتساف. مُحَمَّد عَبْد الغفور الرمصانفوري.
وما ذَكَرَهُ بعضُهم من إمكانِ كونِهِ ما في «سُنَنِ أبي دَاوُدَ»، و «صحيح ابن خُزَيْمَةَ» (¬1): «صَلاةُ المَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا، وَصَلاتُهَا فِي مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاتِهَا فِي بَيْتِهَا» (¬2). يعني الخزانةُ التي
تكونُ في البيتِ.
وروى ابنُ خُزَيْمَةَ: «أنَّ أَحَبَّ صَلاةِ المَرَأَةِ إِلَى اللهِ فِي أَشَدِّ مَكَانٍ فِي بَيْتِهَا ظُلْمَةً» (¬3).
وفي حديثٍ لَهُ ولابنِ حِبَّان: «وَأقْرَبُ مَا تَكُونُ مِنْ وَجِهِ رَبِّهَا وَهِي فِي قَعْرِ بَيْتِهَا» (¬4).
ومعلومٌ أن المخدعَ لا يسعُ الجماعةَ، وكذا قَعْرَ بيتِها وأشدَّ ظلمةً، ولا يَخَفَى ما فيه.
¬
(¬1) هو لإمام الأئمة الحافظ أبو بكر محمد بن إسحاق خُزَيْمَةَ السُّلَمي النَّيْسَابُورِيّ، قال الدَّارقُطني: كان إمام معدوم النظير. (ت316هـ).العبر (2: 149).
(¬2) مرَّ تخريجه (ص25).
(¬3) في صحيح ابن خُزَيْمَةَ (95:3)، رقم (1691)، و (96:3)، رقم (1692)، وسنن البَيْهَقِي الكبرى (131:3)، رقم (5146).
(¬4) في صحيح ابن حِبَّان بترتيب ابن بلبان (327:1)، رقم (756).
وبتقديرِ التَّسليم فإنَّما يفيدُ نَسْخَ السُّنِّيَّةِ، وهو لا يستلزمُ ثبوتَ كراهةِ التَّحريمِ في الفعلِ بل التَّنْزيهَ، ومرجعها إلى خلافِ الأَوْلَى، ولا علينا أن نذهبَ إلى ذلك، فإنَّ المقصودَ اتباعُ الحقِّ حيثُ كان. انتهى (¬1).
أقول: أشارَ بآخر كلامِهِ إِلَى أن كراهةَ التَّحريمِ ليس بحقٍّ، واتباعُ الحقِّ حيثُ ما كان أحقُّ، كيف لا؟ وقد دلتّ آثارٌ وأخبارٌ على المشروعيةِ ولم يتعينْ ناسخٌ لها ولا يصحُّ حملُها على ابتداءِ الإِسلامِ.
والعللُ التي ذكروها للكراهةِ كلُّها معلولةٌ، فغاية ما في البابِ أن تكونَ جماعتُهنَّ خلافَ الأولى نظراً إلى ظاهرِ ما يفيدُهُ حديثُ أَبِي دَاوُدَ وابنِ خُزَيْمَةَ وغيرِهِم، وهو أمر آخرٌ.
فإن قلتَ: لا دلالةَ للأخبارِ المذكورةِ على الاستحبابِ لجوازِ أن تكونَ تعليماً للجوازِ كما أشارَ إليهِ صاحبُ «الدِّرايةِ».
قلتُ: فهذا القدرُ ينفي الكراهةَ التَّحريميَّةَ، كيف ولو كان كذلك لَمَا أَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم أمَّ وَرَقَةَ بما أَمَرَها، ولَمَا ارتكبتْ عائشةُ وأمُّ سَلَمَةَ فعلها.
والظَّاهرُ أنَّ مُحَمَّدَ بنَ الحَسَنِ أشارَ في كتابِ «الآثارِ» إلى هذا، حيثُ قال: لا يعجبنا، على ما مرَّ نقله (¬2) في المرصدِ الأَوَّل.
¬
(¬1) من فتح القدير (1: 307).
(¬2) (ص 18).
والذي يَظهرُ أنَّ الحُكْمَ بالكراهةِ لا سيما بالتَّحريميَّةِ من تخريجاتِ المشايخِ على حسبِ أفهامِهم ومزعوماتِهم لا مِن كلامِ أئمتِهم، ولعلَّ لكلامِهم وجهاً لم نطَّلعْ عليه، وما اطَّلعنا عليه قد بَيَّنَا حالَهُ، وفوقَ كلِّ ذي علمٍ عليمٍ، وذلك فَضْلُ اللهِ يؤتيهِ مَن يشاءُ وهو ذو الفضلِ العظيمِ.
* * *
الْمَرْصَدُ الْثَّالِثُ
فِي الْفَوَائِدِ الْمُتَعَلِّقَةِ
بِمَسْلَكِ أَصْحَابِنَا الْحَنَفِيَّة
ـ خَصَّهُمْ اللهُ بِالأَلْطَافِ الْخَفِيَّةِ ـ
فَائِدَةٌ:
في «الشَّامل» للبَيْهَقيِّ: لا أذانَ ولا إقامةَ على النِّسَاءِ، لأنَّهما مِن سُنَّةِ الجماعةِ، ولا جماعةَ عليهنَّ؛ ولأنَّ صوتَهُنَّ عورةٌ واجبةُ الإخفاءِ، كذا في «جامع المُضْمَرات».
وفي «مواهب الرَّحْمَن» (¬1): الأذانُ مكروهٌ للنِّساءِ اتفاقاً ولا تُسنُّ الإقامةُ. انتهى.
وفي بحث الأذان من «فتح القدير»: الأصلُ عندنا أن يُؤَذِنَ لِكُلِّ
فَرْضٍ أَدَى أَو قَضَى إلا الظُّهْرِ يوم الجُمُعةِ في المصرِ؛ فإنَّ أَدَاءَهُ بهما مكروهٌ وإلا ما تؤديهِ النِّساءُ أَو تقضينَهُ بجماعتِهنّ؛ لأنَّ عائشةَ أَمَّتْهُنَّ بغيرِ أذانٍ ولا إقامةٍ حين كانت جماعتُهُنَّ مشروعةً، وهذا يقتضي أن المنفردةَ أيضاً كذلك؛ لأنَّ تركَها لما كان هو السُّنَّةُ حالَ شرعيةِ الجماعةِ، كان حالَ
الإفرادِ أَوْلَى. انتهى.
وفيه ما لا يَخَفَى على مَن وَقَفَ على ما مَضَى.
¬
(¬1) ذكر في كشف الظنون (2: 1898): مواهب الرحمن في مذهب النعمان لإبراهيم بن موسى الطرابلسي (ت922هـ).
فَائِدَةٌ:
ظاهرُ كلامِهم وتعليلِهم أنَّ جماعةَ النِّساءِ وحدَهُنَّ مكروهٌ تحريماً، ولذا قال ابنُ الهُمَامِ في «فتح القدير»: عند قولِ صاحبِ «الهداية»: لأنَّها لا تخلو عن ارتكابِ محرَمٍ ... الخ، صريحٌ في أنَّ تركَ التَّقدُّمِ لإمامِ الرِّجالِ محرَمٌ، وكذا صرَّحَ الشَّارحُ وسمَّاهُ في «الكافي» (¬1): مكروهاً، وهو الحقُّ أي كراهةُ تحريمٍ؛ لأنَّ مُقتضَى المواظبةِ من النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم بلا تركِ الوجوبُ، فلعدمِهِ كراهةُ التَّحريمِ، فاسم المحرمِ مجازٌ، واستلزمَ ما ذُكِرَ أن جماعةَ النِّساءِ تُكْرَهُ كراهةَ تحريمٍ؛ لأنَّ ملزومَ متعلِّقِ الحُكْمِ أعنى الفعلَ المعينَ ملزومٌ لذلك الحُكْمِ. انتهى.
فَائِدَةٌ:
ذَكَرَ البرجندي (¬2) في «شرح النُّقَاية»: أنَّها لو تقدَّمتْ أمامَهنَّ عليهنَّ جازَ. انتهى.
¬
(¬1) لعلَّه الكافي شرح الوافي للإمام أبو البركات عبد الله بن أحمد المعروف بحافظ الدين النَّسَفِيّ الحَنَفي (ت701هـ). المصفى (ص29 - 52).
(¬2) لعلَّه شارح المنار العلامة الأصولي عبد العلي بن محمد بن حسين البرجندي، (ت932هـ). الكشف (2: 1826).
وفي «منح الغفار شرح تنويرِ الأبصار»: أفادَ بقوله يقفُ أَنَّهُ واجبٌ، فلو تقدَّمتْ أثمتْ، كما صَرَّحَ به الكمالُ في «الفتح» (¬1)، والصَّلاةُ صحيحةٌ، وإذا توسطتْ لا تزولُ الكراهةُ.
وفي «السّراجِ»: لو تأخرتْ لم يصحَّ الاقتداءُ به عندنا؛ لفقدِ شرطِهِ وهو عدَمُ التَّأخرِ عَن المأمومِ. انتهى.
فَائِدَةٌ:
لا فَرْقَ في كراهةِ جماعتِهنَّ في الفرائضِ وغيرِها كالتَّراويح إلا في
صلاةِ الجنازةِ، فإنَّها لا تُكرَهُ كما في «النَّهر الفائق»، و «الدر المُخْتَار» (¬2) وغيرِهما.
¬
(¬1) أي الكمال بن الهُمَام في فتح القدير (1: 306).
(¬2) الدر المختار شرح تنوير الأبصار (1: 380) بهامش رد المحتار. الدر المختار للإمام الفقيه علاء الدين محمد بن علي بن محمد بن علي بن عبد الرحمن الحِصْني الحَصْكَفِي الحَنَفِي (ت1088هـ).خلاصة الأثر (4: 63).
فَائِدَةٌ:
إذا استخلفَ إمامُ الرَّجلِ امرأةً، وكانَ خلفَهُ نساءٌ ورجالٌ تفسدُ صلاةُ الكلِّ، أمَّا الرَّجالُ فظاهرٌ، وأمَّا النِّسَاءُ فلأنَّهنَّ دَخَلْنَّ في تحريمةٍ كاملةٍ، كذا في «السِّراج الوَّهاج» (¬1).
وفي «رد المُحْتَار»: أمَّا فسادُ صلاةِ الرِّجالِ والإمام فلعدمِ صحِّةِ اقتداءِ الرَّجلِ بالمرأةِ، وأمَّا النِّساءُ والمقدَّمة؛ فلأنَّهنَّ دخلنَّ في تحريمةٍ كاملةٍ، فإذا انتقلنَّ إلى تحريمةٍ ناقصةٍ لم يجزْ، كأنَّهنَّ انتقلنَّ من فرضٍ إلى فرضٍ آخرٍ، كما في ((البحر)) (¬2)، حينئذٍ وظاهرُ التعليلِ يقتضي الفسادُ،
ولو كنَّ نساء خلفهَ خُلَّصاً. أفاده (¬3) أبو السعود، «ط».
والأظهرُ التَّعليلُ بأنَّ الإمامَ يصيرُ مقتدياً بخليفتِهِ فتفسدُ صلاةُ مَن خلفَهُ، بل باستخلافِهِ مَن لا يَصلُحُ للإمامةِ تَفسدُ صلاتُهُ، فكذا مَن خَلفَهُ. رحمتي. انتهى (¬4).
¬
(¬1) السِّراج الوَّهاج شرح مختصر القُدُوْرِيّللإمام الفقيه رضي الدين أبي العتيق أبي بكر بن علي بن محمد المعروف الحدَّاد العبّادي، الشهير بصنعته (720 - 800هـ).تاج التراجم (ص141).
(¬2) البحر الرائق شرح كنْز الدَّقائق (1: 373).
(¬3) غير موجودة في الأصل، ومثبته من رد المُحْتَار.
(¬4) من حاشية ردّ المُحْتَار على الدَّر المُخْتَار (1: 380).
فَائِدَةٌ:
لا تَؤَمُّ المرأةُ في صلاةِ الجنازةِ، ولو أمَّتْ الرِّجالَ فيها صحَّتْ صلاتُها وسقطَ الفرضُ وبطلتْ صَلاةُ الرِّجال خلفها، كذا في «الأشباهِ والنَّظائرِ» وحواشيه للحَمَوي (¬1).
وهذا قابلٌ للملغزِ، فيقال: أي رجلٍ صلَّى خلفَ إمامٍ ففسدتْ صلاتُهُ، وسقطتْ عنه بصحَّةِ صلاةِ إمامه من دونِ إعادةٍ وقضاءٍ وهي فريضةٌ.
فَائِدَةٌ:
الخنثى إذا أَمَّتْ النِّساءَ لا يتوَسْطَهُنَّ بل يتقدَّمَهُنَّ، إذ لو صلَّى وَسْطَهُنَّ فسدتْ صلاتَهُ بمحاذاتِهِ لهنَّ على تقديرِ ذكورتِهِ، وتَفسدُ صلاتُهُنَّ أَيضاً، كذا في «الدر المُختَار» (¬2) وحواشيه.
وهذا أَيضاً قابلٌ لأن يُعَدَّ من الألغازِ، فيقال: أي إمامٍ لا يجوزُ له التَّوَسْطُ بل يكونُ توسطُهُ مُفْسَدَاً لصلاتِهِ وصلاةِ مَن خَلْفَهِ.
¬
(¬1) هو العلامة الفقيه شهاب الدين أحمد بن السيد محمد المكي الحسيني الحَمَوي المِصْري الحَنَفي، (ت1098هـ). هدية العارفين (1: 164).
(¬2) (1: 380).
فَائِدَةٌ:
قال عبدُ البرِّ بن الشِّحْنَة الحَلَبِي (¬1) في كتابه «الذَّخائر الأشرفية في ألغاز الحَنَفِيَّة»: مسألةٌ: إن قيل: متَّى تَصلحُ المرأةُ إماماً للرجلِ؟
فالجواب: أنَّها تصلحُ إماماً له في سجودِ التَّلاوةِ. انتهى.
فَائِدَةٌ:
لا يجوزُ للرِّجالِ أن يقتدوا بامرأةٍ لقوله عليه السَّلام: «أَخِرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَرَهُنَّ اللهُ» (¬2)، فلا يجوزُ تقديمها، كذا في «الهداية» (¬3) وغيره.
¬
(¬1) هو العلامة الفقيه أبو البركات سري الدين عبد البرّ بن محمد بن محمد، المعروف بان الشَّحْنَة، من مؤلفاته: غريب القرآن، وتفصيل عقد الفرائد. (581 - 921هـ). الكشف (1: 97).
(¬2) في المعجم الكبير (9: 295) برقم (9484). ومصنف عبد الرزاق (3: 49)، وصحيح ابن خزيمة عن ابن مسعود بلفظ: أخروهن حيث جعلهن الله (3: 99) برقم (1700).
(¬3) الهداية شرح بداية المبتدي (1: 56).
قال العَيْنِيُّ في «البِنَاية»: هذا غيرُ مرفوعٍ وهو موقوفٌ على ابنِ مسعودٍ أَخرجَهُ عبدُ الرَّزاقِ في «مصنَفِهِ» عن سفيانِ الثَّوْريّ عن الأَعْمَش عن إِبراهيم عن أَبِي مَعْمَرٍ عن ابنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه -.
ومن طريقِ عبدِ الرَّزاقِ أخرجَهُ الطَّبَرَانِي (¬1) في «معجمه».
وجهُ الاستدلالِ به ما قاله أَبو زيدٍ في «الأسرار»: أن حيثُ عبارة عن المكانِ فيجبُ تأخيرُ مكانهنَّ. انتهى ملخصا (¬2).
فَائِدَةٌ:
استدلَ أصحابُنا في مسألةِ المحاذاةِ بحديثِ: أخروهنَّ، وقالوا: إِنَّهُ من المشاهيرِ وبنوا عليه فروعاً، وهو بحثٌ طويلُ الذَّيلِ لا يليقُ إيرادُهُ هاهنا، وقد أشارَ ابنُ الهُمَامِ في «فتح القدير» إلى بعضِ ما فيه حيث قال: لم يثبتْ رَفْعُهُ فضلاً عن كونِهِ من المشاهيرِ، وإنَّما هو في «مسندِ عبدِ الرَّزاقِ» موقوفٌ على ابنِ مسعودٍ، قال: أخبرنا سفيانُ الثَّوْريّ عن الأَعْمَش عن إبراهيم عن أبي مَعْمَرٍ عَن ابنِ مَسْعُودٍ، قال: كان الرِّجالُ
¬
(¬1) هو الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللَّخْمِي الطَّبَرَاني، قال الذَّهَبي في العبر (2: 315): مسند العصر، واسع الحفظ بصيراً بالعلل والرجال والأبواب. (260 - 360هـ).
(¬2) من البناية شرح الهداية (2: 328).
والنِّساءُ في بَنَي إسرائيلِ يصلُّون جميعاً، فكانت المرأةُ تلبسُ القالبينِ فتقومُ عليهما فتواعدُ خليلها فألقي عليهم الحيض، فكان ابنُ مَسْعُودٍ يقولُ: أخروهنَّ من حيثُ أخرهنَّ اللهُ، قيل: فما القالبانِ: قال أرجلٌ من خشبٍ تتخذها النِّساءُ تتشرفنَ الرّجال في المساجدِ (¬1).
وفي «الغايةِ» (¬2) عن شيخِه يرويه: «الخمر أمُّ الخبائثِ والنِّساء حبائلُ الشَّيطانِ وأخروهنَّ من حيث أخرهنَّ اللهُ»،ويعزوهُ إلى «مسند رزين» (¬3)، قيل: وَذُكِرَ أَنَّهُ في «دلائلِ النبوة» للبَيْهَقِيِّ، وقد تتبعَ فلم يوجدْ
فيه (¬4).انتهى (¬5)
¬
(¬1) في مصنف عبد الرزاق (3: 49)
(¬2) الغاية شرح الهداية للإمام السَّرُوجِي (ت710هـ).
(¬3) لعلَّه الإمام رزين بن معاوية العبدري السرقسطي (ت535هـ) صاحب تجريد الصحاح الستة في الحديث. الكشف (1: 345).
(¬4) قال الزَّيْلَعِي في نصب الراية (2: 36): قال السروجي في الغاية كان شيخنا الصدر سليمان يرويه: الخمر أم الخبائث والنساء حبائل الشيطان وأخروهن من حيث أخرهن الله ويعزوه إلى مسند رزين، وقد ذكر أنه في دلائل النبوة للبَيْهَقي وقد تتبعته فلم أجده فيه لا مرفوعاً ولا موقوفاً، والذي فيه مرفوعاً: الخمر جماع الإثم، والنِّساء حبالة الشيطان، والشباب شعبة من الجنون ليس فيه أخروهن من حيث أخرهن الله أصلا.
(¬5) من فتح القدير للعاجز الفقير (1: 312).
ثُمَّ ذَكَرَ ابنُ الهُمَامِ (¬1) ما استدلوا به في بحثِ المحاذاةِ، وأشارَ إلى ما فيه، وذَكَرَ في أثنائِهِ الإجماعَ على عدمِ جوازِ إمامة المرأةِ للرَّجلِ.
فَائِدَةٌ:
تُكْرَهُ إمامةُ الرَّجلِ لَهَنَّ في بيتٍ ليس معهنَّ رجل غيره، ولا مَحرَم منه كأختِهِ أو زوجتِهِ أو أمَّتِهِ.
أمَّا إذا كان معهنَّ واحدٌ ممن ذُكِرَ، أو أمَّهنَّ في المسجدِ لا يُكْرَهُ كذا في «البحر» (¬2)، و «النَّهرِ»، وغيرِهما.
هذا آخرُ الكلامِ في هذا المقامِ، والحمدُ للهِ على الإتمامِ، وكان ذلك يوم الأربعاء الثَّامنَ عشرَ من المحرمِ من السَّنةِ الخامسةِ والتسعينِ بعد الألفِ والمئتينِ من الهجرةِ على صاحبِها أفضلِ صلاةِ وأزكى تحيةٍ (¬3).
¬
(¬1) في فتح القدير (1: 392).
(¬2) في البحر الرائق (1: 373).
(¬3) خاتمة الطبعة الحجرية:
حامداً ومصلياً.
وبعد:
فقد انطبعتْ رسالةٌ نفيسةٌ مسمَّاةٌ بتحفةِ النُّبَلاءِ في جماعةِ النِّسَاءِ ألَّفها مؤلِّفها حين سألَ عنها عن هذه المسألةِ، وطَلَبَ التَّحقيقَ فيها أرشدُ تلامذةِ المَوْلَوِيّ مُحَمَّد عبد الغفور الرمضانفوري، فأفادَ وأجاد، وكان ذلك باهتمام ذي اللطف والامتنان.
* * *
المراجع:
1. إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون لإسماعيل بن محمد أمين بن مير سليم. دار الفكر. 1410هـ.
2. الأعلام: لخير الدين الزَّركلي. بدون دار طبع وتاريخ طبع.
3. الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل: لمجير الدين الحنبلي. مكتبة المحتسب. عمان.1973م.
4. الأنساب: أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السَّمْعَاني (ت562هـ). ت: عبد الله بن عمر البارودي. مؤسسة الكتب الثقافية. ط1. 1988هـ.
5. البناية في شرح الهداية لأبي محمد محمود بن أحمد العَيْنِي (762 - 855هـ). دار الفكر. ط1. 1980مـ.
6. التعليقات السنية على الفوائد البهية: للإمام الكنوي. ت: أحمد الزعبي. دار الأرقم. بيروت. ط1. 1998مـ.
7. الثقات: لأبي حاتم محمد بن حبان التميمي البستي (ت354هـ). ت: السيد شرف الدين أحمد. ط1. 1395هـ. دار الفكر.
8. الجامع الصحيح المختصر لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي البُخَارِيّ (194 - 256هـ). ت: د. مصطفى البغا. ط3. 1407هـ. دار ابن كثير واليمامة. بيروت.
9. الدر المختار شرح تنوير الأبصار: لعلاء الدين محمد بن علي الحَصْكَفِي الحنفي (ت1088هـ). مطبوع في حاشية رَدّ المُحْتَار. دار إحياء التراث العربي. بيروت.
10. الذيل على العبر في خبر من غبر لأبي زرعة أحمد بن عبد الرحيم ابن العراقي (762 - 826هـ). ت: صالح مهدي عباس. مؤسسة الرسالة. ط1. 1409هـ.
11. السنن الكبرى للبَيْهَقِي: لأبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البَيْهَقِي (384 - 458هـ). ت: محمد عبد القادر عطا. 1414هـ. مكتبة دار الباز. مكة المكرمة.
12. الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية: لطاشكبرى زاده (ت968هـ). دار الكتاب العربي. بيروت. 1975م.
13. الضوء اللامع لأهل القرن التاسع لشمس الدين محمد بن عبد الرحمن السَّخَاويّ (831 - 902هـ). دار الكتب العلمية. بدون تاريخ طبع.
14. العبر في خبر من غبر: لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذَّهَبِي (748هـ). ت: د. صلاح الدين المنجد. مطبعة حكومة الكويت. 1963مـ.
15. الفوائد البهية في تراجم الحنفية: للإمام الكنوي. ت: أحمد الزعبي. دار الأرقم. بيروت. ط1. 1998مـ.
16. القاموس المحيط: لمجد الدين أبي طاهر محمد بن يعقوب الفَيْرُوزآبادي (ت817هـ). طبعة مطصفى بابي الحلبي.
17. الكامل في ضعفاء الرجال: عبد الله بن عدي أبو أحمد الجُرْجاني (277 - 365هـ). ت: يحيى مختار غزاوي. ط3. 1409هـ. دار الفكر. بيروت.
18. المستدرك علىلصحيحين: لأبي عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم (321 - 405هـ). ت: مصطفى عبد القادر. ط1. 1411هـ. دار الكتب العلمية. بيروت.
19. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير: لأحمد بن علي الفيومي (ت770هـ). المطبعة الأميرية. ط2. 1909م.
20. المصفى شرح منظومة الخلاف: لأبي البركات عبد الله بن أحمد النَّسَفِي (ت701هـ). ت: خالد نهاد ط1. 1419هـ. بغداد.
21. المصنف في الأحاديث والآثار: لعبد الله بن محمد بن أبي شَيْبَةَ (159 - 235هـ). ت: كمال الحوت. ط1. 1409هـ. مكتبة الرشد. الرياض.
22. المصنف: لأبي عبد الله عبد الرزاق بن همام الصنعاني (126 - 211هـ) ت: حبيب الرحمن الأعظمي. ط2. 1403هـ. المكتب الإسلامي. بيروت.
23. المعجم الكبير لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطَّبَرَاني (260 - 360هـ).ت: حمدي السلفي. ط2. 1404هـ مكتبة العلوم والحكم. الموصل.
24. النور السافر عن أخبار القرن العاشر لمحيي الدين عبد القادر بن شيخ بن عبد الله العَيدروسي (1570 - 1628مـ). دار الكتب العلمية. بيروت. ط1. 1405هـ.
25. الهداية شرح بداية المبتدي: لأبي الحسن علي بن أبي بكر المرغيناني (ت593هـ). مطبعة مصطفى البابي. الطبعة الأخيرة. بدون تاريخ طبع.
26. الوفيات لأبي المعالي محمد بن رافع السَّلامي (704 - 774هـ). ت: صالح مهدي عباس. مؤسسة الرسالة. ط1. 1982مـ.
27. بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة: لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (849 - 911هـ). ت: محمد أبو الفضل. المكتبة العصرية. بيروت.
28. بلوغ الأماني في سيرة الإمام محمد بن الحسن الشيباني لمحمد زاهد بن الحسن الكوثري. المكتبة الأزهرية للتراث. 1998هـ.
29. تاج التراجم لأبي الفداء قاسم بن قُطْلُوبُغَا (ت879هـ). ت: محمد خير رمضان. دار القلم. دمشق. ط1. 1992مـ.
30. تاج العروس من جواهر القاموس: للسيد محمد مرتضى الزُّبَيْدِيّ (ت1205هـ). طبعة الكويت.
31. تاريخ جرجان: لأبي القاسم حمزة بن يوسف الجرجاني (428 - 345هـ).ـ: د. محمد عبد معيد خان. ط3. 1401هـ. عالم الكتب. بيروت.
32. تقريب التهذيب لأبي الفضل: أحمد بن علي ابن حَجَر العَسْقَلاني (773 - 852هـ). ت: عادل مرشد. مؤسسة الرسالة. ط1. 1996مـ.
33. تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرَّافِعِي الكبير: لأبي الفضل أحمد بن علي ابن حجر العَسْقَلاني (773 - 852هـ). ت: السيد عبد الله هاشم. 1384هـ. المدينة المنورة.
34. خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر: للمؤرخ محمد أمين لمحبي (1651 - 1699م). دار صادر.
35. سنن أبي داود: لسليمان بن أشعث السجستاني (202 - 275هـ).ت: محمد محيي الدين عبد الحميد. دار الفكر. بيروت.
36. سنن الدَّارَقُطْنِي: لأبي الحسن علي بن عمر الدَّارَقُطْنِي (306 - 385هـ). ت: السيد عبد الله هاشم.1386هـ. دار المعرفة. بيروت.
37. سنن الدارمي: لعبد الله بن عبد الرحمن أبي محمد الدرامي (181 - 255هـ). ت: فواز أحمد وخالد العلمي. ط1. 1407هـ. دار التراث العربي. بيروت.
38. شرح صحيح مسلم: لأبي زكريا يحيى بن شرف النووي (631 - 676). ط2. دار إحياء التراث العربي. بيروت.
39. صحيح ابن حبَّان بترتيب ابن بلبان: لأبي حاتم محمد بن حِبَّان التميمي (354هـ). ت: شعيب الأرناؤوط. ط2. 1414هـ. مؤسسة الرسالة. بيروت.
40. صحيح ابن خزيمة: لأبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي (223 - 311هـ).ت: د. محمد مصطفى الأعظمي. 1390هـ. المكتب الإسلامي. بيروت.
41. طبقات الشافعية لعبد الرحيم بن الحسين الآسنوي (704 - 772هـ). ت: كمال الحوت. دار الكتب العلمية. بيروت. ط1. 1407هـ.
42. طرب الأماثل بتراجم الأفاضل للإمام اللكنوي (1264 - 1304هـ). ت: أحمد الزعبي. دار الأرقم. بيروت. ط1. 1998مـ.
43. كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون: لمصطفى بن عبد الله القسطنطيني الحنفي (1017 - 1067). دار الفكر.
44. مختار الصحاح: للعلامة محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرَّازِيّ الحَنَفِي (ت606هـ). دار الرسالة. الكويت. 1983م.
45. مرآة الجنان وعبر اليقظان في ما يعتبر من حوادث الزمان: لأبي محمد عبد الله بن أسعد اليافعي (ت768هـ). مؤسسة الأعلمي للمطبوعات. ط1. 1970مـ.
46. مسند الإمام أحمد بن حنبل (164 - 241هـ). مؤسسة قرطبة. مصر.
47. مسند الشافعي: لأبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي (150 - 204هـ). دار الكتب العلمية. بيروت.
48. مقدِّمة عمدة الرعاية حاشية شرح الوقاية: للإمام اللكنوي (1264 - 1304هـ). المطبع المجتبائي. دهلي. 1340هـ.
49. موسوعة فقه إبراهيم النخعي للدكتور: محمود روّاس قلعه جي. ط1. 1399هـ. طباعة جامعة الملك عبد العزيز.
50. موطأ الإمام مالك: لأبي عبد الله مالك بن أنس الصبحي (93 - 179هـ). ت: محمد فؤاد عبد الباقي ز دار إحياء التراث العربي. مصر.
51. نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر: لعبد الحي بن فخر الدين الحسني (ت1341هـ). دائرة المعارف العثمانية. الهند. راجعه أَبُو الحسن الندوي. ط1. 1972م.
52. نصب الراية لأحاديث الهداية: لأبي محمد عبد الله بن يوسف الزَّيْلَعِي (ت762هـ).ت: محمد يوسف البنوري،1357هـ. دار الحديث. مصر.
53. وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لأبي العباس أحمد بن محمد ابن خَلكان (608 - 681هـ). ت: د. إحسان عباس. دار الثقافة. بيروت.
54. وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لأبي العباس أحمد بن محمد ابن خَلكان (608 - 681هـ). ت: د. إحسان عباس. دار الثقافة. بيروت.