الجزء 1 · صفحة 1
النكت الظريفة في ترجيح مذهب أبي حنيفة
لأكمل الدين البابرتي
تحقيق و تعليق:الدكتور بله الحسن عمر مساعد
أستاذ الفقه المقارن المساعد، قسم الدراسات الإسلامية
كلية التربية-جامعة الملك سعود
الناشر: مركز البحوث التربوية،ص: 2458الرياض:11451
كلية التربية- جامعة الملك سعود
الطبعة: الأولى 1418هـ=1997م
الجزء 1
ترجيح المذهب المسمى
النكت الظريفة في ترجيح مذهب أبي حنيفة
لأكمل الدين البابرتي
تحقيق و تعليق:الدكتور بله الحسن عمر مساعد
أستاذ الفقه المقارن المساعد، قسم الدراسات الإسلامية
كلية التربية-جامعة الملك سعود
ملخص البحث:
هذا البحث تحقيق لكتاب في الفقه اسمه" ترجيح المذهب أو النكت الظريفة في ترجيح مذهب أبي حنيفة".
مؤلف هذا الكتاب أكمل الدين محمد بن محمد بن أحمد البابرتي المصرى الحنفي، المتوفى سنة 786هـ.
الغرض من تأليف هذا الكتاب كما بين مؤلفه بقوله: أشار إلى بعض الإخوان أن أكتب رسالة تقوي اعتقاد ضعفة المذهب في مذهب إمامهم وتعرف ما الناس عليه... من الاحتياج إلى هذا المذهب فكتبتها مشتملة على مقدمة ومقصد وخاتمة.
أ
وتظهر أهمية هذا الكتاب من المسائل التي اختارها المؤلف، ليعرض فيها الخلاف الفقهي والمعايير التي أشار إلهيا لترجيح مذهبه على غيره، مما يجعل القاري أمام فقه الخلاف يختار ما يراه راجحاً.
وقد أشار المؤلف في المقدمة إلى مصادر المذهب الحنفي من اعتماده أولاً على الكتاب والسنة ثم القياس، والإجماع. وقد بينت في المقدمة أن هذا النوع من التأليف يعد أنموذجا من مناصرة الأتباع لمذاهبهم. وكان ذلك معهوداً لدى العلماء على مر العصور، ولا يعاب هذا المسلك إلا إذا شابه التعصب المذهبي.
وعلقت على المسائل التي تحتاج إلى تعليق، وذكرت أرقام الآيات وأسماء سورها وخرجت الأحاديث وعزوت الأقوال إلى أصحابها، وعرفت بالأعلام وجعلت خاتمة للتحقيق، جمعت فيها المعايير التي ذكرها المؤلف لترجيح مذهبه وعلقت عليها،وختمت بالفهارس.
المحقق:
د. بلة الحسن عمر مساعد
الأستاذ المساعد بقسم الدراسات الإسلامية
كلية التربية- جامعة الملك سعود
الرياض
ب
الجزء 1 · صفحة 0
abstracr
ج
الجزء 1 · صفحة 1
مقدمة التحقيق:
الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله ومن والاه، وصحبه الهداة المهديين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فمنذ أن تأسست المذاهب الفقهية على يد الأئمة الذين بلغوا درجة الاجتهاد المطلق، وأصلوا قواعد مذاهبهم وخططوا مناهج استدلالهم، كان لكل مذهب أتباعه من المجتهدين المقيدين المنتسبين، ومن المقلدين الذين لم يصلوا إلى درجة الاجتهاد.
وكثيراً ما يقف الأتباع مواقف لمناصرة مذهبهم ودعمه، فيكون لتلك المواقف أثر في ترجيح المذهب أو نشره في بيئته أو أي بلد ما. وأحياناً تكون المناصرة من الحكام أو الأمراء الذين يختارون مذهبا ما.
وتمثلت مناصرة العلماء للمذهب الذي ينتمون إليه في عدة وجوه منها: قيامهم بتدريس فروع المذهب وأصوله ونشر أحكامه، أو حرص بعضهم على إفتاء الناس بفروعه وعلى القضاء بين
الجزء 1 · صفحة 2
المتنازعين بأحكامه.وتارة عن طريق المناظرة، أو التأليف في فروع المذهب مقارنة بفروع مذهب آخر.
وهذا العلامة أكمل الدين البابرتي أحد أئمة المذهب الحنفي في عصره - القرن الثامن الهجري - يكتب ضمن تصانيفه العديدة رسالة في ترجيح مذهب الإمام أبي حنيفة، سميت من بعده (بالنكت الظريفة)[1] في ترجيح مذهب أبي حنيفة.
وقد اطلعت على نسخ مخطوطة لهذه الرسالة، فرأيتها جديرة بالتحقيق والتعليق لما تضمنته من مسائل وقضايا هامة مع صغر حجمها.
وقد ذكر المؤلف أسباب تأليفه لها، منها تقوية اعتقاد أتباع المذهب في مذهبهم، وذلك لما شاع من ادعاء - كما يقول المؤلف - بأن أبا حنيفة لم يعلم أحاديث البخاري، وخالف أحاديث سيد المرسلين.
هذا وقد جعل المؤلف رسالته مشتملة على مقدمة ومقصد وخاتمة.
أما المقدمة ففي أسباب ترجيح تقليد الإمام أبي حنيفة على غيره، وذلك في ثلاثة مباحث.
وأما المقصد فذكر فيه مسائل يرى أنها توجب تقديم مذهب الإمام أبي حنيفة على غيره وخاصة على المذهب الشافعي الذي عقد المقارنة معه. فأورد ست عشرة مسألة، بدأها بمسألة الإيمان وهل يشمل التصديق والإقرار فقط أو أن الأعمال داخلة في مسماه.
أما بقية المسائل فقسمها على أبواب الفقه، عرض في كل مسألة رأي الإمام أبي حنيفة ورأي الإمام الشافعي مرجحاً مذهب الإمام
[1] كشف الظنون: 2/1977 وهدية العرفين: 2: 271.
الجزء 1 · صفحة 3
أبي حنيفة في كل واحدة منها.
وأما الخاتمة وجهها - كرسالة إلى ملك مصر - أنذاك - عرض فهيا بالغرض من هذا المؤلف، ملتمساً منه النظر في هذا المذهب الحنفي، ليكون المذهب المقتدي به في أصول الشرائع وفروعها.
وقد تناول أبن أبي العز الحنفي، ت: 792هـ - رسالة البابرتي ضمن رسالته التي سماها "الاتباع"، ونبه على مواضع فيها رأها مشكلة. وقد جرى تحقيق رسالة. الاتباع"[1]، دون أن يتوافر لها عناصر التحقيق المعهودة.
ويتضح ذلك من الأمور الآتية.
1- لم يقابل النص المحقق بأي نسخ للمخطوطة.
2- أورد المحقق - في الطبعة الثانية للاتباع - صفحة (18) صورة لبعض صفحات مخطوطة "النكت الظريفة" إلا أنه ذكر بهامش صفحة (12) أنه أوقف على جزء من النكت الظريفة أثناء الإعداد للطبعة الثانية.
3- نص في مقدمة التحقيق أن المخطوطة كانت سقيمة جداً[2].
(1) جاء نص رسالة البابرتي "النكت الظريفة" المضمنة برسالة الاتباع لابن آبي العز حافلاً بالتحريفات والأخطاء المخلفة بالمعنى المقصود من المؤلف البابرتي يرحمه الله.
وإليك فيما يلي بعضاً من تلك العبارات والكلمات المحرفة من نص رسالة البابرتي، الواردة ضمن رسالة الاتباع لابن العز، على سبيل المثال لا الحصر.
[1] حققها وعلق عليها أولاً فضيلة الشيخ محمد عطا الله حنيف في طبعتها الحجرية ثم شاركه في الطبعة - العادية - الأولى والثانية د. عاصم بن عبد الله القريوتي.
[2] انظر الاتباع ص: 11 (الطبعة الثانية).
الجزء 1 · صفحة 4
1- نص العبارة كما في الاتباع:
وأخذهم في التنقير عما يتوقف عليه القياس.(انظر الاتباع. ص33)
نص العبارة بعد المقابلة على جميع النسخ المخطوطة: وجدهم في الشعر عما توقف عليه القياس.
(انظر هامش (2) ص 27 من الرسالة بعد التحقيق)
2- نص العبارة كما في الاتباع:
متبعاً النبي صلى الله عليه وسلم فيما أمر وسنة (انظر الاتباع (ص33).
نص العبارة بعد المقابلة على جميع النسخ المخطوطة:متبعاً النبي صلى الله عليه وسلم فيما أمر به وسنه (انظر هامش 10 ص 27).
3-نص العبارة كما في الاتباع:
وكفى استياسا وتنبيها (انظر الاتباع ص33).
نص العبارة بعد المقابلة على جميع النسخ المخطوطة:وكفى استناسا وتنبيهاً (انظر هامش 6 ص31)
4-نص العبارة كما في الاتباع:
فلولا مذهب أبي حنيفة لم يتطهر أحد ممن دخل [فما مات] هذه البلاد أبداً (انظر الاتباع ص 60)
نص العبارة بعد المقابلة على جميع النسخ المخطوطة:
فلولا مذهب أبي حنيفة لم يتطهر أحد ممن دخل حمامات هذه البلاد كلها أبدا (انظر هامش 4ص 45).
5-نص العبارة كما في الاتباع:
هذا المذهب هو [بالمفند] في أصول الشرائع وفروعه (انظر الاتباع ص77)
نص العبارة بعد المقابلة على جميع النسخ المخطوطة:هذا المذهب الذي هو المقتدى في أصول الشرائع وفروعها (انظر هامش 4 ص67)
6- وهناك أخطاء أخرى منها مثل ما وقع في الصفحات: 33، 36، 38، 44، 53، 55، 64، 66، 72.
وبناء على ما تقدم تكون نسخة النكت الظريفة التي وردت بالاتباع غير محققة تحقيقاً علمياً يمكن الاعتماد عليه.
كما تجدر الإشارة إلى أن هذه الرسالة، - رسالة البابرتي - قد نشرت في مجلة الفكر الإسلامي[1]، بتحقيق الشيخ خليل الميس، وهي مجلة غير محكمة. وقد افتقر ذلك التحقيق إلى كثير من عناصر التحقيق المعهودة للآتي:
1- لم يورد المحقق آي ذكر أو وصف للنسخ التي اعتمد عليها.
2- لم يبين منهجه في إخراج النص.
3 - اعتمد التحقيق على نسخة واحدة وردت الإشارة إليها في
[1] مجلة الفكر الإسلامي، بيروت، لبنان: الأعداد 5، 6، 11، لعام، 1982م، ثم العدد الأول لعام 1983م.
الجزء 1 · صفحة 5
أربعة مواضع فقط هي:
أ ) صفحة (57) من مجلة الفكر الإسلامي - لبنان، العدد 7/1982م رقم (4) و (5).
ب) صفحة (58) من مجلة الفكر الإسلامي، لبنان، العدد 7/1982م، هامش رقم (11).
ج) صفحة 67) من مجلة الفكر الإسلامي، لبنان، العدد الأول لعام 1983م، هامش (10).
4 - حفل التحقيق ببعض الأخطاء المنهجية، مثل تحريف ترجمة شيخ المؤلف - البابرتي - المشهور الأصفهاني، فترجم له بالأصبهاني المتوفى قبل مولد البابرتي بنحو ربع قرن، أي عام 688هـ[1].
5- كثرة الأخطاء والتحريفات الفاحشة. نورد منها على سبيل المثال ما يلي:
1- بالعدد: 7 لعام 1982م صفحة: 55 عبارة: وخالف أحاديث المرسلين.
والصواب: وخالف أحاديث سيد المرسلين
2- وفي ذات العدد: 7 صفحة 56 ورد: فقال: مالك وامريء وانراء سلم إليه العلماء ثلاثة أرباع العلم وهؤلاء لا يلم لهم ربعه.
والصواب: فقال: مالك وامرء سلم له العلماء ثلاثة أرباع العلم وهو لا يسلم لهم ربعه.
3- بالعدد 11 لعام 1982م، صفحة 36 ورد: فأين خصاف من يتفيهق؟
[1] مجلة الفكر الإسلامي: العدد الأول لعام 1983م، صفحة 62 وهامش (1) صفحة66.
الجزء 1 · صفحة 6
والصواب: فأين إنصاف من يتفيهق؟
وبعد فقد ظهر لنا من خلال العرض السابق افتقار سائر ما نشر من طبعات الكتاب إلى عناصر التحقيق العلمي، ولما كان ذلك كذلك وكنت قد وفقت بفضل الله تعالى للعثور على مزيد من النسخ المخطوطة، بلغت أربع نسخ، سيأتي وصفها قريبا. لذا رأيت الشروع في إعادة تحقيق هذا المؤلف مرة أخرى للآتي:
1 - محاولة إخراج النص بوجه أقرب إلى نص المؤلف بعد توافر هذه النسخ.
2 - عزو الأقوال إلى مصادرها، وبيان مواضع الآيات من سورها، وتخريج الأحاديث.
3 - الرد على المؤلف في تفضيله المذهب الحنفي، في ضوء المعايير التي ساقها لترجيح مذهب الإمام أبي حنيفة على غيره.
توثيق نسبة الكتاب للمؤلف:
1- ورد عنوان الكتاب الصفحة الأولى من نسخة مخطوطة جامعة الملك سعود رقم: 6695[1] كالآتي: كتاب ترجيح المذهب، أي مذهب أبي حنيفة للإمام العالم العلامة المحقق المدقق النحرير المرحوم شيخ الشيوخ أكمل الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد البابوني الرومي تغمده الله برحمته، كما ورد في أخر صفحة من هذه المخطوطة العبارة التالية: (وقد انتهى ترجيح المذهب) ويلاحظ الخطأ هنا في نسبته إلى (بابوني) بدلاً من (بابرتي) والصواب: بابرتي، كما أثبتنا ذلك من مصادر ترجمته في مبحث التعريف بالمؤلف.
وورد هذا العنوان في الصفحة الأولى لمخطوطة (برنستون - نيوجريسي) بأمريكا رقم 3174، وبها حُرِّفَ (البابرتي) إلى
[1] انظر الصفحات المصورة من تلك المخطوطة ضمن صفحات التحقيق برقم: 10 إلى 18.
الجزء 1 · صفحة 7
(البابولي)[1].
2- الكتب التي ترجمت للبابرتي:
1- هدية العارفين، للبغدادي، وفيه ذكر كتاب النكت الظريفة ضمن مصنفاته بالمجلد الثاني صفحة 171.
2- كشف الظنون، لحاجي خليفة، حيث أورد اسم النكت الظريفة ضمن مؤلفاته. وقال: أوله: الحمد لله الذي هدانا إلى اتباع الملة الحنيفة... إلخ.
ووصفه بأنه مشتمل على مقدمة ومقصد وخاتمة[2].
3- من نقل عن الكتاب:
نقل من النكت الظريفة وعلق عليه ابن أبي العز الحنفي - معاصر للبابرتي - في كتابه الاتباع، مطبوع، فقد ذكر في صفحة 87 عند آخر ما نقله عن النكت: "وكتب في آخره - يعني النكت الظريفة - ألفه الفقير إلى الله الخفي محمد بن محمود بن أحمد الحنفي... سنة ست وسبعين وسبعمائة".
قلت: يتضح لنا مما تقدم صحة ثبوت نسبة هذا المؤلف: ترجيح المذهب، المسمى: النكت الظريفة في ترجيح مذهب أبي حنيفة للإمام محمد بن محمود بن أحمد أكمل الدين البابرتي، بل زاد الأمر تأكيداً إفادة ابن أبي العز بالسنة التي ألف فيها، وهي قبل تاريخ وفاة المؤلف بعشر سنوات.
[1] انظر صفحة (15) من التحقيق.
[2] كشف الظنون، لمصطفى بن عبد الله الشهير بحاجي خليفة، المجلد الثاني، ص: 1977.
الجزء 1 · صفحة 8
النسخ المعتمد عليها في التحقيق:
لقد يسر الله لي الحصول على ثلاث نسخ مخطوطة إضافة إلى النسخة المطبوعة ضمن رسالة الاتباع لابن أبي العز.
وقد رمزت لكل نسخة بحرف يميزها عن غيرها.
1- نسخة كتبت سنة خمس وتسعين وتسعمائة هجرية، بقلم نسخي حسن، كتبها: عبد القادر بن أحمد شنتني، وتقع في سبع ورقات ونصف (أي 15 صفحة) مسطرتها 19 سطرًا ومتوسط كلمات السطر 9. وهي نسخة جيدة وعليها تصحيح وعنوانها: كتاب ترجيح المذهب أي مذهب أبي حنيفة. وهي محفوظة بمكتبة جامعة الملك سعود بالرياض برقم 6695، وهي التي أشير إليها بحرف (أ).
2- نسخة مصورة على ميكروفيلم بجامعة الملك سعود بالرياض برقم 2501/3 خطها نسخي مجود، وهي نسخة جيدة وعليها تصحيح وعدد أوراقها سبع وأربعة أسطر، وعدد الأسطر فيها متفاوت من 22 إلى 25 في بعض الصفحات، وعدد كلمات السطر 14 كلمة.
النَّاسخ وتاريخ النسخ غير معروفين".
وأصل المخطوطة بأمريكا - برنستون (نيوجرسي) برقم 3330 وأشرت إليها بحرف (ب).
3- نسخة مصورة على ميكروفيلم بمركز الملك فيصل بالرياض، برقم 0888 - 1 - فقه حنفي.
خطها نسخي مجود، وعدد أوراقها سبع ونصف (أي 15 صفحة) وعدد الأسطر خمسة عشر، ومتوسط كلمات السطر عشر، وتاريخ النسخ واسم الناسخ غير معروفين.
الجزء 1 · صفحة 9
وأصل المخطوطة بأمريكا - برنستون (نيوجرسي) برقم 3174 وأشرت إليها بحرف (جـ)[1].
4- النسخة المطبوعة ضمن رسالة الاتباع لابن أبي العز، وقد رمزت إلهيا بحرف (د).
[1] ظهر لي من خلال المقارنة بين النسخ، أن نسختي (أ) و (ج) بينهما توافق في مواضع كثيرة، مما يدل على أن أصلهما واحد، علماً بأن نسخة (أ) هي أصل وهي بمكتبة جامعة الملك سعود بالرياض، بينما نسخة (ج) مصورة من أصل بأمريكا، جامعة برنستون (نيوجرسي).
الجزء 1 · صفحة 10
صورة الصفحة الأولى من نسخة جامعة الملك سعود رقم:6695
رمزها:أ
الجزء 1 · صفحة 11
صورة الصفحة الثانية لنسخة جامعة الملك سعود رقم:6695
رمزها:أ
الجزء 1 · صفحة 12
صورة الصفحة الأخيرة لنسخة جامعة الملك سعود رقم:6695
رمزها:أ
الجزء 1 · صفحة 13
صورة الصفحة الأولى لنسخة الميكروفيلم، مكتبة جامعة الملك سعود
الرياض برقم:2501/3 ورمزها:ب
الجزء 1 · صفحة 14
صورة الصفحة الأخيرة لنسخة الميكروفيلم، مكتبة جامعة الملك سعود
الرياض برقم:2501/3 ورمزها:ب
الجزء 1 · صفحة 15
صورة الصفحة الأولى لنسخة مركز الملك فيصل
و رمزها:ج
الجزء 1 · صفحة 16
صورة الصفحة الأخيرة لنسخة مركز الملك فيصل
و رمزها:ج
الجزء 1 · صفحة 17
صورة الصفحة الأولى للنسخة المطبوعة ضمن"الاتباع"
و رمزها:د
الجزء 1 · صفحة 18
صورة الصفحة الأخيرة للنسخة المطبوعة ضمن"الاتباع"
و رمزها:د
الجزء 1 · صفحة 19
منهجي في التحقيق:
مهدت لتحقيق النص بترجمة للمؤلف، اشتملت على اسمه وكنيته ونسبته ومولده ونشأته واشتغاله بالعلم، وشيوخه وتلاميذه، وثناء العلماء عليه ومصنفاته ووفاته.
بذلت جهدي المستطاع في تحقيق نص المؤلف معتمداً على النسخ الخطية الثلاث ونسخة (الاتباع) ولم أعتمد نسخة معينة كأصل، وإن كانت نسخة (أ) أقدم النسخ[1]، لكن غيرها - كنسخة (ب) - أجود منها، حيث عليها بعض التصحيحات. لهذا التزمت اختيار أصح العبارات أو الكلمات - في تقديري - وأضعها في صلب نص الكتاب، من أي نسخة كانت، ثم أثبت في الهامش ما يخالفها.
فإذا قلت بالهامش مثلاً:
(...) في نسخة (ب): ثعالبة.
فهذا يعني أن المثبت بالنص في صلب الكتاب - كما في هذا المثال - من بقية النسخ أي نسخة (أ)، (ج)، (د). وهو المختار عندي. وإذا قلت مثلاً بالهامش:
(...) سقطت من (أ)، (ب)، (ج).
فهذا يعني أن المثبت من نسخة (د).
هذا وقد وضعت كل كلمة أو جملة مختارة في صلب النص بين قوسين معكوفين [ ].
وأثبت في التعليق بالهوامش:
الفروق الناتجة عن المقابلة بين النسخ.
عزو الآيات إلى سورها بأرقامها.
[1] انظر وصف المخطوطات المتقدم ص: 8.
الجزء 1 · صفحة 20
تخريج الأحاديث:
إرجاع الأقوال والنقول إلى أصولها ما أمكن ذلك.
توضيح العبارات اللغوية
التعريف بالأعلام الواردة في النص بالترجمة الموجزة لكل علم.
هذا ورتبت في نهاية البحث المصادر حسب حروف المعجم وذيلت التحقيق بفهارس الآيات والأحاديث والموضوعات.
وختاماً أسأل الله أن يجعل عملنا هذا خالصاً لوجهه الكريم وأن ينفع به وأن يقبله منا ويثيبنا عليه وأن يلهمنا الصواب والسداد، إنه جواد كريم وهو ذو الفضل العظيم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الجزء 1 · صفحة 21
أولاً: ترجمة المؤلف[1]
اسمه:
محمد بن محمد بن أحمد، ويقال محمد بن محمود.
كنيته:
أبو عبد الله..
نسبته:
البابرتي[2]، الرومي،المصري
مولده:
ولد أكمل الدين سنة 712هـ، جاء ذلك في هدية العارفين، واكتفت معظم المصادر بأنه ولد سنة بضع عشرة وسبعمائة هجرية.
اشتغاله بالعلم ورحلاته:
اشتغل بالعلم منذ صغره وحصل مباني العلوم في بلاده، ثم رحل إلى حلب وأخذ عن علمائها، فأنزله القاضي ناصر الدين بن العديم بمدرسة السادحية، فأقام بها مدة ثم قدم القاهرة بعد سنة 740هـ واستقر بها باقي عمره حتى مات ودفن بها.
شيوخه:
أخذ عن قوام الدين محمد بن محمد الكاكي، وعنه روى متن الهداية شرح بداية المبتدئ للمرغيناني، وأخذ عن شمس الدين الأصفهاني وأخذ عن أبي حيان صاحب البحر المحيط في التفسير.
وقد اعترض اللكنوي في الفوائد البهية على إيراد ابن حجر اسم الأصفهاني ضمن شيوخ أكمل الدين البابرتي بقوله: "قول ابن حجر: أخذ عن الأصفهاني مدخول فيه، فإن الأصفهاني شارح المحصول مات سنة ثمان وثمانين وستمائة...." انتهى.
[1] انظر ترجمته في: إنباء القمر 2/179 -181، بغية الوعاة 1/339، شذرات الذهب 6/293، الدرر الكامنة 5/18، النجوم الزاهرة 11/302.2، الفوائد البهية 195 - 196. معجم المؤلفين 11/271، الأعلام: 7/298.
[2] نسبة إلى (بابرت) وهي قرية تابعة لأرزن الروم - أرضروم - بتركيا، وهي منطقة تقع شرق تركيا حالياً، معجم المؤلفين 11/ 271).
الجزء 1 · صفحة 22
قلت: والصحيح أن الأصفهاني المذكور ضمن شيوخ البابرتي ليس الأصفهاني صاحب المصحول كما ظنه اللكنوي، بل هو الأصفهاني أبو الثناء شارح مختصر ابن الحاجب المتوفى سنة 749هـ وقد استدرك ذلك الخطأ على اللكنوي صاحب التعليق على الفوائد البهية السيد محمد بدر الدين أبو فراس النعساني[1].
وقد أورد أكمل الدين اسم شيخه الأصفهاني في رسالته (ترجيح المذهب) [2] بقوله: قال شيخي الأصفهاني[3].
هذا وقد سار محقق: "شرح العقيدة الطحاوية للبابرتي" الدكتور عارف آيتكن مؤيداً قول اللكنوي، نافياً أن يكون (اسم الأصفهاني) ضمن شيوخ البابرتي، ولم يفرق بين الأصفهاني صاحب المحصول والأصفهاني أبو الثناء شارح مختصر ابن الحاجب وهذا خطأ واضح كما تقدم[4].
هذا وقد سمع البابرتي من الدلاص، وابن عبد الهادي، قال ابن حجر: وما علمته حدث بشيء من مسموعاته[5].
تلاميذه:
أخذ عن البابرتي جماعة منهم: أبو الحسن السيد الشريف علي الجرجاني وشمس الدين محمد بن حمزة النفاري وبدر الدين محمود ابن إسرائيل وغيره[6].
[1] الفوائد البهية: 198.
[2] وهي الرسالة التي نقوم بتحقيقها.
[3] انظر جزء التحقيق: المسألة السابعة.
[4] شرح العقيدة الطحاوية للبابرتي تحقيق د. عارف آيتكن. ص13.
[5] الدرر الكامنة 5/18.
[6] بغية الوعاة 1/293.
الجزء 1 · صفحة 23
ثناء العلماء عليه:
وصف الحافظ ابن حجر البابرتي بأنه كان فاضلاً صاحب فنون وافر العقل[1].
وقال عن ابن قطلوبغا السودني: علامة المتأخرين وخاتمة المحققين، برع وساد وأفتى ودرس وأفاد وصنف وأجاد[2].
ووصفه ابن تغري بردي بقوله[3]: علامة، إمام عصره ووحيد دهره وأعجوبة زمانه، شيخ خانقاه شيخون[4].
[1] الدرر الكامنة: 5/18.
[2] تاج التراجم: 276 - 277.
[3] النجوم الزاهرة: 11/302.
[4] خانقاه شيخون: بناها شيخون العمري سنة 757هـ ورتب فيها أربعة دروس على المذاهب الأربعة، درس حديث، ودرس قراءات، ومشيخة اسماع الصحيحين، والشفاء. وشرط في شيخها الأكبر أن يكون عارفاً بالتفسير والأصول وأن يكون قاضياً، وأول من تولى مشيختها أكمل الدين البارتي وتولى تدريس الشافعية بها الشيخ بهاء الدين بن الشيخ تقي الدين السبكي، وتولى تدريس المالكية بها الشيخ خليل صاحب المختصر، وتولى تدريس الحنابلة قاضي القضاة موفق الدين الحنبلي. (حسن المحاضرة للسيوطي 2/266).
الجزء 1 · صفحة 24
مصنفاته:
عنيت كتب التراجم بذكر مصنفاته منها:
1- التقرير في شرح أصول البزدوي: (انظر كشف الظنون: ص 112، شذرات الذهب: 6/293، هدية العار فين: 2/171، معجم المؤلفين: 11/271، الفوائد البهية: 195، تاج التراجم: 277، إبناء الغمر: 1/180، بغية الوعاة: 1/239).
2- شرح ألفية ابن معطي: (انظر: كشف الظنون: 115، هدية العارفين: 2/171.معجم المؤلفين: 11/ 271، الفوائد البهية: 195، تاج التراجم: 277، بغية الوعاة: 391).
3- شرح تجريد الكلام للطوسي: (انظر: كشف الظنون: 315، هدية العارفين: 2/171، الفوائد البهية: 195، تاج التراجم: 277، الدرر الكامنة: 5/18).
4- تفسير القرآن الكريم: (انظر: كشف الظنون: 443، شذرات الذهب: 6/293، هدية العارفين: 2/171، بغية الوعاة: 1/239).
5- شرح تلخيص الجامع الكبير: (انظر: كشف الظنون 472، هدية العارفين 2/171، شذرات الذهب، 6/293، معجم المؤلفين 11/271، الفوائد البهية 195، تاج التراجم 277، إنباء الغمر 1/180).
6- شرح تلخيص المفتاح: (انظر:كشف الظنون، 477، هدية العارفين 2/171، معجم المؤلفين، 11/271، تاج التراجم 277 بغية الوعاة 1/239).
7- الدرر المنيفة في الرد على ابن أبي سبيعة: (انظر: كشف الظنون 750).
الجزء 1 · صفحة 25
8- عقيدة الطوسي: (انظر: كشف الظنون 1158، بغية الوعاة 1/239).
9- شرح الفرائض السراجي: (انظر: كشف الظنون 1247، 1478، هدية العارفين 2/171، الإعلام 7/298، الفوائد البهية 195، تاج التراجم 277.
10- تحفة الأبرار: (انظر: كشف الظنون 1688، شذرات الذهب: 6/293، هدية العارفين 2/171، معجم المؤلفين 11/271، الإعلام 7/298، تاج التراجم 277، إنباء الغمر 1/180، الدرر الكامنة 5/18، بغية الوعاة 1/239).
11- المقصد في الكلام: (انظر: كشف الظنون، 1806، هدية العارفين 171).
12- النقود والردود شرح مختصر ابن الحاجب: (انظر: كشف الظنون، 185، شذرات الذهب 6/293 هدية العرافين 2/171، معجم المؤلفين 11/271، إنباء الغمر 1/180، الدرر الكامنة 5/18، بغية الوعاة 1/239).
13- الأنوار في شرح المنار للنسفي في الأصول (انظر: كشف الظنون 1824، شذرات الذهب 2/293، هدية العارفين 2/171، معجم المؤلفين 11/271.. الفوائد البهية 195، تاج التراجم 277، إنباء الغمر 1/180، بغية الوعاة 1/239).
14- شرح مسألة النظر في علة الخلاف: (انظر: كشف الظنون 1861).
15- النكت الظريفة في ترجيح مذهب أي حنيفة: (انظر: كشف الظنون 1977، هدية العارفين 2/171).
16- شرح وصية أبي حنيفة: (انظر: كشف الظنون 2015،
الجزء 1 · صفحة 26
هدية 16- العارفين 2/، معجم المؤلفين 11/271، تاريخ الأداب 3/242).
17- حاشية علي الكشاف: (انظر: هدية العارفين 2/171، معجم المؤلفين 11/271، الإعلام 7/298، الفوائد البهية 195، تاج التراجم 277).
18- العناية شرح الهداية: (انظر: كشف الظنون 2035، شذرات الذهب 6/293، هدية العارفين 2/171، معجم المؤلفين 11/271، الإعلام 7/298، الفوائد البهية 195، تاج التراجم 277، إنباء الغمر 1/180، بغية الوعاة 1/239).
19- الإرشاد في شرح الفقه الأكبر لأبي حنيفة: (انظر: هدية العارفين 2/171، معجم المؤلفين 11/271، الإعلام 297).
20- شرح العقيدة الطحاوية: (انظر: معجم المؤلفين 11/271).
وفاته:
توفي بمصر ليلة الجمعة تاسع عشر من شهر رمضان سنة ست وثمانين وسبعمائة، وقد جاوز السبعين[1].
وبالرغم من أن مصادر ترجمته تكاد تتفق على تحديد تاريخ وفاته بسنة 786هـ إلا أن صاحب النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة أورد خبر وفاته مرتين: مرة ضمن أحداث سنة 784هـ ومرة أخرى ضمن سنة 786هـ[2]، ولعل ذكر وفاته ضمن أحداث سنة 784هـ كان عن طريق الخطأ، والله أعلم.
[1] إنباء الغمر بأبناء العمر: 1811 والأعلام: 7/298، والنجوم الزاهرة: 11/239، وتاج التراجم: ص277، وبغية الوعاة: 1/240.
[2] النجوم الزاهرة: 11/239، 302.
الجزء 1 · صفحة 27
ثانياً: نص الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم [وبه الاستعانة][1]
الحمد لله الذي هدانا إلى اتباع الملة [الحنيفية][2] وأرشدنا إلى سلوك [طريقة][3] العلماء الحنفية وجعلني ممن عرف مراتب أدلة الشرع[4]، وكيفية دلالتها. وجبلني على [التعصب][5] لمجتهد كان من قرون شهد النبي صلى الله عليه وسلم بخيريتها[6] وعدالتها[7].
والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمي المبعوث إلى الناس كافة بشيراً ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجاً منيرًا، وعلى آله وأصحابه وعترته[8] الذين أذهب الله عنهم الرجس
[1] ما بين القوسين مثبت من نسخة (أ).
[2] في (ب) و (ج) الحنيفة وهو خطأ من الناسخ.
[3] في (أ) و (ج) طريق.
[4] الأدلة الشرعية من حيث الاحتجاج بها وعدمه أنواع:
نوع محل اتفاق بين أئمة المسلمين وهو القرآن الكريم والسنة المطهرة.
ونوع محل تفاق بين الأئمة الأربعة وهو الإجماع والقياس. ونوع محل اختلاف بين الأئمة الأربعة وهو الاستحسان، والمصالح المرسلة، ومذهب الصحابي، والعرف، وشرع من قبلنا، والاستصحاب. (الإحكام للآمدي 1/200، 4/127 - 160). الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ص 929).
[5] في (ج): العصبة.
[6] يشير إلى القرون الثلاثة الأولى الفاضلة وهي قرن النبي صلى الله عليه وسلم ثم الذي يليله ثم الذي يليه، وسيورد المصنف نص الحديث بالمبحث الأول من المقدمة.
[7] كون المصنف يصرح بأنه جبل على التعصب للإمام أبي حنيفة فهذا يفسد مقصده من هذه الرسالة وهو الإثبات للغير أن تقليد الإمام أبي حنيفة يرحمه الله أولى من غيره.
[8] ذكر الأزهري في تهذيب اللغة عدة أقوال في المراد بعترة النبي صلى الله عليه وسلم =
(أ) عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد فاطمة البتول عليهم السلام.
(ب) عترة الرسول صلى الله عليه وسلم عبد المطلب وولده.
(جـ) وقيل عترة النبي صلى الله عليه وسلم أهل بيته الذين حرمت عليهم الصدقة وهم ذوو القربى الذين لهم خمس الخمس المذكور في سورة الأنفال. قال الأزهري: وهذا القول عندي أقربها، والله أعلم. (تهذيب اللغة: 2/264 - 265).
الجزء 1 · صفحة 28
وطهرهم تطهيراً.
أما بعد فإن الزمان لما انتهى إلى وقت تضعضع[1] فيه أركان رباع[2] [المعلوم][3] وتقعقع[4] [فيه][5] بنيان بقاع [العلوم][6] وخلت [غاباتها][7] عن أسامة أبي الشبلين حتى [ضج][8] فيها [ثعالة][9] أبو الحصين. وشاع الحديث [في][10] الطعن على مذهب الأقدمين [المتقدمين][11]، وذاع ادعاء[12] أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى الذي هو أقدم المجتهدين لم [يعلم][13] [أحاديث][14] البخاري وخالف
[1] ضعضعه: هدمه حتى الأرض. (مختار الصحاح للرازي ص 381).
[2] الرباع والربوع والأرباع جمع، واحدها ربع، المنزل والدار (لسان العرب 1/1110).
[3] في (ب) و (د):العلوم.
[4] تقعقع: صار إلى القاع، وهو المستوى من الأرض. (مختار الصحاح: 556).
[5] سقطت من: (ب).
[6] في (ب) و (د): العلوم.
[7] في (ب) و (د): غايتها. وفي (ج) غاياتها.0
[8] في (ب) جنح، وفي (ج) صح.
[9] في (ب): (ثعالبة أبو الحصين)، قلت: والثعالة هي أنثى الثعلب.
[10] في (د): والطعن.
[11] سقطت من: (ب) و (د).
[12] في (أ) و (ج): وداع ادعي.
[13] سقطت من (ج).
[14] في (ب): حديث.
الجزء 1 · صفحة 29
[أحاديث][1] سيد المرسلين، وكان ذلك [موهما][2] لوهن مذهبه عند ضعفاء اليقين، أشار إلى بعض الأخوان الذين هم بمنزلة الإنسان[3] لعين والعين للإنسان أن أكتب رسالة تُقوى [اعتقاد][4] ضعفة الحنفية في مذهب إمامهم وتعريف [ما الناس] [5] عليه في غالب البلدان من الاحتياج إلى مذهبه من خلفهم وأمامهم، فكتبتها مشتملة على مقدمة ومقصد وخاتمة.
[1] سقطت من (د).
[2] في (أ) و (ج): وهماً.
[3] إنسان العين: الجزء الذي تبصر به العين. قال الأزهري: وأصل الإنس والأنس والإنسان من الإيناس وهو الإبصار. يقال أنَسته وأنِسته أي أبصرته. وإنسان العين جمعه إناس. والإنسان الأنملة، قال الشاعر:
أَشَارَتْ لإِنْسَانٍ بِإِنْسَانِ كَفِّهِمَا لِتَقْتُلَ إِنْسَاناً بِإِنْسَانِ عَيْنِهْا
(تهذيب اللغة للأزهري: 13/86).
[4] سقطت من (أ) و (ج).
[5] في (د): ما للناس.
الجزء 1 · صفحة 30
المقدمة:في بيان سبب ترجيح تقليده على [غيره .
وفيها مباحث] [1]
المبحث الأول: في بيان فضله نقلاً وعقلاً
أما النقل فهو ما اشتهر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خير القرون الذين أنا فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب) [2]. فإن فيه [الدلالة] [3] على خيرية التابعين[4].
[1] ما بين القوسين سقطت من: (د).
[2] أخرج البخاري عن طريق عمران بن الحصين وعبد الله بن مسعود ونصه عن ابن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهاداته))؛ البخاري، فتح الباري 7/3 حديث 3651. أما الحديث باللفظ المذكور للمؤلف فلم أقف عليه.
[3] في: (د) دلالة.
[4] يعد المؤلف أبا حنيفة من التابعين، وهذه مسألة مختلف فيها بناء على الاختلاف في تعريف التابعي: فمنهم من عد التابعي بالسماع من الصحابي أو اللقيا. قال ابن الصلاح: (وكلام الحاكم وغيره يشعر بأنه يكفي أن يسمع من الصحابي أو يلقاه. وإن لم توجد الصحبة العرفية) علوم الحديث 271/272.
وعلى هذا الرأي يكون الإمام أبو حنيفة من التابعين، لأنه لا خلاف في أنه رأى بعض الصحابة كأنس بن مالك وعبد الله بن أبي أوفى. (تبييض الصحيفة للسيوطي ص6).
ولا يكون من التباعين على القول باشتراط الصحبة للصحابي، كما نص على ذلك الحافظ البغدادي. (علوم الحديث 271/ 272).
وقال الحافظ ابن كثير في تعريف التابعي: ولم يكتفوا بمجرد رؤيته الصحابي كما اكتفوا في إطلاق اسم الصحابي على من رآه عليه السلام. (الباعث الحثيث ص 142).
الجزء 1 · صفحة 31
ولم يكن ذلك إلا لعلمهم بأحوال الدين، واتباع ما ورثوه عن[1] سيد المرسلين علم الكتاب والسنة وأثار الصحابة الطاهرين.[وأخذهم في التنقير] [2] عما[يتوقف] [3] عليه القياس [وشدة] [4] تحفظهم[5] عما يوجب[الحرج] [6] و[الالتباس] [7]، وفرط [تحرزهم] [8] عن تغييرماوجدوه من الحق. وعن إلحاق غير الحق بالحق.
وكان أبو حنيفة رحمه الله إماماً صادقاً وفقيهاً فائقاً، عالماً بالكتاب والسنة سالكاً محجة أهل السنة، متبعاً للنبي صلى الله عليه وسلم فيما أمر [به] [9] وسَنَّه[10]. ذا أصحاب اتقياء، لا من أهل البدع والأهواء[11]،مجتهدين[12]
[1] في (د): من.
[2] مابين القوسين في نسخة (د) ورد كالآتي: وجدهم في الشعر [شك].
[3] في (د): يترتب.
[4] سقطت من (د).
[5] في (د) لحفظهم.
[6] في (د) الجرح.
[7] في (ج) الالتباس.
[8] في (أ) تصيير.
[9] سقطت من (د).
[10] في (د) ضبطت كالآتي (وسَنَّة) وهذا خطأ بين، لأن العبارة معه لا تستقيم.
[11] في (ب) و (د): (ولا من أهل الأهواء). وذكر محقق (د) بالهامش أن في الأصل (الهواء).
[12] أي مجتهدين في المذهب،خلافاً لأبي حنيفة فإنه مجتهد مطلق عندهم. وهذا ما قرره ابن عابدين في رسالته رسم المفتي. فقد قسم الفقهاء إلى سبع طبقات نذكر منها:
الأولى: طبقة المجتهدين في الشرع. كالأئمة الأربعة ومن سلم مسلكهم في تأسيس قواعد الأصول واستنباط الشرع عن الأدلة الأربعة من غير تقليد لأحد في فرع ولا في أصل.
الثانية: طبقة المجتهدين في المذهب، كأبي يوسف وسائر أصحاب أبي حنيفة القادرين على استخراج الأحكام عن الأدلة المذكورة على حسب القواعد التي قررها أستاذهم وإن خالفوه في بعض أحكام الفروع يقلدونه في قواعد الأصول (رسائل ابن عابدين، الرسالة 11 ص 12).
الجزء 1 · صفحة 32
بذلوا[1] وسعهم في تحقيق الحق فيما [عنَّ] [2] لهم من [المسائل][3] جل ودق. ومن شهد النبي صلى الله عليه وسلم بخيره [أولى بالتقليد من مجتهد غيره] [4]،[5].
وأما العقل فلتقدمه واختصاصه بتدوين علم الفقه وإشخاصه[6]، فإنه صور المسائل وأجاب عنها وأوضح الأسباب والعلل وبنى عليها.
ولقد حكي عن[7] بعض الشافعية في زمن [الإمام] [8] المزني[9]
[1] في (ب): باذلين.
[2] في (د): عزَّ.
[3] في (د): المسالك.
[4] كذا في (د): وفي (أ) و (ب): أولى بتقليد مجتهده من غيره). وفي (ج): (أولى بالتقليد مجتهده من غير).
[5] قلت: يبدو لي - والله أعلم - أن لا وجه لأولوية تقليد مجتهد من الأئمة الأربعة على غيره بهذا الحديث: لأن الخير في حديث (خير القرون قرني) عام يشمل القرون الثلاثة الفاضلة. والأئمة الأربعة داخلون في وصف هذه الخيرية وإن كانت هذه القرون الثلاثة يفضل بعضها بعضاً لكن ذلك لا ينفي الخيرية بالكلية عن واحد منها لأنها ثابتة بنص هذا الحديث.
[6] إشخاصه: إظهاره. قال ابن الأثير:الشخص كل جسم له ارتفاع وظهور، وشخص من بلد إلى بلد شخص شخوصاً: ذهب وقيل سار وارتفع. وشخص النجم طلع. قال الأعشى يهجو علقمة بن علاقة:
تَبِيْتُونَ فِي الْمَشْتَى مِلاَءً بُطُونِكُم وَجَارَاتِكُم غَرْثَى يَبِتْنَ خَمَائِصاً
يُرَاقِبْنَ مِنْ جونٍ خِلاَلَ مَخَافَةٍ نُجُومَ الثُرَيَّا الطَّالِعَاتِ الشَّوَاخِصَا
)تاج العروس: فصل السين من باب الصاد).
[7] في (د): وقد حكى أن بعض...
[8] سقطت من (د).
[9] الإمام المزني: هو أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني المصري كان معظماً بين أصحاب الإمام الشافعي. وكان ورعاً زاهداً وعالماً مجتهداً محجاجًا، إمام الشافعية في زمانه وأعرفهم بأقوال مذهب إمامهم. صنف في مذهب الشافعي، المبسوط والمختصر والمنثور وكتاب الجامع الكبير= والجامع الصغير وكتابه العقارب. ولد سنة 175هـ، وتوفى سنة 264هـ. انظر ترجمته في طبقات الشافعية لأبي بكر بن هداية الله ص5. وطبقت الشافعية للأسنوي جـ 1 ص 34. وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي جـ 2 ص93.
الجزء 1 · صفحة 33
[أنه] [1] كان يغض[2] من أبي حنيفة رحمه الله - فبلغ ذلك الزمني فقال له: مالك و [امرؤ] [3] سلم [له] [4] العلماء ثلاثة أرباع العلم وهو لا يسلم لهم ربعه.
فقال الرجل كيف ذلك يا إمام؟ فقال: العلم نصفه سؤال ونصفه جواب. فأما النصف الأول فقد اختص[5] به أبو حنيفة رحمه الله لم يشاركه فيه أحد، وأما النصف [الآخر] [6] [فإنه] [7] يقول [كله] [8] له، لأنه أصاب في اجتهاده، وغيره يقول المجتهد يخطئ ويصيب، أصاب في بعض وأخطأ [في بعض][9]. فقد سلموا له ثلاثة أرباع العلم كما ترى، وهو لا يسلم لهم[10] ربعه. فتاب الرجل عما كان عليه[11]،ولعل هذا
[1] سقطت من (د).
[2] غض منه: أي وضع ونقص من قدره (مختار الصحاح، ص476).
[3] في (أ) و (ج): وامراء.
[4] في (أ) و (ب) و (جـ): إليه.
[5] في (ب): فمختص.
[6] في (ج): الثاني.
[7] في (ج): فهو.
[8] في (أ) و (ج): كلمة.
[9] ما بين القوسين سقطت من (أ) و (ج).
[10] في (أ): له.
[11] ذكر هذه الحكاية الإمام السرخسي عن ابن سريج أحد أشهر أصحاب الإمام الشافعي. (المبسوط: ج1، ص3).
قال: قال صاحب مجامع المسانيد: اشتهر وافتاض عن الإمام الكامل المنصف ابن سريح يرحمه الله (وهو أذكى أصحاب الشافعي رحمه الله) أنه سمع رجلاً جاهلاً يقع في أبي حنيفة= فقال له: يا هذا ! تقع في أبي حنيفة وثلاثة أرباع العلم مسلمة له، وهو لا يسلم لهم الربع، فقال الرجل: وكيف ذلك؟ قال: لأن العلم سؤال وجواب، وهو أول من وضع الأسئلة فله نصل العلم، وأجاب عنها فقال مخالفه، في البعض أصاب وفى البعض أخطأ، فإذا قابلنا صوابه بخطئه فله النص أيضا، فسلم له ثلاثة أرباع العلم بقي الربع فهو يدعيه، ومخالفوه يدعونه، وهو لا يسلمه لهم" ص28.
الجزء 1 · صفحة 34
معنى قول الإمام الشافعي رحمه الله: "الناس عيال على أبي حنيفة رحمه الله في الفقه"[1]. وتقليد [الأقدم] [2] في الاستنباط أولى[3]، لأنه هو الذي أخذ ما أخذ من [المآخذ] [4] و[عض] [5] عليها بالأضراس والنواجذ[6] وغيره التقط ما من أقلامه سقط وحاز ما أفرط فيه إن [أفرط] [7].
وهذا أمر يعرفه [ذوو] [8] التحصيل فلا يحتاج إلى دليل ولا
[1] انظر طبقات الفقهاء لأبي إسحاق الشيرازي ص 67 وفيه (من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة وجاء في تهذيب التهذيب لابن حجر (جـ 10 ص 450): قال الربيع وحرملة: (سمعنا الشافعي يقول: الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة).
[2] في (ب): الإمام وهو خطأ من الناسخ.
[3] هذا الكلام فيه نظر، فكم من تلميذ بز شيخه، والعبرة في ذلك لقوة الدليل لا لأقدمية المستنبط، يقول ابن أبي العز في الاتباع في تعليقه على هذه العبارة: ويلزم القائل بترجيح المجتهد الأقدم أن يرجح قول زيد وعمر وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم أو قول سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد أو غيرهما من التابعين.. وأيضاً يعارضه من يقلد الإمام المتأخر بأني قول: الإمام المتأخر اطلع على أقوال الأئمة المتقدمين ونظر في أدلتهم واختار الصحيح... فيكون تقليده أولى لجمعه ما كان متفرقاً عند الأئمة الذين كانوا قبله. (الاتباع، ص 31 - 32).
[4] في (د): المأخذ، وهو خطا من الناسخ.
[5] في (أ) و (ج): (عض) بدون واو ولعله سقط فيهما سهوا من الناسخ.
[6] الناجذ آخر الأضراس وللإنسان أربعة نواجذ في أقصى الأسنان يقال: ضحك حتى بدت نواجذه (مختار الصحاح ص646).
[7] في (أ) و (ب) و (جـ) فرط ولعله خطأ من الناسخ.
[8] في (أ) و (ب) و (جـ) وردت (ذو التحصيل) (بالإفراد، والأولى ما أثبتناه من (د) بالجمع.
الجزء 1 · صفحة 35
تعليل. وكفى استئناسًا[1] وتنبيهاً. بما أنشده الحريري في مقاماته الذي حاز بها قصبات السبق في مقالاته [حيث قال][2]:
فَلَوْ قَبْلَ مَبْكَاهَا بَكَيْتُ صَبَابَةً** بسُعْدَى شَفَيْتُ النَّفْسَ قَبْلَ التَّنَدُّمِ
ولكِنْ بَكَتْ قَبْلِي فَهَاج لِيَ البُكَا** بُكَاهَا فَقُلْتُ: الْفَضْلُ لِلْمُتَقَدِّمِ[3]
[1] في (د) استياساً وهو خطأ من الناسخ.
[2] ما بين القوسين سقط من (ب) و (د).
[3] البيتان لعدي بن الرقاع: وله قبلهما:
وَمِمَّا شَجَانِي أَنَّنِي كُنْتُ نَائِماً** أُعَلِّلُ مِنْ فَرْطِ الْكَرَى بِالتَّنَسُّمِ
إلَى أَنْ دَعَتْ وَرْقَاءُ في غُصْنِ أَيْكَةٍ** تُرَدِّدُ مَبْكَاهَا بِحُسْنِ التَّرَنُّمِ
فَلَوْ قَبْلَ مَبْكَاهَا بَكَيْتُ صَبَابَةً** الخ ( شرح مقامات الحريري1 /33،34)، لأبي العباس أحمد بن عبد المؤمن القيسي الشربشي.
الجزء 1 · صفحة 36
المبحث الثاني: في فضل اجتهاده
اعلم أن الأمة إذا اختلفوا في مسألة على قولين واستقر خلافهم على ذلك لا يجوز لأحد بعد ذلك أن يحدث قولاً ثالثًا عند عامة العلماء[1] [وأما قبل الاستقرار فهو جائز بلا خلاف][2].
[وأبو حنيفة رحمه الله اجتهد قبل استقرار المذاهب وصادف اجتهاده محله، فكان] جائزًا بلا خلاف[3]. ثم من اجتهد بعد ذلك [فإنما هو][4] اجتهاد بعد استقرار المذاهب، وذلك لا يجوز عند أكثر العلماء[5]. وما كان جائزاً بلا خلاف فهو أفضل مما كان مختلفًا فيه، والمنازع مكابر[6].
[1] هذا القول فيه نظر، فإن الخلاف واقع بين العلماء في هذه المسألة حتى عند بعض علماء الحنفية كالكرخي وأبي زيد الدبوسي وغيرهما. (تيسير التحرير 3/246).
[2] ما بين القوسين سقط من (ب).
[3] ما بين القوسين سقط من (أ) و (ج).
[4] في (ب) فإنما اجتهد.
[5] في (ب) زاد: (كما مر).
[6] هذه النتيجة بناها المؤلف على المقدمة السابقة المبتدأة بقوله: (اعلم أن الأمة..... عند عامة العلماء) ولا يخفى أن هذه النتيجة محل نظر لأنها بنيت على مقدمة محل نظر واختلاف على النحو الآتي:
فبعض الحنفية خص ذلك باختلاف الصحابة فقط. (تيسير التحرير لأمير شاه 3/250). وبعضهم أجاز إحداث رأي ثالث (تيسير التحرير 3/51). وأجاز الآمدي وابن الحاجب إحداث رأي ثالث إذا لم يرفع ذلك الرأي ما اختلف فيه (بيان المختصر/ شرح ابن الحاجب للأصفهاني 1/590).
الجزء 1 · صفحة 37
وقد صرح أبوبكر الرازي[1] في شرح آثار الطحاوي بأن [الاجتهاد][2] من بعد أبي حنيفة غير معتد به. وتقليد الفضل أفضل [إن][3] لم يكن واجباً، فإن بعض العلماء ذهب إلى أن تقليد الأفضل متعين[4]،[5].
[1] أحمد بن على أبوبكر الرازي الجصاص: كان إمام الحنفية في عصره، وكان مشهوراً بالزهد والورع. أخذ عن أبي سهل الزجاج وعن أبي الحسن الكرخي. له تصانيف كثيرة منها: أحكام القرآن وشرح مختصر الكرخي وشرح مختصر الطحاوي وشرح جامع محمد. ولد سنة 305هـ وتوفي ببغداد سنة 370هـ (تاريخ بغداد 4/314) و (الفوائد البهية في تراجم الحنفية ص 27 - 28).
[2] في (د): (اجتهاد) بدون أل.
[3] في (د): (وإن) بزيادة واو العطف.
[4] في (د): (أفضل).
[5] مسألة" تقليد الأفضل أفضل" محل خلاف بين العلماء. والراجح جواز تقليد المفضول مع وجود الأفضل. وهذا مذهب أبي بكر الباقلاني وجماعة من الأصوليين والفقهاء كما قال الآمدي واختاره، وهو اختيار ابن الحاجب أيضًا وحكى الشوكاني إجماع الصحابة على ذلك وهو ظاهر كلام الإمام أحمد. (المحصول للرازي جـ2/ق3 ص (112 - 114). والإحكام للآمدي جـ4 ص(237 - 238) و (المختصر مع شرحه لابن الحاجب جـ3 ص367) و (تيسير التحرير لأمير شاه جـ4 ص 251 - 252) و (المستصفي للغزاي جـ 2 ص 392 - 393) و(العدة لأبي يعلى جـ4 ص 1226) و (التمهيد لابن الخطاب جـ4 ص 403، 404) و (شرح الكوكب المنير لابن النجار جـ 4 ص 580) وإرشاد الفحول للشكوكاني ص 240).
الجزء 1 · صفحة 38
المبحث الثالث: في قوة اجتهاده
لم يستدل أبو حنيفة رحمه الله على حكم مسألة بغير الكتاب ما دام الاستدلال بالكتاب ممكناً[1]. [ولا يخفى دلالة ذلك على قوته في معرفة الكتاب وميله إلى القاطع الذي انتفى عنه][2] التناقض والاختلاف[3]قال الله تعالى {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ
[1] يؤيد هذا ما ذكره الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد جـ13 ص 268. وأيضاً الحافظ ابن عبد البر حيث يروي بسنده عن الإمام أبي حنيفة الآتي:
آخذ بكتاب الله فما لم أجد فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما لم أجد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذ بقول أصحابه، أخذ بقول من شئت منهم وأدع من شئت منهم ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم. (الانتقاء ص 142).
[2] ما بين القوسين سقط من (د).
[3] لما كان هذا السقط بالنسخة التي علق عليها ابن أبي العز، لذا جاء تعليقه عليها بقوله (انظر إلى ركاكة هذه العبارة خلطها وفسادها) انظر الاتباع ص 44.
قلت: يحتمل أن يكون هذا السقط حاصلاً بنسخة رسالة البابرتي عندما علق عليها القاضي ابن أبي العز، يكون وصفه العبارة بالركاكة والخلط والفساد في محله، إذا السقط جعل العبارة ركيكة ولا معنى لها.
أما على فرض أن السقط لم يكن بالمتن الذي اعتمد عليه ابن أبي العز بل حدث لاحقًا بالنسخة التي اعتمد عليها محققا الاتباع فلا وجه إذن لقبول وصف العبارة من قبل العلامة ابن أبي العز بالركاكة والخلط والفساد فالعبارة كما هي أمامنا الآن بعد إكمال ما سقط منها مفهومة ولها دلالتها التي قصدها المؤلف "البابرتي" من أن أبا حنيفة كان يقدم الكتاب ما أمكن الاستدلال به على السنة مما يدل على قوة معرفة الإمام أبي حنيفة بالكتاب وأنه اعتمده في مقدمة الأدلة لأنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فهو خال من التناقض والاختلاف، ثم استشهد بالآية {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً[النساء : 82} والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 39
عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً}[1].
ولم يستدل بالحديث [إلا بما ثبت][2] عنده صحته بمتنه ومعناه. وكان إماما حاويا لما[3] يتعلق بالأحكام من الحديث[4].
وقد روي عن يحيى بن نصير[5] قال: "سمعت أبا حنيفة قال: عندي صناديق من الحديث ما [أخرجت][6] منها إلا اليسير". أراد ما سلم من النسخ والمعارضة.
[1] النساء: آية (82).
[2] ما بين القوسين سقط من (ب).
[3] في (ب): بما.
[4] في (د): (وكان إماماً حاويًا لما يتعلق بالأركان من الحديث).
[5] لم أقف على ترجمة: (يحيى بن نصير) بل المذكور في تراجم من روي عن أبي حنيفة (يحى بن نصر) فلعل إيراده باسم يحيى بن نصير خطأ.
أما يحيى بن نصر فالذي يترجح عندي أنه المعنى بهذه الرواية عن أبي حنيفة فاسمه كاملاً يحيى بن نصر بن حاجب القرشي. مات ببغداد سنة خمس عشرة ومائتين.
أما أقوال العلماء فيه:
أبو حاتم: بليته عندي قدم رجاله.
أبو زرعة: ليس بشيء.
العقيلي: منكر الحديث.
أحمد: كان جهمياً مرجئًا.
ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به.
ابن حيان: ذكره في الثقات.
انظر ترجمته في كتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 9/139 والضعفاء الكبير للعقيلي 4/433 والكامل لابن عدي 4/2701 وتاريخ بغداد للخطيب 14/159 وميزان الاعتدال للذهبي 4/411 ولسان الميزان لابن حجر 6/278.
[6] كذا في (د) وفي بقية النسخ: (ما خرجت).
الجزء 1 · صفحة 40
وروي عن أبي يوسف[1] أنه قال: أحفظ عشرين ألف حديث منسوخ ولابد لها من ناسخ[2].
فأين إنصاف من يتفيهق ويقول: إن أبا حنيفة[3] وأصحابه لم يبلغهم ما أورده البخاري في صحيحه، هل ذلك إلا زيغ وتعصب باطل؟ نعوذ بالله من ذلك.
والذي يقضي منه العجب [حال][4] هؤلاء في قلة إنصافهم وفرط جورهم واعتسافهم، [ذلك أن][5] البخاري نشأ ببخارى، وحصل ما حصل من الحديث بها، وأهلها حنفيون كلهم ثم إنهم ينفون الحديث عنهم. وذلك دليل واضح على أن الأحاديث التي جمعها [البخاري
[1] أبو يوسف: يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي البغدادي صاحب أبي حنيفة وتلميذه وأول من نشر مذهبه. وكان فقيهاً من حفاظ الحديث ولد بالكوفة وتفقه بالحديث والرواية، ثم لزم أبا حنيفة فغلب عليه الرأي وولي القضاء ببغداد أيام المهدي وكان واسع العلم بالتفسير والمغازي ,أيام العرب، ألف كتاب الخراج وغيره، ولد بالكوفة سنة 113هـ وتوفي ببغداد سنة 182هـ (انظر ترجمته: في تاريخ بغداد 14/242) والفوائد البهية في تراجم الحنفية: 225 والطبقات لابن سعد 7/330 وتذكرة الحفاظ للذهبي 1:292 - 293.
[2] لم أجد مصدرا لهذه الرواية غير أنه مشهود له بمعرفته الحديث. فقد نقل الذهبي في تذكرة الحافظ: 1/292 عن ابن معين قوله: "ليس في أصحاب الرأي أكثر حديثاً ولا أثبت من أبي يوسف"، وقوله: "أبو يوسف صاحب حديث وصاحب سنة".
قلت وقد بلغت ترجمته في تاريخ بغداد عشرين صفحة ليس فيها هذه الرواية: أنه يحفظ عشرين ألف حديث. وقال ابن أبي العز في الاتباع: (لا يصح نسبة هذا الكلام لأبي يوسف... وهو يؤدي إلى الطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي دينه لأن لازمه أنه كان يأمر بأشياء متعارضة ويشرع كل وقت شيئاً ثم بنسخه) انظر الاتباع ص45 - 51.
[3] إن أبا حنفية قد سبق البخاري بنحو مائة سنة فكيف يبلغه ما رواه البخاري في صحيحه.
[4] في (أ) و (جـ): أن حال.
[5] ما بين القوسين مثبت من (ب). وفي (د) سقط اسم الإشارة، وفي (أ) و (جـ) استبدلت عبارة (ذلك أن ) بـ: إذ.
الجزء 1 · صفحة 41
كانت][1] عند الحنفية موجودة، [ولكنهم][2] كانوا علماء راسخين، وكانوا يسمون البخاري محمد بن إسماعيل القصاص، ذكره صاحب المحيط[3]. وعلموا الناسخ والمنسوخ، فلم يعملوا بما ثبت عندهم نسخه.
[1] ما بين القوسين سقط من (أ) و (ب) و (ج).
[2] سقطت من (ب) و (د).
[3] لم أقف على المصدر وإيراد المؤلف لهذه المقالة فهي تجاوز في حق الإمام البخاري الذي لا يخفي علمه وفضله وما قدمه من خدمة للسنة، إذ كيف يوصف الإمام البخاري بالقصاص وهو صاحب الجامع الصحيح، أصح كتاب بعد كتاب الله العزيز (انظر: علوم الحديث لابن الصلاح ص14). والقصاص هم الذين يضعون الأحاديث في قصصهم، قصدًا للتكسب والارتزاق وتقرباً للعامة بغرائب الروايات. ومن غرائبهم ما روي ابن الجوزي بإسناده إلى أبي جعفر بن محمد الطيالسي قال: "صلى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرصافة، فقام بين أيديهم قاص، فقال: حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين قالا حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال: لا إله إلا الله خلق الله من كل كلمة طيراً له منقار من ذهب وريشة من مرجان! وأخذ في قصة نحواً من عشرين ورقة فجعل أحمد بن حنبل ينظر إلى يحيى بن معين وجعل يحيى بن معين ينظر إلى أحمد فقال: حدثته بهذا!! فيقول والله ما سمعت هذا إلا الساعة فلما فرغ من قصصه وأخذ العطيات ثم قعد ينتظر بقيتها قال له يحيى بن معين بيده: تعالى. فجاءه متوهماً لنوال فقال له يحيى: من حدثك بهذا؟! فقال أحمد بن حنبل ويحيى بن معين!! فقال: أنا يحيى بن معين وهذا أحمد بن حنبل ما سمعنا هذا قط في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق، ما تحققت هذا إلا الساعة؟! كأن ليس فهيا يحيى ابن معين وأحمد بن حنبل غيركما، وقد كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل ويحيى بن معين!! فوضع أحمد بن حنبل كمه على وجهه وقال دعه يقوم. فقام كالمستهزئ بهما!! (انظر الباعث الحثيث أحمد محمد شاكر، ص 65، 66).
الجزء 1 · صفحة 42
وكان[1] كثير الاعتناء [بالأخذ][2] بالحديث حتى جوز نسخ الكتاب بالحديث[3] لقوة منزلة الحديث [عنده][4] وعمل بالمراسيل[5] وقدمها على الرأي[6].
[1] في (د): وكان أبو حنيفة رحمه الله كثير....
[2] سقطت من (أ) و (ب) و (جـ).
[3] وهذا مذهب المالكية أيضاً وابن حزم الظاهري.
ويشترط الحنفية والمالكية أن يكون الحديث متواتراً. وألحق الحنفية المشهور المتواتر.
واكتفى ابن حزم أن يكون الحديث صحيحاً ولم يتشرط التواتر، (أصول السرخسي 2/67، كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري 3/175، شرح تنقيح الفصول للقرافي، الإحكام لابن حزم 4/107).
[4] سقطت من (أ) و (جـ).
[5] والمرسل عند الأصوليين أعم من المرسل عند المحدثين، فهو عند الأصوليين يشمل إرسال الصحابي الذي لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم، وإرسال التابعي وإرسال تابع التابعي (أصول السرخسي 1/360).
أما المرسل عند المحدثين فهو حديث التابعي الكبير الذي لقي جماعة من الصحابة وجالسهم إذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. (علوم الحديث لابن الصلاح: 47).
[6] أصول السرخسي 1/360.
الجزء 1 · صفحة 43
وقدم رواية المجهول[1] على القياس[2]، وقدم قول الصحابي [على القياس][3]،[4] قال نصر بن محمد[5]:" ما رأيت رجلا أكثر أخذا للأثر من أبي حنيفة".
أما الإجماع فإن أبا حنيفة رحمه الله [لشدة رعايته له][6] لم يجعل
[1] قال ابن الصلاح: في رواية المجهول أقسام.
أحدها: المجهول العدالة من حيث الظاهر والباطن جمعياً وروايته غير مقبولة عند الجماهير.
الثاني: المجهول الذي جهلت عدالته الباطنة وهو عدل في الظاهر وهو المستور.. فهذا المجهول يحتج بروايته بعض من رد رواية الأول.
الثالث: المجهول العين قد يقبل رواية المجهول العدالة من لا يقبل رواية المجهول العين.
ومن روي عنه عدلان وعيناه فقد ارتفعت عنه هذه الجهالة... والمجهول عند أصحاب الحديث هو كل من لم تعرفه العلماء ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد (علوم الحديث ص 102).
قلت: والمجهول عند الحنفية يختلف عن المجهول عند المحدثين: فالمجهول عند الحنفية الذي لم يعرف إلا بحديث أو حديثين (كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري2/384، 385).
[2] صرح عبد العزيز البخاري بأن حديث المجهول عندهم مقدم على القياس، فقال: (..وشهدوا له بصحة الحديث.... صار حديثه مثل حديث المعروف بشهادة أهل المعروف بالفقه والعدالة والضبط فيقبل ويقدم على القياس (كشف الأسرار 2/385).
[3] ما بين القوسين سقط من (أ) و (ج).
[4] انظر تيسير لتحرير، لأمير شاه 3/173، 3/132، 133.
[5] نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم أبو الليث الفقيه السمرقندي، أخذ عن أبي جعفر الهندواني عن أبي القاسم الصفار عن نصير بن يحيى عن محمد بن سماعة عن أبي يوسف.
صنف تفسير القرآن، والنوازل، والفتاوى،وخزانة الفقه وبستان العرافين، وشرح الجامع الصغير وتنبيه الغافلين.
توفي سنة 373هـ وقيل سنة 393هـ (الفوائد البهية في تراجم الحنفية. 220).
[6] في (د): (..... كان أشد رعاية له لم يجعل......).
الجزء 1 · صفحة 44
الاختلاف السابق مانعاً من الإجماع اللاحق[1].
واعتبر الإجماع السكوتي[2].
وأما القياس فقد سلم[3] العلماء له كلهم حتى سموا أصحابه أصحاب[4] الرأي[5].
[قال مالك][6] رحمه الله حين سئل عن أبي حنيفة: "رأيت [7] رجلا لو ادعى أن هذه السارية ذهبا ً لأقام بحجته"[8].
[ولا خفاء في قوة [دلالة][9] ما ذكرنا على قوة اجتهاده عند من نظر إلى الحق][10] [وقد][11] هدي إلى صراط مستقيم.
[1] كذا مذهب أكثر الحنفية والمحققين من الشافعية. (تيسير التحرير 3/232).
[2] هذا قبل استقرار المذاهب، فإذا أفتى بعض المجتهدين بمسألة اجتهادية أو قضى بعضهم قضاء واشتهر بني أهل عصره وعرفه بقية المجتهدين ولم يخالف في ذلك أصلا، وكان ذلك قبل استقرار المذاهب كما ذكرت، ثم مضت مدة يمكن لمن بلغته الفتوى أو القضاء إظهار اعتراضه - على خلاف في هذه المدة بين الحنفية - كانت تلك الفتوى أو القضاء إجماعاً. (تيسير التحرير 3/246).
[3] في (د): سلم له العلماء كلهم.
[4] سقطت من (أ) و (جـ).
[5] أصحاب الراي هم أصحاب القياس من أهل العراق لأنهم يقولون بآرائهم وقياسهم فيما لا يجدون فيه حديثا أو أثراً، مستنبطين من الكتاب والسنة والإجماع. (التعريفات الفقهية للبركتي: 180، 181).
[6] في (أ) و (جـ): (قال محمد. وهو خطأ من الناسخ فيهما.
[7] في (د): (رأيته رجلاً).
[8] أخبار أبي حنفية للصيرفي: 74.وجاء في تبييض الصحفية للسيوطي ص 6 وقال الشافعي: قيل لمالك هل رأيت أبا حنيفة؟ قالك نعم رأيت رجلاً لو كلمت في هذه السارية أن يجعلها ذهبا لأقام بحجته).
[9] سقطت كلمة (دلالة ) من (أ) و (جـ).
[10] ما بين القوسين سقطت من (د).
[11] سقطت من (ب).
الجزء 1 · صفحة 45
أما المقصد:ففي ذكر مسائل توجب تقليده[1].
المسألة الأولى: في الإيمان
ذهب أبو حنيفة إلى أن الإيمان هو التصديق بالقلب والإقرار باللسان[2]، فمن صدق محمداً صلى الله عليه وسلم بقلبه فيما جاء به من عند ربه وأقر بلسانه فهو مؤمن، والأعمال أي الصلاة والصوم والزكاة والحج[3] غير داخلة فيه[4].
وذهب الشافعي رحمه الله إلى أنها داخلة فيه[5]
[1] في (أ) و (ب) و (ج): وردت كلمة (فيها) بعد تقليده ولا داعي لها.
[2] قال الإمام أبو حنيفة في كتابه الوصية:
ثم العمل غير الإيمان. والإيمان غير العمل بدليل أن كثيراً من الأوقات يرتفع العمل عن المؤمن، ولا يجوز أن يقال يرفع عنه الإيمان، فإن الحائض ترفع عنها الصلاة. ولا يجوز أن يقال يرتفع عنها الإيمان. وقد قال لها الشارع دعي الصوم ثم أقضيه، ولا يصح أن يقال دعي الإيمان ثم أقضيه، ويجوز أن يقال ليس على الفقير زكاة، ولا يجوز أن يقال ليس على الفقير إيمان. (كتاب الوصية لأبي حنيفة ص 4).
[3] سقطت من (أ) و (ب) و (ج).
[4] مثبتة من (د) فقط.
[5] ليس ذلك مذهب الشافعي وحده بل مذهب الإمام مالك والإمام أحمد وغيرهم من الفقهاء والمحدثين، جميعهم يقولون: إن الإيمان قول وعمل. أي أن الأعمال داخلة في الإيمان خلافاً لمذهب الإمام أبي حنيفة.
وهذه المسألة معروفة مبحوثة في كتب العقيدة. وقد بسطها الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه الإيمان وكذلك شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية في الفتاوى (كتاب الإيمان)، وغيرهم من الأئمة بما يغني عن الإعادة هنا.
الجزء 1 · صفحة 46
ويلزم من ذلك أن من ترك الصلاة أو الصوم أو منع[1] الزكاة أو ترك الحج لا يكون مؤمناً. لأن الكل ينتفي بانتفاء جزئه [بالاتفاق، فيكون في النار خالدًا مخلداً، ولا يخفى ضرره][2]،[3] وبطلانه بالأحاديث الواردة على أن من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله دخل الجنة[4].
فلولا مذهب أبي حنيفة لكان كل من ترك الصلاة أو فعلاً من الأفعال المذكورة آنفا كان كافراً تطلق امرأته، وبوطئها يكون زانياً
[1] سقطت من (أ) و (ج).
[2] ما بين القوسين سقط من (ج).
[3] قول المؤلف: يرحمه الله: ويلزم من ذلك أن من ترك الصلاة أو الصوم أو منع الزكاة أو ترك الحج لا يكون مؤمناً. ليس مسلماً له، إذ الترك لشيء من هذه الأركان الموجب للخلود في النار ليس مطلق الترك. لأن ترك المقر باطناً وظاهراً غير ترك المنكر الجاحد. قال: شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى: (فليس بين فقهاء الأمة نزاع في أصحاب الذنوب إذا كانوا مقريين باطناً وظاهرًا بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وما تواتر من أهل الوعيد، وأنه يدخل النار منهم من أخبر الله ورسوله بدخوله إليها ولا يخلد منهم فهيا أحد، ولا يكونون مرتدين مباحي الدماء ولكن الأقوال المنحرفة قول من يقول بتخليدهم في النار). (كتاب الإيمان، المجلد السابع ص 297).
[4] رتب المؤلف على قول القائلين بأن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان انتفاء إيمان كل من ترك أو بطل له عمل من صلاة ونحوها.
وبانتفاء إيمان المرء يصبح كافراً فيكون في النار خالداً مخلداً، هذا ما نص عليه المؤلف في الفقرة السابقة، ثم أورد في هذه الفقرة ما يمكن الاستدلال به على بطلان ذلك. لكن انتفاء العمل أمر لا يسلم به القائلون بأن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان. قال الكشميرى في فيض الباري على صحيح البخاري: مذهب أهل السنة أن تارك الأعمال. مفسق لا مكفر. وقال أيضاً.. فأكثر المحدثين - يقولون - إن الإيمان مركب من الأعمال. وإمامنا الأعظم - يقول - إن الأعمال غير داخل في الإيمان مع اتفاقهم جميعاً أن فاقد التصديق كافر وفاقد العمل فاسق (1/53 - 54).
الجزء 1 · صفحة 47
ويبطل حجه وجهاده[1].
[1] هذه النتيجة التي انتهى إليها المؤلف بناء على قوله المتقدم: (إن من ترك الصلاة.. لا يكون مؤمناً لأن الكل ينتفي بانتفاء جزئه). مجرد دعوى منازع فيها - كما أسلفنا - إذ لا يسلم القائلون بأن العمل جزء من الإيمان: إن الإيمان يزول بزوال أي عمل من الأعمال. لأن الإيمان أصل له شعب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: الإيمان بضع وستون شعبة وفي رواية بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق (مختصر صحيح مسلم: للحافظ المنذري: تحقيق الألباني، ص15)..
ولو طبقنا مبدأ المؤلف في هذه المسألة القائل: بأن الكل ينتفي بانتفاء جزئه للزمه القول بكفر من ترك إماطة الأذى عن الطريق لأن إماطة الأذى عن الطريق بنص الحديث المتقدم شعبة من شعب الإيمان والشعبة المراد بها الجزء - كما قال ابن حجر في الفتح 1/25) وهذا لا بقول به البابرتي - قطعاً، فدل ذلك على بطلان قوله: إن الكل ينتفي بانتفاء جزئه.
قلت: المسألة في نظرنا لا تستحق هذا التكلف الذي سلكه المصنف في هذه الرسالة. فالخلاف ثابت وقديم في مسألة الإيمان والعمل خاصة بين الإمام أبي حنيفة من جهة وبين بقية الأئمة من أهل السنة والجماعة من جهة. ونراه خلافاً لفظيا كما نص على ذلك المحققون، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية حيث يقول: ومما ينبغي أن يعرف أن أكثر التنازع بين أهل السنة في هذه المسألة هو نزاع لفظي، وإلا فالقائلون بأن الإيمان قول، من الفقهاء - كحماد بن أبي سليمان وهو أول من قال بذلك ومن تبعه من أهل الكوفة وغيرهم - متفقون مع جميع علماء السنة على أن أصحاب الذنوب داخلون تحت الذم والوعيد... فهم يقولون إن الإيمان بدون العمل المفروض، ومع فعل المحرمات يكون صاحبه مستحقاً للذم والعقاب كما تقوله الجماعة. (الفتاوى 7/297).
ويقول ابن أبي العز الحنفي في شرح العقيدة الطحاوية - وهو من معاصري المؤلف -: "والاختلاف الذي بين أبي حنيفة والأئمة الباقين من أهل السنة اختلاف صوري فإن كون أعمال الجوارح لازمة لإيمان القلب أو جزءاً من الإيمان، مع الاتفاق على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج من الإيمان، بل هو في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه - نزاع لفظي - لا يترتب عليه فساد اعتقاد" (شرح العقيدة الطحاوية ص 374).
الجزء 1 · صفحة 48
المسألة الثانية: في الطهارة
قال أبو حنيفة رحمه الله: "يجوز الاغتسال والوضوء بماء سخن بالروث والأخثاء[1] [ونحوهما][2].
وقال الشافعي رحمه الله: لا يجوز[2].
فلولا مذهب أبي حنيفة لم يتطهر أحد [ممن دخل حمامات][3]
[1] حاشية ابن عابدين 5/126.
[2] كذا في (د)، وفي بقية النسخ: (ونحوها) بدون تثنية.
[3] بالرجوع إلى ما تيسر لي من مصادر المذهب الشافعي لم أقف على ما عزاه المؤلف للمذهب الشافعي من القول بعدم جواز الاغتسال والوضوء بماء سخن بالروث، بل عزى الإمام النووي لابن الصباغ في الفتاوى ما نصه: ولا يكره الوضوء بماء سخن بالنجاسة (المجموع 9/28).
قلت: يبدو أن المؤلف لم يتحر الدقة في العزو للمذهب الشافعي , وعلى فرض أن المؤلف رحمه الله لسعة اطلاعه وقف على ذلك القول للشافعية، فإن ما نقلناه هنا عن النووي يدل على أن في المذهب قولين في المسألة فلماذا يختار المؤلف أحدهما ويغفل الإشارة إلى الآخر. واتباع هذا الأسلوب لا يحقق للمؤلف مقصده عند أهل العلم في ترجيح مذهب أبي حنيفة. والله أعلم.
[4] في (د): [فما مات] هذا تصحيف جعل العبارة لا معنى لها
فائدة: الروث: لغة. رجيع (فضلة) ذي الحافر، واحدة روثة والجمع أرواث (القاموس المحيط مادة: روث).
وغالبا ما يطلق الفقهاء الروث على فضلة الحيوان الخارج من الدبر دون تخصيص ذلك بذي الحافر، كما جاء في القاموس المحيط. وإن خص بعضهم الخارج من كل حيوان بمسمى خاص: فالروث للفرس والبغل والحمار. والخثي (بكسر فسكون) للبقر والفيل، والبعر للإبل والغنم. والخرو للطير، والبخو للكلب، والعذرة للإنسان (حاشية ابن عابدين 1/147).
حكم الروث عند الفقهاء من حيث الطهارة والنجاسة:
يرى المالكية والحنابلة الشافعية في وجه: أن روث ما يؤكل لحمه طاهر. أما روث غير مأكول اللحم فنجس عندهم. وقد صرح المالكية بنجاسة روث مكروه اللحم كمحرمه، وإن لم يستعمل نجاسة.
وقال الحنفية والشافعية (على المذهب)= بنجاسة الروث من جميع الحيوانات المأكول اللحم وغيره. أما حكم اقتنائه واستعماله:
فالحنفية يجوزون اقتناءه واستعماله في تنمية الزرع وانضاج الخبز ونحوهما. وجوز الشافعية اقتناءه واستعماله للزراعة لكنه يكره عندهم. والأصل عند المالكية أنه إذا كان الروث طاهراً جاز اقناؤه، واستعماله. أما النجس فالأصل عندهم أنه لا يجوز الانتفاع به، لكنهم أجازوا: أن الخبز المخبوز على نار الروث النجس طاهر، وإن تعلق به الرماد. وأجاز الحنابلة بيع الروث الطاهر كروث الحمام وكل ما يؤكل لحمه (الشرح الصغير للدردير 1/53 - 54)، (المغني لابن قدامة 4/251 - 255)، (روضة الطالبين 1/16، وأسنى المطالب 1/60 - 61) و(الفتاوى الهندية 2/133. والهداية 8/122، وحاشية ابن عابدين 5/246).
الجزء 1 · صفحة 49
هذه البلاد كلها أبداً.
فإذا لم يتطهر لم تصح صلاته [ولا يجوز له مس المصحف بيده][1]، ولا يجوز دخوله المسجد، ولا يجوز له قراءة القرآن. وإذا زال صلاته زال إيمانه، ولزمه ما ذكرنا في [المسألة الأولى][2].
[1] مابين القوسين سقط من (أ) و (ج).
[2] ما بين القوسين سقطت من (ب).
الجزء 1 · صفحة 50
المسألة الثالثة: في الصلاة
قال [أبو حنيفة][1] رحمه الله: من نوى بقلبه [أي][2] صلاة يصليها [جازت صلاته][3] [و][4] إن لم يذكرها باللسان[5].
وقال الشافعي رحمه الله: لا يجوز ما لم يكن الذكر اللساني مقارناً للقلبي[6].
وأكثر الناس عاجزون عن ذلك باعترافهم. والذي يدعي المقارنة يدعي ما يرده صريح العقل. وذلك لأن[7] اللسان ترجمان [ما يخطر][8] بالقلب. و[المترجم عنه سابق قطعاً عليه - إذا الحروف الملفوظ بها
[1] سقطت من (أ) و (جـ).
[2] سقطت من (د).
[3] سقطت من (ب).
[4] سقط (الواو) من (د) وبدونه لا يستقيم المعنى.
[5] المبسوط للسرخسي 1/10، 11.
[6] جاء في المجموع للنووي: (3/242). قال المصنف: (والنية فرض من فروض الصلاة... ومحل النية القلب، فإن نوى بقلبه دون لسانه أجزأه. ومن أصحابنا من قال ينوي بقلبه وتلفظ باللسان، وليست بشيء، لأن النية هي القصد بالقلب) قال النووي: فإن نوى بقلبه ولم يتلفظ بلسانه أجزأه على المذهب وبه قطع الجمهور) انتهى.
قلت: وما نسبه المؤلف هنا للإمام الشافعي رحمه الله ليس إلا قولاً لبعض الشافعية وليس هو المذهب كما نص على ذلك قول الإمام في العبارة المنقولة من المجموع، ويشهد لذلك أيضاً ما في مغني المحتاج ونصه: (ويندب النطق بالمنوي) مغني المحتاج 1/150. إذن فلا حُجة هنا في هذه المسألة للمصنف، ويبطل بذلك كل ما رتبه عليها كقوله في آخر المسألة.... فإذا لم تجز الصلاة انتفى جزء الإيمان.. إلخ) فإن المنصوص عليه في المذهب الشافعي أن الصلاة تجوز بالنية فقط دون الذكر اللساني.
[7] في (د) (أن) بدون اللام.
[8] في (أ) و (ج): ( ما يحصل) وفي (د) ما يحضر.
الجزء 1 · صفحة 51
في النية منطبقة على أجزاء الزمان][1] وهي منقضية منصرفة[2]. ولا يتصور المقارنة بين [أنفها][3] فكيف تتصور المقارنة لما يكون قبلها.
فإذا لم[4] تجز الصلاة انتفى جزء الإيمان والكل ينتفي بانتفاء [جزئه][5] كما مر.
[1] ما بين القوسين جاءت عبارته في (د) كالآتي: (والمترجم عنه سابق قطعاً على أن الحروف الملفوظ بها في النية منطقبة إلى آخر الزمان) وهذا كلام محرف والصحيح ما أثبتناه.
[2] في (د) منصرمة.
[3] في جميع النسخ (أنفسها) ولعله خطأ لأن (أنفسها) لا معنى له. والصحيح ما أثبتناه بين المعكوفتين لمناسبة السياق.
[4] في (د) (تجريء).
[5] في (د) (الجزء) وبعدها فراغ مما يشعر بوجود سقط قبل كلمة (كما مر) ولا يوجد سقط.
الجزء 1 · صفحة 52
المسألة الرابعة: أيضا في الصلاة
قال الشافعي رحمه الله: قراءة الفاتحة في الصلاة ركن، وكذلك [كل][1] [شدة من الشدات][2] الأربعة عشر. فإن تركت واحدة منها بطلت الصلاة[3]. خلافاً لأبي حنيفة رحمه الله[4].
[1] سقطت من (أ) و (ج).
[2] في (ب): سجدة من السجدات الأربعة عشر.
[3] انظر: الأم للشافعي، والمجموع للنووي (3/285)، ونهاية المحتاج (1/452، 460، 461 وفيه... وتشديداتها يجب رعايتها فلا يخل بشيء منها حيث كان قدراً، لأنها هيئات لحروفها، وهي أربع عشرة شدة... فلو خفف منها تشديدة لم تصح قراءة تلك الكلمة. وإن كان ناسياً أو جاهلاً سجد للسهو. ولو شدد مخففاً أساء وأجزأه. ومتى ركع عمداً قبل إعادة القراءة على الصواب بطلت صلاته كما هو ظاهر) انتهى.
قلت: قراءة الفاتحة في الصلاة وفي كل ركعة ركن عند الشافعية والمالكية والحنابلة (انظر الأم: (1/103)، وبداية المجتهد: (1/310)، والروض المربع مع الحاشية: (2/26) واستدلوا لذلك بأحاديث منها: حديث عبادة بن الصامت: أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب))، أخرجه البخاري (فتح الباري 2/236 رقم الحديث 756) ومسلم في صحيحه 1/295 رقم لحديث 34، 394). وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم في صحيحه (1/297 برقم 41، 395 ونصه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج فهي خداج فهي خداج).
[4] مذهب الحنفية أن قراءة الفاتحة في الصلاة ليست ركناً، قال السرخسي في المبسوط (1/19): قراءة الفاتحة لا تتعين ركناً في الصلاة عندنا". واستدل لذلك بقوله: ولنا قوله تعالى {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} فتعيين الفاتحة يكون زيادة على هذا النص وهو يعدل النسخ عندنا فلا يثبت بخبر الواحد.ثم المقصود التعظيم باللسان وذلك لا يختلف بقراءة الفاتحة وغيرها. (المبسوط 1/19).
الجزء 1 · صفحة 53
فلولا مذهب أبي حنيفة [لكانت صلاة][1] أكثر العالمين باطلة. وإذا بطلت صلاتهم على الدوام انتفى جزء الإيمان. والكل ينتفي بانتفاء جزئه كما تقدم.
[1] مابين القوسين سقط من (ج) وفي (أ) و (د) سقط اللام قبل (كانت...
الجزء 1 · صفحة 54
المسألة الخامسة: في الصوم
قال أبو حنيفة رحمه الله: إذا كانت نية الصوم مقارنة لأكثر النهار جاز[1].
وقال الشافعي رحمه الله لا يجوز ما لم تكن النية من الليل[2].
والحرج فيه مكشوف لا يقنع، فإن من أقام من سفره بعد الصبح أو أفاق من الإغماء ونوى الصوم لا يجوز [عنده][3].
وفي يوم الشك الحرج أعم وألزم؛ لأن النية [بالليل][4] عن الفرض حرام. ونية النفل عنده لغو، [فعم][5] الحرج بالنسبة لكل الناس.
وقد قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}[6]،[7].
[1] قال الإمام السرخسي: (فأما النية بعد طلوع الفجر لصوم رمضان تجوز في قول علمائنا رحمهم الله تعالى.. والشرط عندنا وجود النية في أكثر وقت الأداء (المبسوط (3/62).
[2] في الأم: لا يجزئ صوم رمضان إلا بنية كما لا تجزئ الصلاة إلا بنية. قال الشافعي: فكان هذا والله أعلم على شهر رمضان خاصة وعلى ما أوجب المرء على نفسه من نذر... فأما لتطوع فلا بأس أن ينوي الصوم قبل الزوال ما لم يأكل أو يشرب (2/95).
وقال الإمام النووي: تبيت النية شرط في صوم رمضان وغيره من الصوم الواجب، فلا يصح صوم رمضان بنية من النهار بلا خلاف. (المجموع 6/22).
[3] سقطت من (د).
[4] في (د) (من الليل).
[5] في (د) (يعم) بالياء بدون فاء.
[6] ورد جزء الآية ناقصاً موضع الشاهد من نسخة (د) حيث سقطت من الآية كلمة (حرج).
[7] الحج: 78.
الجزء 1 · صفحة 55
المسألة السادسة: في الزكاة
قال أبو حنيفة رحمه الله: إذا دفع الزكاة لواحد من الأصناف المذكورة في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ}[1] [جاز][2]،[3].
وقال الشافعي رحمه الله: لا يجوز إلا إذا دفع إلى ثلاثة أنفس من كل واحد من الأصناف المذكورة[4].
وقد لا يوجد ذلك في بلد المزكي، فيدركه الموت والذمة مشغولة بالواجب، وقد لا [يوفق][5] للأداء [أحد][6] بعده، فينتفي جزء الإيمان والكل ينتفي بانتفائه. فإن نوزع في ذلك لم ينازع في لزوم الحرج
[1] التوبة: آية 60.
[2] سقطت من (ب).
[3] المبسوط (3/8). وهذا مذهب المالكية والحنابلة (بداية المجتهد 2/118) (الروض المربع مع الشرح: 3/324، 325).
[4] في المجموع قال الشافعي والأصحاب: إن كان مفرق الزكاة هو المالك أو وكيله سقط نصيب العامل ووجب صرفها إلى الأصناف السبعة الباقين إن وجدوا وإلا فالموجود منهم، ولا يجوز ترك صنف منهم مع وجوده فإن تركه ضمن نصيبه، وهذا لا خلاف فيه، وبمذهبنا في استيعاب الأصناف قال عكرمة وعمر بن عبد العزيز والزهري وداود. (6/192، 194).
[5] في (أ) و (ج): (يوافق) وهو خطأ من الناسخ.
[6] سقطت من (أ) و (ج) و (د).
الجزء 1 · صفحة 56
البين المدفوع بالنص كما تقدم[1].
[1] أي في المسألة الخامسة وهو قوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} الحج: 78.
قلت: مذهب الجمهور ومنهم أبو حنيفة أقوى دليلاً في هذه المسألة حيث يرون أن الآية في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ.. الآية} تعني عدم جواز صرفها لغير هذه الأصناف، فإن صرفت لواحد منها جازت وأيدوا ذلك بحديث معاذ رضي الله عنه حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال: ((أعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم)). متفق عليه فلم يذكر فيه إلا صنفًا واحداً.
الجزء 1 · صفحة 57
المسألة السابعة: في الحج
قال الشافعي رحمه الله: الطهارة شرط لصحة الطواف، ومس المرأة ينقضها[1]. خلافاً لأبي حنيفة فيهما[2].
وعموم البلوى في الطواف [بمس النساء ظاهر][3] لا ينكره كل من حج[4].
قال شيخي العلامة شمس الدين الأصفهاني[5] رحمه الله:
توضأت في الطواف زهاء عشر مرات لأطوف على مذهب الشافعي
[1] مغني المحتاج: 1/485 - 487. وإلى القول باشتراط الطهارة لصحة الطواف ذهب كل من المالكية والحنابلة: (بداية المجتهد 2/265) (المغني 3/440).
[2] المبسوط للسرخسي 4/38.
[3] في (ب) (بمشي طاهر) ولعله تصحيف من الناسخ.
[4] لقد نص الشافعية على ما تعم به البلوى في هذه المسألة مما يعد رداً على كلام المصنف فيما أورده عن المذهب الشافعي هنا. فقد قال الإمام النووي: ومما عمت به البلوى غلبة النجاسة في موضع الطواف من جهة الطير وغيره. وقد اختار جماعة من أصحابنا المتأخرين المحققين المطلعين العفو عنه من ذلك.. ومما تعم به البلوى في الطواف ملامسة النساء للزحمة. (المجموع 8/17).
قلت: بعد هذا النقل عن كتب الشافعية يظهر لنا - والله أعلم - أن إيراد المصنف هذه المسألة في معرض التنصيص من مذهب الشافعية لم يقم على التحرير.
[5] الأصفهاني: محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن أبي بكر بن علي، العلامة شمس الدين الأصفهاني أبو الثناء. ولد بأصفهان سنة 694هـ واشتغل بتبريز ثم قدم دمشق سنة 725هـ. ودرس بها ثم قدم الديار المصرية سنة 732هـ، كان عارفاً بالأصليين، فقيهاً صحيح الاعتقاد ولي مشيخة خانقاه، له تصانيف عديدة منها شرح مختصر ابن الحاجب، وشرح منهاج البيضاوي، وشرح البديع لأبي الساعاتي،وشرع في تفسير القرآن ولم يكمله توفي بمصر سنة 749هـ (انظر هامش الفوائد البهية في تراجم الحنفية 198).
الجزء 1 · صفحة 58
سبعة أشواط فلم أقدر على ذلك فقلدت أبا حنيفة.
فلولا مذهب أبي حنيفة لعاد كل من حضر من المشرق والمغرب [والجنوب][1] والشمال بلا حج، وفي ذلك من الحرج في هذه الملة الحنيفية السمحة البيضاء ما لا يجوزه أحد أصلاً[2]. وإذا انتفى الحج انتفى جزء الإيمان والكل ينتفي بانتفاء جزئه.
[1] سقطت من (أ) و (ج).
[2] كيف يكون في اشتراط الطهارة للطواف حرج وقد استدل القائلون بذلك بحديث عائشة المتفق عليه وفيه (أن أول شيء بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم أنه توضأ ثم طاف بالبيت) وقوله صلى الله عليه وسلم للحائض وهي أسماء بنت عميس ((اصنعي ما يصنع الحاج غير ألا تطوفي بالبيت)).
قلت: وكان يمكن للمصنف أن يورد دليل المخالفين للحنفية وهم الجمهور ويرجح مذهب أبي حنيفة بما بدا له من وجوه الترجيح بدلاً من مقولته: يلزم من قوله هذا القول بانتفاء الإيمان دون دليل، كما أشرنا بذلك في المسألة الأولى.
أما بخصوص لمس النساء فالمشهور من مذهب أحمد - رحمه الله - أن لمس النساء لشهوة ينقض الوضوء ولا ينقضه لغير شهوة، وهذا قول علقمة، وأبي عبيدة والنخعي، والحكم، وحماد، ومالك، والثوري، وإسحاق، والشعبي. (انظر المغني لابن قدامة جـ 1 ص 255، 256). فكيف إذن يصح قوله: فلولا مذهب أبي حنيفة... إلخ مما يشعر أنه تفرد بهذا الرأي!!.
الجزء 1 · صفحة 59
المسألة الثامنة: في المأكول
قال أبو حنيفة رحمه الله: يجوز أكل خبز في فرن أوقد فيه الروث ونحوه[1].
وقال الشافعي رحمه الله: لا يجوز[2].
ولولا مذهب أبي حنفية لما حل أكل خبز الديار المصرية إلا في حال المخمصة والله أعلم[3].
[1] حاشية ابن عابدين (5/246). وفتاوى قاضيخان بهامش الفتاوى الهندية 2/133.
[2] نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج 1/87.
[3] انظر هامش المسألة الثانية في الطهارة. وفيه بينا حكم الروث عد الفقهاء من حيث الطهارة والنجاسة. ونقلنا عن المالكية قولهم بأن الخبز المخبوز على نار الروث النجس طاهر، وهذا يتعارض مع قول المصنف هنا (ولولا مذهب أبي حنيفة لما حل أكل خبز الديار المصرية إلا في حال المخمصة).
وقد يقال: إن المصنف اختص في مسائله هذه المذهب الشافعي فقط، لكن التعميم في مثل هذه العبارات يخرج بالمسألة عن دائرة المقارنة بين المذهبي إلى بقية المذاهب.
الجزء 1 · صفحة 60
المسألة التاسعة: في الملبوس
قال أبو حنيفة رحمه الله: يجوز لبس سائر الجلود سوى الخنزير، كالسمور[1]،[والفنك][2] والسنجاب ونحوها[3].
وقال الشافعي لا يحوز[4].
فعلى هذا الاختلاف [لا تجوز][5] الصلاة فيها. وإذا لم تجز الصلاة فهيا انتفى جزء الإيمان والكل ينتفي بانتفاء جزئه كما مر غير مرة وكذلك الركوب على سرج مذهب أو مفضض، والجلوس على مقعد حرير، وهو مناف لقوله عليه الصلاة والسلام (أتيتكم بالحنيفية
[1] السمور: حيوان ثديي ليلي من الفصيلة السمورية من آكلات اللحوم يتخذ من جلده فرو ثمين، ويقطن شمال آسيا. مج المعجم الوسيط 1/448).
[2] في (د) (الفتك) بالتاء وصوبه المحقق إلى الفنك اجتهاداً منه وهو كذلك في (أ) و (ب) و (ج) وليس الفتك. و(الفنك) بالفاء والنون مفتوحتين: دابة فروتها أطيب أنواع الفراء وأشرفها. صالح لجميع الأمزجة المعتدلة. القاموس مادة (ف ن ك).
[3] الفتاوى الهندية 3/115 وحاشية ابن عابدين 5/224.
[4] في مذهب الشافعية إن الدباغ يطهر كل جلد نجس بالموت ظاهره، وكذا باطنه على المشهور ما عدا جلد الكلب والخنزير وما تولد منهما. ولا يطهر عندهم بالدبغ ما على جلد الميتة من شعر ونحوه (المجموع للنووي 1/ 289 - 314) ومغني المحتاج للشربيني الخطيب 1/82).
[5] ما بين القوسين مثبت من (ب) وفي (أ) و (ج) جاءت العبارة كالآتي (وعلى هذا الاختلاف في الصلاة فيها).
الجزء 1 · صفحة 61
السمحة البيضاء)[1].
[1] لم أقف على نص الحديث كما أورده المؤلف فيما تيسر لي الرجوع إليه من المراجع. غير أن البخاري أورد في صحيحه في كتاب الإيمان، باب الدين يسر، تعليقاً، قول النبي صلى الله عليه وسلم: أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة" (فتح الباري: 1/93)، وأخرج أحمد في مسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما: قال: "قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: الحنيفية السمحة" قال أحمد شاكر: إسناده صحيح. (المسند: جـ3 ص 355 رقم الحديث 2107). وأورده الساعاتي في الفتح الرباني: (1/89).
وأخرجه الخطيب البغدادي من حديث جابر رضي الله عنه بقوله: "بعثت بالحنيفية السمحة - أو السهلة - ومن خالف سنتي فليس مني". (تاريخ بغداد 7/209).
الجزء 1 · صفحة 62
المسألة العاشرة: في الحمل
قال أبو حنيفة رحمه الله: من حمل سلاحاً غلافه بلغاري أو علق من [حسامته][1] كيساً [بلغارياً][2] جازت صلاته[3].
وقال الشافعي رحمه الله: لا يجوز. وإذا لم يجز انتفى جزء الإيمان على ما مر وتقدم والله أعلم.
[1] في (د): (خاصيته) وهو خطأ من الناسخ.
[2] ما بين القوسين سقط من (أ) و (جـ) وزاد في نسخة (ب): (أو لبس بلغارياً)، قبل (أو علق...).
[3] لم أقف على مراجع في كتب الشافعية أو الحنفية التي اطلعت عليها على هذه المسألة المتعلقة بلبس سلاح غلافه بلغاري. غير أن العلامة ابن أبي العز في الاتباع ذكر أنها متعلقة بمسألة جلود الميتة ولا يرى معنى لاستثناء الجلود (المستوردة) من البلغار. (الاتباع ص 69).
الجزء 1 · صفحة 63
المسألة الحادية عشرة:في النكاح
قال أبو حنيفة رحمه الله: ينعقد نكاح [المسلمين][1] بحضور شاهدين فاسقين[2].
وقال الشافعي رحمه الله: لا ينعقد إلا بحضور شاهدين عدلين أو مستورين في رواية[3].
فلولا مذهب أبي حنيفة لم ينعقد نكاح المسلمين بالشهود الجالسين في الدكاكين، لأنهم [يشتركون][4] شركة الصنائع[5].
ويتناولون الأجرة بها، وذلك [حرام][6]، والإصرار على أكل الحرام كبيرة،وتعاطي الكبيرة فسق ظاهراً وباطناً.
[فإن قيل بطلان شركة الصنائع مجتهد فهي فيتناول الأجرة بها لا تسقط العدالة كما في شرب المثلث، وأكل متروك التسمية عمداً قلنا مرجع ذلك أيضاً مذهب أبي حنيفة][7]. وحالهم[8] في ذلك واضح لا يحتاج إلى [تنبيه][9] فضلاً عن الدليل. ولما مر من انتفاء اقتران
[1] في (ج): (مسلمين).
[2] المبسوط للسرخسي: (5/31).
[3] المجموع للنووي (15/354 - 357) ومغني المحتاج للشربيني الخطيب (3/145).
[4] في (د) يشركون.
[5] شركة الصنائع: هي شركة الأعمال. وتسمى شركة الأبدان وشركة التقبل. وهي جائزة عند الحنفية وغير جائزة عند الشافعية. (بدائع الصنائع: 6/56 - 57) (المجموع للنووي 13/515).
[6] سقطت من (د).
[7] ما بين القوسين سقط من (أ) و (جـ) و (د).
[8] في (ب) (وأحوالهم).
[9] في (د) (بينة).
الجزء 1 · صفحة 64
الذكر اللساني بالقلبي. وذلك [يفضي][1] إلى انتفاء الصلاة التي هي جزء الإيمان كما تقدم.
[1] في (د) (مفضي).
الجزء 1 · صفحة 65
المسألة الثانية عشرة: في النكاح أيضًا
قال أبو حنيفة رحمه الله: الحامل لا تحيض[1] وأكثر مدة الحمل سنتان[2]. وقال الشافعي يرحمه الله: تحيض.وأكثر مدة الحمل أربع سنين[3].
ويلزم من ذلك [أن][4] ذات الأقراء إذا طلقت لا تنقضي عدتها [إلا][5] إلى أربع سنين لجواز أن تكون حاملاً. فلا يكون الحيض إلا على براءة الرحم حتى تنقضي أربع سنين. على أنه مخالف لقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ}[6]، [وفي][7] ذلك من الفساد ما لا يخفى.
[1] الهداية للمرغيناني (1/33).
[2] الهداية للمرغبناني (2/36).
[3] قال الإمام النووي: إذا رأت الحامل دماً يصلح أن يكون حيضاً فقولان مشهوران، قال صاحب الحاوي والمتولي والبغوي وغيرهم في الجديد أنه حيض. وقال في القديم ليس بحيض. واتفق الأصحاب على أن الصحيح أنه حيض فإن قلنا ليس بحيض فهو دم فساد. وقال أيضاً: إذا قلنا دم الحامل حيض فإنه لا تنقضى به العدة كذا قاله أصحابنا في هذا الباب. وإذا قيل: إذا جعلتم دم الحامل حيضا لم يبق وثوق بانقضاء العدة والاستبراء بالحيض لاحتمال الحيض على الحمل: فالجواب: أن الغالب أنها لا تحيض فإذا حاضت حصل ظن براءة الرحم وذلك كاف في العدة والاستبراء. فإن بان خلافه على الندور عملنا بما بان. والله أعلم. (المجموع 2/395 - 398).
[4] سقطت من (أ) و (ب)و (جـ).
[5] سقطت من (د)، وبدونها يختل المعنى.
[6] البقرة: آية (228).
[7] في (د): (إلى غير) بدلاً من: (وفي) والصحيح ما أثبتناه من النسخ الثلاث.
الجزء 1 · صفحة 66
المسألة الثالثة عشرة:في المعاملات
تثبت المعاملات بشهادة مستور عند أبي حنيفة[1]. خلافًا للشافعي.
فلولا مذهب أبي حنيفة لضاعت أموال الناس وحقوقهم[2].
[1] الهداية 3/118.
[2] لم أقف فيما اطلعت عليه - في كتب الشافعية على القول بعدم ثبوت المعاملات عندهم بشهادة مستور الحال. غير أنه ورد في نهاية المحتاج قوله: (ولا يحتاج إلى وصف الشاهدين بالعدالة لانعقاده بالمستورين)، كما جاء في المجموع: (إن عقد - أي عقد النكاح - بمجهول الحال ففيه وجهان: أحدها: أنه لا يصح والثاني: أنه يصح، وهو المذهب. وفي نهاية المحتاج أيضاً: وينعقد ظاهراً بمستوري العدالة، وهما من لا يعرف لها مفسق (نهاية المحتاج 8/322، 6/215) والمجموع (15/354).
قلت: إذا كان مجهول الحال يصح بشهادته النكاح عند الشافعية، وهو المذهب - كما في المجموع، وأيضا إذا كان ينعقد عندهم النكاح بمستوري العدالة، فهل يمكن أن يقال بعد ذلك أن المستور لا تثبت به عند الشافعية المعاملات؟ أظن أن هذا يحتاج إلى مزيد دراسة.
الجزء 1 · صفحة 67
المسألة الرابعة عشر:في [البيع][1]
قال أبو حنيفة رحمه الله: يجوز بيع [المعاطاة][1] [في الخسيس والنفيس][2]،[3].
وقال الشافعي رحمه الله: لا يجوز[4].
وعامة الناس في عامة البلدان يبيعون ويشترون [بالمعاطاة][5] بلا إيجاب ولا قبول في النفيس والخسيس. فلا يثبت لهم ملك في المشترى، [ولا يجوز][6] الانتفاع به. والانتفاع به مصراً عليه فسق لا محالة. وفيه السعي لإزالة العدالة من بين أظهر المسلمين في الأغلب.
[1] في (أ) و (ج) البياعات.
[2] في (أ) و (ج) التعاطي.
[3] ما بين القوسين سقط من (ب) و (د).
[4] الاختيار لتعليل المختار (2/5).
[5] قال الإمام النووي: المشهور من مذهبنا أنه لا يصح البيع إلا بالإيجاب والقبول. ولا يصح المعاطاة في قليل ولا كثير، وبهذا قطع المصنف، وفيه وجه مشهور عن ابن سريج أنه يصح البيع بالمعاطاة.
والغزالي والمتولي وصاحب العدة والرافعي والجمهور نقلوا عن ابن سريج أنه تجوز المعاطاة في المحقرات. (المجموع 9/171 - 174).
[6] سقطت من (د).
[7] في (أ) و (د): فلا يجوز.
الجزء 1 · صفحة 68
المسألة الخامسة عشرة:في القضاء
قال أبو حنيفة رحمه الله: إذا حكم بالشاهد المستور [الحال][1] نفذ[2].
وقال الشافعي رحمه الله لا ينفذ[3].
فلولا مذهب أبي حنيفة رحمه الله لبطلت المحاكمات في عصرنا.
[1] سقطت من (أ) و (ج) و (د).
[2] مذهب أبي حنيفة أن يُكتفى بظاهر العدالة في المسلم. ولا يسأل عن الشهود حتى يطعن الخصم بهم إلا في الحدود والقصاص فإنه يسأل عن الشهود، وإن لم يطعن فيهم الخصم. وعند الصاحبين - والفتوى على قولهما - لابد أن يسأل القاضي عن الشهود في السر والعلانية في سائر الحقوق، لأن القضاء قائم على الحجة، وهي شهادة العدول فلا بد من التعرف على العدالة. وفي ذلك صيانة للحكم القضائي عن النقض والإبطال بسبب الطعن في العدالة (المبسوط 6/112، بدائع الصنائع 6/268).
[3] مذهب الجمهور ومنهم الشافعية اشتراط القاضي العدالة في الشهود وهي عندهم صفة زائدة عن الإسلام تعني أن يكون المرء ملتزماً بواجبات الشرع ومستحباته مجتنباً المحرمات والمكروهات. (بداية المجتهد 4/434). (ومغني المحتاج 4/446).
قلت: وما نقلناه في الهامش (2) عن صاحبي أبي حنيفة من قولهما لابد أن يسأل القاضي عن الشهود. وهو مذهب الجمهور كما بينا في هامش (3) فذلك كله يدل على أن ما أورده المؤلف في هذه المسألة لا يصب في خانة ترجيح المذهب الحنفي كما قصد له بالرسالة بل العكس هو الصحيح والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 69
المسألة السادسة عشرة:في الإمامة
قال أبو حنيفة رحمه الله: إذا وقع من السلطان كبيرة أو أصر على صغيرة لم ينعزل[1].
قال الشافعي رحمه الله ينعزل[2].
وفساد ذلك لا يخفي والتنبيه على يورث [نقمة الإسلام][3].
وأمثال ذلك في المسائل [كثيرة][4] يطول ذكرها فلنقتصر على هذا.
فمن لم يستضئ بمصباح لم يستضئ بإصباح فانظر أيها الرفيق الشفيق هل كان حال هذا الإمام مصدقاً لقول الإمام الشافعي رحمه الله: الناس عيال أبي حنيفة في الفقه أو لا ؟ لا أخالك إلا [أن][5] تصدق إن لم تكن ممن قيل فيه:
إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْءِ عَيْنٌ صَحِيحَةٌ فَلاَ غَرْوَ** أَنْ يَرْتَابَ وَالصُّبْحُ مُسْفِرُ
[1] حاشية ابن عابدين (5/368).
[2] عند الشافعية لا ينعزل الإمام بالفسق على الصحيح.
قال الإمام النووي ولا تبطل ولاية الإمام الأعظم بالفسق لتعلق المصالح الكلية بولايته، بل يجوز ولاية الفاسق ابتداء إذا دعت إليه ضرورة، لكن لو أمكن الاستبدال به إذا فسق من غير فتنة استبدل.
وفيه وجه أنها تبطل، وبه قطع الماوردي في الأحكام السلطانية والصحيح الأول. (روضة الطالبين (6/32) و (10/48).
[3] في (ب) (تهمة أشلاء) وفي (د): (تهمة الإسلام).
[4] سقطت من (ب).
[5] سقطت من (أ) و (ب) و (جـ).
الجزء 1 · صفحة 70
ولعل الذين يغضون من أبي حنيفة رحمه الله [الذي هو أول الأئمة في التقديم والتدوين][1] [ويضعون][2] من مقداره، ويريدون أن يخفضوا ما رفع الله من مناره، منابذة للحق الأبلج، وزيغاً[3] عن سواء[4] المنهج. ولا يبعدون[5] عن جزاء سنمار حين بني الخورنق[6] للنعمان. حيث وضع الصور ,أوثق البنيان وأوضح طرق الأسباب والمعاني. فأخذوا بمذهبه في الإيمان والطاعات والطهارات والأركان والعبادات وفي المأكول والملبوس والمعاملات، وفى الأنكحة والقضاء والخلافة والشهادات فلم ينفكوا عن مذهبه في ذلك أينما وجهوا ولم يفارقوا قوله حيث سيروا. ثم إنهم بعد ذلك يجحدون فضله ويدفعون خصلة ويذهبون عن توقيره وإكرامه ويتركون ما يجب عليه من تعظيمه واحترامه. فهو معهم في ذلك على المثل السائر: (الشعير يؤكل ويذم).
ولعمري إن ذلك سبب للثواب بعد مماته مضافاً إلى ماله من الأجر في حال حياته أدخل الله في رضوانه واسكنه بحبوحة جنانه إنه أعز مأمول وأكرم مسؤول وعلى ذلك قدير وبالإجابة جدير.
[1] سقط من (ب) و (د).
[2] في (د) (ويغضون).
[3] في (أ) و (جـ) (ويزيفون).
[4] في (د) (سؤال المنهج) وهو خطأ من الناسخ.
[5] في (د) (ولا يتعدون) وهو خطأ من الناسخ
[6] في (د) (الخوانق) وهو خطأ من الناسخ والصواب (الخورنق) وهو اسم قصر النعمان.
الجزء 1 · صفحة 71
الخاتمة:
وأما الخاتمة ففي: [التعريض][1] بالغرض من وضع هذه الرسالة.
[فهو][2] أيها الملك أيدك الله تعالى وخلد ملكك وأبد[3] دولتك، ونصر أنصارك، وخذل أعداءك، ونور بصيرتك أن تنظر بفكرك الصائب وذهنك الثاقب وخاطرك اليقظان، وانتباهك العجيب الشأن، أن مثل هذا المذهب الذي هو المقتدى[4] في أصول الشرائع وفروعها على ما مر [ذكرها][5] وتقريرها، [وسردنا على الاختصار][6]: المسائل المذكورة، و[هي مع نظائرها مشهورة مسطورة][7] وعليه عامة علماء العالم وسلاطينه بالهند والسند وعلماء ما وراء النهر وإقليم خرسان ودشت قبجاق، وتركستان والترك والعراق وبلاد اليونان وإقليم الري وما يجاور ذلك وأذربيجان وعساكرهم والجند وأمراؤهم وغالب أمراء الديار المصرية، في الحال و[المال][8]، مدة دولة [الترك][9]، الذي هم بين أمراء العالم في المواكب كالقمر والشمس السائرين بين الكواكب.
[1] في (أ) و (ج) (جاءت العبارة كالآتي: (التعريض والتلويح والتصريح بذكر الغرض من وضع الرسالة).
[2] سقطت من (د).
[3] في (د) و (أيد).
[4] في (د) (المفند) وهو خطأ من الناسخ.
[5] سقطت من (د).
[6] سقطت من (د).
[7] سقطت من (د).
[8] في (د) و(الماضي) وهو خطأ من الناسخ.
[9] في (أ) و (جـ) (الأتراك).
الجزء 1 · صفحة 72
هل يجب تقليده أم لا؟ فإن لم تر ذلك واجباً لم أتخيل من العقل الرجيح والفكر الصحيح أن لا يعتقد أنه أفضل من غيره.
والله الموفق والمعين والاعتصام بحبله المتين[1].
[266] نسخة (ب) خُتمت كالآتي (والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب).
الجزء 1 · صفحة 73
خاتمة التحقيق:
لا شك أن المؤلف يرحمه الله قصد من هذا المؤلف ترجيح مذهب أبي حنيفة يرحمه الله؛ وذلك ظاهر من العنوان، وما تضمنه البحث من موضوعات. وقد اعتمد في ذلك على معايير نص عليها، مما قد يساعد القارئ - الذي لا يستطيع الترجيح بالنظر في الأدلة - على الترجيح وفقاً لهذه المعايير.
وسنورد فيما يلي هذه المعايير، مع الإشارة إلى مواضعها من البحث مع التعليق:
1- الأفضلية:
ذكر المؤلف يرحمه الله في المقدمة[1] أسباباً لترجيح تقليد الإمام أبي حنيفة على غيره، منها: فضله. وذلك باعتبار أنه من التابعين، واستشهد لذلك بما أورده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خير القرون الذين أنا فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.... الحديث).
قلت: والحديث في الصحيحين، لكنه يبدأ بقوله صلى الله عليه وسلم: خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم،.. الحديث) وفي رواية: خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم... الحديث)[2]. قال ابن حجر في الفتح: "واقتضى هذا الحديث أن يكون الصحابة أفضل من التابعين، والتابعون
[1] انظر ص: 30 من التحقيق.
[2] انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر، 7/3 رقم الحديث: 3650/3651، وصحيح مسلم المجدل الرابع، ج7 ص 185.
الجزء 1 · صفحة 74
أفضل من أتباع التابعين، لكن هل هذه الأفضلية بالنسبة إلى المجموع والأفراد؟ محل بحث[1].
ولما كان المؤلف يعد الإمام أبا حنيفة من التابعين لهذا استشهد بهذا الحديث. لكن هذه المسألة مختلف فيها بناء على الاختلاف في تعريف التابعين[2].
2- الأقدمية:
واستدل المؤلف في المقدمة[3] - أيضاً - لترجيح مذهبه، بتقدم الإمام أبي حنيفة على غيره في تدوين علم الفقه، وقال: وتقليد الأقدم في الاستنباط أولى.
قلت: وهذا الكلام فيه نظر، فكم من تلميذ بز شيخه، والعبرة في ذلك لقوة الدليل لا الأقدمية المستنبط.
3- التيسير على الناس:
وهذا مستنبط من المسألة الثانية، في الطهارة[4] حيث أورد فيها القول للإمام أبي حنيفة بجواز الاغتسال والوضوء بماء سخن بالروث والأخثاء ونحوهما.
ونسب للإمام الشافعي القول بعدم الجواز في ذلك. ثم قال: ولولا مذهب أبي حنيفة لم يتطهر أحد ممن دخل حمامات هذه البلاد كلها.
[1] انظر: فتح الباري: 7/3.
[2] انظر: ص 34 من التحقيق هامش رقم: 3.
[3] ص: 18 - 30 من التحقيق.
[4] انظر: ص48 من التحقيق.
الجزء 1 · صفحة 75
قلت: فإن كان المؤلف يريد القول بأن الشافعية لا يجوزون استعمال الماء المسخن بنجس كالروث والأخثاء ونحوهم، فذلك مخالف لما ذكره النووي عزاه لابن الصباغ في الفتاوى، ونصه: لا يكره الوضوء بماء سخن بالنجس[1].
فلا يسلم للمؤلف ما أورده في ذلك.
4- رفع الحرج:
ذكر المؤلف في المسألة الخامسة في الصوم[2]: أن نية الصوم إذا كانت مقارنة لأكثر النهار جاز الصوم، أي لذلك اليوم، عند أبي حنيفة.
وعزى القول للشافعي بعدم الجواز ما لم تكن النية من الليل. حيث قال: والحرج فيه مكشوف لا يقع فإن من أقام من سفره بعد الصبح، أو أفاق من الأغماء ونوى الصوم لا يجوز عنده. وفي يوم الشك الحرج أعم وألزم.. قال تعالى {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}[3].
قلت: لكن ورد في مغني المحتاج القول بلزوم الإمساك في يوم الشك - نهاراً - إن تبين كونه من رمضان، ويجب قضاؤه على الفور على المعتمد[4].
5- عموم البلوى:
في المسألة السابعة: في الحج قال المؤلف: قال الشافعي
[1] المجموع للنووي: 9/28.
[2] ص: 54 من التحقيق.
[3] سورة الحج: 78.
[4] انظر مغني المحتاج للخطيب الشربيني: 1: 438.
الجزء 1 · صفحة 76
يرحمه الله: الطهارة شرط لصحة الطواف، مس المرأة ينقضها. خلافاً لأبي حنيفة فيهما.
وعموم البلوى في الطواف بمس النساء ظاهر، لا ينكره كل من حج. قلت: لقد نص الشافعية على ما تعم به البلوى في هذه المسألة. فقد قال الإمام النووي: "ومما تعم به البلوى في الطواف ملامسة النساء للزحمة"[1]. فلا وجه للترجيح بذلك.
6- سماحة الإسلام:
ذكر المؤلف في المسألة التاسعة في الملبوس[2]: أن أبا حنيفة يرحمه الله يجوز لبس سائر الجلود سوى الخنزير، وكذلك يجوز الركوب على سرج مذهب أو مفضض، ويجوز الجلوس على مقعد حرير. ونسب للشافعي عدم جواز ذلك.
وقال في آخر المسألة: وهو مناف - يعني عدم الجواز - لقوله عليه الصلاة والسلام: ((أتيتكم بالحنيفية السمحة البيضاء)).
قلت: ورد في مشهور مذهب الشافعي: إن الدباغ يطهر كل نجس بالموت، ما عدا الكلب والخنزير وما تولد منهما.
وفى الختام أرى أن المؤلف يرحمه الله قد سلك في هذا المؤلف مسلك الترجيح الجملي، وذلك بما أبرزه من معايير قصد بها ترجيح مذهب الإمام أبي حنيفة يرحمه الله.
ويظهر لي مما قدمت أنه لم يصل بذلك إلى تحقيق مقصده، وبقي لنا القول بأن كل ما قدمنا من ملاحظات - من وجهة نظرنا - في هذا التحقيق على ما أورده المؤلف، لا ينقص من مكانة
[1] المجموع: 8/17.
[2] ص: 60 بالتحقيق.