المعارضة والخالفة للآحاد ...
........... عند الحنفية
جارٍ تحميل الكتاب…
المعارضة والخالفة للآحاد ...
........... عند الحنفية
الطبعة الأولى
1441هـ ـ 2020م
المعارضة والمخالفة للآحاد
عند الحنفية
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحابته الغرّ الميامين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
إن هذه الشريعةَ الغراءَ صادرةٌ عن إلهٍ واحدٍ ونبيٍّ واحدٍ فلا شَكَّ في خلوها عن التعارضِ والتناقضِ في نفسِ الأمر، وإنّما هو أَمْرٌ في الظاهر، قال ملا جيون (¬1): «وقد يقع التعارض بين الحجج فيما بيننا لجهلنا بالناسخ والمنسوخ، وإلا فلا تعارض في نفس الأمر؛ لأنّ أحدَهما يكون منسوخاً والآخرُ ناسخاً، وكيف يقع التعارض في كلامه تعالى؛ لأنّ ذلك من أمارات العجز تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً».
وقد سَلَكَ العلماءُ مناهجَ مختلفةً للخروج من التعارض، وفي هذا البحث نُسَلِّطُ النظرَ على مسلكِ السادةِ الحنفيةِ في معالجةِ هذه القضية، وتوضيح ذلك يتطلب منا بيان طريقة الحنفية في الترجيح بين المتعارض، وتفصيل الكلام في المعارضة بين الأدلة، وإيضاح المرام بمخالفة الدليل لغيره بما يغير حكم، وعليه فستكون الدراسة في تميهد وثلاثة مباحث:
¬
(¬1) في نور الأنوار 2: 86ـ87.
المبحث الأول: التعارض والترجيح عند الحنفية.
المبحث الثاني: المعارضة بين الأدلة عند الحنفية.
المبحث الثالث: مخالفة الأدلة لغيرها عند الحنفية.
سائلاً المولى - عز وجل - أن ييسر الأمر في عرض هذا البحث.
* ... * ... *
تمهيد في التعارض والترجيح:
أولاً: معنى التعارض والترجيح لغة واصطلاحاً:
فالتعارضُ لغةً: التمانع والتدافع والتنافر (¬1)، وتعارضت البينات لأنّ كلَّ واحدةٍ تعتَرض الأخرى وتمنع نفوذها (¬2)، وعَرَضَ إليّ بكذا: أي استقبلني بصَدٍّ ومَنْعٍ (¬3).
واصطلاحاً: وهو تقابلُ المتساويين قوّةً حقيقة مع اتحاد النسبة بين الحجج (¬4)، أو اقتضاء كل من دليلين عدمُ مقتضى الآخرى (¬5).
والترجيح لغة: جعلُ الشيءِ راجحاً: أي فاضلاً زائداً (¬6)، والاسم الرجحان: إذا زاد وزونُه (¬7).
واصطلاحاً: بيانُ الرجحان: أي القوّة التي لأحدِ المتعارضين على الآخر (¬8).
¬
(¬1) ينظر: شرح حدود ابن عرفة ص466.
(¬2) ينظر: المصباح المنير ص403.
(¬3) ينظر: أصول البزدوي3: 77، والتقرير2: 2.
(¬4) ينظر: الميزان 2: 963.
(¬5) ينظر: التحرير2: 2.
(¬6) ينظر: التلويح2: 206.
(¬7) ينظر: المصباح ص219.
(¬8) ينظر: التلويح2: 206.
ثانياً: ركن التعارض وشرطه:
ويثبت التعارض عند وجود ركنه وشرطه:
فركنه هو المماثلةُ والمساواةُ بين الدليلين في الثبوت والقوة؛ لاستوائهما في الطريق نحو النصّين من الكتاب والخبرين المتواترين ونحوهما.
وأمّا الشرطُ فهو المخالفةُ بين حكميهما إمّا من حيث تضاد الحكم كالحلّ والحرمة أو من حيث التنافي كالنفي والإثبات، لكن التضاد والتنافي لا يثبت إلا عند اتحاد المحلّ والزّمان والجهة (¬1)، وذلك لأن التضاد لا يقع في محلين لجواز اجتماعهما, مثل: النكاح يوجب الحلَّ في محلٍّ والحرمةَ في غيره، وكذلك في وقتين لجواز اجتماعهما في محلٍّ واحدٍ في وقتين، مثل: حرمةُ الخمر بعد حلِّها (¬2).
* ... * ... *
¬
(¬1) ينظر: الميزان 2: 963.
(¬2) أصول البزدوي3: 77.
المبحث الأول
التعارض والترجيح
المطلب الأول: حكم وقوع التّعارض:
أوّلاً: بين الآيتين المصيرُ إلى السنة: كقوله - جل جلاله -: {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} (¬1) يوجب بعمومهِ القراءة على المقتدي، وقوله - جل جلاله -: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ} (¬2) ينفي وجوبها؛ إذ كلاهما وَرَدَ في الصَّلاة كما بيَّنه الطحاوي - رضي الله عنه - في «الأحكام»، فصير إلى الحديث وهو ما رواه ابنُ منيع بسند «الصحيحين» عن جابر - رضي الله عنه - أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَن كان له إمامٌ
¬
(¬1) المزمل: 20.
(¬2) الأعراف: من الآية204.
فقراءةُ الإمام له قراءة» (¬1) ولا يعارضه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» (¬2)؛ لأنه محتملٌ لإرادة نفي الفضيلة.
ثانياً: بين السُّنتين المصيرُ إلى أَقوال علماءِ الصَّحابة - رضي الله عنهم -: أي قُدِّم على القياس مُطلقاً كما قال فخرُ الإسلام - رضي الله عنه -، وفيما لم يدرك بالقياس كما قال الكَرْخيّ - رضي الله عنه -.
ومنه إلى القياس وإن لم يقدم كما ذكره الكرخي - رضي الله عنه -، فهو في رتبةِ القياس، وهو ظاهر، فيتحرَّى فيهما، ومُثِّلَ لهذا بما روى النعمانُ بنُ بشير - رضي الله عنه -: (إنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صلَّى صلاة الكسوف كما تصلون بركعةٍ وسجدتين) (¬3)
¬
(¬1) في سنن ابن ماجة 1: 277، وسنن الدارقطني 1: 323، وسنن البيهقي الكبير 2: 160، وحلية الأولياء 7: 327، ومسند أبي حنيفة 1: 496، وفي المعجم الصغير 7: 308 عن أبي سعيد الخدري، وقال الإمام اللكنوي في التعليق الممجد 1: 194 بعد أن ذكر طرقه: «هذا خلاصة الكلام في طرق هذا الحديث وتلخص منه أن بعض طرقه صحيحة أو حسنة ليس فيه شيء يوجب القدح عند التحقيق، وبعضها صحيحةٌ مرسلةٌ وإن لم تصحّ مسندةً والمراسيل مقبولة، وبعضها ضعيفة ينجبر ضعفها بضم بعضها إلى بعض، وبه ظهر أن قول الحافظ ابن حجر في «تخريج أحاديث الرافعي» أن طرقه كلها معلولة ليس على ما ينبغي، وكذا قال البخاري في رسالة «القراءة خلف الإمام» أنه حديث لم يثبت عند أهل العلم من أهل الحجاز والعراق لإرساله وانقطاعه، أما إرساله فرواه عبد الله بن شداد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأما انقطاعه فرواه الحسن بن صالح عن جابر الجعفي عن أبي الزبير عن جابر - رضي الله عنه - ولا يدرى أسمع من أبي الزبير أم لا؟ انتهى. ولا يخلو عن خدشات واضحة».
(¬2) في صحيح البخاري 1: 263، وصحيح مسلم 1: 297، وغيرها.
(¬3) في صحيح البخاري 1: 353، وصحيح مسلم 2: 623، وغيرها عن أبي بكرة - رضي الله عنه - قال: (كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فانكسفت الشمس فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - يجر رداءه حتى دخل المسجد، فدخلنا فصلى بنا ركعتين حتى انجلت الشمس، فقال - صلى الله عليه وسلم -: إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد، فإذا رأيتموهما فصلوا وادعوا حتى يكشف ما بكم) وفي لفظ: (صلى في كسوف الشمس والقمر ركعتين مثل صلاتكم) في صحيح ابن حبان 7: 78، وسنن البيهقي الكبير 3: 337، وسنن النسائي الكبرى 1: 578، والمجتبى 3: 146، وغيرها.
مع ما روت عائشة رضي الله عنها: (إنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صلاها ركعتين بأَربع ركوعات وأربع سجدات) (¬1) فصير إلى القياس، وهو اعتبار صلاة الكسوف بسائر الصلوات.
ثالثاً: حكم التعارض إذا وقع بين قياسين أنه إن أَمكن ترجيح أحدهما عُمِل به، وإن لم يمكن ترجيح أحدهما على الآخر فيعمل المجتهدُ بأيِّهما شاء بشهادةِ قلبه؛ لأنّ أَحَدَ القياسين حَقّ، ولا يتساقطان؛ لأنه لم يبق بعدهما دليلٌ يُصار إليه.
وعند العجز عن المصير إلى دليل يجب تقرير الأصول، وهو إبقاء ما كان على ما كان.
¬
(¬1) في صحيح البخاري 1: 356، وصحيح مسلم 2: 620، وغيرها بلفظ: عن عائشة رضي الله عنها: (إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم خسفت الشمس قام فكبر فقرأ قراءة طويلة ثم ركع ركوعاً طويلاً، ثمّ رفع رأسه، فقال: سمع الله لمن حمده وقام كما هو ثمّ قرأ قراءة طويلة وهي أدنى من القراءة الأولى، ثم ركع ركوعاً طويلاً، وهي أدنى من الركعة الأولى، ثم سجد سجوداً طويلاً، ثم فعل في الركعة الآخرة مثل ذلك ثم سلم، وقد تجلت الشمس فخطب الناس، فقال في كسوف الشمس والقمر: إنهما آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة).
هذا بيانُ المعارضة الحقيقيّة التي حكمها التّساقط فالآن أوان الشروع في بيان معارضة صورية حكمها الترجيح أو التوفيق:
المطلب الثاني: وجوهٌ التخلص من المعارضة:
1.بيانُ عدم وجودِ ركن المعارضة أو شرطها لعدم معادلة المعارض، كما في الظاهر والنصّ على ما تقدَّم، كما لو عارض حديث «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» (¬1) بحديثِ القضاء بشاهد ويمين (¬2) فنقول: هذا حديث صحيح مشهور، فلا يعادله هذا؛ لأنه خبر واحد، أو لم يستكمل شروط الصحّة.
2.اختلاف الحكم بأن يكون أحدُهما حكم الدنيا والآخرُ حكم الآخرة، كآيتي اليمين فالتي في سورة البقرة على حكم الآخرة قال - جل جلاله -: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} (¬3)، والتي في المائدة على حكم الدنيا {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ
¬
(¬1) فعن ابن عباس - رضي الله عنهم - في السنن الكبير 1: 252، قال النَّووي: حديث حسن، وفي صحيح البخاري 4: 1656، وصحيح مسلم 3: 1336 بلفظ: «واليمين على المُدَّعَى عليه»، ينظر: تلخيص الحبير 4: 208، وكشف الخفاء 1: 342.
(¬2) سنن التِّرمذي3: 627، وحسنّه، وجعله الكتاني في النَّظم المتناثر ص168 من المتواتر.
(¬3) [البقرة:225].
بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ... } (¬1)، فلا كفارة في الغموس؛ لأنها غير منعقدة.
3.اختلاف الحال بحمل أَحدِهما على حال والآخر على أُخرى: كقراءة التخفيفِ والتّشديدِ في قوله - جل جلاله -: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} (¬2) بحمل التخفيف على الانقطاع لأكثر الحيض، والتشديد على ما دون ذلك.
4.اختلاف الزّمان، وله وجهان:
أ. صريحاً: كآيتي العدّة قوله - عز وجل -: {وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} (¬3) نزلت بعد قوله - جل جلاله -: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} (¬4) قال ابنُ مسعود - رضي الله عنه -: «من شاء لاعنته نزلت سورة النساء القصرى بعد {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً}» (¬5). وفي البخاري (¬6) بدون «لاعنته».
¬
(¬1) [المائدة:89].
(¬2) البقرة: 222.
(¬3) الطلاق: 4.
(¬4) البقرة: 234.
(¬5) في سنن أبي داود 1: 704، وسنن النسائي 6: 196، وسنن ابن ماجة 1: 954، وغيرها.
(¬6) في أي صحيحه 4: 1864.
ب. دلالة: كما في تعارض الحاظر والمبيح، نحو ما روي «أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن أكل الضب» (¬1)، وروي «أنه - صلى الله عليه وسلم - أَقرّ على أكله» (¬2)، فيجعل الحاظر متأخراً تقليلاً لتغيير الأمر الأصلي.
ولا ترجيح بكثرةِ الرواةِ ولا بالذكورةِ ولا بالحرية، فإن عائشة رضي الله عنها أفضل من أكثر الرجال وبلالاً كان أفضل من أكثر الأحرار، والجماعةُ القليلة العادلة أَفضل من الكثيرةِ العاصية، وبذلك لا يترجَّح عددٌ على عددٍ بعد أن كان في درجةٍ الآحاد، وفائدة هذا القيد أن الخبر إذا وَصَلَ درجةَ التواتر فله ترجيحٌ على غيره.
واختلف في تعارض المثبت والنافي، فعند الكرخيّ - رضي الله عنه - يُقَدَّمُ المثبت، وعند عيسى بن أبان - رضي الله عنه - يتعارضان إن كان النَّافي اعتمد دليلاً، وإن كان بني على الظَّاهر فالمثبت مُقَدَّم.
¬
(¬1) أخرجه أحمد والبزار وأبو يعلى والطبراني بإسناد رجاله ثقات عن عبد الرحمن بن حسنة - رضي الله عنه -: «كنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فأسفر فنزلنا منزلاً أرضا كثيرة الضباب فأصبنا ضبا وذبحنا فبينما القدر يغلي إذ خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن أمة من بني إسرائيل فقدت وإني أخاف أن تكون هي فاكفؤوها فكفأناها» في مسند أحمد 4: 196، وقال الشيخ شعيب: إسناده صحيح. وفي صحيح ابن حبان 12: 73، وفيه لفظ: (وإنا جياع)، وفي مسند أبي يعلى 2: 231، وشرح معاني الآثار 4: 197، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد4: 50: ورجال الجميع رجال الصحيح.
(¬2) في صحيح البخاري 5: 2060، وصحيح مسلم 3: 1543 بلفظ: قال خالد بن الوليد - رضي الله عنه -: «أحرام الضب؟ يا رسول الله قال: لا ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه. قال خالد: فاجتررته فأكلته ورسول الله ينظر فلم ينهني».
المطلب الثالث: التعارضُ بين قياسين:
1.الترجيحُ بقوّةِ أَثَر الوَصْف: كالاستحسان في معارضةِ القياس.
2. الترجيح بقُوّة ثبات الوصفِ على الحكم الذي يَشْهَد الوصف بثبوته، كقولنا في صوم رمضان: إنّه متعيِّنٌ فلا يجب تعيينه، أَولى من قول غيرنا: إنه صومُ فرض فيجب تعيينه، فوصف الفرضيّة قاصرٌ على الصوم، ووصف التعيين مؤثِّر في عدم وجوبِ التعيين على الإطلاق، فيكون أثبت.
3.الترجيحُ بكثرةِ أُصول الوصف: كقولنا: في مسح الرّأس فلا يُسَنُّ تكرارُه كمسح الخُفّ والتيمم ومسح الجبيرة، وهذا أَولى من قولهم: إنه ركن فيُسَنُّ تكرارُه كالغَسل.
4.الترجيحُ بعدم الحكم عند عدم الوصف، ووجوده عند وجوده، كما قلنا في المثال السابق.
5.إذا تعارض ضربا ترجيح، فالرجحانُ بما هو في الذّات أَولى بالاعتبار من الرُّجحان بما هو في الحال: كابن ابن ابن أخ وبنت بنت بنت أخ، الأول راجح بالذات وهو الذكورة من الآخر بالحال وهو القرب من الميت.
وإذا كان في أحدِ الخبرين زيادةٌ لم تكن في الآخر، والرّاوي واحدٌ، يؤخذ بالمثبت للزيادة مثل ما روى ابنُ مسعود - رضي الله عنه -: «إذا اختلف
المتبايعان والسلعةُ قائمةٌ تحالفا وترادّا» (¬1)، وفي روايةٍ لم يذكر «والسلعةُ قائمةٌ» (¬2) فأَخَذَ بالمثبتِ للزيادة فلا يجري التحالف إلا عند قيام السلعة.
وإذا اختلف الراوي جُعِل الخبر كالخبرين وعُمِل بهما؛ لأنّ الظَّاهرَ أَنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قاله في وقتين، فيَجب العملُ بهما بحسبِ الإمكان عَمَلاً بأنّ المطلقَ لا يُحْمَلُ على المقيَّدِ في حكمين.
وَمثَّلَ له بما رُوي «أنّه - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بيع الطعام قبل قبضه» (¬3) رواه ابنُ عباس - رضي الله عنه -، ورُوي «أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع ما لم يقبض» (¬4). فقلنا: لا يجوز بيع الطعام قبل القبض، ولا بيع سائر العروض قبل القبض.
* ... * ... *
¬
(¬1) فعن عبد الله - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (البيعان إذا اختلفا والمبيع قائم بعينه وليس بينهما بينة فالقول ما قال البائع أو يترادان البيع) في سنن الدارمي 2: 325، وسنن الدارقطني 3: 20، والمعجم الكبير 10: 174، وسنن البيهقي الكبير 5: 333، ومسند أبي حنيفة 1: 590، وغيرها.
(¬2) في سنن أبي داود 3: 307، وسنن الترمذي 3: 570، وسنن النسائي 7: 302، وغيرها.
(¬3) في صحيح البخاري2: 751: بلفظ: ((أمّا الذي نهى عنه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فهو الطعام أن يُباع حتى يقبض)
(¬4) في المعجم الأوسط 2: 154، وفي موطأ محمد 3: 163: بلفظ: (أن حكيم بن حزم ابتاع عاما أمر به عمر بن الخطاب للناس فباع حكيم الطعام قبل أن يستوفيه فسمع بذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه فرد عليه وقال: لا تبع طعاما ابتعته حتى تستوفيه)).
المبحث الثاني
المعارضة بين الأدلة
إن معارضة الآحاد لما هو أَقوى من حيث قوة النقل يندرج تحتها معارضته للقرآن والحديث المتواتر والحديث المشهور، ولا ريب أنها مقدمة عليه؛ لوقوع الخلل لمخالفته لدليل فوقه بالعَرْض عليه، وقد بحثت كلٌّ من المتواتر والمشهور في بحثين مستقلين لتشعب الكلام فيهما وكثرة أفرادهما، وأقتصر هاهنا على بحث معارضته للقرآن، فأذكر دليل ترك الآحاد إن خالف القرآن وأمثلة تطبيقية على ذلك في نقطتين:
أولاً: حجة تقديم القرآن عند معارضته للآحاد:
1.من القرآن: قوله - جل جلاله -: {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} [الأعراف:3]، قال الجصاصُ (¬1): «دليلٌ على وجوب اتباع القرآن في كلِّ حال، وأنه غيرُ جائز الاعتراض على حكمِه بأخبار الآحاد؛ لأنّ الأمرَ باتباعه قد ثبت بنصِّ التنزيل، وقبول خبر الواحد غير ثابت بنصِّ
¬
(¬1) في أحكام القرآن1: 45.
التنزيل، فغير جائز تركه؛ لأنّ لزوم اتباع القرآن قد ثبت من طريق يوجب العلم، وخبر الواحد يوجب العمل فلا يجوز تركه ولا الاعتراض به عليه.
وهذا يدلُّ على صحّةِ قول أصحابنا في أَنّ قولَ مَن خالف القرآن في أَخبار الآحاد غيرُ مقبول؛ وقد رُوِي عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (ما جاءكم مني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فهو عنِّي، وما خالف كتاب الله فليس عنّي) (¬1)، فهذا عندنا فيما كان وروده من طريقِ الآحاد، فأَمّا ما ثَبَتَ من طريقِ التواتر فجائزٌ تخصيص القرآن به، وكذلك نسخُه لقوله: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر:7]، فما تيقنا أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قاله فإنّه في إيجاب الحكم بمنزلة القرآن، فجائز تخصيص بعضه ببعض، وكذلك نسخه».
2.من الحديث: أحاديث ترك الحديث المخالف للقرآن:
أ. عن أبي جعفرَ - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ الحديث سيفشو عنّي، فما أتاكم
¬
(¬1) بلفظ قريب في مسند الروياني ر1319، والمعجم الكبير12: 317، و قال السخاوي في المقاصد الحسنة 1: 20: «وقد سئل شيخنا ـ يعني الحافظ ابن حجر ـ عن هذا الحديث فقال: إنه جاء من طرق لا تخلو عن مقال، وقد جمع طرقه البيهقي في كتاب المدخل انتهى»، وينظر: كشف الخفاء ر220، مجمع الزوائد ر787.
عنّي يوافقُ القرآن، فهو عنّي، وما أتاكم عنّي يخالف القرآن فليس عنّي» (¬1).
ب. عن عليّ - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنّها تكون بعدي رواة يرون عنّي الحديث، فاعرضوا حديثهم على القرآن، فما وافقَ القرآن فحدّثوا به، وما لم يوافق القرآن فلا تأخذوا به» (¬2).
د. عن أبي هريرةَ - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «سيأتيكم عنّي أحاديثُ مختلفة، فما أتاكم موافقاً لكتابِ الله وسنّتي فهو منّي، وما أتاكم مخالفاً لكتاب الله وسنّتي فليس منّي» (¬3).
هـ. عن ثوبان - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «اعرضوا حديثي على كتابِ الله، فما وافقه فهو منّي وأنا قلته» (¬4).
س ـ عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنّه ستفشو عنّي أحاديث فما أتاكم من حديثي فاقرؤوا كتاب الله واعتبروه، فما وافقَ كتاب الله فأنا قلته، وما لم يوافق كتاب الله فلم أقله» (¬5).
¬
(¬1) في معرفة السنن1: 9، وضعَّفه البيهقي.
(¬2) في سنن الدارقطني4: 208، وقال: صوابه أنه مرسل.
(¬3) في سنن الدارقطني4: 209.
(¬4) في معرفة السنن ر8، ورواه الطبرانيّ، وفيه يزيد بن ربيعة متروك، كما في تخريج أحاديث البردوي ص175.
(¬5) رواه الطبرانيّ، وفيه أبو خلف منكر، ينظر: تخريج أحاديث البزدوي ص175.
قال أبو سعيد الخادمي (¬1): «إن مثلَها محمول على حديث لم يكن ثابتاً بطريق صحيح، قال علي القاري في «موضوعاته»: من الأمور الكلية التي نعرف بها كون الحديث موضوعاً مخالفتُه لصريح القرآن؛ ولهذا كان في مذهب أبي حنيفة أنّ المتشابه لا يثبت بخبر الواحد، ويُمكن أن يُحمل ذلك على كونِ القرآنِ قطعياً كالخاصِّ والعامِّ الذي لم يُخصّ والحديث ظنيّاً ثبوتاً كخبر الواحد أو دلالة كالأقسام الأربعة باعتبار الخفاء المذكورة في الأصولية ونحوها».
وقال الشافعيُّ: «ليس يُخالف الحديث القرآن، ولكن حديثُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُبيِّنُ معنى ما أراد خاصّاً وعامّاً وناسخاً ومَنسوخاً، ثمّ يلزم الناس ما سنّ بفرض الله، فمَن قبل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعن الله قَبِل» (¬2).
ثانياً: أمثلة تطبيقية لمعارضة الآحاد القرآن:
إن مخالفة ظاهر القرآن أو عمومه، بأن يكون خبرُ الواحد مُخالفاً لعموم الكتاب أو ظاهره سبب للاعتذار عن العمل به؛ لأنّ السادةَ الحنفية لا يرون تخصيص عموم القرآن أو نسخه بالآحاد؛ لأنّ عمومات الكتاب وظواهرها لَمّا أَفادت اليقين قُدِّمت على الظني المستفاد من
¬
(¬1) في بريقة محمودية1: 179.
(¬2) ينظر: معرفة السنن1: 9.
الآحاد، فصارت كالنصوص الخاصّة، والخصوصات لا يجوز تخصيصها ومعارضتها بغيرها؛ لأن فيه ترك العمل بالأقوى من الدليل بما هو أضعف منه، وذلك لا يجوز (¬1)، ومن أمثلته:
1.حديث الآحاد في عدمِ صحّةِ الصلاةِ لمَن لم يقرأ الفاتحة: (لا صلاة لمَن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) (¬2)، خالف عمومَ قوله - جل جلاله -: {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} (¬3)، فقُدِّمَ القرآن، وكان حكم الفاتحة الوجوب لا الفرضية، وإنّما فرض القراءة قراءة آية من القرآن، قال الجصاص (¬4): «وذلك نسخ، وغيرُ جائز نسخ القرآن بأَخبار الآحاد».
ويستدلُّ لهم أيضاً بعدم اعتبار الفاتحة رُكناً بحديث: (مَن صَلَّى صلاةً لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فهي خداجٌ يقولها ثلاثاً) (¬5): أي ناقصة، فالحديث يدل على نقصان الصلاة بدون قراءة الفاتحة لا على بطلانها من
¬
(¬1) ينظر: عقود الجمان ص397.
(¬2) في صحيح البخاري 1: 263، وغيره، وهذا الحديث محمول على نفي الفضيلة نحو قوله: (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) في المستدرك 1: 373، وسنن البيهقي الكبير 3: 57، ومصنف ابن أبي شيبة 1: 303، ومصنف عبد الرزاق 1: 497، وشرح معاني الآثار 1: 394، وصححه ابن حزم، ينظر: فتح باب العناية1: 231، وغيرها.
(¬3) المزمل: من الآية20.
(¬4) في أحكام القرآن1: 31.
(¬5) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعاً في صحيح مسلم 1: 295.
أصلها، فهو نص على نفي الكمال، فلا دلالة فيه على عدم الجواز بدون الفاتحة، بل على النقص، وهو ما يقول به الحنفية (¬1).
2.حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها، قالت: (إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، فردّ عمر - رضي الله عنه -: لا نترك كتاب الله وسنّة نبينا - صلى الله عليه وسلم - لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت لها السكنى والنفقة، قال الله - جل جلاله -: {لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} (¬2)) (¬3)، فلَمّا خالف قول فاطمة رضي الله عنها القرآن تركه عمر - رضي الله عنه -، ومن ثَمّ لم يعمل به السادةُ الحنفيةُ فأوجبوا النفقة والسكنى للمرأة في عدّتها ولم يجوزوا الخروج لها إلا لحاجة عملاً بعموم القرآن.
3.حديث الآحاد في سقوط ذكاة الجنين عند تذكية أُمّه: (ذكاةُ الجنين ذكاةُ أمّه) (¬4) خالف قوله - جل جلاله -: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} [المائدة:3]، فلم يحل عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - الجنين إلا إذا ذُكي الذكاةَ الشرعية المعروفة، ويؤيدهم ذكاة الجنين في الحديث مبتدأ وذكاة أمه خبره، لكن فيه حذف مضاف وهو
¬
(¬1) ينظر: المشكاة ص178.
(¬2) الطلاق: من الآية1.
(¬3) في صحيح مسلم 2: 1118، وصحيح ابن حبان 10: 63، وجامع الترمذي 3: 484.
(¬4) في سنن أبي داود 2: 114، وسنن الترمذي 4: 72، وصححه.
مثل كأنه قال: ذكاة الجنين مثل ذكاة أمه كما تقول: زيد البدر وعمرو الشمس (¬1).
4.حديث الآحاد في سنية الأضحية: (ثلاث هُنَّ عليَّ فرائض وهُنَّ لكم تطوُّع: الوتر والنحر وصلاة الضحى) (¬2) خالف قوله - جل جلاله -: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر} [الكوثر:2]: أي صل صلاة العيد وانحر البدن بعدها، ومطلق الأمر للوجوب في حَقّ العمل، ومتى وَجَبَ على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يجب على الأمة؛ لأنه قدوةٌ للأمة (¬3)، فكانت مفيدة للوجوب.
ويؤيده عن زيدِ بن أرقم - رضي الله عنه -، قال: (قلنا: يا رسول الله ما هذه الأضاحي؟ قال: سنةُ أَبيكم إبراهيم - عليه السلام -، قال: قلنا: فما لنا منها؟ قال: بكلِّ شعرةٍ حسنة ... ) (¬4).
¬
(¬1) ينظر: اللباب في الجمع بين السنة والكتاب: 2: 624، وقال في النهاية2: 411: ويُرْوَى «هذا الحديث بالرفعِ والنصبِ فمن رَفَعَه جَعَلَه خَبَرَ المبتدأ الذي هو ذكاةُ الجَنينِ فتكونُ ذكاةُ الأمِّ هي ذكاةُ الجَنين فلا يحتاجُ إلى ذبْحٍ مُسْتَأنَفٍ، ومن نَصَبَ كان التقديرُ ذكاةُ الجنين كذكاةِ أُمِّه فلما حُذِفَ الجارُّ نُصِبَ أو على تقدير يُذَكَّى تَذْكِيَةً مِثل ذكاةِ أمه فحذَفَ المصدر وصفَتَه وأقامَ المضاف إليه مُقامه فلا بُدَّ عنده من ذبْح الجَنين إذا خَرج حيًّاً».
(¬2) فعن ابن عبّاس - رضي الله عنهم - في مسند أحمد1: 231، وضعفه الأرنؤوط، والمستدرك1: 441، وسنن الدارقطني2: 21.
(¬3) ينظر: البدائع5: 62.
(¬4) في المستدرك2: 422، وصحَّحه، وسنن البيهقي الكبير9: 261، وسنن ابن ماجة2: 1045.
وعن أَنس - رضي الله عنه -: (إنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - خطب فأَمَرَ مَن كان ذبح قبل الصلاة أن يعيدَ ذبحَه) (¬1)، وأمره - صلى الله عليه وسلم - بذبح الأضحية وإعادتها إذا ذبحت قبل الصلاة دليلُ الوجوب؛ ولأنّ إراقةَ الدم قربةٌ والوجوب هو القربة في القربات (¬2).
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن كان له مال فلم يضحِّ فلا يقربن مصلانا، وقال مَرَّة: مَن وَجَدَ سعةً فلم يذبح فلا يَقْرَبنّ مُصلاّنا) (¬3)، وهذا خَرَجَ مخرجَ الوعيد على تركِ الأضحية, ولا وعيد إلا بتركِ الواجب (¬4).
5.حديث الآحاد: (الحرم لا يعيذ عاصياً ولا فاراً بدم) (¬5) يُخالف عموم قوله - عز وجل -: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران:97]: أي مباح الدم بردة أو زنا أو قطع طريق أو قصاص إذا التجأ إلى الحرم لا يقتل فيه، ولا يؤذى ليخرج، ولكن لا يُطعم ولا يُسقى ولا يُجالس ولا يبايع حتى يضطر إلى
¬
(¬1) في صحيح مسلم 3: 1555، وصحيح البُخاري1: 325.
(¬2) بدائع الصنائع5: 62.
(¬3) في المستدرك 4: 258، وقال: صحيح الإسناد، وسنن الدارقطني4: 285، وسنن ابن ماجة2: 1044، ومسند أحمد2: 321.
(¬4) ينظر: البدائع5: 62.
(¬5) في صحيح مسلم2: 988.
الخروج فيقتل خارج الحرم لعموم القرآن (¬1).
6.حديث الآحاد في التسمية في الوضوء: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله - جل جلاله - عليه) (¬2) يخالف ظاهر قوله تعالى: {فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ} [المائدة:6]، فلا يترك العمل بالكتاب بهذا (¬3)، قال الجصاص (¬4): «إن أخبار الآحاد غير مقبولة فيما عمت البلوى به، وإن صحّ احتمل أنه يريد به نفي الكمال لا نفي الأصل ... ».
7.حديث الآحاد في خمس رضعات عن عائشة رضي الله عنها: (كان فيما أنزلَ من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثمّ نسخن بخمس رضعاتٍ معلومات يحرمن، فتوفى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وهنّ فيما يقرأ في القرآن) (¬5) خالف عموم قوله - جل جلاله -: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ}؛ لأنّه مهما قلَّ فقد نشأ منه جزءٌ مناسبٌ، ولكن لَمّا كان النمو بالرَّضاع أَمراً غيرَ ظاهر أُسند الحكم بالتحريم إلى سببه، وهو الرّضاع.
¬
(¬1) ينظر: كشف الأسرار في شرح اصول البزدوي: 295.
(¬2) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - في المستدرك 1: 246، وصححه، وسنن الترمذي1: 38، وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) في سنن الدارمي 1: 187، ومسند عبد بن حميد 1: 285، وغيرها، والمراد نفي الفضيلة والكمال، كما في منحة السلوك 1: 84.
(¬3) ينظر: عقود الجمان ص397.
(¬4) في أحكام القرآن2: 504.
(¬5) في صحيح مسلم2: 1075، وسنن أبي داود1: 629.
ويشهد له ظاهر حديث: (يحرمُ من الرضاع ما يحرمُ من النّسب) (¬1)، قال الجصاص (¬2): «ولا يجوز قبول أخبار الآحاد عندنا في تخصيص حكم الآية الموجبة للتحريم بقليل الرضاع؛ لأنها آية محكمةٌ ظاهرةُ المعنى بينةُ المراد لم يثبت خصوصها بالاتفاق، وما كان هذا وصفه فغير جائز تخصيصه بخبر الواحد ولا بالقياس».
8.حديث حذيفة - رضي الله عنه - قال: (تسحرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان نهاراً إلا أن الشمس لم تطلع) (¬3) , فإنه لا يثبت ذلك عن حذيفة - رضي الله عنه -، وهو مع ذلك من أخبار الآحاد, فلا يجوز الاعتراض به على القرآن, قال - جل جلاله -: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة:187]، فأوجب الصوم والإمساك عن الأكل والشرب بظهور الخيط الذي هو بياض الفجر (¬4).
9.حديث الآحاد يما يتعلّق بالسجود: (أُمرت أن أسجد على سبعةِ أعظمٍ على الجبهة، وأشار بيده على كلاهما، واليدين، والرُّكبتين، وأطراف القدمين) (¬5) مخالف لقوله - جل جلاله -: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج:77]،
¬
(¬1) في صحيح البخاري 2: 935، وصحيح مسلم2: 1072.
(¬2) في أحكام القرآن2: 178.
(¬3) في سنن النسائي الكبرى2: 77، والمجتبى4: 142، وسنن ابن ماجة1: 541، ومسند أحمد5: 400.
(¬4) ينظر: أحكام القرآن1: 316.
(¬5) فعن ابن عباس - رضي الله عنهم - في صحيح البخاري1: 280، وصحيح مسلم1: 354.
فالآيةُ مقتصرة على ما يتمّ به السجود وهو الجبهة، وبها يتحقق السجود، والزيادة عليها بحديث آحاد لا يجوز.
10. حديث المصراة: (لا تصروا الإبل والغنم فمَن ابتاعها بعد فإنّه بخير النظرين بعد أن يحتلبَها إن شاء أَمْسَكَ وإن شاء رَدَّها وصاع تمر) (¬1) عارض قوله - جل جلاله -: {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُم} (¬2).
* ... * ... *
¬
(¬1) في صحيح البخاري 2: 755.
(¬2) البقرة: 194.
المبحث الثالث
مخالفة الرواية
المطلب الأول: إنكار راوي الحديث الروايةَ:
فإن كان إنكار جاحد، بأن يقول: كذب عليَّ، أو ما رويت هذا، فإنّه يسقط العمل بالحديث اتفاقاً، وإن كان إنكارَ مُتوقِّف بأن قال: لا أذكر أنّي رويت لك هذا الحديث، أو لا أعرفه، ففيه خلافٌ: فعند الكرخيّ وجماعة وهو مختارُ أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنهم -: يسقط العمل به، وقال محمد - رضي الله عنه -: لا يسقط (¬1).
ولعلَّ قريب من هذا ما اشتهر عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - من دوام حفظ الراوي للحديث، فإنه يشترط استدامة الحفظ من آن التحمّل إلى آن الأداء، وعدم الاعتداد بالحفظ إذا لم يكن الرّاوي ذاكراً لمرويه (¬2)؛ إذ أنّه قال: ((لا ينبغي للرَّجل أن يُحَدِّثَ من الحديث إلا بما حفظه من يوم سمعه
¬
(¬1) ينظر: كشف الأسرار شرح أصول البزدوي3: 61.
(¬2) ينظر: مقدمة نصب الراية ص299 عن الإِلماع للقاضي عياض، وغيره.
إلى يوم يحدِّث به)) (¬1)، قال العلامة محمد عوامة (¬2): «وهذا شرطٌ شديد حَمَله عليه ما شَهِده من اضطراب الرواة وتصرّفهم، وبحكم هذا الشرط سيختلف مع غيره في تضعيف بعض الأحاديث وتصحيح غيره لها».
ومثاله الحديث الذي أَنكره المروي عنه حديث ربيعة بن عبد الرحمن عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (قضى بشاهد ويمين) (¬3)، فإن عبدَ العزيز بن محمد الدراوردي قال: لقيت سهيلاً فسألته عن رواية ربيعة عنه هذا الحديث فلم يعرفه، وكان يقول بعد ذلك حدثني ربيعة عنّي (¬4) , فأَصحابُنا لم يقبلوا هذا الحديث لانقطاعه بإنكار (¬5).
المطلب الثاني: العملُ بخلاف المرويّ يسقط اعتباره:
بأن عمل الرّاوي بعدما روى حديثاً بخلاف ما رواه؛ لأنّ الراوي إذا عمل بخلاف ما روى فالعبرة عند الحنفية بما رأى لا بما روى؛ لأنّ
¬
(¬1) ينظر: مكانة الإمام أبي حنيفة في الحديث ص73، وغيره.
(¬2) في أثر الحديث الشريف ص24.
(¬3) في سنن الترمذي 3: 627، وحسنه.
(¬4) ينظر: سنن أبي داود2: 333، وسنن البيهقي الكبير10: 169، وعلل الدارقطني10: 139، وتاريخ ابن أبي خثمة4: 285، وشرح معاني الآثار4: 145.
(¬5) ينظر: كشف الأسرار للبخاري3: 61.
الراوي العدل المؤتمن إذا رَوَى حديثاً عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعمل بخلافه دلّ ذلك على شيءٍ ثبت عنده من نسخٍ أو مُعارضةٍ أو تخصيصٍ أو لكونِهِ غيرِ ثابت أو غير ذلك من الأسباب (¬1)، وهذا مما خالف فيه الراوي مرويه بيقين، فإنه يسقط العمل به، لا أن يكون الحديث محتملاً لمعنيين فيعمل الراوي بأحدهما كما سيأتي؛ وإن خالف لقلّة المبالاة به أو لغفلتِه فقد سقطت عدالته، وهذا بعيدٌ عن حالِ الصحابيّ، ومن أَمثلته:
1.حديث السيدة عائشة رضي الله عنها: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل) (¬2)، فأفاد أنّه لا تصحّ عبارة المرأة في النكاح، لكنّ عائشة رضي الله عنها عملت بخلافه في تزويجها لبنت أَخيها، فعن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه: «إن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - زوّجت حفصة بنت عبد الرحمن المنذر بن الزبير وعبد الرحمن غائب بالشام فلما قدم عبد الرحمن قال: ومثلي يصنع هذا به، ومثلي يُفتات عليه، فكلمت عائشة المنذر بن الزبير، فقال المنذر: فإنّ ذلك بيدِ عبد الرَّحمن، فقال عبد الرحمن: ما كنت لأرد أمراً قضيته، فقرت حفصة ثم المنذر، ولم يكن ذلك طلاقاً» (¬3).
¬
(¬1) ينظر: عقود الجمان ص399.
(¬2) في سنن أبي داود 1: 634، وسنن الترمذي 3: 407، وحسنه.
(¬3) في الموطأ 2: 555، وشرح معاني الآثار 3: 8، قال ابن حجر في الدراية 2: 60: إسناده صحيح.
فعلم منه سقوط الاحتجاج بظاهر الحديث، وأنه محمول على نفي الكمال؛ لئلا تنسب إلى الوقاحة (¬1).
ويشهد لهذا: ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: (الأيم أحقّ بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها) (¬2).
وعن أبي سلمة - رضي الله عنه - جاءت امرأة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: (إن أبي أنكحني رجلاً وأنا كارهة، فقال لأبيها: لا نكح لك، اذهبي فانكحي مَن شئت) (¬3).
وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: (كان في حجري جارية من الأنصار فزوجتها ... ) (¬4).
2.حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا شرب الكلب من إناء أحدكم فليغسله سبعاً) (¬5)، فأفاد لزوم غسل الإناء من شرب الكلب سبع مرات، لكن رواي الحديث خالف مرويه، فقد غسل أبو هريرة - رضي الله عنه - «ثلاثاً مرّات»، فثبت بذلك نسخ السبع؛ لأنا نحسن الظن به، فلا نتوهم عليه أن يترك ما سمعه إلاّ على مثله.
¬
(¬1) ينظر: إعلاء السنن11: 82.
(¬2) في صحيح مسلم 1037، ومسند أبي عوانة 3: 76، وسنن الدارمي 2: 186.
(¬3) قال ابن حجر في الدراية 2: 59: «أخرجه سعيد بن منصور، وهذا مرسل جيد».
(¬4) في صحيح ابن حبان 13: 185، والمعجم الصغير 5: 352.
(¬5) في صحيح مسلم 1: 234، وصحيح البخاري 1: 75، وغيرهما.
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - موقوفاً: «إذا ولغ الكلب في الإناء فأهرقه ثم اغسله ثلاث مرّات» (¬1).
ويؤيده أيضاً ما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «في الكلب يلغ في الإناء أنه يغسله ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً» (¬2).
3. حديث ابن عباس - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (من بدل دينه فاقتلوه) (¬3)، فإنه مُختصٌّ بالرّجال؛ لأنّ راويه ابن عَبَّاس - رضي الله عنهم - قد أَفتى بخلافه، فقال: «لا يقتلن النساء إذا هنّ ارتددن عن الإسلام ولكن يحبسن ويدعين إلى الإسلام فيجبرن عليه» (¬4)، والراوي إذا أَفْتَى بخلاف الرواية يدلّ على الاختصاص ابتداء أو على انتساخه (¬5).
4.حديث ابن عباس - رضي الله عنه -: (إن امرأة أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، فقال: أرأيت لو كان عليها دين أكنت تقضينه، قالت: نعم، قال: فدينُ الله أَحقُّ بالقضاء) (¬6)، فقد خالفه ابن
¬
(¬1) في سنن الدارقطني1: 66، وصحّحه العيني في عمدة القاري 3: 40: «وقال الشيخ تقي الدين في الإمام: هذا إسناد صحيح».
(¬2) في سنن الدارقطني1: 65.
(¬3) في صحيح البخاري 6: 2524، والموطأ 3: 324.
(¬4) في مصنف ابن أبي شيبة5: 564.
(¬5) ينظر: خلاصة الدلائل على القدوري ص1180.
(¬6) في صحيح مسلم 2: 802.
عباس - رضي الله عنهم - فأفتى: «لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد» (¬1)، وقال أيضاً: «لا يصوم أحد عن أحد ويطعم عنه» (¬2).
وفتوى الراوي على خلاف مرويه بمنزلة روايته للناسخ، ونسخ الحكم يدل على إخراج علته عن الاعتبار؛ ولذا صرّحوا بأن من شرط القياس أن لا يكون حكم الأصل منسوخاً؛ لأن التعدية بالجامع, ونسخ الحكم يستلزم إبطال اعتباره؛ إذ لو كان معتبراً لاستمر ترتيب الحكم على وفقه، ولذلك فهو منسوخ أيضاً للاتفاق على صرفه عن ظاهره في حق الصّلاة، فإنه لا يصحّ صلاة أحد عن أحد.
5. حديث عائشة رضي الله عنها قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن مات وعليه صيام صام عنه وليه) (¬3) فقد خالفت رضي الله عنها ما روت وأفتت بعدم إجزاء الصوم، فعن عمرة بنت عبد الرحمن قلت لعائشة رضي الله عنها: «إنَّ أُمي توفيت وعليها صيام رمضان أيصلح أن أقضي عنها؟ فقالت: لا؛ ولكن تصدقي عنها مكان كلّ يوم على مسكين خيرٌ من صيامك» (¬4)، فدلّ هذا على نسخه لا سيما، وقد رُوي عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه «كان إذا سئل عن الرجل يموت وعليه صوم من رمضان أو نذر يقول: لا يصوم
¬
(¬1) في سنن النسائي 2: 175، وإسناده صحيح كما في إعلاء السنن9: 155.
(¬2) في سنن البيهقي الكبير 4: 256.
(¬3) في صحيح البخاري 2: 690.
(¬4) رواه الطحاوي وسنده صحيح كما في إعلاء السنن 9: 155 عن الجوهر النقي 1: 210.
أحد عن أحد، ولكن تصدقوا عنه من ماله للصوم لكلّ يوم مسكيناً» (¬1)، وذكر مالك - رضي الله عنه - بلاغاً: «ولم أسمع عن أحد من الصحابة - رضي الله عنهم - ولا من التابعين - رضي الله عنهم - ولا بالمدينة أنّ أحداً منهم أَمر أحداً أن يصومَ عن أحدٍ ولا يُصلي عن أحد» (¬2)، قال ابنُ الهُمام (¬3): «وهذا مما يؤيد النسخ, وأنه الأمر الذي استقرَّ الشرع عليه آخراً».
6. حديث ابن عمر - رضي الله عنهم -: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، ثم كبر وهما كذلك فيركع، ثم إذا أراد أن يرفع صلبه رفعهما حتى تكونا حذو منكبيه، ثم قال: سمع الله لمن حمده ولا يرفع يديه في السجود ويرفعهما في كل تكبيرة يكبرها قبل الركوع حتى تنقضي صلاته) (¬4)، فإن ابن عمر - رضي الله عنهم - امتنع عن العملِ بالحديث، قال مُجاهد: (ما رأيت ابن عمر - رضي الله عنهم - يرفع يديه إلا في أَوّل ما يفتتح الصّلاة) (¬5)، وهذا يخرج الحديثَ عن الحجيّة؛ لأنّ تركَ العمل بالحديث حرام، فدلّ على نسخِه.
¬
(¬1) في سنن البيهقي الكبير 4: 256،ومصنف عبد الرزاق 9: 61، والموطأ 1: 303، وغيرها، ورجاله رجال الصحيح إلا عبد الله، فإنه من رجال مسلم والأربعة وهو مختلف فيه كما في إعلاء السنن1: 155.
(¬2) ينظر: نصب الراية 3: 30.
(¬3) في فتح القدير2: 359.
(¬4) في سنن أبي داود 1: 249، وصحيح البخاري 1: 257.
(¬5) في مصنف ابن أبي شيبة 1: 214.
قال الطحاويّ (¬1): «فهذا ابن عمر - رضي الله عنهم - قد رأى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يرفع، ثمّ قد ترك هو الرّفع بعد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فلا يكون ذلك إلاّ وقد ثبت عنده نسخ ما قد رأى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فعله وقامت الحجّة عليه بذلك».
المطلب الثالث: تعيينُ الرّاوي بعض محتملاته:
بأن كان عامّاً فعمل بخصوصه، أو مشتركاً فعمل بأحد معنييه، فإنه لا يمنع العمل به؛ لأنه تأويل لا حجر، مثل حديث ابن عمر - رضي الله عنهم -: (المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا) (¬2)، يحتمل التفرُّق بالأَقوال والأَبدان، وقد حَمَلَ ابنُ عمر - رضي الله عنهم - على تفرَّق الأبدان، فعن نافع: «كان ابن عمر - رضي الله عنهم - إذا بايع رجلاً فأراد أن لا يقيلَه قام فمشي هنيهة ثم رجع إليه» (¬3)، ولم يأخذ الحنفية به وحملوه على تفرُّق الأقوال.
ويؤيده ذلك أنه روي عن ابن عمر - رضي الله عنهم - هذا أيضاً، إذ قال: «ما أدركت الصفقة حياً فهو من مال المبتاع» (¬4)، قال الطحاوي: «فهذا ابن عمر - رضي الله عنهم - قد كان يذهب فيما أدركت الصفقة حياً فهلك بعدها أنه من مال
¬
(¬1) في شرح معاني الآثار 1: 225.
(¬2) في سنن أبي داود 2: 294، وسنن النسائي 7: 248، ومسند أحمد 1: 56، وغيرها.
(¬3) في سنن أبي داود3: 1163.
(¬4) في شرح معاني الآثار4: 16
المشتري، فدلّ ذلك أنه كان يرى أن البيع يتم بالأقوال قبل الفرقة التي تكون بعد ذلك وأنّ البيعَ ينتقل بتلك الأقوال من ملكِ البائع إلى ملكِ المبتاع حتى يهلك من ماله إن هلك فهذا الذي ذكرنا أدلّ على مذهبِ ابنِ عمر - رضي الله عنهم - في الفرقة التي سمعها من النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ممّا ذكروا».
المطلب الرابع: مخالفةُ بعضِ الصحابة - رضي الله عنهم - العملَ بالحديث:
بأن كان ظاهراً لا يحتمل الخفاءَ عليهم يورث الطعن فيه؛ لذلك قالوا: عمل صحابيّ آخر بخلافه يسقطه عن درجة الاعتبار، بخلاف عمل الصحابي نفسه بخلاف مرويه فإنه يجعله غير معتبر أصلاً، ومن أمثلته:
1.حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (البكرُ بالبكرِ جلدُ مئة، ونفي سنة) (¬1)، فظاهر الحديث يفيد أن النفي من الحدّ، وقد عمل عمر - رضي الله عنه - بخلاف وترك الحديث فيما روى سعيد بن المسيب - رضي الله عنه - قال: «غرب عمر - رضي الله عنه - ربيعة بن أمية في الخمر إلى خيبر، فلحق بهرقل فتنصَّر، فقال عمر - رضي الله عنه -:
¬
(¬1) في صحيح مسلم 3: 1316، وسنن أبي داود 2: 459، وسنن ابن ماجة 2: 852، وغيرها.
لا أُغرب بعده مسلماً» (¬1)، فلو كان النفي حَدّاً لَمّا حلف على تركه، فعُلِم أنّ النفي منه كان سياسةً لا حَدّاً، وحديث الحدود كان ظاهراً لا يحتمل الخفاء على الخلفاء الذين نصبوا لإقامة الحدود.
وعن عليّ - رضي الله عنه -: «حسبهما من الفتنة أن ينفيا» (¬2)، واحترز به عما لا يحتمل الخفاء عليهم فإنه لا يوجب جرحاً في الحديث. قال اللكنوي (¬3): «فترك عمر - رضي الله عنه - العمل به أسقطه عن درجةِ الاعتبار؛ ولذا لم يعملوا به، ولم يدخلوا النفي في الحدّ، بل جعلوه من أُمور السياسة».
قال الجصاص (¬4): «فلَمّا لم يكن خبر النفي بهذه المنزلة، بل كان ورودُه من طريق الآحاد ثبت أنه ليس بحد».
2.حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا سرق السارق فاقطعوا يده، فإن عاد فاقطعوا رجلَه، فإن عاد فاقطعوا يده، فإن عاد فاقطعوا
¬
(¬1) في المجتبى 8: 319، وسنن النسائي الكبرى 3: 231، ومصنف عبد الرزاق 7: 314، وقال ابن قطلوبغا في تخريج أحاديث أصول البزدوي ص196: أخرج الكرخي في مختصر عن سالم بن عبد الحرمن أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ضرب رجلاً من قيس ونفاه إلى الشام فارتدّ الرجل عن الإسلام ولحق بالروم، فقال عمر حين بلغه لا أنفي بعده أحداً أبداً.
(¬2) في مصنف عبد الرزاق 7: 312، 315، وروى محمد بن الحسن أخبرنا أبو حنيفة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي، قال: كفى بالنفي فتنة انتهى. ينظر: نصب الراية 3: 340، والتعليق الممجد 3: 65.
(¬3) في الهسهسة ص65.
(¬4) في أحكام القرآن3: 378.
رجله) (¬1)، فإنّه يفيد قطع جميع أطرافه، وهذا مخالفٌ لعمل الصحابة - رضي الله عنهم -، فعن عليٍّ - رضي الله عنه - قال: «إذا سَرَقَ السارقُ قطعت يده اليمنى، فإن عاد قُطِعتُ رجلُه اليُسرى، فإن عادَ ضمنه السجن حتى يحدثَ خيراً، إنّي استحيي من اللهِ - جل جلاله - أن أَدعه ليس له يدٌ يأَكل بها ويستنج بها، ورجل يمشي عليها» (¬2).
وعن ابنَ عبّاس - رضي الله عنهم -: «كتب إلى نجدة الحروري بمثل قول عليّ - رضي الله عنه -، وإنّ عمرَ - رضي الله عنه - استشارهم في سارق فأجمعوا على مثل قولِ عليّ - رضي الله عنه -» (¬3).
وعن عمر - رضي الله عنه -، قال: «إذا سرق فاقطعوا يده، ثمّ إن عاد فاقطعوا رجلَه ولا تقطعوا يده الأخرى وذروه يأكل بها، ويستنج بها، ولكن احبسوه عن المسلمين» (¬4).
¬
(¬1) في سنن الدارقطني3: 181، قال الزيلعيّ في نصب الراية3: 368،372: ((فيه سنده الواقدي، وفيه مقال)).
(¬2) في مسند أبي حنيفة1: 347، وآثار محمّد، وسندُه جيد، وعن الشعبيّ - رضي الله عنه - قال: «كان عليّ - رضي الله عنه - لا يقطع إلا اليد والرجل، وإن سرق بعد ذلك سجن ونكل، وكان يقول: إني لأستحيي الله ألا أدع له يداً يأكل بها ويستنجي» في مصنف عبد الرزاق10: 186، وعن جعفر عن أبيه - رضي الله عنه - قال: «كان عليّ - رضي الله عنه - لا يزيد على أن يقطع لسارق يداً ورجلاً، فإذا أتي به بعد ذلك قال: إني لأستحي أن لا يتطهر لصلاته، ولكن أمسكوا كلّه عن المسلمين، وأنفقوا عليه من بيت المال» في مصنف ابن أبي شيبة5: 490.
(¬3) في مصنف ابن أبي شيبة5: 491.
(¬4) في مصنف ابن أبي شيبة5: 490.
قال ابنُ الهمام (¬1): «إن هذا قد ثبتَ ثبوتاً لا مردَّ له، وبعيدٌ أَن يقطعَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - السارقَ أربعةً ثُمّ يقتله، ولا يعلمه مثل عليٍّ وعمر وابنِ عبّاس من الصحابة - رضي الله عنهم - الملازمين له - صلى الله عليه وسلم -، ولو غابوا لا بُدّ من علمِهم عادةً، فاتباع عليّ - رضي الله عنه - إما لضعف ما مرَّ أو لعلمِه بأن ذلك ليس حَدّاً مستمراً بل من رأي الإمام» (¬2).
3. حديث عائشة رضي الله عنها أنّ أبا حذيفة بن عتبة تبنى سالماً، وإن سهلةَ بنت سهيل كانت تحت أبي حذيفة - رضي الله عنهم - فجاءت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا رسول الله إنا كنا نرى سالماً ولداً، وكان يدخل عليَّ وليس لنا إلاّ بيتٌ واحد، فماذا تَرَى في شأنه؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (أَرضعيه
¬
(¬1) في فتح القدير5: 396.
(¬2) قال اللكنوي في عمدة الرعاية: «ولو سُلِّمَ أنّ الحديثَ صحيحٌ، فهو محمولٌ على التعزير والسياسة، لا على أنه حدٌّ مقدَّرٌ مقرَّرٌ، وعلى هذا يُحملُ ما رُوِيَ عن أبي بكرٍ - رضي الله عنه - من قطعِ اليدين والرّجلين فيما أخرجَه مالكٌ وغيرُه، وتمامه في التعليق الممجد».
وحديث أبي بكر - رضي الله عنه -: «إن رجلاً من أهل اليمن أقطع اليد والرجل قدم فنزل على أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فشكا إليه أن عامل اليمن قد ظلمه، فكان يُصلّي من الليل فيقول أبو بكر: وأبيك ما ليلك بليل سارق، ثم إنهم فقدوا عقداً لأسماء بنت عميس امرأة أبي بكر الصديق، فجعل الرجل يطوف معهم ويقول: اللهم عليك بمَن بيت أهل هذا البيت الصالح فوجدوا الحلي عند صائغ زعم أن الأقطع جاءه به، فاعترف به الأقطع أو شهد عليه به فأمر به أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - فقطعت يده اليسرى، وقال أبو بكر - رضي الله عنه -: والله لدعاؤه على نفسه أشدّ عندي عليه من سرقته» في الموطأ2: 835
فأَرضعته خمس رضعات، فحرم بهنّ، وكان بمنزلة ولدها من الرضاعة) (¬1).
فظاهر الحديث يفيد أن إرضاع الكبير يحرم من الرضاع، كما هو الحال في الصغير، ولكن هذا مخالف لعمل عامة الصحابة - رضي الله عنهم -؛ لذلك جعلوه خاصّاً بسالم - رضي الله عنه - لمخالفته للآثار الأخرى (¬2)، فعن عليّ - رضي الله عنه - قال: (لا رضاع بعد الفصال) (¬3)، وعن ابن عبَّاس - رضي الله عنهم - قال: (لا رضاع بعد الفصال الحولين) (¬4)، وعن عمر - رضي الله عنه -، قال: (لا رضاع بعد الفصال) (¬5).
4.حديث جابر - رضي الله عنه - قال: «أعتق رجل منا عبداً له عن دبر فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - به فباعه» (¬6)، فهو يفيد صحة بيع المدبّر، وهو مخالف لعمل
¬
(¬1) في المستدرك 2: 177، وصححه، وصحيح ابن حبان 10: 28، والمنتقى 1: 173.
(¬2) ويؤيد ذلك ما روي مرفوعاً في ذلك ومنه: عن عليّ - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا رضاع بعد الفصال) في مصنف عبد الرزاق6: 464،
(¬3) في مصنف عبد الرزّاق 6: 416، وسنن البيهقي الكبير7: 461، وعن مسروق قالت عائشة رضي الله عنها: (دخل عليّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعندي رجل قاعد فاشتدّ ذلك عليه ورأيت الغضب في وجهه، فقلت: يا رسول الله إنه أخي من الرضاعة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: انظرن مَن أخوتكن من الرضاعة، فإنما الرضاعة من المجاعة) في سنن النسائي الكبرى3: 301، وعن أم سلمة رضي الله عنها قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام) في سنن النسائي الكبرى3: 301.
(¬4) في مصنف عبد الرزاق7: 465.
(¬5) في مصنف ابن أبي شيبة 3: 550.
(¬6) في صحيح البخاري2: 896.
الصحابة - رضي الله عنهم - فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -، أنه قال: «لا يباع المدبر» (¬1)، وعن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قال: «لا يباع المدبر» (¬2)، ولم يقف الأمر عند هذا فقط، بل إن راوي الحديث أيضاً لم يعمل به، قال الطحاوي (¬3): «ولقد وجدنا عن جابر بن عبد الله وهو الذي روى الحديث ما يدل على أن مذهبَه كان أن لا يُباع المدبر»؛ لذلك قال مالك (¬4): «الأمر المجتمع عليه عندنا في المُدَبّر أن صاحبه لا يبيعه ... ».
المطلب الخامس: إعراضُ الأئمةِ من الصَّدرِ الأَوّل عن الحديث:
أي ترك المحاجّة به عند الحاجة، بأن لا يكون متروك المحاجة به عند ظهور الاختلاف بين الصحابة - رضي الله عنهم -، فإنهم إذا تركوا المحاجة به مع وقوع الاختلاف فيما بينهم يكون مردوداً عند بعض الحنفية المتقدمين
¬
(¬1) في السنن الصغرى 9: 178، وسنن البيهقي الكبير10: 314، وقال: «هذا الصحيح عن ابن عمر من قوله موقوفاً وقد روي مرفوعاً بإسناد ضعيف».
(¬2) في سنن البيهقي الكبير10: 314، ويؤيده ما روي عن التابعين: فعن الزهري قال: «لا يباع المدبر)، قال معمر: «أخبرني من سمع الحسن يقول مثل ذلك» كما في مصنف عبد الرزاق9: 143
(¬3) في مشكل الآثار1: 100.
(¬4) في الموطأ 2: 814.
وعامة المتأخرين؛ لأنّ الصحابة - رضي الله عنهم - هم الأصل في نقل الدين، ولم يتهموا بترك الاحتجاج بما هو حجّة، والاشتغال بما ليس بحجّة، مع أنّ عنايتَهم بالحججِ أَقوى من عناية غيرهم، فترك المحاجة والعمل به عند ظهور الاختلاف فيهم دليل ظاهر على سهو ممن رواه بعدهم أو منسوخ (¬1)، ومن أمثلته:
1. حديث وجوب الزّكاة في مال الصبي: (ألا مَن ولى يتيماً له مال فليتجر فيه ولا يتركه حتى تأكله الصدقة) (¬2)، فإن الصحابة - رضي الله عنهم - لما اختلفوا فيما بينهم في وجوب الزكاة على الصبيّ وتكلموا بالرأي ولم يلتفتوا إلى الحديث كان ذلك دليل انقطاعه (¬3).
2. حديث اعتبار الطلاق بالرجال: (الطلاق بالرجال والعدة بالنساء) (¬4)، فإن الصحابة - رضي الله عنهم - اختلفوا في هذه المسألة فذهب عمر وعثمان
¬
(¬1) ينظر: عقود الجمان ص401.
(¬2) في سنن الترمذي 3: 32، وقال: في إسناده مقال. وسنن البيهقي الكبير 6: 2، وسنن الدارقطني 2: 109.
(¬3) ينظر: نور الأنوار 2: 27 - 28، ومرآة الأصول 2: 23 - 24، وإفاضة الأنوار ص186، وشرح ابن ملك 2: 647 - 648، وقواعد في علوم الحديث ص124 - 125.
(¬4) قال ابن حجر في الدراية 2: 70: لم أجده مرفوعاً، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 4: 101 عن ابن عباس - رضي الله عنه - بإسناد صحيح، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير 9: 337 وابن الجعد في مسند 1: 117عن ابن مسعود - رضي الله عنه - موقوفاً، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه 7: 236 وسعيد بن منصور في سننه 1: 356 موقوفاً أيضاً على عثمان بن عفان وزيد بن ثابت وابن عباس - رضي الله عنهم -.
وزيد وعائشة - رضي الله عنهم - إلى أن الطلاقَ معتبرٌ بحال الرجل في الرقّ والحرية كما هو مذهب الشافعي، وذهب عليّ وابن مسعود - رضي الله عنهم - إلى أنه معتبر بحال المرأة كما هو مذهب الحنفية (¬1).
وعن ابن عمر - رضي الله عنه -: «أنه يعتبر بمَن رقّ منهما حتى لا يملك الزوج عليه ثلاث تطليقات إلا إذا كانا حرين»، وإنهم تكلموا في هذه المسألة بالرأي وأعرضوا عن الاحتجاج بهذا الحديث مع أن راويه ـ وهو زيد ـ فيهم، فدلّ ذلك على أنه غير ثابت أو منسوخ، ولئن ثبت فهو موؤل بأن إيقاع الطلاق إلى الرجال (¬2).
* ... * ... *
¬
(¬1) ومما يؤيد مذهبهم: حديث (طلاقُ الأمةِ ثنتان، وعدّتها حيضتان) في سنن أبي داود1: 664، وسنن الترمذي3: 486، وسنن ابن ماجة1: 671، والمستدرك2: 223، وصححه، قال ابن الهُمام في فتح القدير3: 493 بعد بسطِ ما له وما عليه: «إن لم يكن هذا الحديثُ صحيحاً كان حسناً»، وممّا يؤيده عملُ العلماءِ على وفقه، كما ذكره التِّرْمِذِيّ، ويؤيده أيضاً أنّ حلّ المحليّة نعمة والرقّ أثر في تنقصيها، ينظر: عمدة الرعاية3: 234.
(¬2) ينظر: عقود الجمان ص401.
المراجع:
1. أثر الحديث الشريف في اختلاف الأئمة الفقهاء - رضي الله عنهم -: لمحمد عوامة، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط4، 1418هـ.
2. أحكام القرآن: لأحمد بن علي الرازي الجصاص (305 - 370هـ)، دار الفكر.
3. أصول البزدوي: لعلي بن محمد بن حسين البزدوي (400 - 482هـ)، دار الكتاب الإسلامي، مطبوع مع شرحه كشف الأسرار.
4. إفاضة الأنوار على متن أصول المنار: لمحمد علاء الدين الحصني (ت1088هـ)، ط2، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، 1399هـ.
5. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: لأبي بكر بن مسعود الكاساني (ت587هـ)، دار الكتاب العربي، بيروت. ط2، 1402هـ، وأيضاً: طبعة دار الكتب العلمية.
6. بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية: لأبي سعيد الخادمي، دار إحياء الكتب العربية.
7. التاريخ الكبير لأحمد بن أبي خيثمة (ت279هـ)، ت: صلاح بن فتحي، الفاروق الحديثة، ط1: 1427هـ.
8. التحرير في أصول الفقه: لمحمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد السكندري السيواسي كمال الدين الشهير بـ (ابن الهمام) (790 - 861هـ)، مطبعة الحلبي، 1351هـ.
9. التعليق الممجد على موطأ محمد: لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304هـ)، تحقيق: الدكتور تقي الدين الندوي، دار السنة والسيرة، بومباي، ودار القلم، دمشق، ط1، 1991مـ.
10. التقرير والتحبير شرح التحرير: لأبي عبد الله، محمد بن محمد الحَلَبِيّ الحنفي شمس الدين المعروف بـ (ابن أمير الحاج) (825 - 879هـ)، دار الفكر، بيروت، ط1، 1996مـ.
11. تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرَّافِعِي الكبير: لأحمد بن علي ابن حجر العَسْقَلاني (773 - 852هـ)، تحقيق: السيد عبد الله هاشم، المدينة المنورة، 1384هـ.
12. التلويح في حل غوامض التنقيح: لمسعود بن عمر بن عبد الله التَّفْتَازَانِيّ سعد الدِّين (712 - 793هـ)، المطبعة الخيرية، مصر، ط1، 1324هـ، وأيضاً: مطبعة صبيح بمصر.
13. الجوهر النقي على سنن البيهقي: لأبي الحسن علاء الدين علي بن عثمان بن إبراهيم بن مصطفى المارديني الشهير بـ (ابن التركماني) (ت750هـ)، دار الفكر.
14. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: لأبي نُعَيْم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (ت430هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1403هـ، وأيضاً: طبعة دار الكتاب العربي، بيروت، ط4، 1405هـ.
15. خلاصة الدلائل شرح القدوري للرازي، ت: د. صلاح أبو الحاج، دار الفتح، عمان، ط1، 2016م.
16. الدراية في تخريج أحاديث الهداية: لأبي الفضل أحمد بن علي ابن حَجَر العَسْقَلاني (773 - 852هـ)، دار المعرفة، بيروت، بدون تاريخ طبع.
17. سنن ابن ماجه: لمحمد بن يزيد بن ماجه القزويني (207 - 273هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت.
18. سنن أبي داود: لسليمان بن أشعث السجستاني (202 - 275هـ)، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت.
19. سنن البَيْهَقِي الكبير: لأحمد بن الحسين بن علي البَيْهَقِي (ت458هـ)، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، 1414هـ.
20. سنن الترمذي: لمحمد بن عيسى الترمذي (209 - 279هـ)، تحقيق: أحمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
21. سنن الدَّارَقُطْنِي: لأبي الحسن علي بن عمر الدَّارَقُطْنِي (306 - 385هـ)، تحقيق: السيد عبد الله هاشم، دار المعرفة، بيروت، 1386هـ.
22. سنن الدارمي: لعبد الله بن عبد الرحمن أبي محمد الدارمي (ت255هـ)، تحقيق: فواز أحمد وخالد العلمي، ط1، 1407هـ، دار التراث العربي، بيروت.
23. سنن النَّسَائيّ الكبرى: لأحمد بن شعيب النَّسَائِي (ت303هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الغفار البنداوي وسيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1411هـ.
24. شرح المنار: لعبد اللطيف بن عبد العزيز الكرماني ابن ملك (ت801هـ)، المطبعة العثمانية في دار الخلافة، 1316هـ.
25. شرح حدود ابن عرفة: لمحمد بن قاسم الرصاع المالكي (ت894هـ)، المكتبة العلمية.
26. شرح معاني الآثار: لأحمد بن محمد بن سلامة الطَّحَاوي (229 - 321هـ)، تحقيق: محمد زهري النجار، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1399هـ.
27. صحيح ابن حبَّان بترتيب ابن بلبان: لمحمد بن حِبَّان التميمي (354هـ)، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1414هـ.
28. صحيح البخاري: لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي البُخَارِيّ (194 - 256هـ)، تحقيق: الدكتور مصطفى البغا، دار ابن كثير واليمامة، بيروت، ط3، 1407هـ.
29. صحيح مسلم: لمسلم بن الحجاج القُشَيْريّ النَّيْسَابوريّ (ت261هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت. عقود الجمان
30. علل الدارقطني: لعلي بن عمر بن أحمد الدارقطني (306 - 385هـ)، تحقيق: الدكتور محفوظ الرحمن زين الله، دار طيبة، الرياض، ط1، 1405هـ.
31. عمدة القاري شرح صحيح البخاري: لأبي محمد محمود بن أحمد العَيْنِي بدر الدين (762 - 855هـ)، مصورة عن الطبعة المنيرية، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
32. فتح القدير للعاجز الفقير على الهداية: لمحمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد السكندري السيواسي كمال الدين الشهير بـ (ابن الهمام) (790 - 861هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، وأيضاً: طبعة دار الفكر.
33. فتح باب العناية بشرح النقاية: لأبي الحسن علي بن سلطان محمد القاري الهروي (930 - 114هـ)، تحقيق: محمد نزار وهيثم نزار، دار الأرقم، ط1، 1418هـ.
34. قواعد في علوم الحَدِيث: لظفر أحمد العثماني التهانوي (ت1394هـ)، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب، ط5، الرياض.
35. كشف الأسرار شرح أصول البَزْدَوي: لعبد العزيز بن أحمد البخاري الحنفي علاء الدين (ا730هـ)، طبعة اسطنبول، 1308هـ، وأيضاً: طبعة دار الكتاب الإسلامي.
36. كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث: لإسماعيل بن محمد العجلوني (ت1162هـ)، تحقيق: أحمد القلاش، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط4، 1405هـ.
37. اللباب في الجمع بين السنة والكتاب: لأبي محمد علي بن أبي يحيى زكريا بن مسعود الأنصاري الخزرجي المنبجي جمال الدين (ت686هـ)، تحقيق: د. محمد فضل عبد العزيز المراد،
دار القلم، الدار الشامية، سوريا، دمشق، لبنان، بيروت، ط2، 1414هـ- 1994م.
38. المجتبى من السنن: لأبي عبد الله أحمد بن شعيب النسائي (215 - 303)، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ط2، 1406هـ.
39. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: لعلي بن أبي بكر الهيثمي (ت807هـ)، دار الريان للتراث، 1407هـ، ودار الكتاب العربي، بيروت.
40. مرآة الأصول في شرح مرقاة الوصول: لمحمد بن فرامُوز بن علي ملا خسرو (ت885هـ)، مطبعة الحاج محرم أفندي البوسنوي، 1291هـ.
41. المستدرك على الصحيحين: لمحمد بن عبد الله الحاكم (ت405هـ)، تحقيق: مصطفى عبد القادر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1411هـ.
42. مسند ابن الجعد: لأبي الحسن علي بن الجعد الجوهري (ت230هـ)، تحقيق: عامر أحمد حيدر، مؤسسة نادر، بيروت.
43. مسند أبي حنيفة: لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (336 - 430هـ)، تحقيق: نظر محمد الفاريابي، مكتبة الكوثر، الرياض، ط1، 1415هـ.
44. مسند أبي داود الطيالسي: لسليمان بن داود (ت204هـ)، دار المعرفة، بيروت.
45. مسند أبي عوانة: ليعقوب بن إسحاق الاسفرائيني أبي عوانة (ت216هـ)، تحقيق: أيمن بن عارف، دار المعرفة، بيروت، ط1.
46. مسند أبي يعلى: لأحمد بن علي أبي يعلى الموصلي (ت307هـ)، تحقيق: حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث، دمشق، ط1، 1404هـ.
47. مسند أحمد بن حنبل: لأحمد بن حنبل (164 - 241هـ)، مؤسسة قرطبة، مصر.
48. مسند الروياني: لأبي بكر محمد بن هارون الروياني (ت307هـ)، تحقيق: أيمن علي أبو يماني، مؤسسة قرطبة، القاهرة، ط1، 1416هـ.
49. مسند عبد بن حميد: لعبد بن حميد بن نصر الكسي (ت249هـ)، تحقيق: صبحي السامرائي ومحمود الصعيدي، مكتبة السنة، القاهرة، ط1، 1408هـ.
50. المشكاة في أحكام الطهارة والصلاة للدكتور صلاح أبو الحاج، دار الوراق، عمان، ط1، 2005م.
51. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير: لأحمد بن علي الفيومي (ت770هـ)، المطبعة الأميرية، ط2، 1909م.
52. المصنف في الأحاديث والآثار: لعبد الله بن محمد بن أبي شَيْبَةَ (159 - 235هـ)، تحقيق: كمال الحوت، ط1، مكتبة الرشد، الرياض، 1409هـ.
53. المصنف: لعبد الرزاق بن همام الصنعاني (126 - 211هـ)، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط2، 1403هـ.
54. المعجم الأوسط: للحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (260 - 360هـ)، تحقيق: طارق بن عوض الله، دار الحرمين، القاهرة، 1415هـ.
55. المعجم الصغير: لسليمان بن أحمد الطَّبَرَانِي (ت360هـ)، تحقيق: عمر شكور محمود، المكتب الإسلامي، دار عمار، بيروت، عمان، ط1، 1405هـ.
56. المعجم الكبير: لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطَّبَرَاني (260 - 360هـ)، تحقيق: حمدي السلفي، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، ط2، 1404هـ.
57. معرفة السنن لأحمد بن الحسين بن علي البَيْهَقِي (ت458هـ)، ت: عبد المعطي أمين قلعجي، جامعة الدراسات الإسلامية، باكستان، ط1، 1412هـ.
58. المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة: لمحمد بن عبد الرحمن السَّخَاوِيّ القاهريّ الشَّافِعِيّ شمس الدِّين (831 - 902هـ)، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1399هـ.
59. مقدمة نصب الراية للكوثري من مقالات الكوثري: لمحمد زاهد بن الحسن الكوثري (1296 - 1371هـ)، المكتبة الأزهرية للتراث، 1994م.
60. مكانة الإمام أبي حنيفة في الحديث: لمحمد عبد الرشيد النعماني، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب، ط4، 1416هـ.
61. منحة السلوك في شرح تحفة الملوك: لأبي محمد محمود بن أحمد العَيْنِي بدر الدين (762 - 855هـ)، تحقيق: محمد فاروق البدري، بإشراف: د. محيي هلال السرحان، رسالة ماجستير، جامعة بغداد، ج2، 1421هـ.
62. موطأ مالك: لمالك بن أنس الأصبحي (93 - 179هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، مصر.
63. موطأ محمد: لمحمد بن الحسين الشيباني (ت189هـ)، تحقيق: الدكتور تقي الدين الندوي، دار السنة والسيرة، بومباي، ودار القلم، دمشق، ط1، 1991مـ.
64. ميزان الأصول في نتائج العقول في أصول الفقه: لمحمد بن أحمد السمرقندي (ت539هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الملك السعدي، طباعة وزارة الأوقاف العراقية، ط1، 1407هـ.
65. نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية: لعبد الله بن يوسف الزَّيْلَعِي (ت762هـ)، تحقيق: محمد يوسف البنوري، دار الحديث، مصر، 1357هـ.
66. نظم المتناثر من الحديث المتواتر: لمحمد بن أبي الفيض جعفر بن إدريس الحسني الإدريسي الشهير بـ الكتاني، (ت1345هـ (، تحقيق: شرف حجازي، دار الكتب السلفية، مصر.
67. النهاية في غريب الحديث والأثر؛ لمبارك بن محمد الجزري ابن الأثير (ت 606هـ)، تحقيق: طاهر الزاوى ومحمود الطناحي، المكتبة العلمية - بيروت، 1399هـ.
68. نور الأنوار شرح المنار: لأحمد بن أبي سعيد الصديقي الميهوي الحنفي المعروف بـ (ملا جيون) (ت1130هـ)، المطبعة الأميرية ببولاق، مصر، 1316هـ.
69. الهسهسة بنقض الوضوء بالقهقهة: لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304هـ)، مطبع دبدبة أحمدي، لكنو، 1303هـ، وأيضاً: بتحقيق: الدكتور صلاح محمد أبو الحاج، تحت الطبع.
* ... * ... *