المرقاة ......
.. شرح مقدمة الصلاة
جارٍ تحميل الكتاب…
المرقاة ......
.. شرح مقدمة الصلاة
المرقاة
شرح مقدمة الصلاة
للأستاذ الدكتور صلاح محمّد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
بجامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي هدانا بأنبيائه، وجعل العلماء الأتقياء ورثتهم، وحملة دينهم، وأرشدنا إلى تقواه باتباع المجتهدين المتبعين، فقال - جل جلاله -: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (¬1)، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإنَّ اهتمامي بخدمة «مقدمة الصلاة» بدأ قبل أكثر من خمس سنوات؛ إذ قمت بمقابلتها وتصحيحها من عدة نسخ مخطوطة ونسخة حجرية مطبوعة مع الترجمة بالأوردية وشرحها للأفغاني، وقبل سنة بالترجمة لمن نسبت لهم، وهم: الكيداني، والفناري، وابن كمال باشا، فلم أقف للكيداني على ترجمة سوى كلمات قليلة، وتوسعت في ترجمة الفناري وابن كمال باشا، وفي هذه الأيام هممت بتدريس مجموعة من الطلبة الجادين للفقه الحنفي، فرأيت أن أبتدئ بتدريسها لهم؛ لما لها من المكانة والشهرة، ولما فيها من الإيجاز والاختصار اللذين يمكنان طلبة العلم المبتدئين من ضبطها في دروس معدودة، تمهيداً لغيرها من الكتب.
فأقبلت على هذه المقدمة بالتوضيح والبيان لتراكيبها، والاستدلال لكثير
¬
(¬1) النحل: من الآية 43.
من مسائلها، والتوثيق لفروعها من الكتب المعتمدة المشهورة، والزيادة في تفصيل مسائلها بما يحتاجه الطلبة والكملة، حتى غدا شرحاً منيفاً، غزير الفوائد، عميم النفع لمن أراده وسعى له.
وقمتُ قبل هذه التعليقات بدراسة على عجل حول المقدمة وشروحها، ومكانتها الفقهية، ومدى اعتماد مسائلها.
ورأيت من المناسب خوف الإطالة على القارئ الكريم أن أقتصر على ذكر ترجمة العلامة الفناري - رضي الله عنه -؛ ليعرف حاله ومكانته العلمية عند المهتمين، بعد هذا التجهيل العجيب بعلماء الأمة، وأن أجعل ذكر ترجمة ابن كمال باشا - رضي الله عنه - في بداية كتاب آخر خدمة له.
وبذلك أصبح هذا العمل في ثلاثة أقسام:
القسم الأول: في الدراسة عن الكتاب.
القسم الثاني: في الترجمة للعلامة الفناري المسمَّاة: «ضوء الدراري في أخبار شمس الدين الفناري».
القسم الثالث: في الشرح لهذا الكتاب المسمى: «المرقاة شرح مقدمة الصلاة».
وأسأل الله - عز وجل - أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يرزقني الصدق في القول والعمل، وأن يجعله في ميزان حسناتي يوم نلقاه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.
وكتبه ... الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
في 18/تموز/2005 م ... الموافق ... 11 /جمادى الآخرة/1426 هـ
الأردن/عمان/صويلح
وتشمل هذه الدراسة على النقاط الآتية:
أولاً: الاختلاف في مؤلفها:
الأول: شمس الدين محمد بن حمزة الفناري (ت 834 هـ)، ونسبها إليه طاشكبرى زاده في شرحه عليها، قال حاجي خليفة (¬1): وهو الصحيح. وستأتي ترجمته.
الثاني: لطف الله النسفي المشهور بالفاضل الكيداني (ت 900 هـ) (¬2)، نسبه له شارحها إبراهيم بن ميردرويش البخاري، وشارحها القهستاني (¬3)، وإسماعيل باشا (¬4)، وعبد الغني النابلسي (¬5).
الثالث: أحمد بن سليمان بن كمال باشا الرُّوميّ، الشَّهير بابن كمال باشا زاده (ت 940 هـ)، نسبه له حسن الكافي الأقحصاري ناقلاً عن بعض أساتذته وهو الشيخ حاجي أفندي، المعروف بقره ميلان، وكان تلميذاً لابن كمال باشا ست عشرة سنة، وكان معيداً لدرسه، وأميناً لفتواه، (ت 983 هـ)، وقد جاوز المئة (¬6).
¬
(¬1) في كشف الظنون 2: 1802، وينظر: هدية العارفين 1: 77، وغيرها.
(¬2) ينظر: فهرس مخطوطات الأوقاف العامة 1: 541، وغيره.
(¬3) ينظر: كشف الظنون 2: 1802.
(¬4) في إيضاح المكنون 4: 544.
(¬5) في الجوهر الكلي شرح عمدة المصلي ق 1/أ.
(¬6) ينظر: كشف الظنون 2: 1802.
الرابع: عبد الله النسفي، أبوالبركات، حافظ الدين، (ت 701 هـ)، ذكرَه بعض معاصري عليّ القاريّ المكيّ، فقال: «أنَّها لأبي البركاتِ النسفيّ، حافظ الدين عمر مؤلّف «الوافي»»، قال اللكنوي (¬1): «وهذا القول أضعف الأقوال، يشهد بعدم معرفة قائله أحوال الفقهاء، فإنَّ مؤلّف «الوافي» هو عبد الله النسفيّ، مؤلِّف «الكنز» و «المنار» و «المدارك» وغيرها، المتوفّى سنة إحدى أو عشرة وسبعمئة، وعمر النَّسَفِيّ غيرُه، ومتقدّمٌ عليه، فإنَّه عمر بن محمد النسفيّ الملقّب بمفتي الثقلين، ونجم الدين، مؤلّف «نظم الجامع الصغير» و «المنظومة في الفقه» وغيرها، المتوفّى سنة سبع وثلاثين وخمسمئة، على ما بسطنا كلّ ذلك في «الفوائد البهيّة في تراجم الحنفيّة» (¬2)، ولم يذكر أحد ممّن صنّف في تراجم الحنفية وذكر أحوالهما وتصانيفهما «مقدّمة الصلاة» من تأليفات أحدهما».
ثانياً: الاختلاف في اسم هذا الكتاب:
الأول: مقدمة الصلاة، وسماها بذلك حاجي خليفة (¬3) وغيره.
الثاني: عمدة المصلي، وسماها به عبد الغني النابلسي - رضي الله عنه - في شرحه عليها ـ كما سيأتي ـ، وكذلك صاحب «الضياء المعنوي شرح مقدمة الغزنوي» حيث نقل عن «شرح عمدة المصلي» (¬4)، وعن «عمدة المصلي» (¬5).
¬
(¬1) في عمدة الرعاية 1: 16، شاملة.
(¬2) ينظر: الفوائد (ص 243 - 244). الجواهر (2: 659 - 660). مرآة الجنان (3: 268). معجم الأدباء (16: 70 - 71). طبقات المفسرين (2: 5 - 7).
(¬3) في كشف الظنون 2: 1802.
(¬4) ينظر: منحة الخالق 1: 330، ورد المحتار 1: 490، وغيرها.
(¬5) ينظر: منحة الخالق 2: 102، وغيره.
الثالث: خلاصة الكيداني، واشتهرت بذلك لا سيما عند علماء الهند وشراحها ـ كما سيأتي في الشروح ـ.
الرابع: المقدمة الكيدانية، نقل عنها ابن عابدين (¬1) مع شرحها للقهستاني باسم «شرح الكيدانية»، أو «شرح المقدمة الكيدانية».
ثالثاً: شروح مقدمة الصلاة:
إنَّ هذه المقدمة نالت اهتماماً كبيراً من العلماء وطلبة العلم في دراستها وتدريسها، مما جعل مجموعة من الفضلاء يقبلون على شرحها، وحلّ عباراتها، ومن هؤلاء النبلاء:
1. أحمد بن مصطفى بن خليل بن قاسم بن أحمد بن محمود، الشهير بطاشكبرى زاده (ت 968 هـ) (¬2)، وأول شرحه: «أوله الحمد لله الذي جعل الصلاة تاليةً للإيمان .... » الخ (¬3).
2. إبرهيم بن ميردرويش البخاري، وأول شرحه: «الحمد لله المحيط علم الوافي بالأسرار والمضمرات في الوقاية عن النوازل، وكفاية المهامات، ... » الخ (¬4). وقال في شرحه: «قد شرحها غير واحد من العلماء، فإنَّها مع نهاية صغرها
¬
(¬1) في منحة الخالق 2: 197، ورد المحتار 1: 12، 1: 417، 474، 2: 213، 589، وغيرها.
(¬2) ينظر: التعليقات السنية ص 123 - 124. والشقائق ص 325 - 331،72.
(¬3) ينظر: كشف الظنون 2: 1802، وهدية العارفين 1: 77، وغيرها.
(¬4) ينظر: فهرس مخطوطات الظاهرية/الفقه الحنفي 1: 447.
مشتملةٌ على مسائل ضرورية، يحتاج إليها البرية، مغنية عن مئة مؤلف من المتداولات ... » (¬1)، وله نسخة مخطوطة جيدة في الظاهرية (¬2).
قال حاجي خليفة (¬3): «وقد رأيت كليهما ـ أي شرح طاشكبرى زاده والبخاري ـ وهما شرحان ممزوجان بالمتن».
3. شمس الدين محمد القُهُستانيّ المتوفى في حدود سنة (950 هـ)، وأول شرحه: «الحمد لله الذي رفع قاعدة الفقه ... » الخ، وشرحه شرح ممزوج فيه الشرح بالمتن أيضاً، ومما قال فيه: «وقد اشتهرت فيما وراء النهر، اشتهار الشمس في رابعة النهار، وذكر أنَّه من مهرة الناظرين عندهم»، وقد فرغ القهستاني عن شرحه يوم العيد سنة (949 هـ) (¬4)، وسماه: «جامع المباني في شرح فقه الكيداني» وطبع في طشقند (1893 هـ) (¬5).
4. حسن الكافي الأقحصاري (ت 1025 هـ)، أول شرحه: «الحمد لله الذي محص قلوبنا بالإيمان والاعتقادات ... » الخ، وشرحه ممزوج أيضاً، وأتمَّ الشرح سنة (998 هـ) (¬6).
¬
(¬1) ينظر: كشف الظنون 2: 1802.
(¬2) ينظر: فهرس مخطوطات الظاهرية 1: 448. وينظر: الفهرس الشامل 5: 257، 321.
(¬3) في كشف الظنون 2: 1802.
(¬4) ينظر: كشف الظنون 2: 1802.
(¬5) ينظر: إيضاح المكنون 4: 544. وينظر: الفهرس الشامل 5: 324، 3: 73.
(¬6) ينظر: كشف الظنون 2: 1802، وهدية العارفين 1: 155، وغيرها.
5. عبد الغني بن إسماعيل بن عبد الغني النابلسي (ت 1143 هـ)، وأول شرحه: «الحمد لله الذي فقه من أراد به خيراً في دينه، ووفقه لاستقامة أمره ... »، وشرحه ممزوج أيضاً، وسمّاه: «الجوهر الكلي شرح عمدة المصلي»، وفرغ من الشرح سنة (1085 هـ) (¬1)، وله نسخة مخطوطة جيدة في الظاهرية ضمن مجموع رسائل النابلسي في بدايتها ما يشير إلى أنَّ الناسخ تلميذ المؤلف، ونسخة أخرى عندي اعتمدت عليها كثيراً في تعليقي على الكتاب، وهي مصورة من دار صدام للمخطوطات، بغداد ـ فكّ الله أسرها ـ (¬2).
6. سعد الدين، أول شرحه: «معنى التسمية بالفارسية على التحقيق .. »، له نسخة مخطوطة عادية في الظاهرية (¬3).
7. بدر الدين بن إبراهيم السرهندي، وسماه: «معراج المؤمنين في أهل عليين»، طبع ضمن ثلاثة شروح في الآستانة سنة 1327 ـ دهلي 1300 هـ (¬4).
8. محمد أمين القاسمي، طبع باسم شرح خلاصة الكيداني ضمن ثلاثة شروح في الآستانة سنة 1327 ـ دهلي 1300 هـ (¬5).
9. مجهول المؤلف، طبع ضمن ثلاثة شروح في الآستانة سنة 1327 دهلي 1300 هـ (¬6).
¬
(¬1) ينظر: فهرس مخطوطات الظاهرية/الفقه الحنفي 1: 283.
(¬2) وينظر: الفهرس الشامل 5: 257.
(¬3) ينظر: فهرس مخطوطات الظاهرية 1: 448، وغيرها.
(¬4) ينظر: معجم المطبوعات 2/ 1580 - 1581.
(¬5) ينظر: معجم المطبوعات 2/ 1581. والفهرس الشامل 5: 322، وغيرها.
(¬6) ينظر: معجم المطبوعات 2/ 1581.
10. محمّد حسن بن ظهور حسن بن شمس علي السَنْبهلي، قال اللكنوي: هو فاضلٌ كامل، مستعدّ جيِّد، ألّف: متناً متيناً في علم الفرائض، و «صرح الحماية على شرح الوقاية»، و «شرح خلاصة الكيداني»، و «تنسيق النظام لمسند الإمام»، و «تعليقات مبسوطة على الهداية»، (ت 1305 هـ) (¬1). ولعله هو السمهلي الذي طبع له «شرح خلاصة الكيداني» (¬2)، والله أعلم.
11. ركن الدين السندي، المشهور بمتو، كان من العلماء المبرزين في الفقه والحديث، أخذ عن الشيخ بلال المحدث التلهتي، له: «شرح على خلاصة الكيداني»، و «شرح الأربعين»، (ت 949 هـ) (¬3).
12. فيض الحسن بن نور الحسن الحسيني السورتي الكَجراتي، له: شرح خلاصة الكيداني المسمَّى بـ «فرح شاهي»، و «الفتاوي النقشبندية» (ت 1151 هـ) (¬4)
13. محمد عابد النقشبندي السنامي اللاهوري، له شرح بسيط على «خلاصة الكيداني»، وتعليقات له على «تفسير البيضاوي»، وشرح على «قصيدة بانت سعاد»، ورسالة في «وجوه إعجاز القرآن»، ورسالة في «الأربعة الاحتياطية
¬
(¬1) ينظر: مقدمة العمدة 1: 29، ونزهة الخواطر 8: 418 - 419، وغيرها.
(¬2) ينظر: معجم المطبوعات 2/ 1581.
(¬3) ينظر: نزهة الخواطر ص 1352، وغيرها.
(¬4) ينظر: نزهة الخواطر ص 3471، ومعارف العوارف ص 107، وغيرها.
بعد صلاة الجمعة»، و «العشرة المبشرة في فضائل الأمة المرحومة»، (ت 1160 هـ) (¬1).
14. غلام إمام بن متهور بن مكارم بن غلام محمد الأفغاني الحيدر آبادي، له: «محيي الصلاة وترجمة الكيداني»، (ت 1285 هـ) (¬2)، وطبع هذا الشرح والترجمة وخلاصة الكيداني في مطبع در أحمدي أحمد حسن خان الهند سنة (1299 هـ)، وهي إحدى النسخ التي صححت عليها الكتاب.
15. نصر الله بن محمد عمر الخويشكي الخورجوي، أحد الفقهاء، وكان عالماً كبيراً بارعاً في كثير من العلوم والفنون، حريصاً على الدرس والإفادة، له: «شرح خلاصة الكيداني» بالفارسي، و «إرشاد البليد في إثبات التقليد»، و «شرح الرباعيات» لليوسفي في الطب، و «تاريخ دكن»، (ت 1299 هـ) (¬3).
ونسبوا له في الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي للمخطوطات شروحاً منها ما سبق ذكر مؤلفه، ومنهم من لم نذكرهم فيمن سبق، ومنهم:
16. البرجندلي (¬4).
17. البروسوي (¬5).
¬
(¬1) ينظر: نزهة الخواطر 3695 - 3697، ومعارف العوارف ص 107، وغيرها.
(¬2) ينظر: نزهة الخواطر 4759 - 4762، وغيره.
(¬3) نزهة الخواطر 5131 - 5132، ومعارف العوارف ص 107، وغيرها.
(¬4) ينظر: الفهرس الشامل 5: 321.
(¬5) ينظر: المصدر السابق 5: 322.
18. تاج الدين (¬1).
19. محمد بن حمزة (¬2).
20. علي القاري (¬3).
21. قاضي زاده الفيض الصمداني (¬4).
22. الطرسوسي (¬5).
23. التباني (¬6).
24. إبراهيم الحلبي (¬7).
25. عبد المجيد الرومي، وسماه: «المتممة شرح المقدمة» (¬8).
26. ابن المنقار، وسماه: «فتح رب الغيث شرح مقدمة الصلاة» (¬9).
¬
(¬1) ينظر: المصدر نفسه 5: 322.
(¬2) ينظر: نفس المصدر 5: 322.
(¬3) ينظر: الفهرس الشامل 5: 322.
(¬4) ينظر: المصدر السابق 5: 324 ..
(¬5) ينظر: نفس المصدر 3: 472.
(¬6) ينظر: المصدر نفسه 5: 533.
(¬7) ينظر: الفهرس الشامل 5: 534.
(¬8) ينظر: المصدر السابق 5: 534.
(¬9) ينظر: نفس المصدر 5: 537.
27. حسين اسكندر الرومي (¬1).
لكنَّ هذه الشروح المذكورة في الفهرس الشامل تحتاج إلى التأكد من نسبتها لمؤلفيها، وصحة كونها على «مقدمة الصلاة» التي نحن في صددها؛ لما يحتاج له الفهرس من التمحيص والمراجعة من قبل أهل الاختصاص، بعد إخلاص النية لله - جل جلاله -، فذكر هذه الشروح هنا لا يعني صحة نسبتها، والله الموفق.
رابعاً: من نسخ المقدمة المخطوطة:
1. ثلاث نسخ مخطوطة في الظاهرية برقم (5277، 5298، 9239)، وفي آخر النسخة الثالثة: هي من تصنيف بهاء الحق والدين الكيداني - رضي الله عنه -، واستخرج الأحكام من المحيط والفتاوى الخانية، والهداية، وحاشيتها، والمتفق (¬2).
2. نسخة في المكتبة القادرية في بغداد برقم (1472) ضمن مجموع رسائل، واسمها: «عمدة المصلي»، تم نسخها (1295 هـ) (¬3).
3. نسختان في مكتبة الأوقاف العامة في بغداد برقم (1824، 1825)، كتبت إحداهما على يد حمزة بن إسماعيل في سنة (1229 هـ) (¬4).
خامساً: طبعات المقدمة:
¬
(¬1) ينظر: المصدر نفسه 5: 540.
(¬2) ينظر: فهرس مخطوطات الظاهرية 2: 127 - 128.
(¬3) الآثار الخطية 5: 301.
(¬4) ينظر: فهرس المخطوطات في مكتبة الأوقاف العامة 1: 541.
طبعت مع شروحها الثلاثة المسمى: بـ «معراج المؤمنين في أهل عليين» للسرهندي، و «شرح خلاصة الكيداني» للقاسمي، وشرح مجهول المؤلف في
الآستانة سنة (1327 هـ) دهلي (1300 هـ) (¬1).
وطبعت بالعربية والفارسية في طشقند سنة (1893 هـ)، وكتب اسمه: هذا كتاب فقه كيداني مع مولانا شمس الدين محمد القهستاني (¬2).
وطبعت مع شرح خلاصة الكيداني للسمهلي مع كتاب «شرح مختصر الوقاية» لأبي المكارم بن عبد الله بن محمد السهمودي (¬3).
وطبعت مع «شرح خلاصة الكيداني» وترجمته للأفغاني في مطبع در أحمدي في الهند سنة (1299 هـ).
سادساً: مكانة المقدمة لدى العلماء واعتماد مسائلها:
مما لا شكّ فيه أنَّ هذه المقدمة نالت عناية واهتماماً كبيراً من العلماء في التدريس والشرح والترجمة وغيرها، ومما يؤكد ذلك: كثرة الشروح عليها، وانتشارها في البلاد وبين العباد، حتى قال القهستاني كما سبق: «إنَّها انتشرت انتشار الشمس في رابعة النهار في ما وراء النهر».
ويرجع سبب هذه المكانة التي نالتها المقدمة إلى ما يلي:
¬
(¬1) ينظر: معجم المطبوعات 2: 1581.
(¬2) ينظر: المصدر السابق 2: 1581.
(¬3) ينظر: المصدر نفسه 2: 1581، 1052، 347.
1. صغر حجمها، الأمر الذي يسهل دراستها وتدريسها في وقت وجيز، وكذلك يشجع العلماء في الإقبال على شرحها وتوضيحها بالشروح المختلفة
السابق ذكر بعضها.
2. حسن ترتيبها في تقسيمها للفرائض والواجبات والسنن والمستحبات والمكروهات والمباحات والمفسدات، وتقسيمها إلى خاصة وعامة.
3. براعة حبك عباراتها في احتوائها على المعاني الكثيرة.
4. كثرة الضوابط في تراكيب جملها مما تخلو عنه المطولات.
5. اشتمالها على فروع دقيقة قلَّ وجودها في غيرها، وهذا مصداق ما قال شارحها إبراهيم البخاري: «إنَّها مع نهاية صغرها مشتملةٌ على مسائل ضرورية، يحتاج إليها البرية، مغنية عن مئة مؤلف من المتداولات ... » (¬1).
الأول: كلام العلماء في اعتبار مسائلها:
الأسباب السابقة وغيرها جعلت لهذه المقدمة هذه الشهرة الكبيرة، ولكن رغم ذلك وجدنا الإمام اللكنوي قال (¬2): «ومن الكتب الغير المعتبرة: «فتاوي إبراهيم شاهي» من مؤلفات القاضي شهاب الدِّين الدولة آبادي ... ومنها: تصانيف نجم الدِّين مختار بن محمود الزاهدي المعتزلي الاعتقاد حنفي الفروع .. كـ «القنية» و «الحاوي»، و «المجتبى شرح مختصر القدوريّ» ... ومنها:
¬
(¬1) ينظر: كشف الظنون 2: 1802.
(¬2) في مقدمة عمدة الرعاية ص 12.
«السراج الوهاج شرح مختصر القدوري» من مؤلفات أَبِي بكر الحدادي ... ومنها: «الفتاوي الصوفية» لفضل الله محمد بن أَيوب ... ومنها: «فتاوي ابن نجيم»، و «فتاوي الطوري» ... ومنها: «خلاصة الكيداني» المنسوبة إلى لطف الله النَّسَفيّ».
وقال أيضاً (¬1): «خلاصة الكيداني» ... وهو من الكتب غير المعتبرة».
وقال العلامة محمد تقي العثماني (¬2) عند ذكر وجوه عدم اعتبار الكتب: «الوجه الأول: عدم الاطلاع على حال مؤلفه: ربما يكون الكتاب غير معتبر لعدم معرفة حالة المؤلف، فإنَّه لا يعرف هل كان فقيهاً معتمداً، أم جامعاً بين الرطب واليابس، فمنها: «خلاصة الكيداني»، فإنَّه لا يعرف مؤلفه، وقد ثبت أنَّه ذكر فيها روايات واهية ... ».
الثاني: أسباب عدم اعتبار الكتب:
وقبل الولوج في الكلام بخصوص هذه المقدمة المباركة، يحسن بنا أن نورد أسباب عدم اعتبار الكتب الفقهية التي نصَّ عليها العلماء؛ إيضاحاً للأمر، ثم بيان شروط الأخذ منها، وقد كنت فصلت الكلام في هذا المقام في «المدخل إلى دراسة الفقه الإسلامي»، وأوجز هنا ذلك بما يوضح المرام:
¬
(¬1) في غيث الغمام ص 35.
(¬2) في أصول الإفتاء ص 30.
1. عدم الاطلاع على حال مؤلّفه، فربّما يكون الكتاب غير معتبر لعدم معرفة حال المؤلف، كما سبق في كلام العلامة محمد تقي العثماني.
2. عدم تمييزه وتنقيده بين الصحيح والغلط وبين القول المردود والمقبول.
3. جمع الروايات الضعيفة والمسائل الشاذة من الكتب غير المعتبرة.
4. إعراض أجلّة العلماء وأئمة الفقهاء عن الكتاب؛ لأنَّه لو كان نافعاً مفيداً لتداولته الأيدي وتسابق عليه الطلبة والكملة.
5. الشكّ في نسبة الكتاب إلى المؤلف؛ فإنَّ هناك كتباً منسوبة إلى المؤلفين المعروفين بالعلم والفقه وهي متداولة غير نادرة، ولكن لا يتيقن نسبتها إلى مؤلفيها.
6. الاختصار المخلّ بالفهم؛ فإنَّ هناك كتباً لا شك في جلالة قدرها والثقة بمؤلفيها، ولكن فيها إيجازاً مخلاً بالفهم.
وحكم هذا القسم: أنَّه لا يجوز الأخذ منها إلا بعد الوقوف على أصل المسألة المنقولة فيها في الكتب المعتمدة، ومراجعة الشروح والحواشي الموضوعة عليها، قال ابن عابدين (¬1): «إنَّ فيها من الإيجاز في التعبير ما لا يفهم معناه إلا بعد الاطلاع على مأخذه, بل فيها في مواضع كثيرة الإيجاز المخل, يظهر ذلك لمن مارس مطالعتها مع الحواشي، فلا يأمن المفتي من الوقوع في الغلط إذا اقتصر عليها، فلا بد له من مراجعة ما كتب عليها من الحواشي أو غيرها».
¬
(¬1) في رد المحتار 1: 70، وينظر: النافع الكبير ص 26.
وقال اللكنوي (¬1): «وأما الكتب المختصرة بالاختصار المخلّ فلا يفتى منها إلا بعد نظر غائر وفكر دائر، وليس ذلك لعدم اعتبارها، بل لأنَّ اختصاره يوقع المفتي في الغلط كثيراً». وقال (¬2): «ولا يجترئ على الإفتاء من الكتب المختصرة وإن كانت معتمدة ما لم يستعن بالحواشي والشروح، فلعل اختصاره يوصله إلى الورطة الظلماء».
فعدم جواز الإفتاء من الكتب الموجزة ليس معناه أنَّ هذه الكتب غير معتبرة في نفسها، ولكنَّها لما فيها من الإيجاز لا يأمن المفتي من الوقوع في الغلط إذا اقتصر عليها، حتى إذا تيقن المفتي من المراد بعد المراجعة، فلا بأس حينئذ بالإفتاء منها (¬3).
7. إن لم يكن الكتاب فقهياً؛ فربّما يكون الكتاب في موضوع آخر سوى الفقه: كالتصوف والأسرار والأدعية والتفسير والحديث، وإنَّما تذكر فيه المسائل الفقهية تبعاً لا مقصوداً.
8. الندرة والنفاد؛ فإنَّ هناك كثيراً من الكتب الفقهية التي كانت معتمدة متداولة في زمنها ولكن نفدت نسخها بحيث لا توجد هذه النسخ إلا نادراً.
9. كثرة التحريف والتصحيف والأخطاء المطبعية؛ فإنَّ اهتمام كثير من الناشرين بالكسب المادي يحمل على طبع بعض الكتب من غير تمحيص وتحرير
¬
(¬1) في النافع الكبير ص 30.
(¬2) في النافع الكبير ص 26.
(¬3) ينظر: أصول الإفتاء ص 32، وغيره.
ومقابلة بنسخ خطية موثوقة؛ مما يجعل الكتاب مليئاً بالأخطاء التي تغيّر المعنى ومقصود العبارة.
الثالث: أمثلة على الكتب غير المعتبرة:
هذه مجموعة من الكتب غير المعتبرة، بناءً على الأسباب السالفة؛ إذ أنَّ كثيراً منها توفّر فيه أكثر من سبب لعدم اعتباره ـ كما سيظهر لك ـ.
1. «جامع الرموز في شرح النقاية»: لمحمد الخرساني القُهُستاني (ت نحو 953 هـ)؛ وسبب عدم اعتباره جهالة حال المصنف والروايات الضعيفة (¬1).
2. «شرح كنْز الدقائق»: لملا مسكين، معين الدين الهروي (ت 954 هـ)؛ وسبب عدم اعتباره عدم معرفة حاله، وشدّة اختصاره، ولأبي السعود حاشية ضخمة عليه فيها فكّ لعبارته وتوضيح لها.
3. «قنية المنية» و «المجتبى شرح القدوري» و «الحاوي»: لمختار بن محمود الزاهدي الغزميني (ت 658 هـ)، وسبب عدم اعتبارها جمعها للرواية الضعيفة والغريبة؛ قال ابن عابدين (¬2): «نقل الزاهدي لا يعارض نقل المعتبرات النعمانية، فإنَّه ذكر ابن وهبان أنَّه لا يلتفت إلى ما نقله الزاهدي مخالفاً للقواعد ما لم يعضده نقل من غيره».
¬
(¬1) ينظر: دفع الغواية ص 37، وتذكرة الراشد ص 56، وغيث الغمام ص 30، ومقدمة عمدة الرعاية ص 12. والعقود الدرية 2: 324، وغيرها ..
(¬2) في العقود الدرية 2: 324.
4. «شرعة الإسلام»: لركن الإسلام محمّد بن أبي بكر الجُوغِيّ السَّمَرْقَنْدِيّ (ت 573 هـ)، قال اللكنوي (¬1): «وجدته كتاباً نفيساً مشتملاً على المسائل الفقهية، والآداب الصُّوفيَّة، إلا أنَّه مشتملٌ على كثير من الأحاديث المختلفة، والأخبار الواهية المنكرة» (¬2).
5. «السراج الوهاّج شرح مختصر القُدُوريّ» و «الجوهرة النيرة شرح مختصر القدوري»: لأبي بكر بن عليّ الحَدَّاديّ (ت 800 هـ)، عدّه البركوي واللكنوي من الكتب المتداولة الضعيفة غير المعتبرة مع أنَّ مؤلفه كان عالماً عاملاً ناسكاً فاضلاً زاهداً، سارت بمؤلفاته الركبان (¬3).
6. «الفتاوى الصوفية»: لفضل الله بن محمد بن أيوب (ت 666 هـ)، قال البركوي: «إنَّها ليست من الكتب المعتبرة، فلا يجوز العمل بما فيها إلا إذا علم موافقتها للأصول» (¬4).
7. «شرح النقاية»: لأبي المكارم عبد الله بن محمَّد (ت بعد 907 هـ)، قال ابن عابدين (¬5): «رجل مجهول، وكتابه كذلك».
¬
(¬1) في الفوائد البهية ص 266.
(¬2) ينظر: كشف الظنون 2: 1044، والجواهر المضية 3: 103، وغيرهما ..
(¬3) ينظر: النافع الكبير ص 29،ومقدمة عمدة الرعاية 1: 12،وتاج التراجم ص 141.وكشف الظنون 2: 1631، وغيرها.
(¬4) ينظر: الكشف 2: 1225، والفوائد ص 250، وغيرهما.
(¬5) في تنقيح الفتاوى الحامدية 2: 324.
8. «فتاوى ابن نجيم»: لزين العابدين إبراهيم ابن نجيم المصري (ت 970 هـ)؛ عدّه أبو السعود الأزهري واللكنوي من الكتب غير المعتمدة (¬1).
9. «الأشباه والنظائر»: لابن نجيم أيضاً؛ لشدّة اختصاره، وكثرة السقط في النقل، وترجيح غير ما هو راجح ـ كما سيأتي عن ابن عابدين ـ.
10. «الدر المختار شرح تنوير الأبصار»: لمحمد بن علي الحصكفي (ت 1088 هـ)؛ قال ابن عابدين (¬2): ««الدر المختار»، و «الأشباه والنظائر» ونحوها، فإنَّها لشدة الاختصار والإيجاز كادت تلحق بالألغاز، مع ما اشتملت عليه من السقط في النقل في مواضع كثيرة، وترجيح ما هو خلاف الراجح، بل ترجيح ما هو مذهب الغير مما لم يقل به أحد من أهل المذهب».
11. «النهر الرائق شرح كنْز الدقائق»: لسراج الدين عمر ابن نجيم (ت 1005 هـ)؛ عدّه هبة الله البعلي (ت 1224 هـ) من الكتب التي لا يجوز الإفتاء منها لشدّة اختصاره (¬3).
12. «رمز الحقائق شرح كنْز الدقائق»: لبدر الدين العَيني (ت 855 هـ)؛ لا يجوز الإفتاء منه لشده اختصاره، كما قال البعلي (¬4)، وإلا فهو كتاب معتبر، ومؤلفه من مشاهير الحنفية.
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار 1: 70، ومقدمة عمدة الرعاية 1: 12، وغيرهما.
(¬2) في شرح عقود رسم المفتي 1: 13.
(¬3) ينظر: شرح عقود رسم المفتي 1: 13، وغيره.
(¬4) ينظر: شرح عقود رسم المفتي 1: 13، وغيره.
13. «البناية في شرح الهداية»: للعيني أيضاً؛ فإنَّه من الكتب المعتبرة لمكانة مؤلفه، واعتماده للمعتمد من المذهب، إلا أنَّه لما كثرت الأخطاء الطباعية فيه، لم يعد يؤمن على عبارته من التحريف والتبديل مما يوقع المفتي في اللبس ما لم يكن متضلعاً في الفقه.
الرابع: ضوابط وشروط الأخذ من الكتب غير المعتبرة:
مرّ بيان حكم الأخذ من كل قسم من الكتب غير المعتبرة، ونورد هنا إجمالاً لشروط الأخذ منها، وهي:
1. أن لا يخالف ما أخذه ما في الكتب المعتبرة، قال اللكنوي (¬1): «فإن وجد مسألة في كتاب لم يوجد لها أثر في الكتب المعتمدة، ينبغي أن يتصفح ذلك فيها، فإن وجد بها وإلا لا يجترئ على الإفتاء بها».
2. أن تكون المسائل التي يأخذها موافقة للأصول المعتمدة.
3. أنه لا يجوز الأخذ إلا لمَن كان أهلاً لذلك من كونه يتميَّز بسعة العلم ودقّة النظر، وقوة الحفظ.
4. أن يراجع المطولات من الشروح والحواشي وغيرها؛ للاطلاع على ضوابط المسألة وتقييداتها.
قال الإمام اللكنوي (¬2): «أجاز الفقهاء النَّقل عن الكتب غير المعتبرة، وأخذ ما فيها، بشرط أن لا يخالف ما فيهما ما في الكتب المعتبرة، وأباحوا الاعتماد على ما
¬
(¬1) في النافع الكبير ص 26.
(¬2) في تذكرة الراشد ص 98 - 99. وينظر: ص 97 - 98 منه، ومقدمة عمدة الرعاية 1: 13، والمنهج الفقهي ص 171، وغيرهما.
فيها من المسائل، إذا وافقت الأصول المعتمدة، وهذا إنما يحصل لمن له سعة علم ونظر، وقوة حفظ وبصر، فيباح له الأخذ عن مثل هذه الكتب الغير المعتبرة.
وأما مَن ليس له علم، ولا فهم، ولا له امتياز بين الحسن والشوم، والهدهد والبوم، ولا له عرفان بصحة ما فيها وسقمها، وصوابها وخطئها، ومعروفها ومنكرها، وجلّ مقصده إنما الجمع والترتيب، والسجع والتأليف، من غير التزام الصحة وتمييز الثقة عن غير الثقة، فلا يحلّ له النقل بكل ما فيها، من دون تنبيه على ما فيها».
الخامس: وقفة مع اعتماد مسائل المقدمة:
إن استبان لك ما سبق أمكننا أن نرجع سبب كلام اللكنوي والعثماني إلى أمرين:
1. جهالة حال مؤلفها، فإن اللكنوي والعثماني من علماء الهند، وهي مشهورة بخلاصة الكيداني، والكيداني رجل مجهول الحال، لا تعرف مكانته في الفقه هل هو من أعالي العلماء أم من أدانيهم؟
2. نقله لروايات واهية في كتابه، وغير معتمدة عند أهل الشأن.
وأضيف لهما سببين آخرين، وهما:
3. الشكّ في نسبتها إلى مؤلفها، فقد نسب إلى الفناري وابن كمال باشا والكيداني.
4. شدة اختصار عباراتها مما يجعلها موهمة وموقعة في الزيغ إن لم يراجع الآخذ منها شروحها وحواشيها، أو لم يكن من الكملة المتمكنين في الفقه.
فهذا المذكور لا يسقطها، ولكن يجعل الطالب على بصيرة من مسائلها، وكيفية الأخذ والاستفادة منها، وبيان ذلك فيما يأتي:
1. إن جهالة حال المؤلف واقعة في كثير من الكتب كما سبق ومنها: «منية المصلي» للكاشغري (ت 705 هـ)، ومع ذلك فإنها من الكتب المعتمدة كما قالوا، فجهالته لا تسقط الكتاب إن كانت مسائله معتمدة، وإنما معرفة حال المؤلف تزيد من قوة الكتاب ومكانته وهكذا.
2. إن نقله للروايات الواهية غير المعتمدة لم يخل منها كتاب تقريباً، فما من كتاب إلا وردوا بعض مسائله واستدركوا عليه، لكن التفاوت بين الكتب فيمن عادته نقل الروايات الضعيفة بكثرة دون تمحيص، وهذا يحذر منه كـ «القنية» و «جامع الرموز»، أو فيمن سبق قلمه بذكر بعض ما لا يعتمد من المسائل كـ «الأشباه والنظائر»، و «الدر المختار»، وهذا ينبه عليه، والمقدمة التي بين أيدينا الأقرب إدراجها في الصنف الثاني؛ لأنه بعد تتبع مسائلها مسألة مسألة ومراجعتها في الكتب المعتبرة والمعتمدة أثناء وضع هذا الشرح عليها تبيَّن أن مردّ المؤاخذة على فروعها في أمرين، وهما:
1) أنه جعل باباً في محرمات الصلاة، وأدرج فيه بعض الفروع، وهذا الباب وتلك الفروع لم أقف على أحد من الكتب المعتمدة وافقه عليها، وفعل فعله سواء فيمن سبقه أو من لحقه، وبتتبع تلك الفروع تبيَّن أنها تدور بين الكراهة التحريمية والتنزيهية وغيرها، وليست من المحرمات، وهذا الباب وفروعه المحدودة وجد تعقيباً عليها بشدة من قبل شارحها العلامة عبد الغني النابلسي بخلاف باقي الأبواب والمسائل، وقد نقلت ذلك التعقيب عليها هناك، وحقيقة أن هذه المحرمات هي المأخذ على هذه الرسالة المباركة تقريباً، فتنبه.
2) أنه دقق في بعض المسائل من تقسيم جزء من الفعل إلى سنة وباقيه مستحب، ولا يوجد هذا التدقيق لدى المطولات المعتمدة من ذلك مسألة الالتفات في السلام، مما جعل الشارح النابلسي يحتار في توجيه عبارة المصنف، ولكن هذا مما يمكن التسامح فيه، بخلاف ما سبق من المحرمات.
3. إن الشك في نسبتها إلى مؤلفها يجاب عنه بما ذكر في النقطة الأولى من أنه له أهمية في ارتفاع شأن الكتاب لا في عدم اعتبار مسائله.
4. إن الاختصار الشديد فيها، هو ديدن كل المتون المعتبرة، فهو ميزة للكتاب في إفادته المعاني الكثيرة من التراكيب القليلة، ولكنه ذكر عند الكلام على أسباب عدم اعتبار الكتب؛ للتنبيه على أن من يرجع إلى هذه المختصرات عليه أن يراجع الشروح والحواشي عليها خوفاً من حمله عبارتها على غير المقصود، أو أن يكون من العلماء المتمكنين من العبارات الفقهية.
وحاصل ما سبق أن على مَن يقرأ أو يَدْرُس أو يُدَرِّس هذه المقدمة اللطيفة أن يراجع الشروح المعتمدة عليها خوفاً من الزيغ، فهي مع شروحها يكتمل بدرها، وهذا إذا لم يكن ممن له قدم راسخة في الفقه، ولا تغفل عما سبق ذكره في كيفية الأخذ من الكتب غير المعتبرة.
سابعاً: صور بعض النسخ التي اعتمدت في التحقيق والتصحيح والشرح للمقدمة:
نسخة مقدمة الصلاة من المكتبة القادرية
صفحة أخرى من نسخة مقدمة الصلاة من المكتبة القادرية
الصفحة الأولى من شرح النابلسي على مقدمة الصلاة من مخطوطات دار صدام
الصفحة الأخيرة من شرح النابلسي على مقدمة الصلاة من مخطوطات دار صدام
الصفحة الأولى من الطبعة الحجرية لمقدمة الصلاة بشرح الأفغاني عليها
الصفحة الأخيرة من الطبعة الحجرية لمقدمة الصلاة بشرح الأفغاني عليها
القسم الثاني
ضوء الدراري
من أخبار الشمس الفناري
تمهيد:
إن الحديث عن أي شخصية يتطلّب التعريج على العصر الذي عاشت فيه، لما في ذلك من عظيم الفائدة، والتي تظهر في أمور، منها:
الأول: تصور هذا العصر ولو بصورة مبسطة، يمكن فيها فهم هذه الشخصية، فإن البيئة التي يعيش فيها المرء يكون لها مردودها الكبير على شخصيته وسلوكه وتصوراته، وعلى تحليل كثير من أفعاله.
الثاني: أن هناك الكثير من الأحداث والمساجلات التي تمرُّ أثناء الحديث عن الشخصية، فإن لم يكن هناك تعريف لزمانه وبعض أفراده، لا يمكن فهم هذه الأحداث والمساجلات، بل يمكن أن يقف الإنسان منها موقف المتحيّر أو المتعجب، بدل أن يكون موقفه موقف المستسهل المتفكّر المتدبِّر المتعظ.
وفي كلامنا عن عصر مترجمنا سنخص الدولة العثمانية بحصة الأسد؛ لأن غالبية مجريات أحداث حياته كانت فيها، ولا سيما مع السلطان بايزيد الأول،
ونفرد كلاً من بلاد قرامان التي يرجع إليها أصله، وفيها كان بداية طلبه العلم، ومصر التي أتمَّ طلبه للعلم فيها، وسافر إليها عدّة مرات، بشيء يسير من الكلام يكشف الغطاء عن حالهما في ذلك العصر.
المطلب الأول: في عصر الفناري:
أولاً: الدولة العثمانية:
الكلام عن هذه الخلافة العظيمة له شجون؛ إذ أعادت للأمة ولكل من نظر في تاريخها سيرة سلف الأمة الصالح، الذين لم يكن لهم همٌّ سوى فتح البلاد ونشر الإسلام، حتى أنه لما دخل عمر بن الخطاب على أبي عبيدة، وكان قائد الجيوش الإسلامية في بلاد الشام، ولم يجد في بيته سوى السيف والترس والراحلة، فقال له: لو اتخذت شيئاً من المتاع: أي الأثاث، فأجابه أبو عبيدة: إن هذا يكفينا لحياتنا الدنيا (¬1)، ومعنى كلامه أنه ليس لي هدف في الدنيا إلا فتح البلاد ونشر الإسلام وهذا لا يتطلب شيئاً من المتاع، وإنما يحتاج إلى هذه الثلاثة فحسب.
هذا الإيمان والقناعة التي كانت تسيطر على ذواتهم، وتسيِّرهم في مرضاة الله عزَّ وجلَّ مكَّنتهم من بلوغ المكانة العالية بين الأمم، وعند الله عزوجل، والتي لم يبلغها من جاء بعدهم؛ إذ أنهم استطاعوا في مدّة يسيرة فتح بلاد كثيرة ونشر الإسلام فيها، ما لم يستطع غيرهم فعله في أزمان طويلة.
¬
(¬1) ينظر: مختصر حياة الصحابة (ص 274) عن أبي نعيم وصفوة الصفوة (1: 143)،والإصابة (2: 253).
فكان اهتمام سلاطين آل عثمان ولا سيما الأوائل منهم فتح البلاد، ونشر الإسلام، فتجد أحدهم يسير من فتح إلى فتح، ومن معركة إلى معركة حتى أدخلوا الإسلام في أوروبا، وفي بلاد كثيرة لم يدخلها الإسلام قبلهم، وأعادوا للخلافة الإسلامية عزتها التي جعلت كل عروش أوروبا تقف موقف المسالم والمهادن لها، بل كثير منهم دفع الجزية لها وهم صاغرون، أحيوا الجهاد وسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيه بالتخيير بين الإسلام أو الجزية أو السيف.
ويكفي شرفاً لهذه الخلافة أنها فازت بثناء الرسول - صلى الله عليه وسلم - على فاتحها وجيشها الذي استطاع أن يفتح القسطنطينية التي استعصت على كلِّ من قبلهم.
ويرجع سبب التسمية إلى عثمان بن طغرل المؤسس الحقيقي، وإن كان والده مهَّد لها؛ إذ قاتل مع السلاجقة ضد الخوارزميين، فأقطعه سلطان السلاجقة بعض الأراضي الخصبة قرب أنقرة، واستطاع بغزواته المستمرة ضد البيزنطيين أن يوسع أراضيه (¬1)، ورفع ابنه عثمان (699 - 726 هـ) (1299 - 1326 م) من بعده لراية الجهاد في سبيل الله جذبَ إليه عدداً غير قليل من المجاهدين المتطوعين، ممَّا ساعده في فتح كثير من الأقاليم البيزنطية وإدخالها ضمن الأراضي الإسلامية (¬2).
وأوصى لابنه أورخان (726 - 761 هـ) (1326 - 1360 م) بالملك من بعده، واكتفى شقيقُه الأكبرُ علاءُ الدين بالوزارة وإدارة الشؤون الداخلية، فهو أول وزير في الدولة العثمانية، والخط الجهادي الذي كانت تسلكه الدولة جعل
¬
(¬1) ينظر: العثمانيون (ص 16 - 18).
(¬2) ينظر: المصدر السابق (ص 20 - 23).
أورخان يفكّر جدّياً بإنشاء جيش نظامي ممّا جعله يوظف الأسرى الذي يكونون صغار السن لذلك، فاهتمَّ بهم اهتماماً كبيراً، وربَّاهم تربية جهادية، ورسَّخَ مبادئ الإسلام في قلوبهم، ومتى بلغوا السنَّ اللائقَ للخدمة العسكرية أدخلهم فرق الإنكشارية التي شكلت قوة دائمة وجاهزة للسلطان الحاكم، وكان لهذا الجيش الإنكشاري الدور الكبير في توسيع رقعة الدولة العثمانية (¬1)، وقد أسس أورخان التكايا وأنشأ المدارس وبنى المساجد، فبنى في مدينة إزنيق أوّل مدرسة في الدولة وأقامَ الشيخ داود القيصري القراماني (¬2) مدرساً فيها (¬3)، وبنى الأمير شاهين لالا مدرسة في مدينة بروسة (¬4).
وتولَّى من بعده ابنه مراد الأول (761 - 791 هـ) (1360 - 1389 م) الذي استطاع أن يؤدِّب الإمارات التركمانية ويضمَّ كثيراً من أراضيها لدولته، واستطاع فتح مدينة أدرنه الاستراتيجية، وجعلها عاصمة له بعد بروسة التي عادت بعيدة عن الفتوحات في أوروبا، ولمَّا عَظُمَ شأن الدولة راح جيرانها يرسلون لها رسلاً تعرض على مراد عقد معاهدة تجارية بينهما مقابل دفع جزية سنويّة.
¬
(¬1) ينظر: العثمانيون (ص 24 - 29).
(¬2) له شرح فصوص ابن العربي ووضع لشرحه مقدمة بيّن فيها أصول علم التصوّف، ويفهم من كلامه في تلك المقدمة مهارته في العلوم النقلية أيضاً، وكان عابداً زاهداً متورعاً، صاحب أخلاق حميدة. ينظر: الشقائق (ص 8).
(¬3) ينظر: الشقائق (ص 8). والعثمانيون (ص 36).
(¬4) ينظر: الشقائق (ص 9).
وقد تابع مراد فتوحاته في أوروبا الشرقية فنجح في الوصول إلى نهر الدانوب وانتصر على الجيوش الصربية البلغارية المشتركة التي حاولت إيقاف تقدمه، كما سيطر على مقدونيا وساحل دلماسيا وأجبر أمراء الصرب والبلغار على الدخول في طاعته، واضطر هؤلاء إلى عقد الصلح لقاء دفع خراج سنوي وعلى أن يتزوَّجَ مراد بنت أمير البلغار، ووصل إلى جهات البوسنة في عمق أوروبا، فتوسعت الدول في عهده إلى خمس مرات ما كانت عليه (¬1).
وتولَّى بايزيد (791 - 816 هـ) (1389 - 1413 م) الحكمَ بعد مقتل والده مراد في معركة كوسوفو أثناء تجواله بين صفوف المحاربين ليتفقدَ القتلى والجرحى بعد انتصاره فيها، إذ انقض عليه جندي صربيٌّ وطعنَه بخنجره، فبايعَه الجندُ والوزراء في ميدان الحرب، وعاد إلى بروسة ومعه والده ودفنه فيها.
وكان على جانب كبير من الشجاعة والإقدام وأحرز لقب يلدرم: أي الصاعقة نظراً لسرعته في وضع وتنفيذ الخطط الحربية (¬2).
وقد استطاع بايزيد خان فتح باقي الولايات السلجوقية كقرمان وسيواس وتوقات وقسطموني وضمّها إليها، وجعل مواليه ولاة عليها.
وتوجه بجيش لمحاصرة القسطنطينية وأجبر الإمبراطور الخضوع لشروطه لإحلال السلام بينهما، وذلك بزيادة الضريبة التي يدفعها، وتأسيس حي خاص
¬
(¬1) ينظر: العثمانيون (38 - 46).
(¬2) ينظر: العثمانيون (ص 47). وتاريخ الدولة العثمانية (ص 61).
للمسلمين في القسطنطينية، وإنشاء مسجد ومحكمة شرعية، وتمركز قوة عسكرية عثمانية مؤلفة من ستة آلاف جندي على طول الشاطئ الشمالي للقرن الذهبي (¬1).
وعلى الجبهة البلقانية استطاع أن يكسب تأييد الصرب وتمكّن من هزيمة الأفلاق والألبان، ولم تبق أمامه غير الجبهة البلغارية التي مثَّلَث مركز المقاومة للتقدم العثماني في شرقي أوروبا. وكانت بلغاريا بين بايزيد وسيجسموند ملك المجر الذي تقع مملكته في طريق التوسع العثماني، وقد أدرك مدى التهديد الخطير الذي فرضه العثمانيون على مملكته لذلك بادر إلى مدِّ يد المساعدة لبلغاريا. وهجم البلغار على مدينة نيقوبوليس ونجحوا في الاستيلاء عليها بعد حصار طويل، ولكنهم اضطروا للجلاء عنها عندما علموا بتقدم الجيش العثماني بقيادة السلطان، وقد كان السلطان حينها محاصراً للقسطنطينية ففك الحصار عنها على الشروط السابق ذكرها لمواجهة البلغاريين، واستطاع أن يتغلَّب عليهم، وأضحت بلغاريا ولاية عثمانية كباقي الولايات بعد أن قتل أميرها سيسمان، واستسلم ابنه، فعينه بايزيد حاكماً على سامسون.
وأدرك سيجسموند من التقدم الذي أحرزه بايزيد وخشي أن يحل ببلاده ما حلَّ ببلغاريا، وعلم أن لا طاقة له على مقابلة العثمانيين ووقف تقدمهم في البلقان، فاستنجد بأوروبا، وأدرك البابا بونيفاس وملوك أوروبا أن الطريق أمام العثمانيين إلى قلب أوروبا يصبح مفتوحاً فيما لو نزلت بالمجر هزيمة كبرى، وخشي البنادقة من التقارب العثماني البيزنطي، ورأوا في استيلاء العثمانيين على المضائق
¬
(¬1) ينظر: العثمانيون (ص 50).
والقسطنطينية خطراً كبيراً يهدد مصالحهم التجارية مع الشمال، وتحمل الجميع عبء حملة صليبية للقضاء على الوجود العثماني في الأفلاق والأراضي البلغارية، وتتولى فيه بحرية البنادقة كسر الخطوط البحرية العثمانية المتواجدة في مضيفي البوسفور والدردنيل.
فتحرك الجيش الأوروبي الذي بلغ عدده مئة وعشرين ألف مقاتل بقيادة سيجمسوند ملك المجر، وفي الوقت نفسه تقدم البنادقة باتجاه المضائق ونجحوا في اختراق خطوط الدفاع العثمانية، وانتظروا أن تقوم القوات البرية بنصيبها من جهة الغرب، ويبدو أن سيجسموند لم ينجح في الوصول إلى المراكز الأمامية لخطوط الجبهة العثمانية، وآثر انتظار بايزيد في البلقان، فعسكر حول مدينة نيقوبوليس بهدف محاصرتها بعد أن اجتاز نهر الدانوب، ولما علم بايزيد بتحرك القوات الأوروبية تحرك بجيش كثيف، وقد انضم إليه أسطفان ملك الصرب وغيره من الأمراء المسيحيين الخاضعين للحكم العثماني، ودارت بين الطرفين معركة عنيفة نتج عنها انتصار للعثمانيين.
وبعد هذا الانتصار لم يعد بايزيد يطمئن إلى الحكام المحليين المحيطين به، خاصّة حكّام المروة نظراً لتحالفهم مع الصليبيبن؛ لذلك اتّجه إلى بلاد اليونان واصطدم بحاكم المروة في ليونتاريون، وتغلب عليه وأجبره على الدخول في طاعته.
ثم حاصر القسطنطينية لفتحها عنوةً، ولكن تقدم تيمورلنك بجيش في بلاده جعله يفك حصاره مع تجديد الصلح وشروطه، لمواجهته.
ولكن ما كان من اختيار تيمورلنك لمكان المعركة وعسكرته، وردم الآبار ودس السم في بعضها، وبقاء الجيوش العثمانية تسير مسرعة ثمانية أيام تحت أشعة الشمس المحرقة حتى أضحى الجيش العثماني كالموتى من التعب، وانسحبت بعض القوات التابعة للإمارات التركية الخاضعة حديثاً لسلطة بايزيد إلى صفوف تيمورلنك، ورغم هذه الظروف استمر بايزيد في الحرب ولم يعر التفاتة إلى طلب كل من الصدر الأعظم علي باشا وابنه سليمان، لذلك انسحب الاثنان بقواتهما باتجاه بروسة. وهزم العثمانيون في المعركة، ووقع بايزيد أسيراً وفرَّ أولاده بكل اتجاه. وعامله تيمورلنك بكل احترام وتقدير وأجلسه بجواره، ولكنه مرض فدعا له أفضل الأطباء وأرسل مَن يسهر على رعايته ومواساته، ومات بعد عام من هذه الهزيمة (¬1).
وعقب هذه الهزيمة تجزأت هذه الدولة العثمانية إلى عدّة إمارات صغيرة إذ أعاد تيمورلنك إحياء الإمارات التركية التي كان العثمانيون قد قضوا على استقلالها، فأطلق من سجون العثمانيين من كان فيها من أمراء وحكام هذه الولايات، وأعادهم إلى مناصبهم السابقة، وترك بايزيد بعده خمسة أولاد تفرقوا.
ولكن استطاع ابنه محمّد (816 - 825 هـ) (1413 - 1421 م) أن يبسط سيطرته على الدولة، فأعاد الإمارات التركية التي انفصلت، ووضع حداً للفوضى التي أعقبت وفاة والده، ولا سيما التي أثارها أخوته طلباً منهم للسلطنة، وقضى سنين حكمه الثمان في إعادة بناء الدولة وتوطيد أركانها (¬2).
¬
(¬1) ينظر: العثمانيون (ص 48 - 63).
(¬2) ينظر: العثمانيون (ص 64 - 72).
وتولَّى بعده ابنه مراد الثاني (825 - 855 هـ) (1421 - 1451 م) الذي سار على نهج والده في توطيد دعائم الدولة، وبسط النفوذ على بعض البلاد التي خسروها في معركة تيمورلنك، فاسترد ولايات آيدين وصاروخان ومنتشا والقرمان وغيرها، وبذلك يكون مراد الثاني قد استرد جميع ما كان فصله تيمورلنك من أقاليم عن الدولة العثمانية، وأضحى بإمكانه التفرغ لمشاكله الأوروبية (¬1)، فهزم القوات المجرية بقيادة يوحنا هونيادي أمير ترانسلفانيا، وفتح مدينة كرتشيفو وأجبره على توقيع معاهدة تقضي بالتخلي عن البلاد الواقعة على الشاطئ الأيمن لنهر الدانوب.
وأذعن ملك الصرب بعد أن أدرك أنه لا قبل له بمواجهة الجيش العثماني، وقبل أن يدفع الجزية، ثم توجَّه إلى سالونيك وفتحها، وتوجه إلى بلاد ألبانيا واكتسحها ودخل مدينة يانيا كما خضع له أمير الأفلاق الذي رضي بدفع جزية سنوية.
واتحدت القوى الأوروبية فيما بينها لدفع هذا الخطر الذي يهددها، فخاضت معارك مع السلطان أسفرت عن جنوحه للسلم معها ضمن شروط. ثم آثر مراد الثاني أن يتنازل عن العرش لابنه محمد البالغ من العمر أربع عشرة سنة، فاستغل البابا هذه الفرصة وأخذ يحرض المجر على نقض المعاهدة، فاتحد المجر وبولونيا وألمانيا وفرنسا وانكلترا والبندقية والدولة البيزنطية البابوية وبورغنديا ضد العثمانيين، ونتيجة لذلك ذهب وفد لمراد الثاني في عزلته وطلبوا منه أن يعود
¬
(¬1) ينظر: المصدر السابق (ص 73 - 75).
إلى الحكم انقاذاً للخطر المحدق بالدولة، ولبَّى الدعوة، وتولى زمام الأمور، وجهّز جيشاً ضخماً زحف به باتجاه العدو، واستطاع أن يوقع بهم هزيمة نكراء (¬1).
ثانياً: قرامان:
كانت قرامان تابعة لدولة السلاجقة التي كان أول مَن حكمَ فيها سليمان بن قطلمش (470 هـ)، وآخر مَن حَكَمَ فيها علاء الدين كيقباذ (700 هـ) (¬2)، وبعد زوال دولة السلاجقة تجزأت أملاكها في الأناضول إلى عشر إمارات صغيرة كانت قرامان إحداها وهي أقواها، إذ اتخذت من قونية عاصمة لها، وتوغَّل القرمانيون بعيداً في الأناضول ووصلوا إلى ما وراء أنقرة، وجميع أمراء الأناضول الغربي الآخرين كانوا يدفعون لها الجزية (¬3).
وبعد توسع الإمارة العثمانية، وقد كانت تابعة لدولة السلاجقة، أخذت إمارة قرمان التركمانية تنظر بعين الخوف الشديد لها، مما حمل أميرها علاء الدين على استغلال فرصة انتقال السلطة إلى مراد بن أورخان لتحريض الأمراء الآخرين على قتال العثمانيين، ولكن استطاع مراد أن يوجه إليه ضربات قاسية نتج عنها سيطرته على مدينة أنقرة عاصمة القرمانيين، بالإضافة إلى بعض القلاع والحصون، مما دفع علاء الدين إلى طلب الصلح ليحفظ ما تبقّى له من إمارته، كما زوجه ابنته لتمتين عرى الاتحاد بينهما (¬4).
¬
(¬1) ينظر: المصدر نفسه (ص 81 - 83).
(¬2) ينظر: العالم الإسلامي (2: 200).
(¬3) ينظر: العثمانيون من قيام الدولة إلى الانقلاب على الخلافة (ص 15).
(¬4) ينظر: المصدر السابق (ص 38).
وفي عهد بايزيد تنازل علاء الدين عن جزء واسع من أراضيه حتى يكسب رضاه، غير أنه استغل بعد ذلك انهماك بايزيد في بلاد الأفلاق ليسترد ما تنازل عنه للعثمانيين، فجهّز جيشاً وقصد مدينة أنقرة، واصطدم بالقائد العثماني تيمورتاش وتغلب عليه وأسره، إلا أن بايزيد خرج بنفسه لتأديب هذا الثائر واصطدم به في آق جاي وهزمه وأسره مع ولديه محمد وعلي وضم ما بقي من أملاكه خاصة مدينتي قونية ولارندا، وبذلك زالت إمارة القرمانيين وأضحت ولاية عثمانية (¬1).
وبعد انهزام بايزيد مع تيمورلنك رجع إليها استقلالها (¬2)، الذي لم يطل؛ إذ قاتل محمدُ بن بايزيد محمدَ بك بن قَرَمان في وقعة عظمية انهزم فيها ابن قَرَمان، ونجا بنفسه (¬3)، وأرجعها إلى حضيرة الدولة العثمانية مراد الثاني بن محمد وقتل أميرها محمد بك، وعيَّن ابنه إبراهيم والياً عليها مقابل تنازله للسلطان على إمارة الحميد (¬4).
ثالثاً: مصر:
كانت في عصره تحت حكم سلاطنة المماليك الذين ابتدأ حكمهم عليها في سنة (648 هـ) على يد عزّ الدين أيبك، وانتهى في سنة (923 هـ) على يد طومان باي؛ إذ استولى على حكمها بعدهم العثمانيون.
¬
(¬1) ينظر: نفس المصدر (ص 49).
(¬2) ينظر: المصدر نفسه (ص 64).
(¬3) ينظر: النجوم الزاهرة (14: 25).
(¬4) ينظر: العثمانيون (ص 75).
وكان أبرز سلاطين المماليك في عصره سيف الدين برقوق الذي تولى السلطنة في سنة (784 هـ) إلى سنة (801 هـ)، وكان عصره مشهوداً بكثرة العلماء فيه، وابنه الناصر فرج الذكي حكم من سنة (801 إلى 815 هـ)، وكان عظيماً شجاعاً، كثر في عصره العلماء والأدباء، والأشرف برسباي الدقماقي الظاهري الذي حكم من سنة (825 إلى 841 هـ)، وقد بنى المدارس، وغزا قبرص، وهزم ملكها وأسر جنوده (¬1).
والملك المؤيد شيخ بن عبد الله المحمودي الظاهري الجركسي، أبو النصر، حكم من سنة (815 - 824 هـ) بعد خلعه للعباس بن محمد، قال ابن حجر عنه: كان شهماً شجاعاً عالي الهمة كثير الرجوع إلى الحقّ، محباً في العدل متواضعاً يعظم العلماء ويكرمهم، ويحسن إلى أصحابه، ويصفح عن جرائمهم، وقد حدث بصحيح البخاري عن السراج البلقيني بإجازة معينة أخرجها بخطه، وذكر أنها كانت معه في أسفاره لا يفارقها، وحضرنا عنده عدة مجالس، وكان يحب العلماء ويجالسهم ويكرمهم ويعظم الشرع وحملته، وكان مفرطاً في الشجاعة محباً في الصلاة لا يقطعها، وإن عرض له عارض بادر إلى قضائها، وافتتح حصوناً، وخطب له بقيسارية، ثم جَهَّزَ ولده إبراهيم فظفر بابن قرمان وأحضروه أسيراً (¬2).
• • •
¬
(¬1) ينظر: الكمال ابن الهمام (ص 12 - 13).
(¬2) ينظر تمام ترجمته في الضوء اللامع (3: 308 - 311). الأعلام (3: 265 - 266).
المطلب الثاني: اسمه ونسبه:
اتفق مَن ذكره من العلماء (¬1) على أن اسمه: محمد.
أما بخصوص نسبه فقد وقف طاشكبرى زاده في «الشقائق» (¬2) وحاجي خليفة (¬3) عند ذكر أبيه، فقالا: محمد بن حمزة.
في حين ذكر طاشكبرى زاده في «مفتاح السعادة» (¬4)، والسخاويّ (¬5) واللكنويّ (¬6) وإسماعيل باشا (¬7) والزركليّ (¬8) وكحالة (¬9) جدَّه، فقالوا: محمد بن حمزة بن محمد.
أما الشوكاني فذكر أن أباه هو: محمّد، وجدُّه: حمزة، فقال (¬10): محمد بن محمد
¬
(¬1) ينظر: الضوء اللامع (1: 218). الشقائق (ص 17). مفتاح السعادة (2: 109). البدر الطالع (2: 268). الفوائد (ص 275). هدية العارفين (2: 188). الأعلام (6: 243). معجم المؤلفين (3: 269).
(¬2) الشقائق النعمانية (ص 17).
(¬3) في كشف الظنون (1: 207 - 208،455،472،2: 1063).
(¬4) مفتاح السعادة (2: 109).
(¬5) في الضوء اللامع (11: 218).
(¬6) في الفوائد البهية (ص 275).
(¬7) في هدية العارفين (2: 188).
(¬8) في الأعلام (6: 243).
(¬9) في معجم المؤلفين (3: 269).
(¬10) في البدر الطالع (2: 266).
ابن حمزة، وقد ذكر ذلك كحالة (¬1) في رواية، وأما الشوكاني (¬2) فجعل في رواية: محمد ابن حمزة بن محمد.
وإسماعيل باشا عند ذكر ابنه محمّد شاه (¬3) جعل اسم جدهّ: خليل، وهذا لم يعهد عن غيره، وانفرد بأن اسم جد أبيه: عيسى، فقال: محمد شاه بن محمد بن حمزة ابن خليل بن عيسى.
المطلب الثالث: نسبته ولقبه وولادته:
أولاً: نسبته:
زيادة في التمييز والتفريق بين المرء وغيره، فإنه ينسب إلى ما يمكن به أن يعرف عن غيره، من نسبة إلى بلدٍ أو حرفة أو فعلٍ أو غير ذلك، ولمترجمنا نسبة عرف بها واشتهر، وأحياناً يضاف إليها نسبٌ أخرى عند ذكره، فها أنا أذكرها أولاً ثم أتبعها تلك النسب، فأقول:
الأول: الفناري ذكره بها طاشكبرى زاده (¬4) وحاجي خليفة (¬5) واللكنوي (¬6)
¬
(¬1) في معجم المؤلفين (3: 269)
(¬2) في البدر الطالع (2: 266).
(¬3) في هدية العارفين (2: 190).
(¬4) في الشقائق (ص 17).
(¬5) في كشف الظنون (1: 207 - 208،455،472،2: 1063).
(¬6) في الفوائد (ص 275).
وإسماعيل باشا (¬1) والزركلي (¬2) وكحالة (¬3).
أو الفَنَري: ذكره بها السخاوي (¬4) والسيوطي (¬5) وابن العماد (¬6) والزركلي (¬7) وكحالة (¬8).
أو الفنادي: وانفرد بها الشوكاني (¬9)، فقال: الفنادي، ويقال: الفناري بالراء مكان الدال المهملة.
أو ابن الفناري: ذكره بها الشوكاني (¬10).
¬
(¬1) في هدية العارفين (2: 188).
(¬2) في الأعلام (6: 243).
(¬3) البدر الطالع (2: 266) وفيه: الفنادي، ويقال الفناري بالراء مكان الدال المهملة نسبة إلى قرية مسمّاة كما قال الأسيوطي حاكياً لذلك عن جد صاحب الترجمة. وفي الضوء اللامع بواسطة البدر الطالع (2: 268): الشهير بابن الفناري.
(¬4) في الضوء اللامع (11: 218).
(¬5) في بغية الوعاة (ص 39).
(¬6) في شذرات الذهب (7: 209).
(¬7) في الأعلام (6: 243).
(¬8) في معجم المؤلفين (3: 270).
(¬9) في البدر الطالع (2: 266)
(¬10) في البدر الطالع (2: 268) نقلاً عن الضوء اللامع.
واختلفوا في سبب هذه التسمية على أقوال:
1. نسبة إلى صنعة، قال السُّيُوطيّ: سمعتُ من شيخنا العلامة محيي الدين الكافيجي أن الفَنَري بفتح الفاء والنون وبالراء المهملة نسبةً إلى صنعة الفنار (¬1).
2. نسبة إلى قرية، قال طاشكبرى زاده (¬2): سمعتُ من والدي يحكي عن جدِّي أن نسبتَه إلى قريةٍ مسمَّاة بفنار (¬3)، والله أعلم.
3. وبناءً على ما سمعه طاشكبرى زاده من جدِّه فإنه قال (¬4) عن ما قاله السيوطي: غير صحيح، وصحح ما سمعه من جده.
4. نسبة إلى ما جرى بينه وبين ملك الروم، قال السخاوي (¬5): لأنه لما قدم على ملك الروم أهدى له فنياراً، فكان إذا سأل عنه يقول: أين الفنري؟ فعُرِفَ بذلك (¬6).
والمقصود بملك الروم هنا هو السلطان العثماني بايزيد الأول، والله أعلم.
¬
(¬1) ينظر: الضوء اللامع (11: 218). مفتاح السعادة (2: 109). الشقائق (ص 17). الفوائد (ص 275).
(¬2) في الشقائق (ص 17).
(¬3) ينظر: الكتائب (ق 346/أ).
(¬4) في مفتاح السعادة (2: 109).
(¬5) في الضوء اللامع (3: 128).
(¬6) ينظر: الفوائد (ص 110).
الثانية: الرومي ذكره بها طاشكبرى زاده (¬1) واللكنويّ (¬2) والزركليّ (¬3) وكحالة (¬4). والرومي نسبة إلى بلاد الروم، فكثيراً ما يطلق العلماء على علماء الدولة العثمانية: الرومي.
الثالثة: العثماني ذكره به الشوكاني (¬5). والعثماني نسبة إلى الدولة العثمانية؛ لأنه كان من أبرز علمائها.
ثانياً: لقبه:
أما لقبه فكان شمس الدين كما ذكره طاشكبرى زاده (¬6) واللكنويّ (¬7) وإسماعيل باشا (¬8) والزَّركليّ (¬9) وكحالة (¬10) وغيرهم.
¬
(¬1) في مفتاح السعادة (2: 109).
(¬2) في الفوائد (ص 275).
(¬3) في الأعلام (6: 243).
(¬4) في معجم المؤلفين (3: 270).
(¬5) في البدر الطالع (2: 268) عن الضوء اللامع.
(¬6) في الشقائق (ص 17).
(¬7) في الفوائد (ص 274).
(¬8) في هدية العارفين (2: 188).
(¬9) في الأعلام (6: 243).
(¬10) في معجم المؤلفين (3: 270).
ثالثاً: ولادته:
اتفقت كلمة من ترجم له (¬1) على أنه وُلِدَ في صفر سنة (751 هـ).
المطلب الرابع: أسرته العلمية:
وفي حديثنا عن أسرته سأتكلم عن جانبين: من أين، وإلى أين في حياته: أي من أين له هذه العلوم، وهذه الصفات الحميدة، وهذا الإخلاص وغير ذلك مما هو عليه، وإلى أين أوصله هذه العلم وهذه الصفات والإخلاص، فهذان الجانبان سنعرض لهما في كثير من الوقفات التي سنقفها للكشف عن هذه الشخصية العظيمة، والله الموفق لذلك.
أولاً: والده:
أما الجانب الأول في أسرته، فإننا نجد أن مصادر ترجمته تبخل علينا فيه، فليس بين أيدينا المعلومات الكافية التي توضح المكانة العلمية للبيت الذي عاش فيه، إلا ما ذكر من أن اسم والده، حمزة، ويكنَّى أبا محمد (¬2)، وكان من تلامذة الشيخ صدر الدين القونوي، وقرأ عليه من تصانيفه «مفتاح الغيب» (¬3)، وأقرأه لابنه.
¬
(¬1) ينظر: الشقائق (ص 17). مفتاح السعادة (2: 109). الكتائب (ق 345/أ). البدر الطالع (2: 266). هدية العارفين (2: 188). الأعلام (6: 243). معجم المؤلفين (3: 269).
(¬2) ينظر: الفوائد (ص 274).
(¬3) روى هذا الخبر طاشكبرى زاده في الشقائق (18): سمعت من بعض الثقات أن مولانا حمزة والد المولى الفناري. وينظر: الكتائب (ق 344/ب).
إلا أننا يمكن أن نستشف من هذه المعلومة التي لا تتجاوز السطرين أموراً، يمكن أن تصوِّرَ لنا جانباً كبيراً من النشأة التي نشأها والبيت الذي عاش فيه، من ذلك:
الأولى: إن والده كان من أهل العلم، وليس من عوام الناس، وهذا ينعكس على ابنه في أمور:
1. أنه ينشأ في بيت علم، يتدارس ويناقش فيه مسائله ولا سيما دقيقاتها، وهذا يكسبه جانباً من العلم لمجرد وجوده في بيت كهذا.
2. إنه يسلك ابنه الطريق الصحيح في طلب العلم؛ لأنه خاض التجربة قبله، فيعرف صحيحه من سقيمة، والطريق الأقصر للحصول عليه، مما يوفر عناءً وجهداً كبيرين على ابنه في ذلك، ويسرع فيه للحصول على الدرجات العالية فيه.
3. أنه يجد مَن يتابعه في طلبه للعلم أولاً بأول إن لم يكن قد تلقَّى كثيراً من علومه الأولية على يد والده.
الثانية: أن والده كان من المتقدمين في العلم يدلُّ على ذلك أنه وصل في مرحلة الطلب للأخذ عن أشهر علماء زمانه، وقرأ عليه أعلى الكتب.
فصدر الدين القونوي، هو محمد بن إسحاق بن محمد بن يوسف بن علي الرومي الشافعي (¬1).
¬
(¬1) ترجمته في طبقات السبكي (5: 19). طبقات ابن الملقن (1: 133). الوافي (2: 200). مفتاح السعادة (2: 109، 318). الكشف (2: 1726)، وإيضاح المكنون (335). والأعلام (6: 254). معجم المؤلفين (3: 123 - 124).
كان من كبار تلاميذ الشيخ محيي الدين ابن العربي (¬1)، تزوج ابن العربي أمّه، وربَّاه، واهتم به.
قال طاشكبرى زاده: الشيخ الزاهد، صاحب التصانيف في التصوف، جمع بين العلوم الشرعية وعلوم التصوف، فصار مجمعاً للبحرين، وملتقى للبدرين، وقصده الأفاضل من كل الآفاق، حتى أن العلامة قطب الدين الشيرازي (¬2) أتاه
¬
(¬1) وهو الإمام الكبير محمد بن علي بن محمد ابن عربي الحاتمي الطائي الأندلسي المالكي الصوفي، أبو بكر، محيي الدين، من مؤلفاته: الفتوحات المكية في معرفة أسرار المالكية والملكية، وجامع الأحكام في معرفة الحلال والحرام، وفصوص الحكم، قال صاحب مرآة الجنان (4: 101) عن الطعن في ابن العربي: إن أعظم ما يطعن الطاعنون فيه بسبب كتابه الموسوم بفصوص الحكم: وبلغني أن الإمام العلامة ابن الزملكاني شرح كتابه المذكور، ووجهه توجيهاً نفى عنه ما يظن من المحظور، ويخشى من الوقوع في المحذور. (560 - 638 هـ). ينظر: مرآة الجنان (4: 100 - 101). النجوم الزاهرة (6: 339 - 340). الكشف (2: 1238، 533).
(¬2) وهو الإمام العلامة محمود بن مسعود بن مصلح الفارسي الشيرازي الشافعي، قطب الدين، قال ابن حجر: كان إذا صنف كتاباً صام، ولازم السهر ومسودته مبيضة، وكان يخضع للفقراء، يلازم الصلاة في الجماعة، وكان من أذكياء العالم، من مؤلفاته: فتح المنان في تفسير القرآن، ونهاية الإدراك في دراية الأفلاك في الهيئة، وشرح متن السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل، وشرح كليات القانون، وغرة التاج في الحكمة، (634 - 710 هـ). ينظر: الدرر الكامنة (4: 33 - 341). معجم المؤلفين (3: 832).
وهو بقونية، وقرأ عنده، وصاحبه في العلوم الظاهرة والباطنة، وبينه وبين نصير الدين الطوسي (¬1) مكاتبات في بعض المسائل الحكمية، ودار الكلام بينهما مراراً، حتى اعترف النصير الطوسي بالعجز والقصور.
من مؤلفاته: «النصوص في تحقيق الطور المخصوص»، و «اللمعة النورانية في مشكلات الشجرة النعمانية» لابن العربي، و «إعجاز البيان في كشف بعض أسرار أم القرآن»، و «الفكوك في مستندات حكم الفصوص» لابن العربي، و «مفتاح أقفال القلوب لمفاتيح علام الغيوب»، و «نصوص مفاتيح العلوم الإلهية والخلائق والمعارف الربانية»، و «شرح الأحاديث الأربعينية»، وهي أربعين حديثاً انتقاها المصنف على مشرف أهل التحقيق من الصوفية، لكنه لم يتمه، و «شرح الأسماء الحسنى»، و «الرسالة الهادية»، و «الرسالة المفصحة»، و «النفحات الإلهية القدسية»، و «الرسالة المرشدية في أحكام الصفات الإلهية»، و «لطائف الأعلام في إشارات أهل الإلهام»، و «نفثة المصدور»، و «تفسير البسملة»، و «برزخ البرازخ». توفِّي سنة (673 هـ).
وأما كتابه «مفتاح الغيب» فسيأتي الحديث عنه عند الكلام عن مؤلفات مترجمنا؛ لأنه من العلماء الذين شرحوه.
¬
(¬1) وهو العلامة المشهور محمد بن محمد بن الحسن الطوسي، نصير الدين، من مؤلفاته: حواش على كليات القانون، وأساس الاقتباس، وقواعد العقائد، (597 - 672 هـ). ينظر: الكشف (1: 95). الأعلام (7: 257 - 258). معجم المؤلفين (3: 636 - 637).
الثالثة: أنه كان من العلماء المعلمين المقرئين للكتب، بل إنه علم ابنه وأقرأه؛ إذ أنه أقرأه كتاب «مفتاح الغيب»، ومما يدل على أنه كان على درجة رفيعة في الإقراء والتعليم توجُّه ابنه لشرح «مفتاح الغيب»؛ ليجمع فيه فوائد ونكات أبيه في درسه له.
الرابعة: أنه حرص على أن يتلقى ابنه علوم التصوف مع باقي العلوم؛ لأنه العلم الذي ينمي مكارم الأخلاق الحميدة لدى المسلم، ويطلعه على عيوب نفسه؛ لكي يتفاداها، ويبتعد عنها، بالإضافة إلى أنه يخلص النية في العلم والعمل لوجه الله من كل ما يعتريها، وهذا أكمل ما يصل إليه المسلم؛ لأن الله عزَّ وجلَّ لا يطالبنا بأكثر من الإخلاص في كل ما يصدر عنّا؛ لذلك قالوا: الخلاص في الإخلاص.
ثانياً: أبناؤه وأحفاده:
أما الجانب الثاني، فهو يمثل أحد جوانب فضله، وامتداد العلم الذي بثه بين المسلمين، إذ ترك أبناء فضلاء أخذوا عنه العلوم، وبذلوا وسعهم في نشرها لأهل زمانهم ومن بعدهم، وخلفهم أحفاده الذين نهلوا من علم آبائهم وعلماء زمانهم، ومضوا يسيرون على هذه الطريقة الطيبة في حفظ دينهم، والقيام على واجبهم نحوه، وفيما يلي من الصفحات سنطلع على شيءٍ من سير هؤلاء الأبناء والأحفاد، تقرُّ به الأعين وتطرب له الآذان في المسؤولية العظمية التي حملتها هذه الأسرة العريقة في نشرهم لأوامر الله ونواهيه وتطبيق أحكامه بتولي القضاء وغير ذلك، وقد خلف مترجمنا وراءه ابنان عالمان صالحان ورثوا ما كان عليه من
العلوم، وهما تركا وراءهما أبناء كذلك ورثوهما ما ورثا، ففيما يلي موجز لحياة كلٍّ منهم يبيِّن درجته ومكانته العلمية التي بلغَها مرتبيين فيه على أجيال:
الجيل الأول: بناؤه:
الأول: العالم الفاضل المولى محمد شاه ابن المولى شمس الدين الفَنَاريّ، المعروف بنَزيني جلبي (¬1)، أبو البركات، فخر الدين (¬2)، ومعنى جلبي: سيدي (¬3).
قال ابن حجر: كان ذكياً (¬4).
قال طاشبرى زاده (¬5): كان عالماً فاضلاً ذكيّاً، وكان مطّلعاً على ما يتحقَّقُ عليه والده من العلوم، وكان زائداً عليه في الذكاء.
ولمكانة والده العلمية العظيمة بين الناس ولدى السلطان، ولما يعلم هذا الوالد عند ولده من العلم الغزير، والإحاطة بكل فنون العلم، مما يمكن به نفع طلاب العلم وإفادتهم، فإنه رضي بتفويض السلطان إليه في حياته أن يدرِّس في أعظم مدارس الدولة في المدرسة السلطانية الكائنة في عاصمة الدولة بروسة حينئذٍ، وعمرُهُ لا يتجاوز ثماني عشرة سنة.
¬
(¬1) ينظر: الكشف (1: 841).
(¬2) ينظر: هدية العارفين (2: 190).
(¬3) ينظر: الضوء اللامع (3: 127). الفوائد (ص 110).
(¬4) ينظر: مفتاح السعادة (2: 110).
(¬5) في الشقائق (ص 23 - 24).
وفي أول مجلس للتدريس فيها، هرع إليه علماء العاصمة وفضلاؤها فضلاً عن طلابها؛ ليروا من ذا الذي أفاضت عليه العناية السلطانية بالجلوس للتدريس في هذه المدرسة العظيمة، ومن يكون ابن الفناري، وحيد عصره، وفريد دهره في الفنون، فهل حاله كحال أبيه، وعلمه كعلمه، وفضله كفضله، وانهالوا عليه بالأسئلة في مختلف مسائل العلوم والفنون المتفرِّقة، فتصدَّى لهم وأجابهم عن أسئلتهم بأحسن الأجوبة وأفضلها، فأقرُّوا له ما عليه الفضل، وكثرة ما لديه من العلم، واطلاعه على جميع العلوم، وأنه يستحقُّ هذه المنْزلة التي بوأها له السلطان، ورضيها له أبوه.
وكان والده مع العلم الذي يعطيه إياه يحرص كثيراً على زرع التقوى ومخافة الله في قلبه، وينميها بكثير من الأمثلة كقول له: إن الفاسق لا يكون عالماً.
وفي هذا اليوم الذي استطاع أن يجيب عن الأسئلة المطروحة عليه بسهولة ويسر، كان أصعب سؤال موجه إليه من قبل طالبٍ مشتهرٍ بالفسق، فاستغرب كثيراً، كيف يمكن لفاسق أن يسأل كهذا السؤال، والفاسق لا يكون عالماً، وبعد أن أجابه، وأقام على جوابه الحجّة والبرهان، فأقر له هذا الطالب الفاسق، بكى غيرةً على دينه وعلومه أن تكون عند مثل هذا الفاسق.
وما إن رجع إلى بيته بعد انقضاء الدرس في ذلك اليوم حتى أقبل على والده، يقول له: كنت تقول أنّ الفاسق لا يكون عالماً، وما أتعبني هذا اليوم إلا سؤال فلان، وإنه فاسق، فقال المولى الفناري: لو لم يكن هو فاسقاً لكان فضله فوق ما رأيت.
ومن مؤلفاته: «رسالة في أبوي النبي - صلى الله عليه وسلم -» ذكر فيها أنهما، بل جميع أبوي الأنبياء - عليه السلام - ماتوا على الإيمان (¬1)، و «تلخيص الفصول وترخيص الأصول في مختصر أصول البدائع» لوالده، و «حواشي على أوائل أنوار التنْزيل للبيضاوي»، و «شرح أساس الصرف» لوالده، و «سلاح المريد» في التصوف (¬2).
وتتلمذ عليه كثير من الفضلاء منهم: فخر الدين العجمي (¬3)، وسنان العجمي (¬4).
وحجّ في بضع وثلاثين وثمانمئة، ودخل القاهرة، ثم رجع إلى بلاد ابن قَرَمان فمات بها (¬5) في سنة (839 هـ).
الثاني: العالم العامل والفاضل الكامل المولى يوسف بالي ابن المولى شمس الدين الفناري.
قال طاشكبرى في «الشقائق»: كان عالماً فاضلاً. وقال في «مفتاح
¬
(¬1) ينظر: الكشف (1: 841 - 842).
(¬2) ينظر: هدية العارفين (2: 190).
(¬3) هو العالم العامل والفاضل الكامل المولى فخر الدين العجمي، كان ممن قرأ أيضاً على السيد الشريف، وصار مفتياً في زمن السلطان مراد خان، قال طاشكبرى زاده: وكان علاماً متورعاً صادعاً بالحق لا يأخذه في الحق لومة لائم. ينظر: الشقائق (ص 38).
(¬4) ينظر: الشقائق (ص 95).
(¬5) ينظر: مفتاح السعادة (2: 110).
السعادة» (¬1): يحكى أنه كان من الفضلاء لكن لم نر تصنيفَه.
ولما كان عليه من العلم الغزير، فإن السلطان فوَّضَ إليه تدريس المدرسة السلطانية بعد وفاة أخيه، ثم ولاَّه القضاء في مدينة بروسة.
وممن تتلمذَ على يديه المولى خير الدين خليل بن قاسم (¬2)، ومحيي الدين محمد بن إبراهيم النكساري (¬3).
مات قاضياً في بروسة سنة (846 هـ) (¬4).
الثالث: بنته، فقد ذكر طاشكبرى زاده (¬5) في ترجمة تلميذه يكان، أنه له ابنة وأراد أن يزوِّجها من هذا التلميذ.
¬
(¬1) في مفتاح السعادة (2: 110).
(¬2) درس في مدرسة مظفر الدين الواقعة في بلدة طاشكبري من نواحي قسطموني مدّة أربعين سنة، وكان مشتهراً بعلمي البلاغة، وكان له معرفة تامة بالأصوليين، والفقه والتفسير والحديث، وكان متورعاً طاهر الظاهر والباطن، متحرزاً عن اللغو وفضول الكلام، وكان يكثر الاعتكاف في المسجد وتلاوة القرآن وصوم التطوع، ونوافل الصلاة، (ت 879 هـ). وتمام ترجمته في الشقائق (ص 72 - 74).
(¬3) بنى الأمير إسماعيل بك ببلدة قسطموني مدرسة لأجله، وكان عالماً بالعلوم العربية والعلوم الشرعية والعقلية، وكان عارفاً بالعلوم الرياضية، وحافظاً للقرآن، وعارفاً بعلوم القراءات، وكان ماهراً في علم التفسير غاية المهارة، من مؤلفاته: حواشي على تفسير البيضاوي، وحواشي على شرح الوقاية، (ت 901 هـ). ينظر: الشقائق (ص 165).
(¬4) ينظر: الشقائق (ص 24).
(¬5) في الشقائق (ص 49).
الجيل الثاني: أبناء أبنائه
الأول: العالم العامل والفاضل الكامل المولى علاء الدين علي بن يوسف بالي ابن المولى شمس الدين الفَنَاري (¬1).
قال طاشكبرى زاده (¬2): كان عالماً فاضلاً، متقناً متفنناً، محققاً مدققاً، حريصاً على الاشتغال بالعلوم، وكان ماهراً في أقسام العلوم الرياضية كلها، وفي علم الكلام، وعلم الأصول، وعلم الفقه، وعلم البلاغة، وكان رجلاً عاقلاً صاحب أدب ووقار.
فقد طاف البلاد طلباً للعلم، فارتحل في شبابه إلى بلاد العجم ودخل هراة وقرأ على علمائها، ثم سافر إلى سمرقند وبُخارا وأخذ علىعلمائهما أيضاً، وبرع في كلِّ العلوم حتى أنهم جعلوه مدرساً هناك.
وكان المولى الكوراني (¬3)، وهو معلِّم ومربِّي السلطان محمد الفاتح، وكان من كبار عصره، يقول للسلطان محمد الفاتح: لا تتمُّ سلطنتُك إلا بأن يكون عندك واحد من أولاد المولى الفناري.
¬
(¬1) ترجمته في: الشقائق (ص 111 - 114). هدية العارفين (1: 739). الفوائد (ص 228 - 230). معجم المؤلفين (2: 545).
(¬2) في الشقائق (ص 111 - 112).
(¬3) وهو الشيخ العارف العالم العامل والفاضل الكامل شمس الدين، أحمد بن إسماعيل الكوراني، كان عارفاً بعلم الأصول، فقيهاً حنفياً، قرأ القراءات العشر بطريق الإتقان والإحكام، وقرأ الحديث والتفسير وأجازه علماء عصره وأجازه ابن حجر، من مؤلفاته: غاية الأماني في تفسير السبع المثاني، والكوثر الجاري على رياض البخاري، وحواشي على شرح الجعبري على الشاطبية، (ت 983 هـ). ينظر: الشقائق (ص 51 - 55).
وما هذه المقولة منه إلاَّ أنه يعلم ما كان للفناري رحمه الله تعالى وأولاده من بعده من المكانة العلمية العالية، وكان قريباً من جدِّ أبيه السلطان بايزيد، ولكن بعد هزيمة بايزيد أمام تيمورلنك وقتله، تفتتت الدولة وتمزقت كما مرَّ عند الحديث عن الدولة العثمانية، فلم تعد مأوى للعلم والعلماء، فهجرها العلماء وطلاب العلم؛ لذلك نجد ابتعاد حفيد الفناري عنها، ثم لمَّا عادت لها مكانتها، واستقرَّ أمر العلم والعلماء فيها فأخذ العلماء بالوفود إليها، وكان علياً الفناري قد أكمل طلبه للعلم.
وقد غلب عليه حبُّ الوطن واشتاق إليه، فأتى بلاد الروم في أوائل سلطنة السلطان محمد الفاتح، فلَمَّا أُخْبِرَ المولى الكوراني بمجيئه، أخبر السلطان بذلك، فأعطاه السلطان مدرسة مناستر بمدينة بروسه، ثم مدرسة والده السلطان مراد.
ثم ولاَّه السلطان قضاء مدينة بروسة، ثمّ جعله قاضياً بالعسكر، ومكثَ فيه عشر سنين.
ثمَّ لَمَّا جلس السلطان بايزيد على سرير السلطنة جعلَه قاضياً بالعسكر المنصور في ولاية روم أيلي ومكثَ فيها مقدار ثمان سنين.
وكان لا يألُ جهداً في نشر علوم الشريعة، فكثر العلماء، وأقبل الناس على طلب العلم، فراج سوقه، وازداد اهتمام الناس به حتى قال طاشكبرى عن فضله
في ذلك: بلغت زمرة العلماء بهمَّته العلية إلى أوج الشرف، وتصاعد شرف العلم والفضل إلى قبة السماء، وبالجملة كانت أيامه تواريخ الأيام.
وكان من شدّة حرصه على العلم، وإخلاصه فيه، وتفانيه من أجله، لا ينام على فراش، وإذا غَلَبَ عليه النومُ يستندُ على الجدار والكتب بين يديه، فإذا استيقظ ينظر في الكتب.
ولكنه مع هذا الاشتغال، ومع ما له من التحقيقات والتدقيقات، لم يكن له اهتمام كبير بالتصنيف والتأليف، لذلك لم يصنِّف شيئاً إلا «شرح الكافية» في النحو، و «شرح قسم التجنيس» في علم الحساب.
وحَكَى طاشكبرى زاده (¬1) عن خاله عبد العزيز بن يوسف قال: شرعت عنده في «المطول» (¬2)، فكُنّا نقرأ عليه في يوم سطراً واحداً أو سطرين، ومع ذلك يمتد الدرس من الضحوة إلى العصر، ثم لما مضت ستة أشهر قال: إن الذي قرأتموه الآن يقال له قراءة الكتاب، وبعد اقرؤوا الفن، فبعد ذلك قرأنا في كلِّ يوم ورقتين وأتممنا في ستة أشهر (¬3).
ومن الحكايات الطريفة التي تبيِّن لنا ما بلَغَه المولى شمس الدين الفناري من الشهرة الكبيرة في البلاد، والمكانة العلية في صدور العلماء فيها، ما حُكِيَ عن
¬
(¬1) في الشقائق (ص 112).
(¬2) وهو من أشهر كتب البلاغة للإمام سعد الدين التفتازاني (ت 793 هـ)، شرح فيه تخليص المفتاح للقزويني (ت 739 هـ). ينظر: الكشف (1: 473).
(¬3) ينظر: الفوائد (ص 228).
الشيخ المقرئ المشهور أبي الخير محمدٍ الجَزَريّ (¬1)، وكان من معاصري شمس الدين الفناري إذ توفي سنة (833 هـ): أنه سَمِعَ في أيّام مرضه أنّ أحدَ أحفاد المولى شمس الدين الفناري، وهو علياً الفَنَاري قد توجَّه إلى بلاد الروم، فأوصى أن تزوَّج بنتَه منه، حرصاً على أن يكون بينه وبين أحفاد هذا الإمام العلامة المشهور مصاهرة، فلَمَّا توفِّي الشيخ أبو الخير، أتى عليٌّ الفناري بلاد الروم، فزوَّجوا بنتَه منه، وسلَّموها إليه مع ثلاثين ألف دينار، وحصل له منها ابنان فاضلان وستجيء ترجمتهما (¬2).
وممن تتلمذَ عليه: عبد العزيز بن يوسف بن حسين الشهير بعابد جلبي (¬3).
توفي سنة (901 هـ) (¬4).
¬
(¬1) وهو الإمام العلامة المقرئ المؤرخ المحدث محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف العمري الدِّمشقيّ الشِّيرَازِيّ الجَزَرِيّ الشَّافِعِيّ، شمس الدين، نسبة إلى جزيرة ابن عمر، من مؤلفاته: الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين، والنشر في القراءات العشر، وطيبة النشر في القراءات العشر، وملخص تاريخ الإسلام، والتوضيح شرح المصابيح، وذيل طبقات القراء للذهبي، (751 - 833 هـ). ينظر: الأنس الجليل (2: 109 - 110)، الشقائق النعمانية (ص 25 - 30)، التعليقات السنية (140 - 141). الأعلام (7: 274)، الكشف (1: 669)
(¬2) ينظر: الشقائق (ص 29). الفوائد (ص 229 - 230).
(¬3) ترجمته في: الشقائق (ص 235).
(¬4) في معجم المؤلفين (2: 545): توفي سنة (903 هـ).
الثاني: العالم العامل والفاضل الكامل المولى حَسَن جَلَبي ابن محمّد شاه الفَنَاري (¬1).
ولد في سنة (840 هـ).
وأخذ العلم عن والده، وأشهر علماء عصره: كملا فخر الدين (¬2)، وملا عليّ الطوسي (¬3)، وملا خسرو (¬4) حتى برع في الكلام والمعاني والعربيّة والمعقولات وأصول الفقه، ولكن كان جلُّ انتفاعه بأبيه (¬5).
¬
(¬1) ترجمته في: الضوء اللامع (3: 127 - 128). الشقائق (ص 114 - 115). البدر الطالع (1: 208 - 209). الكشف (2: 1891). الفوائد (ص 110 - 111).
(¬2) وهو فخر الدين العجمي، تلميذ ومعيد درس محمد شاه والده، وقد سبقت ترجمته.
(¬3) وهو علامة زمانه، وأستاذ أوانه علاء الدين علي الطوسي، من مؤلفاته: حواش على شرح الموقف للسيد الشريف، وحواشي على حاشية شرح العضد للسيد الشريف، وحواش على التلويح، وحواش على حاشية الكشاف للسيد الشريف، وحواش على شرح المطالع للسيد الشريف، قال طاشكبرى زاده: كل تصانيفه مستحسنة مقبولة عند العلماء والفضلاء. ينظر: الشقائق (ص 61 - 62).
(¬4) وهو محمد بن فرامُوز بن علي، محيي الدين، المعروف بمُلا خسرو، قال الكفوي: كان بحراً زاخراً عالماً
بالمعقول والمقول، وحبراً فاخراً جامعاً للفروع والأصول، من مؤلفاته: غرر الأحكام، وشرحه درر الحكام، وحواشي التلويح، وحاشية شرح الوقاية، ومتناً في الأصول مسمَّى بمرقاة الأصول، وشرحه مرآة الأصول، (ت 885 هـ). ينظر: الضوء اللامع (8: 279)، الفوائد (ص 302 - 303).
(¬5) ينظر: الضوء اللامع (3: 128).
قال طاشكبرى زاده: كان عالماً فاضلاً صالحاً، قسَّمَ أيّامَه بين العلم والعبادة، وكان يلبس الثياب الخشنة، ولا يركبُ دابّةً للتواضع، وكان يحبُّ الفقراء والمساكين (¬1)، ويعاشرُ مشايخ الصوفية.
وحفاظاً منه على وصية جدِّه شمس الدين الفناري بدراسة «مغني اللبيب» لابن هشام (¬2)، لما فيها من بلوغ الغاية لمن أرادها في علم النحو؛ إذ أنه منتهى كتب النحو، وسعياً في طلب العلم مهما بلغ بعد بلاده، فإنه لمَّا بلغ أعلى درجات الكمال بتدريسه في المدرسة الحلبية بأدرنه وبتأليفه «حواشيه على التلويح» الذي تدلُّ على رسوخ قدمه، وعلو شأنه، باسم السلطان بايزيد الثاني بن محمد الفاتح في حياة والده، مما جعل بينه وبين السلطان محمد الفاتح جفوة، وجعل السلطان في رغبة عنه.
فإنه ذهب إلى ابنُ عمِّه المولى عليّ الفناري المذكور آنفاً، وكان قاضياً بالعسكر في أيّام السلطان محمد الفاتح، فدخل عليه، وقال استأذن من السلطان: إنّي أريد أن أذهبَ إلى مصر لقراءة كتاب «مغني اللبيب» في النحو على رجل
¬
(¬1) المقصود هو الصوفية الزاهدين في الدنيا، الذين آثروا خشونة العيش على لذة الحياة وشهواتها.
(¬2) وهو الإمام العلامة النحوي المشهور عبد الله بن يوسف بن أحمد، أبو محمد، جمال الدين، قال ابن خلدون: ما زلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه ظهر بمصر عالم بالعربية يقال له ابن هشام أنحى من سيبويه، من مؤلفاته: أوضح المسالك شرح الألفية، ومغني اللبيب عن كتب الأعاريب، وشرح قطر الندى، (708 - 761 هـ). ينظر: الدرر الكامنة (2: 308 - 310). النجوم الزاهرة (10: 336). الأعلام (4: 291).
مغربي سمعته بمصر، يعرفُ ذلك الكتاب غاية المعرفة، فعرضَه على السلطان، فأذن وقال: قد اختل دماغ ذلك المرائي.
فسافر إلى مصر، ودخل القاهرة قريبا من سنة (880 هـ)، وكان معه مجموعة من تلاميذه يقرأون عليه (¬1)، وكتب كتاب «مغني اللبيب» بتمامه وقرأه على ذلك المغربي قراءة تحقيق وتدقيق وإتقان، وكتب ذلك المغربيُّ بخطِّه على ظهر كتابه إجازةً له في ذلك الكتاب.
وقرأ في مصر أيضاً «صحيح البُخاري» على بعض تلامذةِ ابن حَجَر، وحصل من ذلك التلميذ إجازةً في رواية الحديث عن ابن حجر.
والمدّة التي قضاها في مصر توعك في معظمها، ولم ير فيما قال: من ينْزله منْزله ولا ارتضاها؛ لذلك لم يقرئ أحداً فيها، فبادر إلى التوجه لمكة من جهة الطور في البحر، فحجّ، وأقام بها يسيراً، وأقرأ هناك، وكان قد قدم إلى الشام في سنة (870 هـ) وحجَّ مع الركب الشامي (¬2).
وعاد إلى بلاد الروم، وأرسلَ كتاب «مغني اللبيب» إلى السلطان محمد الفاتح ـ وكان عالماً، درس العلوم وأتقنها، وعرف دقائقها ـ فلَمَّا نظرَ فيه، تعجَّبَ لما احتواه من غزير العلم، ودقائق المسائل، فزالَ عنه تكدر خاطره على حسن جلبي الفناري، ورغب فيه، فكافأه بأن أعطاه مدرسة أزنيق، ثم أعطاه إحدى المدارس الثمان.
¬
(¬1) ينظر: الضوء اللامع (3: 128). البدر الطالع (1: 209).
(¬2) ينظر: الضوء اللامع (3: 128). البدر الطالع (1: 209).
وكان رحمه الله يسكنُ في حجرة من حجرات المدرسة، ويلازم الجامع في الأوقات الخمسة، والعباءة في ظهره، والشملة في رأسه، والتاج على رأسه، ويذهب بعد الدرس إلى مدرسة قاضي زاده (¬1) ويزوره، وفي الغد يزوره قاضي زاده.
من مؤلفاته: «حواش على الشرح المطول للتلخيص» كبرى، قال الشوكاني (¬2): وهي حاشية مفيدة، و «حواش على شرح المختصر» صغرى (¬3)، و «حواش على شرح المواقف» للسيد الشريف (¬4)، و «المطالب العالية» في مسائل الرؤيا بالفارسية (¬5)، «تعليقات على درر الحكام» لملا خسرو في الفقه الحنفي (¬6).
¬
(¬1) وهو العالم العامل والفاضل الكامل المولى قاسم المشتهر بقاضي زاده، قال طاشكبرى زاده: كان متواضعاً محباً للفقراء والمساكين، صحيح العقيدة وسليم النفس، مشتغلاً بالعلم والعبادة، ذكي الطبع، جيد القريحة، متصفاً بالأخلاق الحميدة، له معرفة بالعلوم الرياضية، تولى التدريس في إحدى المدارس الثمان، ثم جعل قاضياً بمدينة بروسة، ثم أعيد إلى إحدى المدارس الثمان، ثم تولى القضاء ببروسة، ومات وهو قاض بها سنة (899 هـ). ينظر: الشقائق (ص 116).
(¬2) في البدر الطالع (1: 209).
(¬3) ينظر: الفوائد (ص 111).
(¬4) ينظر: الكشف (2: 1891).
(¬5) ينظر: الكشف (2: 1714).
(¬6) نسبها له عمر كحالة في معجم المؤلفين (1: 544).
قال طاشكبرى زاده (¬1): وكلها مقبولة عند العلماء، تتداولها أيدي الطلبة والمدرسين.
وقال اللكنوي (¬2): وكلها مملوءة من تحقيقات تتشنف بسماعها الآذان، وتدقيقات يطرب بالاطلاع عليه الكسلان.
وقال الشوكاني (¬3): كلها مقبولة.
ومما يروى ويدلُّ على زهده في الدنيا، وإيثاره ما عند الله، وحبِّه للنعيم الأخروي على ما في الدنيا ما قاله طاشكبرى زاده (¬4)، قال: حكى سيدي جلبي وقد كان معيداً لدرسه، عن المولى حَسَن جلبي الفناري، قال: طلبني يوماً وقت السحر فدخلت بيته، ولَمَّا وصلتُ إلى باب حجرتِه سمعتُ بكاءً عالياً فتحيّرت وظننتُ أنه أصابته مصيبة عظيمة، ثم دخلت وسلمت عليه، فأمرني بالجلوس فجلست، فقلت: ما سبب بكائكم هذا؟ قال: خطر ببالي في الثلث الأخير من الليل خاطر، فلم أجد بداً من البكاء، فسألته عن ذلك، فقال: تفكَّرت أنه لم يحصل لي ضررٌ دنيويٌّ منذ ثلاثة أشهر، قال: وقد سمعت من الثقات أن الضرر إذا توجَّه إلى الآخرة يتولَّى عن الدنيا، ولهذا بكيت خوفاً من توجُّه الضرر إلى الآخرة، وبينما نحن في هذا الكلام إذ دخل عليه واحد من غلمانه، وهو حزين، فقال له: ما سبب
¬
(¬1) في الشقائق (ص 114).
(¬2) في الفوائد (ص 110).
(¬3) في البدر الطالع (1: 209).
(¬4) في الشقائق (ص 114 - 115).
حزنك؟ قال: أمرتموني أن أذهب إلى المصلحة الفلانية فركبت البغلة البيضاوية الفلانية فسقطت البغلة وماتت، فقال المولى: الحمد لله الذي حصل لي ضرر دنيوي، وأنت يا غلام بشرتني بهذا، فأنت حرٌّ لوجه الله تعالى شكراً لذلك (¬1).
وممن تتلمذ عليه: محيي الدين محمد بن محمد القوجوي (¬2)، والشمس الوزيري الخطيب (¬3).
كان يسكن ببروسة، وفيها مات في دولة بايزيد الثاني سنة (886 هـ) (¬4).
الجيل الثالث: أبناء أبناء أبنائه:
الأول: العالم العامل الفاضل الكامل المولى محيي الدين محمد شاه ابن المولى عليّ ابن المولى يوسف بالي ابن المولى شمس الدين الفناري الإسلامبولي الحنفي (¬5).
أخذ العلم عن والده، وبعد وفاته عن المولى خطيب زاده، والمولى معرف زاده.
¬
(¬1) ينظر: الشقائق (ص 114 - 115).
(¬2) كان عالماً بعلوم العربية كلها وعالماً بالتفسير والحديث والأصول والفروع والعلوم العقلية، وكان صاحب بيان، فصيح اللسان واسع التقرير، كامل التحرير، تولى التدريس ثم قضاء القسطنطينية ثم قضاء العسكر بولاية أناطولي، ثم قضاء مصر، وتمام ترجمته في: الشقائق (ص 182).
(¬3) ينظر: الضوء اللامع (ص 128).
(¬4) ينظر: الضوء اللامع (3: 128). البدر الطالع (1: 209).
(¬5) ترجمته في: الشقائق (ص 228 - 229). معجم المؤلفين (3: 270). الكشف (1: 893، 2: 1717). الفوائد البهية (ص 301). هدية العارفين (2: 230).
وتولَّى التدريس بمدرسة مناستر بمدينة بروسة، ثم بإحدى المدارس الثمان، ثم تولَّى قضاء بروسة، ثم قضاء مدينة القسطنطينية، ثم قضاء العسكر ببلاد العرب، ثم قضاء مدينة أدرنه، ثمّ قضاء العسكر المنصور في ولاية أناطولي، ثم قضاء العسكر بولاية روم إيلي، مات وهو قاض بها في سنة (929 هـ).
قال طاشكبرى زاده (¬1): كان صاحب أخلاق حميدة، وطبع زكي، ووجه بهي، وكرم وفي، وكان ذا عشرة حسنة، ووقار عظيم.
من مؤلفاته: «حواش على شرح المواقف للسيد الشريف»، و «حواش على شرح الفرائض السراجية» أورد فيهما دقائق مع حلِّ المباحث الغامضة، و «حواش على أوائل شرح الوقاية لصدر الشريعة» (¬2)، و «رسالة في المقاييس» (¬3)، وهي مقبولة (¬4)، و «حاشية على شرح الأصفهاني على مطالع الأنوار» (¬5)، و «شرح
¬
(¬1) في الشقائق (ص 229).
(¬2) في هدية العارفين (2: 230): حاشية على أوائل شرح الوجيز شرح الوقاية لصدر الشريعة.
(¬3) في معجم المؤلفين (3: 555): رسالة في المقياس.
(¬4) ينظر: الكشف (1: 893).
(¬5) ينظر: الكشف (2: 1717).
إثبات الواجب» للدواني (¬1)، مات وهو شاب ولو عاش لظهرت منه تأليفات لطيفة (¬2).
الثاني: العالم العامل والفاضل الكامل المولى محيي الدين (¬3) محمد بن عليّ بن يوسف بالي ابن المولى شمس الدين الفناري (¬4).
أخذ العلم في سنِّ الشباب على والده، وبعد وفاته على المولى خطيب زاده، والمولى أفضل زاده.
وتولَّى التدريس بمدرسة الوزير عليّ باشا بمدينة القسطنطينية، ثم بسلطانية بروسة، ثم بإحدى المدارس الثمان، ثم تولَّى قضاء العسكر المنصور في ولاية أناطولي، ثم قضاء العسكر المنصور في ولاية روم إيلي، وكان مدّة قضائه بالعسكر مقدار خمس عشرة سنة، ثم عزل، ثم صار مفتياً بمدينة القسطنطينية، ثم ترك التدريس والفتوى، واشتغل بإقراء التفسير والتصنيف فيه إلا أنه لم يكمله، ومات في سنة (954 هـ)، ودفن بجوار جامع أبي أيوب الأنصاري عليه رحمة الملك الباري.
¬
(¬1) نسب هذا الكتاب له إسماعيل باشا في هدية العارفين (2: 230).
(¬2) ينظر: الشقائق (ص 228 - 229).
(¬3) في الفوائد (ص 301): محيي الدين جلبي.
(¬4) ترجمته في: الشقائق (ص 22 - 230). الفوائد (ص 301). معجم المؤلفين (3: 555).
قال طاشكبرى زاده (¬1): كان عالماً فاضلاً، تقياً نقياً محترزاً عن حقوق العباد غاية الاحتراز، ولذلك كان محتاطاً في معاملاته مع الناس حتى أنه لغاية احتياطه ربما ينتهي إلى حدِّ الوسوسة، وكان جريء الجنان طليق اللسان، ذا مهابة ووجاهة، يستوي عنده الصغير والكبير في إجراء الحقّ، وكان لا يخاف في الله لومة لائم، وكان محباً للفقراء والصلحاء، وبالجملة كان علامة في الفتوى وآية كبرى في التقوى.
ومن مؤلفاته: «حواش على شرح المفتاح للسيد الشريف»، وبعض رسائل تتعلق بـ «شرح الوقاية» لصدر الشريعة (¬2)، و «تعليقات على الهداية» (¬3)، و «لسان الحكمة» في اللغة بالعربية والفارسية (¬4).
الجيل الرابع: أبناء أبناء أبناء أبنائه:
العالم العامل الفاضل الكامل المولى زين الدين محمد بن محمد شاه الفناري (¬5).
¬
(¬1) في الشقائق (ص 229).
(¬2) في الفوائد (ص 301): حاشية على أوائل شرح الوقاية.
(¬3) ينظر: الشقائق (ص 22 - 230).
(¬4) نسبه إليه عمر كحالة في معجم المؤلفين (3: 555).
(¬5) ترجمته في: الشقائق (ص 238 - 239).
أخذ العلم على علماء عصره منهم المولى الفاضل ابن عمه المولى علاء الدين علي الفناري، ثم على العالم الفاضل المولى ابن المعرف معلم السلطان بايزيد المطلوب.
وصار متولياً بأوقاف عمارة السلطان بايزيد خان بمدينة بروسه، ثم متولياً بأوقاف عمارة السلطان أورخان بالمدينة المزبورة، ثم متولياً بأوقاف عمارة السلطان بايزيد خان ببلدة أماسيه، ثم تولَّى قضاء بلدة تيره، ثم قضاء مدينة دمشق، ثم قضاء مدينة حلب، وتوفي وهو قاض بها في غرة شهر ربيع الأول سنة (926 هـ).
قال طاشكبرى زاده (¬1): كان عالماً فاضلاً ذكياً، صاحب طبع وقَّاد، وذهن نقّاد، وكان قوي الجنان، طليق اللسان، صاحب مروءة تامّة، وفتوة كاملة، محباً للفقراء والمساكين، وكان يُبِرُّهم ويُراعي جانبهم، وكان في قضائه مرضي السيرة محمود الطريقة، وكان ظاهره موافقاً لباطنه، وكان لا يضمر سوءاً لأحد.
الجيل الخامس: أبناء أبناء أبناء أبناء أبنائه ومن بعدهم:
الأول: العالم الفاضل الكامل المولى محيي الدين بير محمد ابن المولى علاء الدين علي الفَنَاري (¬2) [ابن محمد بن عليّ بن يوسف بالي ابن المولى شمس الدين الفناري] (¬3).
¬
(¬1) في الشقائق (ص 238 - 239).
(¬2) ترجمته في: الشقائق (ص 290 - 291).
(¬3) هذه الزيادة في نسبه لم تذكر في الشقائق في ترجمته، وإنما استنتجتها من ترجمة زين الدين محمد بن محمد شاه الفناري، حين ذكر في ترجمته أنه أخذ عن ابن عمه عليّ الفناري، وسبق ذكر عمّ واحد له، وهو محمد، والمترجم هنا اسمه: محمد بن علي.
أخذ العلم على علماء عصره، ثم ارتحل إلى بلاد العجم، وقرأ هناك على علماء سَمَرْقَنْد وبُخارا.
ثم تولَّى بمدرسة الوزير المرحوم مصطفى باشا بمدينة قسطنطينية، ثم بإحدى المدرستين المتجاورتين بأدرنه، ثم بإحدى المدارس الثمان، ثم أضرت
عيناه وعجز عن إقامة التدريس، مات وهو على تلك الحال في سنة (4/ 955 هـ).
قال طاشكبرى زاده (¬1): كان عالماً فاضلاً عابداً زاهداً محبّاً للخيرات والصلاح، وكان صاحب أخلاق حميدة، وكان صحيح العقيدة حسن السمت.
من مؤلفاته: «حاشية على شرح هداية الحكمة» لمولانا زاده.
الثاني: العالم الفاضل المولى حيدر ابن بنت محمد بن محمد شاه الفناري (¬2)، وهو ابن أخي المولى الخيالي (¬3).
¬
(¬1) في الشقائق (ص 291).
(¬2) ترجمته في: الشقائق (ص 255).
(¬3) وهو الإمام العلامة المتكلم الفقيه أحمد بن موسى، شمس الدين، الشهير بالخيالي، قال طاشكبرى:
كان عالماً عاملاً فاضلاً تقياً نقياً زاهداً متورعاً، من مؤلفاته: حاشية شرح الوقاية، وحواشي شرح العقائد النسفية، وحواشٍ على أوائل حاشية التجريد، وشرح نظم العقائد لأستاذه خضر بك. ينظر: الشقائق (ص 85 - 87). كشف الظنون (2: 2023).
أخذ العلم على علماء عصره، ومنهم المولى محمود القوجوي، فقرأ عليه «الشرح المطول للتلخيص»، و «صحيح البخاري» قراءة تحقيق وإتقان، وكان يقرر في أثناء الدرس «شرح صحيح البخاري» للكرماني، ثم ارتحل إلى مصر وأخذ من علمائها التفسير والحديث والأصول والفروع.
ثم ارتحل إلى بلاد الروم ونصَّبوه متولياً بأوقاف السلطان محمد المطلوب ببروسة، ثم صار متولياً بأوقاف السلطان اورخان بالمدينة المزبورة، وتوفي فيها في أواخر سلطنة السلطان سليم المطلوب.
قال طاشكبرى زاده (¬1): كان جميل الصورة، محمود الطريقة، لذيذ الصحبة حسن النادرة، لطيف المحاورة، جيد المحاضرة، مقبول المناظرة، وبالجملة كان زين المجالس والمحافل، وكانت له يدٌ طولى في النظم والنثر بالعربية، وكان ينظمُ القصائد العربيّة الفصيحة البليغة.
الثالث: العالم الفاضل الكامل عبيد (¬2) الله جلبي بن يعقوب الفناري (¬3) من جهة الأم.
¬
(¬1) في الشقائق (ص 255).
(¬2) في هدية العارفين (1: 472): عبد.
(¬3) ترجمته في: الشقائق (ص 277 - 278). الكشف (2: 1335،1346 - 1347). هدية العارفين (1: 472). معجم المؤلفين (2: 355).
واشتغل بالعلم الشريف غاية الاشتغال فأخذ العلم عن علماء عصره، منهم المولى الفاضل مصلح الدين اليارحصاري، ثم المولى الشيخ محمود القاضي بالعسكر المنصور بولاية اناطولي.
وتولَّى القضاء ببعض البلاد إلى أن صار قاضياً بمدينة حلب.
قال طاشكبرى زاده (¬1): كان فاضلاً ذكياً، وكان له مشاركة في العلوم،
ومعرفة تامّة بعلم القراءة، وكان قوي الحفظ حفظ القرآن العظيم في ستة أشهر وكان صاحب أخلاق حميدة جداً، وكان من الكرم في غاية لا يمكن المزيد عليها في هذا الزمان، وكان له سخاء عظيم ربّما تجاوز حدّ الإسراف، وقد ملك أموالاً عظيمة، وبذلها في وجوه الكرم، وملك كتباً كثيرة وهي على ما يروى عشرة آلاف مجلدة، وكان لا يخلو من الدين لسعة إفضاله ووفور إحسانه مع توليه المناصب الجليلة وتحصيل الأموال الجزيلة، وبالجملة لا يمكن وصف أخلاقه الحميدة وتفصيل إنعاماته الجزيلة، وتقرير فضائله الواسعة.
من مؤلفاته: «شرح القصيدة المنفرجة» لابن النحوي، و «إغاثة اللهفان شرح البردة»، قال طاشكبرى زاده (¬2): وهو من أحسن شروحها.
مات سنة (936 هـ).
¬
(¬1) في الشقائق (ص 277 - 278).
(¬2) في الشقائق (ص 278).
وبعد هذه الصفحات التي قضيناها في الحديث عن الأسرة النسبية لمترجمنا، ولاحظنا أنه ما عليه من الفضل والعلم امتدَّ إلى أجيال من بعد، كلها تفتخر بالنسبة إلى هذا الإمام العظيم، وتجد قبولاً واحتراماً وتقديراً من الآخرين لنسبتها إليها، فإننا نودُّ أن ننتقل إلى أسرته النسبية إلى الكلام عن أسرته العلمية، والتي تتمثل بشيوخه وتلاميذه، ولا تقل أهميتها وعلاقتها به عن أسرته النسبيه إن لم تزد عليها؛ لكون شيوخه أكبر مورد لعلمه، وتلاميذه أكثر من استفاد من علمه.
المطلب الخامس: شيوخ شمس الدين الفناري:
يمثل شيوخه المنهل الصافي الذي نهل منه هذا العلم الغزير، وهم الأساس في تكوين شخصيته العلمية، وتحديد تطلعاته واهتماماته، فصفات كلِّ واحد منهم تنعكس على شخصيته، ويكون لها تأثيرها فيها، وللوقوف على جوانب عظمة هذه الشخصية، وفهم ما يصدر عنها من تصرفات، يحسن بنا الاطلاع على الشخصيات التي كان لها الأثر البالغ في تكوينها المتجسدة في شيوخها:
الأول: والده، وقد أخذ عنه علم التصوف؛ إذ قرأه عليه «مفتاح الغيب» (¬1)، وقد سبق ترجمته والكلام عنه عند الحديث عن أسرته.
الثاني: العالم العامل الفاضل الكامل المولى علاء الدين الأسود (¬2)، شارح «المغني» (¬3)، و «الوقاية» (¬4) (¬5)، اشتهر عند الروم بقره خواجه.
¬
(¬1) ينظر: الشقائق (ص 17). الكتائب (ق 345/أ). الفوائد (ص 274).
(¬2) ترجمته في: الشقائق (ص 9). الكشف (2: 1749).
(¬3) المغني في أصول الفقه للعلامة الأصولي الفقيه عمر بن محمد بن عمر الخَبَّازِيّ الخُجَنْدِيّ الحَنَفِيّ، أبي محمد جلال الدين، أصله من بلاد ما وراء النهر من بلدٍ يقال لها: خُجَنْدَة، وله: حواشٍ على الهداية، (ت 691 هـ). ينظر: تاج التراجم (ص 220). الفوائد (ص 245 - 246). معجم المؤلفين (2: 576 - 577). الكشف (2: 1749).
(¬4) وقاية الرواية في مسائل الهداية للإمام العلامة الفقيه محمود بن أحمد بن عبيد الله بن إبراهيم المَحْبُوبيّ البُخَارِيّ، برهانُ الشَّريعة، قال الكفوي: عالمٌ فاضل، نحريرٌ كامل، بحرٌ زاخر، حبرٌ فاخر، صاحب التصانيف الجليلة، ومن مؤلفاته: الواقعات، والفتاوى توفِّي بحدود سنة (673 هـ). ينظر: طبقات ابن الحنائي (ق 25/أ). مقدمة العمدة (1: 18 - 20.معجم المطبوعات (1: 1199 - 1200).دفع الغواية (1: 2 - 6).
(¬5) ينظر: الشقائق (ص 17). مفتاح السعادة (2: 109). الكتائب (ق 345/أ). البدر الطالع (2: 266). الفوائد (ص 274).
قال طاشكبرى زاده (¬1): سمعت من بعض الثقات أن المولى شمس الدين
الفناري قرأ عليه، لكن وقع بينهما مخالفة ومنافرة؛ ولهذا تركه وذهب إلى رحمة المولى جمال الدين الأَقْسَرَائي.
الثالث: الجمال محمّد بن محمّد بن محمّد الأَقْسَرَائي (¬2)، وهو من نسل الفخر الرازيّ.
والأَقْسَرَائي نسبةً إلى «أق سراي» من بلاد الروم، ومعناها: «القصر الأبيض».
أخذ الشمس الفَنَاري عنه العلم ببلاده قرامان، ولازمه بطلب العلم عليه (¬3).
¬
(¬1) في الشقائق (ص 9).
(¬2) في الشقائق (ص 15). الفوائد (ص 315 - 319). الكشف (1: 210 - 211). هدية العارفين (2: 165).
(¬3) ينظر: الشقائق (ص 17). مفتاح السعادة (2: 109). الكتائب (ق 345/أ). البدر الطالع (2: 266). الفوائد (ص 274).
قال طاشكبرى زاده (¬1): وكان الأَقْسَرَائي عالماً فاضلاً كاملاً تقياً نقياً عارفاً بالعلوم العربية والشرعية والعقلية.
من مؤلفاته: «حواشي على الكشاف»، و «شرح الإيضاح» في المعاني، و «حل الموجز» في الطب، و «أخلاق الجمال»، و «حاشية على شرح مجمع البحرين» في الفقه، و «شرح الغاية القصوى في دراية الفتوى» للبيضاوي، و «شرح مشكلات القرآن الكريم» فارسي في مجلدين، و «كشف الإعراب في شرح اللباب» للاسفرايني، و «نزهة الأرواح في شرح أبيات الشيخ أوحد الدين وبعض الصوفية «، و «شرح حديث إن الله سبحانه وتعالى خلق آدم على صورته».
وكان يدرس في مدرسة السلسلة بقرامان، واشترط بانيها أن لا يدرس فيها إلا من حفظ «الصحاح» للجوهري.
ومن الطرائق العجيبة التي تذكر في ترجمته أن طلبته ثلاث طبقات:
الأدنى منهم: مَن يستفيدون منه في ركابه، ثمّ ذهابه إلى الدرس، وسمَّاهم بالمشائية.
والأوسطين منهم: مَن يسكنون في رواق المدرسة، وسمَّاهم الرواقيين على عادة الحكماء الأقدمين.
¬
(¬1) في الشقائق (ص 15).