القول السديد المفيد في حكم التقليد
للفقيه إبراهيم بن حسين ابن بيري الحنفي
توفي في سنة (1099 هـ)
تحقيق:
ولاء عبدالكريم لطفي أبو مرشد
إشراف:
د. براء السعدي
جارٍ تحميل الكتاب…
القول السديد المفيد في حكم التقليد
للفقيه إبراهيم بن حسين ابن بيري الحنفي
توفي في سنة (1099 هـ)
تحقيق:
ولاء عبدالكريم لطفي أبو مرشد
إشراف:
د. براء السعدي
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا القول السديد المفيد في حكم التقليد نظير العقد الفريد (¬1) الذي في مذهب الشافعية
الحمدلله الذي خص هذه الأمة بِملّةٍ سَمِحَةٍ سَهْلة، ورفع عنهم الآصار (¬2) حتى صار اختلافهم رحمة. والصلاة والسلام على سيدنا محمد سراج الظلمة، وعلى آله وصحبه ينابيع الحكمة، وبعد:
فيقول راجي عفو مولاه؛ إبراهيم بن حسين بن أحمد بن بيري زاده الرومي الحنفي هداه الله إلى الصواب، وهون عليه كل أمر يحاوله من الأمور الصعاب:
¬
(¬1) "العقد الفريد" هو كتاب من تأليف ابن عبد ربه الأندلسي (328 هـ)، يعتبر من أمهات الكتاب العربي، وعند تصفح موضوعاته تبين أنها متنوعة بين السياسة والسلطات، والحروب ومدار أمرها، والأمثال والمواعظ، والتّعازي والمراثي وكلام الأعراب؛ وهذا لا يتناسب مع موضوع الرسالة، ويتضح أن الكتاب المقصود هو "العقد التليد" للفقيه الشافعي؛ عبد الباسط بن موسى، الدمشقي (ت 981 هـ)، فبعد تصفح موضوعاته تبين أنَّه يشمل مسائل في الفتوى والاجتهاد؛ وهذا ما قصده ابن بيري رحمه الله، وهذا واضح من خلال تعليقه أنَّه في المذهب الشافعي. ينظر: العقد التليد ص 379 - 382، العقد الفريد 1: 7.
(¬2) رفع عنهم الآصار أي الذنب والثقل. ينظر: لسان العرب 4: 23. ولعلَّ ما عناه؛ أي لا يطلب منهم الاجتهاد، ورفع عنهم الثقل والذنب؛ فقد خص الله الأمة بمجتهدين اختلافهم رحمة للأمة؛ فاجتهادهم متردد بين أجرين للمصيب، وأجر واحد للمخطئ. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:) إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ). صحيح مسلم 5: 131.
هذا مُؤَلفٌ مُنِيفْ مشتمل على عشر مسائل في التقليد (¬1). سميته "بالقول السديد المفيد" وسألت الله أن ينفع به كل طالب مستفيد.
المسألة الاولى في التقليد (¬2):
التقليد عمل المكلف بقول الغير، أو فعله -حيًا كان أو ميتًا- من غير حجة معتقدًا حقيقته (¬3).
وزاد في "عمدة الحكام عن المضمرات" (¬4): "على سبيل الجزم من غير تردد وارتياب بلا دليل" (¬5) انتهى. والمراد بالاعتقاد غلبة الظن كما لاسترة به.
¬
(¬1) علق المدون في الحاشية: في فروع التقليد.
(¬2) علق المدون في الحاشية: "حقيقته"؛ أي يتكلم في المسألة الأولى عن بيان معنى التقليد وحقيقته.
(¬3) أي أنَّ التقليد أخذ العامي بقول العامي، والمجتهد بقول مثله، والمكلف هو البالغ العاقل الذي يفهم الخطاب الشرعي، وخرج بهذا الصبي والمجنون. وخرج بقوله من غير حجة؛ العمل بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والعمل بالإجماع، ورجوع العامي إلى المفتي (العالم بأصول الفقه، والأدلة السمعية التفصيلية، واختلاف مراتبها، وبما يتوقف العلم بذلك عليه من العقليات)، والقاضي إلى العدول في شهادتهم؛ فهذا ليس تقليدًا؛ لوجود الحجة في الكل، وإن سمى البعض ذلك تقليدًا في العرف فلا مشاحة في الاصطلاح. ينظر: تيسير التحرير4: 242، بديع النظام الجامع بين كتاب البزدوي والإحكام 2: 681، جامع المسائل والقواعد1: 316.
(¬4) عمدة الحكام للشيخ الفاضل محمد بن يوسف الحلبي، الشهير بالأسبيري. ينظر: البدور المضية17: 23.
(¬5) وهو أن يتبع الجاهل العالم، ويعتقد معتقده على سبيل الجزم، من غير تردد وارتياب بلا دليل. فجاز التقليد للعوام، ومن كان بمثل حالهم من الفقهاء الذين لم يبلغوا حد الاجتهاد. ينظر: جامع المضمرات في شرح مختصر الإمام القدوري1: 84.
وهذا التقليد واجب في حق العامي الجاهل، وكذا المجتهد في بعض مسائل الفقه، أو بعض العلوم؛ كالفرائض على القول بالتجزؤ (¬1)، وهو الحق فيما لا يقدر عليه مطلقًا على نفيه (¬2)؛ لعموم {فَس?ـ?َلُو?ا? أَه?لَ الذِّك?رِ إِن كُنتُم? لَا تَع?لَمُونَ}] النحل:43 [؛ فيمَنْ لا يَعْلم (¬3)، وفيما لا يُعْلم (¬4) لتعلقه (¬5) بعلة عدم العلم (¬6).
¬
(¬1) والتجزؤ القدرة على الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض، أو بعض الأبواب دون بعض؛ ويقصد هنا فيما لا يقدر على تحصيله باجتهاده بناءً على القول بجواز التجزؤ في الاجتهاد؛ وهو الحق، وبه قال الكمال بن الهمام ينظر: تيسير التحرير شرح كتاب التحرير4: 246، القول السديد في بعض مسائل الاجتهاد والتقليد ص39.
(¬2) على نفي جواز القول بالتجزؤ؛ أي ويلزمه التقليد مطلقًا فيما يقدر عليه وما لا يقدر عليه من الأحكام. ينظر: المرجع السابق.
(¬3) سواء كان عاميًا صرفًا، أو عالمًا بالبعض دون البعض. ينظر: تيسير التحرير4: 246.
(¬4) من الأحكام سواء كان مجهولًا بالكيلة، أو من وجه. ينظر: المرجع السابق.
(¬5) أي الأمر بالسؤال. ينظر: المرجع السابق.
(¬6) فَكلما تحقق عدم الْعلم تحقق وجوب السُّؤَال. ينظر: المرجع السابق.
ولو تعدد المجتهدون خُيِّر في التقليد وإنْ تفاضلوا على الصحيح (¬1)، وقيل يجب تقليد الأفضل عنده اجتهادًا ولو بالشهرة (¬2). ويحرم تقليد المجتهد لمثله بعد الاجتهاد اتفاقًا (¬3)،
¬
(¬1) لعموم قوله تعالى: {فَس?ـ?َلُو?ا? أَه?لَ الذِّك?رِ إِن كُنتُم? لَا تَع?لَمُونَ}] النحل:43 [. قال الكمال بن الهمام في تحريره: "هذا الاستدلال يتوقف على كون الإفتاء من المفضول عند مخالفة الكل ذلك المفتي، وإلا فإنما يستفتيه لكون رأيه بعينه من رأي الأفضل لا يصح على ظاهره؛ لأنه لا يتوقف على مخالفة الكل، بل إنما يتوقف على عدم التوقف وهذا ظاهر جداً". ينظر: فواتح الرحموت2: 436، نهاية السول شرح منهاج الأصول4: 560.
(¬2) وهو قول ضعيف ومفاده أنَّه لا يجوز تقليد المفضول مع وجود الأفضل؛ لأنَّ أقوال المجتهدين في حق المقلد كالأدلة في حق المجتهد؛ فكما يجب على المجتهد الأخذ بالراجح من الأدلة يجب على المقلد الأخذ بالراجح من الأقوال، والراجح منها غالبًا قول الأفاضل، ويعرفه العامي بالتسامع وغيره. وأجيب بأنَّ هذا استدلال بالقياس في مقابلة الإجماع المتقدم فلا يقبل؛ لأن الإجماع مقدم على القياس عند التعارض، وأيضًا هناك فرق بين المجتهد والمقلد؛ فإنَّ الترجيح سهل على المجتهد لا حرج فيه؛ لكمال علمه وقوة ذهنه بخلاف العامي؛ فإنه إن أمكن له في بعضهم؛ فربما لا يتيسر في البعض الآخر، ويقع في الحرج. ينظر: نهاية السول شرح منهاج الأصول4: 560.
(¬3) أي إذا أداه اجتهاده إلى حكم لم يجز له تقليد غيره اتفاقًا، وإذا لم يجتهد فالأكثرون على منع التقليد أيضًا. وقيل فيما يفتي به لا فيما يخصه، وقيل: فيما لا يفوت وقته باشتغاله بالنظر، وقيل: بجوازه مطلقًا. ينظر: بديع النظام الجامع بين كتاب البزدوي والإحكام 2: 681، فتح الغفار بشرح المنار ص41 ..
وقبله، وفيما لم يجتهد فيه؛ فقولان عن الإمام (¬1)، وقال الثالث إنْ أَعْلمَ منه جاز وإنْ مثله لا (¬2).
المسألة الثانية:
¬
(¬1) وأما قبل أن يجتهد، أو فيما لم يجتهد فكذلك يحرم على الصحيح، وهو ما قاله أحمد ومالك والشافعي رضي الله تعالى عنهم، ولأبي حنيفة روايتان. وقيل: يجوز تقليده إن لم يجتهد مطلقًا، وهو ما حكي عن أحمد والثوري وإسحاق. وفي هذه المسألة عدة أقوال بين مجيز ومانع ومفصل، قال الإسنوي: " وفيما قبله ثمانية مذاهب". ينظر: نهاية السول ص403 - 404.
(¬2) وهو ما نقل عن محمد بن الحسن رضي الله عنه من أنَّه يجوز تقليد الأعلم لا تقليد المساوي والأدون. ينظر: قواطع الأدلة في الأصول2: 341.
إنَّما يُقَلد من عرف أهليته؛ فلا يُسْتَفتى إلا من عُرِفَ علمه، وعدالته (¬1). قال فى "اللُبّ" (¬2): الاتفاق على حل استفتاء من عرف من أهل العلم بالاجتهاد والعدالة، أو رآه منتسبًا (¬3) والناس يستفتونه مُعظِّمين، وعلى امتناعه إن ظن عدم أحدهما (¬4)، فإن جُهل اجتهاده دون عدالته؛ فالمختار منع استفتائه (¬5). بخلاف المجهول من غيره (¬6)؛ إذ الاتفاق على المنع؛ لأنَّ الاجتهاد شرط (¬7) فلا بد من ثبوته عند السائل ولو ظنًا" (¬8) انتهى.
المسألة الثالثة:
إذا تعدد من يصلح للتقليد؛ فهل يلزم مُريده أن يجتهد فيأخذ بقول الأعلم، أم يخير؟
قال الأصحاب (¬9): إذا كان في المصر فقيهان كلاهما رِضىً (¬10)
¬
(¬1) فيجب أن يستفتي من عرف علمه وعدالته ولو بإخبار ثقة عارف، أو باستفاضة، وإلا بحث عن ذلك، فلو خفيت عدالته الباطنة؛ اكتفى بالعدالة الظاهرة. ينظر: البحر الرائق6: 449، فتح الغفار بشرح المنار ص394.
(¬2) لب الأصول المختصر من تحرير الأصول لزين الدين بن نجيم؛ مختصر كتاب "التحرير" لابن الهمام في أصول الفقه، وهو سفر نفيس، جم الفائدة، فصيح العبارة، حسن الترتيب والاختصار، هذَّبَ فيه ابنُ نجيم "التحرير" فحذف منه أصول الشافعية واختصره على أصول الحنفية غالبًا. ينظر: البدور المضية8: 81.
(¬3) أي مرتفعًا بين الناس بسبب كونه ممتازًا بينهم في العلم. ينظر: تيسير التحرير4: 248.
(¬4) أي الاجتهاد أو العدالة.
(¬5) وغير المختار جواز استفتائه. ينظر: تيسير التحرير4: 248، فواتح الرحموت2: 435.
(¬6) أي لم تجهل عدالته.
(¬7) في الإفتاء، وقبول فتواه.
(¬8) ينظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق4: 442، مجمع الأنهر3: 214، التقرير والتحبير3: 346.
(¬9) وهم تلامذة أبو حنيفة رضي الله عنهم.
(¬10) أي سِيَّان في الفتوى.
يوخذ عنه واختلفا؛ فلينْظُر أيهما يقع في قلبه أنَّه أصوبهما وسعه أن ياخذ به (¬1). فإنْ کانوا ثلاثة فقهاء، واتفق اثنان؛ أُخذ بقولهما، ولا يسعه أن يتعدى إلى قول الثالث. وإِن اختلفوا ولم يتفق اثنان منهم على شيء؛ اجتهد هو رأيه فيما افتوه فيه؛ فأيهم كان أصوب عنده قولًا عمل بذلك، وليس له أن يعمل بقول غير واحدٍ منهم (¬2).
المسألة الرابعة:
لا خلاف عندنا في جواز تقليد الميت (¬3)، وهو الذي اتفق عليه الشيخان من الشافعية (¬4)، وقال في "العقد" (¬5): وغيرهما من الأئمة (¬6) انتهى.
¬
(¬1) قال الكمال بن الهمام: لو أخذ بقول الذي لا يميل إليه قلبه جاز لأنَّ ميله وعدمه سواء، والواجب عليه تقليد مجتهد وقد فعل أصاب ذلك المجتهد أو أخطأ ينظر: فتح القدير7: 257.
(¬2) ونقلت هذه المسألة عن الحسن بن زياد في أدب القاضي وغيره، وذهبوا إلى ما قاله الأصحاب فيها. وذكر أيضًا أنَّه لا يجوز للحنفي أن يأخذ بقول مالك والشافعي فيما خالف مذهبه، وله أن يأخذ بقول القاضي إذا حكم عليه بخلاف مذهبه. ينظر: الدرة الغراء في نصيحة السلاطين والقضاة ص259، معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين ص27. رسائل ابن نجيم ص76.
(¬3) مجمع عليه لوقوعه في ممر الأعصار من غير نكير. ينظر: تيسير التحرير شرح كتاب التحرير4: 250.
(¬4) ويعنون بهما الرافعي والنووي، وذكر أنَّ هذا القول الصحيح في المذهب الشافعي؛ لأنَّ المذاهب لا تموت بموت أصحابها. ونقل قول آخر ضعيف بأنَّه لا يجوز؛ لفوات أهليته كالفاسق. ينظر: مصطلحات المذاهب الفقهية ص236، المجموع شرح المهذب1: 498.
(¬5) ينظر: العقد التليد في اختصار الدر النضيد ص209. لمؤلفه محمد بن إسماعيل العلموي الدمشقي الشافعيّ (ت 981 هـ)، وهو كتاب في أدب المفيد والمستفيد. ينظر: الأعلام3: 271.
(¬6) فما عليه أئمة الشافعية من جواز تقليد الميت؛ قال أبو عمرو بن الصلاح: "والأصح جواز تقليد الميت مطلقا" ينظر: العقد التليد ص209.
المسألة الخامسة: حكم إفتاء المقلد (¬1):
ظاهره ما قاله الأصحاب عن الإمام (¬2) صريح في عدم جواز ذلك له؛ إلا إن كان له قدرة الترجيح، ونصهم: قال الإمام لا يجوز لأحد أن يفتي بقولنا ما لم يدرِ من أين قلناه (¬3). وعلل له في "مختارات النوازل": بأن الفتوى لا تحل إلا بالاجتهاد؛ وذلك بالتمييز بين أقوال العلماء، وترجيح قول بعضهم على البعض انتهى (¬4). والذي استقر عليه الحال للحاجة؛ جواز نقله الحكم بعد أن يكون صوابُه أكثر من خطأه (¬5).
تتمة:
¬
(¬1) أي إفتاء غير مجتهد بما ذهب إليه مجتهد المذهب.
(¬2) وهو أبو حنيفة رحمه الله. ينظر: مصطلحات المذاهب الفقهية ص105.
(¬3) ينظر: الفتاوى الولوالجية4: 92.
(¬4) اختلفوا في إفتاء فقيه غير مجتهد على أربعة أقوال، والقول المختار في عدم جواز ذلك إلا إذا كان أهلًا للتخريج ولمعرفة ما يتوقف عليه؛ جاء في شرح البديع للهندي: " وهو المختار عند كثير من المحققين من أصحابنا وغيرهم، فإنه نقل عن أبي يوسف وزفر وغيرهما من أئمتنا أنه لا يحل لأحد أن يفتي بقولنا ما لم يعلم من أين قلنا". والأقوال الأخرى أنَّه لا يجوز مطلقًا؛ لأنَّه لو جاز إفتاء من ليس بمجتهد لجاز إفتاء العامي بجامع عدم الاجتهاد، وبه قال أبو الحسين، والقاضي أبو يعلى من الحنابلة، والروياني من الشافعية. وقيل يجوز مطلقًا سواء كان مطلعًا على المأخذ أم لا، عدم المجتهد أولا، وقيل جاز إفتاء غير المجتهد بمذهب مجتهد بشرط عدم مجتهد في تلك الناحية. ينظر: تيسير التحرير4: 249، الردود والنقود2: 729، فتاوى النوازل ص456.
(¬5) أي جواز الإفتاء للضرورة لحاجة الناس وعدم المجتهد. ولا يصير من أهل الفتوى ما لم يكن صوابه أكثر من خطأه؛ لأن الصواب متى كثر؛ فقد غلب، ولا عبرة للمغلوب في مقابلة الغالب؛ فأمور الشرع مبنية على الأعم الأغلب. ينظر: الفتاوى الولوالجية4: 92، تيسير التحرير4: 249.
ليس لنا في المذهب مفتٍ منتسب؛ بل الكل مقلدون في المذهب؛ ودليله ما قاله ابن كمال باشا (¬1):
¬
(¬1) أحمد بن سليمان بن كمال باشا، شمس الدين (ت940هـ)، قال التاجي: " قلما يوجد فن من الفنون وليس لابن كمال باشا مصنف فيه"، من مؤلفاته: "طبقات الفقهاء"، "إيضاح الإصلاح"، "رسالة في الجبر والقدر"،. ينظر: الطبقات السنية1: 355، الأعلام1: 133.
من أنَّ أصحاب الإمام خالفوه في بعض أحكام الفروع، لكن يقلدونه في قواعد الأصول؛ فهو غير ظاهر؛ بل لم يخالفه أحد منهم لما قاله ابن الشِّحْنَةِ (¬1): من أنَّ أصحاب أبي حنيفة كانوا مجتهدين في مذهبه، سالكين طريقته، متبعين نصوصه، مخرجين أقوالهم عليها، ومن ظن أنَّهم خالفوه لم يصب في ظنه؛ كلا بل لم يخالفه أحد منهم، ولا انفرد بقول خارج عن اجتهاده؛ وإنَّما هي روايات عنه، وتخريجات على نصوصه، وإجمالات لمفاهيم عباراته انتهى (¬2).
¬
(¬1) عبد البر بن محمد بن محمد، أبو البركات، سريّ الدين، المعروف بابن الشحنة، قال الحمصي ": وكان عالما متفننا للعلوم الشرعية والعقلية"، من مؤلفاته: "غريب القرآن"، "تفصيل عقد الفرائد"، "الذخائر الأشرفية في ألغاز الحنفية". ينظر: الأعلام3: 272 - 273، الكواكب السائرة1: 220.
(¬2) ويظهر أنَّ الأمام ابن بيري خالف ابن كمال باشا في جعله أصحاب أبي حنيفة مخالفين له في بعض الفروع، واستدل بقول ابن الشحنة في ذلك، وعلق أيضًا في حاشيته: قال في الولوالجية: قال أبو يوسف ما قلت قولًا خالفت فيه أبا حنيفة إلا قولًا قد كان قاله. ويروى عن زفر أنَّه قال ما خالفت أبا حنيفة في شيْء إلا قد قاله ثم رجع عنه. فهنا إشارة إلى أنَّهم لم يقبلوا طريق الخلاف بل قالوا ما قالوا عن اجتهاد ورأي اتباعًا لما قاله استاذهم أبو حنيفة. وقال أبو حنيفة لايحل لأحد أن يفتي بقولنا ما لم يدرِ من أين قلناه. انتهى. ومن خلال التتبع تبين لي أنَّ أنهم بلغوا رتبة الاجتهاد المطلق، واستقلوا بأصول، وبنوا عليها فروعًا، لكن لحسن تعظيمهم للأستاذ، آثاروا الانفصال عنه، فانتسابهم إلى أبي حنيفة هو انتساب أدب. ينظر: التصحيح والترجيح على مختصر القدوري ص22، حسن التقاضي ص80.
وهم على مراتب مختلفة (¬1)؛ فمنهم القادرون على استخراج الأحكام من الأدلة على مقتضى القواعد التي قررها صاحب المذهب؛ كأبي يوسف، و محمد، و سائر أصحابه (¬2).
¬
(¬1) اعتمد ابن بيري تقسيم ابن كمال باشا لطبقات الاجتهاد؛ حيث قسَّم ابن كمال باشا طبقات الاجتهاد لسبع طبقات؛ طبقة المجتهدين في الشرع، وطبقة المجتهدين في المذهب، وطبقة المجتهدين في المسائل التي لا نص فيها عن صاحب المذهب، وطبقة أصحاب التخريج من المقلدين، وطبقة أصحاب الترجيح من المقلدين، وطبقة المقلدين القادرين على التمييز بين الأقوى، والقوي، والضعيف، وظاهر المذهب، والرواية النادرة، وطبقة المقلدين الذين لا يقدرون التمييز بين الأقوى، والقوي، والضعيف، وظاهر المذهب، والرواية النادرة. ينظر: طبقات الفقهاء لابن كمال باشا ص54 - 70.
(¬2) وهي ما اعتبرها ابن كمال باشا الطبقة الثانية في الاجتهاد، وأطلق "طبقة المجتهدين في المذهب"، وجعل منها أصحاب أبو حنيفة؛ أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وزفر، والحسن. ووافقه ابن بيري بذلك. واعترض على هذا الإمام الكوثري حيث قال: ولم يصب ابن الكمال الوزير في ترتيب الطبقات، ولا في توزيع الفقهاء عليها، وإن لقي استحسانًا من المقلدة بعده. واعترض أيضًا الشهاب المرجاني في جعله أصحاب أبو حنيفة من المجتهدين في المذهب؛ حيث بيَّن أنهم بلغوا رتبة الاجتهاد المطلق، لكن لحسن تعظيمهم للأستاذ، وفرط إجلالهم لمحله، ورعايتهم لحقه، تشمروا على تنويه شأنه، وتوغلوا في انتصاره، والاحتجاج لأقواله وروايتها للناس؛ لاعتقادهم أنَّه أعلم وأورع وأحق للاقتداء به، والأخذ بقوله، فآثاروا الانفصال عنه، فانتسابهم إلى أبي حنيفة هو انتساب أدب .. واعترض أيضًا الشيخ محمد أبو زهرة حيث قال: إن أبا يوسف ومحمدًا والأصحاب من طبقة المجتهد المطلق، وعليه فليس لهذه الطبقة التي مثلت بهم من وجود في المذهب الحنفي ينظر: طبقات الفقهاء لابن كمال باشا ص54 - 70، حسن التقاضي ص88 - 89، "أبو حنيفة-حياته وعصره" ص440
ومنهم من له القدرة على استنباط الأحكام في المسائل التي لا نص فيها على حسب أصول قررها، ومقتضى قواعد بسطها؛ كالخَصَّاف (¬1)، والطَّحَاوي (¬2)، والكَرْخِي (¬3)، وشمس الائمة السَّرَخْسِي (¬4)، وفخر الإسلام البَزْدَوي (¬5)، وقاضي خان (¬6)،
¬
(¬1) أحمد بن عمر بن مهير الشيباني، أبو بكر، المعروف بالخصاف. قال شمس الأئمة الحلواني: "الخصاف رجل كبير فى العلم، وهو ممن يصح الاقتداء به." من مصنفاته: "الشروط الكبير"، " الشروط الصغير"، "أدب القاضي"، (ت261هـ). ينظر: الأعلام1: 185، الطبقات السنية1: 148.
(¬2) أحمد بن محمد بن سلامة، الأزدي، الطحاوي، وهو ابن أخت المزني. قال أبو عمر بن عبد البر:" كان الطحاوي كوفي المذهب، وكان عالمًا بجميع مذاهب الفقهاء"، من تصانيفه: "شرح معاني الآثار"، "مشكل الآثار"، "أحكام القرآن"، (239 - 321 هـ). ينظر: الأعلام1: 260، الطبقات السنية2: 50.
(¬3) العارف بالله؛ أبو محفوظ معروف بن فيروز، الكرخي، كان من المشايخ الكبار، يستسقى بقبره، قال أبو عبد الرحمن الزهري: "قبره معروف لقضاء الحوائج "، يقال: أنه من قرأ عنده - مائة مرة - قل هو الله أحد وسأل الله ما يريد، قضى حاجته" (ت200هـ). ينظر: الأعلام7: 269، طبقات الأولياء ص281.
(¬4) عبد الرحمن بن محمد، السرخسي، من مؤلفاته: " تكملة التجريد"، "مختصر المختصرين"، (ت439هـ). ينظر: الأعلام3: 326، الطبقات السنية4: 315.
(¬5) علي بن محمد بن الحسين، البزدوي، الفقيه بما وراء النهر، صاحب الطريقة على مذهب الإمام أبي حنيفة، له تصانيف: المبسوط "، كنز الوصول" في أصول الفقه، (400 - 482هـ). ينظر: الأعلام4: 328، تاج التراجم ص205.
(¬6) حسن بن منصور بن شمس الأئمة محمود، الأُوْزْجندي، قاضي خان، قال ابن عابدين الشامي: لا يعدل عن تصحيح قاضي خان، فإنه فقيه النفس، من مؤلفاته: "فتاوى قاضي خان"، "شرح الجامع الصغير"، " شرح الجامع الكبير"، (ت592هـ) .. ينظر: البدور المضيئة في تراجم الحنفية6: 254 - 277، الأعلام2: 224.
وغيرهم (¬1).
¬
(¬1) وهي ما اعتبرها ابن كمال باشا الطبقة الثالثة في الاجتهاد، وأطلق عليها "طبقة المجتهدين في المسائل التي لا نص فيها عن صاحب المذهب"، وقال إنهم لا يقدرون على شيء من المخالفة لا في الأصول، ولا في الفروع لكنهم يستنبطون الأحكام في المسائل التي لا نص فيها على حسب الأصول والقواعد. ويظهر موافقة ابن بيري له في ذلك. واعترض عليه المرجاني إنهم لا يقدرون على مخالفة أبي حنيفة لا في الأصول ولا في الفروع ليس بشيء؛ فإن ما خالفوه فيه من المسائل لا يعد ولا يحصى، ولهم اختيارات في الأصول والفروع، وأقوال مستنبطة بالقياس والمسموع، واحتجاجات بالمنقول والمعقول، على ما لا يخفى على من تتبع كتب الفقه والخلافيات والأصول. ينظر: طبقات الفقهاء لابن كمال باشا ص54 - 70، حسن التقاضي ص90.
ومنهم من له القدرة على تفصيل قول مجمل ذي وجهين، وحكْمٍ مُبهمٍ محتملٍ لأمرين منقولٍ عن صاحب المذهب، أو عن أحد صاحبيه (¬1)؛ كالرَّازِي (¬2)، والبَرْدَعي (¬3).
¬
(¬1) وهي ما اعتبرها ابن باشا الطبقة الرابعة في الاجتهاد، وأطلق عليها "طبقة أصحاب التخريج من المقلدين". واعترض عليه المرجاني من أنَّ جعله الرازي من المقلدين الذين لا يقدرون على الاجتهاد أصلًا؛ ظلم عظيم في حقه، وتنزيل له عن رفيع محله، وغض منه بين بجلالة شأنه في العلم. ومن تتبع تصانيفه، والأقوال المنقولة عنه؛ علم أنَّ الذين عدهم من المجتهدين من شمس الأئمة ومن بعده كلهم عيال لأبي بكر الرازي. ينظر: طبقات الفقهاء لابن كمال باشا ص54 - 70، حسن التقاضي ص90.
(¬2) أحمد بن علي، أبو بكر الرازي، المعروف بالجصاص، انتهت إليه رئاسة الحنفية. وسئل العمل بالقضاء فامتنع، تفقه على أبي الحسن الكرخي وتخرج به، من تصانيفه: "أحكام القرآن"، "شرح مختصر الكرخي"، "شرح الجامع الصغير"، (ت370هـ). ينظر: تاج التراجم ص96، الأعلام1: 171.
(¬3) أحمد بن الحسين، أبو سعيد البردعي، كان شيخ الحنفية ببغداد، قال الخطيب: أحد الفقهاء على مذهب أبى حنيفة (ت317هـ). ينظر: الطبقات السنية1: 341، الأعلام1: 114.
ومنهم من له القدرة على تفضيل بعض الروايات على بعض آخر؛ كقولهم وهو الأَوْلى، وهو الأصح (¬1)؛ كالقدوري (¬2)، وصاحب الهداية (¬3).
¬
(¬1) وهي ما اعتبرها ابن كمال باشا الطبقة الخامسة في الاجتهاد، وأطلق عليها "طبقة أصحاب الترجيح من المقلدين". واعترض المرجاني بقوله: أنَّه جعل القدوري، وصاحب الهداية من أصحاب الترجيح، وقاضي خان من المجتهدين، مع تقدم القدوري على شمس الأئمة زمانًا، وكونه أعلى منه كعبًا، وأطول باعًا. وأمَّا صاحب الهداية فكيف ينزل شأنه عن قاضي خان بمراتب؟ بل هو أحق منه بالاجتهاد وأثبت في أسبابه وألزم لأبوابه. ينظر: طبقات الفقهاء لابن كمال باشا ص54 - 70، حسن التقاضي ص90.
(¬2) أحمد بن محمد بن أحمد، القدوري، انتهت إليه رئاسة الحنفية في العراق، وكان حسن العبارة في النظر، جريئاً بلسانه، مديمًا لتلاوة القرآن، من مصنفاته: "مختصر القدوري"، "التجريد"، "شرح مختصر القدوري"، (362 - 428 هـ). ينظر: تاج التراجم ص98، الأعلام1: 212.
(¬3) ويقصد به علي بن أبي بكر بن عبد الجليل، الفرغاني، المرغيناني، من أكابر فقهاء الحنفية نسبته إلى مرغينان، من تصانيفه: " بداية المبتدي "، " الهداية في شرح البداية "، منتقى الفروع "،" مختارات النوازل "، (530 - 593هـ). ينظر: الجواهر المضية5: 260، الأعلام4: 266.
ومنهم من له القدرة على التمييز بين الأقوى والقوي، وظاهر المذهب والرواية؛ كأصحاب المتون المعتبرة (¬1) من "الكنز" (¬2)، و"المختار" (¬3)، و"الوقاية" (¬4)، و"المجمع" (¬5).
المسألة السادسة:
هل يجوز أن يكون في المسألة روايتان عن صاحب المذهب، وأن يفتي، أو يعمل بما شاء منهما من غير نظر، أم لا بد من النظر؟
¬
(¬1) وهي ما اعتبرها ابن كمال باشا الطبقة السادسة في الاجتهاد، وأطلق عليها "طبقة المقلدين القادرين على التمييز بين الأقوى، والقوي، والضعيف، وظاهر المذهب، والرواية النادرة". واعترض الشيخ محمد أبو زهرة بقوله إنَّ عمل الطبقة السادسة ليس الترجيح، ولكن معرفة ما رجح، وترتيب درجات الترجيح، وقد يؤدي ذلك إلى الحكم بين المرجحين فيختار من أقوالهم أقواها ترجيحًا، وأكثرها اعتمادًا في الترجيح على أصول المذهب، أو ما يكون أكثر عددًا وأعز ناصرًا. ينظر: طبقات الفقهاء لابن كمال باشا ص54 - 70، "أبو حنيفة-حياته وعصره" ص440 - 445.
(¬2) ويقصد به حافظ الدين؛ عبد الله بن أحمد بن محمود النَّسَفي (ت710هـ)، صاحب كنز الدقائق. ينظر: الجواهر المضية5: 210.
(¬3) ويقصد به الإمام عبدالله بن محمود الموصلي (ت683هـ)، صاحب الاختيار لتعليل المختار. ينظر: تاج التراجم ص167.
(¬4) ويقصد به عبيد الله بن مسعود المحبوبي، صدر الشريعة الأصغر (ت747هـ). ينظر: الجواهر المضية5: 264.
(¬5) ويقصد به أحمد بن علي بن ثعلب الساعاتي (ت694هـ)، صاحب مجمع البحرين. ينظر: كشف الظنون2: 1600.
قال في "جواهر الفتاوى" (¬1): "يجوز أن يُروى عن صاحب المذهب، أو عن مجتهد في مسألة واحدة روايتان، ولا يجوز أن يقول فيها قولان (¬2)، أو يقول وجهان؛ أما إحدى الروايتين فلا نقول بأَنَّ المجتهد كان حين قال ذلك كان شاكًا في هذه المسألة؛ بل نقول كان اجتهاده في ذلك الوقت هذا لا غير، والآخر يقول حين سمعت منه هذا القول كان اجتهاده بهذا القول فكان في كل وقتٍ مجتهدًا، وأدى اجتهاده إلى قول واحد يجب العمل به، وإن لم يعرف التاريخ كان على الفقيه ترجيح (¬3)
¬
(¬1) جواهر الفتاوى؛ للإمام محمد بن عبد الرشيد بن نصر، الكَرْماني (ت565هـ)، وهي مجلدات ثلاث تحتوي على فتاوى علماء الحنفية الواقعة في نشر الأحكام الفقهية، ويتميز هذا الكتاب بنقل فتاوى وأقوال أساطين المذهب من أهل التخريج، مع ذكر اختلافهم في المذهب في المسألة، وأصل التخريج في المذهب. ينظر: سلم الوصول إلى طبقات الفحول3: 68، إيضاح المكنون1: 619.
(¬2) أي لا يصح في مسألة لمجتهد واحد في وقت واحد قولان من غير أن يكون أحدهما مرجوعا عنه؛ للزوم اعتقاد النقيضين؛ لأنَّ كل واحد منهما إما عين نقيض الآخر أو مستلزم له. فإن نسب إلى مجتهد واحد قولان، وعرف المتأخر منهما صدورًا عنه تعين المصير إلى المتأخر رجوعا عن الأول، وإن لم يعرف المتأخر؛ وجب ترجيح الذي اجتهد بعد المجتهد الذي نسب إليه القولان بشهادة قلبه؛ أي وجب في العمل بأحد القولين أن يرجح المجتهد الثاني أحدهما بسبب أن يميل قلبه إليه باعتبار ما ظهر عنده من الأمارة الدالة على كونه أقرب إلى الصواب. ينظر: تيسير التحرير4: 233، التقرير والتحبير3: 333، تحفة المسؤول4: 270، الردود والنقود4: 207، فتح الغفار ص394.
(¬3) عرف الحنفية الترجيح بأنَّه إظهار الزيادة لأحد المتماثلين على الآخر بما لا يستقل. فخرج بهذا التعريف النص مع القياس المعارض له صورة .. فلا يقال: النص راجح عليه، ولا العمل بالنص ترجيح لانتفاء المماثلة التي هي الاتحاد في النوع. ينظر: التقرير والتحبير3: 17.
إحدى الروايتين على الأُخرى بقوة الدليل، وقيل بشهادة الأصول، فإذا كانت مسائل الأصول تخرج على إحدى الروايتين يعمل به" (¬1). انتهى (¬2).
و في "اللبِ": إن كان عاميًا اتبع فتوى المفتِي الأتقى الأعلم بالتسامع، وإن متفقهًا اتبع المتاخرين وعمل بما هو صواب وأحوط عنه (¬3) انتهى.
المسألة السابعة:
هل يجب على من سبيله التقليد التزام مذهب معين أم لا؟
¬
(¬1) ينظر: جواهر الفتاوى ص66 - 67. وعلق المدون: أقول هذا إذا لم تكن المسألة في كتب ظاهر الرواية، أما إذا كانت في كتب ظاهر الرواية كان العمل عليها لا غير والله أعلم.
(¬2) وملخص ما ذكر في هذه المسألة؛ ما قاله الإمام الرازي وأتباعه أنه إن نقل عن مجتهد واحد في حكم واحد قولان متنافيان، فله حالان؛ الحالة الأولى: أن يكون في موضع واحد في هذه المسألة قولان؛ فيستحيل أن يكونا مرادين له؛ لاستحالة اجتماع النقيضين، فإن ذكر عقب أحدهما ما يدل على تقويته كهذا أشبه، أو تفريع عليه فهو مذهبه، وإلا فهو متوقف، وحينئٍذ فلعله يريد بقولين احتمالهما لوجود دليلين متساويين، أو مذهبهم لمجتهدين. والحالة الثانية: أن يكون في موضعين بأن ينص في كتاب على إباحة شيء وفي آخر على تحريمه، فإن علم المتأخر فهو مذهبه ويكون الأول منسوخًا، وإلا حكي عنه القولان من غير أن يحكم على أحدهما بالرجوع. ينظر: نهاية السول ص373.
(¬3) لم أقف على النص في اللب؛ ينظر: فتح الغفار بشرح المنار ص41. ومفاده؛ إن كان عاميًا اتبع فتوى المفتي فيه للعمل أو المذهب؛ الثابت كونه الأتقى الأعلم بالتسامع، وهذا بناءً على أنَّ الذي يستفتى منه غير صاحب القولين. وإن كان متفقهًا؛ تعلم الفقه، وتتبع كتب المذهب من غير أن يصير مجتهدُا في المذهب، فيتبع المتأخرين من أهل الفتوى في المذهب، ويعمل بما هو أصوب وأحوط عنده. ينظر: تيسير التحرير4:233، الشرح الكبير لمختصر الأصول ص632، التقرير والتحبير3: 333.
فنقول أمَّا وجوب التزام مذهب معين من مذاهب المجتهدين؛ فنص العلامة القهستاني (¬1) على وجوبه (¬2) حيث قال: "واعلم أن من جعل الحق متعددًا كالمعتزلة أثبت للعامي الخيار من كل مذهب ما يهواه. ومن جعله واحدًا كعلمائنا؛ الْزَم العامي إمامًا واحدًا كما في الكشف (¬3)،
¬
(¬1) محمد القهستاني، شمس الدين، كان مفتيًا ببخارى، يقال: إنه ما نسي قطّ ما طرق به سمعه، من مؤلفاته: "الوقاية"، "جامع الرموز"، (ت953هـ). ينظر: موسوعة الأعلام1: 466، شذرات الذهب10: 431.
(¬2) فالقول المختار يجب على العامي والعالم الذي لم يبلغ رتبة الاجتهاد التزام مذهب معين من مذاهب المجتهدين. فالصحابة منهم من كان مجتهدًا ومنهم من كان مقلدًا، والمقلد فيهم يعمل بالتقليد المطلق من غير التزام مذهب معين، وكان التقليد الشخصي نادرًا فيهم، لكن لما تغير الزمان على ما ذكر، اختار العلماء لغير المجتهدين أن يلتزموا مذهب إمام معين، لا لأنَّه كان حكمًا شرعياً، بل لكف الناس عن اتباع الهوى. قال في الإنصاف: "الإجماع انعقد على تقليد كل من المذاهب الأربعة وأن الحق لا يخرج عنهم". والقول غير المختار لا يجب عليه التزام مذهب معين لانقضاء عصر الصحابة والتابعين والكل متفق على أنه لا يلزم أحدا أن يقلد فلانا المعين إلى قول غيره، ولأنه لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع، والأصل عدم الوجوب حتى يثبت بدليل محقق. ينظر: الإنصاف11: 169، شرح الوقاية1: 64، نشر البنود2: 348، نثر الورود2: 686.
(¬3) وهنا يفرق بين مذهب المصوبة (المعتزلة) الذين يجعلون الحق في نفسه متعددًا، ويجيزون للعامي الاختيار من أقوال الفقهاء ما يشاء حسب رغبته وميوله، وبالمقابل مذهب المخطئة (الفقهاء) الذين يجعلون الحق عند الله واحدًا غير متعدد؛ وبالتالي على العامي التزام مذهب والأخذ بأقواله ..
ولو أخذ من كل مذهب مُباحه صار بذلك فاسقًا تامًا كما في شرح الطحاوي، للفقيه سعيد بن مسعود، فيجب في المذهب الصلابةُ؛ أي اعتقاد كونه حقًا وصوابًا كما في الجواهر، وفي فتاوى قاضي خان، ولو أنَّ حنفيًا علق الطلاق بالترويج (¬1)؛ وتزوج إمراة فلم يرفع الأمر إلى القاضي، لكن شفعوِيًا أفتاه بعدم وقوع الطلاق؛ لا ينبغي للحالف أنْ يأخذ بفتواه ويترك مذهبه؛ لأنَّ عليه الأخذ بقول علمائه لا بقول أصحاب الشافعي، و فتواهم لا يكون حجة في حقه" (¬2) انتهى.
تكميل (¬3):
فإنَّ قلتَ مقتضى ما قلتم من وجوب التزام مذهب معين؛ عدم جواز التلفيق. وقد قال "ابن نجيم": بان المذهب جوازه. قلتُ: بل المذهب المنع؛ لما في مختصر الطحاوي بنص:
رجل غرس شجرة في الشارع فمات، فجعل أحد الورثة حصته للمسجد لا يصح؛ لأَنَّ حصته شائع في المنقول" (¬4) انتهى.
وأيضًا: إنَّ ما استدل به العلامة ابن نجيم شاهد لنا؛ لأنَّ اختيار جوازه من العالم الخوارزمي مفروض في مجتهد في المذهب لا غير (¬5)،
¬
(¬1) علق المدون: لو علق الطلاق بالتزويج وتزوج فأفتاه شافعي لا يكون حجة.
(¬2) لم أقف على النص في شرح الطحاوي. انتهى من مخطوطة جامع الرموز للقهستاني: لوحة رقم 136.
(¬3) علق المدون: تتمة في التقليد.
(¬4) ينظر: الفتاوى السراجية ص333.
(¬5) علق المدون: كما يشهد له قوله لما تقرر في كلام محمد رحمه الله تعالى أنَّ المجتهد يتبع الدليل لا القائل به.
ومن رام زيادة الفائدة فعليه بمؤلفنا في ذلك (¬1).
وأَمَّا جواز الانتقال بعد التزام فجائز لكن بشرط أن يكون رأسًا لا في مسألة واحدة؛ قال في "فصول البدائع" وغيرها؛ للرجل والمرأة أن ينتقل من مذهب الشافعي إلى مذهب أبي حنيفة وبالعكس (¬2). أما في مسألة واحدة فلا يمكن. وفي "جامع الفتاوى" (¬3): يجوز الحنفي أن ينتقل إلى مذهب الشافعي وبالعكس لكن بالكلية، أما في مسألة واحدة فلا يمكن؛ كما لو خرج دم من بدن حنفي وسال فلا يجوز له أن يصلي قبل أن يغسله اقتداءً بمذهب الشافعي في هذه المسألة فإن صلى بطلت صلاته (¬4) انتهى.
¬
(¬1) وحاصل المسألة: اتفق العلماء على عدم جواز التلفيق بين المذاهب إن ترتب عليه استباحة المحرمات، أمّا فيما عدا ذلك من الأمور الظنية مما اختلف فيه الفقهاء؛ كأن يأخذ برأي مذهب مثلًا في الوضوء، ثم يأخذ برأي آخر؛ فالمذهب على منعه. وأمّا القول الآخر فيجوز له التلفيق وهو ما ذهب إليه ابن نجيم ووافقه ابن ملا فروخ؛ حيث قال: " لو حصل التلفيق بالاجتهاد حكمنا بالصحة فكذلك إذا حصل التلفيق بالتقليد حكمنا بالصحة لأن الاجتهاد أصل في العمل والتقليد فرع التكليف في الأصل إنما هو بالاجتهاد عند عدم النص فإن عجز عن ذلك الاجتهاد نزل إلى التقليد ففي كل موضع قلنا بالصحة". ينظر: القول السديد ص94.
(¬2) علق المدون: قال العلامة الزاهدي في القنية رامزًا للقاضي عبد الجبار: والحجة في النقل، الحنفي استفتى الشافعية فوافقه جوابهم لا يسعه أن يختاره، فاللرجل والامرأة أن ينتقل من مذهب الشافعي إلى مذهب أبي حنيفة وبالعكس، أما في مسألة واحدة فلا يمكن.
(¬3) جامع الفتاوى للإمام قرق أمير الحميدي، الرومي (ت860هـ). ينظر: هدية العارفين 1: 835، كشف الظنون 1: 565.
(¬4) لم أجده جامع الفتاوى. ينظر: إعلاء السنن13: 290.
وفي القِنْيَةِ قال "ظهير الدين المرغيناني" ليس للعامي أن يتحول من مذهب إلى مذهب ويستوى فيه الحنفي والشافعي (¬1). "وفي الجواهر": من لم يكن من أهل الاجتهاد إذا انتقل من قول إلى قول من غير دليل. لكن لما يرغب في عرض الدنيا وشهوتها فهو مذموم آثم مستوجب للتأديب والتعزير؛ لارتكابه المنكر في الدين، واستخفافه بدينه ومذهبه (¬2). انتهى (¬3).
تنبيه: إن قلت وجوب التزام العامي مذهبًا معينًا، متضمنًا للوعد بدوامه. وقد قال أصحابنا لا يجب الوفاء بالوعد. قلت إلا إذا كان معلقاً فيجب الوفاء به. قال في "ذخيرة الناظر" (¬4):
¬
(¬1) علق المدون: وقيد جواز الانتقال العلامة ظهير الدين المرغيناني بغير العامي حين قال ليس للعامي.
(¬2) ينظر: الفتاوى التاتارخانية4: 42.
(¬3) وما ذكر عند العلماء أنَّ التمذهب؛ أي أن ينتقل إلى مذهب غير المذهب الأول، كالانتقال من مذهب مالك إلى مذهب الحنفي مثلًا، أو العكس؛ جائز لأنه فعله كثير من العلماء المعظمين عند الناس؛ لأن كل المذاهب على صواب. ومنهم أبو جعفر الطحاوي، انتقل من مذهب الشافعي إلى مذهب أبي حنيفة. ويشترط في جواز الانتقال من مذهبه الذي التزمه إلى مذهب آخر لغرض صحيح يجيزه الشرع؛ ككون المذهب المنتقل إليه أسهل من المنتقل عنه، أو أرجح لوضوح أدلته وقوتها، أما إن انتقل لقصد الدنيا وهو غير مضطر، ككون المذهب المنتقل إليه له أوقاف تصرف على أهله، فإنه مذموم. ينظر: نثر الورود2: 685 - 686.
(¬4) ذخيرة الناظر شرح الأشباه والنظائر؛ لمؤلفه ابن نجيم، وهو كتاب في فروع الفقه. ينظر: البدور المضية13: 93.
"وفي القنية وعد أن يأتيه فلم يأته لا يأثم، ولا يلزمه الوفاء إلا إذا كان معلقًا (¬1)، كذا في كفالة الْبَزَّازِيَّةِ (¬2)، وفي بيع الوفاء، كما ذكره الزَّيْلَعِيُّ " (¬3) انتهى.
¬
(¬1) قال بعض الفضلاء: لأنه إذا كان معلقًا يظهر منه معنى الالتزام، كما في قوله إن شفيت أحج فشفي يلزمه. ينظر: غمز عيون البصائر3: 237.
(¬2) حيث قال في الفصل الأول من كتاب الكفالة: الذهب الذي لك على فلان أنا أدفعه أو أسلمه إليك أو اقبضه مني لا يكون كفالة ما لم يقل لفظا يدل على اللزوم كضمنت، أو كفلت، أو علي أو إلي وهذا إذا ذكره منجزا أما إذا ذكره معلقا بأن قال: إن لم يؤد فلان فأنا أدفعه إليك ونحوه يكون كفالة لما علم أن المواعيد باكتساب صورة التعليق تكون لازمة. ينظر: المرجع السابق.
(¬3) ينظر: المرجع السابق.
تتمة: قال في "اللب": نقل بعضهم إجماع المحققين على منع العوام من تقليد أعيان الصحابة (¬1) انتهى. قال في "الجواهر" (¬2): لأنَّ أقاويل الصحابة أخبار، بخلاف أقاويل أهل زمانه فإنَّها ثابتة و ليس للجهال قبول الأخبار واختيارها (¬3).
المسألة الثامنة:
¬
(¬1) ينظر: تيسير التحرير4: 255، أعلام الأخيار1: 225.
(¬2) الجواهر من فقه الحنفية؛ لمؤلفه طاهر بن قاسم الخوارزمي (771هـ)، كتابٌ جليل، جمعَ ما هو فرضُ عينٍ على كلِّ مُكلَّفٍ في العبادات، وما يترتب عليه في المعاملات، انتهاءً بالسُّلوك وآداب أهل الطريقة، ولم أقف علة نسخة مطبوعة من الكتاب ولا مخطوطة. ينظر: الأعلام3: 222.
(¬3) ويظهر في تقليد الصحابة لمن فى هذه الأعصار خلاف، والأصح امتناعه. وذهب إمام الحرمين وغيره أن العامي لا يقلده، ونقله عن إجماع المحققين، قالوا: "وليس هذا لأن دون المجتهدين دون الصحابة، معاذ الله: فهم أعظم وأجل قدرًا، بل لأن مذهبهم لم يثبت حق الثبوت كما ثبتت مذاهب الأئمة الذين لهم أتباع قد طبقوا الأرض، ولأنهم لم يعتنوا بتهذيب مسائل الاجتهاد ولم يقرروا لأنفسهم أصولا تفي بأحكام الحوادث كلها، بخلاف من بعدهم فإنهم كفوا النظر في ذلك وسبروا ونظروا وأكثروا أوضاع المسائل". وأمّا القول الآخر فهو عدم امتناعه قال القرافي فى شرح التنقيح: "انعقد الإجماع على أن من أسلم فله أن يقلد من شاء من العلماء بغير حجر، وأجمع الصحابة -رضوان الله عليهم- على أن من استفتى أبا بكر وعمر -رضى الله عنهما- أو قلدهما فله أن يستفتى أبا هريرة، ومعاذ بن جبل وغيرهما، ويعمل بقولهم من غير نكير، فمن ادعى رفع هذين الإجماعين فعليه الدليل". ينظر: أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان1: 240، التقرير والتحبير3: 353، تيسير التحرير4: 255، البحر المحيط8: 338، سلاسل الذهب ص451، تنقيح الفصول ص432.
إذا كان في المسألة قولان للعلماء؛ كصلاة الوتر مثلًا صلَّاه ركعة واحدة ولم يقلد، أو افْتَصَد (¬1) و صلى ولم يقلد؛ فهل يأثم و يفسق ولا يجزأه أم لا؟
قال في "مختارات النوازل": "لو صلى الوتر ركعة واحدة ثم رآه ثلاثًا لا يعيد ما صلى؛ لأنَّه مختلف فيه. ولو كان جاهلًا ثم تعلم يعيد" انتهى. وفي "القنية" قال شرف الأمة: حنفي المذهب إذا كان لا يتوضأ من الفَصْدِ لما سمع أنه مذهب الشافعي فعليه الإعادة انتهى (¬2).
وفي شرح التحرير: اعلم إنَّ مناط العمل التقليد، وأنَّه لا يجوز لأحد أن يعمل في واقعة إلا بتقليد مجتهد أي مجتهد كان انتهى (¬3). وفي القنية من الشفعة: شفيع استولى على الأرض من غير حكم إذا علم أنَّه قول بعض العلماء لا يفسق، وإلا فهو فاسق ظالم (¬4) انتهى.
¬
(¬1) الفَصْد هو شقّ العِرْق لإخراج الدم. ينظر: لسان العرب3: 336.
(¬2) علق المدون في الحاشية: ومن هذا علم جواز التقليد بعد العمل. وما روي عن أبي يوسف من أنَّه صلى يوم الجمعة إمامًا ثم أُخبر بوجود فأرة في بئر الحمام، وقد كان ذلك بعد تفرق الناس. فقال نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة؛ إذا بلغ الماء قلتين لا يحمل خبثاً. فدلالة هذه الواقعة على جواز التقليد بعد العمل ضعيفة جدًا، لأَنَّ هذا مبني على فرض أنَّه لم يعد الصلاة وإلا فقد صح أنَّه أعاد الصلاة ولم يأمر القوم بالإعادة. وقال الاجتهادي يلزم نفسه لا لمن استفتى رجل. وفي طهارة هذا الماء اختلاف كثير كما في "القنية".
(¬3) علق المدون في الحاشية: أفاد أنَّ الأحكام الشرعية لا بد في اعتبارها من تقدم التقليد، وبه علم أن فعل المكلف إذا صادف قول بعض المجتهدين لا يكفي في براءة الذمة.
(¬4) ينظر: الفتاوى الهندية 5: 247.
تتمة: قال الإمام علاء الدين بن الزاهد (¬1) فيما إذا كان عالمًا؛ حيث قال: يتبع رأي نفسه ولا ينفذ القضاء عليه كما في شرح "أدب الخصاف للصدر" (¬2). وعلل بعض الشراح لجواز الأخذ بقوله أن المختلف فيه بعد الحكم يصير كالمجمع عليه (¬3).
وفي "جواهر الفتاوى"؛ لأنَّ القاضي إما أن يكون نائبًا عن الحق، أو الخلق؛ فان كان نائبًا عن الحق صار حكمه كالنص، وإن كان نائبًا عن الخلق صار كأن كلهم أجمعوا على هذا فيدع رأي نفسه لهذا انتهى (¬4).
¬
(¬1) الإمام الكاساني؛ سبق ترجمته.
(¬2) ينظر: أدب القاضي للخصاف3: 114. لمؤلفه برهان الأئمة؛ حسام الدين عمر بن عبد العزيز، ابن مازة، البخاري، المعروف بالصدر الشهيد (ت 536 هـ). ينظر: الجواهر المضية3: 320.
(¬3) ينظر: مخطوطة جامع الرموز: لوحة رقم 588.
(¬4) علق المدون في الحاشيه: لم أرَ لعلمائنا كلامًا في الخروج من الخلاف هل يحتاج في العمل به أنْ ينويه حسب ما قال به المخالف فرضًا أو غيره. والذي يظهر من تتبع كلامهم عدم الاحتياج إلى النية؛ بل مجرد وقوعه في الجملة على الوجه القائل به المخالف كافٍ في الخروج من الخلاف ولو بنية مباينة؛ كمسح جميع الرأس، والترتيب، والموالاة في الوضوء مثلًا؛ فإنَّه سنة عندنا، ويعضده أَنَّ الذي اقتصر عليه الفقهاء عدم جواز تقليد غيًرا؛ ما به في آحاد المسائل.
خاتمة: المجتهد إذا رجع عن قول لا يجوز الأخذ به كما في "التوشيح" (¬1). والمفتي في زماننا ليس له إلا نقل ما صح عن أهل مذهبه الذي يفتي بقولهم؛ لأَنَّ المستفتى إنَّما يسأل عما ذهب إليه أئمة ذلك المذهب؛ لا عما يخيل للمفتي، كما في "فتاوى العلامة قاسم الحنفي" (¬2):
¬
(¬1) والمذهب مجمع على عدم الأخذ بقول رجع عنه المجتهد. فمثلًا في مسألة تقديم التيمم على نبيذ التمر، روي عن الإمام ثلاث روايات: الأولى: أنه يتوضأ به ويستحب أن يضيف إليه التيمم. الثانية: الجمع بينهما، والثالثة: التيمم فقط، وهو قوله الأخير، وقد رجع إليه، وهو المذهب المصحح المختار المعتمد. فالتيمم رتبته التقدم على الوضوء بالنبيذ، فلا يقتصر على الوضوء به، ولا يجمع بينهما مع سبق التيمم، فلا يؤخذ بالقولين الأول والثاني؛ لأنَّ الإمام رجع عنهما. ينظر: قلائد الفرائد ص30، حاشية ابن عابدين1: 227، البحر الرائق1: 145.
(¬2) ينظر: مجموعة رسائل قاسم بن قُطْلُوْبَغَا ص721. لمؤلفه قاسم بن قُطْلُوْبَغَا، زين الدين، أبو العدل السُّوْدُوْنِي (ت879هـ)، وصفه ابن الديري بالشيخ العالم الذكي، وهي مجموعة رسائل في عدة مسائل فقهية سئُل عنها. ينظر: الثقات مما لم يق في الكتاب والسنة1: 8.
وليس للقاضي المقلد أنْ يحكم بالضعيف؛ لأنَّه ليس من أهل الترجيح فلا يعدل عن الصحيح إلى الضعيف إلا لقصد غير جميل، فلو حكم لا ينفذ (¬1)؛ لأنَّ قضاءه بغير الحق؛ لأنَّ الحق هو المصحح، وما وقع من أنَّ القول الضعيف يتقوى بالقضاء؛ المراد به قضاء المجتهد (¬2). انتهى (¬3).
¬
(¬1) وينقض حكمه.
(¬2) فالحكم والفتيا بالقول المرجوح جهل وخرق للإجماع. ولا يصح أن يعتبر العرف بناءً على هذا القول الضعيف؛ لأنَّ اعتبار العرف إنما يجوز إذا لم يخالف نصًا أو قولًا مصححًا؛ كأن تكون أقوالًا بلا ترجيح، أو يختلفوا في التصحيح فحينئذ يعتبر العرف وأحوال الناس، وما هو الأرفق، وما ظهر عليه التعامل، وما قوى وجهه، وخلاف ذلك لا يجوز. ينظر: حاشية الطحطاوي1: 327، حاشية ابن عابدين1: 176، شفاء العليل ص189.
(¬3) انتهى من مجموعة رسائل قاسم بن قُطْلُوْبَغَا ص702. وهذا إذا حكم القاضي الحنفي على مذهبه، أمَّا إذا حكم بأحد المذاهب الثلاثة مخالفًا لمذهبه، كأن يحكم القاضي الحنفي بالمذهب المالكي؛ فهذا الحكم نافذ عند الإمام الأعظم وعليه الفتوى إن لم يكن خطأ بيقين. ينظر: درر الحكام4: 550.