الغرة المنيفة ..........
... إعلام الأنام باستيعاب ...
جارٍ تحميل الكتاب…
الغرة المنيفة ..........
... إعلام الأنام باستيعاب ...
الغرة المنيفة
في ترجيح مذهب الإمام أبي حنيفة
للإمام الفقيه الأصولي
سراج الدين أبي حفص عمر الغزنوي الحنفي (ت 773 هـ)
حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه
الأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
ومعه
إعلام الأنام
باستيعاب مذهب الإمام أبي حنيفة لأحاديث الأحكام
للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان/الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
(
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، والصلاة والسلام على سيدنا المصطفى الحبيب، وعلى آله وصحبه وسلم صلاة تليق بمقامه في كل وقت وحين.
وبعد:
لما يسر الله لنا تجهيز مساق آيات الأحكام، وكانت مشتملة على استدلال المذهب بآيات الأحكام وكيفية فهمها، فوفرت للدارس سبل الاستدلال بالقرآن لمذهب النعمان، وإكمالاً لبدر طالب الفقه الحنفي كان حقاً علينا تجهيز مساق أحاديث الأحكام بحيث يكون فيه الكفاية في الاستدلال بالسنة المطهرة، فيكتمل للدارس طرفا الاستدلال من كتاب وسنة؛ لتتحقق مؤنته فيهما.
لكن الأمر في الأحاديث مختلف عنه في القرآن، ففي القرآن الآيات محصورة حيث تمكنا من عرض عامة الآيات الواردة في الأحكام، ورتبناها على الأبواب الفقهية بما لا مثيل له من قبل، ثم عرضنا رأي علمائنا وأئمتنا في تفسيرها وفهمها على مذهبنا.
وهذا الأمر غير ممكن تحقيقه في أحاديث الأحكام؛ لأن عدتها بالآلاف، واستيفاء الكلام عليها يستغرق مجلدات عديدة مما لا يخدم دراسة المساق
الجامعي، ولأنّ الكلام عليها طويل الذيل؛ لكثرة ما يتعلّق بها من مباحث كتصحيح ثبوتها واختلاف ألفاظها وتعدد مناهج قبولها بخلاف القرآن فلا نزاع فيه فيما يتعلق بهذه المباحث وغيرها.
كلُّ هذا يحتاج منا إلى التَّفكير كثيراً كيف نُقدِّم مساقاً فيه كفايةً للدَّارس في الاستدلال الحديثي للمذهب، بحيث تحصل له الغنية.
وبعد النّظر والبحث رأيتُ أن كتاب «الغُرّةُ المنيفةُ في ترجيح مذهب أبي حنيفة» للسِّراج الغزنوي (ت 773 هـ)، أنسب ما يقرأ فيها لسهولة عبارته، واستعراضه لعامة الأبواب الفقهيّة، وذكره لأبرز المسائل فيها، وحسن ترتيبه بتصوير المسألة عند أبي حنيفة والشَّافعيّ، ثمّ يعرض حجج أبي حنيفة، ثم حجة الشَّافعيّ مع الإجابة.
وفي عرض الحجج والجواب عليها يُظهر قدرةً فائقةً في الاطلاع على الأحاديث وكيفية التَّعامل بها حديثياً وأُصولياً، فيستخدم كثيراً من قواعد الأصول التي درست مساقات الأصول في المناقشات؛ ممَّا يجعله كتاباً تطبيقياً لبيان منهج الحنفية في قبول الأخبار وردها، وكيفية فهم الأدلة فقهياً وأصولياً، وهذا ما يحتاجه الدارس حتى تتحقّق له المُكنة في مناقشةِ الأدلةِ وفهمها، فكانت هذه أهمّ ميزة في الكتاب.
لكن واجهتنا مشكلة أنّ الكتاب لم يخدم بما فيه الكفاية، فقد طبع قديماً سنة (1366 هـ) عن نسخة مخطوطة من مكتبة عارف حكمت، قام بنسخها واعدادها للطبع الأستاذ الفاضل أحمد خيري، وقدَّمها للإمام الكبير محمد زاهد الكوثري للنظر فيها والتقديم لها ففعل.
وأثناء النَّظر فيها بدقةٍ -أثناء خدمتها وتخريج أحاديثها- لاحظت أنّ الكلام لا يستقيم في مواضع عديدة منها؛ مما يدلّ على الحاجة الماسّة إلى مقابلتها على نسخ مخطوطة، فأسعفني أخي الكريم الدكتور حمزة البكري بنسخة من قسطموني، فسارعت إلى مقابلتها عليها، ووجدت فيها سقطاً كثيراً يزيد على خمسين موضعاً، وكنت اعتنيت بها من جهة فقراتها وعلامات الترقيم والتعليق والتخريج الذي يقربها من القارئ الكريم، بحيث تصبح في متناول يده، وينهل من علمها.
وترجمت لمؤلفها ترجمة مناسبة تظهر أحواله وتبين مكانته والدرجة الرفيعة التي وصل إليها، وسميتها:
«الزَّهر النَّدي في ترجمة الغزنوي الهندي»
ورأيتُ من المناسب أن يكتب في مباحث متعلّقة بالحديث يَظهر فيها مدى عناية المذهب بالحديث واهتمامه به، فيُسلَّطُ الضُّوءُ فيها على الجانب الحديثي للمذهب، ويُمكن هذا من خلال الإجابة على سؤال:
هل جميع أحاديث الأحكام اطلع عليها علماء المذهب، وعملوا بما علموا منها وتركوا ما تركوا منها لأسباب وموجباب أم أن المذهب لم يطلع على بعضها؟؛ لذلك قال ما قال لعدم علمه بها، ولو علمها لقال شيئاً آخر.
وهذه أبرز شبهةٍ شاعت بين المعاصرين، وكانت سبباً في ابتعادهم عن الفقه من منابعه الصافية في المذاهب الفقهية المتبعة، واتسع الكلام كثيراً في فوات أحاديث النّبيّ (للمجتهدين، حتى وصل الأمر في الواقع إلى فقد الثقة بمذاهبهم، ففي كلِّ مسألة تطرح يقول القائل: لعلّ الحديث لم يصل إلى المجتهد،
فصار سبب الاختلاف بين الفقهاء في الأذهان هو عدم وصول حديث النبي (للمجتهد، قال النَّعمانيُّ (¬1): «من الخطأ أن نقول إن أبا حنيفة ردّ الحديث، فهذه كلمةٌ خطيرةٌ لا يرددها إلا جاهلٌ أو مغرض، ونحن ما دمنا نثق بالأئمةِ يجب أن نقول: إنّ الحديثَ لم يثبت عنده».
ويمكن أن نردَّ على شبهةِ عدم وصول الحديث بوجهين:
* الأوّل: الإيجاب:
وهو الموافقة على صحّة هذا الأمر، وهو أنّ الأحاديث لم تصل إلى المجتهد، ولكن أي أحاديث هذه التي لم تصل، فله احتمالات:
1. أنّ جميع الأحاديث لم تصل للمجتهد، وهذا لا يقول به عاقل؛ لأنها وصلت للقاصي والدّاني، فكيف لم تصل للمجتهد.
2.أنّ أكثرَ الأحاديث لم تصل للمجتهد، وهذا لا يُقبل في حقّ العلماء، فكيف في حقّ المجتهدين، والأحاديثُ متوافرةٌ في الكتب ومنثورة ومتداولة.
3.أنّ بعضَ الأحاديث المشهورة في الأبواب لم تصل للمجتهد، ومثلُها تكون منتشرةً وشائعة، ولا تخفى على المشتغلين بالعلم، فكيف تخفى على المجتهدين.
4.أن بعض الأحاديث خفية، وهذا هو المعروف عند مَن يقول بعدم وصول أحاديث النَّبي (للمجتهدين، ومع التَّسليم بصحَّته، لكن بُني عليه في هذا الزَّمان إسقاط المذاهب جملةً وتفصيلاً؛ بالاعتراض على فروعها وعدم قبولها
¬
(¬1) في مكانة الإمام أبي حنيفة ص 325.
بحجّة عدم وصول الحديث، مع التَّسليم أنّ مثل هذا لا يكون إلا فيما خفي وندر، فلمّا بني عليها ما نرى من هدم الشَّريعة كان الواجب علينا رفض هذه الفكرة، وعدم قبولها لأثرها السَّيء ونتائجها الفاسدة في إضاعة شريعة الإسلام.
* والثَّاني: السَّلب:
وهو رفضُ صحّة هذه الفكرة بأنّ المذاهبَ كانت مستوعبةً للأحاديث عن رسول الله (، ولم يفتها شيءٌ منها، وهذا ما صرَّحَ به كبارُ العلماء، قال الصَّالحي (¬1): «اعتذر بترك أبي حنيفة أحاديث الآحاد؛ لعدم إطلاعه على بعضها، وفيه بعد»: أي يبعد أن يكون مَن وصل لهذه الدرجة العلمية الرفعية لم يطلع على جميع الأحاديث ويستوعبها.
وإيفاء للمسألة حقّها من البحث من عامّة جوابنها وكافّة احتمالاتها، فإنني أفردتها بتأليفٍ سميتُه:
«إعلام الأنام باستيعاب مذهب الإمام أبي حنيفة لأحاديث الأحكام»
أعرض فيها مباحث متعددة في تحقيق المسألة وتحرير القضية بحيث تحصل الثقة التامة بالمذاهب الفقهية، وتندفع جميع الشُّبهات المتعلّقة بها، وهي في ستّة مباحث:
المبحث الأوّل: مكانة الإمام أبي حنيفة في الحديث.
ويشتمل على أربعة مطالب:
المطلب الأول: في اهتمام أبي حنيفة بالحديث، وبينت فيه أنه بلغ فيه أقصاه.
¬
(¬1) في عقود الجمان ص 397.
والمطلب الثاني: في توثيق جماهير الفقهاء والمحدثين لأبي حنيفة، وذكرت توثيق العشرات من أئمة الإسلام له بما لا يدع شكاً في الثقة التامة به.
والمطلب الثالث: في رد انتقادات بعض أهل الحديث على أبي حنيفة؛ ولتحقيق ذلك قدمت بمقدمات في الجرح والتعديل، ثم بينت وجوهاً لردّ الطعون عموماً عن أبي حنيفة.
والمطلب الرابع: في دعاوى وردها، في الجواب عن طعن الدارقطني وابن الجوزي وابن عَدي والعُقيلي والخَطيب والثَّوريّ وابن حِبّان والبُخاريّ.
والمبحث الثاني: في بلوغ أبي حنيفة أعلى درجة علمية اجتهادية.
ويشتمل على أربعة مطالب، وهي:
المطلب الأول: في شرط المجتهد المطلق استيعاب السنة، فلا يمكن أن يكون مجتهداً مطلقاً من لم يطلع على أحاديث الأحكام.
والمطلب الثاني: في اعتماد كبار الحفاظ في عصر أبي حنيفة على اجتهاده الفقهي، بينت فيه أخذهم بفتواه ومذهبه وسؤالهم له، ولو لم يكن بلغ الدرجة العليا في الحديث لما وثقوا بسؤاله.
والمطلب الثالث: في دفاع تلامذة أبي حنيفة عن مذهبه، وهذا بعد وفاته، حيث ردوا ما يتوهم الفضلاء من فقدان دليل لمسألة معينة.
والمطلب الرابع: في إظهار علماء المذاهب للمكانة العلمية لأبي حنيفة، حيث خصوا كتباً في ترجمة سيرته وبيان أحواله والانتصار له، وذكرت فيه عشرات كتب المناقب له.
والمبحث الثالث: المذهب الحنفي علم متكامل.
ويشتمل على أربعة مطالب، وهي:
المطلب الأول: في شمول المذهب لعلم مدرسة علمية، بدأت من الصحابة (وتنتهي بانتهاء الحياة الدنيا، ولا تقتصر على علم شخص فقط، وأبو حنيفة هو أبرز علمائها؛ لذلك نسبت له.
والمطلب الثاني: في استيعاب المجتهدين لعلم الأمصار، بينت فيه عدم اقتصار أبي حنيفة وغيرهم من أئمة المذهب على علم الكوفة فقط، بل جمعوا علم الأمصار الأخرى وأضافوه إلى علم الكوفة.
والمطلب الثالث: في أن المذهب الحنفي هو الإسلام العملي، بينت فيه أن هذا المذهب هو الذي كان مطبقاً في عامة الدول الإسلامية في التاريخ، وأنه يمثل الإسلام العملي بين المسلمين لسهولة تطبيقه ويسره.
والمطلب الرابع: في المتابعة من أئمة الإسلام لأبي حنيفة، بينت فيه أن كبار العلماء عبر العصور أخذوا بمذهب أبي حنيفة لثقتهم به واعترافهم بمكانته، وهو أنه جمع علم القرآن والسنة.
والمبحث الرابع: شيوع الأحاديث في المذهب.
ويشتمل على تسعة مطالب، وهي:
المطلب الأول: في أنّ أحاديث الأحكام معلومة، وبينت فيه أبرز ما ألف من كتب في أحاديث الأحكام من علماء الإسلام، وكيف أنهم حصروها وخصوها بكتب خاصة.
والمطلب الثاني: في اشتمال «الأصل» ما يقارب ألفي أثر، وهو الكتاب الأم للمذهب الحنفي، وهو مليء بالآثار، وحوى عامتها.
والمطلب الثالث: في أنه نقل آثار أبي حنيفة مئات الرواة، حتى وصل عددها إلى خمسمائة راوي، وأبرزهم أبو يوسف ومحمد وزفر والحسن وحفص بن غياث.
والمطلب الرابع: في أنه ألفت عشرات المسانيد لأبي حنيفة، وذكرت فيه ما يزيد عن ثلاثين مسنداً جمعت من أحاديث أبي حنيفة لكبار الحفاظ.
والمطلب الخامس: في علو الإسناد ميزة لأبي حنيفة، بينت فيه أن له وحدانيات: أي بينه وبين النبي (راو واحد، وله ثنائيات بالمئات: أي بينه وبين النبي (راويان.
والمطلب السّادس: في كثرة تآليف الحفاظ بأسانيدهم استدلالاً للمذهب، بينت فيه أن كبار الحفاظ جمعوا الأحاديث بإسنادهم إلى النبي (في نصرة مذهب أبي حنيفة.
والمطلبُ السّابع: في تأليف ما لا يحصى في استدلالات الحنفية، ذكرت فيه عشرات المؤلفات التي جمعت من قبل أئمة كل عصر تدليلاً على أقوال المذهب.
والمطلب الثامن: في تخريج أحاديث كتب فقه الحنفية، بينت فيه اعتناء عدد كبير من الحفاظ بتخريج الأحاديث الواردة في كتب الفقه.
والمطلب التاسع: في شرح كتب السنة والاهتمام بها من علماء الحنفية، ذكرت فيه أكثر من مئة شرح على كتب الصحاح والسنن للمحدثين من الحنفية.
والمبحث الخامس: معالم مدرسة الفقهاء الحديثية.
ويشتمل على خمسة عشر مطلباً، وهي:
المطلب الأول: في أن للفقهاء مدرسة كاملة في قبول الحديث ورده، بينت فيه أن للفقهاء منهجية مختلفة عن منهجية المحدثين.
والمطلب الثاني: في أن ضعف دليل المستدل لا يدل على ضعف مسألة المجتهد، ذكرت فيه أن بعض العلماء ممكن أن يكون استدلالهم ضعيفاً، وهذا لا يدلّ عن ضعف المسألة؛ لأنها منقولة عن المجتهد، وله أدلة أخرى عليها.
والمطلب الثالث: في قوة الدّليل وضعفه يرجع للمجتهد لا لغيره، بينت فيه أن الذي استنبط المسألة هو المجتهد المطلق، فيعتبر قوة الدليل وضعفه عنده لا غير.
والمطلب الرابع: في اعتبار الرواية بالمعنى للحديث عند المحدثين والفقهاء، وبينت فيه أن كثير من الأحاديث تكون بلفظها ضعيفة أو موضوعة لكنها بمعناها متواترة.
والمطلب الخامس: في أن العمل شرط لصحّة الحديث عند الفقهاء، بينت أن الفقهاء يشترطون موافقة الحديث لعمل الصحابة (.
والمطلب السادس: في أن موافقة عمل صحابة وتابعي الكوفة يقوِّي الحديث؛ لأن عملهم به دلالة على موافقة الحديث لشروطهم في التصحيح.
والمطلب السابع: في عمل الصحابة مقدم على الحديث؛ لأنه عملهم يمثل آخر ما استقرت عليه سنة رسول الله (.
والمطلب الثامن: في سقط الرواية المخالفة لعمل الرّاوي، بينت فيه أنه لا يعقل أن يترك الصحابي الحديث إلا بنسخ أو تأويل.
والمطلب التاسع: يرد الحديث إن أعرض عنه الصّحابة، بينت فيه أن اعراضهم دلالة على عدم صحته وثبوته.
والمطلب العاشر: في أن الحديث الضعيف مُقدَّم على القياس، بينت فيه أن الحنفية يقدمون الأحاديث الضعيفة على الرأي فيما لا يدرك بالعقل.
والمطلب الحادي عشر: في أن القواعد تبنى على الآيات والمتواتر والمشهور، بينت فيه أن قواعد الأبواب لا تبنى إلا على الأدلة القطعية.
والمطلب الثّاني عشر: يقوى الحديث بموافقته للقواعد الفقهية، بينت فيه أن الحديث الموافق للقاعدة أقوى من غيره؛ لأنّ القاعدة أخذت من مجموعة أدلة.
والمطلب الثّالث عشر: في أن الإرسال أحد طرق تصحيح الأحاديث، بينت فيه أن بعض سلفنا إذا أرادوا تصحيح حديث أرسلوه
والمطلب الرّابع عشر: في أن عام القرآن يفيد القطع، بينت فيه أن عموم القرآن مقدم على حديث الآحاد.
والمطلب الخامس عشر: في أن رواية غير الفقيه ترد إن خالفت القياس، بينت فيه إن كان الراوي غير فقيه فإن روايته المخالفة للقواعد تترك.
والمبحث السادس: اختلاف الفقهاء اختلاف أصولي.
ويشتمل على مطلبين، وهما:
المطلب الأول: في أن اختلاف الفقهاء لاختلاف الأفهام «الأصول».
والمطلب الثاني: بناء الأحكام على العلل لا على الظواهر، بينت فيه أن ما يظهر أحياناً من ترك ظاهر الحديث إنما هو بسبب عملنا بعلة الحديث.
والمبحث السّابع: تطبيقات فقهية في مسائل يكثر وقوعها.
ويشتمل على سبعة عشر مطلباً:
المطلب الأول: في حكمُ مسِّ المصحف لغير المتوضئ والجنب والحائض.
والمطلب الثاني: في حكم قراءة القرآن للحائض والنفساء والجنب.
والمطلب الثالث: في حكم دخول الحائض المعلمة والمتعلمة المسجد.
والمطلب الرابع: في المسحُ على الجوربين الثَّخينين.
والمطلب الخامس: في حكم تارك الصلاة.
والمطلب السادس: في حكم الجمع بين الصلوات مطلقاً.
والمطلب السابع: في حكم الأكل والشرب أثناء أذان الفجر.
والمطلب الثامن: في حكم صيام يوم السبت.
والمطلب التاسع: في جواز دفع القيمة في صدقة الفطر.
والمطلب العاشر: في وقوع الطلاق الثلاث ثلاثاً.
والمطلب الحادي عشر: في إسقاط إرادة الزوج في الخلع.
والمطلب الثاني عشر: في حكم مصافحة النساء.
والمطلب الثالث عشر: في حكم الأخذ من الحاجبين.
والمطلب الرابع عشر: في حكم تغطية الوجه والكفين.
والمطلب الخامس عشر: في التشبه بغير المسلمين.
والمطلب السادس عشر: في حكم حلق اللحية وقصها.
والمطلب السابع عشر: في الاحتفال بالمناسبات.
سعيت فيها لإثبات قاعدة عدم جواز مخالفة الإجماع؛ لأنه يمثل الثوابت لهذه الأمة، فمَن خالفه ضلّ وأضلّ غيره، ولا يجوز الالتفات لكلِّ مَن يخالفه، وأمّا ما اختلفت فيه المذاهب، فإنّ كلَّ واحدٍ منهم يلتزم فيها مذهبه، ويجوز له الأخذ من المذهب الآخر إن اضطر لذلك، ولا يُنكر واحدٌ منا على الآخر مذهبه؛ لأنّه مذهبٌ معتبرٌ، صدر من مجتهدٍ معتبرٍ قبلته الأمةُ، وصار علماً يُقتدى به.
وعرضتُ فيها رأي المذاهب الفقهية في المسائل المشهورة وكيفية فهمهم لها، وطريقة تعاملهم مع أحاديث الأحكام الواردة فيها، بحيث يندفع الفهم الخاطئ لهذه المسألة، ولا يبقى مجالاً لأصحاب الأفكار المنحرفة في التَّمسُّك بظواهر أحاديث وردت في هذه المسائل، والإتيان بأقوال لم يسبقهم بها أحدٌ.
وفي الختام أسأل الله (أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به الإسلام والمسلمين، وأن يغفر لنا خطايانا ويكفر عنا سيئاتنا، ويرحمنا برحمته، ويرزقنا الهداية إلى سبيله، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
في صويلح، عمان، الأردن ... الأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
3 ـ 4 ـ 2019 م ... عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
المبحث الأول
مكانة الإمام أبي حنيفة في الحديث
تمهيد:
نعرض في هذا المبحث اهتمام أبي حنيفة بالحديث، وتوثيق جماهير الفقهاء والمحدثين له، ورد انتقادات بعض أهل الحديث عليه، ودعاوى وردها في الجواب عن طعن بعض المحدثين فيه في المطالب الآتية:
* ... * ... *
المطلب الأول
اهتمام الإمام أبي حنيفة بالحديث
إنّ اعتناء الإمام أبي حنيفة بطلب العلم، وتتبع أدلته من حديث رسول الله (ومسائله الدقيقة المتداولة بين الفقهاء أوصله إلى التردد إلى كثير من العلماء الأعلام؛ للاستفادة واللقيا، فبلغ عدد شيوخه الذين أخذ عنهم الحديث والفقه وغيرهما عدّة آلاف.
قال الذَّهبِيّ (¬1): «حدَّثَ عن: عطاء، ونافع، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وسلمة بن كُهَيل، وأبي جعفر محمد بن علي، وقتادة، وعمرو بن دينار، وأبي إسحاق، وخلق كثير» (¬2).
وقال اللكنوي (¬3): «وأما مشايخُه في العلم فكثيرون».
وقال طاشكبرى (¬4): «عُدَّ مشايخُه فبلغ أربعة الآف شيخ، وفي «الانتصار»: هذا من أدنى فضائله ولا يخلتج في صدرك أن مشايخ البخاري ربما تبلغ عشرة آلاف فيلزم أن يكون أفضل منه؛ لأن مشايخ الحديث ليسوا كمشايخ الفقه، فإنّ
¬
(¬1) في تذكرة الحفاظ 1: 168. وينظر: العبر 1: 214، ومقدمة التعليق 1: 120، ومقدمة السعاية 1: 27.
(¬2) مقدمة التعليق 1: 120.
(¬3) في مقدمة العمدة 1: 34. النافع الكبير ص42.
(¬4) في مفتاح السعادة 2: 178.
الأولين لا بدّ أن يكونوا عالمين دون الآخرين؛ ولهذا قلّ الفقهاء وكثر رواة الحديث».
وأضاف القاري (¬1) بعد ذكر هذا: «والحاصل إن أكثر مشايخ الإمام كانوا جامعين
بين الرواية والدراية، وأكثر مشايخ البُخاري برزوا بعلو إسنادٍ في الرواية».
ولا بدّ للمجتهد المستقل في استخراج الأحكام الشرعية من الحديث النبوي، والإطلاع التام عليه، وهذا حظ كل من اعترفت له الأمة بالاجتهاد المطلق، ودانت له بالتقليد، وعلى رأسهم إمام الأئمة أبي حنيفة، فإنه كان على معرفة تامة بحديث رسول الله (، فقد طلبه وسعى في تحصيله، حتى صار رأساً يشار إليه فيه، وإن لم يهتم بالصنعة الحديثية من علو السند، وجمع الطرق، والجلوس للتحديث؛ لأن الفقه والتفقيه واستخراج المسائل استوعب كل وقته وجهده، وإليك بعض كلمات الأئمة الدالة على عنايته بالحديث:
قال الذهبي (¬2): «أبو حنيفة، فقيه الملة، عالم العراق، عني بطلب الآثار، وارتحل في ذلك، وأما الفقه والتدقيق والرأي، إليه المنتهى، والناس عليه عيال في ذلك، طلب الحديث وأكثر منه في سنة مئة وبعدها». وهذا شهادة من الحافظ الذهبي له بالإكثار من الحديث مع التسليم له بدقة الفقه قال (¬3): «وعني بطلب الآثار وارتحل في ذلك، وأما الفقه والتدقيق في الرأي وغوامضه فإليه المنتهى والناس عليه عيال في ذلك».
¬
(¬1) في سند الأنام ص9.
(¬2) في سير أعلام النبلاء 6: 396.
(¬3) في سير أعلام النبلاء 6: 392.
وقال أيضاً (¬1): «وسمع الحديث من عطاء بن أبي رباح بمكة، وقال: ما رأيت أفضل من عطاء».
وعن الحارث بن عبد الرحمن قال: «كنا نكون عند عطاء بعضنا خلف بعض، فإذا جاء أبو حنيفة أوسع له، وأدناه» (¬2).
وعن مسعر بن كدام، قال: «طلبت مع أبي حنيفة الحديث فغلبنا، وأخذنا في الزهد فبرع علينا، وطلبنا الفقه فجاء منه ما ترون» (¬3).
وعن إسرائيل، قال: «نعم الرجل النعمان، ما كان أحفظه لكل حديث فيه فقه، وأشدّ فحصه عنه وأعلمه بما فيه من الفقه، وكان قد ضبط عن حماد فأحسن الضبط عنه، فأكرمه الخلفاء والأمراء والوزراء، وكان إذا ناظره رجل في شيء من الفقه همته نفسه، ولقد كان مسعر يقول: من جعل أبا حنيفة إماما فيما بينه وبين الله رجوت أن لا يخاف، ولا يكون فرط في الاحتياط لنفسه» (¬4).
وقال النعماني بعدما أورد العديد من النقول (¬5): «فهؤلاء الأئمة الأجلة الأعلام، جهابذة النقد: أبو داود، والترمذي، والحاكم، والبيهقي، وابن عبد البر، وابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، قد أذعنوا أن الإمام أبا حنيفة من أئمة الحديث المعروفين الذين يرجع إلى أقوالهم في الجرح والتعديل والتصحيح والتعليل كسائر الحفاظ النقاد من أئمة المحدثين».
¬
(¬1) في مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه ص11.
(¬2) ينظر: أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص83.
(¬3) ينظر: مكانة أبي حنيفة في الحديث ص20 عن مناقب المكي 2: 37.
(¬4) ينظر: أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص9، وغيره.
(¬5) في مكانة أبي حنيفة في الحديث ص31 - 32.
وقال أيضاً (¬1): «وعلى كلِّ حال فإمامنا الأعظم أبو حنيفة النعمان من كبار أئمة الجرح والتعديل في عصره، ممن إذا قال قبل قوله، وإذا جرَّح أو عدَّل سمع منه، وكان متثبتاً لا يكاد يروي إلا عن ثقة، كشعبة ومالك، وهو أول من انتقى الرجال من الأئمة، وأعرض عمن ليس بثقة، ولم يكن يروي إلا ما صح، ولا يحدِّث إلا ما يحفظ، وتبعه مالك».
وقال الصالحيّ (¬2): «إن الإمام أبا حنيفة من كبار حفاظ الحديث، وقد تقدم أنه أخذ عن أربعة آلاف شيخ من التابعين وغيرهم، وذكره الحافظ الناقد أبو عبد الله الذّهبيّ في كتابه «الممتع» و «طبقات الحفاظ من المحدثين» منهم، ولقد أصاب وأجاد.
ولولا كثرة اعتنائه بالحديث، ما تهيّأ له استنباط مسائل الفقه، فإنه أول من استنبطه من الأدلة، وعدم ظهور حديثه في الخارج لا يدل على عدم اعتنائه بالحديث، كما زعمه بعض من يحسده، وليس كما زعم، وإنما قلت الرواية عنه وإن كان متسع الحفظ لأمرين:
أحدهما: اشتغاله عن الرواية باستنباط المسائل من الأدلة، كما كان أجلاء الصحابة كأبي بكر وعمر وغيرهما يشتغلون بالعمل عن الرواية، حتى قلّت روايتهم بالنسبة إلى كثرة اطلاعهم، وكثرت رواية من دونهم بالنسبة إليهم، وكذا الإمام مالك والإمام الشافعي لم يرويا إلا القليل بالنسبة إلى ما سمعاه، كل ذلك لاشتغالهما باستخراج المسائل من الأدلة.
¬
(¬1) في مكانة أبي حنيفة في الحديث ص80.
(¬2) في عقود الجمان ص63.
الأمر الثاني: إنه كان لا يرى الرواية إلا لما يحفظ، روى الطحاوي عن أبي يوسف، قال: قال أبو حنيفة: «لا ينبغي للرجل أن يحدث من الحديث إلا بما حفظه من يوم سمعه إلى يوم يحدّث به، وروى الخطيب عن إسرائيل بن يونس قال: «نعم الرجل نعمان، ما كان أحفظه لكل حديث فيه فقه، وأشد فحصه عنه، وأعلمه بما فيه من الفقه ... ».».
وقال السَّرَخْسيُّ (¬1): «كان الإمام أبو حنيفة أعلم أهل عصره بالحديث، ولكن لمراعاة كمال الضبط قلت روايته».
وكان يرى رحمه الله تعالى رواية الحديث بالمعنى كما عليه جماهير علماء المسلمين كالبخاري وغيره، قال سبط ابن الجوزي (¬2): «وإنما كان يرى رواية الحديث بالمعنى فظنوا أن ذلك إساءة في الحفظ». وقال الكوثري (¬3): «وكان الغالبُ على الفقهاء في مجالس التفقيه الإرسال والرواية بالمعنى، وهم أُمناء على الاحتفاظ بالمعنى بخلاف النَّقلة من غيرهم».
«وكان أبو حنيفة بصيراً بعلل الأحاديث وبالتعديل والتجريح مقبول القول في ذلك، قال التِّرمذي (¬4) عن الحماني: قال: سمعت أبا حنيفة يقول: ما رأيت أكذب من جابر الجعفي، ولا أفضل من عطاء بن أبي رباح.
وورى البيهقي عن الصغاني يقول أبي حنيفة: ما تقول في الأخذ عن الثوري؟ قال: اكتب عنه فإنه ثقة ما خلا أحاديث أبي إسحاق عن الحارث وأحاديث جابر الجعفي.
¬
(¬1) في أصول الفقه 1: 350.
(¬2) في الانتصار والترجيح ص11.
(¬3) في هامش الانتصار ص11.
(¬4) في العلل الصغير للترمذي1: 739.
وروى الخطيب عن سفيان بن عيينة قال: أوَّل مَن أقعدني للحديث أبو حنيفة قدمت الكوفة فقال أبو حنيفة: إن هذا أعلم الناس بحديث عمرو بن دينار، فاجتمعوا عليّ فحدثتهم، فناهيك بمن يستأمر في الثَّوري ويجلس ابن عيينة» (¬1).
* ... * ... *
¬
(¬1) ينظر: العقود الجمان ص167.
المطلب الثاني
توثيق جماهير الفقهاء والمحدثين للإمام أبي حنيفة
ثناءُ العلماء على الإمام أبي حنيفة، وشهادتهم له باجتهاده في العبادة وتقواه وورعه، ومبلغه في الطاعة، وغيرها من المناقب وأوصافِ النباهة؛ فقد ذكر الخطيبُ (¬1)، والنوويّ (¬2)، وابن حجر (¬3)، والسيوطيّ (¬4)، والذهبيّ (¬5)، واليافعيّ (¬6)، والشَّعرانيّ (¬7)، والمِزْيّ (¬8)، وغيرهم من أجلّة المحدّثين والمؤرّخين من ذلك جملةً وافرة، ولو جمعت في مجموع لكان مجلداً كبيراً، ولنكتفِ ببعضه؛ لأنّ ما لا يدركُ كلُّه لا يتركُ بكماله:
1. علي بن المَدينيّ، قال: «أبو حنيفة روى عنه الثوريّ، وابنُ المبارك، وحمّاد بن زيد، ووكيع، وعباد بن العوام، وجعفر بن عون: وهو ثقة لا بأس به.
¬
(¬1) تريخ بغداد 10: 152 - 165.
(¬2) في تهذيب الأسماء واللغات 2: 216 - 223.
(¬3) في الخيرات الحسان 37 - 42.
(¬4) في تبييض الصحيفة 305 - 334.
(¬5) في مناقب أبي حنيفة 9 - 34.
(¬6) في مرآة الجنان 1: 309 - 313.
(¬7) في الميزان الكبرى 1: 63 - 75.
(¬8) في تهذيب الكمال 29: 422 - 445.
2. شبعة بن الحجاج، كان حسن الرأي فيه. وقيل له: مات أبو حنيفة. فقال شعبة: «لقد ذهب معه فقه الكوفة». وسئل ابن معين عن أبي حنيفة، فقال: «ثقة ما سمعت أحداً ضعَّفه، هذا شعبة بن الحجاج يكتب إليه أن يحدّث، ويأمرُه، وشعبة شعبة» (¬1). قال الكشميري (¬2): «فعلم أن الإمام الهمام لم يكن مجروحاً إلى زمن ابن معين، ثم وقعت وقعة الإمام أحمد في مسألة خلق القرآن، وشاع ما شاع، وصارت جماعة المحدثين فيه فرقاً، وإلا فقبل تلك الوقعة توجد في السلف جماعة تفتي بمذهبه».
3.يحيى بن سعيد القطان، وقال: «لا نكذب الله، ربما ذهبنا إلى الشيء من قول أبي حنيفة فقلنا به» (¬3).
4.يحيى بن معين، قال: لا بأس به، لم يكن متّهماً، ولقد ضربه يزيد بن هبيرة على القضاء، فأبى أن يكون قاضياً. وقال: الفقه فقه أبي حنيفة على هذا أدركتُ الناس. وقال: القراءة عندي قراءة حمزة، والفقه فقه أبي حنيفة. قال اللكنوي: «وهذا اللفظ من ابن معين رئيس النقّاد قائمٌ مقامَ: ثقة، صرّح به الحافظ ابن حجر وغيره» (¬4).
5. الأعمش، كما سبق أنه طلب أن يكتب له أبو حنيفة المناسك للحج.
6.وكيع، قال: «كان أبو حنيفةَ عظيم الأمانة، وكان يؤثر رضاءَ الله على كلّ شيء، ولو أخذته السيوف في الله لاحتملها». وقال يحيى بن معين: «ما رأيت مثل
¬
(¬1) ينظر: الانتقاء ص197، وغيره.
(¬2) في فيض الباري شرح صحيح البخاري 1: 169.
(¬3) ينظر: الانتقاء ص204، وغيره.
(¬4) ينظر: مقدمة العمدة 1: 34. مقدمة التعليق 1: 121.
وكيع، وكان يفتح برأي أبي حنيفة» (¬1).
7. ابن عبد البر، قال (¬2): «الذين رَوَوْا عن أبي حنيفة، ووثَّقوه، وأثنوا عليه أكثر من الذين تكلَّموا فيه، والذين تكلَّموا فيه من أهل الحديث أكثرَ ما عابوا عليه الإغراق في الرأي والقياس ـ أي وقد مرّ (¬3) أن ذلك ليس بعيب ـ والإرجاء.
وكان يقال: يستدل على نباهة الرجل في الماضيين بتباين الناس فيه، قالوا: ألا ترى إلى علي بن أبي طالب أنه هلك فيه فئتان: محب أفرط، ومبغض أفرط».
وقال أيضاً: «لا نتكلّم في أبي حنيفة بسوء ولا نصدق أحداً يسيءُ القول فيه، فإنّي والله ما رأيت أفضل ولا أورع ولا أفقه منه» (¬4).
8. الذهبي، قال (¬5): «كان إماماً، ورِعاً، عالماً، عاملاً، متعبّداً، كبير الشأن، لا يقبلُ جوائز السلطان، بل يتّجر ويتكسب». وقال (¬6): «وكان من أذكياء بني آدم، وجمع بين الفقه والعبادة والورع والسخاءَ، وكان لا يقبل جوائز الدولة بل ينفقُ ويؤثرُ من كسبه، له دارٌ كبيرةٌ لعمل الخزّ، وعنده صنّاع وأُجراء». وقال (¬7): «قد تواتر قيامه الليل وتهجده وتعبده رحمه الله تعالى».
9. الغَزالي، قال: «أمّا أبو حنيفة فلقد كان أيضاً عابداً زاهداً عارفاً بالله تعالى
¬
(¬1) ينظر: الانتقاء ص211، وغيره.
(¬2) في جامع بيان العلم وفضله 2: 149.
(¬3) أي عند ابن عبد البر في جامع بيان العلم 2: 148.
(¬4) مقدمة الهداية 2: 6.
(¬5) في تذكرة الحافظ 1: 168.
(¬6) في العبر 1: 214.
(¬7) في مناقب أبي حنيفة وصاحبيه 12.
خائفاً منه مريد وجه الله تعالى بعلمه، والعجب من مقلِّدي الشافعي كيف يطعنون إماماً كان يتأدّب معه الشافعي، هل هذا إلا طعن في إمام مذهبه» (¬1).
10. الشَّعْرانيّ (¬2)، قال: «لو أنصفَ المقلِّدون للإمام مالك والشافعي لم يضعِّف أحدٌ منهم قولاً من أقوال أبي حنيفة بعدما سمعوا مدح أئمتهم له، ولو لم يكن من التنويه برفعة مقامه إلاَّ كون الشافعيّ ترك القنوت في الصبح لَمَّا صلَّى عند قبر الإمام أبي حنيفة لكان فيه كفاية في لزوم أدب مقلِّديه معه».
11. أبو نُعَيْم الفضل بن دكين، قال: «إنه صلى الصبح بوضوء العشاء أكثر من خمسين سنة، ولم يكن يضع جنبه إلى الأرض في الليل أبداً، وإنّما كان ينامُ لحظةً بعد صلاة الظهر وهو جالس، ويقول قال (: «استعينوا على قيام الليل بالقيلولة» (¬3). وقال: «كان أبو حنيفة صاحب غوصٍ في المسائل».
12. الباقر محمد بن علي، قال: «ما أحسن هديه وسمته، وما أكثر فقهه» (¬4).
13. خالد الواسطي، قال يزيد بن هارون قال لي: «انظر في كلام أبي حنيفة لتتفقّه، فإنه قد احتيج إليك أو قال إليه».
14. إبراهيم بن عكرمة المخزومي، قال: «ما رأيت في عصري كلِّه عالماً أورع ولا أزهد ولا أعبد ولا أعلم من الإمام أبي حنيفة» (¬5).
¬
(¬1) ينظر: مقدمة الهداية 2: 5 - 6.
(¬2) في الميزان الكبرى 1: 63.
(¬3) في المعجم الكبير 1: 245، ومصنف عبد الرزاق 4: 229 بألفاظ قريبة منه.
(¬4) ينظر: الانتقاء ص193، وغيره.
(¬5) ينظر: تهذيب الأسماء 2: 220. والميزان الكبرى 1: 72، وغيرها.
15.عبد الله بن المبارك، قال: «لولا أن الله أعانني بأبي حنيفة وسفيان الثوري لكنت كسائر الناس»، و «ما رأيت في الفقه مثل أبي حنيفة»، و «كان أبو حنيفة قديماً أدرك الشعبي والنخعي وغيرهما من الأكابر، وكان بصيراً بالرأي، يسلَّم له فيه، ولكنه كان يتيماً في الحديث» (¬1): أي أراد قلة عناية أبي حنيفة بإكثار الطرق في رواية الحديث، كما شأن المتفرغين للرواية، بخلاف المجتهدين المنصرفين إلى استنباط الأحكام، وكان إبراهيم بن سعيد الجوهري يقول: «كل حديث لم يكن عندي من مئة وجه، فأنا فيه يتيم»، فما عند أبي حنيفة من أحاديث الأحكام المروية في المسانيد من غير تكرير للمتن ولا سرد للطرق: مقدار عظيم، لا يستقله من يعلم ما عند مالك والشافعي من أحاديث الأحكام (¬2).
16. الفضل بن موسى السِّيْناني، قيل له: ما تقول في هؤلاء الذين يقعون في أبي حنيفة؟ قال: «إن أبا حنيفة جاءهم بما يعقلونه، وبما لا يعقلونه من العلم، ولم يترك لهم شيئاً، فحسدوه» (¬3).
17. عيسى بن يونس، قال: «لا تتكلَّمنَّ في أبي حنيفة بسوء، ولا نصدِّقن أحداً يسيء القول فيه، فإني والله ما رأيت أفضل منه، ولا أورع منه، ولا أفقه منه» (¬4).
18. مالك، «سئل: هل رأيت أبا حنيفة؟ فقال: نعم، رأيت رجلاً لو كلَّمك في هذه الساريةِ أن يجعلَها ذهباً لقام بحجتِه».
¬
(¬1) ينظر: الانتقاء ص204 - 207، وغيره.
(¬2) ينظر: تأنيب الخطيب ص151 - 154، وهامش الانتقاء ص204 - 205، وغيرها.
(¬3) ينظر: الانتقاء ص211، وغيره.
(¬4) ينظر: الانتقاء ص212، وغيره.
19. الشَّافِعِيّ، قال: «مَن أرادَ أن يتبحَّرَ في الفقه فهو عيالٌ على أبي حنيفة، ومَن أرادَ أن يتبحَّرَ في المغازي فهو عيالٌ على محمّد بن اسحاق، ومَن أرادَ أن يتبحَّرَ في النحو، فهو عيالٌ على الكسائي»، وقال: «مَن أرادَ أن يعرفَ الفقه فليلزم أبا حنيفة وأصحابه»، وقال: «كان أبو حنيفة وقوله في الفقه مسلَّماً له فيه».
20. يزيد بن هارون، سئل أيُّهما أفقه أبو حنيفة وسفيان قال: «سفيان أحفظ للحديث وأبو حنيفة أفقه»، وقال: «أدركتُ الناسَ فما رأيتُ أحداً أعقلَ ولا أورعَ من أبي حنيفة».
21. أبو داود السجستاني، قال: «إن أبا حنيفة كان إماماً».
22. القاسم بن مَعْن، قال حجر بن عبد الجبار له: «أنت ابن عبد الله بن مسعود، ترضى أن تكون من غلمان أبي حنيفة؟ فقال: ما جلس الناس إلى أحد أنفع مجالسة من أبي حنيفة، وقال له القاسم: تعال معي إليه، فجاء فلما جلس إليه لزمه وقال: ما رأيت مثل هذا» (¬1).
23. حُجْر بن عبد الجبار، قال: «ما رأى الناس أحداً أكرم مجالسة من أبي حنيفة ولا أشد إكراماً لأصحابه منه» (¬2).
24. زهير بن معاوية، قال لرجل: «إن ذهابك إلى أبي حنيفة يوماً واحداً، أنفع لك من مجيئك إليّ شهراً» (¬3).
25. سفيان الثّوريّ، قال ابن المبارك قلت للثوريّ: «يا أبا عبد الله ما أبعد
¬
(¬1) ينظر: المصدر السابق ص208، وغيرها.
(¬2) ينظر: المصدر نفسه ص208، وغيره.
(¬3) ينظر: نفس المصدر ص208، وغيرها.
أبا حنيفة، ما سمعتُه يغتابُ عدوّاً له». قال: «هو والله أعقلُ من أن يسلّطَ أحداً على حسناته يذهب بها». وعن محمد بن بشر: «كنت أختلفُ إلى أبي حنيفة وسفيان فآتي أبا حنيفة فيقول لي: من أين جئت؟ فأقول: من عند سفيان، فيقول: لقد جئت من عند رجل لو أن علقمة والأسود حضرا لاحتاجا مثله، وآتي سفيان فيقول: من أين جئت؟ فأقول: من عند أبي حنيفة، فيقول: لقد جئت من عند أفقه أهل الأرض». وقال رجل لسفيان: قال أبو حنيفة في هذه المسألة كذا وكذا، قال: «انتَهى إلى ما سَمِع» (¬1).
26. ابن داود (¬2)، قال: «إذا أردت الآثار فسفيان، وإذا أردت تلك الدقائق فأبو حنيفة».
27. الحسن بن صالح، قال: «كان النعمان بن ثابت فَهِماً عالماً متثبِّتاًَ في علمه، إذا صحَّ عنده الخبر عن رسول الله (لم يَعْدُه إلى غيره» (¬3).
28. أبو يوسف، قال: «كنت أمشي مع أبي حنيفة، فقال رجل لآخر: هذا أبو حنيفة (لا ينام الليل، فقال: والله لا يتحدَّث الناسُ عنِّي بما لم أفعل، فكان يُحيي الليل صلاةً ودعاءً وتضرُّعاً» (¬4).
29. ابن جريج، فعن روح بن عبادة، قال: «كنت عند ابن جُريج سنة (خمسين ومئة)، وأتاه موتُ أبي حنيفة فاسترجعَ، وقال: أي علم ذهب» (¬5).
¬
(¬1) ينظر: الانتقاء ص198، وغيره.
(¬2) وهو عبد الله بن داود الواسطي التَّمَّار، أو محمد، قال ابن حجر: ضعيف. ينظر: التقريب 244، والميزان 4: 91.
(¬3) ينظر: الانتقاء ص199، وغيره.
(¬4) تذكرة الحفاظ 1: 168. مرآة الجنان 1: 310. العبر 1: 214.
(¬5) ينظر: الانتقاء ص209، وغيره.
30. زائدة، قال: «صليتُ مع أبي حنيفة في مسجده العشاء، وخرج الناس، ولم يعلم أنّ في المسجد أحداً، فأردت أنّ أسألَه مسألةً، فقامَ فافتتحَ الصلاة فقرأ حتى بلغ هذه الآية: {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُوم} [الطور:27]، فلم يزل يردِّدُها حتى أذّن المؤذِّن للصبح، وأنا أنتظرُه».
31. عبد الرزاق الصنعاني، قال: «ما رأيت أحد قط أحلم من أبي حنيفة ... » (¬1).
32. عبدُ العزيز بن أبي رَوَّاد، قال: «الناسُ في أبي حنيفة رجلان: جاهلٌ به، وحاسد».
33. علي بن عاصم، قال: «لو وزنَ عقلُ أبي حنيفةَ بعقلِ أهلِ الأرضِ لرجحَ بهم».
34. سعيد بن أبي عروبة، قال: «كان أبو حنيفة عالم العراق» (¬2).
35. عبد الله بن داود الخُرَيْبِيّ، قال: «يجب على أهل الإسلام أن يدعوا لأبي حنيفة في صلاتهم، وذكر حفظه عليهم السنن والآثار».
36. مسعر بن كِدام (¬3)، قال: «أتيتُ أبا حنيفة فرأيتُه يصلِّي الغداة، ثمّ يجلسُ للناس للعلم إلى أن يصلِّي الظهر، ثمّ يجلسُ إلى العصر، فإذا صلَّى جلسَ إلى المغرب، فإذا صلَّى المغرب جلس إلى العشاء، فقلت في نفسي: هذا الرجل في هذا الشغل متى يتفرّغ للعبادة لأتعاهدنَّه هذه الليلة، فتعاهدته فلَمَّا خرجَ الناس
¬
(¬1) ينظر: الانتقاء ص209، وغيره.
(¬2) ينظر: الانتقاء ص201، وغيره.
(¬3) ينظر: المصدر السابق ص195، وغيره.
انتصبَ للصلاة إلى أن طلع الفجر، ودخل مَنْزله، ولبس ثيابه، وخرجَ إلى المسجد لصلاة الفجر».
37. أيوب السختياني (؛ قال لحماد بن زيد: «بلغني أن فقيه أهل الكوفة أبا حنيفة يريد الحج، فإذا لقيته فأقرئه مني السلام» (¬1).
38. خارجة بن بديل، «دعا أبو جعفر المنصور أبا حنيفةَ إلى القضاء فأبى عليه فحبسه، ثمّ دعاه فقال: أترغبُ عمّا نحن فيه، فقال: أصلحُ الله أميرَ المؤمنين، إنّي لا أصلح للقضاء، فقال له: كذبت، ثمّ عرض عليه الثانية، فقال أبو حنيفة: قد حكمَ عليَّ أميرُ المؤمنين أنّي لا أصلح للقضاء؛ لأنّه نسبني إلى الكذب، فإن كنت كاذباً فلا أصلح، وإن كنت صادقاً فقد أخبرت أنّي لا أصلح للقضاء».
39. ابن شُبْرُمة، قال: «عَجَزَت النساء أن تَلِدَ مِثلَ النعمان» (¬2).
قال أبو غدة في التعقيب على ما نقله ابن عبد البر من ذكر سبعين ممن وثَّقوا الإمام أبا حنيفة (¬3): «ويكفي ثناء خمسة منهم أو عشرة لإثبات فضل أبي حنيفة وعلمه، ودينه وورعه وتزكيته، وإمامته في الدين، وهو بشر يخطئ ويصيب وليس بالمعصوم من الخطأ في الاجتهاد كسائر المجتهدين، وحسبك منهم: ثناء أبي جعفر الباقر، وحماد بن أبي سليمان ومسعر بن كدام، وأيوب السختياني، والأعمش، وشعبة، وسفيان الثوري، والحسن بن صالح، وسعيد بن أبي عروبة وحماد بن زيد، فهؤلاء العشرة الجبال في الثقة والدين والعلم، لو شهدوا على أمر لقبلت شهادتهم وردّت شهادة مخالفهم دون تردد والثناء شهادة.
¬
(¬1) ينظر: الانتقاء ص195، وغيره.
(¬2) ينظر: المصدر السابق ص202، وغيره.
(¬3) في هامش الانتقاء ص230 - 231.
وإن شئت أن تزيد إلى شهادتهم شهادة آخرين هم جبال أيضاً في الثقة والدين والعلم، فخذ شهادة ابن شبرمة، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الله بن المبارك، وزهير بن معاوية، وابن جريح، وعبد الرزاق، والشافعي، ووكيع بن الجراح، وخالد الواسطي، وسفيان بن عيينة، فهؤلاء عشرة على العشرة الأولى فغدوا عشرين إماماً مزكياً ...
هؤلاء كلهم قد أطبقوا على الثناء على أبي حنيفة في دينه وصلاحه وتعبده، وورعه وعلمه وفقهه، وتثبّته وثقته وإمامته، وعقله ونباهته وهديه وسمته وكرمه، وامتناعه عن تولي القضاء ورعاً وخوفاً على دينه وآخرته، وأنه اختار الحبس وما ناله من العذاب على تولي القضاء، وتلك شهادتهم فيه، وهم براء من التّعصب له، والتعصب على شانِئِيه».
* ... * ... *
المطلبُ الثَّالث
رد انتقادات بعض أهل الحديث عليه
* أولاً: مقدمات في الجرح والتعديل:
الأولى: التدافع بين العلماء من سنن الله (في حفظ دينه:
قال (: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِين} [البقرة:251].
وقال (: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} [الحج:40].
فهاتان الآيتان تقرران حقيقة يغفل عنها الكثير: من أن استمرار الحياة البشرية وتطورها وازدهارها منوط بالتدافع بين الأفراد والجماعات والدول.
وإن حفظ هذا الشرع العظيم الذي تعهّد به ربّ العزّة في قوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلاً} [الحجر:9] مبنيٌّ على وسائل وطرق منها التنافس والتدافع بين العلماء، الذي يكون سبباً لارتفاع الهمم في الاحتجاج والتأصيل والتفريع ونشر العلم، وبيان الصحيح من السقيم.
فالتدافع يجعل كلاً يعتز بما عنده، ويسعى لإثباته أمام خصمه بشتى الطرق الممكنة، فالمحدث يسعى لجمع الحديث والتدقيق في الأسانيد والتمحيص في الرجال في مقابل غيره من المحدثين والفقهاء؛ لئلا يتهمه أحدهم بالتخاذل والتقصير وغيرها.
والفقيه يهتم بالتفريع والتأصيل والاستدلال لما ذهب إليه بالحجج والبراهين في وجه خصومه من الفقهاء والمحدثين، فالحنفي يحتج في مقابل الشافعي أو المحدث لمسائله، والشافعي في مقابل المالكي أو الحنبلي، وهكذا، فيزدهر العلم وينتشر، ويحرص كلّ على التدقيق والتصحيح؛ لئلا يظهر عوار ما هو عليه، ويضعف ما ذهب إليه.
فعلى طالب العلم أن لا يغفل في النظر إلى ما وقع بين الأئمة من كلام عن هذه القاعدة، فيحمل كلامهم على حسن الظنّ بهم جميعاً، وأن ذلك طريق حفظ العلم ووصوله إلينا لا غير، فعن ابن عبّاس (: «خذوا العلم حيث وجدتم ولا تقبلوا قول الفقهاء بعضهم على بعض، فإنهم يتغايرون تغاير التيوس في الزريبة» (¬1).
وعن مالك بن دينار: «يؤخذ بقول العلماء والقراء في كل شيء إلا قول بعضهم في بعض، فإنهم أشد تحاسداً من التيوس تصب لهم الشاة الضارب، فينبّ هذا من هاهنا وهذا من هاهنا» (¬2).
وقال التاجُ السُّبكيُّ: «ينبغي لك أيُّها المسترشد أن تسلُكَ سبيل الأدب مع
¬
(¬1) ينظر: جامع بيان العلم وفضله 2: 151.
(¬2) في جامع بيان العلم وفضله 2: 151.
الأئمة الماضين، وأن لا تنظر إلى كلام بعضهم في بعض، إلاَّ إذا أُتي ببرهان واضح، ثمّ إن قدرت على التأويل وحسن الظن، فدونك، وإلاَّ فاضربْ صفحاً عما جرى بينهم، وإيّاك، ثمّ إيّاك أن تصغي إلى ما اتفق بين أبي حنيفة وسفيان الثوري، أو بين مالك وابن أبي ذئب، أو بين النسائي وأحمد بن صالح، أو بين أحمد والحارث بن أسد المحاسبي، وهلمّ جرّاً، إلى زمان العز بن عبد السلام والتقيّ بن الصلاح، فإنّك إذا اشتغلت بذلك وقعت على الهلاك، فالقوم أئمة أعلام، ولأقوالهم محامل، وربَّما لم نفهم بعضها فليس لنا إلاَّ الترضي والسكوت عمَّا جرى بينهم، كما نفعل فيما جرى بين الصحابة» (¬1).
وقال السخاوي (¬2): «وأما ما أسند الحافظ أبو الشيخ بن حيَّان في كتاب «السنة» له، من الكلام في حقّ بعض الأئمة المقلّدين ـ ويعني بهذا أبا حنيفة ـ، وكذا الحافظ أبو أحمد بن عدي في «كامله»، والحافظ أبو بكر الخطيب في «تاريخ بغداد»، وآخرون ممن قبلهم: كابن أبي شيبة في «مصنفه»، والبخاري، والنسائي، مما كنت أنزههم عن إيراده، مع كونهم مجتهدين ومقاصدهم جميلة، فينبغي تجنّب اقتفائهم فيه. ولذا عزَّر بعض القضاة الأعلام من شيوخنا من نسب إليه التحدث ببعضه، بل منعنا شيخنا الحافظ ابن حجر حين سمعنا عليه كتاب «ذم الكلام» للهروي من الرواية عنه لما فيه من ذلك».
الثانية: مَن ثبتت إمامته وعدالته رد جرحه بتعصب أو غيره:
قال التاج السُّبكيّ (¬3): «الحذرُ كلُّ الحذرِ أن تفهم أن قاعدتَهم أن الجرح مقدَّم
¬
(¬1) ينظر: مقدمة التعليق 1: 123، ومقدمة الهداية 2: 5.
(¬2) في الإعلام بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ ص65.
(¬3) في طبقات الشافعية الكبرى 1: 188.
على التعديل على إطلاقها، بل الصواب أن مَن ثبتت إمامته وعدالتُه، وكثرُ مادحوه وندر جارحه، وكانت هناك قرينةٌ دالّةٌ على سبب جرحه من تعصبٍ مذهبيٍّ أو غيرِهِ لم يُلتفت إلى جرحه».
ثم قال أي التاج السُّبكيّ (¬1) بعد كلام طويل: قد عرفناك أن الجارح لا يُقبل فيه الجرح وإن فسَّرَه في حقِّ مَن غلبت طاعاته على معصيته، ومادحوه على ذامِّيه، ومزكُّوه على جارحيه، إذا كانت هناك قرينة تشهد بأن مثلَها حاملٌ على الوقيعة فيه من تعصبٍ مذهبيٍّ أو مناقشةٍ دنيويةٍ، وحينئذٍ فلا يلتفت لكلام الثوري في أبي حنيفة، وابن أبي ذئب وغيره في مالك، وابن معين في الشافِعِيّ، والنَّسَائيّ في أحمد بن صالح، ونحوه، قال: ولو أطلقنا تقديم الجرح لما سَلِمَ لنا أحدٌ من الأئمة إذ ما من إمام إلاَّ وقد طعن فيه طاعنون، وهلك فيه هالكون» (¬2).
وقال ابن عبد البر (¬3): «هذا باب قد غلط فيه كثير من الناس، وضلت به نابتة جاهلة لا تدري ما عليها في ذلك، والصحيح في هذا الباب أن من صحت عدالته وثبتت في العلم أمانته وبانت ثقته وعنايته بالعلم لم يلتفت فيه إلى قول أحد إلا أن يأتي في جرحته ببينة عادلة تصح بها جرحته على طريق الشهادات، والعمل فيها من المشاهدة والمعاينة لذلك بما يوجب قوله من جهة الفقه والنظر.
وأما من لم تثبت إمامته ولا عرفت عدالته ولا صحت لعدم الحفظ والاتقان روايته، فإنه ينظر فيه إلى ما اتفق أهل العلم عليه، ويجتهد في قبول ما جاء به على حسب ما يؤدي النظر إليه والدليل.
¬
(¬1) في طبقات الشافعية 1: 190.
(¬2) ينظر: مقدمة التعليق 1: 122.
(¬3) في جامع بيان العلم 2: 152.
على أنه لا يقبل فيمن اتخذه جمهور من جماهير المسلمين إماماً في الدين قول أحد من الطاعنين؛ لأن السلف رضوان الله عليهم قد سبق من بعضهم في بعض كلام كثير في حال الغضب، ومنه ما حمل عليه الحسد كما قال ابن عبّاس (ومالك بن دينار أبو حازم، ومنه على جهة التأويل مما لا يلزم القول فيه ما قاله القائل فيه، وقد حمل بعضهم على بعض بالسيف تأويلاً واجتهاداً لا يلزم تقليدهم في شيء منه دون برهان ولا حجة».
الثالثة: الجرح لتعصب أو عداوة أو منافرة أو غيرها مردود:
قال اللكنوي (¬1): «بيان حكم الجرح غير البريء: فالجرح إذا صدر من تعصب أو عداوة أو منافرة أو نحو ذلك، فهو جرح مردود، ولا يؤمن به إلا المطرود؛ ولهذا لم يقبل قول الإمام مالك في محمد بن إسحاق صاحب «المغازي»: إنّه دجال من الدجاجلة، لما علم أنه صدر منه منافرة باهرة، بل حققوا أنه حسن الحديث، واحتجت به أئمة الحديث ... وقدح أحمد في الحارث المُحاسبيّ، وقدح ابن منده في أبي نُعَيْم الأَصْفَهانيّ، ونظائره كثيرةٌ في كتب الفن شهيرة، ومن ثم قالوا: لا يقبل جرح المعاصر على المعاصر: أي إذا كان بلا حجة؛ لأن المعاصرة تفضي غالباً إلى المنافرة».
وقال عبد العلي السِّهالوي (¬2): «لا بُدَّ للمزكِّي أن يكون عدلاً عارفاً بأسباب الجرح والتعديل، وأن يكون منصفاً ناصحاً، لا أن يكون متعصِّباً ومعجباً بنفسه؛ فإنّه لا اعتداد بقول المتعصِّب، كما قدح الدَّارَقُطْنِيّ في الإمام الهُمام أبي
¬
(¬1) في الرفع والتكميل 409 - 415.
(¬2) في فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت 2: 154.
حنيفة بأنه ضعيفٌ في الحديث. وأي شناعة فوق هذا؟ ! فإنه إمام ورع تقي نقي خائف من الله، وله كرامات شهيرة، فبأي شيء تطرق إليه الضعف؟!
فتارةً يقولون: إنه كان مشتغلاً بالفقه. انظر بالإنصاف أي قبح فيما قالوا؟! بل الفقيه أولى بأن يأخذ الحديث منه.
وتارةً يقولون: إنه لم يلاق أئمة الحديث إنما أخذ ما أخذ من حمَّاد. وهذا أيضاً باطل، فإنّه روى عن كثير من الأئمة كالإمام محمد الباقر والأعمش وغيرهما، مع أن حمَّاداً كان وعاء للعلم، فالأخذ منه أغناه عن الأخذ عن غيره، وهذا أيضاً آيةٌ على ورعه وكمال تقواه وعلمه، فإنّه لم يكثر الأساتذة؛ لئلا تتكثر الحقوق، فيخاف عجزه عن إيفائها.
وتارةً يقولون: إنّه كان من أصحاب القياس والرأي، وكان لا يعمل بالحديث، حتى وضع أبو بكر بن أبي شيبة في كتابه باباً للرد عليه: ترجمه: (باب الردّ على أبي حنيفة)، وهذا أيضاً من التعصب! كيف وقد قبل المراسيل؟! وقال: ما جاء عن رسول الله (فبالرأس والعين، وما جاء عن أصحابه فلا أتركه، ولم يخصص بالقياس عام خبر الواحد ـ فضلاً عن عام الكتاب ـ، ولم يعمل بالإخالة (¬1)، والمصالح المرسلة.
والعجب أنهم طعنوا في هذا الإمام مع قبولهم الإمام الشافعي، وقد قال في أقوال الصحابة: كيف أتمسك بقول من لو كنت في عصره لحاججته؟ وخصص عام الكتاب بالقياس، وعمل بالإخالة، وهل هذا إلا بهت من هؤلاء الطاعنين؟
¬
(¬1) الإخالة: مسلك من مسالك العلة التي ذكرها الأصوليون في مباحث أصول الفقه لا يقول به الحنفية، ويقول به الشافعية. وتمامه في هامش الرفع والتكميل 76 - 77.
والحقُّ أن الأقوال التي صدرت عنهم في حق هذا الإمام الهمام كلها صدرت من التعصّب، لا تستحقّ أن يلتفت إليها، ولا ينكفئ نور الله بأفواههم، فاحفظ وتثبت» (¬1).
الرابعة: جرح الأقران لبعضهم بلا حجّة مردود:
قال ابن حجر: «إن الطعن إن كان من غير أقران الإمام فهو مقلّد لما قاله، أو كتبه أعداؤه، وإن كان من أقرانه فلا يعتدُّ به؛ لأن قولَ الأقران بعضُهم في بعض غير مقبول. كما صرّح به الذهبي، قال: ولا سيما إذا لاح أنه لعداوة المذهب إذ الحسدُ لا ينجو منه إلاّ من عصمه الله تعالى» (¬2).
وقال الذَّهَبِيُّ: «وما علمت أن عصراً سَلِمَ أهلُه من ذلك إلاَّ عصر النبيين والصدقين» (¬3).
وقال اللكنوي (¬4): «قد صرّحوا بأن كلمات المعاصر في حق المعاصر غير مقبولة، وهو كما أشرنا إليه مقيّدٌ بما إذا كانت بغير برهان وحجّة، وكانت مبنيَّة على التعصّب والمنافرة، فإن لم يكن هذا ولا هذا فهي مقبولة بلا شبهة، فاحفظه فإنه ينفعك في الأولى والآخرة».
الخامسة: يقدم التعديل على الجرح المفسّر ما لم يكن مقبولاً:
قال اللكنوي (¬5): «قد يقدم التعديل على الجرح مفسَّراً أيضاً بوجوه عارضة
¬
(¬1) ينظر: الرفع والتكميل 69 - 77.
(¬2) ينظر: مقدمة الهداية 2: 5.
(¬3) ينظر: مقدمة التعليق 1: 123.
(¬4) في الرفع والتكميل 431.
(¬5) في الرفع والتكميل 120 - 121.
تقتضي ذلك؛ ولهذا: لم يقبل جرح بعضهم في الإمام أبي حنيفة وشيخه حمَّاد بن أبي سليمان وصاحبيه محمد وأبي يوسف وغيرهم من أهل الكوفة بأنهم كانوا من المرجئة. ولم يقبل جرح النَّسائيّ في أبي حنيفة ـ وهو ممَّن له تعنَّت وتشدد في جرح الرجال ـ المذكور في «ميزان الاعتدال»: ضعفه النَّسائيّ من قبل حفظه».
وقال السَّخاوي (¬1): «سئل: ابن حجر عما ذكره النسائي في «الضعفاء والمتروكين»: عن أبي حنيفة (أنه ليس بقويّ في الحديث، وهو كثير الغلط والخطأ على قِلَّة روايته، هل هو صحيح؟ وهل وافقه على هذا أحد من أئمة المحدِّثين أم لا؟ فأجاب: النسائي من أئمة الحديث، والذي قاله إنما هو حَسَب ما ظَهَرَ له وأدَّاه إليه اجتهادُه، وليس كلُّ أحدٍ يؤخذُ بجميع قولِه، وقد وافق النسائي على مطلق القول جماعة من المحدِّثين، واستوعب الخطيب في ترجمته من «تاريخه» أقاويلهم، وفيها ما يقبل وما يردُّ، وقد اعتذر عن الإمام بأنه كان يرى أنه لا يحدِّث إلا بما حَفِظَه منذ سمعه إلى أنّ أدَّاه؛ فلهذا قلَّت الروايةُ عنه، وصارت روايتُهُ قليلةً بالنسبة لذلك، وإلا فهو في نفس الأمر كثير الرواية.
وفي الجملة: تركُ الخوض في مثل هذا أولى، فإن الإمام وأمثالَه ممن قَفَزوا القَنْطَرة، فما صار يُؤثِّرُ في أحدٍ منهم قولُ أحد، بل هم في الدرجة التي رفعهم الله تعالى إليها، من كونهم متبوعين يقتدى بهم، فليعتمد هذا، والله وليّ التوفيق».
ورجَّح عبد الفتاح أبو غدة (¬2) أن النسائي رجع عن تضعيف أبي حنيفة لإخراجه عنه في «سننه» وعدم إعلال الحديث به، وتمامه في موضعه.
¬
(¬1) في الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر 65.
(¬2) في هامش مكانة الإمام أبي حنيفة في الحديث 126 - 127.
* ثانياً: ردّ الطعون عموماً عن الإمام أبي حنيفة:
الأولى: إن الإمام أبا حنيفة ممن جاوز القنطرة في إمامته وعدالته فلا يضره طعن طاعن:
قال اللكنوي (¬1): «لم يقبل جرح الخطيب البغدادي فيه وفي متبعيه، بعد قول ابن حجر في «الخيرات الحسان» نقلاً عن ابن عبد البر رأس علماء الشأن: الذين رووا عن أبي حنيفة ووثقوه وأثنوا عليه أكثر من الذين تكلَّموا فيه. والذين تكلموا فيه من أهل الحديث: أكثر ما عابوا عليه الإغراق في الرأي والقياس: أي وقد مرّ أن ذلك ليس بعيب».
الثانية: الطعون صادرة عن تعصب مقيت، فهي طعن فيمن قالها لا غير:
«بعض من العلماء السابقين الذين لهم تعصب لا يبالون بالطعن على الأئمة: كالخطيب طعن على أبي حنيفة والإمام أحمد، وكابن الجوزي فإنه تابعَ الخطيب في الطعن على أبي حنيفة، وقال سبطُ ابن الجوزي: ليس العجب من الخطيب فإنه طعن في جماعة من العلماء، إنّما العجب من الجدّ كيف سلك أسلوبه، وكأبي نُعَيم فإنه لم يذكر أبا حنيفة في «الحلية» وذكر مَن دونه علماً وزهداً» (¬2).
وقال السيوطي: «لا تغترّ بكلام الخطيب، فإن عنده العصبية الزائدة على جماعة من العلماء كأبي حنيفة وأحمد وبعض أصحابه، وتحامل عليهم بكل وجه،
¬
(¬1) الرفع والتكميل 127 - 128.
(¬2) مقدمة الهداية 2: 5.
وصنّف فيه بعضهم «السهم المصيب في كبد الخطيب»»: أي الملك المعظم عيسى (ت624هـ).
وقال اللكنوي: «الحاصل أنه إذا علم بالقرائن المقالية أو الحالية أن الجارح طعن على أحد بسبب تعصب منه عليه، لا يقبل منه ذلك الجرح، وإن علم أنه ذو تعصب على جمع من الأكابر، ارتفع الأمان عن جرحه، وعدَّ من أصحاب القرح» (¬1).
الثالثة: إن هذه الطعون واردة بأسانيد مردودة، فاللوم على مَن يوردها للاحتجاج بها:
وقد أفاض الكوثري في كتابه النفيس «تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب» ببيان جهالة وسقوط رواة أسانيد مثالب الإمام الأعظم.
قال ابن حجر الهيتمي (¬2) في ردِّ ما نقله الخطيب في «تاريخه» من القادحين في أبي حنيفة: «اعلم أنَّه لم يقصد بذلك إلاَّ جمعَ ما قيل في الرجل على عادة المؤرِّخين، ولم يقصد بذلك انتقاصه، ولا حطَّ مرتبته بدليل أنّه قدّم كلام المادحين، وأكثر منه ومن نَقْل مآثره، ثمّ عقبه بذكر كلام القادحين، وممَّا يدل على ذلك أيضاً: إن الأسانيدَ التي ذكرها للقدح لا يخلو غالبها من مُتَكلَّم فيه أو مجهول، ولا يجوزُ إجماعاً ثَلْمُ عِرضِ مسلمٍ بمثل ذلك، فكيف بإمام من أئمة المسلمين.
وبفرض صحّة ما ذكره الخطيب من القدح عن قائله لا يُعتدّ به، فإنه إن كان من غير أقران الإمام فهو مقلِّدٌ لما قاله أو كتبه أعداؤه، وإن كان من أقرانه فكذلك
¬
(¬1) الرفع والتكميل 69 - 78.
(¬2) في الخيرات الحسان في مناقب النعمان 76، 29.
لما مرّ أن قول الأقران بعضُهم في بعض غيرُ مقبول، وقد صرَّحَ الحافظان: الذهبيُّ وابنُ حجر بذلك، قالا: لا سيما إذا لاح أنه لعداوة أو لمذهب، إذ الحسد لا ينجو منه إلاَّ من عصمه الله».
الرابعة: إنها قد تكون مدسوسة بأيدي بعض المتلاعبين:
قال الكوثري (¬1): «وأما كون تاريخ الخطيب قد تصرفت فيه الأقلام فأمر لا شك فيه بدلائل ناهضة، وقد تكلم الحافظ ابن طاهر المقدسي في ابن خَيرون، الذي كان وصي الخطيب عند وفاته. وكان الخطيب سلَّم إليه كتبه، فاحترقت تلك الكتب في بيت هذا الوصي، وبينها نسخة الخطيب من تاريخ بغداد، حتى روى الناس تاريخ الخطيب عن ابن خيرون لا عن خط الخطيب ....
ومن الغريب أن المثالب الشنيعة المتعلقة بأبي حنيفة في «تاريخ الخطيب» لم تُذع إلا بعد أن تحنف عالم الملوك الملك المعظم الأيوبي، ولذلك كان هو أول من ردّ عليها، ولو ذاعت المثالب قبل ذلك لما تأخر العلماء من الرد عليها، كما فعلوا مع عبد القاهر البغدادي وابن الجويني وأبي حامد الطوسي وغيرهم، وسبط ابن الجوزي رد على الخطيب أيضاً في عصر الملك المعظم في كتاب سماه «الانتصار لإمام أئمة الأمصار» وهو في مجلدين».
¬
(¬1) في تأنيب الخطيب ص55.
المطلب الرابع
دعاوى وردها
* الأولى: إن الدارقطني قد ضعّفه، ويجاب عنه بما يلي:
أنه من المتأخرين وجرحه صادر عن التعصب المذهبي كما تشهد القرائن الجلية بأنه في هذا الجرح من المتعسِّفين، والتعصُّب أمر لا يخلو منه البشر إلاَّ من حفظه خالق القُوى والقُدَر، وقد تقرَّر أن مثل ذلك غيرُ مقبول من قائله، بل هو موجب لجرح نفسه. ولقد صدق شيخ الإِسلام بدر الدين محمود العَيْنِيّ في قوله في (بحث قراءة الفاتحة) من «البناية شرح الهداية»، في حقِّ الدَّارَقُطْنِيّ: «من أين له تضعيف أبي حنيفة؟ وهو مستحِقّ للتضعيف، فإنّه روى في «مسنده» أحاديثَ سقيمة، ومعلولة، ومنكرة، وغريبة، وموضوعة».
وفي قوله: في (بحث إجارة أرض مكّة ودورها): «وأمّا قول ابن القطان: وعلَّتُه ضعف أبي حنيفة، فإساءة أدب، وقلّة حياء منه، فإن مثل الإمام الثوريّ وابن المبارك وأضرابهما وثّقوه وأثَنْوا عليه خيراً فما مقدار مَن يضعِّفُه عند هؤلاء الأعلام» (¬1).
قال ابن قُطْلُوبُغا: «وقوله: إن أبا حنيفة ضعيف مردود عليه فقد نقل المزي
¬
(¬1) من البناية في شرح الهداية للعيني 9: 363.
في كتابه «تهذيب الكمال» عن يحيى بن معين أنه قال أبو حنيفة ثقة في الحديث. وروى ابن جرير في مسنده قال: حدثنا الشيخ أبو منصور الشيخي قال: حدثنا أبو نعيم التنوخي قال: حدثنا أبو بكر قال: حدثنا أحمد قال: سمعت يحيى بن معين يقول وهو يسأل عن أبي حنيفة أثقة هو في الحديث فقال: نعم ثقة ثقة كان والله أورع من أن يكذب وهو أجل قدراً من ذلك، وسئل عن أبي يوسف فقال: صدوق ثقة. وروى الإمام الأجل عبد الخالق تاج الدين بن الزين ثابت في معجمه بسنده إلى عبد الله بن محمد المصري قال: سمعت يحيى بن معين يقول: أبو حنيفة ثقة في الحديث وأبو يوسف كذلك، وهو أكثر حديثا، وأما مناقبه وفضائله كالبدر لا تختفي ليلا أشعته إلا على أكمه لا يعرف القمرا سببه» (¬1).
* الثانية: جرح ابن الجوزي له، ويجاب عنه بما يلي:
1. إن هذا الجرح صادر ممن هو معروف بالتشدد في جرح الرواة، قال الإمام اللكنوي: «إن بعض العلماء لهم تشدّدٌ في جرح الرواة، فيجرحون الرواة من غير مبالاة ويدرجون الأحاديث الغير الموضوعة في الموضوعات، منهم: ابن الجَوْزيّ، والصَّغانيّ، والجُوزقانيّ والمجد الفَيْرُوزآباديّ، وابن تيميةَ الحَرَّانيّ الدمشقيّ، وأبو الحسن بن القطّان، كما بسطته في «الأجوبة الفاضلة» (¬2)، فلا يجترئ على قبول قولهم من دون التحقيق إلاَّ مَن هو غافلٌ عن أحوالهم» (¬3).
2. إن هذا الجرح بسبب اعتماد الإمام على القياس، وهذا مدح لا ذم، كما
¬
(¬1) ينظر: البيان والتعريف 1: 70، وغيره.
(¬2) الأجوبة الفاضلة 171 - 179.
(¬3) ينظر: مقدمة التعليق 1: 123 - 127.
علم، قال سبط ابن الجوزي (¬1): «سألت مرة شيخنا الإمام العالم جمال الدين شمس الحفاظ أبا الفرج بن الجوزي، فقلت: يا سيدي لم وقع بعض المحدثين في أبي حنيفة؟ فقال: لأنه أخذ بالقياس. فقلت: غيره من الأئمة قد أخذ بالقياس. فقال: لكن هو أكثر قياساً منهم. فقلت: هلا وقعوا في أولئك بقدر ما أخذوا من القياس؟ فانقطع».
* الثالثة: إيراد ابن عدي في «كامله»، والعقيلي في «الضعفاء» مثالبه، ويجاب عنه:
1. إن من عادة ابن عدي أن يورد في كتابه كل ما قيل في الرجل من مدح وذم، قال الإمام اللكنوي: «من عادته كابنِ عَديّ في «كامله» (¬2)، والذهبي في «ميزانه»، أنه يذكر كل ما قيل في الرجل من دون الفصل بين المقبول والمهمل، فإيّاك ثم إيّاك أن تجرح أحداً بمجرّد قولهم من دون تنقيده بأقوال غيرهم، فضلاً عن إمام الأئمة بمجرَّد ذكر ابن عَدِي فيه أقوالَ التجريح، ومن ثُمَّ سمَّى بعض من أوتي فهماً ونظراً «كامل ابن عَدي» ناقصاً، وقد صرَّح بما ذكرنا الذَّهَبِيُّ في «ميزان الاعتدال»، و «تذكرة الحفَّاظ» كما في «الرفع والتكميل» (¬3)» (¬4).
2. إن هذا الجرح غير مقبول؛ لأنه صادر عن تعصب مذهبي من ابن عدي، كما نبه على ذلك الإمام اللكنوي (¬5).
¬
(¬1) في الانتصار والترجيح ص12.
(¬2) الكامل 7: 5.
(¬3) الرفع والتكميل 339 - 351.
(¬4) ينظر: مقدمة التعليق 1: 123 - 124، وغيره.
(¬5) ينظر: المصدر السابق 1: 123 - 127، وغيره.
3. رجوع ابن عدي عن عدوانه لأبي حنيفة قال الكوثري (¬1): «وكان ابن عدي على بعده عن الفقه والنظر والعلوم طويل اللسان في أبي حنيفة وأصحابه، وثم لما اتصل بأبي جعفر الطحاوي وأخذ عنه تحسنت حاله يسيراً، حتى ألف مسنداً في أحاديث أبي حنيفة».
4. إن ابن الدخيل المصري (ت388هـ) صاحب العقيلي وراويته ألف كتاباً في مناقب أبي حنيفة؛ رداً على العقيلي في تهجمه على أبي حنيفة. فسمعه حكم بن المنذر من ابن الدخيل بمكة، وسمعه منه ابن عبد البر، فساق غالب ما فيه في المناقب في ترجمة أبي حنيفة من «الانتقاء».
وإنما حمل ابن الدخيل على تأليف ذلك الكتاب تورعه عن حمل تبعة ما كتبه العقيلي في ترجمة أبي حنيفة في كتاب الضعفاء له، الذي كان ابن الدخيل انفرد بروايته عن العقيلي.
وابن الدخيل ليس من أهل مذهبه حتى يظن به أنه تحيّز له، وقد ذكر فيه جملة ممن أثنى على أبي حنيفة، وليس ابن عبد البر ولا الحكم بن المنذر، ولا ابن الدخيل ممن يرمون برواية غير المحفوظ في مناقب أبي حنيفة بوسيلة من الوسائل، وأحوالهم في الأمانة والحفظ معروفة، وليسوا من أهل مذهبه حتى يتوهم فيهم الانحياز له (¬2).
5. إن العقيلي من المتعنتين في الجرح، وقد رد كلامه كثير من الحفاظ، قال الإمام الكوثري: «والعقيلي من أكبر المعتنتين في الجرح، كثير الحكم بالنفي، وهذا
¬
(¬1) في التأنيب ص169 عن أبي حنيفة النعمان ص241.
(¬2) ينظر: هامش الانتقاء ص187 - 188، والتأنيب ص33، وفقه أهل العراق ص53 وص83.
ما حمل الذهبي على التنكيت عليه في «ميزانه» مع أنه كبير الدفاع عن الرواة الحنابلة».
ومما قال الذهبي فيه بعد تضعيفه ابن المديني (¬1): «وهذا أبو عبد الله البخاري وناهيك به قد شحن «صحيحه» بحديث علي بن المديني، وقال: ما استصغرت نفسي بين يدي أحد إلا بين يدي علي بن المديني، ولو تركت حديث عليّ وصاحبه محمد وشيخه عبد الرزاق وعثمان بن أبي شيبة وإبراهيم بن سعد وعفان وأبان العطار وإسرائيل وأزهر السمان وبهز بن أسد وثابت البناني وجرير بن عبد الحميد لغلقنا الباب، وانقطع الخطاب، ولماتت الآثار، واستولت الزنادقة ولخرج الدجال، أفما لك عقل يا عقيلي أتدري فيمن تتكلم وإنما تبعناك في ذكر هذا النمط لنذب عنهم ولنزيف ما قيل فيهم، كأنك لا تدري أن كل واحد من هؤلاء أوثق منك بطبقات بل وأوثق من ثقات كثيرين لم توردهم في كتابك، فهذا مما لا يرتاب فيه محدث، وأنا أشتهي أن تعرفني من هو الثقة الثبت الذي ما غلط ولا انفرد بما لا يتابع عليه، بل الثقة الحافظ إذا انفرد
بأحاديث كان أرفع له، وأكمل لرتبته، وأدل على اعتنائه بعلم الأثر وضبطه دون أقرانه
لأشياء ما عرفوها اللهم إلا أن يتبين غلطه ووهمه في الشيء فيعرف ذلك».
* الرابعة: ذكر الخطيب مثالبه في «تاريخ بغداد»، ويجاب عنه بما يلي:
1. إن عادة الخطيب ذكر كل ما قيل في المترجم دون تمحيص.
¬
(¬1) في ميزان الاعتدال 5: 169.
2. إن هذه الجروح لا تثبت برواية معتبرة، وأكثر مَن جاء بعده عيال على روايته، فهي مردودة ومجروحة.
قال العلامة ابن حجر المكي (¬1): «اعلم أن الخطيبَ لم يقصد بذلك إلاَّ جمع ما قيل في الرجل على عادة المؤرِّخين ولم يقصد بذلك حطَّه عن مرتبتِهِ وانتقاصهِ بدليل أنّه قَدَّمَ كلامَ المادحين، وأكثرَ منه ومن نقلِ مآثره السابقة، إذ أكثرها ممَّا اعتمد أهلُ المناقب فيه على «تاريخ بغداد» للخطيب، ثمّ عقَّبَه بذكر كلام القادحين فيه، وممَّا يدلُّ على ذلك أيضاً؛ أنّ الأسانيد التي ذكرها للقدح لا يخلو غالبُها من متكلِّم فيه أو مجهولٌ، ولا يجوزُ إجماعاً ثلم أعراض المسلمين بمثل ذلك، فكيف بإمام من أئمة المسلمين، وبفرض صحّة ما ذكره الخطيب من القدح عن قائله لا يعتدُّ به».
3. إن هذا الجرح صادر عن تعصب مذهبي، قال العلامة ابن عبد الهادي الحنبلي في «تنوير الصحيفة بمناقب الإمام أبي حنيفة»: «لا تغتر بكلام الخطيب، فإن عنده العصبية الزائدة على جماعة من العلماء: كأبي حنيفة وأحمد وبعض أصحابه، وتحامل عليهم بكل وجه» (¬2).
* الخامسة: أنّه جرحَه سفيانُ الثوريُّ، ويجاب عنه.
1. إن الثوري من المادحين للإمام أبي حنيفة كما نقله الحافظ ابن عبد البر (¬3)، كما سبق، فليعتمد عليه. قال سبط ابن الجوزي (¬4): «على أن مدار الطعن كله
¬
(¬1) في الخيرات الحسان 83.
(¬2) ينظر: أبو حنيفة النعمان ص220، والرفع والتكميل ص62 - 64، وغيره.
(¬3) في الانتقاء ص197 - 198.
(¬4) في الانتصار والترجيح ص12.
على سفيان الثوري، وقد افتري على سفيان، وروي أنه رجع عن ذلك وروي عنه».
2. إن مطلقَ الجرح إن كان عيباً يُترك به المجروح، فليترك البُخاري ومسلم والشافعي وأحمد ومالك ومحمد بن إسحاق صاحب المغازي وغيرهم من أجلّة أصحاب المعاني، فإن كلاًّ منهم مجروح ومقدوح، بل لم يَسْلَمْ من الجرح أصحابُ الرسول (، فهل يقول قائل: بقبول الجرح فيهم؟ كلا، والله لا يقول به من هو من أرباب العقول.
3. إن جرحَ المعاصر لا يُقبلُ في حقِّ المعاصر، لا سيما إذا كانت لتعصبٍّ أو عداوةٍ، وإلاَّ فليقبل جرح ابن معين في الشافعي، وأحمد في الحارث المحاسبيّ، والحارث في أحمد، ومالك في محمد ابن إسحاق صاحب حديث القُلّتين والقراءة خلف الإمام وغيرهم. كلا، والله لا نقبل كلامهم فيهم ونوفِّيهم حظَّهم.
قال الإمام اللكنوي: «إنّه لا يقدحُ أيضاً، فإنّه من المعاصرين، وكلامُ الأقران بعضُهم في بعض غيرُ مقبول عند الماهرين لا سيما إذا ظهرَ أنّه لتعصُّب ومنافرة، ولم يخل عن وجود الأقوال المعدّلة» (¬1).
* السّادسة: أنه طعن فيه ابن حبان، ومما قال (¬2): «أبو حنيفة الكوفي، كان أبوه مملوكاً لرجل من نجد، من بني قفل، فأعتق أبوه وكان خبَّازاً لعبد الله بن قفل، وكان أبو حنيفة جدلاً ظاهر الورع، لم يكن الحديث صناعته، حدّث بمئة وثلاثين حديثاً مسانيد، ما له حديث في الدنيا غيره، أخطأ منها في مئة وعشرين حديثاً، إما
¬
(¬1) غيث الغمام 145 - 146.
(¬2) في الضعفاء والمتروكين ص232 - 233.
قلب إسناده أو غيَّر متنه من حيث لا يعلم، فلما غلب خطؤه على صوابه استحق ترك الاحتجاج به في الأخبار.
ومن جهة أخرى: لا يجوز الاحتجاج به؛ لأنه كان داعياً إلى الإرجاء، والداعية إلى البدع لا يجوز أن يحتج به عند أئمتنا قاطبة، لا أعلم بينهم فيه خلافاً، على أن أئمة المسلمين وأهل الورع في الدين في جميع الأمصار، وسائر الأقطار، جرحوه وأطلقوا عليه القدح إلا الواحد بعد الواحد ... »، ويجاب عنها بما يلي:
1. إن هذا القدح صادر عن التعصب المذهبي المقيت، وإلا فكيف يثني عليه إمامك الشافعي، وقبله مالك وشعبة ويحيى بن سعيد ووكيع وابن معين وغيره من أهل النّقد.
2. إنّ ابنَ حبان وصفه أهل الصنعة بأنه لا يدرك ما يصدر منه، ولعلّ ذلك لفرط تعصبه، قال الحافظان الذهبي (¬1) وابن حجر (¬2): «ابن حبان ربما جرح الثقة حتى كأنه لا يدري ما يخرج من رأسه».
قال الكوثري (¬3): «والكلام في ابن حبان طويل الذيل، وأقلّ ما قيل فيه: قول ابن الصلاح: غلط الغلط الفاحش في تصرّفه، ووصفه الذهبي بالتشغيب والتشنيع، ومما يؤخذ أنه قد ذكر في كتاب «الثقات» خلقاً كثيراً، ثم أعاد ذكرهم في «المجروحين»، وادعى ضعفهم، وذلك من تناقضه وغفلته، وكثيراً ما تراه يذكر الرجل الواحد في طبقتين متوهماً كونه رجلين.
¬
(¬1) في الميزان 1: 274.
(¬2) في القول المسدد ص33.
(¬3) في تأنيب الخطيب ص146.
وطريقته في التوثيق من أوهن الطرق، وإن سبقه في ذلك شيخه ابن خزيمة، وهو جد عريق في التعصب، جامع بين التعنت البالغ والتساهل المرذول في موضع وموضع، ويصفه بعضهم بقلة الدين إلى أن رماه بعضهم بالزندقة؛ لقوله في النبوة: إنها علم وعمل، راجع ترجمته من «ميزان الاعتدال»، و «معجم ياقوت» في بست، و «المنتظم» لابن الجوزي، تستخلص منها حال الرجل في التشغيب وسوء التصرف، نعوذ بالله من الخذلان».
3. إن كبار النقاد المعتمد عليهم من أهل الإنصاف لم ينقلوا شيئاً من مثالبه في مصنفاتهم، فقد جرى على هذا المنوال المزِّي والذهبي والحسيني والبرهان الحلبي وابن حجر العسقلاني، قال الحافظ السيوطي (¬1): «والذي أقوله: إن المحدِّثين عيال الآن في الرجال وغيرها من فنون الحديث على أربعة: المزّّي، والذهبيّ، والعراقي، وابن حجر».
قال محمد عبد الرشيد النعماني بعد أن أسهب في ذكر النقولات من كتب الجرح والتعديل عن كبار أهل الصنعة (¬2): «فهؤلاء الحفاظ النقاد أئمة الجرح والتعديل لم يوردوا في تصانيفهم شيئاً مما ذكر أعداؤه وحسّاده من مطاعنه ومَثَالبه، فثبت من صنيع هؤلاء جميعاً أن كلّ ما ذكر في بعض كتب الرجال من جرحه ينبغي أن يرمى به عُرْض الحائط. ولا شك أن ما طعن أحد في قول من أقواله إلا لجهله به، إما من حيث دليله، وإما من حيث دقّة مداركه عليه، وقد أجمع السلف والخلف على كثرة علمه، وورعه، وعبادته، ودقة مداركه واستنباطه، ولا عبرة بقول الجهال والحسّاد والأعداء على كل حال».
¬
(¬1) في تذكرة الحفاظ ص348.
(¬2) في مكانة الإمام أبي حنيفة في الحديث ص114.
وقد أطال أبو غدة (¬1) في ردّ كلام ابن حبان في (22صحيفة) وفيها ما يغني المقام عن زيادة الكلام، والعظة والعبرة، لكل صاحب بصيرة.
وقال أبو غدة (¬2): «وهناك طائفة قليلة اتهموا أبا حنيفة في دينه، وادعوا استخفافه بالشريعة وصاحبها، وتلبّسه بأنواع من البدع كالبخاري، وابن الجارود، والعقيلي، وابن حبان، وابن عدي، والخطيب، وابن الجوزي .... ولكن الذهبي لم يتلفت إلى هذه الدعاوي أصلاً، ولم يرها قابلة للنقل، فهي تأتي عنده في الأقوال المطروحة لا المختلف فيها، إذ لم يعرِّج عليها ولم يشر إليها».
* السابعة: ذكر بعضهم أن البخاري قال في تاريخه: أبو حنيفة ضعيف تركوا حديثه. ولم يخرج له في «صحيحه»، ويجاب عنه:
1. إن البخاري صحب بعض المتحاملين على الإمام أبي حنيفة، كالحميدي وإسماعيل بن عرعرة وغيرهما، وتأثر بأقوالهم فيه، ودوَّن في تاريخه ما سمعه من هؤلاء المجازفين، وقد كذب محمد بن عبد الله بن الحكم الحميديَّ في كلامه في الناس (¬3).
2. إن الإمام البخاري يرى أن الإيمان يزيد وينقص، مع العلم أنه لم يصحح حديثاً في ذلك؛ لأنه ليس فيه حديث صحيح، وكان الإمام أبو حنيفة يرى: إن الإيمان عقيدة يمتلئ بها القلب فلا يتصور فيه زيادة؛ لأنه لا زيادة فوق اليقين ولا نقصان؛ لأنه إذا نقص فلا يبقى يقيناً.
¬
(¬1) في هامش الانتقاء ص232 - 254.
(¬2) في هامش الانتقاء ص247.
(¬3) ينظر: أبو حنيفة النعمان ص213 عن طبقات السبكي 1: 224، وينظر: لامع الدراري 1: 14.
فالبخاري يرى أن الأعمال جزء من الإيمان، والإمام أبو حنيفة يرى أن الإيمان هو عقد القلب على التصديق بالله تعالى والنطق بالشهادتين، أما الأعمال فليست جزءاً من الإيمان، فمن فعل المعاصي المختلفة ومات دون توبة، فإنه أمره مؤخر إلى الله تعالى، إن شاء عذبه بها بعدله، وإن شاء عفا عنه فيها بفضله، كما قال (: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [النساء:48]، لذا نرى البخاري يقول فيه: رمي بالإرجاء.
وكان البخاري (يقول: إنه لم يخرج في «صحيحه» لمَن لا يقول بزيادة الإيمان ونقصه، مع أنه كان يروي عن بعض غلاة الخوارج، مثل: عمران بن حطّان الخارجي الذي أيد عبد الرحمن بن ملجم في قتل أمير المؤمنين، باب مدينة العلم، وصهر النبي (على ابنته فاطمة، علي (، فقال:
يا ضربة من تقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ عند الله رضوانا
ومعاذ الله أن يتقرب إلى الله تعالى بقتل ابن عمّ رسول الله (، وأول صغير دخل في الإسلام، وقد روى الإمام البخاري (عن واحد وثمانين راوٍ من أهل الفرق المنحرفة، كما ذكرهم الحافظ ابن حجر في «هدي الساري»، والسيوطي في «تدريب الرواي» (¬1).
قال الحافظ الذهبي (¬2): «مسعر بن كدام حجة إمام ولا عبرة بقول السليماني كان من المرجئة مسعر، وحماد بن أبي سليمان والنعمان وعمرو بن مرة وعبد العزيز بن أبي رواد وأبو معاوية وعمرو بن ذر وسرد جماعة، فالإرجاء مذهب لعدّة من
¬
(¬1) ينظر: أبو حنيفة النعمان ص212 - 214.
(¬2) في ميزان الاعتدال 6: 409.
أجلة العلماء لا ينبغي التحامل على قائله».
فكلام البخاري في هذا الجانب إنما هو من قبل المذهب الذي مال إليه كل منهما، ولا مجال للرد بمخالفة المذهب، فلكل وجهة هو موليها (¬1).
3. إن البخاري قال في حق الإمام: تركوا حديثه، وأضاف: «روى عنه عباد بن العوام وابن المبارك وهشيم ووكيع ومسلم بن خالد ومعاوية والمقرئ»، قال العلامة وهبي غاوجي (¬2): «إن رجلاً روى عنه هؤلاء وأمثالهم، لا يقال فيه تركوا حديثه، ولا ينبغي ذلك».
4. إن كلام البخاري وقع منه بسبب الخلاف المذهبي لا غير، وذلك لا يعد قدحاً، ولا يجعل الإمام موضع اتهام بحال، قال التاج السبكي: «ومما ينبغي أن يتفقد عند الجرح حال العقائد واختلافها بالنسبة إلى الجارح والمجروح، فربما خالف الجارح المجروح في العقيدة فجرحه لذلك، وقد أشار شيخ الإسلام وسيد المتأخرين تقي الدين بن دقيق العيد في كتابه «الاقتراح» إلى هذا، وقال: «أعراض المسلمين حفرة من حفر النار، وقف على شفيرها طائفتان من الناس: المحدثون والحكام ... ومن أمثلة ما قدمنا قول بعضهم في البخاري: تركه أبو زرعة وأبو حاتم من أجل مسألة اللفظ».
5. إن البخاري وغيره لم يهتموا بالتخريج للأئمة الفقهاء المشهورين، وإنما خرجوا ما خرجوا لمن خشوا فوات حديثه إذا تركوا روايته، ولم يرووا أو لم يكثروا عمن له تلامذة يروون حديثه ويتناقلونه (¬3).
¬
(¬1) ينظر: الإمام أبو حنيفة ص216، وغيره.
(¬2) في أبي حنيفة النعمان ص216 - 217.
(¬3) ينظر: الإمام أبو حنيفة النعمان ص206، وغيره.
قال الكوثري (¬1): «ومما يلفت إليه النظر أن الشيخين لم يخرجا في الصحيحين شيئاً من حديث الإمام أبي حنيفة (مع أنهما أدركا صغار أصحابه، وأخذا عنهم، ولم يخرجا أيضاً من حديث الإمام الشافعي مع أنهما لقيا بعض أصحابه، ولا أخرج البخاري من حديث أحمد إلا حديثين أحدهما تعليقاً، والآخر نازلاً بواسطة مع أنه أدركه ولازمه، ولا أخرج مسلم في صحيحه عن البخاري شيئاً مع أنه لازمه ونسج على منواله، ولا عن أحمد إلا قدر ثلاثين حديثاً، ولا أخرج أحمد في مسنده عن مالك عن نافع بطريق الشافعي ـ وهو أصح الطرق أو من أصحها ـ إلا أربعة أحاديث، وما رواه عن الشافعي بغير هذا الطريق لا يبلغ عشرين حديثاً مع أنه جالس الشافعي، وسمع موطأ مالك منه، وعد من رواة القديم.
والظاهر من دينهم وأمانتهم أن ذلك من جهة أنهم كانوا يرون أن أحاديث هؤلاء في مأمن من الضياع لكثرة أصحابهم القائمين بروايتها شرقاً وغرباً، وجل عناية أصحاب الدواوين بأناس من الرواة ربما كانت تضيع أحاديثهم لولا عنايتهم بها؛ لأنه لا يستغنى من بعدهم عن دواوينهم في أحاديث هؤلاء دون هؤلاء، ومن ظن أن ذلك لتحاميهم عن أحاديثهم أو لبعض ما في كتب الجرح من الكلام في هؤلاء الأئمة كقول الثوري في أبي حنيفة، وقول ابن معين في الشافعي، وقول الكرابيسي في أحمد، وقول الذهلي في البخاري ونحوها، فقد حملهم شططاً، وهذا البخاري لولا إبراهيم بن معقل النسفي وحماد بن شاكر الحنفيان لكان ينفرد الفربري عنه في جميع الصحيح سماعاً، كما كاد أن ينفرد إبراهيم بن محمد بن سفيان الحنفي عن مسلم سماعاً بالنظر إلى طرق سماع الكتابين من عصور دون طرق
¬
(¬1) في هامش شروط الأئمة الخمسة ص63.
الإجازات فإنها متواترة إليهما عند من يعتد بالإجازة كما لا يخفى على من عني بهذا الشأن».
ويرى الكوثري أن سبب انحراف البخاري عن الحنفية (¬1): «كان البخاري نظر في الرأي وتفقّه على فقهاء بخارى من أهل الرأي، ومن أوائل شيوخه: أبو حفص الكبير، ولما رحل البخاري وعاد إلى بخارى، حسده علماء بلده، شأن كل من يرتحل للعلم ويعود إلى أهله بالجمّ منه، حتى أمسكوا له فتوى كان أخطأ فيها، فأخرجوه من بخارى بسببها، وأبو حفص الصغير ـ ولد أبي حفص الكبير ـ هو صاحب القصّة في إخراج البخاري من بخارى.
فلما أخرجوه من بخارى بسبب تلك الفتوى انقلب عليهم، وجرى بينه وبينهم ما جرى كما سبق للبخاري مثيله مع المحدثين في نيسابور، فأخذ يبدي بعض تشدّد
نحوهم في كتبه، مما هو من قبيل نفثة مصدور، لا تقوم بها الحجة، ويرجى عفوها له ولهم، سامحهم الله تعالى».
وقال اللكنوي (¬2): «خلاصة المرام في هذا المقام: أنّه لا شبهةَ في كونِ أبي حنيفة ثقةٌ، وكونِ روايته معتبرةٌ مصححةٌ، والجروحُ الواقعةُ عليه: بعضُها: مبهمةٌ. وبعضُها: صادرةٌ من أقرانه. وبعضُها: من المتعصِّبين المخالفين له. وبعضُها: من المشدِّدين المتساهلين. فكلُّها غيرُ مقبولةٍ عند حُذَّاق العلماء، وإن آمن بها جمعٌ من السفهاء، فاحفظ هذا كلَّه بقوة الحافظة، ينفعُك في الدنيا والآخرة».
¬
(¬1) في حسن التقاضي ص86 - 89.
(¬2) في غيث الغمام 146.
ونختم كلامنا بعد ذكر الطاعنين بكلمة لطيفة لمحدث العصر شبير العثماني فيما ينبغي على المسلم أن يكون عليه من النظر لعلمائه رغم ما ورد منهم في بعضهم (¬1): «اعلم أن الذين طعنوا في إمامنا أبي حنيفة، وتحاملوا عليه من أكابر أقرانه، لا نظنّ بهم إلا خيراً، فإن المؤمن الغيور الصادق في نيّته، إذا بلغه عن أحد من المعروفين شيء، يزعم فيه أن القول به يرادف هدم الدين، وردّ أحاديث سيد المرسلين (وإن لم يكن الواقع كذلك تأخذه غيرةٌ دينيّة، وحَميّة إسلامية، ينشأ عنها غضب في الله تعالى على ذلك القائل وإبغاضه لوجه الله تعالى.
فيحمله على الوقيعة وإغلاظ القول فيه، والتكلّم بمستشنعات الأقوال في حقه، ظناً منه أنه بصنيعه هذا مناضل عن الدين، وذابّ عن حوض الشريعة.
ومثاله ما تكلم به مسلم في حق البخاري في بحث اشتراط اللقاء في مقدمة «صحيحه»، ظناً منه أن الأصل الذي أصله البخاري إن سلّم صحته لكان مستلزماً لرد ذخيرة من الأحاديث الصحيحة وتوهينها، فاشتد نكيره على تلك المقال وقائلها بأشنع ما يمكن، ومع هذا فعامّة الشرّاح قد رجحوا مذهب البخاري وصوبوه ولم يلوموا مسلماً في تشديده وتغليظه (¬2).
وهكذا ما جرى بين الصحابة من المشاجرات والفتن، بناء على التأويل والاجتهاد، فإن كل فريق ظنّ أن الواجب ما صار هو إليه، وأنه أوفق للدين، وأصلح لأمور المسلمين، فلا يوجب ذلك طعناً فيهم، وانظر في قصة موسى مع
¬
(¬1) في فتح الملهم بشرح صحيح مسلم 1: 73.
(¬2) قال عبد الفتاح أبو غدة في هامش الانتقاء ص272: الصحيح أن مسلماً يعنى بكلامه علي بن المديني كما بينته في آخر الموقظة للذهبي ص134 - 140.
هارون عليهما السلام، وتأمل فيها تجد فيها شفاء لما يتخالج في الصدور من مشاجرات الصحابة ومناقشات الأئمة الثقات .... ».
* ... * ... *
المبحث الثاني
بلوغ أبي حنيفة أعلى درجة علمية اجتهادية
تميهد:
نعرض في هذا المبحث شرط المجتهد المطلق استيعاب السنة، واعتماد كبار الحفاظ في عصر أبي حنيفة على اجتهاده الفقهي، ودفاع تلامذته عن مذهبه، وإظهار علماء المذاهب للمكانة العلمية له في المطالب الآتية:
* ... * ... *
المطلب الأول
شرط المجتهد المطلق استيعاب السنة
إنّ أبا حنيفة وصل إلى درجة الاجتهاد المطلق، وهي أعلى درجةٍ علميةٍ يصل إليها العالم، وهي تقتضي أن يكون بلغ في العلوم الكمال، وأَوَّل متطلبات الاجتهاد معرفة أحاديث النَّبي؛ لأنها أساس الاجتهاد ومبناه، ولا يُمكن أن يكون اجتهاد بدونها.
قال الحسن بن صالح: «كان أبو حنيفة شديد الفحص عن الناسخ من الحديث والمنسوخ، فيعمل بالحديث إذا ثبت عنده عن النبي (وعن أصحابه، وكان عارفاً بحديث أهل الكوفة وفقه أهل الكوفة، شديد الاتباع لما كان عليه الناس ببلده، وقال: كان يقول: إن لكتاب الله ناسخاً ومنسوخاً، وإنّ للحديث ناسخاً ومنسوخاً، وكان حافظاً لفعل رسول الله (الأخير الذي قبض عليه مما وَصَل إلى أهل بلده» (¬1).
وقال يحيى بن آدم: «جمع أبو حنيفة حديث بلده كله، ونظر فيه إلى آخر ما قبض عليه النّبيّ (» (¬2).
¬
(¬1) ينظر: أثر الحديث ص121.
(¬2) ينظر: أثر الحديث الشريف ص121 عن إنجاء الوطن ص10.
وقال أبو يوسف: «كان أبو حنيفة إذا صَمَّم على قول دُرْتُ على مشايخ الكوفة، هل أجد في تقوية قوله حديثاً أو أثراً؟ فرُبّما وجدت الحديثين والثَّلاثة، فأتيته بها، فمنها ما يقول فيه: هذا غيرُ صحيح، أو غيرُ معروف، فأقول له: وما علمك بذلك مع أنه
يوافق قولك؟ فيقول: أنا عالم بعلم أهل الكوفة» (¬1).
فاعتراف الأمة بأن أبا حنيفة إمام المجتهدين، فقد قال الشافعي: «الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة»، ولا يكون بلغ هذه الرتبة، وهو لا يدرك أول مراتب الاجتهاد، وهي معرفة المأثور عن رسول الله (، فلا يخفى عليه سنة رسول الله (، قال ابن المبارك: «ما تكلم أبو حنيفة بشيء إلا بحجة من كتاب الله أو سنة نبيه (» (¬2).
وقال أبو حنيفة: «ليس لأحد أن يقول برأيه مع كتاب الله تعالى، ولا مع سنة رسول الله (، ولا ما أجمع عليه الصحابة (، وأما ما اختلفوا فيه فنتخير من أقوالهم أقربه إلى كتاب الله والسنة ونجتهد، وما جاوز ذلك فالاجتهاد بالرأي بوسع الفقهاء من عرف الاختلاف وقاس وعلى هذا كانوا» (¬3).
وعن الفضيل بن عياض قال: «كان أبو حنيفة إذا وردت عليه مسألةٌ فيها حديث صحيح اتبعه، وإن كان عن الصَّحابة والتابعين فكذلك، وإلا قاس فأحسن القياس» (¬4).
¬
(¬1) ينظر: أثر الحديث ص119 عن الخيرات الحسان ص61.
(¬2) ينظر: عقود الجمان ص175.
(¬3) ينظر: عقود الجمان ص175.
(¬4) ينظر: العقود الجمان ص172.
المطلب الثاني
اعتماد كبار الحفاظ في عصر أبي حنيفة على اجتهاده الفقهي
إن للفقه درجة رفيعة في العلم الشرعي لا يصل إلى منتهاها إلا أفراد قلائل فتح الله عليهم بالعلم، بعد أن اجتهدوا كثيراً في تحصيله، وجمع أدواته، والنظر في أدلته واستيعابها والجمع بينهما.
فالمجتهد المطلق لا يتكلم إلا بحجة ودليل، وإن لم نقف لدليل على قوله، فإن قوله يعدّ دليلاً؛ لأنه لا يكون إلا عن فهم صحيح أو دليل صريح، قال ابن المبارك: «قول أبي حنيفة عندنا كالأثر عن رسول الله (إذا لم نجد أثراً» (¬1)، وقال: «لا تقولوا رأي أبي حنيفة، ولكن قولوا: إنه تفسير الحديث» (¬2).
وقال حميد البصري: كنت عند أحمد بن حنبل نتذاكر في مسألة فقال رجل لأحمد: يا أبا عبد الله لا يصح فيه حديث، فقال: إن لم يصح فيه حديث ففيه قول الشافعي، وحجته أثبت شيء فيه، ثم قال: قلت للشافعي: ما تقول في مسألة كذا وكذا؟ قال: فأجاب فيها فقلت: من أين قلت: هل فيه حديث أو كتاب، قال: بلى فنزع في ذلك حديثاً للنبي (وهو حديث نص (¬3).
¬
(¬1) ينظر: عقود الجمان ص189.
(¬2) أثر الحديث ص133\المنهاج عن ذيل الطبقات المضية للقاري2: 460.
(¬3) ينظر: التمذهب ص265 عن تاريخ دمشق51: 351، وتاريخ بغداد2: 66.
ولما كان قول المجتهد إخبار عن حكم الشارع الحكيم فلا بد أن يكون مستنداً إلى دليل، قال المطيعيّ (¬1): «كل حكم من تلك الأحكام كان مأخوذاً من الأدلة الأربعة صريحاً أو اجتهاداً على وجه صحيح، فهو حكم الله وشرعُه وهديُ محمد (الذي أمرنا الله باتباعه؛ لأنّ رأيَ كلِ مجتهد شرع الله في حقّه، وحق كلّ مَن قلَّده»، وقال الشَّاطبيُّ (¬2): «المفتي قائمٌ في الأمّة مقام النّبيّ (».
وبلغ أبو حنيفة من المكانة في الاجتهاد والثقة عند حفاظ ومحدثي عصره أنهم كانوا يعتمدوا على رأيه واجتهاده فيما يلزمهم من أحكام الشرع» (¬3).
وقال أبو يوسف: «سفيان الثوري أكثر متابعة لأبي حنيفة مني» (¬4).
وقال يحيى بن سعيد القطان: «لا نكذب الله تعالى ما سمعنا أحسن من رأي أبي حنيفة، ولقد أخذنا بأكثر أقواله، وقال يحيى بن معين: وكان يحيى بن سعيد يذهب في الفتوى قول الكوفيين، ويختار قول أبي حنيفة من أقوالهم ويتبع رأيه من بين أصحابه» (¬5).
وقال علي بن مسهر: «خرج الأعمش إلى الحجّ، فشيعه أهل الكوفة وأنا فيهم، فلما أتى القادسية رأوه مغموماً فسألوه عن ذلك، فقال أعلي بن مسهر شيعنا؟ قالوا: نعم، قال: ادعوه لي فدعوني، وكان يعرفني بمجالسة الإمام أبي
¬
(¬1) في أحسن الكلام ص6، كما في أثر الحديث ص131ـ132\المنهاج.
(¬2) في الموافقات5: 253.
(¬3) ينظر: عقود الجمان ص196.
(¬4) ينظر: عقود الجمان ص191.
(¬5) عقود الجمان ص195.
حنيفة، فقال لي: ارجع إلى المصر ـ يعني الكوفة ـ وسل أبا حنيفة أن يكتب لي المناسك، فرجعت وسألته فأملى عليّ ثم أتيت بها الأعمش» (¬1).
وهذا لأنه لا يستقيم الحديث إلا باستعمال الرأي فيه، بأن يدرك معانيه الشرعية التي هي من مناط الأحكام، ولا يستقيم العمل بالرأي إلا بانضمام الحديث إليه، قال إبراهيم النخعي: «لا يستقيم رأي إلا برواية، ولا رواية إلا برأي» (¬2)، وهي الطريقة المثلى في الأخذ بالحديث والرأي.
مثال الأول: أن بعض المحدثين سئل عن صبيين ارتضعا على لبن شاة هل تثبت بينهما حرمة الرضاع؟ فأجاب بأنها تثبت عملاً بما ورد عن النبي (أن الرضاع يكون بين الآدميين (¬3)، فأخطأ بفوات الرأي، وهو أنه لم يتأمل أن الحكمَ متعلّقٌ بالجزئية والبعضية، وذلك إنما يثبت بين الآدميين لا بين الشاة والآدمي.
ومثال الثاني: أن الرأي أن لا تنقض الطهارة بالقهقهة في الصلاة؛ لأنها ليست بخارج نجس، كما أنها ليست بحدث خارج الصلاة، لكن ثبت بحديث الأعرابي أنّها حدثٌ، فوجب ترك الرأي، والصوم إنما يفسد بما يدخل لكن ثبت بالحديث أنه مفسد للصوم فترك الرأي به، فثبت أنّ كلّ واحدٍ لا يستقيم بدون الآخر (¬4).
* ... * ... *
¬
(¬1) ينظر: الانتقاء ص195،وعقود الجمان ص181.
(¬2) في حلية الأولياء 4: 225، وغيره.
(¬3) فعن ابن عباس (قال (في بنت حمزة (: «لا تحلّ لي، يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، هي بنت أخي من الرضاعة» في صحيح مسلم2: 1072.
(¬4) ينظر: عقود الجمان ص403.
المطلب الثالث
دفاع تلامذة أبي حنيفة عن مذهبه
إن دفاع تلامذته عن مذهبه في الحديث رغم أنهم سافروا في طلب الحديث من الأئمة الآخرين واشتهروا به ولم يقتصروا على علم أبي حنيفة.
فأبو يوسف أبرز تلاميذ أبي حينفة يقول عنه يحيى بن معين: «ما رأيت في أصحاب الرأي أثبت في الحديث ولا أحفظ ولا أصحّ رواية من أبي يوسف» (¬1).
وأبو يوسف رغم هذا المقام الرفيع الذي بلغه في الحديث وفي العلم والقضاء إلا أنه بقي مدافعاً عن علم أبي حنيفة، وهذا لثقته بثبوته واعتماده على سنّة النَّبيّ (، فهو ناشر المذهب في المعمورة؛ لأنه كان أول من تولى منصب قاضي القضاة في الإسلام، فعيّن القضاة من تلاميذه وتلاميذ أبي حنيفة في أرجاء الدولة الإسلامية العبَّاسيّة في زمن هارون الرَّشيد، فكان سبباً لانتشار المذهب وشيوعه وتطبيقه والعمل به، وهو القائل: «ما رأيت أعلم بتفسير الحديث من أبي حنيفة، وكان أبصرَ بالحديث الصَّحيح منّي» (¬2)، وهو تصريحٌ منه بالمكانةِ التي وصلها أبو حنيفة في الحديث.
¬
(¬1) أثر الحديث الشريف ص119 عن مناقب الذهبي ص40.
(¬2) أثر الحديث الشريف ص119 عن الخيرات الحسان ص25و61.
وألفّ أبو يوسف كتاباً يرد فيه على الأوزاعي في مسائل اعترض فيها على أبي حنيفة، وبين فيه للأوزاعي أنّ اعتراضك في غير محلّة؛ لاعتماد أبي حنيفة على سنّة مأثورة في ذلك، حيث خفي على الأوزاعي مأخذ أبي حنيفة، والكتاب مطبوع.
وأمّا محمد بن الحسن الشيباني فذهب إلى المدينة وسمع «الموطأ» على مالك ولم يترك مذهب أبي حنيفة؛ لأنه مذهب مبني على السنة ومستوعباً لها، ولو كان غير ذلك لتركه واتبع مذهب مالك، بل نجده يروي «موطأ مالك» مع بيان قول الحنفية فيه بأخذهم بما روى مالك، وعدم أخذهم لبعضه، وبيان حجتهم فيما لم يأخذوا مما روى مالك حيث زاد فيه ما يقارب (175) حديثاً، وألف كتاباً سمّاه «الحجة على أهل المدينة» ملأه بمئات الآثار التي يحتج فيها للحنفية على أهل الكوفة، وكلّ هذا لثقته الكاملة بمذهبه واحاطته بسنته (.
* ... * ... *
المطلب الرابع
إظهار علماء المذاهب للمكانة العلمية لأبي حنيفة
العناية ببيان مناقب أبي حنيفة وفضائله وأخباره من قبل كبار العلماء عبر التاريخ، فألفت مئات المؤلفات في الترجمة له من علماء مذهبه وغيرهم؛ لبيان المكانة الكبيرة التي بلغها في العلم والاجتهاد والفضل، واعترافاً باجتهاده وجهوده وخدمته الهائلة للشريعة، فيكاد أن يكون أكثر شخصية بعد النبي المصطفى (كتبت الكتب في سرد سيرته وبيان أحواله وإظهار مرتبته ودرجته، ومن هذه الكتب:
1. «مناقب أبي حنيفة» لأحمد بن الصَّلت بن المفلّس الحِمّاني الحنفي، (ت308هـ).
2. «مناقب أبي حنيفة» لأبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي (ت321هـ).
3. «أخبار أبي حنيفة» لمحمد بن عبيد الله بن بهلول بن همام بن المطلب بن بحر بن مطر بن قرة الشيباني البغدادي، (ت335هـ).
4. «كشف الأسرار الشريفة في مناقب أبي حنيفة» لعبد الله بن محمد الحارثيّ البُخاري السُّبَذْمُوني، (ت340هـ).
5. «مناقب الإمام أبي حنيفة» لأبي أحمد محمد بن أحمد بن شعيب بن هارون الشُّعيبي النيسابوري الحنفي، (ت357هـ).
6. «مناقب أبي حنيفة» لابن الدخيل المصري (ت388هـ) ردّ فيه على العقيلي في تهجمه على أبي حنيفة.
7. «أخبار أبي حنيفة وأصحابه» لحسين بن علي الصيمري الحنفي، (ت436هـ).
8. «البيان والبرهان فى جمل من فضائل الإمام الأعظم» لأبي بكر عتيق بن داود اليماني، (ت460 هـ).
9. «الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء» لأبي عمر يوسف بن عبد البر المالكي الأندلسي، (ت463هـ).
10. «شقائق النعمان في مناقب أبي حنيفة النعمان» لمحمود بن عمر بن محمد الخورازمي الزَّمَخْشَرِيّ الحنفي، (ت538هـ).
11. «فضائل أبي حنيفة» لأبي القاسم عبد الله بن محمد بن أحمد بن يحيى السعدي، (توفي فى القرن الخامس الهجرى).
12. «الروضة العالية المنيفة في فضائل أبي حنيفة» لأبي القاسم عبد الله بن عمر بن يحيى بن عبد العليم اليمني، (ت553هـ).
13. «قلائد عقود الدرر والعقيان في مناقب أبي حنيفة النعمان» لأبي القاسم عبد الله بن عمر بن يحيى بن عبد العليم اليمني، (ت553هـ).
14. «المواهب الشريفة في مناقب أبي حنيفة» لأبي الحسن علي بن زيد بن محمد البيهقي، (ت 565هـ).
15. «مناقب أبي حنيفة» للموفق بن أحمد بن إسحاق المكي الخوارزمي، (ت568هـ).
16. «مناقب أبي حنيفة وأخبار أصحابه» لأبي الحسن الدّينوري، (توفي فى القرن السادس).
17. «مناقب أبي حنيفة» لشمس الأئمة محمد بن عبد الستار الكردري الحنفي، (ت642هـ).
18. «مناقب الإمام أبي حنيفة»، لمحمد بن محمد بن النقيب، (ت بعد 745 هـ).
19. «مناقب أبي حنيفة وصاحبيه» لمحمد بن أحمد الذهبي الشافعي، (ت748هـ).
20. «طبقات أصحاب أبي حنيفة» لصلاح الدين عبد الله بن محمد ابن إبراهيم بن المُهَنْدِس، (ت 769 هـ).
21. «البُستان في مناقب النعمان» لعبد القادر ابن أبي الوفاء القرشي الحنفي، (ت775هـ).
22. «الحر النفيس في مناقب أبي حنيفة» لعبد الله بن سعد الله بن عبد الكافي المصري، ثم المكي، المعروف بالحرفوش، (ت801هـ).
23. «نظم الجمان في طبقات أصحاب إمامنا النُّعمان» لصارم الدين إبراهيم بن محمد بن ايدمر بن دُقماق القاهري المِصري، (ت 809 هـ).
24. «مناقب الإمام أبي حنيفة» لمحمد بن محمد بن شهاب بن يوسف الكردري البريقينى البزازي الخوارزمي، (ت827هـ).
25. «تحفة السلطان في مناقب النعمان» ليوسف بن محمد بن شهاب، المعروف بأهلي بالفارسي لشاهرخ، (ت839هـ).
26. «مناقب أبي حنيفة» لعمر بن عبد المحسن الأَرْزنجاني الحنفي، (ت بعد: 871هـ).
27. «تنوير الصحيفة في مناقب أبي حنيفة» ليوسف بن حسين بن عبد الهادي الحنبلي، الشهير بابن المبرد، (ت909هـ).
28. «تبييض الصحيفة في مناقب أبي حنيفة» لجلال الدين السيوطي، (ت911هـ).
29. «عقود الجمان في مناقب أبي حنيفة النعمان» لمحمد بن يوسف الدمشقي الصالحي الحنفي، (ت942هـ).
30. «الخيرات الحسان في مناقب أبي حنيفة النعمان» لأحمد بن علي ابن حجر الهيتمي، (973هـ).
31. «معدن التواقيت الملتمعة في مناقب الأئمّة الأربعة» لأحمد بن علي ابن حجر الهيتمي، (973هـ).
32. «الحِياض من صوب غمام الفَيَّاض في مناقب أبي حنيفة» لأحمد بن حميد المطرفي المغربي المالكي، (ت1001هـ).
33. «مناقب أبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومحمد بن الحسن» لمحرم بن محمد الزيلعي السيواسي ثم القسطموني الحنفي الخلوتي، (ت1007هـ).
34. «مناقب أبي حنيفة وأصحابه» لعلي القاري الحنفي، (1014هـ).
35. «الشذرة اللطيفة في شرح جملة من مناقب الإمام أبي حنيفة» لأحمد بن محمد الغنيمي الخزرجي الأنصاري، (ت1044هـ).
36. «الدّر المنظّم في مناقب الإمام الأعظم» لنوح بن مصطفى الرومي المصري، (ت1070 هـ).
37. «مناقب الإمام أبي حنيفة» لمحمد بن إبراهيم بن أحمد بن سنان بن محمود الأدرنه وي الحنفي، الملقب بكامي، (ت1136هـ).
38. «إتحاف المهتدين بمناقب أئمة الدين (الأربعة)» لأحمد بن عبد المنعم بن خيام الدمنهوري، (ت1192 هـ).
39. «شقائق النعمان في مناقب أبي حنيفة النعمان» لداود بن سليمان بن جرجيس البغدادي الشافعي، (ت1231هـ).
40. «الكلمات الحسان في مكانة أبي حنيفة النعمان» لأبي الحسنات عبد الحي، (ت1304هـ)، جمع وترتيب وتعليق الدكتور صلاح ابو الحاج.
41. «مناقب الإمام أبي حنيفة» لحسين عبد الله البشدري، (ت1324هـ).
42. «مواهب الرحمن في مناقب الإمام أبي حنيفة النعمان» لإسماعيل حقي ابن عبد الله المناستري الرومي، (ت1330هـ).
43. «مناقب الإمام أبي حنيفة» لأبي يحيى زكريا بن يحيى بن الحرث السجزي النيسابوري.
44. «مناقب أبي حنيفة» لأنوار الله بن شجاع الدين العمري الحنفي، (ت1336هـ).
45. «مكانة الإمام أبي حنيفة في الحديث» لمحمد عبد الرشيد النعماني، (ت1417هـ).
46. «فضائل الإمام أبي حنيفة» لأبي القاسم علي بن محمد بن كأس.
47. «مناقب الإمام أبي حنيفة» لسليمان بن عبد الرحمن بن محمد، مستقيم الرومي الحنفي، الشهير بمستقيم زاده، (ت 1202هـ).
48. «إنجاء الوطن عن الإزدراء بإمام الزمن» في ترجمة أبي حنيفة وأصحابه وتلامذته؛ لطفر أحمد العثماني، (ت1394هـ).
49. «مناقب الإمام أبي حنيفة» لأبي الفضل يحيى بن الربيع بن محمد العبدي.
50. «مناقب الإمام أبي حنيفة» لأبي يعقوب يوسف بن أحمد بن الرُّخَيل الصَّيدلاني.
51. «مناقب أبي حنيفة» لعبد الغفور بن حسين بن علي الألمعي.
52. «النوادر المنيفة بمناقب الإمام أبي حنيفة» لعبد الأول الجنبوري.
53. «حياة الإمام أبي حنيفة» للسيد عفيفي.
54. «أبو حنيفة حياته وعصره، آراؤه وفقهه» لمحمد أبو زهرة.
55. «أبو حنيفة والقيم الإنسانية» لمحمد يوسف موسى.
56. «مكانة الإمام أبي حنيفة بين المحدثين» للدكتور محمد قاسم عبده الحارثي.
57. «أبو حنيفة النعمان إمام الأئمة الفقهاء» لوهبي سليمان غاوجي.
58. «مكانة أبي حنيفة في الفقه والحديث» لمحمد حفظ الله الكملاني.
59. «منازل الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد» ليحيى بن إبراهيم السلماسي.
60. «أبو حنيفة بطل الحرية والتسامح في الإسلام» لعبد الحليم الجندي.
61. «إمام الأئمة الفقهاء أبو حنيفة النعمان» للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج.
وهذه العناية التي رأيناها لأبي حنيفة نجد قريباً منها كان للمجتهدين في المذاهب الأخرى، وهذا اعترافٌ من العلماء بالمنزلة الرفيعة التي وصلوا إليها، ولا يمكن أن يكون هذا إلا بالاجتهاد الكامل التام منهم، ولا يتحقق مثله إلا بالاستيعاب للسُّنة النَّبوية الشَّريفة.
* ... * ... *
المبحث الثالث
المذهب الحنفي علم متكامل
تمهيد:
نعرض فيه شمول المذهب لعلم مدرسة علمية، واستيعاب المجتهدين لعلم الأمصار، نبين أن المذهب الحنفي هو الإسلام العملي، ونظهر متابعة من أئمة الإسلام لأبي حنيفة في المطالب الآتية:
* ... * ... *
المطلب الأول
شمول المذهب لعلم مدرسة علمية
إنّ المذاهب ليست علم شخص وفتواه، وإنما هي مدارس بدأت من الصحابة (واستمرت، فمثلاً مدرسة الكوفة كان فيها كبار فقهاء الصحابة (كابنِ مسعود وعليِّ (ومعهم سبعين بدرياً وألف وخمسمائة صحابيّ، فلو خفي الحديث عن أحدِهم فلا يخفى عن الآخر، فكيف يخفى عن هذا المجموع المبارك، ولا يُقبل أن يكون كل هؤلاء الصَّحابة فاتهم شيء من سنة المصطفى، وبالتالي يكون نقل السنة إلى الكوفة في عصر الصَّحابة (كاملاً.
قال الدكتور مصطفى الخن (¬1): «ولكنَّ المشكلة: الظنّ بأنَّ أئمة المذاهب هم واضعوها!! والواقع أنَّ أبا حنيفة متبع لإمامه ابن مسعود (، ومالك لإماميه ابن عمر وابن عباس (، والشافعي لهؤلاء .. والصحابة (هم الذي اصطفاهم الله (لتبليغ الرسالة وحمل الأمانة التي بلَّغها رسول الله ( ... وما فعله الأئمة إنَّما هو تحرير لقواعدهم ولأصولهم الاجتهادية، والتي تخيروها وفق ما فهموه مِنَ الكتاب والسنة وأقوال الصحابة واجتهاداتهم ... ».
¬
(¬1) في تقديمه لكتاب التمذهب ص7.
ولو قلنا: ممكن أن يفوتهم بعض الأحاديث فقد جاءت طبقة التَّابعين، الذين حملوا علم صحابة الكوفة بتمامه وكماله، حتى قال ابنُ مسعود (لعلقمة النَّخعيّ: «ما أقرأ شيئاً وما أعلم شيئاً إلا وعلقمة يعلمه» (¬1)، وأضافوا إليه علم صحابة المدينة ومكة والشَّام وغيرها من الأمصار حيث طافوا البلاد في تلقي العلم، مثل: مسروق، وعلقمة النَّخعي، والأسود النَّخعي، وإبراهيم النَّخعي، والشَّعبي، وسعيد بن جبير، والأعمش وغيرهم.
قال الأعمش: «قال لي حبيب بن أبي ثابت ـ وهو كوفي أيضاً ـ أهل الحجاز وأهل مكة أعلم بالمناسك، قال الأعمش: فقلت له: فأنت عنهم ـ أي تكون نائباً عنهم في المناظرة ـ وأنا عن أصحابي ـ أي أهل الكوفة ـ لا تأتي بحرف إلا جئتك فيه بحديث» (¬2).
فتكوَّنت حصيلة علمية في الكوفة لا مثيل لها، بجمع كل ما ورد عن النبي (والفهم الصَّحيح له من قبل كبار الصَّحابة والتَّابعين (، وفي مثل هذه المدرسة العريقة وُجد أبو حنيفة، فجمع علمَهم ورتبه وهذَّبه وقعَّده وأصَّله وأخرج منه مذهب الإسلام العملي التطبيقي.
فهل يمكن لهذا المذهب أن يخفى فيه حديث، وهو مذهب مدرسة لا فرد.
* ... * ... *
¬
(¬1) ينظر: معرفة القراء الكبار1: 27، وغاية النهاية في طبقات القراء1: 516.
(¬2) ينظر: أثر الحديث ص120 عن الحلية ص5: 47.
المطلب الثاني
استيعاب المجتهدين لعلم الأمصار
إنّ أبا حنيفة لم يقتصر على علم الكوفة الذي استوعب سنة النَّبيّ (كما سبق، ولكن حجّ خمسين حجّة (¬1)، فكان يلتقي بعلماء الأرض في موسم الحجّ، فيضمّ علم أمصارهم إلى علم الكوفة، وذكر أنه لما اضطره يزيد بن هبيرة على القضاء تخفى وأقام في مكة والمدينة سنوات.
ومعلوم أنّ كلّ العلماء يأتونهما لأداء المناسك والتَّعبُّد، حتى لم يحتج مالك للرِّحلة في طلب العلم؛ لأنّ العلماءَ يأتون إلى المدينةِ فيمكنه أن يتلقى العلم منهم بلا سفر، وفي حجّ أبي حنيفة وإقامته سنوات في الحجاز جمع لعلم علماء الأمصار، فيُضاف إلى علم الكوفة، فلا يُمكن أن يفوته شيءٌ من سنة المصطفى (.
* ... * ... *
¬
(¬1) ينظر: الدر المختار1: 13.
المطلب الثالث
المذهب الحنفي هو الإسلام العملي
إنّ قَبول المذهب الحنفي جملةً وتفصيلاً عبر التّاريخ، فعامّةُ دول الإسلام حكمت به، حتى اعتبر أنّه الإسلام العملي التطبيقي الذي يعاش ويطبق، فقد طبقته الدولة المتعاقبة التي حكمت المسلمين، بدءاً من الدولة العباسية التي استمرت قروناً، وانتهاءً بالدولة العثمانية التي حكمت عدة قرون، ومروراً بالدولة السلجوقية والمملوكية والغزنوية وغيرها من دول الإسلام العريقة عبر التاريخ التي اعتمدت اعتماداً رئيسياً على المذهب الحنفي في قضائها وتنظيم أحكامها وسياسة جيوشها وبناء علاقتها مع غيرها من دول العالم.
وهذا القبول يمثل إجماعاً من الأمة، وهذه الأمة الخيرة كما قال (: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران:110]، لا يمكن أن تجتمع على ضلال، فعن ابن عمر (، قال (: «إنَّ اللهَ تعالى لا يجمع أمَّتي على ضلالة» (¬1)، وعن أنس (، قال (: «إنَّ أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافاً فعليكم بالسَّواد
¬
(¬1) في سنن الترمذي4: 466،ومسند أحمد 6: 396، والمستدرك1: 201، ومعجم الطبراني2: 28.
الأعظم» (¬1)، فيكون ما أجمعوا عليه نال القبول والرِّضى من ربّ الأرباب.
وهذا القبول والإجماع كان للمذهب بفروعه حتى أصبحت قوانين وتشريعات في المجتمعات المسلمة، ومثل هذا لا يكون إلا لعلم أحاط بسنة الحبيب (.
* ... * ... *
¬
(¬1) في سنن ابن ماجه2: 1303، ومسند الشَّاميين 3: 196، ومسند عبد بن حميد 1:367، والكامل 6: 328، وغيرها.