الجزء 1 · صفحة 1
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
كلية الدراسات العليا
قسم الفقه الحنفي وأصوله
الصحابي عبد الله بن مسعود وأثره في الفقه الحنفي
«دراسة فقهية»
Abdullah bin Masood and its Impact on the Hanafi jurisprudence
"Doctrinal Study"
إعداد:
أحمد محمد حسن حسان
إشراف:
أ. د. صلاح محمد أبو الحاج
قدمت هذه الرسالة استكمالا لمتطلبات درجة الماجستير
في الفقه الحنفي وأصوله في جامعة العلوم الإسلامية العالمية
تاريخ المناقشة: عمّان 15/ 6/2021م
ملخصٌ الرسالة باللغةِ العربية
الصحابي عبد الله بن مسعود وأثره في الفقه الحنفي
«دراسة فقهية»
إعداد
أحمد محمد حسن حسان
إشراف
أ. د. صلاح محمد أبو الحاج
نوقشت هذه الرسالة وأجيزت بتاريخ: 15/ 6/ 2021م
الكلمات المفتاحية: (فقه الصحابة، الآثار والمرويّات، الفقه الإسلامي، المذهب الحنفي).
تناولت مشكلة الدراسة فقه الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - وأثره في المذهب الحنفي؛ وتهدف هذه الدراسة العلميَّة إلى الكشف عن أوجه الاتفاق والاختلاف في التطبيق العملي المتعلقة بآثار ابن مسعود - رضي الله عنه - الفقهيَّة وبين المذهب الحنفي في سائر أبواب الفقه.
وقد اشتملت هذه الرسالة العلميَّة على مقدمة وتمهيد وفصلين دراسيين: ففي التمهيد تناول الباحث ترجمة الصحابي عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، وفي الفصل الأول: تناول الباحث مُلخصاً عاماً لأصول الاستنباط عند الصحابي عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، ثم تطرق الباحث في الفصل الثاني: للآثار الفقهية العمليّة التي نُقلت لنا عن ابن مسعود - رضي الله عنه - وأثرها في الفقه الحنفي؛ واشتمل هذا الفصل على مجموعة من الأبواب الفقهية: في العبادات، والمعاملات، والزواج والطلاق، والقضاء والجنايات والديّات، والأيمان والكفارات والنذور، وفقه الأشربة والأطعمة والصيد والذبائح، وفقه الحظر والإباحة، وأخيراً فقه الوصايا والمواريث.
وقد خلصت الدراسة إلى: أن فقه آثار ابن مسعود - رضي الله عنه - قد اشتمل على الاستدلال بالقرآن الكريم، والسنة النبوية والإجماع وقول الصحابي الفقيه، ويتفرع عن ذلك: القياس والاستحسان، وبقية المصادر الأصوليَّة المكملة.
إضافة إلى أن هذه الدراسة تُعد إثباتاً عمليَّاً واضحاً للأثر الذي أنتجته مدرسة ابن مسعود - رضي الله عنه -، في المذهب الحنفي فقهاً واستدلالاً؛ خاصة إذا كانت نسبة الموافقة بين المدرستين بلغت 91%.
الجزء 1 · صفحة 2
The summary of research
Abdullah bin Masood and its Impact on the Hanafi jurisprudence
"Doctrinal Study"
Prepared by:
Ahmad Mohammad Hasan Hassan
Supervised by:
Prof. Dr: Salah Mohammed Abu Al Haj
discussed: 15/ 6/2021 Date of
The problem of the study dealt with the jurisprudence of the great companion Abdullah bin Masoud - رضي الله عنه - and its impact on the Hanafi school; This scientific study aims to reveal the points of agreement and disagreement in the practical application related to the jurisprudential effects of Ibn Masoud - رضي الله عنه - and the Hanafi school of thought in other chapters of jurisprudence.
This thesis included an introduction, a preface and two semesters: in the preface, the researcher dealt with the translation of the companion Abdullah bin Masoud - رضي الله عنه - , and in the first chapter: the researcher dealt with a general summary of the principles of deduction according to the companion Abdullah bin Masoud - رضي الله عنه - , then the researcher touched in the second chapter: the effects of jurisprudence The process that was transmitted to us on the authority of Ibn Masoud - رضي الله عنه - and its impact on Hanafi jurisprudence; This chapter included a set of jurisprudential chapters: in worship, transactions, marriage and divorce, judiciary, felonies, punishments, blood money, oaths, penances and vows, jurisprudence of drinks and food, hunting and sacrifices, jurisprudence of prohibition and permissibility, and finally the jurisprudence of wills and inheritance.
The study concluded: that the jurisprudence of the effects of Ibn Masoud - رضي الله عنه - included inference from the Holy Qur’an, the Prophet’s Sunnah, consensus and the saying of the jurist companion, and branched from that: analogy and approval, and the rest of the complementary fundamentalist sources.
In addition, this study is a clear practical proof of the impact produced by the school of Ibn Masoud - رضي الله عنه - on the Hanafi school of jurisprudence and inference. Especially if the approval rate between the two reached 91%.
الجزء 1 · صفحة 1
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله والصلاة والسلام على النبي الرسول العدنان محمد ? وعلى آله وصحبه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد: فهذه رسالة الماجستير في الفقه الحنفي وأصوله، يقدمها الباحث منتفعاً نافعاً بها بإذنه تعالى، بعنوان الصحابي الجليل: عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - وأثره في الفقه الحنفي.
وقد كان سبب اختيار الباحث لهذا الموضوع: أهمية الرجوع إلى فقه الصحابة - رضي الله عنهم -، في تفسير النصوص الشرعيّة؛ لابتناء حياة عمليَّة علميَّة على ضوئها، وللاهتداء بهدي أصحابها واقتفاء سبيل عزهم؛ وصولاً لأن يكون طالب العلم الشرعي اليوم -في هذا المضمار- على بينة من الأمر؛ فيهتدي -بإذن الله تعالى- إلى صراط الله المستقيم؛ تطبيقاً لفقه الإسلام وأنظمته الحيوية، وليكون للأمة جمعاء -كما كان لمن قبلها- من الله نوراً مبيناً في عاجل أمرها وآجله.
وإن الرجوع إلى آثار الصحابة - رضي الله عنهم -، هو المنقذ من الضلال والمرشد إلى دار السلام؛ فإن الخيرية لمن اقتفى واتبع وسار على ما ساروا عليه فهُدوا.
والصحابي الجليل عبد الله بن مسعود - رضي الله عنهم -، يُعد من كبار الصحابة وأشهرهم ممن ولي إمارة وقضاء الكوفة -لفترة وجيزة قبل أن يُعزل من الخليفة-، وبلغ فيها علمه الآفاق إلى أن وصلت شهرته الدنيا بأسرها، ثم إنه انتفع منه خلق لا يحصون عدداً. وقد كان لتأثر المذهب الحنفي في علمه وأقواله النصيب الأكبر؛ فقد نقلوا لنا فقهه ومدرسته الأصوليَّة الفقهيَّة.
وقد قام الباحث بجمع الآثار الفقهيّة المرويّة عن الصحابي الجليل: عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - ودراستها دراسة مستفيضة وربطها بالمسائل الفقهية عند الحنفية في كتبهم المشهورة في أبواب الفقه المتنوعة؛ كل ذلك في حلة بهيّة قشيبة مزدانة بآثار من سلف، ولحوقاً بمن سبق في النقل الأثري لمدرسة ابن مسعود - رضي الله عنه -.
رضي الله عن الصحابة جميعاً، ورحم الله علماءنا الأجلاء رحمة واسعة وأسكنهم فسيح جنانه-، والله من وراء القصد وهو ولي المتقين، والحمد لله رب العالمين.
الجزء 1 · صفحة 2
مشكلة الدراسة:
يمكن صياغة مُشكلة البحث على النحو التالي:
ما الأثر الفقهي والأصولي الذي كونه الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - في المدرسة الفقهيّة الأصوليّة الحنفيّة؟
ويتفرع عن هذا السؤال أسئلة أخرى:
1 - ما العوامل التي ساعدت في تكوين ملامح شخصية ابن مسعود - رضي الله عنه - الفقهية والأصولية؟
2 - ما ملامح المنهج الذي سار عليه ابن مسعود - رضي الله عنه - في أصول الفقه؟
3 - ما أثر فقه ابن مسعود - رضي الله عنه - على المذهب الحنفي؟
أهمية الدراسة:
تظهر أهمية الدراسة العلميّة والعمليّة في مساهمتها في إبراز الدور الأصيل للصحابي الجليل عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - في المذهب الحنفي عبر قرون من نشأته إلى أن استقر الحال على ما هو عليه اليوم.
أهداف الدراسة ومبرراتها:
في ضوء أسئلة البحث يمكن تحديد أهداف البحث فيما يلي:
1 - بيان العوامل المحيطة التي ساعدت في تكوين ملامح شخصية ابن مسعود - رضي الله عنه - من النشوء إلى النمو والارتقاء.
2 - توضيح ملامح منهج ابن مسعود - رضي الله عنه - في أصول الفقه.
3 - عرض وبيان الآثار الفقهية المنقولة عن ابن مسعود - رضي الله عنه -؛ وأثرها في المذهب الحنفي في أبواب الفقه المتنوعة.
الدراسات السابقة:
أولا: الدراسات الفقهيَّة:
تطرقت دراسات عديدة تناولت شخصية الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - في النشأة والدعوة والتفسير والفقه، وجُمعت عدة دراسات عن آثاره ومرويَّاته، لكنها لم تقم بعكس الأثر الذي تركه الصحابي الجليل - رضي الله عنه - على المدرسة الفقهية الحنفية، وإن كان بعضها قد تطرق إلى المذاهب الفقهية الأربعة وغيرها على وجه المقارنة بينها وبين آثاره، لكنها لم تكن متخصصة بما يخدم الفقه الحنفي.
الجزء 1 · صفحة 3
ومن هذه الدراسات والمؤلفات التي كانت تصب في موضوع هذه الدراسة:
1 - موسوعة فقه عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -. للباحث: محمد رواس قلعه جي. صدر عن جامعة أم القرى، مكة المكرمة. ط1: 1984م، ونشرته فيما بعد دار النفائس، بيروت، وهي النسخة الورقية التي بين يدي الباحث، ط3: 2013م. (موجودة كنسخة إلكترونية على الشبكة المعلوماتية بصيغة PDF).
وهذا الكتاب يقع في (500) صفحة تقريباً، وكان ترتيبه للآثار المروية عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - ترتيباً أبجدياً -طريقة المعاجم-، ومما يؤخذ على هذه الدراسة: ولع صاحبها الشديد بالكتب الفقهية المقارنة؛ مما جعله يُثبت -تخريجاً- جُلاً عظيماً من آثار ابن مسعود - رضي الله عنه - فيها؛ ككتاب المحلى لابن حزم، -وكان مولعاً به فقهاً ونقلاً-، والمغني لابن قدامة الحنبلي، ونيل الأوطار للشوكاني، وتفسير ابن كثير، والمجموع للنووي الشافعي، وكان من المُقلّين جداً في النقل عن المذهب الحنفي؛ حيث تطرق شيئاً يسيراً يكاد لا يُذكر لبعض من مصادر الفقه الحنفي، كالمبسوط، وبدائع الصنائع، وشرح معاني الآثار، ومما يؤخذ على الكتاب: أنه كان يورد الآثار على عجل دون بيان لمشكلها أو معجمها، بالإضافة إلى ترجيحاته الشخصيّة بين الآثار المتعارضة عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة الواحدة، وأغفل التأكد من صحة الأثر المنسوب إلى الصحابي، ومما ينتقد على الكتاب اختصاره المخل أو إطنابه الشديد للمواضيع الفقهية، وكثيراً ما كان ينقل الأثر بالمعنى، فيصعّب على الباحث الرجوع لمصدر الأثر من مظانه.
2 - مرويّات أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، للباحث: عبد الله بن عبد الرحيم البخاري. صدر عن دار أضواء السلف المصرية، القاهرة، ط1، 2007م. وهي بالأصل رسالة ماجستير صادرة في جامعة أم القرى، 1999م، تقع بحدود (450) صفحة. (موجودة كنسخة إلكترونية على الشبكة المعلوماتية بصيغة PDF).
وقد جمع الباحث في دفتي رسالته جميع المرويّات المرفوعة والموقوفة والآثار التي رواها أبو عبيدة عن أبيه؛ ابن مسعود - رضي الله عنه -، وقد صنفها على طريق التبويب الموضوعي في كتب الصحاح والسنن، وكان تركيزه في الرسالة على التخريج المُسندي لها أكثر من الشرح الفقهي لمتنها.
3 - رسالة ماجستير منشورة، بعنوان: فقه عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - في العبادات مقارناً مع المذاهب الفقهية، للباحث: عبد الله بن محمد الجُمعة، جامعة الإمام محمد بن سعود، ونشرتها الدار التدمريّة، الرياض، ط1: 2012م.
الجزء 1 · صفحة 4
وهذه الرسالة تقع في زهاء: (600) صفحة، وقد قام الباحث مشكوراً بتبويب وعرض الآثار المنقولة عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، في كتاب العبادات، وكان من جملة ما ظهر في رسالته: اعتماده الشديد في النقل على موسوعة قلعه جي، وأما منهجه الذي كان يغلب عليه في دراسته، فكان عرضاً للآثار المنقولة عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة الواحدة، واستعراض أقوال المذاهب الفقهية الأربعة وغيرها؛ من حيث المخالف والمتفق مع ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة، ثم يستعرض لكل فريق أدلته من الكتاب والسُنة، ثم يبين في كل دليل وجه الدلالة، وكان كثيراً ما يُرجّح من خارج جسم المذاهب الفقهية الأربعة؛ إما برأيه بدون دليل؛ لأن نفسه مالت لذلك القول دون غيره من الأقوال، أو بناء على ما فهمه من الدليل، وإما أن يرجّح بقول ابن تيمية -رحمه الله-، وكثيراً ما كان ميّالاً بالترجيح بأقوال علماء الحديث أمثال: ابن حجر العسقلاني في شرحه على البخاري. ومما ينتقد عليه في رسالته؛ خروجه كثيراً عن أثر ابن مسعود - رضي الله عنه -، وانشغاله بالأقوال الفقهية في المذاهب؛ بحيث أن الباحث رأى أثر ابن مسعود - رضي الله عنه -، في دراسته لا يعدو أن يكون مقدمة متلائمة مع عنوان المسألة، منفصلة تماماً عمّا يأتي بعدها، بحيث كان تركيزه منصباً على أدلة الفقهاء وأقوالهم؛ أكثر من الإنشغال بالأثر نفسه.
4 - رسالة ماجستير بعنوان: فقه عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - في المعاملات، للباحث: فضل الحق نور محمد باز، جامعة أم القرى، 1417هـ. (موجودة كنسخة إلكترونية على الشبكة المعلوماتية بصيغة PDF).
وهذه الرسالة تقع في زهاء (490) صفحة، وقد قام الباحث مشكوراً بعرض الآثار المرويّة عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، في باب المعاملات، لكن المتتبع للرسالة يجد أن الطرح الفقهي يتناول أقوال المذاهب الفقهية الأربعة بالإضافة إلى أقوال ابن تيمية وابن القيم وابن حزم، حيث طغت على البحث، فأخرجته عن عنوانه الموسوم، بحيث لا تتعدى آراء ابن مسعود - رضي الله عنه - الفقهية في المعاملات بضع ورقات، ومن جانب آخر فإن التدليس على الصحابي الجليل ووضعه مرة مع الحنفية ومرة مع المالكية ومرة مع الشافعية ومرة مع الحنابلة، ومرة ضدهم، هو موضع لا يليق بصحابي، وهو تخبط من الباحث، ويدل على ضعف منه في الجانب الاستدلالي المذهبي.
5 - رسالة ماجستير بعنوان: فقه عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - في النكاح، الطلاق، الفسخ، الخلع، الرجعة، الإيلاء، للباحثة: منيرة بنت عواد المريطب، جامعة أم القرى، 1417هـ. (موجودة كنسخة إلكترونية على الشبكة المعلوماتية بصيغة PDF).
الجزء 1 · صفحة 5
وهذه الرسالة تقع في زهاء (539) صفحة تقريباً، وقد نحت منحى الرسالة السابقة باستعراض أدلة المذاهب الفقهية الأربعة وأقوال ابن حزم، وقد كان فيها استطراداً عجيباً من جانب الإتيان بأدلة لم يستدل بها ابن مسعود - رضي الله عنه - وإنما هي أدلة خادمة للفريق الموافق لأثر ابن مسعود - رضي الله عنه - وأدلة المعارض له، بحيث أن الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قد لا يتجاوز بضع كلمات، فتأتي الباحثة بذكر من وافقه ومن خالفه وأدلة كل فريق مع بيان وجه الدلالة لكل دليل من أدلة الفرقيين، وتستعرض بعد ذلك النصوص الفقهية لهم كشاهد على موافقتهم أو معارضتهم للأثر الوارد، وإيراد المناقشات لكل فريق، ثم الترجيح بعد ذلك من قبل الباحثة.
وقد تورد الباحثة الأثر ولا يوجد فيه من مخالف، فتكتفي بإيراده وبيان دلالته على معناه.
ثانيا: الدراسات الأصوليَّة:
لم يقف الباحث على دراسة واحدة تناولت أصول ابن مسعود - رضي الله عنه - الفقهية والاجتهادية؛ كدراسة شاملة ومستقلة؛ ولذلك شق على الباحث استخراج هذه الأصول؛ فاستعان ببعض المؤلفات التي تناولت جانب المصادر الأصولية عند الصحابة - رضي الله عنهم -، بشكل عام؛ ومن ضمنها أصول الصحابي الجليل ابن مسعود - رضي الله عنه -، ومن هذه الدراسات والمؤلفات التي رجع لها الباحث:
1 - المدخل المفصل للفقه الحنفي؛ للأستاذ الدكتور: صلاح محمد أبو الحاج.
2 - مسار الوصول إلى علم الأصول؛ للأستاذ الدكتور: صلاح محمد أبو الحاج.
3 - منهج عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في التشريع؛ للأستاذ الدكتور: محمد بلتاجي حسن.
4 - مناهج التشريع الإسلامي في القرن الثاني الهجري؛ للأستاذ الدكتور: محمد بلتاجي حسن.
5 - أصول الفقه عن الصحابة - رضي الله عنهم -؛ للأستاذ الدكتور: عبد العزيز محمد العويد.
وفي نهاية هذا العرض الموجز للدراسات السابقة، فإن الباحث استفاد منها من حيث معرفة مظان وجود الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه -؛ فكان ذلك خادماً لهذه الدراسة، وتسهيلاً على الباحث في أكثر الأحيان. مع نحي الباحث منحى آخر غير الذي نحته تلك الدراسات؛ وذلك بتقعيد وتأصيل فقه ابن مسعود - رضي الله عنه -، من مظان الآثار الواردة عنه، وبيان أثر تطبيقها على فقه الحنفية الذين ابتنوا أصولهم على تلك الآثار المنقولة عنه - رضي الله عنه -، في مختلف أبواب الفقه والأصول المنقولة عن تلاميذه وتلاميذ تلاميذه النجباء، وفي مقدمتهم: علقمة بن قيس النخعي، والأسود بن يزيد النخعي، ومسروق بن الأجدع الهمداني، -رحمهم الله تعالى جميعاً-؛ والذين كانوا الرافد الرئيس لنشأة المذهب الحنفي -بعد ذلك-.
الجزء 1 · صفحة 6
منهجيّة البحث:
كان منهج الباحث في كتابة هذه الرسالة، يتلخص في النقاط التالية:
1 - اعتمد الباحث المنهج الوصفي في عرض ترجمة الشخصية.
2 - اتباع المنهج الاستقصائي الاستقرائي في جمع الآثار الشرعيّة والفقهية الواردة عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، من مصادرها الأصلية ومظان وجودها من مصنفات ومعاجم ومسانيد، وغيرها.
3 - اتباع المنهج التحليلي والاستنباطي للآثار الواردة عن الصحابي الجليل: عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -؛ بإيراد مدى الأثر بينها وبين الأحكام الفقهية الواردة في المذهب الحنفي، مع المناقشة والتوضيح لما يُعمل به من آثار عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، في المذهب وما لا يعمل به.
4 - تفسير مُشكل الألفاظ في آثار ابن مسعود - رضي الله عنه -؛ وذلك بالرجوع إلى معاجم اللغة وغريب الحديث.
5 - تخريج آثار ابن مسعود - رضي الله عنه -؛ بذكر صحيحها وضعيفها -ما أمكن-، وإن كان الغالب عدم وجود مؤلفات يبين صحيحها وضعيفها إلا قليلاً، وخصوصاً في المصنفات، كمصنف ابن أبي شيبة ومصنف عبد الرزاق.
وكانت طريقة الباحث بتخريج الآثار؛ عزوها إلى مظان وجودها، بدءاً بالأقدم كسُنن سعيد بن منصور، ومصنف ابن أبي شيبة، ومصنف عبد الرزاق، والطبراني في معاجمه، وأصحاب المسانيد والسنن ... الخ.
6 - عزو جميع الآيات القرآنية -في الرسالة- إلى سورها في المتن.
7 - قام الباحث بتوثيق الأفكار والآثار والأحاديث والأقوال والمسائل والاقتباسات من مراجعها الأوليَّة المعتبرة والمعتمدة، وإثباتها في الهامش؛ وذلك مراعاة لأمانة البحث العلمي.
8 - تم ترقيم المسائل والآثار على النحو التالي: رقم المسألة وضعه الباحث بين قوسين، هكذا: ()، وأما رقم الأثر؛ فوضعه الباحث بين معكوفتين، هكذا: [].
محددات الدراسة:
موضوع البحث الذي تتناوله الدراسة من المواضيع الواسعة، متشعبة الحقول والمعارف، لذلك لا بد من تحديد مجموعة من الجوانب المراد دراستها؛ حتى يسهل على الباحث الوصول إلى نهاية للدراسة من جهة؛ وحتى لا يطول البحث من جهة أخرى -وإن كان طال-، فمن المحددات:
- الاكتفاء بالآثار الواردة عن الصحابي الجليل الموقوفة عليه، وإثبات المرويّات المرفوعة عنه إلى النبي ? في هامش الرسالة؛ إن لزم إثبات بعضها.
الجزء 1 · صفحة 7
- دمج أو اختصار الآثار المكررة ما أمكن؛ أو توثيقها في الهامش؛ تقليلاً من حجم مادة الرسالة؛ وتسهيلاً على الباحث في دراستها كوحدة موضوعية.
- الاعتناء بالمذهب الحنفي دون غيره من مذاهب فقهية؛ لطبيعة الدراسة.
- استثناء آثار ابن مسعود - رضي الله عنه - التي تتعلق بفضائل الأعمال والأدعية المُستحبة، وآثاره في السياسة الشرعية، وآثاره في الفتن وأشراط الساعة، والعقائد والبدع من هذه الدراسة؛ لتعلقها بغير الفقه وحتى لا تطول هذه الدراسة المستفيضة.
- عدم دراسة جميع القواعد الفقهية والأصولية لآثار الصحابي؛ وإنما الوقوف على نماذج منها على سبيل التمثيل لا الحصر؛ لأن «ما لا يُدرك كله لا يُترك جله» (¬1).
- لم يقف الباحث على مرويّات ابن مسعود - رضي الله عنه - في الفقه؛ وإلا لطال البحث أضعاف ما هو عليه؛ لذلك ارتأى الباحث الوقوف على آثار ابن مسعود - رضي الله عنه - فقط الموجودة في كتب الآثار كالمصنفات والمعاجم والسنن.
- هناك مصادر رجع لها الباحث، لكن لم يعتمدها كمصدر أساسي لآثار ابن مسعود - رضي الله عنه -؛ ومن هذه المصادر: كُتب الفقه والتفاسير والتراجم ونوادر كتب السُنة النبوية؛ ومن أسماء الكتب المشهورة في هذا الصدد:
أولا: كُتب التفاسير: تفسير ابن كثير، وتفسير الطبري، وتفسير ابن المنذر.
ثانيا: ومن كُتب الفقه: كتاب المبسوط للإمام السرخسي، وكتاب المحلى لابن حزم؛ كون -هذا الأخير- من الكُتب المتأخرة عن العصور الثلاثة الأولى الفاضلة، وكتاب المجموع للإمام النووي، والمغني لابن قدامة، ونيل الأوطار للشوكاني، وغيرها.
**********
¬
(¬1) ابن نجيم، زين الدين بن إبراهيم بن محمد، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ج2، ص352. وفي آخره: تكملة البحر الرائق لمحمد بن حسين بن علي الطوري وبالحاشية: منحة الخالق لابن عابدين، دار الكتاب الإسلامي، بيروت.
الجزء 1 · صفحة 8
تقسيم الدراسة:
اشتملت الدراسة على تمهيد وفصلين وخاتمة.
الفصل التمهيدي: ويشتمل على ترجمة الصحابي عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -.
الفصل الأول: أصول وقواعد الفقه عند ابن مسعود - رضي الله عنه -، وأثرها في الفقه الحنفي.
المبحث الأول: منهج ابن مسعود - رضي الله عنه - العامة وأثرها في الفقه الحنفي.
المبحث الثاني: المصادر لأصول ابن مسعود - رضي الله عنه -.
المبحث الثالث: القواعد الفقهية عند ابن مسعود - رضي الله عنه -.
الفصل الثاني: أثر ابن مسعود - رضي الله عنه -، في مسائل فقه الحنفية.
ويشتمل على مباحث:
المبحث الأول: أثر ابن مسعود - رضي الله عنه -، في فقه العبادات.
المبحث الثاني: أثر ابن مسعود - رضي الله عنه -، في فقه المعاملات.
المبحث الثالث: أثر ابن مسعود - رضي الله عنه -، في فقه الأحوال الشخصية.
المبحث الرابع: أثر ابن مسعود - رضي الله عنه -، في فقه القضاء والجنايات والديّات.
المبحث الخامس: أثر ابن مسعود - رضي الله عنه -، في فقه الأيمان والكفارات والنذور.
المبحث السادس: أثر ابن مسعود - رضي الله عنه -، في فقه الأشربة والأطعمة والذبائح.
المبحث السابع: أثر ابن مسعود - رضي الله عنه -، في فقه الحظر والإباحة.
المبحث الثامن: أثر ابن مسعود - رضي الله عنه - في فقه الوصايا والمواريث.
الخاتمة والنتائج.
المصادر والمراجع.
الجزء 1 · صفحة 9
الفصل التمهيدي: ترجمة الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -.
يستعرض الباحث في هذا الفصل ترجمة (¬1) للصحابي الجليل عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، وجوانب من نهجه ومنهاجه المبارك، وشيئاً يسيراً من حياته الفُضلى ومسيرته المزهرة، وثمرة غصونه اليانعة وقطوفه الدانية في شجرته المباركة، ولا فخر؛ وهو سيد علماء الكوفة قاطبة.
ويتناول هذا الفصل خمسة مباحث، وهي: نبذه عن سيرة ابن مسعود - رضي الله عنه -، وصفاته الشخصية، وفضائله عند معاصريه ومن بعدهم، والمراحل التاريخية التي مرت بها مدرسته الفقهية، ثم العوامل التي ساعدت في ازدهار فقه ابن مسعود - رضي الله عنه -، في الكوفة.
المبحث الأول: نبذة عن سيرة ابن مسعود - رضي الله عنه -.
يتناول الباحث في هذا المطلب نبذة مختصرة جداً -غير مُخلة-؛ عن سيرة ابن مسعود - رضي الله عنه -، وهي: اسمه وكنيته ولقبه، أولاده، صفاته الجسديَّة، وإسلامه، ووفاته.
المطلب الأول: اسمه وكنيته ولقبه.
هو «عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ بن فار بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تيم بن سعد بن هذيل الهذلي» (¬2). و «أمه أمّ عبد اللَّه بنت عبد ودّ بن سواءة (¬3)، أسلمت وصحبت أحد السابقين الأولين» (¬4)، وأمها زهرية؛ قيلة بنت الحارث بن
¬
(¬1) ترجم للصحابي عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، كثير من علماء التراجم والطبقات؛ سواء أكانوا من المتقدمين أو المتأخرين، فمن أشهر المتقدمين: ابن حجر العسقلاني في الإصابة في تمييز الصحابة، وابن عبد البر في الاستيعاب في معرفة الأصحاب، والذهبي في سير أعلام النبلاء، ومن أشهر المتأخرين: محمد رواس قلعجي، في موسوعة فقه ابن مسعود - رضي الله عنه -.
(¬2) ابن حجر العسقلاني (1994م). الإصابة في تمييز الصحابة، ط1، ج4، ص198 - 199، دار الكتب العلمية، بيروت؛ ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله بن محمد (1992م). الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ط1، ج3، ص987، دار الجيل، بيروت.
(¬3) كذا في الإصابة: ج4، ص199، وفي الاستيعاب: (سواء)، ج3، ص987؛ وفي سير أعلام النبلاء: (سوي)، الذهبي، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز (1985م). (تحقيق: مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط)، ط3، ج1، ص462، مؤسسة الرسالة، بيروت. ينظر: ابن عساكر، أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله (1995م). تاريخ دمشق (تحقيق: عمرو بن غرامة العمروي)، ج33، ص55، دار الفكر، بيروت؛ وعند أبي نعيم: (سوى)، أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني (1998م). معرفة الصحابة (تحقيق: عادل بن يوسف العزازي)، ط1، ج4، ص1765، دار الوطن للنشر، الرياض.
(¬4) الإصابة، ج4، ص199.
الجزء 1 · صفحة 10
زهرة (¬1)، كناه النبي ? بأبي عبد الرحمن (¬2)، ولُقب بعدة ألقاب، منها: «صاحب النعلين والطهور والوساد» (¬3)، وابن أم عبد.
المطلب الثاني: صفاته الجسديَّة وهيئته.
كان - رضي الله عنه -: «آدم، لطيف الجسم، ضعيف اللحم» (¬4)؛ فعن قيس بن أبي حازم، قال: «رأيت عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قصفاً» (¬5). وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: «كان عبد الله - رضي الله عنه - رجلاً نحيفاً، قصيراً، شديد الأدمة، وكان لا يُغيّر شيبَه .. وعن ابن المسيب، قال: رأيت ابن مسعود - رضي الله عنه - عظيم البطن، أحمش الساقين» (¬6). وعن ابن سخبرة قال: «كان عبد الله - رضي الله عنه - رجلاً آدم، له ضفيران، عليه مسحة أهل البادية» (¬7). و «كان يغسل رأسه ثم يترك شعره من وراء أذنيه» (¬8).
¬
(¬1) ابن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ج3، ص987؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق، ج33، ص55.
(¬2) الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج1، ص462؛ أبو نعيم، معرفة الصحابة، ج4، ص1767.
(¬3) عن أبي الدرداء - رضي الله عنه -، البخاري، محمد بن إسماعيل (1422هـ). الجامع المسند الصحيح (تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر)، ط1، ج1، ص42، دار طوق النجاة، بيروت؛ صحيح البخاري، ج5، ص28، ح3761، باب: مناقب عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -.
(¬4) الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج1، ص467.
(¬5) الطبراني، سليمان بن أحمد. المعجم الكبير. (تحقيق: حمدي بن عبد المجيد)، ط2، ج9، ص65، ح8408، مكتبة ابن تيمية، القاهرة؛ «رجل قصف سريع الانكسار عن النجدة»، ينظر: ابن منظور، محمد بن مكرم بن على، (1414هـ). لسان العرب، ط3، ج9، ص283، دار صادر، بيروت، فصل القاف؛ الجوهري، إسماعيل بن حماد (1987م). الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار)، ط4، ج4، ص1416، دار العلم للملايين، بيروت.
(¬6) الذهبي، سير أعلام النبلاء، مصدر سابق، ج1، ص462؛ ينظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ج3، ص990. وأحمش الساقين؛ أي: «كان دقيق الساقين». الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص66، ح8409. عن أبي مُعمر.
(¬7) ابن خزيمة، محمد بن إسحاق. الصحيح (تحقيق: د. محمد مصطفى الأعظمي)، ج4، ص250، ح2806، المكتب الإسلامي، بيروت؛ قال المحقق محمد مصطفى الأعظمي: إسناده حسن؛ ابن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن محمد (2001م). المسند (تحقيق: شعيب الأرنؤوط، عادل مرشد، وآخرون)، ط1، ج7، ص72، ح3961، مؤسسة الرسالة، بيروت. وفي رواية: «كان له ضفيرتان، عليه مسحة أهل الجاهلية». الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص66، ح8409. عن أبي مُعمر.
(¬8) الطبراني، المعجم الكبير، مصدر سابق، ج9، ص65، ح8407. عن هبيرة بن يريم؛ لم يقف الباحث على تخريجه عند غيره بهذا اللفظ؛ قال الهيثمي: «ورجاله ثقات». مجمع الزوائد، ج5، ص165، ح8834.
الجزء 1 · صفحة 11
وعن نويفع مولى ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال: كان عبد الله - رضي الله عنه - من أجود الناس ثوباً أبيض، وأطيب الناس ريحاً (¬1).
المطلب الثالث: إسلامه.
كان ابن مسعود - رضي الله عنه - من أوائل من سبق في الدخول للإسلام، فهو سادس (¬2) من أسلم في مكة، حيث أسلم - رضي الله عنه - في سن صغيرة جداً؛ وروى ابن مسعود - رضي الله عنه - كيف أنه تعرف على النبي ?، -وكان في وقتها غلاماً يافعاً راعياً للأغنام-، وحديثه عن أول معجزة شاهدها من النبي ? حتى كانت سببًا في إسلامه - رضي الله عنه -، بعد ذلك، يقول ابن مسعود - رضي الله عنه -: كنت يافعا في غنم لعقبة بن أبي معيط أرعاها، فأتى عليَّ النبي ? وأبو بكر - رضي الله عنه -، فقال: «يا غلام (¬3) هل معك من لبن؟»، فقلت: نعم، ولكني مؤتمن، قال: «ائتني بشاة لم ينزُ عليها الفحل»، فأتيته بعناق، فاعتقلها رسول الله ?، ثم جعل يمسح الضرع، ويدعو حتى أنزلت، فأتاه أبو بكر - رضي الله عنه - بشيء، فاحتلب فيه، ثم قال لأبي بكر: «اشرب»، فشرب أبو بكر - رضي الله عنه -، ثم شرب النبي ? بعده، ثم قال للضرع: «اقلص»، فقلص، فعاد كما كان، قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: ثم أتيت النبي ?: فقلت: يا رسول الله علمني من هذا الكلام أو من هذا القرآن، فمسح رأسي، وقال ?: «إنك غُلام مُعلَّم»، قال: «فلقد أخذت من فيه سبعين سورة، ما نازعني فيها بشر» (¬4).
¬
(¬1) الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج1، 463.
(¬2) ابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة، ج4، ص199.
(¬3) من أول ما يولد حتى يبلغ محتلماً يسمى غلاماً، قال السرخسي: «أدنى المدة لبلوغ الغلام اثنا عشر سنة»، محمد بن أحمد بن أبي سهل (1993م). المبسوط، ج6، ص54، دار المعرفة، بيروت؛ وقيل: «أن الولد يقال له: جَنِينٌ حتى يوضع، ثم صبيّ حتى يفطم، ثم غلام إلى سبع، ثم يافع إلى عشر»، الأثيوبي، محمد بن علي بن آدم بن موسى. شرح سنن النسائي المسمى «ذخيرة العقبى في شرح المجتبى»، ط1، ج28، ص339، دار المعراج، دمشق، دار آل بروم، مكة المكرمة.
(¬4) ابن حبان، محمد بن حبان بن أحمد، أبو حاتم، الدارمي، البُستي (1993م). الصحيح بترتيب ابن بلبان (تحقيق: شعيب الأرنؤوط)، ط2، ج14، ص432، ح6504؛ ج15، ص536، ح7061، مؤسسة الرسالة، بيروت؛ مسند الإمام أحمد، ج6، ص82، ح3598؛ ج7، ص416، ح4412؛ أبو يعلى، أحمد بن علي بن المثُنى الموصلي (1984م). المسند (تحقيق: حسين سليم أسد)، ط1، ج8، ص402، ح4985، دار المأمون للتراث، دمشق؛ الطبراني، سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم (1985م). الروض الداني (المعجم الصغير) (تحقيق: محمد شكور محمود الحاج أمرير)، ط1، ج1، ص310، ح513، المكتب الإسلامي، بيروت- دار عمّار، عمان؛ الطيالسي، أبو داود سليمان بن داود بن الجارود (1999م). المسند (تحقيق: الدكتور محمد بن عبد المحسن التركي)، ط1، ج1، ص276، ح351، دار هجر، القاهرة؛ مصنف ابن أبي شيبة، ج16، ص511، ح32461، ينظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج1، ص465؛ ابن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ج3، ص987 - 988.
الجزء 1 · صفحة 12
وفي رواية: «فمسح برأسي»، وقال: «بارك الله فيك، فإنك غلام مُعلَّم، فأسلمت» (¬1).
المطلب الرابع: وفاته.
توفي ابن مسعود - رضي الله عنه - في سنة 32هـ، في خلافة عثمان بن عفان - رضي الله عنه -، «وقد قيل: إن ابن مسعود - رضي الله عنه - كان يومئذٍ مُقبلاً من المدينة إلى الكوفة فدعا إلى الصلاة على أبي ذر - رضي الله عنه -» (¬2)، ولعل موت أبو ذر - رضي الله عنه - أرجع عبد الله - رضي الله عنه - إلى المدينة؛ وقد ذكر الخزاعي (¬3) والمقريزي (¬4)، «أن ابن مسعود - رضي الله عنه - كان مُقبلاً من الكوفة» (¬5)، وعندما حانت منيته - رضي الله عنه - «بكى عند الموت فقيل له أتبكي وقد صحبت رسول الله ?؟ فقال: وكيف لا أبكي وقد ركبت ما نهاني عنه وتركت ما أمرني به! وذهبت الدنيا، وبقيت الأغلال قلائد فى أعناق الرجل؛ إن خير فخير وإن شر فشر» (¬6)؛ «فأقام - رضي الله عنه - عشرة أيام، ثم مات بعد عاشره» (¬7).
¬
(¬1) مسند أبي يعلى الموصلي، قال المحقق حسين سليم أسد: «إسناده حسن»، ج9، ص29، ح5096؛ الطبراني، المعجم الصغير، ج1، ص310، ح513، ينظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج1، ص465.
(¬2) ابن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ج1، ص253؛ ابن عبد الحكم، عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم (1994م). فتوح مصر والمغرب، ص317، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة؛ ابن الجوزي، جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن (1997م). تلقيح فهوم أهل الأثر في عيون التاريخ والسير، ط1، ص100، دار الأرقم، بيروت.
(¬3) علي بن محمد بن أحمد بن موسى ابن مسعود، أبو الحسن ابن ذي الوزارتين، الخزاعي (ت: 789هـ). تخريج الدلالات السمعية، ص637. دار الغرب الإسلامي، بيروت؛ أحمد بن علي (1999م). ينظر: الزركلي، خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس (2002م). الأعلام، ط15، ج5، ص6، دار العلم للملايين، بيروت.
(¬4) أحمد بن علي بن عبد القادر، أبو العباس الحسيني العبيدي، تقي الدين المقريزي (ت: 845هـ). إمتاع الأسماع بما للنبي ? من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع، ط1، ج13، ص214، دار الكتب العلمية، بيروت. ينظر: الزركلي، الأعلام، ج1، ص177.
(¬5) علي بن محمد (1998م). تخريج الدلالات السمعية، ص637؛ إمتاع الأسماع بما للنبي ? من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع، ج13، ص214.
(¬6) عن عبيد بن سعيد، ابن عساكر، تاريخ دمشق، ج33، ص184.
(¬7) ابن عساكر، تاريخ دمشق، ج66، ص222؛ النووي، تهذيب الأسماء واللغات، ج2، ص230، دار الكتب العلمية، بيروت؛ المزي، يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف (1980م). تهذيب الكمال في أسماء الرجال (تحقيق: د. بشار عواد معروف)، ط1، ج33، ص298، مؤسسة الرسالة، بيروت؛ ابن أبي خيثمة (2006م). التاريخ الكبير (تحقيق: صلاح بن فتحي هلال)، ط1، ج1، ص119، الفاروق الحديثة، القاهرة؛ ابن منظور، محمد بن مكرم بن على (1984م). مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر (تحقيق: روحية النحاس، رياض عبد الحميد مراد، محمد مطيع)، ط1، ج28، ص316، دار الفكر، بيروت.
الجزء 1 · صفحة 13
«ودُفن بالبقيع، وصلى عليه عثمان - رضي الله عنه - (¬1)، [وهو الراجح] وقيل: صلى عليه عمار بن ياسر - رضي الله عنه -، وقيل: صلى عليه الزبير - رضي الله عنه -، ودفنه ليلاً أوصى [ابن مسعود - رضي الله عنه -] بذلك، ولم يعلم عثمان - رضي الله عنه -، بدفنه فعاتب الزبير - رضي الله عنه - على ذلك، وكان عُمر [ابن مسعود - رضي الله عنه -] يوم توفي بضعاً وستين سنة» (¬2).
المبحث الثاني: صفاته الشخصيَّة والنفسيَّة.
اتصف ابن مسعود - رضي الله عنه - بصفات جمة لا توجد إلا عند العلماء الربانيين والحواريين المخلصين والصحابة المرضيين، ومن هذه الصفات العظيمة والنبيلة:
1 - كان - رضي الله عنه -، من السابقين في الإسلام؛ فعن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال لقد: «رأيتني سادس ستة ما على ظهر الأرض مُسلم غيرنا» (¬3). وسبقه في الدخول للإسلام كان له دوراً بارزاً في بناء شخصيته الفقهية.
2 - كان - رضي الله عنه -، أشد الصحابة قُرباً واتصافًا بسمة وهيئة النبي ?؛ فعن عبد الرحمن بن يزيد، قال: أتينا على حذيفة - رضي الله عنه -، فقلنا: حدثنا بأقرب الناس من رسول الله ? هدياً ودلاً فنأخذ عنه ونسمع منه؟ قال: «كان أقرب الناس هدياً ودلاً وسمتاً برسول الله ?؛ ابن مسعود - رضي الله عنه - حتى يتوارى منا في بيته،
¬
(¬1) أثبت هذا الرأي ابن عساكر، تاريخ دمشق، ج33، ص55؛ ينظر: الطبراني، المعجم الكبير، ج9، 65، ح8404. عن يحي بن بكير.
(¬2) ابن الأثير، أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري (1994م). أُسد الغابة في معرفة الصحابة (تحقيق: علي محمد معوض - عادل أحمد عبد الموجود)، ط1، ج3، ص381، دار الكتب العلمية، بيروت؛ الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ج3، ص994.
(¬3) الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص65، ح8406. عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه؛ صحيح ابن حبان، ج15، ص537، ح7062؛ قال الحاكم: «صحيح الإسناد»، المستدرك على الصحيحين، ج3، ص354، ح5368؛ مسند البزار، ج5، ص356، ح1987؛ مصنف ابن أبي شيبة، ج17، ص194، ح32898؛ قال الهيثمي: «رواه الطبراني والبزار، ورجالهما رجال الصحيح». مجمع الزوائد، ج9، ص287، ح15550.
الجزء 1 · صفحة 14
ولقد علم المحفوظون أو «المحظوظون» (¬1) من أصحاب رسول الله ? أن ابن أم عبد - رضي الله عنه - هو من أقربهم إلى الله زلفى» (¬2).
3 - كان - رضي الله عنه -، يُكثر من سؤال النبي ? فيما ينفعه ويرفع درجته ويزيد قربه إلى الله تعالى؛ فعنه - رضي الله عنه - قال: قلت: يا رسول الله أي الذنب أكبر؟ قال: «أن تجعل لخالقك ندا وقد خلقك»، قلت: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك»، قلت: ثم أي؟ قال: «أن تزاني حليلة جارك»، قال: ثم نزل القرآن بتصديق قول النبي ?، {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} [الفرقان: 68] إلى آخر الآية (¬3).
4 - كان - رضي الله عنه -، حسن الإرشاد والوعظ للناس؛ فقد مَرَّ - رضي الله عنه - بالكوفة، وإذا بشباب مُجتمعين يشربون، ومعهم زاذان يَضرب بالعود، ويغنِّي بصوتٍ حَسَن، فسمعه ابن مسعود - رضي الله عنه - فقال: «ما أحسن هذا الصَّوتَ لو كان بكتاب الله، وسمعه زاذان، فقام وضرب بالعود الأرض فكسره، ثم جعل منديله في عُنقه، وأدرك ابنَ مسعود - رضي الله عنه - وهو يبكي، فاعتنقه ابنُ مسعود - رضي الله عنه -، وجعلا يبكيان، وابن مسعود - رضي الله عنه - يقول: كيف لا أحبُّ مَن قد أحبَّه الله تعالى، ثم تاب وحَسُنَت توبتُه، ولزم ابنَ مسعود - رضي الله عنه - حتى صار إمامًا في العلم» (¬4).
5 - كان - رضي الله عنه -، وقَّافاً عند الخطأ؛ إذا علم أن الصواب في غيره؛ فعن مالك بن أنس رحمه الله، أنه بلغه عن غير واحد، أن ابن مسعود - رضي الله عنه - «سُئل وهو بالكوفة عن نكاح الأم بعد الابنة، إذا لم تكن الابنة مست، فأرخص ابن مسعود - رضي الله عنه - في ذلك، ثم إن ابن مسعود - رضي الله عنه - قدم المدينة، فسأل عن ذلك،
¬
(¬1) الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص86، ح8480. عن حذيفة؛ لم يقف الباحث على تخريجه عند غيره بهذا اللفظ.
(¬2) الترمذي، محمد بن عيسى (1998م). الجامع الكبير، (تحقيق: بشار عواد معروف)، ج65، ص151، ح3807، دار الغرب الإسلامي، بيروت. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح؛ صحيح البخاري، ج5، ص28، ح3762.
(¬3) الطحاوي، أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري (1994م). شرح مشكل الآثار (تحقيق: شعيب الأرنؤوط)، ط1، ج2، ص343، مؤسسة الرسالة، بيروت.
(¬4) سبط ابن الجوزي، شمس الدين أبو المظفر يوسف بن قِزْأُوغلي (2013). مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (تحقيق محمد بركات، كامل محمد الخراط، عمار ريحاوي، وآخرون)، ط1، ج9، ص317، دار الرسالة العالمية، دمشق؛ القاري، علي بن (سلطان) محمد، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي (2002م). مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، ط1، ج4، ص1501، دار الفكر، بيروت؛ ابن قدامة المقدسي، موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد (2003م). كتاب التوابين، ط1، ص202، دار ابن حزم، بيروت.
الجزء 1 · صفحة 15
فأخبر أنه ليس كما قال، وإن الشرط في الربائب، فرجع ابن مسعود - رضي الله عنه - إلى الكوفة، فلم يصلْ إلى منزله، حتى أتى الرجل الذي أفتاه بذلك، فأمره أن يفارق امرأته» (¬1).
6 - كان - رضي الله عنه -، حريصاً على التثبت من إجابته؛ حيث كان يسأل سائله إن كان غيره قد أفتى له بالمسألة؛ حتى يطمئن لإجابته؛ فعن أبو مصعب الزهري المدني (¬2)، قال: حدثنا مالك؛ أنه بلغه، أن رجلاً جاء إلى عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، فقال: إني طلقت امرأتي ثماني تطليقات، فقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: فماذا قيل لك؟ قال: قيل لي: إنها قد بانت منك، فقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «أجلْ، من طلق كما أمره الله، فقد بيَّن الله له، ومن لبَّس على نفسه لَبساً، جعلنا لَبسه به، لا تُلبسوا على أنفسكم، ونتحمله عنكم، كما تقولون» (¬3). «وظاهره الإجماع على هذا الجواب» (¬4).
7 - كان - رضي الله عنه -، شجاعاً؛ وقد ظهرت شجاعته وبسالته - رضي الله عنه - في قول الحق؛ فعن إبراهيم، أنه قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «لا يغرنكم محشركم هذا من الصلاة، يقيم أحدكم في ضيعته، ويقول: أنا مسافر» (¬5).
وعن الشعبي، عن عمه، قيس بن عبد، قال: بينا نحن عند ابن مسعود - رضي الله عنه -، ذات ليلة أتي، فقيل له: هذا رسول الوليد، فقال عبد الله - رضي الله عنه -: «أطفئوا المصباح»، فدخل، فقال له: إن الأمير يقول لك: اترك هؤلاء الكلمات التي تقول، قال: «وما هن؟» قال: «هذه الكلمات؟» قال: فلم يزل يرددهن قال: قولك: كل محدثة بدعة، قال: «إني لن أتركهن» قال: فإنه يقول لك: فاخرج، قال: «فإني خارج» قال: فخرج إلى المدينة (¬6).
وعن مسروق، قال: بينما رجل يحدث في كندة، فقال: يجيء دخان يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، يأخذ المؤمن كهيئة الزكام، ففزعنا، فأتيت ابن مسعود - رضي الله عنه -، وكان متكئاً
¬
(¬1) موطأ الإمام مالك (1991م)، رواية أبي مصعب الزهري، (تحقيق: بشار عواد)، ج1، ص579، ح1499، مؤسسة الرسالة، بيروت.
(¬2) «أحمد بن القاسم (أبي بكر) بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف، أبو مصعب الزهري المدني: شيخ أهل المدينة في عصره وقاضيهم ومحدثهم. لزم الإمام مالكا وتفقه به، وروى عنه (الموطأ) ومات وهو قاض. قال الدارقطنيّ: أبو مصعب ثقة في الموطأ». الزركلي، الأعلام، ج1، ص197؛ ينظر: الحافظ المزي، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، ج1، ص279.
(¬3) موطأ الإمام مالك برواية أبي مصعب الزهري، ج1، ص605، ح1570.
(¬4) ابن الهمام، كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي. فتح القدير، ج3، ص469، دار الفكر، بيروت.
(¬5) أبو يوسف القاضي، يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن سعد. الآثار (تحقيق: أبو الوفا)، ص74، ح370، دار الكتب العلمية، بيروت.
(¬6) مصنف عبد الرزاق، ج3، ص80، ح4875؛ لم يقف الباحث على تخريجه عند غيره بهذا اللفظ.
الجزء 1 · صفحة 16
فغضب فجلس، فقال: «من علم فليقل، ومن لم يعلم فليقل الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: لا أعلم» (¬1).
8 - وكان - رضي الله عنه -، صادقاً وأميناً في ورعايته لحقوق الناس؛ وذلك منذ نعومة أظفاره؛ فعنه - رضي الله عنه -، قال: «كنت يافعاً في غنم لعقبة بن أبي معيط أرعاها، فأتى علي النبي ? وأبو بكر - رضي الله عنه -، فقال: «يا غلام هل معك من لبن؟»، فقلت: نعم، ولكني مؤتمن ... الحديث» (¬2).
9 - وكان - رضي الله عنه -، شغوفاً ومتحمساً لطلب العلم النافع؛ ففي قصة حلبِ النبي ? للشاة التي ليس في ضرعها لبن، قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «فأتيت النبي ? بشاة فمسح ضرعها، فنزل لبن، فحلبته في إناء، فشرب وسقى أبا بكر - رضي الله عنه -، ثم قال للضرع: اقلُّص، فقلص، ثم أتيته بعد هذا، فقلت: يا رسول الله، علمني من هذا القول ... الحديث» (¬3).
10 - وكان - رضي الله عنه -، شديد التركيز على طلب العلوم الشرعية، فيحفظ باستمرار ما كان يسمعه من النبي ?؛ قال - رضي الله عنه -: «وأتيت رسول الله ?، فبينما نحن عنده على حراء إذ أُنزلت عليه سورة: {والمُرسلات عُرفاً}، فأخذتها، وإنها رطبة من فيه، فأخذت من فيّ رسول الله ? سبعين سورة، وأخذت بقية القرآن من أصحابه» (¬4).
11 - وكان - رضي الله عنه -، يتسم بالثقة العالية بنفسه؛ وكان مصدر ثقته وفخره استناده على علم مكين، ويشهد لذلك قوله - رضي الله عنه -: «إني لأعلمهم بكتاب الله، وما أنا بخيرهم، وما في كتاب الله سورة ولا آية إلا وأنا أعلم فيما نزلت ومتى نزلت. قال أبو وائل: فما سمعت أحداً أنكر ذلك عليه» (¬5). وفي رواية: «قال شقيق: فجلست في الحلق أسمع ما يقولون، فما سمعت راداً يقول غير ذلك» (¬6).
¬
(¬1) صحيح البخاري، ج6، ص114، ح4774.
(¬2) صحيح ابن حبان، ج14، ص432، ح6504؛ ج15، ص536، ح7061؛ مسند الإمام أحمد، ج6، ص82، ح3598؛ ج7، ص416، ح4412؛ مسند أبي يعلى الموصلي، ج8، ص402، ح4985؛ الطبراني، المعجم الصغير، ج1، ص310، ح513؛ مسند أبي داود الطيالسي، ج1، ص276، ح351؛ مصنف ابن أبي شيبة، ج16، ص511، ح32461.
(¬3) صحيح ابن حبان، مصدر سابق، ج14، ص432، ح6504؛ ج15، ص536، ح7061؛ مسند الإمام أحمد، ج6، ص82، ح3598؛ ج7، ص416، ح4412؛ مسند أبي يعلى الموصلي، مصدر سابق، ج8، ص402، ح4985؛ الطبراني، المعجم الصغير، ج1، ص310، ح513؛ مسند أبي داود الطيالسي، ج1، ص276، ح351؛ مصنف ابن أبي شيبة، مصدر سابق، ج16، ص511، ح32461.
(¬4) الطبراني، المعجم الصغير، مصدر سابق، ج1، ص310، ح513؛ لم يقف الباحث على تخريجه عند غيره بهذا اللفظ.
(¬5) الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ج3، ص991.
(¬6) صحيح البخاري، مصدر سابق، ج6، ص186، ح5000.
الجزء 1 · صفحة 17
12 - وكان - رضي الله عنه -، متقد الفراسة والبصيرة، حاد النباهة والفطنة؛ فقد «كان معدوداً في أذكياء العلماء» (¬1)؛ ومن ذلك، قوله: «والله لئن قتلتم عثمان - رضي الله عنه -، لا تصيبون منه خَلفاً» (¬2). وعن مسروق، عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال: «مضى اللزام والبطش يوم بدر، ومضى الدخان والقمر والروم» (¬3).
ومن شدة ذكائه - رضي الله عنه -، أنه وهو غلام، وصف النبي ? وصفاً دقيقاً: قال - رضي الله عنه -: «إن أول شيء علمته من أمر رسول الله -?-: قدمت مكة مع عمومة لي -أو أناس من قومي- نبتاع منها متاعاً، وكان في بغيتنا شراء عطر، فأرشدونا على العباس. فانتهينا إليه، وهو جالس إلى زمزم، فجلسنا إليه، فبينا نحن عنده، إذ أقبل رجل من باب الصفا، أبيض، تعلوه حُمرة، له وفرة جعدة إلى أنصاف أذنيه، أشم، أقنى، أذلف، أدعج العينين، براق الثنايا، دقيق المسربة، شثن الكفين والقدمين، كث اللحية، عليه ثوبان أبيضان، كأنه القمر ليلة البدر، يمشي على يمينه غلام حسن الوجه، مراهق، أو محتلم، تقفوهم امرأة قد سترت محاسنها، حتى قصد نحو الحِجر، فاستلم، ثم استلم الغلام، واستلمت المرأة» (¬4).
13 - وكان - رضي الله عنه -، يلتزم العمل بما يرويه عن النبي ?؛ فلا يوجد له رواية مرفوعة إلى النبي ? إلا وقد وجد أثرها على سلوكه وسمته - رضي الله عنه -، وتطبيقاً لها في سيرته، ثابتاً مهما عصفت بالمسلمين الفتن أو تغيرت عليه الظروف، ومن ذلك: عن ابن سيرين: أن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال لأصحابه يوماً: «إنى لا آلوكم عن الوقت؛ فصلى بهم الظهر حتى زالت الشمس، ثم قال إنه سيكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة فصلوا الصلاة لوقتها وإن أدركتم معهم فصلوا» (¬5)؛ «وليجعل صلاته وحده الفريضة، وليجعل صلاته معهم تطوعاً» (¬6).
14 - وكان - رضي الله عنه -، يغار على دين الله تعالى؛ ومن ذلك غيرته على كتاب الله تعالى من أن يُنكس؛ ومن المواقف التي تدلل على هذه الصفة: أن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: «يا أيها الناس تعلموا القرآن؛ فإن أحدكم لا يدري متى يخيل إليه؟» قال: فجاءه رجل، فقال: يا أبا عبد الرحمن أرأيت رجلاً يقرأ
¬
(¬1) الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج1، ص462.
(¬2) مصنف ابن أبي شيبة، ج20، ص606، ح38243؛ لم يقف الباحث على تخريجه عند غيره بهذا اللفظ.
(¬3) النسائي، أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، النسائي (2001م). السنن الكبرى، (تحقيق: حسن عبد المنعم شلبي)، ط1، ج10، ص206، ح11310، مؤسسة الرسالة، بيروت.
(¬4) الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج1، ص463.
(¬5) مصنف عبد الرزاق، ج2، ص382، ح3786؛ وروى الشطر الأول من الحديث، الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص257، ح9276؛ لم يقف الباحث على تخريجه عند غيرهما بهذا اللفظ.
(¬6) مصنف عبد الرزاق، مصدر سابق، ج2، ص382، ح3787؛ لم يقف الباحث على تخريجه عند غيره بهذا اللفظ.
الجزء 1 · صفحة 18
القرآن منكوساً؟ قال: «ذلك منكوس القلب»، قال: وأتى بمصحف قد زُين وذُهّب، قال: فقال عبد الله - رضي الله عنه -: «إن أحسن ما زُين به المصحف تلاوته في الحق» (¬1).
15 - وكان - رضي الله عنه -، شديد الفرح إذا وافق قضاؤه قضاء النبي ?؛ ومن ذلك: أن رجلاً أتى عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، فسأل عن امرأة توفي زوجها، ولم يدخل بها، ولم يفرض لها، فقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: سل الناس فإن الناس كثير، أو كما قال، فقال الرجل: والله لو عُلم حولاً لا أجد غيرك ما تركتك، قال: فرده شهراً، فقام ابن مسعود - رضي الله عنه - فتوضأ، ثم ركع ركعتين، ثم قال: «اللهم ما كان من صواب فمنك، وما كان من خطإ فمني»، ثم قال: «أرى لها صداق إحدى نسائها، والميراث مع ذلك، وعليها العدة»، فقام رجل من أشجع، فقال: أشهد لقضيت فيها بقضاء رسول الله ? في بروع بنت واشق الأسلمية كانت تحت هلال بن أمية، فقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: هل سمع هذا معك أحد؟ قال: نعم، فأتى بنفر من قومه فشهدوا بذلك، قال: «فما رئي ابن مسعود - رضي الله عنه - فرحاً بشيء ما فرح بذلك حين وافق قضاء رسول الله ?» (¬2).
16 - وكان - رضي الله عنه -، يتصف بأمانة النقل العلمي لنصوص الوحيين؛ فمن ذلك: أن عبد الله - رضي الله عنه -، قال: «لعن رسول الله ? آكل الربا ومؤكله»، قال علقمة: وكاتبه، وشاهديه؟ قال - رضي الله عنه -: «إنما نحدث بما سمعنا» (¬3).
17 - وكانت ترعد فرائص ابن مسعود - رضي الله عنه -، إذا ذَكر شيئاً من حديث النبي ? في مجلسه؛ خوفاً من أن يحدث حديثاً لم يحدثه النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فمن ذلك: عن عمرو بن ميمون قال: أتيت عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، ستة [أيام] فلم أسمعه يحدث عن رسول الله ? شيئاً، فحدث يوماً عن النبي ? حديثاً فقال: «أو نحو هذا، أو قريباً من هذا، وتغير وجهه» (¬4). «ثم أخذه البهر والفرق، وجعلت فرائصه ترتعد» (¬5).
¬
(¬1) مصنف عبد الرزاق، ج4، ص323، ح7947؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص170، ح8846؛ البيهقي، شعب الإيمان، ج3، ص511، ح2032؛ مصنف ابن أبي شيبة، ج15، ص544، ح30862؛ قال الهيثمي: «ورجاله ثقات»، مجمع الزوائد، ج7، ص168، ح11686؛
(¬2) مصنف عبد الرزاق، مصدر سابق، ج6، ص294، ح10899. عن الشعبي؛ لم يقف الباحث على تخريجه عند غيره بهذا اللفظ.
(¬3) صحيح مسلم، ج3، ص1218، ح1597، عن علقمة.
(¬4) الطبراني، المعجم الأوسط، ج2، ص121، ح1450؛ لم يقف الباحث على تخريجه عند غيره بهذا اللفظ.
(¬5) السرخسي، المبسوط،، ج1، ص342.
الجزء 1 · صفحة 19
18 - وكان - رضي الله عنه -، حريصاً أن يتعلم من أقرانه؛ كبار علماء الصحابة - رضي الله عنهم -؛ وما يدل على ذلك: قوله - رضي الله عنه -: «لو أعلم أحداً أعلم بكتاب الله مني تبلغه المطايا»، قال: فقال له رجل: فأين أنت عن علي - رضي الله عنه -؟ قال: «به بدأت أي قرأت عليه» (¬1).
19 - وكان - رضي الله عنه -، مُحباً لمجالس المتقين والفقهاء، ومن ذلك: أنه قال: «المتقون سادة والفقهاء قادة، ومجالستهم زيادة» (¬2).
**********
¬
(¬1) ابن الأعرابي، أحمد بن محمد بن زياد بن بشر بن درهم البصري الصوفي (1997م). معجم ابن الأعرابي (تحقيق: عبد المحسن بن إبراهيم بن أحمد الحسيني)، ط1، ج2، ص745، ح1509، دار ابن الجوزي، الدمام. عن عبيدة السلماني.
(¬2) الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص105، ح8553؛ البيهقي، المدخل إلى السنن الكبرى، ص295، ح439؛ أبو داود، سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو (1993م). الزهد (تحقيق: ياسر بن ابراهيم بن محمد، غنيم بن عباس بن غنيم)، ط1، ص159، ح159، دار المشكاة، حلوان؛ عن عبد الرحمن بن حجيرة يحدث، عن أبيه؛ قال الهيثمي: «رجاله موثقون». مجمع الزوائد، ج1، ص126، ح520.
الجزء 1 · صفحة 20
الفصل الأول: أصول فقه ابن مسعود - رضي الله عنه -، وأثرها في الفقه الحنفي.
في هذا الفصل يستعرض الباحث الأصول التي حاول أن يستنطقها ويستنبطها من آثار ابن مسعود - رضي الله عنه - وتدل صراحة على منهجه وأصوله الفقهية.
وسيحاول الباحث إبراز ما أسهمته شخصية ابن مسعود - رضي الله عنه - الفذة في أصول الفقه من خلال استقراء الآثار المرويّة عنه في أبواب الفقه، ثم استنباط الأصول؛ مع الرجوع إلى كتب المذهب استدلالاً واستئناساً.
المبحث الأول: المصادر الأصوليَّة العامة المستنبطة من فقه ابن مسعود - رضي الله عنه -، والمنهج المتبع فيها.
المطلب الأول: المنهجية الأصوليَّة المستقلة.
لا يُسلّم ابن مسعود - رضي الله عنه - بسهولة لأي مسألة فقهية أو رأي ما يصدر من أي جهة؛ إلا إذا حاكمه على مجموعة من المصادر الأصولية والقواعد الثابتة والترجيحات؛ وعلى مصفوفة من الأولويَّات التشريعية ثم الاجتهادية المكينة؛ ويحق له ذلك؛ فقد ظهر رسوخ قدمه في العلم الشرعي، من خلال سعة اطلاعه على قدر كبير من علوم القرآن والحديث النبوي وعلى دراية كبيرة جداً في فتاوى علماء أهل زمانه؛ من كبار الصحابة والتابعين، وتنقله المستمر بين الكوفة والمدينة المنورة؛ للاطلاع على المستجدات العلمية في الفتوى والقضاء، وقد واكب الحوادث واطلع على عُرف أهل بلده، من خلال مخالطتهم ومجالستهم وتفقد أحوالهم؛ مما مكَّن من رسوخه، وزاد من علو كعبه في القضاء والإفتاء وعزز من منهجه الأصولي في ذلك، وما سيأتي ذكره في المباحث التالية؛ تدليلاً على منهجية تشريعية مستقلة واضحة ومميزة.
وترتيب المصادر الأصولية للاستدلال عند ابن مسعود - رضي الله عنه -، قد لخصها بنفسه بهذه الكلمات، قال - رضي الله عنه -: «فمن عُرض له منكم قضاء بعد اليوم؛ فليقض بما في كتاب الله، فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله، فليقض بما قضى به نبيه ?، فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله، ولم يقض به نبيه ?، فليقض بما قضى به الصالحون، فإن أتاه أمر ليس في كتاب الله، ولا قضى به نبيه ?، ولا قضى به الصالحون، فليجتهد برأيه (¬1)، [أي ليستدل بدلائل الشرع] (¬2)، ولا يقول: إني أخاف
¬
(¬1) فإن ابن مسعود - رضي الله عنه -، كان «يرجع في الحوادث إلى رسول الله ?، وإلى أبي بكر وعمر - رضي الله عنهم -، وما كان يرجع إلى نفسه - رضي الله عنه -، ثم تعلم واجتهد حتى صار مذكوراً». ينظر بتصرف يسير، الصدر الشهيد، برهان الأئمة حسام الدين عمر بن عبد العزيز بن مازة (1977م). شرح أدب القاضي للخصاف (تحقيق: محيي هلال السرحان)، ط1، ج1، ص235، مطبعة الارشاد، والدار العربية، بغداد.
(¬2) النسفي، عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل (1311هـ). طلبة الطلبة في الاصطلاحات الفقهية، ص131، المطبعة العامرة، مكتبة المثنى، بغداد.
الجزء 1 · صفحة 21
وإني أخاف، [يعني؛ ليرجّح بالدلائل، ولا يقف شاكاً مرتاباً] (¬1)؛ فإنّ الحلال بيّن والحرام بيّن، وبين ذلك أمور مشتبهات، فدع ما يربيك إلى ما لا يربيك» (¬2)؛ «فإن عييت فاؤمِ ولا تأل» (¬3)؛ «فإن عييت فَافْرُرْ منه ولا تستح» (¬4).
«وبذلك كانت مصادر الفقه في هذا العصر أربعة: الكتاب والسُنة، والإجماع، والقياس» (¬5)، وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «إن أحسن الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ?» (¬6)، فقدَّم القرآن كمصدر أول ثم تبعه ثانياً بالسُنة النبوية الشارحة والهادية.
ولشرح هذه الأصول، لا بد من الولوج على كل أصل على حدا، والنظر والاستدلال بآثار ابن مسعود - رضي الله عنه -؛ للخلوص بمنظومة ومنهاج أصولي متكامل؛ ليقارن -بعد ذلك- بمدى تأثيره وعلاقته على أصول المدرسة الفقهية الحنفية.
المطلب الثاني: مصطلحات الأحكام التكليفية عند ابن مسعود - رضي الله عنه -.
من خلال استقراء الباحث (¬7) لأثار ابن مسعود - رضي الله عنه -، والتي يُصرح فيها بالحُكم الشرعي؛ بين مكروه وحرام وواجب الخ .. ؛ فإن الباحث يقف على جملة من الألفاظ في تلك الآثار؛ مع بيان مدلولات كل واحدة منها؛ من خلال السياق الذي ارتبط بها، وتصنيفها ضمن الأحكام الشرعية، ومن ذلك:
¬
(¬1) النسفي، طلبة الطلبة، ص131.
(¬2) مصنف ابن أبي شيبة، ج11، ص607، ح23445، واللفظ له؛ سنن الدارمي، ج1، ص264، ح167؛ البيهقي، السنن الكبرى، ج10، ص196، ح20343؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص187، ح8920.
(¬3) الطبراني، المعجم الكبير، مصدر سابق، ج9، ص187، ح8921؛ مصنف عبد الرزاق، ج8، ص301، ح15295.
(¬4) مصنف عبد الرزاق، مصدر سابق، ج8، ص301، ح15295؛ الخطيب البغدادي، أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي (1421هـ). الفقيه و المتفقه (تحقيق: عادل بن يوسف الغرازي)، ط2، ج1، ص494، دار ابن الجوزي، الدمام.
(¬5) القطان، مناع بن خليل (2001م). تاريخ التشريع الإسلامي، ط5، ص191، مكتبة وهبة، القاهرة.
(¬6) صحيح البخاري، ج8، ص25، ح6098، باب: في الهدي الصالح، عن طارق.
(¬7) حتى لا يكون في هذه الدراسة تكرار للآثار فإن الباحث أثبت مصادر الآثار التي تتعلق بالمصطلحات التكليفية الواردة عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في الهامش؛ ليسهل الرجوع لها في الدراسة نفسها.
الجزء 1 · صفحة 22
1 - قوله: «مكروه»، أو «يُكره»، أو «كره»؛ فإنه يدل (¬1) على الكراهة التحريمية (¬2).
2 - قوله: «من الجفاء»؛ أو «ما أحب كذا»، أو «عزيز عليه كذا»، أو «لا يفعل كذا»، أو «لا أفعل كذا»؛ فإنه يدل على الكراهة التنزيهية (¬3).
3 - قوله: «سُنة»؛ أي لا يجوز تركها؛ فهي من سُنن الهدى، أو السُنن المؤكدة (¬4)، وهي «التي لا تصل إلى الواجب أو الفرض؛
¬
(¬1) لاحظ الباحث أن ابن مسعود - رضي الله عنه -، يستخدم مصطلح: (الكراهة)، بمعنى (الحُرمة)، وهذا مضطرد عنده في كل ما تتبعه له الباحث من آثار فقهية؛ وإن لم يصرح بالحُرمة؛ إلا أن سياق الحُكم من خلال الآثار ينبئ عن هذا المعنى بوضوح.
(¬2) ينظر: مصنف ابن أبي شيبة، ج4، ص423، ح6588؛ ج4، ص426، ح6608؛ ج2، ص62، ح1206؛ ج10، ص540، ح20583؛ ج10، ص570، ح20732؛ ج11، ص223، ح22113؛ ج11، ص547، ح23209؛ ج11، ص548، ح23217؛ ج11، ص123، ح21628؛ مصنف عبد الرزاق، ج7، ص193، ح12742؛ ج6، ص272، ح10809؛ ج1، ص435، ح1699؛ ج1، ص364، ح1417؛ ج4، ص186، ح7426؛ ج8، ص231، ح15004؛ ج7، ص208، ح12814؛ ج7، ص195، ح12751؛ مسند البزار، ج5، ص21، ح1577؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص314، ح9572؛ ج9، ص256، ح9267؛ ج9، ص336، ح9668؛ ج9، ص343، ح9709؛ ج9، ص337، ح9675؛ ج9، ص335، ح9666؛ البيهقي، معرفة السنن والأثار، ج8، ص181، ح11560؛ ج6، ص282، ح8743؛ ج10، ص104، ح13837؛ البيهقي، السنن الكبرى، ج6، ص28، ح11071؛ ج2، ص344، ح3311؛ ج6، ص28، ح11071.
(¬3) ينظر: مصنف ابن أبي شيبة، ج2، ص92، ح1335؛ ج2، ص351، ح2266؛ ج3، ص510، ح4747؛ ج7، ص352، ح11893؛ البيهقي، السنن الكبرى، ج2، ص405، ح3552؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص256، ح9269؛ ج9، ص266، ح9325؛ ج9، ص300، ح9503؛ ج9، ص285، ح9434؛ معرفة السنن والأثار، ج3، ص203؛ ينظر: سنن الترمذي، ج1، ص63؛ مصنف عبد الرزاق، ج2، ص173، ح2942؛ ج3، ص61، ح4797؛ ج1، ص471، ح1818؛ الدكين، أبو نعيم الفضل بن عمرو بن حماد بن زهير بن درهم (1996م). كتاب الصلاة، ط1، ص163، ح204، مكتبة الغرباء، المدينة المنورة؛ ابن المنذر، الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف، ج3، ص43؛ أبو يوسف القاضي، الآثار، ص19، ح90.
(¬4) ينظر: مسند الشاشي، ج2، ص298، ح875؛ مسند الحارث، ج1، ص307، ح202؛ مسند البزار، ج5، ص72، ح1643؛ ج5، ص315، ح1932؛ مسند ابن الجعد، ص285، ح1918؛ مسند أبي داود الطيالسي، ج1، ص307، ح391؛ مصنف ابن أبي شيبة، ج4، ص36، ح5058؛ ج2، ص369، ح2345؛ معجم ابن المقرئ، ط1، ص136، ح378؛ سنن أبي داود، ج1، ص259، ح986؛ البيهقي، السنن الكبرى، ج2، ص209، ح2846؛ سنن الترمذي، ج1، ص378، ح291؛ ينظر التخريج: منصور، محمد صباح (2003م). الإعلام بنقد كتاب «الروض البسَّام بتخريج وَترتيب فوائد تمَّام» لجاسم الفهيد الدوسري، ط1، ص71، مؤسسة غراس، الكويت.
الجزء 1 · صفحة 24
كما يدل عليه السياق» (¬1).
4 - قوله: «حَسن»، أو «ولنعم البدعة»، أو «استحبُ»، «أحبُ إليَّ»، أو «من أحبِ»، أو «إن شاء فعل كذا»، أو «لو كنت لفعلت كذا»؛ فإنه يدل على الندب والاستحباب (¬2).
5 - قوله: «يجوز»، أو «لا بأس»، أو «سكت عنه»، أو «لم يبال به»، أو «رخص»، أو «فإن شئت كذا أو شئت كذا»، أو «كنا لا ننهى عن كذا»، أو «لم ينهَ عن كذا»، أو «لم يأمرنا بكذا»؛ يدل على مطلق الإباحة، أو عدم نقض العمل أو عدم حصول الإثم (¬3).
6 - قوله: «أمر بكذا»، أو «أمرتم بكذا»، أو «وجب»، أو «افعلوا كذا»؛ فإنه يدل على الوجوب (¬4).
¬
(¬1) بلتاجي، مناهج التشريع، ص285.
(¬2) ينظر: أبو يوسف، الآثار، ص6، ح29؛ مصنف عبد الرزاق، ج1، ص127، ح469؛ ج1، ص263؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص248، ح9222؛ ج9، ص254، ح9255؛ ج9، ص254، ح9256؛ مصنف ابن أبي شيبة، ج2، ص375، ح2358؛ ج2، ص403، ح2418.
(¬3) ينظر: مصنف ابن أبي شيبة، مصدر سابق، ج1، ص370، ح423؛ ج3، ص326، ح3975؛ ج2، ص71، ح1261؛ ج5، ص336، ح8136؛ الشيباني، أبو عبد الله محمد بن الحسن بن فرقد (1403هـ). الحجة على أهل المدينة (تحقيق: مهدي حسن الكيلاني القادري)، ط3، ج1، ص21، عالم الكتب، بيروت؛ سنن الدارقطني، ج1، ص154، ح297؛ القاسم بن سلام، كتاب الطهور، ص353، ح325؛ معرفة السنن والأثار، ج1، ص314، ح749؛ السنن الكبرى، ج1، ص140، ح407؛ ج1، ص140، ح407؛ ج2، ص621، ح4327؛ مسند البزار، ج5، ص177، ح1774؛ مصنف عبد الرزاق، مصدر سابق، ج1، ص412، ح1613؛ ج2، ص283، ح3382؛ ج3، ص347، ح5919؛ ج1، ص120، ح436؛ ج1، ص125، ح459؛ البيهقي، معرفة السنن والآثار، ج1، ص315، ح754؛ ج3، ص357، ح4913؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص144، ح8715؛ ج9، ص248، ح9219؛ الدارقطني، السُنن، ج1، ص153، ح296؛ ينظر: الجصاص، أحكام القرآن، ج3، ص368؛ صحيح مسلم، ج1، ص378، ح534؛ ابن المنذر، أبو بكر محمد بن إبراهيم النيسابوري (1985م). الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف (تحقيق: صغير أحمد بن محمد حنيف)، ط1، ج1، ص422، دار طيبة، الرياض؛ التخريج: ينظر: ابن الملقن، سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد (2004م). البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير (تحقيق: مصطفى أبو الغيط، عبد الله بن سليمان، ياسر بن كمال)، ط1، ج2، ص267، دار الهجرة، الرياض؛ ابن الحجر العسقلاني، إتحاف المهرة، ج10، ص455؛
(¬4) ينظر: الطحاوي، شرح معاني الأثار، ج1، ص34، ح150؛ الزرقي، إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري (1998م). حديث علي بن حجر السعدي عن إسماعيل بن جعفر المدني (تحقيق: عمر بن رفود بن رفيد السّفياني)، ط1، ص204، ح107، مكتبة الرشد، الرياض؛ أبو عُبيد، القاسم بن سلاّم بن عبد الله الهروي البغدادي (1994م). الطهور، ط1، ص365، ح357، مكتبة الصحابة، جدة؛ سنن الدارقطني، ج1، ص189، ح373؛ مصنف عبد الرزاق، ج1، ص245، ح938؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص253، ح9251؛ ج9، ص247، ح9213؛ ج10، ص154، ح10298؛ البيهقي، السنن الكبرى، ج4، ص573، ح8768؛ مصنف ابن أبي شيبة، ج2، ص476، ح2673.
الجزء 1 · صفحة 25
المطلب الثالث: ثبوت النسخ؛ فيُعمل بالمتأخر من الدليلين.
ثبت عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، أخذه بالناسخ والمنسوخ في فتاويه وقضائه؛ وكان من أعلم الصحابة - رضي الله عنه -، بالناسخ والمنسوخ وخصوصاً في ناسخ القرآن؛ فعن أبي ظبيان، قال لي عبد الله ابن عباس - رضي الله عنه -: أي القراءتين نقرأ؟ قلت: القراءة الأولى قراءة ابن أم عبد؟ فقال: أجل، هي الآخرة إن رسول الله ? كان يعرض القرآن على جبرئيل في كل عام مرة، فلما كان العام الذي قبض فيه رسول الله ? عرضه عليه مرتين، فحضر ذلك عبد الله - رضي الله عنه -، فعلم ما نُسخ من ذلك وما بُدل (¬1).
فإذا ثبت النسخ عند ابن مسعود - رضي الله عنه -، سماعاً من النبي ?، أو إجماعاً من الصحابة - رضي الله عنهم -، صار إليه، وترك الدليل الأول المنسوخ، ومثاله:
أ- نسخ القرآن بالقرآن: كان ابن مسعود - رضي الله عنه -، يقول: «من شاء حالفته (¬2) أن سورة النساء القصرى [يعني سورة: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ... وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 1 - 4]، إلى آخرها]، أنزلت بعد التي في البقرة، {أربعة أشهر وعشراً}، [البقرة: 234]» (¬3).
ومن أمثلة نسخ القرآن بالقرآن: ما رواه السدي عن مُرة عن عبد الله - رضي الله عنه -، قال: لما نزلت هذه الآية: «وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين»، قال: وعلى الذين يطيقونه أي يتجشمونه، قال عبد الله - رضي الله عنه -: «فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم مسكيناً»، فمن تطوع أطعم مسكيناً
¬
(¬1) الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ج3، ص992.
(¬2) وفي لفظ: «قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: من شاء باهلته: أن سورة النساء القصرى، نزلت بعد الآية التي في سورة البقرة». الزيلعي، نصب الراية، ج3، ص256؛ ابن حجر العسقلاني، الدراية في تخريج أحاديث الهداية، ج2، ص78؛ وفي لفظ: عن مسروق قال: قال عبد الله - رضي الله عنه -: «من شاء لاعنته لأنزلت سورة النساء القصرى بعد {أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234]». سنن سعيد بن منصور، ج1، ص396، ح1512؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص329، ح9641؛ مصنف عبد الرزاق، مصدر سابق، ج6، ص471، ح11714؛ «وعليه يترقى الأثر إلى درجة الصحيح لغيره». ابن حجر العسقلاني، المطالب العالية، ج15، ص361.
(¬3) سُنن سعيد بن منصور، ج1، ص396، ح1513؛ وفي لفظ: عن ابن سيرين عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال: «أتجعلون عليها التغليظ، ولا تجعلون لها الرخصة، لنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى». صحيح البخاري، ج6، ص30، ح4532؛ وعن إبراهيم عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، قال: «نسخت سورة النساء القصرى كل عدة: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4]». أبو يوسف، الآثار، ص143، ح652.
الجزء 1 · صفحة 26
آخر فهو خير له وأن تصوموا خير لكم، فكانوا كذلك حتى نسختها: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}. [البقرة: 185] (¬1).
ب- نسخ السُنة بالقرآن: حيث قال -عن نكاح المتعة-: «نسخها الطلاق والعدة والميراث» (¬2). ونُسخت القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، فعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال: «كان الناس يُصلون قبل بيت المقدس، فلما قدم النبي ? المدينة على رأس ثمانية عشر شهراً من مهاجره، كان إذا صلى رفع رأسه إلى السماء ينظر ما يؤمر، وكان يصلي قبل بيت المقدس، فنسختها الكعبة» (¬3).
ج- نسخ السُنة بالسُنة: ثبت أن ابن مسعود - رضي الله عنه -، كان يُفتي أن «الماء من الماء» (¬4). ثم أفتى؛ أنه «إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل» (¬5). -سواء- أنزل أم لم يُنزل، وفي رواية: «أما أنا، فإذا بلغتُ ذلك منها اغتسلت» (¬6). قال العيني -في خبر أن الماء من الماء-: «أنه منسوخ عند جمهور الصحابة ومن بعدهم؛ ويعنون بالنسخ أن الغُسل من الجماع بغير إنزال كان ساقطاً، ثم صار واجباً» (¬7). وقال السرخسي -في حديث: «إذا التقى الختانان وجب الغسل أنزل، أو لم ينزل» (¬8) -:
¬
(¬1) ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر (1419هـ). تفسير القرآن العظيم (تحقيق: محمد حسين شمس الدين)، ط1، ج1، ص366، دار الكتب العلمية، بيروت. تفرد بروايته.
(¬2) مصنف عبد الرزاق، ج7، ص505، ح14044؛ عن الحكم؛ لم يقف الباحث على تخريجه عند غيره بهذا اللفظ؛ ينظر: الأصل، ج10، ص294؛ ابن عبد البر، الاستذكار، ج5، ص507.
(¬3) الطبري، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي (1387هـ). تاريخ الرسل والملوك، ط2، ج2، ص416، دار التراث، بيروت؛ لم يقف الباحث على تخريجه عند غيره بهذا اللفظ.
(¬4) مصنف ابن أبي شيبة، ج1، ص526، ح963؛ ثبت أن قوله: «الماء من الماء»، منسوخ؛ فعن سهل بن سعد، قال: حدثني أبي، أن الفتيا التي كانوا يفتون: «أن الماء من الماء، كان رخصة رخصها رسول الله ?، في أول الزمان، أو بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعد». أي من غير إنزال؛ بمجرد تواري الحشفة في فرج المرأة. صحيح ابن حبان، ج3، ص453، ح1179؛ ينظر: التنبيه على مشكلات الهداية، ج1، ص306؛ الزيلعي، نصب الراية، ج1، ص82؛ قال العيني: بالنسبة لمن «يجامع امرأته ولم ينزل منيه لا يجب عليه الغُسل، وإنما عليه أن يغسل ذكره ويتوضأ وضوءه للصلاة؛ وهذا منسوخ». عمدة القاري، ج3، ص252.
(¬5) مصنف عبد الرزاق، ج1، ص245، ح938؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص253، ح9251؛ قال الهيثمي: «وفيه جابر الجعفي، وهو ضعيف». مجمع الزوائد، ج1، ص267، ح1444. عن علقمة.
(¬6) مصنف ابن أبي شيبة، ج1، ص520، ح943؛ مصنف عبد الرزاق، مصدر سابق، ج1، ص247، ح947. عن علقمة.
(¬7) شرح سُنن أبي داود، ج1، ص490.
(¬8) مسند أبي حنيفة، رواية أبي نعيم، ص161؛ أبو يوسف، الآثار، ص12، ح56؛ وفي لفظ: «إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل»؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص253، ح9251؛ مصنف عبد الرزاق، ج1، ص245، ح938؛ عن علي، وعلقمة، عن عبد الله بن مسعود، ومسروق، عن عائشة -رضي الله تعالى عنهم-؛ قال الهيثمي: «وفيه جابر الجعفي، وهو ضعيف»، مجمع الزوائد، ج1، ص267، ح1444.
الجزء 1 · صفحة 27
«وهو قول المهاجرين؛ عمر وعلي وابن مسعود - رضي الله عنهم -» (¬1)، قال البيهقي: «رجع عبد الله - رضي الله عنه - عن قوله الأول، كما رجع عثمان، وعلي، وأبي بن كعب - رضي الله عنهم -» (¬2).
ومن أمثلة نسخ السُنة بالسُنة؛ عن علقمة، قال: رأيت عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أكل طعاماً، ثم دعا بنبيذ فشربه، فقلت: رحمك الله تشرب النبيذ، والأمة تقتدي بك؟ فقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «رأيت رسول الله ? يشرب النبيذ، ولولا أني رأيته يشرب ما شربته» (¬3). ثم إذا ورد نهي في الانتباذ بالأواني فـ «إن هذا النهي كان في ابتداء الإسلام ثم نُسخ؛ ففي صحيح مسلم من حديث بريدة - رضي الله عنه -، أن رسول الله ?، قال: (كنت نهيتكم عن الانتباذ (¬4) إلا في الأسقية فانتبذوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكراً) (¬5). «وفي الحديث دليل نسخ السُنة بالسُنة» (¬6).
المبحث الثاني: المصادر الأصولية لفقه ابن مسعود - رضي الله عنه -.
في هذا المبحث يستعرض الباحث المصادر الأصولية الأولية التي بدأ فيها ابن مسعود - رضي الله عنه -، فقهه في القضاء والإفتاء، وهي على الترتيب: القرآن الكريم، السُنة النبوية، وإجماع الأمة، ويتفرع عنه قضاء كبار الصحابة؛ كقضاء عمر - رضي الله عنه -، والمصدر الرابع الرئيس القياس.
المطلب الأول: إعمال القرآن الكريم والسُنة النبوية كمصدرين للتشريع عند ابن مسعود - رضي الله عنه -.
حظي القرآن الكريم باهتمام فريد من لدن ابن مسعود - رضي الله عنه -، فهو الحاكم الأول والرئيس عنده؛ ولا يُقدم عليه شيء حين التعارض الصريح مع السُنة النبوية أو غيرها؛ فمثلاً في قوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ الَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ}. [سورة النساء: 23]. عن شريح، أن ابن
¬
(¬1) السرخسي، المبسوط، ج1، ص69.
(¬2) البيهقي، معرفة السنن والآثار، ج1، ص468، ح1401؛ ينظر تفصيل المسألة؛ بلتاجي، منهج عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، ص95 - 102.
(¬3) مسند أبي حنيفة، رواية أبي نعيم الأصبهاني، ص82.
(¬4) «إنما نهي عن هذه الأوعية على الخصوص، لأن الأنبذة تشتد في هذه الظروف أكثر مما تشتد في غيرها: يعني فصاحبها على خطر من الوقوع في شرب المحرم». البابرتي، محمد بن محمد بن محمود، أكمل الدين، العناية شرح الهداية، ج10، ص106؛ دار الفكر، بيروت.
(¬5) صحيح مسلم، ج3، ص1584. باب: النهي عن الانتباذ في المزفت والدباء والحنتم والنقير، وبيان أنه منسوخ، وأنه اليوم حلال ما لم يصر مسكراً.
(¬6) السرخسي، المبسوط، ج24، ص10.
الجزء 1 · صفحة 28
مسعود - رضي الله عنه -، كان يقول: «يحرُم من الرضاع قليله وكثيره» (¬1)؛ فإن مطلق الرضاعة يحرم، فإن أرضعت مرة واحدة أصبحت مرضعة عند ابن مسعود - رضي الله عنه -.
والمتتبع لآثار ابن مسعود - رضي الله عنه -، يجد أنه يستند إلى نصوص القرآن الكريم بكثرة، ولا يكاد يرد عنه حُكم أو قضاء بخلاف ما عليه القرآن الكريم؛ ولا يقدم الدليل من السُنة أو قول الصحابي أو الإجماع؛ إلا إذا عُدم الدليل الصريح من القرآن الكريم في المسألة المراد استنباط الحُكم من أجلها.
والسُنة النبوية فهي ثاني الأصول التشريعية عند ابن مسعود - رضي الله عنه -، وهذا لا خلاف فيه عنده؛ وتتنوع أقسام السُنة النبوية عنده - رضي الله عنه -، لتشمل الخبر المرفوع منه، أو من غيره، ولا إشكال عنده في السُنة التي سمعها أو شاهدها من النبي ?، لكن وقع الإشكال عنده في الخبر الذي عارض الخبر الذي وصله من النبي ? مباشرة؛ وسيأتي تفصيل ذلك في المطالب التالية.
المطلب الثاني: الإجماع كمصدر تشريعي عند ابن مسعود - رضي الله عنه -.
حرص ابن مسعود - رضي الله عنه - على الأخذ بإجماع مجتهدي الصحابة وكبارهم - رضي الله عنهم - (¬2)، وعلى أن يعرف مواطن ما أجمعوا عليه من مسائل فقهية أو قضائية؛ وحرص على أن يُفتي بما عليه الإجماع -ما أمكن ذلك- (¬3)؛ من خلال تتبع ما اتفق وما خالف القوم عليه من مسائل (¬4).
¬
(¬1) النسائي، السنن الكبرى، ج5، ص200، ح5439؛ الطحاوي، شرح مشكل الأثار، ج11، ص491، ح4568؛ البيهقي، السنن الكبرى، ج7، ص754، ح15641؛ مصنف عبد الرزاق، ج7، ص468، ح13924؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص341، ح9698؛ سنن الدارقطني، ج5، ص302، ح4355؛ ينظر: مصنف ابن أبي شيبة، ج9، ص288، ح17311؛ ينظر: الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص342، ح9699؛ قال الهيثمي: «إسناده منقطع»، مجمع الزوائد، ج4، ص261، ح7361.
(¬2) ينظر: البابرتي، العناية شرح الهداية، ج1، ص340.
(¬3) صرَّح السادة الحنفية بإمكان وقوع الإجماع في عصر ابن مسعود - رضي الله عنه -، وفي مسائل عدوها، واعتبروها إجماعاً، ومن ذلك، اتفاق الصحابة - رضي الله عنهم -، على وجوب الجُعل؛ «لأن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال في مجلسه ما قال، وقد اشتهر عنه ذلك لا محالة، ولم ينكر عليه أحد من أقرانه، وقد عرض قوله عليهم لا محالة. والسكوت بعد ذلك عن إظهار الخلاف لا يحل لمن يعتقد خلافه، فمن هذا الوجه يثبت الإجماع منهم ثم هم اتفقوا على أصل وجوب الجعل». السرخسي، المبسوط، ج11، ص17.
(¬4) ويلفت الباحث إلى أن إجماعات ابن مسعود - رضي الله عنه -، تقع ضمن دائرة فقه العبادات والمعاملات أو فقه الأفراد، وما شابهها، وليس في فقه السياسة الشرعية أو في المسائل الكبيرة أو تلك التي تحتاج إلى مجلس شورى، وأهل حل وعقد؛ فهذه الأخيرة مما يصعب معها وقوع الإجماع بالمعنى الأصولي؛ كاجتهادات عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -؛ حيث أنها كانت تقوم على إجماع مجموعة قليلة من كبار فقهاء الصحابة - رضي الله عنهم -، وقد يخالف فيها آخرون، ينظر: بلتاجي، منهج عمربن الخطاب - رضي الله عنه - في التشريع، ص448.
الجزء 1 · صفحة 29
وعند المذهب الحنفي يعتبرون أعلى مراتب الإجماع؛ ما كان «باعتبار المُجمعين إجماع الصحابة - رضي الله عنهم -، تصريحاً من الكلّ، وهذا إذا انقرض عليه عصرهم، وانتقل إلينا متواتراً، كالآية والخبر المتواتر القطعي الدلالة، يكفر جاحد حكمه، وإن نقل آحاداً كان كخبر الواحد. ثم الإجماع الذي ثبت بنص البعض منهم وسكوت الباقين، وهذا لا يكفر جاحد حكمه، وإن كان من الأدلة القطعية؛ لأنه بمنزلة العام من النصوص» (¬1).
وكانت عبارة ابن مسعود - رضي الله عنه - كاشفة على أخذه بما أجمع عليه كبار الصحابة، قال - رضي الله عنه -: «فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله، ولم يقض به نبيه ?، فليقض بما قضى به الصالحون» (¬2)، والمقصود بـ «الصالحون»، «أن أحكام العلماء والأمراء ذوي العلم والأخلاق تشكل مثالاً يُحتذى لمن بعدهم، وخصوصاً إجماعات الصحابة وعلى رأسهم أبو بكر وعمر - رضي الله عنهم -. كما أن هذه الرواية -عن ابن مسعود - رضي الله عنه - تفيد أنه لا يجوز ترك الاجتهاد في المسائل الحادثة ممن هو أهل له» (¬3).
1 - ومن الآثار التي تشهد بإيلاء ابن مسعود - رضي الله عنه -، للإجماع أهمية كبرى ومنزلة عظمة: أنه لما سُئل عن التكبير على الجنائز، قال: «ورأيت الناس قد أجمعوا على أربع» (¬4) تكبيرات. وفي رواية: قال: «كنا نُكبِّر على الميت خمساً وستاً، ثم اجتمعنا على أربع تكبيرات» (¬5). والإجماع حُجة؛ لأنهم أجمعوا عليها (¬6).
2 - ومن الدلائل على حصول المعرفة بالإجماع عند ابن مسعود - رضي الله عنه - منه وله، أنه كان -هو نفسه- مرجعاً في الفتوى والإجماع؛ «ولا إجماع إلا برأي ابن مسعود - رضي الله عنه -» (¬7)، وقد اتفق على أنه كان من ضمن أصحاب الفتوى الستة المشهورين (¬8)، وهم: عمر بن الخطاب، علي بن أبي طالب، عبد
¬
(¬1) ابن قطلوبغا، شرح مختصر المنار في آخر كتاب مسار الوصول، ص535.
(¬2) مصنف ابن أبي شيبة، ج11، ص607، ح23445، واللفظ له؛ سنن الدارمي، ج1، ص264، ح167؛ البيهقي، السنن الكبرى، ج10، ص196، ح20343؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص187، ح8920.
(¬3) مقدمة المحقق، الشيباني، الأصل، (تحقيق: محمَّد بوينوكالن)، ج1، ص179.
(¬4) مصنف ابن أبي شيبة، مصدر سابق، ج7، ص262، ح11534؛ لم يقف الباحث على تخريجه عند غيره بهذا اللفظ؛ ينظر: الكاساني، بدائع الصنائع، ج1، ص313.
(¬5) مصنف ابن أبي شيبة، مصدر سابق، ج7، ص264، ح11554؛ عن إبراهيم النخعي؛ لم يقف الباحث على تخريجه عند غيره بهذا اللفظ.
(¬6) ينظر: الكاساني، بدائع الصنائع، ج1، ص313.
(¬7) المرغيناني، علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني. الهداية في شرح بداية المبتدي (تحقيق: طلال يوسف)، ج2، ص354، دار احياء التراث العربي، بيروت.
(¬8) بمعنى أن الذين برزوا للفتوى في زمانه كانوا أولئك النفر من الصحابة، فليس كل من هب ودب كان يفتي الناس، فهذا مما أسهم في حصر مواطن الإجماع في أولئك الستة من الصحابة - رضي الله عنهم -.
الجزء 1 · صفحة 30
الله بن مسعود، أبي بن كعب، أبو موسى الأشعري، زيد بن ثابت (¬1)؛ وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: «إذا شاورهم، واتفق رأيه ورأيهم على شيء، حكم به؛ لأنه لما اتفق رأيه ورأيهم صار ذلك كالإجماع» (¬2)؛ لوجود التلاقح الفكري والمعرفي بين هؤلاء الستة، حصل نوع تشابه في الفتوى التي كانت تصدر عنهم؛ قال الشعبي: «كان عمر، وعبد الله بن مسعود، وزيد - رضي الله عنهم -، يشبه علمهم بعضه بعضاً، فكان يقتبس بعضهم من بعض» (¬3).
وخلاصة الأمر في الإجماع؛ أن ابن مسعود - رضي الله عنه - كان يأخذ بما عليه الاتفاق والعمل عند جماعة الصحابة؛ وأن الإجماع عنده -من خلال قوله وفتواه وتطبيقه للنصوص- يحتل المرتبة الثالثة بعد أخذه بالقرآن الكريم والسنة النبوية، ولتلك المنزلة الرفيعة من الإجماع مجموعة من الدلائل، هي خلاصة الترتيب الأصولي للإجماع عنده - رضي الله عنه -، ومن ذلك:
أ- المسائل التي اجتهد أن يُفتي بها أمام الناس، وبظنه أن لا نص فيها، أو عليها نص ودليل شرعي؛ فيسكت القوم أو يظهروا له ما يوافق. فإنه يدل على الإجماع؛ وحاشا للصحابة - رضي الله عنهم - في محضر ابن مسعود - رضي الله عنه -، أو غيره أن يسمعوا منه كلاماً مخالفاً لما عليه القرآن والسُنة، ثم يسكتوا. ورد عنه أنه قال: «الحيض؛ ثلاث وأربع وخمس وست وسبع وثمان وتسع وعشر، فإن زاد فهي مستحاضة» (¬4). حيث أورد الكاساني من طريق أبو أمامة الباهلي - رضي الله عنه - (¬5)، أنه حديث مشهور، وقال: «روي عن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم -؛ منهم عبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك، وعمران بن حصين، وعثمان بن أبي العاص الثقفي - رضي الله عنهم -، أنهم قالوا: «الحيض ثلاث، أربع، خمس، ست، ثمان، تسع، عشر»، ولم يروَ عن غيرهم خلافه فيكون إجماعاً» (¬6).
¬
(¬1) ابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة، ج2، ص492؛ سير أعلام النبلاء، ج2، ص433؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق، ج19، ص314؛ الطبقات الكبرى، ج2، ص351؛ تهذيب الكمال في أسماء الرجال، ج10، ص30.
(¬2) المحيط البرهاني، ج8، ص12.
(¬3) البيهقي، المدخل إلى السنن الكبرى، ص161، ح149؛ الحاكم، المستدرك على الصحيحين، ج3، ص483، ح5806؛ سير أعلام النبلاء، ج2، ص389؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق، ج32، ص64؛ البغوي، معجم الصحابة، ج2، ص474، ح859.
(¬4) سنن الدارقطني، ج1، ص388، ح805، وقال الدارقطني: «لم يروه عن الأعمش بهذا الإسناد غير هارون بن زياد وهو ضعيف الحديث , وليس لهذا الحديث عند الكوفيين أصل عن الأعمش والله أعلم».
(¬5) عن أبي أمامة - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله ?: «أقل ما يكون من الحيض للجارية البكر والثيب ثلاث، وأكثر ما يكون من المحيض عشرة أيام؛ فإذا رأت الدم أكثر من عشرة أيام فهي مستحاضة تقضي ما زاد على أيام أقرائها ... ». سنن الدارقطني، مصدر سابق، ج1، ص405، ح846.
(¬6) الكاساني، بدائع الصنائع، ج1، ص40؛ ينظر: العيني، البناية شرح الهداية، ج1، ص627.
الجزء 1 · صفحة 31
ب- المسائل التي سمع ابن مسعود - رضي الله عنه - أو شاهد غيره من الصحابة أو التابعين فيها من قول أو فعل، فسكت عنها؛ فيدل ذلك على إقراره بصحة ما شاهد أو سمع، وتدل على الإجماع عنده؛ ولو اعترض على مسألة ما، لنقل لنا ذلك؛ فقد وجدت مسائل صدرت من كبار الصحابة - رضي الله عنهم -، ظهر اعتراض ابن مسعود - رضي الله عنه - عليها جلياً.
ج- المسائل التي صرّح أنها موطن إجماع؛ -أي لم يرَ من يخالف فيها-؛ دل ذلك على الإجماع.
د- المسائل التي تعمد أن يجيب عنها بما يوافق العمل بها عند كبار الصحابة في المدينة المنورة،
في المعاملات والنكاح والقضاء، يدل على رعايته للإجماع.
هـ- ما نقله الرواة من الفقهاء استقصاء عن الصحابة - رضي الله عنهم -، ومنهم ابن مسعود - رضي الله عنه -، فقرروا أنهم اجتمعوا على حُكم واحد في المسألة الواحدة؛ دل ذلك على الإجماع بالنسبة لهم ولنا في المذهب. ومن ذلك: «ما روي عن علي وابن مسعود - رضي الله عنهم -، أنهما كانا «لا يُكبران عقيب التطوعات»؛ ولم يروِ عن غيرهما خلاف ذلك، فحلَّ محل الإجماع» (¬1).
المطلب الثالث: قول الصحابي الفقيه؛ كمصدر من مصادر التشريع عند ابن مسعود - رضي الله عنه -.
ضرب ابن مسعود - رضي الله عنه - أعظم الأمثلة في الولاء والاتباع لولاة أمور المسلمين -وخصوصاً الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم -، قال - رضي الله عنه -: «قد أتى علينا زمان لسنا نقضي، ولسنا هنالك، وإن الله قد بلغنا ما ترون» (¬2)؛ «قيل هذا إشارة منه إلى زمن أبي بكر وعمر - رضي الله عنهم -، فقد كانت الصحابة متوافرين في ذلك الوقت، وما كان يحتاج إلى ابن مسعود - رضي الله عنه -» (¬3). وكان شعاره في ذلك - رضي الله عنه -: «إنما نقضي
¬
(¬1) الكاساني، بدائع الصنائع، ج1، ص197. عن أبي وائل، عن عبد الله - رضي الله عنه -، «أنه كان يُكبّر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر». مصنف ابن أبي شيبة، ج4، ص196، ح5680.
(¬2) سنن الدارمي، ج1، ص264، ح167؛ البيهقي، السنن الكبرى، ج10، ص196، ح20343؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص187، ح8920. عن حُريث بن ظهير.
(¬3) السرخسي، المبسوط، ج16، ص68؛ السرخسي، محمد بن أحمد بن أبي سهل. أصول السرخسي، ج2، ص133، دار المعرفة، بيروت؛ المطرزي، ناصر الدين بن عبد السيدبن علي (1979م). المغرب في ترتيب المعرب (تحقيق: محمود فاخوري، عبدالحميد مختار)، ط1، ص508، مكتبة أسامة بن زيد، حلب؛ ينظر: البخاري، كشف الأسرار، ج2، ص398. و «يحتمل أن يكون بيانا للشكر؛ فإن الله تعالى أنعم عليه بهذا، فإنه بلغ مبلغاً يصلح للقضاء والفتوى؛ ويحتمل أن يكون بياناً لتراجع الزمان، فإنه تراجع الزمان حتى وجب الرجوع إلى مثلي في القضاء والفتوى». الصدر الشهيد، شرح أدب القاضي للخصاف، ج1، ص235.
الجزء 1 · صفحة 32
بقضاء أئمتنا» (¬1). فكان نهجه الأصولي في اتباع الخلفاء الراشدين، أن أقوالهم وقضاءهم يأتي في المرتبة الرابعة بعد القرآن الكريم والسُنة النبوية والإجماع، وقد يكون ما ورد عنهم -أصلاً- إجماعاً.
وقد يُخالف ابن مسعود - رضي الله عنه - الخليفة عمر بن الخطاب أو عثمان بن عفان - رضي الله عنهم - كما سيأتي بيانه-؛ لأن الأدلة عنده -كما أسلف الباحث- تبدأ بالكتاب والسُنة عنده - رضي الله عنه -؛ ولا ينازعه في ذلك خليفة ولا أمير؛ وهنا لا بد من التفريق بين المسائل الواردة عن الخلفاء الراشدين بين المُلزم (¬2) وغير الملزم؛ فإذا وجد في المسألة الواحدة أكثر من خبر عن النبي ?، -فيما لا يتعلق بالقضاء وسياسة الحُكم-، لم يُلزم فيها الخليفة الصحابة بقول واحد، وإنما ترك الحُكم فيه لاجتهادهم؛ المبني على اتباع الدليل الذي ثبت عندهم فيه الخبر اليقين؛ أما المسائل التي تتعلق بالقضاء وسياسة الحُكم؛ فإن الأمر فيها ملزم، ولا بد من اتخاذ قرار حاسم فيها؛ جمعاً للكلمة ووحدة الصف، ومن ذلك:
الأول- في بعض قضايا الفرائض المختلف فيها: عن عبيد بن نضيلة، قال: كان عمر وعبد الله - رضي الله عنهم - يقاسمان بالجد مع الإخوة ما بينه وبين أن يكون السُدس خيراً له من مقاسمتهم، ثم إن عمر - رضي الله عنه - كتب إلى عبد الله - رضي الله عنه -: «ما أرى إلا أنا قد أجحفنا بالجد، فإذا جاءك كتابي هذا فقاسم به مع الإخوة ما بينه وبين أن يكون الثلث خيراً له من مقاسمتهم، فأخذ به عبد الله - رضي الله عنه -» (¬3). وعن شعبة بن التوأم الضبي، قال: توفي أخ لنا في عهد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وترك جده وإخوته، فأتينا ابن مسعود - رضي الله عنه -، فأعطى الجد مع الإخوة السدس، ثم توفي أخ لنا آخر في عهد عثمان - رضي الله عنه -، وترك جده وإخوته، فأتينا ابن مسعود - رضي الله عنه -، فأعطى الجد مع الإخوة الثلث، فقلنا: أما أتيناك في أخينا الأول فجعلت للجد مع الإخوة السدس، ثم جعلت له الآن الثلث؟ فقال عبد الله - رضي الله عنه -: «إنما نقضي بقضاء أئمتنا» (¬4).
الثاني- وفي سياسة الحُكم: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، منع من توزيع أرض الخراج على الفاتحين، فما كان من ابن مسعود - رضي الله عنه -، إلا الاستجابة، وقد سُئل عن بيع أرض الخراج، فقال: «من أقرّ
¬
(¬1) سُنن سعيد بن منصور، ج1، ص67، ح61؛ لم يقف الباحث على تخريجه عند غيره بهذا اللفظ.
(¬2) المتتبع لاجتهادات عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، يرى أنها قائمة على المصلحة العامة -جميعها-، ولم يكن ليجتهد إلا لما فيه مصلحة مجتمعه، ولم يكن يريد -ابتداء- أن يحمل الناس في كل زمان ومكان على الالتزام بكل ما رآه وعمل به من اجتهادات؛ إلا ليواطئ ظروف هذا المجتمع الكبير ومفاهيم عصره المستجدة، -طبعاً- مع الالتزام الثوابت والقواعد العامة للتشريعي. ينظر بتصرف: بلتاجي، منهج عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، ص391.
(¬3) مصنف ابن أبي شيبة، ج16، ص267، ح31868؛ لم يقف الباحث على تخريجه عند غيره بهذا اللفظ.
(¬4) سنن سعيد بن منصور، ج1، ص67، ح61؛ عن سليمان بن يسار، أنه قال: «فرض عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم -: للجد الثلث مع الإخوة». البيهقي، السنن الكبرى، ج6، ص407.
الجزء 1 · صفحة 33
بالطسق [الخراج] فقد أقر بالصغار» (¬1)؛ ثم إن الخليفة عثمان بن عفان - رضي الله عنه - أقر ببيعها وشرائها، فما كان من ابن مسعود - رضي الله عنه - إلا أنه اشترى وباع من أرض الخراج؛ فقد جاء دهقان (¬2) إلى عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، فقال: اشترِ مني أرضي، فقال عبد الله - رضي الله عنه -: «على أن تكفيني خراجها؟» قال: نعم، فاشتراها منه (¬3).
المطلب الرابع: القياس، ودوران الحُكم مع علته.
بالنسبة للقياس؛ فإن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قد عمل بأصل القياس؛ لكنه لم يتوسع به؛ لقلة المستجدات في زمانه، ولم يأخذ ذلك الحيز الكبير من فتاويه وقضائه؛ فإن «كثيراً من الواقعات بعده صلوات الله وسلامه عليه لم تندرج في النّصوص الثّابتة فقاسوها [الصحابة - رضي الله عنهم -] بما ثبت، وألحقوها بما نصّ عليه بشروط في ذلك الإلحاق، [وأهمها] تصحّح تلك المساواة بين الشّبيهين أو المثلين؛ حتّى يغلب على الظّنّ أنّ حكم الله تعالى فيهما واحد، وصار ذلك دليلاً شرعياً بإجماعهم عليه؛ وهو القياس وهو رابع الأدلّة» (¬4).
ومما يشهد لابن مسعود - رضي الله عنه -، بمعرفته بالعلل، والقياس عليها، وأن الحُكم يدور مع علته عنده، ما روي عنه من آثار في ذلك:
أ- أنه سُئل عن فأرة وقعت في سمن فماتت؟ فقال: «إنما حَرّم الله من الميتة لحمها ودمها» (¬5).
ب- وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال: «لا تشتروا السمك في الماء؛ فإنه غرر» (¬6).
¬
(¬1) البيهقي، السنن الكبرى، ج9، ص236، ح18399؛ ابن زنجوية، الأموال، ص235، ح309؛ يحي بن آدم، أبو زكريا يحيى بن آدم بن سليمان (1384هـ). الخراج، ط2، ص53، المطبعة السلفية، مكة المكرمة. عن القاسم.
(¬2) «الدهقان بكسر الدال وضمها: رئيس القرية ومقدم التناء وأصحاب الزراعة، وهو معرب، ونونه أصلية». ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، ج2، ص145؛ و «قيل لكل من له عقار كثير دهقان». المطرزي، المغرب في ترتيب المعرب، ص172؛ ينظر: قلعجي، معجم لغة الفقهاء، ص30.
(¬3) يحي بن آدم، الخراج، ص53؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج1، ص313.
(¬4) ابن خلدون، المُقدمة، ج1، ص574؛ ينظر: الجصاص، الفصول في الأصول، ج4، ص298؛ شرح التلويح على التوضيح، ج1، ص31.
(¬5) مصنف ابن أبي شيبة، ج12، ص373، ح24883؛ البيهقي، السنن الكبرى، ج1، ص37، ح84؛ عن أبي حرب [عبد الله بن قيس] بن أبي الأسود؛ ابن المنذر، الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف، ج2، ص286، ح875.
(¬6) مصنف ابن أبي شيبة، مصدر سابق، ج11، ص335، ح22483؛ البيهقي، معرفة السنن والآثار، ج8، ص149، ح11455؛ قال الهيثمي: «ورجال الموقوف رجال الصحيح»، مجمع الزوائد، ج4، ص80، ح6353؛ وقال البيهقي: روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، مرفوعاً، أنه قال: «لا تشتروا السمك في الماء؛ فإنه غرر»، والصحيح أنه عنه موقوف عليه، السنن الصغير، ج2، ص272، ح1968.
الجزء 1 · صفحة 34
ج- وعن عبد الله - رضي الله عنه -، قال: «إياكم والمحفلات (¬1)؛ فإنها خلابة (¬2) ولا تحل الخلابة لمسلم» (¬3).
د- وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «إنما يحرُم من الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم» (¬4).
هـ وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال: «لا يُباع ثمر النخل؛ حتى يحمار ويصفار» (¬5).
وورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، نوعٌ من أنواع القياس، وهو قياس الشبه، ومن أمثلة ما ورد عنه في ذلك، في جزاء صيد المُحرِم: «في النعامة بدنة» (¬6).
وهذا النوع من القياس، يدل على إعماله القياس، وإن لم يُعمل به في المذهب الحنفي في الصورة السابقة وما هو على شاكلتها من مسائل، قال السرخسي: «فإذا لم تكن النعامة مثلاً للنعامة! كيف تكون البدنة مثلاً للنعامة؟» (¬7).
ومن أمثلة قياس الشبه عند ابن مسعود - رضي الله عنه -، قوله: «ديّة أهل الكتاب مثل ديّة المسلم» (¬8)، و «ديّة المعاهد [مجوسي أو غيره] مثل ديّة المسلم» (¬9)، وقوله: «إنما الولاء كالنسب؛ أفيبيع الرجل
¬
(¬1) و «المحفلات»: «جمع مُحَفَّلة -بضم الميم وتشديد الفاء- وهي الشاة أو البقرة أو الناقة لا يحلبها صاحبها أياماً حتى يجتمع لبنها في ضرعها، فإذا احتلبها المشتري حسبها غزيرة فزاد في ثمنها، ثم يظهر له بعد ذلك نقص لبنها عن أيام تحفيلها، سميت محفلة؛ لأن اللبن حُفِّل في ضرعها، أي جمع». بدر الدين العيني (2008م). نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار، ط1، ج11، ص443، وزارة الأوقاف، قطر.
(¬2) «وهي الخداع والتغرير»، العيني، نخب الأفكار، ج11، ص443.
(¬3) مصنف عبد الرزاق، ج8، ص198، ح14865؛ البيهقي، السنن الكبرى، ج5، ص518، ح10712؛ ما صح من أثار الصحابة في الفقه، ج2، ص902. عن الأسود.
(¬4) مصنف ابن أبي شيبة، ج9، ص287، ح17308. عن أبي عمرو الشيباني؛ ينظر: سنن سعيد بن منصور، ج1، ص281، ح987؛ عن إبراهيم؛ وروي مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ سنن الدارقطني، ج5، ص304، ح4358؛ مسند الإمام أحمد، 7، ص185، ح4114؛ عن أبي موسى الهلالي عن أبيه.
(¬5) مصنف عبد الرزاق، ج8، ص65، ح14326؛ لم يقف الباحث على تخريجه عند غيره بهذا اللفظ.
(¬6) البيهقي، السنن الكبرى، ج5، ص297، ح9869؛ وفي رواية عن أبي عبيدة، ولم يرفعها إلى ابن مسعود - رضي الله عنه -، «أن فيها بدنة»، مصنف عبد الرزاق، مصدر سابق، ج4، ص399، ح8205.
(¬7) المبسوط، ج4، ص83.
(¬8) مصنف ابن أبي شيبة، ج14، ص177، ح28014، عن مجاهد؛ لم يقف الباحث على تخريجه عند غيره بهذا اللفظ.
(¬9) مصنف عبد الرزاق، ج10، ص97، ح18496؛ سنن الدارقطني، ج4، ص182، ح3300؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص350، ح9738. عن مجاهد؛ قال الهيثمي: «ورجاله رجال الصحيح إلا أن مجاهدا لم يسمع من ابن مسعود ولا من علي». مجمع الزوائد، ج6، ص299، ح10784 ..
الجزء 1 · صفحة 35
نسبه؟» (¬1)، وقوله: «يحرُم من الرضاع ما يحرم من النسب» (¬2)، وقوله: «يحرُم من الإماء، ما يحرم من الحرائر إلا العدد» (¬3).
وخلاصة القياس الأصولي عند ابن مسعود - رضي الله عنه -؛ يكون إما لتوضيح الحُكم الثابت بدليل من القرآن أو السُنة؛ بتشبيه الأمور والتمثيل عليها من نظائرها، أو لبيان علة الحُكم في المسألة؛ لتظهر علة التحريم، أو علة الإباحة في الدليل المُفتى به. فهو إذاً قياس علة أو قياس جلي، ويكون في أضيق الحدود -كما مرَّ-؛ وإلا فإن الدليل نفسه عند ابن مسعود - رضي الله عنه -، كافٍ في دلالته على الحُكم.
المطلب الخامس: الاستحسان.
وهو «دليل يقابل قياساً جلياً؛ سواء كان [هذا الاستحسان] أثراً أو إجماعاً أو ضرورة أو قياساً خفياً» (¬4). «وذلك يكون تخصيصاً» (¬5)، «وعند التعارض بين القياس الجلي والاستحسان؛ فإنه لا يُرجَّح الاستحسان إلا في صورة واحدة؛ وهي أن يكون القياس ضعيف الأثر والاستحسان قوي الأثر» (¬6). وهناك ضابط مهم في الترجيح بين القياس والاستحسان، وهو، أنه: «يُرجع في طلب الرُجحان إلى ما اقترن بهما من المعاني، فمتى قوي الخفي أخذوا به ومتى قوي الظاهر أخذوا به» (¬7). ومع ذلك «يبقى ذلك القياس موجباً للعمل في غير ذلك الموضع» (¬8). الذي قُدم عليه فيه الاستحسان.
¬
(¬1) سنن سعيد بن منصور، ج1، ص117، ح278؛ مصنف ابن أبي شيبة، ج10، ص596، ح20839؛ ج16، ص372، ح32265؛ عن إبراهيم؛ لم يقف الباحث على تخريجه بهذا اللفظ عند غيرهما.
(¬2) البيهقي، السنن الكبرى، ج7، ص747، ح15618. عن عبد الله بن عتبة؛ وروي مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ ينظر: صحيح البخاري، ج3، ص170، ح2645، باب: الشهادة على الأنساب والرضاع، عن ابن عباس؛ صحيح مسلم، ج2، ص1070، ح1445، باب: تحريم الرضاعة من ماء الفحل، عن عائشة.
(¬3) البيهقي، السنن الكبرى، مصدر سابق، ج6، ص264، ح13929. عن عبد الله بن عتبة؛ وفي لفظ: عن ابن سيرين، قال: قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «يكره من الإماء ما يكره من الحرائر إلا العدد». البيهقي، معرفة السنن والآثار، ج10، ص104، ح13837؛ ينظر: ابن عبد البر، الاستذكار، ج5، ص488؛ وإسناده منقطع؛ ينظر: ابن حجر، التلخيص الحبير، ج3، ص356.
(¬4) التفتازاني، شرح التلويح على التوضيح، ج2، ص169.
(¬5) أصول السرخسي، ج2، ص208.
(¬6) ينظر بتصرف يسير: التفتازاني، شرح التلويح على التوضيح، ج2، ص169.
(¬7) الكاساني، بدائع الصنائع، ج1، ص189.
(¬8) أصول السرخسي، ج2، ص208.
الجزء 1 · صفحة 36
ونُسب القول بالاستحسان إلى ابن مسعود - رضي الله عنه -، بقوله: «فما رآه المؤمنون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المؤمنون قبيحاً فهو عند الله قبيح» (¬1). قال السرخسي: «وكثيراً ما كان يستعمل ابن مسعود - رضي الله عنه - هذه العبارة» (¬2).
وللاستحسان من آثار ابن مسعود - رضي الله عنه -، شواهد كثيرة، يسوق الباحث طرفاً منها:
فمن الاستحسان: عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال: «ما أحب أن يكون، مؤذنوكم عميانكم، -حسبته قال: ولا قراءكم-» (¬3). والقياس أنه يجوز أذان الأعمى بلا كراهة (¬4)؛ لأن المقصود الإعلام، وهو حاصل بصوته (¬5).
ومن الاستحسان: أنه يُجزئ الركوع عن السجود في سجدة التلاوة؛ لأثر ابن مسعود - رضي الله عنه -: «إذا كانت السجدة خاتمة السورة؛ فإن شئت ركعت، وإن شئت سجدت» (¬6). وهذا كون الحُكم الواقع من تأدية سجدة التلاوة بالركوع يأخذ حكم الاستحسان؛ لأنه أخفى من عدم تأديتها بالسجود (¬7). وأما تأدية الركوع خارج الصلاة؛ فـ «لا يجزئه ذلك قياساً واستحساناً؛ لأن الركوع
¬
(¬1) مسند الإمام أحمد، ج6، ص84، ح3600؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص112، ح8583؛ مسند البزار، ج5، ص212، ح1816؛ مسند أبي داود الطيالسي، ج1، ص199، ح243؛ معجم ابن الأعرابي، ج2، ص443، ح861؛ قال الهيثمي: «ورجاله موثقون»، مجمع الزوائد، ج1، ص178؛ ولا يصح رفع هذا الخبر إلى النبي ?، عند أحد من كتب الأحاديث، إنما يُعرف هذا من كلام ابن مسعود - رضي الله عنه -، ينظر: التنبيه على مشكلات الهداية، ج5، ص610؛ المستدرك على الصحيحين، ج3، ص83، ح4465؛ البيهقي، معرفة السنن والآثار، ج1، ص183، ح328؛ و «قال العلائي: لم أجده مرفوعاً في شيء من كتب الحديث أصلاً، ولا بسند ضعيف بعد طول البحث، وكثرة الكشف والسؤال، وإنما هو من قول عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - مرفوعاً عليه». ابن نجيم، الأشباه والنظائر، ص79.
(¬2) أصول السرخسي، ج2، ص207.
(¬3) مصنف عبد الرزاق، ج1، ص471، ح1818؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص256، ح9269؛ الدكين، أبو نعيم الفضل بن عمرو بن حماد بن زهير بن درهم (1996م). كتاب الصلاة، ط1، ص163، ح204، مكتبة الغرباء، المدينة المنورة؛ مصنف ابن أبي شيبة، ج2، ص351، ح2266؛ قال الهيثمي: «رجاله ثقات»، مجمع الزوائد، ج2، ص2، ح1906؛ ابن المنذر، الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف، ج3، ص43. عن قَبِيصَةَ بْنِ بُرْمَةَ الأسدي.
(¬4) ينظر: ابن نجيم، البحر الرائق، ج1، ص279.
(¬5) ينظر: الكاساني، بدائع الصنائع، ج1، ص150 - 151.
(¬6) مصنف عبد الرزاق، ج3، ص347، ح5919؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص144، ح8715؛ قال الهيثمي: «ورجاله ثقات». مجمع الزوائد، ج2، ص286، ح3711.
(¬7) ينظر بتصرف يسير: ابن أمير حاج، التقرير والتحبير، ج3، ص225، دار الكتب العلمية، بيروت.
الجزء 1 · صفحة 37
خارج الصلاة لم يُجعل قربة، فلا ينوب مناب القربة» (¬1)، وكذلك «لو لم يركع على الفور، حتى طالت القراءة، ثم نوى بالركوع أن يقع عن السجدة لا يجوز» (¬2).
ومن الاستحسان: رفع اليدين في القنوت؛ فعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: «أنه كان يرفع يديه في قنوت الوتر» (¬3). «وهو من باب الاستحسان بالأثر؛ لأن القياس يقتضي خلافه؛ لأن مبنى الصلاة على السكينة والوقار» (¬4). ووجه الاستحسان: «أن المقصود من رفع اليدين؛ إعلام الأصم الذي خلفه، وإنما يحتاج إلى الإعلام بالرفع في التكبيرات التي يؤتى بها في حالة الاستواء؛ كتكبيرات الزوائد في العيدين وتكبيرات القنوت، فأما فيما يؤتى به في حالة الانتقال فلا حاجة إليه؛ لأن الأصم يرى الانتقال فلا حاجة إلى رفع اليدين» (¬5).
ومن الاستحسان: رجل تزوج امرأة، فلم يفرض لها ولم يمسها حتى مات، قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «أرى لها صداق امرأة من نسائها، ولا وكس، ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث» (¬6). بالنسبة للميراث: «فلا ميراث لها منه في القياس، وفي الاستحسان ترث منه» (¬7). للأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه -.
ومن الاستحسان: قول ابن مسعود - رضي الله عنه -، في جُعل (¬8) رد الآبق (¬9): «أربعون درهماً من كل رأس» (¬10). فـ «القياس أن لا يكون له شيء إلا بالشرط» (¬11). ووجه الاستحسان عند ابن مسعود
¬
(¬1) الكاساني، بدائع الصنائع، ج1، ص189.
(¬2) ابن الهمام، فتح القدير، ج2، ص20.
(¬3) مصنف ابن أبي شيبة، ج4، ص531، ح7027؛ عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه؛ لم يقف الباحث على تخريجه بهذا اللفظ عند غيره.
(¬4) البابرتي، العناية شرح الهداية، ج1، ص434.
(¬5) الكاساني، بدائع الصنائع، ج1، ص207 - 208.
(¬6) مصنف عبد الرزاق، ج6، ص294، ح10898، واللفظ له؛ أبو يوسف القاضي، الآثار، ص132، ح607.
(¬7) السرخسي، المبسوط، ج6، ص154.
(¬8) الجُعل، هو: «الأجر الذي يأخذه الإنسان على فعل الشيء». البركتي، التعريفات الفقهية، ص71.
(¬9) الآبق: هو العبد الهارب من مواليه، أو «هو المملوك الذي يفر من مالكه». البركتي، التعريفات الفقهية، ص11.
(¬10) البيهقي، معرفة السنن والأثار، ج9، ص89، ح12460؛ البيهقي، السنن الكبرى، ج6، ص330، ح12125؛ السنن الصغير، ج2، ص347، ح2267؛ ينظر: مصنف عبد الرزاق، ج8، ص208، ح14911؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص219، ح9066؛ وقال الهيثمي: «وفيه أبو رياح، ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح». مجمع الزوائد، ج4، ص171، ح6858.
(¬11) ابن الهمام، فتح القدير، ج6، ص134.
الجزء 1 · صفحة 38
- رضي الله عنه -: أنه «لم يُنكر عليهم إطلاق القول بأنه أصاب أجراً، و [قوله] فيه دليل على أنه يستحق الجعل على مولاه» (¬1).
ووجه الاستحسان عند الحنفية: أنه «لم يروَ عن أحد من الصحابة خلافه، ومثله لا يقال بالرأي وإنما طريقه التوقيف» (¬2)، «ولأن إيجاب الجُعل، أصله حامل على الرد؛ إذ الحسبة نادرة فتحصل صيانة أموال الناس» (¬3).
ومن الاستحسان: قول ابن مسعود - رضي الله عنه - عن صلاة النساء في المسجد: «أخروهن حيث أخرهن الله» (¬4)، «ولأن المحاذاة مفسدة فيؤخرن، وإن حاذته امرأة وهما مشتركان في صلاة واحدة فسدت صلاته إن نوى الإمام إمامتها، والقياس أن لا تفسد .. ؛ اعتباراً بصلاتها حيث لا تفسد، وجه الاستحسان [ما روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في الأثر]، وأنه من المشاهير، وهو المخاطب به دونها، فيكون هو التارك لفرض المقام؛ فتفسد صلاته دون صلاتها كالمأموم إذا تقدم على الإمام، وإن لم ينو إمامتها لم تضره ولا تجوز صلاتها؛ لأن الاشتراك لا يثبت دونها ... خلافاً لزفر -رحمه الله-» (¬5).
وهكذا فإن الاستحسان خروج عن النص صورة، ودخولٌ به إلى روح الشريعة الغراء حقيقة؛ فكان الإفتاء به عدول عن القياس الظاهر إلى معنى ظهر في نفس الفقيه؛ يجد أن الحاجة إلى العمل به أدعى وألح.
وفي إعمال الاستحسان تعارض في ظاهر الروايات والآثار الشرعيّة، فيُلجأ إلى تأويل ذلك الخبر مع ما يوافق الأصول والقواعد الراسخة والمنتظمة عند المُفتي. وذلك هو الاستحسان.
المطلب السادس: المصلحة المرسلة.
ومن صور الاستحسان: المصلحة المرسلة؛ فهي «أحد صور الاستحسان بأصول الإفتاء؛ فهي مبحث يتعلق بالاجتهاد والترجيح في رسم المفتي» (¬6). ومعنى المصلحة المرسلة، هي: «الوصف المناسب لتشريع الحُكم الذي لم يشهد له الشارع بالاعتبار أو الإلغاء؛ أي: هي الوصف الذي يحصل عقلاً من ترتيب الحُكم عليه ما يصلح أن يكون مقصوداً للشارع من دفع المفاسد عن
¬
(¬1) السرخسي، المبسوط، ج11، ص17.
(¬2) الطحاوي، مختصر اختلاف العلماء، ج4، ص352؛ ينظر: المرغيناني، الهداية، ج2، ص421.
(¬3) المرغيناني، الهداية، ج2، ص421.
(¬4) روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - موقوفاً، صحيح ابن خزيمة، ج3، ص99، ح1700؛ مصنف عبد الرزاق، ج3، ص149، ح5115؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص295، ح9484؛
(¬5) المرغيناني، الهداية، ج1، ص58.
(¬6) أبو الحاج، صلاح محمد (2016م). مسار الوصول إلى علم الأصول، ط1، ص421، دار الفتح، عمَّان.
الجزء 1 · صفحة 39
الخلق وجلب المصالح لهم» (¬1). وبناء على التعريف السابق؛ فإنه يدخل في المصالح المرسلة رعاية المصالح العامة للناس؛ ورعاية هذه المصلحة موجودة في جميع نصوص الشريعة؛ إما بشكل صريح وإما ضمنياً؛ والمضمنة مستمدة -بالأصل- من المقررات التشريعية العامة (¬2)؛ فهي التي يُطلق عليها بالمصالح المرسلة؛ وأما المصلحة المنصوص عليها صراحة؛ فتوجه إلى المصادر الأخرى؛ كالقرآن والسُنة والإجماع والقياس الخ ..
«ومما يؤكد العمل بالمصالح المرسلة: أن الصحابة عملوا أموراً لمطلق المصلحة لا لتقديم شاهد بالاعتبار؛ نحو كتابة المصحف، ولم يتقدم فيه أمر ولا نظير» (¬3). ومن تطبيقات المصلحة المرسلة من آثار ابن مسعود - رضي الله عنه -، أمثلة منها:
أ- «أن امرأة زوّجَتْ ابناً لها صغيراً من ابنة للمسيب بن نجبة وهي صغيرة، فأجاز ذلك عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -» (¬4). «والمعنى فيه أن النكاح من جملة المصالح وضعاً في حق الذكور والإناث جميعاً، وهو يشتمل على أغراض ومقاصد لا يتوفر ذلك إلا بين الأكفاء» (¬5).
ب- وعن عبد الله - رضي الله عنه -، قال: «أتي برجل شرب خمراً في رمضان، فضربه ثمانين، وعزره عشرين» (¬6). فحد شارب الخمر ثمانون جلدة، وتعزيره بعشرين جلدة مصلحة مرسلة.
ج- فعن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال -في الزوج-: «يؤجل العنين سنة، فإن دخل بها وإلا فُرّق بينهما» (¬7). بينما الزوجة، فقد قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «لا تُرد من عيب» (¬8)؛ «لأنه لا ينتظم بينهما المصالح، فيثبت لها الخيار؛ دفعاً للضرر عنها، بخلاف الزوج؛ لأنه يقدر على دفعه بالطلاق» (¬9).
¬
(¬1) الزركشي، بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر (1998م). تشنيف المسامع بجمع الجوامع (تحقيق: د سيد عبد العزيز - د عبد الله ربيع)، ط1، ج3، ص21، مكتبة قرطبة للبحث العلمي وإحياء التراث، القاهرة.
(¬2) ينظر: بلتاجي، منهج عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في التشريع، ص460.
(¬3) ابن أمير حاج، التقرير والتحبير، ج3، ص286.
(¬4) الشيباني، محمد بن الحسن، الأصل، ج10، ص186.
(¬5) السرخسي، المبسوط، ج4، ص212.
(¬6) مصنف ابن أبي شيبة، ج14، ص506، ح29286؛ لم يقف الباحث على تخريجه بهذا اللفظ عند غيره؛ وكذلك ورد عن عمر وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنهم -، ينظر: المرجع نفسه، ج14، ص506، ح29284، 29285.
(¬7) مصنف عبد الرزاق، ج6، ص253، ح10723؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص342، ح9704؛ مصنف ابن أبي شيبة، مصدر سابق، ج9، ص165، ح16750؛ قال الهيثمي: «ورجاله رجال الصحيح خلا حصين بن قبيصة، وهو ثقة». مجمع الزوائد، ج4، ص301، 7609.
(¬8) مصنف ابن أبي شيبة، مصدر سابق، ج9، ص113، ح16560. عن إبراهيم؛ لم يقف الباحث على تخريجه بهذا اللفظ عند غيره.
(¬9) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، ج3، ص115.
الجزء 1 · صفحة 40
د- وكره ابن مسعود - رضي الله عنه - تعشير المصحف (¬1)؛ «لأن التعشير يخل بحفظ الآي والنقط بحفظ الإعراب، اتكالاً عليه فيُكره. قالوا [الحنفية]: في زماننا لا بد للعجم من دلالة؛ فتركُ ذلك إخلالٌ بالحفظ وهجرانٌ للقرآن فيكون حسناً» (¬2). وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال: «لا حبيس إلا حبيس في سبيل الله من سلاح أو كُراع» (¬3). وهذا في زمانه - رضي الله عنه -، أما في زماننا فتنوعت أصناف الوقف؛ لتشمل: المستشفيات والمدارس والمشاريع الصغيرة للأسر العفيفة الخ ..
هـ- وقد ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، أنه قد نهي عن القيد والصفد (¬4)؛ وهو ما يُقيد به اليدان، ثم إنه حكم به؛ فعن علقمة، أن رجلاً طلق امرأته ثلاثاً؛ فأبت أن تجلس في بيتها، فأتى ابن مسعود - رضي الله عنه -، فقال: هي تريد أن تخرج إلى أهلها، فقال: «احبسها، ولا تدعها». قال: إنها تأبى علي قال: «فقيدها». فقال: إن لها إخوة غليظة رقابهم، قال: «فاستأد عليهم الأمير» (¬5).
وفي نهاية هذا الفصل يجد الباحث أن أصول ابن مسعود - رضي الله عنه -، زاخرة بالأحكام الأصولية وتحتاج إلى مزيد من الدراسات المتعمقة المستفيضة؛ وذلك لشمولها أوجه الاجتهاد النقلي المدرسي بجميع صوره وحيثياته؛ ولن يعدم أي باحث -متخصص في الأصول- لآثار ابن مسعود - رضي الله عنه - من مدرسة شبيهة جداً بمدرسته؛ كالمدرسة الحنفية؛ تساعده في الولوج والغوص في الدرر الفقهية التي تركها لنا ابن مسعود - رضي الله عنه -؛ علماً وعملاً.
**********
¬
(¬1) مصنف ابن أبي شيبة، ج5، ص498، ح8623؛ والتعشير «هو وضع علامة بعد كل عشر آيات». الصالح، صبحي (2000م). مباحث في علوم القرآن، ط24، ص95، دار العلم للملايين، بيروت.
(¬2) المرغيناني، الهداية، ج4، ص379.
(¬3) مسند أبن الجعد، ص360، ح2495. عن القاسم؛ لم يقف الباحث على تخريجه بهذا اللفظ عند غيره؛ والكُراع بضم الكاف: هي الخيل الخاصة؛ التي لا تُستعمل إلا في سبيل الله تعالى.
(¬4) عن الضحاك بن مزاحم، عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، أنه قال: «ليس في هذه الأمة صفد ولا قيد ولا غل ولا تجريد». الشيباني، الأصل، ج10، ص493؛ البيهقي، السنن الكبرى، ج8، ص566، ح17577؛ السنن الصغير، ج3، ص345، ح2723.
(¬5) مصنف عبد الرزاق، ج7، ص26، ح12040؛ سنن سعيد بن منصور، ج1، ص365، ح1368.
الجزء 1 · صفحة 41
المبحث الثالث: القواعد الفقهيّة المستنبطة من آثار ابن مسعود - رضي الله عنه -.
أراد الباحث أن يتكئ على أصل يستند إليه حتى يستخرج قواعد ابن مسعود - رضي الله عنه - في الفقه والفتوى والقضاء، وطريقته التي بنى عليها فقهه الشمولي، فكان أن اعتمد الباحث على أمرين:
الأول: استنباط تلك القواعد من نفس الآثار المرويّة عن ابن مسعود - رضي الله عنه -.
الثاني: الاستناد لمراجع أصيلة في القواعد الفقهية عند الحنفيّة، فكان أن اهتدى الباحث إلى كُتب أصيلة في المذهب، منها: كتاب الإمام أبو زيد الدبوسي، «تأسيس النظر»، وكتابي: «بدائع الصنائع» للكاساني، و «المبسوط» للسرخسي. وهي على سبيل التمثيل لا الحصر:
القاعدة الأول: الأصل في الليل تناول الطعام والشارب فيه؛ حتى يتبين له الفجر الصادق؛ فإذا تبين له أمسك، وأكل في آخر اليوم؛ حين تغرب الشمس، وإذا تبين له بعد ذلك طلوع الفجر وقد أكل أو شرب فيه؛ فعليه القضاء؛ ولا عبرة بالظن البين خطؤه (¬1)؛ فعن يحيى بن الجزّار، قال: سُئل ابن مسعود - رضي الله عنه - عن رجل تَسحّر وهو يرى أن عليه ليلاً، وقد اطّلع الفجر، فقال: «من أكل من أول النهار فليأكل من آخره» (¬2).
القاعدة الثانية: «التمسك بالحُكم الثابت في حال البقاء لعدم الدليل المُغيّر» (¬3). فعن عبد الله - رضي الله عنه -، قال: «إذا شك أحدكم في صلاته، فيتحرَّ أكثر ظنه، فليبن عليه، فإن كان أكثر ظنه أنه صلى ثلاثاً، فليركع ركعة، ويسجد سجدتين، وإن كان ظنه أربعاً فليسجد سجدتين» (¬4). «وهذا استصحاب لليقين، وطرح الشك» (¬5)، ومنها قاعدة: «اليقين لا يزول بالشك» (¬6). أو «ما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين؛ والمراد به غالب الظن» (¬7).
القاعدة الثالثة: «الأصل في الذمة هو البراءة عن الحقوق؛ لأنها خُلقت فارغة، والشُغل بعارض والتمسك بالأصل حُجة للدفع والإلزام» (¬8).
¬
(¬1) ابن نجيم، الأشباه والنظائر، ص134.
(¬2) البيهقي، السنن الكبرى، ج4، ص365، ح8007؛ وعن ابن سيرين مثله، ينظر: مصنف ابن أبي شيبة، ج6، ص150، ح9137. في الرجل يتسحر وهو يرى أن عليه ليلاً؛ مصنف ابن أبي شيبة، ج6، ص221، ح9435. في المسافر يقدم أول النهار من رمضان.
(¬3) كشف الأسرار، ج3، ص377.
(¬4) مصنف ابن أبي شيبة، ج3، ص430، ح4440. عن أبي عبيدة؛ لم يقف الباحث على تخريجه بهذا اللفظ عند غيره.
(¬5) بلتاجي، مناهج التشريع، ص272.
(¬6) ينظر: ابن نجيم، الأشباه والنظائر، ص62؛ كشف الأسرار، ج3، ص87.
(¬7) ابن نجيم، الأشباه والنظائر، مصدر سابق، ص51؛ ينظر: أصول البزدوي، ص367.
(¬8) كشف الأسرار، ج3، ص378.
الجزء 1 · صفحة 42
ومثاله في المعاملات: عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال: «ليس على المؤتمن ضمان، قال معمر: «ولم أسمع أحدا يضمنه، يقولون: هو أمين إلا أن يعثر عليه بخيانة» (¬1)؛ وهذا لأن: «أمور المسلمين محمولة على السداد والصلاح، حتى يظهر غيره» (¬2).
ومثاله في الجنايات: أن رجلاً أقبل بجارية من القادسية، فمرَّ على رجل واقف على دابة، فنخس الرجل الدابة، فرفعت الدابة رجلها، فلم تخطئ عين الجارية، فرفع إلى سلمان بن ربيعة الباهلي، فضمَّن الراكب، فبلغ ذلك ابن مسعود - رضي الله عنه -، فقال: عليَّ الرجل [هاتوا]، «إنما يَضمَن الناخس» (¬3).
القاعدة الرابعة: الأصل طهارة النعل أو الخف، حتى يقوم دليل النجاسة؛ فحينها يُقال بالمنع. فعن عبد الله - رضي الله عنه - قال: «كنا لا نتوضأ من موطأ» (¬4).
القاعدة الخامسة: الأصل استدامة الوضوء عند الاشتباه (¬5)، حتى يقوم دليل نقض الوضوء يقيناً. فعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: «إن الشيطان ليطيف بالرجل فى صلاته؛ ليقطع عليه صلاته، فإذا أعياه نفخ فى دبره، فإذا أحس أحدكم ذلك، فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً» (¬6).
¬
(¬1) مصنف عبد الرزاق، ج8، ص182، ح14801، عن القاسم بن عبد الرحمن، لم يقف الباحث على تخريجه بهذا اللفظ عند غيره.
(¬2) تأسيس النظر، ص81.
(¬3) مصنف ابن أبي شيبة، ج14، ص318، ح28537، عن القاسم بن عبد الرحمن، لم يقف الباحث على تخريجه بهذا اللفظ عند غيره.
(¬4) مسند البزار، ج5، ص177، ح1774؛ عن زيد بن وهب؛ والموطأ: «أي ما يوطأ من الأذى في الطريق؛ أراد لا نعيد الوضوء منه لا أنهم كانوا لا يغسلونه». لسان العرب، ج1، ص199؛ ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، ج5، ص202؛ وفي رواية عن الأعمش عن أبي وائل مثله، مصنف ابن أبي شيبة، ج5، ص336، ح8136؛ «وقال الإمام أحمد: كان الأعمش يدلس هذا الحديث؛ لم يسمعه من أبي وائل». ابن العراقي، أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين الكردي. تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل (تحقيق: عبد الله نوارة)، ص136، مكتبة الرشد، الرياض.
(¬5) ينظر: كشف الأسرار، ج3، ص379.
(¬6) مصنف عبد الرزاق، مصدر سابق، ج1، ص141، ح536؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص249، ح9231؛ قال الهيثمي: «ورجاله موثوقون»، مجمع الزوائد، ج1، ص243، ح1252.
الجزء 1 · صفحة 43
القاعدة السادسة: الأصل في المعاملات (¬1) والأطعمة (¬2) والأشربة (¬3) والانتفاع بسائر المخلوقات أكلاً وبيعاً (¬4) الحِل؛ حتى يرد دليل النهي أو المنع والحظر، أو علة ذلك (¬5)، وإذا كانت في العبادات؛ فالأصل أن الزيادة على أصل العبادة محظور (¬6)؛ حتى يرد دليل الفعل من وجوب أو استحباب (¬7).
¬
(¬1) ينظر: المحيط البرهاني، ج5، ص347؛ فمثلاً: الأصل في القرض الحل: عن الحارث بن سويد، قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، فقال: إن لي جاراً لا يتورّع من شيء، فذكر الربا وغيره، ونحتاج فنستقرضه، ... ، قال: «إذا أعسرتم فاستقرضوا منه، ... فإن لكم المهنأ وعليه الوزر». جزء علي بن محمد الحميري، ص61، ح13.
(¬2) فمن ذلك: عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال: «كلوا من الجُبن ما صنع المسلمون وأهل الكتاب». البيهقي، معرفة السنن والأثار، ج14، ص138، ح19417؛ البيهقي، السنن الكبرى، ج10، ص11، ح19692؛ البيهقي، السنن الصغير، ج4، ص86، ح3129؛ قال الهيثمي: «ورجاله ثقات»، مجمع الزوائد، ج5، ص43، ح8028.
(¬3) فمن ذلك: ما روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال: «أحدث الناس أشربة ما أدري ما هي، فما لي شراب منذ عشرين سنة، أو قال: أربعين سنة، إلا الماء والسويق، غير أنه لم يذكر النبيذ». النسائي، السنن الكبرى، ج5، ص129، ح5246. فما أحدثه الناس من الأشربة يبقى على أصله من الحل؛ ما لم تثبت الحرمة؛ ككونه مُسكراً؛ وعن القاسم بن عبد الرحمن، قال: حدثتني أم أبي عبيدة، أو أم عبيدة: «أنهم كانوا ينبذون في الجر الأخضر، فيراهم عبد الله - رضي الله عنه -، ولا ينهى عن ذلك». مصنف ابن أبي شيبة، ج12، ص229، ح24406.
(¬4) فمن ذلك ما روي عن سعد بن عياض، قال: سُئل ابن مسعود - رضي الله عنه - عن قوم مُحرِمين، لقوا قوماً حلالاً معهم لحم صيد، فإما باعوهم، وإما أطعموهم؟ فقال: «لا بأس». مصنف ابن أبي شيبة، ج8، ص463، ح14684.
(¬5) ينظر: السرخسي، المبسوط، ج24، ص77.
(¬6) ومن ذلك: أنه ذُكر لابن مسعود - رضي الله عنه - قاص يجلس بالليل ويقول للناس: قولوا: كذا، قولوا: كذا، فقال: «إذا رأيتموه فأخبروني، فأخبروه»، قال: فجاء عبد الله - رضي الله عنه - متقنعاً، فقال: «من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا عبد الله بن مسعود، تعلمون أنكم لأهدى من محمد وأصحابه، وإنكم لمتعلقون بذنب ضلالة». مصنف عبد الرزاق، ج3، ص220، ح5408؛ وعن عبد الرحمن بن عابس النخعي، عن أبيه، قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: «لأن أفطر يوماً من رمضان ثم أقضيه، أحبَّ إليَّ من أن أزيد فيه يوماً ليس منه». البيهقي، السنن الكبرى، ج4، ص352، ح7959.
(¬7) إلا إذا أطلق الشارع الذكر على العبادة؛ فلا يجوز -حينها- تقييده؛ ومثاله: ما استحسنه الشرع في إطلاق الذكر على بعض العبادات، ومن ذلك؛ قول عبد الله - رضي الله عنه -: «لم يوقّت لنا على الجنازة قول ولا قراءة، كبّر ما كبّر الإمام، أكثِر من أطيب الكلام». الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص320، ح9604؛ عن مسروق، قال الهيثمي: «ورجاله رجال الصحيح»، مجمع الزوائد، ج3، ص32، ح4153؛ وفي لفظ: عنه، عن عبد الله - رضي الله عنه -، قال: «لم يوقت لنا في الصلاة على الميت قراءة، ولا قول، كبّر ما كبّر الإمام، وأكثر من طيب القول». الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص321، ح9606.
الجزء 1 · صفحة 44
وأن «الأصل في الطلاق الحظر» (¬1) والمنع، لا الإباحة ابتداءً، وفي النكاح البقاء والاستمرار (¬2).
القاعدة السابعة: الأصل في الصيد التوحش؛ فـ «لو رمى طائراً فأصاب صيداً، وذهب المرمي إليه، ولم يعلم أوحشي أو مستأنس؛ أكل الصيد؛ لأن الأصل في الطير التوحش فيجب التمسك بالأصل حتى يعلم الاستئناس» (¬3)، فعن زيد: «استعصى على رجل من آل عبد الله حماراً [وحشياً]، فأمرهم - رضي الله عنه - أن يضربوه حيث تيسر [بدون تذكية]، دعوا ما سقط منه وكلوه» (¬4). فما حَكَمَ فيه ابن مسعود - رضي الله عنه - على قتل الحمار الوحشي بأي طريقة كانت، رجعت لاستصحابه الحُكم بمعرفته بأصل الحيوان المراد تذكيته؛ وهو التوحش.
القاعدة الثامنة: عند إجابة المُستفتي فإنه يجب مراعاة حاله والعرف السائد في مجتمعه (¬5). وذلك أن يكون المُفتي قريباً من واقع حال مجتمعه يُسراً وعُسراً؛ فهو يحدّث الناس وفق عقولهم وواقعهم الذي يفهمونه، ولا يتناقض في ذلك مع نصوص الشرع المطهر؛ ولا واقعهم، وقد قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة» (¬6). وأكثر ما يظهر هذا في أسئلة المُستفتي في المعاملات اليومية بين الناس من البيع والشراء.
¬
(¬1) المرغيناني، الهداية، ج1، ص223. والمقصود بالحظر هنا التحريم ابتداءً، ومن ذلك ما روي: عن زينب، امرأة عبد الله، عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال: «لا تسأل المرأة طلاق أختها؛ لتكتفئ ما في صحفتها». مسند البزار، ج4، ص289، ح1462؛ وقال الهيثمي: «وإسناده منقطع بين المنهال بن خليفة وعمرو بن الحارث بن أبي ضرار، ورجالهما ثقات». مجمع الزوائد، ج4، ص263، ح7337؛ وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، كان يقول - في من قال: كل امرأة أنكحها، فهي طالق -! إنه إذا لم يسم قبيلة، أو امرأة بعينها، فلا شيء عليه. موطأ الإمام مالك، ج4، ص842، ح2172.
(¬2) ومن ذلك: عن ابن جريج، قال: حُدثت، عن ابن عمر - رضي الله عنه -، أنه قال: خرج قوم في غزاة في عهد النبي ?، فقال رجل: «من يذبح هذه الشاة، وله أول بنت من صلبي»، فذبحها رجل، فولدت له جارية، فاختصما إلى ابن مسعود - رضي الله عنه -، «فقضى له بها، وجعل لها مثل صداق إحدى من نسائها». مصنف عبد الرزاق، ج6، ص180، ح10421. فحكم باستمرار العقد بينهما، ولم يبطله؛ و عن إبراهيم، عن عبد الله - رضي الله عنه -: «أنه لم يكن يرى بتزويج المُحرِم بأساً». مصنف ابن أبي شيبة، ج8، ص91، ح13117.
(¬3) الكاساني، بدائع الصنائع، ج5، ص57.
(¬4) صحيح البخاري، ج7، ص86.
(¬5) ينظر: بلتاجي، المناهج التشريعية في القرن الثاني الهجري، ص267.
(¬6) صحيح مسلم، ج1، ص11، باب: النهي عن الحديث بكل ما سمع. عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة.
الجزء 1 · صفحة 45
القاعدة التاسعة: جواز دفع زكاة المال للقريب مطلقاً؛ كزوج أو ولد الخ ..
فعن زينب بنت أبي معاوية -رضي الله عنها-، قالت: يا نبي الله، إنك أمرت اليوم بالصدقة، وكان عندي حُلي لي، فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود - رضي الله عنه -: أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم، فقال النبي ?: «صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم» (¬1).
وعن إبراهيم، أن ابن مسعود - رضي الله عنه -: «سألته امرأة عن حُلي لها فيه زكاة؟ قال: إذا بلغ مائتي درهم فزكيه، قالت: إن في حجري يتامى لي أفأدفعه إليهم؟ قال: نعم» (¬2).
القاعدة العاشرة: «عند اجتماع معنى الموجب للحل ومعنى الموجب للحرمة؛ يُغلّب الموجب للحرمة» (¬3).
قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «ما اجتمع حلال وحرام إلا غلب الحرام على الحلال». قال سفيان: «وذلك في الرجل يفجر بامرأة وعنده ابنتها أو أمها، فإذا كان ذلك فارقها» (¬4).
ومن تطبيقات القاعدة: قال عبد الله - رضي الله عنه -: «إذا رميت طيراً فوقع في الماء فلا تأكل؛ فإني أخاف أن الماء قتله، وإن رميت صيداً، وهو على جبل فتردى فلا تأكله؛ فإني أخاف أن التردي الذي أهلكه» (¬5).
¬
(¬1) صحيح البخاري، ج2، ص120، ح1462، باب: الزكاة على الأقارب؛ صحيح مسلم، ج2، ص694، ح1000؛ وفي لفظ: قال ?: «نعم، لها أجران، أجر القرابة وأجر الصدقة». صحيح البخاري، ج2، ص121، ح1466، باب الزكاة على الزوج والأيتام.
(¬2) مصنف عبد الرزاق، ج4، ص83، ح7055؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص319، ح9594؛ قال الهيثمي: «ورجاله ثقات، ولكن إبراهيم لم يسمع من ابن مسعود - رضي الله عنه -». مجمع الزوائد، ج3، ص67، ح4358.
(¬3) السرخسي، المبسوط، ج11، ص224.
(¬4) مصنف عبد الرزاق، ج7، ص199، ح12772، عن الشعبي؛ «ولأنه اجتمع المبيح والمحرم، فتغلب جهة الحرمة نصاً، أو احتياطاً». الزيلعي، نصب الراية، ج4، ص314؛ قال ابن حجر: «وهو ضعيف منقطع». العسقلاني، أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر. الدراية في تخريج أحاديث الهداية (تحقيق: السيد عبد الله هاشم اليماني المدني)، ج2، ص254، ح995، دار المعرفة، بيروت.
(¬5) مصنف ابن أبي شيبة، ج10، ص399، ح20046، عن مسروق، لم يقف الباحث على تخريجه بهذا اللفظ عند غيره.
الجزء 1 · صفحة 46
القاعدة الحادية عشرة: «ليس على المؤتمن ضمان» (¬1).
قاله ابن مسعود - رضي الله عنه -، وقال معمر: «ولم أسمع أحدا يضمنه، يقولون: هو أمين إلا أن يعثر عليه بخيانة» (¬2)؛ وهذا لأن: «أمور المسلمين محمولة على السداد والصلاح، حتى يظهر غيره» (¬3). والأصل أن المودع يحفظ ودائع الناس بما يحفظ به مال نفسه، «ولأنه قبضه بإذن صاحبه لا على وجه الاستيفاء ولا على سبيل المبادلة فلا يضمن كالإجارة الوديعة» (¬4)، «فإن وضعها في بيته أو صندوقه، فهلكت: لم يُضمّنه» (¬5)؛ لأن «المودع متبرع في حفظها لصاحبها، والتبرع لا يوجب ضماناً على المتبرع للمتبرع عليه، فكان هلاكها في يده كهلاكها في يد صاحبها» (¬6).
القاعدة الثانية عشرة: درء الحدود أولى من إقامتها.
فعن القاسم بن عبد الرحمن، قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «ادرءوا الحدود والقتل عن عباد الله ما استطعتم» (¬7)، وعنه، قال: «أتي عبد الله - رضي الله عنه - بجارية سرقت، ولم تحض فلم يقطعها» (¬8)، وعن قتادة، أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رفع إليه رجل قتل رجلاً، فجاء أولياء المقتول، وقد عفا أحدهم، فقال عمر لابن مسعود - رضي الله عنه - وهو إلى جنبه: ما تقول؟ فقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «أقول: «إنه قد أُحرز من القتل» (¬9)، قال: فضرب على كتفه ثم قال: كنيف ملئ علماً (¬10)، وعن همام بن الحارث، أن ابن
¬
(¬1) مصنف عبد الرزاق، ج8، ص182، ح14801؛ مصنف ابن أبي شيبة، ج11، ص679، ح23694؛ قال ابن عابدين: «وفيه رمز إلى أن لا ضمان في العارية المطلقة». الدر المختار، وحاشية ابن عابدين، ج5، ص681؛ ومثاله: إذا استعمل المستعير العارية فيما أذن له فيه، فتأثر بالاستعمال؛ فلا ضمان على المستعير.
(¬2) مصنف عبد الرزاق، مصدر سابق، ج8، ص182، ح14801، عن القاسم بن عبد الرحمن، لم يقف الباحث على تخريجه بهذا اللفظ عند غيره.
(¬3) تأسيس النظر، ص81.
(¬4) تبيين الحقائق، ج5، ص85.
(¬5) السرخسي، المبسوط، ج11، ص109.
(¬6) السرخسي، المبسوط، مصدر سابق، ج11، ص109.
(¬7) مصنف عبد الرزاق، ج7، ص402، ح13640؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص341، ح9695، عن القاسم بن عبد الرحمن؛ قال الهيثمي: «رواه الطبراني من رواية أبي نعيم، عن المسعودي، وقد سمع منه قبل اختلاطه، ولكن القاسم لم يسمع من جده ابن مسعود». مجمع الزوائد، ج6، ص248، ح10489.
(¬8) الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص244، ح9198؛ مصنف ابن أبي شيبة، ج14، ص382، ح28746.
(¬9) قال السرخسي: «لأن القتل لا يحتمل التجزؤ في نفس واحدة استيفاء، ثم القصاص في نفس واحدة كما لا يتجزأ وجوبا لا يتجزأ سقوطاً»، المبسوط، ج26، ص158.
(¬10) مصنف عبد الرزاق، مصدر سابق، ج10، ص13، ح18187؛ الطبراني، المعجم الكبير، مصدر سابق، ج9، ص349، ح9735؛ قال الهيثمي: «ورجاله رجال الصحيح، إلا أن قتادة لم يدرك عمر ولا ابن مسعود - رضي الله عنهم -»، مجمع الزوائد، ج6، ص303، ح10802؛؛ ينظر: السرخسي، المبسوط، مصدر سابق، ج26، ص158.
الجزء 1 · صفحة 47
مقرن، سأل عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، فقال: «عبدي سرق قباء من عندي؟ قال: مالك سرق بعضه من بعض -أي لا قطع عليه-» (¬1)، وعن معبد، وعبيد، ابني عمران بن ذهل، قالا: أتي ابن مسعود - رضي الله عنه - برجل، فقال: إني قد زنيت، فقال: «إذاً نرجمك إن كنت أحصنت»، فقالوا: إنما أتى جارية امرأته، فقال عبد الله - رضي الله عنه -: «إن كنت استكرهتها فأعتقها، وأعط امرأتك جارية مكانها»، فقال: والله لقد استكرهتها وضربتها، فلم يرجمه، وأمر به فضرب دون الحد (¬2).
وهناك قواعد فقهية أخرى، مُستلة من آثار ابن مسعود - رضي الله عنه -، يكتفي الباحث بما قدمه؛ آملاً أن تخرج دراسة في المستقبل تتناول هذه القواعد الفقهية بالتفصيل (¬3).
¬
(¬1) الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص340، ح9693؛ قال الهيثمي: «ورجال هذا وغيره رجال الصحيح». مجمع الزوائد، ج6، ص274، ح10652.
(¬2) الطبراني، المعجم الكبير، مصدر سابق، ج9، ص339، ح9688؛ مصنف عبد الرزاق، ج7، ص343، ح13421، عن معبد، وعبيد، ابني عمران بن ذهل؛ قال الهيثمي: «وعبيد ومعبد لم أعرفهما، وبقية رجاله رجال الصحيح». مجمع الزوائد، ج6، ص270، ح10622.
(¬3) من هذه القواعد: قاعدة: «إن مُحرّم الحلال كمستحل الحرام». الطبراني، المعجم الكبير، مصدر سابق، ج9، ص172، ح8852؛ عن عبد الرحمن بن يزيد، ينظر: الطبراني، المعجم الكبير، مصدر سابق، ج9، ص172، ح8853؛ قال الهيثمي: «ورجاله رجال الصحيح». مجمع الزوائد، ج1، ص176، ح822؛ وقاعدة: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب». البيهقي، السنن الكبرى، ج7، ص747، ح15618؛ وقاعدة: «من تعلق شيئاً وكل إليه». البيهقي، السنن الكبرى، ج9، ص590، ح19611، عن أسير بن جابر؛ وروي مثله عن واقع بن سحبان، مصنف ابن أبي شيبة، ج12، ص43، ح23940؛ وقاعدة: «إنما الوضوء مما خرج، والصوم مما دخل، وليس مما خرج». مصنف عبد الرزاق، ج1، ص170، ح658؛ قال الهيثمي: «ورجاله موثقون»، مجمع الزوائد، ج1، ص243، ح1253؛ وقاعدة: «من كفر بحرف من القرآن فقد كفر به أجمع». مصنف عبد الرزاق، ج8، ص472، ح15946. عن إبراهيم؛ وقاعدة: في الطعام يدعا له الرجل: «مهنؤه لك وإثمه عليه». مصنف عبد الرزاق، ج8، ص150،ح14675. عن ذر بن عبد الله؛ وقاعدة: في الجُعالة: «الأجر والغنيمة». مصنف عبد الرزاق، ج8، ص208، ح14911؛ وقاعدة: «إنما الولاء كالنسب». مصنف ابن أبي شيبة، ج16، ص372، ح32265؛ وقاعدة: «الولاء للكبر» من العصبة. مصنف ابن أبي شيبة، ج16، ص357، ح32213؛ وعن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: كنت عند رسول الله - رضي الله عنه -، فجاء رجل، فقال: يا رسول الله، إن عندي ميراث رجل من الأزد، وإني لم أجد أزديا أدفعه إليه، قال: «انطلق فالتمس أزديا عاما - أو حولا - فادفعه إليه»، قال: فانطلق ثم أتاه في العام السابع، فقال: يا رسول الله ما وجدت أزديا أدفعه إليه، قال: انطلق إلى أول خزاعي تجده فادفعه إليه، قال: فلما قفى قال: علي به، قال: «فاذهب فادفعه إلى أكبر خزاعة». مصنف ابن أبي شيبة، ج16، ص367، ح32248؛ وقاعدة: في تحريم التداوي بالمُسكر: «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم». صحيح البخاري، ج7، ص110؛ وقاعدة: «إذا اختلط الماء والدم، فالماء طهور». مصنف عبد الرزاق، ج1، ص79، ح262. عن ابن جريج قال: أخبرت؛ وقاعدة: «الأصل في الأثنية والأدعية؛ الإخفاء». الكاساني، بدائع الصنائع، ج1، ص214.
الجزء 1 · صفحة 48
الفصل الثاني: أثر ابن مسعود - رضي الله عنه - في مسائل فقه الحنفية:
يَستعرض الباحث في هذا الفصل، الآثار الواردة عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في جميع أبواب الفقه، ودراستها وبيان فقه الحنفية في مسائلها، ثم يُعرّج الباحث على الأثر الذي خلصت له دراسة فقه الحنفية للأثر الوارد عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، من حيث العمل به مطلقاً أو الوقوف على نسخه أو تأويله أو العمل به مقيداً، أو العمل به كراجح أو مرجوح في المذهب.
المبحث الأول: أثر ابن مسعود - رضي الله عنه - في فقه العبادات.
مما يَردُ في كتب الفقه عند الحنفية أنهم إذا ظفروا بآثار عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - ساقوها من جملة الأدلة التي يستدلون بها على الأحكام الفقهية، ولذلك فإن الباحث يجد أن أغلب الآثار التي أخذ بها الحنفية وعملوا بها؛ وتلقوها بالقَبول عن ابن مسعود - رضي الله عنه - وقع أكثرها في باب العبادات؛ حتى إن لآثار ابن مسعود - رضي الله عنه - في العبادات ما ليس في سواه من أبواب الفقه كماً ونوعاً؛ فباب العبادات من أوسع الأبواب في الآثار المنقولة عن ابن مسعود - رضي الله عنه -.
المطلب الأول: فقه الطهارة.
المسألة (1): يَطهر الماء الذي خالطه دمٌ. (يُعمل بما ورد عنه مقيّداً).
أولا: ما ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة:
[1]: عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، أنه قال: «إذا اختلط الماء والدم، فالماء طهور» (¬1).
ثانيا: فقه الحنفية:
¬
(¬1) مصنف عبد الرزاق، مصدر سابق، ج1، ص79، ح262. عن ابن جريج؛ وفي هذا المعنى وردت أحاديث عن النبي ?، وعن الصحابة والتابعين، من ذلك: عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، أن النبي ?: توضأ -أو شرب- من غدير كان يلقى فيه لحوم الكلاب، قال: ولا أعلمه إلا قال: والجيف، فذُكر ذلك له، فقال ? له: «إن الماء لا ينجسه شيء»، مصنف عبد الرزاق، مصدر سابق، ج1، ص78، ح255؛ وعن عمر بن سلم، أنه سمع عكرمة يقول: «إذا كان الماء ذنوباً، أو ذنوبين لم ينجسه شيء»، قلت له: ما الذنوب؟ قال: «دلو»، مصنف عبد الرزاق، مصدر سابق، ج1، ص79، ح261؛ وعن الحسن قال: «إذا قطر في الماء شيء من دم فأهرق منه كوزاً أو كوزين، فإن كان الماء قليلا قدر ما يتوضأ منه فأهرقه»؛ أي كل الماء، مصنف عبد الرزاق، مصدر سابق، ج1، ص79، ح263.
الجزء 1 · صفحة 49
الأصل في حال اختلط الماء والدم؛ أن الدم مائع نجس وليس بطاهر فلو وقعت «قطرة من الدم أو الخمر في جُب
الجزء 1 · صفحة 50
من الماء نجسه» (¬1)؛ ولأن «قليل النجاسة في تنجيس الماء القليل والكثير سواء» (¬2)، و «سواء ورد الماء على النجاسة، أو وردت النجاسة على الماء» (¬3). والماء الذي خالطه دمٌ لا يستحيل طاهراً إلا بأحد أمرين: إما أن يكون الماءُ جارٍ، فيبقى طاهراً ولو خالطته النجاسة، وإما أن يكون الماء راكداً، فإذا كان الماء راكداً، فوقعت فيه نجاسة، فيشترط في الماء الراكد أن يكون «عشرة أذرع في عشرة أذرع» (¬4).
ثالثا: أثر ابن مسعود - رضي الله عنه - في فقه الحنفية:
دل الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن الماء إذا خالطه دم يكون طاهراً، بدون بيانٍ تفصيلي عن قيد الماء في ذلك، فكان ما قاله الحنفية حملاً على طهارة الماء الذي خالطه الدم في حال:
- وقعت النجاسة في ماء جارٍ.
- كانت مساحة الماء الراكد عشرة أذرع في عشرة أذرع.
وبذلك يكون المذهب فسّر ما ورد به الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة.
المسألة (2): لا يتوضأ من أكل الطعام، ويتوضأ من الكلمة الخبيثة. (يُعمل بما ورد عنه).
أولا: ما ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة:
[2]: عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال: «لأن أتوضأ من الكلمة الخبيثة، أحب إلي أن أتوضأ من الطعام الطيّب» (¬5). وكان «يأكل من ألوان الطعام ولا يتوضأ منه» (¬6).
¬
(¬1) البابرتي، العناية شرح الهداية، ج3، ص452.
(¬2) المحيط البرهاني، ج1، ص199؛ قال ابن عابدين: «إذا وردت النجاسة على الماء تنجس الماء إجماعاً». الدر المختار، ج1، ص326.
(¬3) الكاساني، بدائع الصنائع، ج1، ص87.
(¬4) ينظر: صدر الشريعة المحبوبي، عبيد الله بن مسعود (2006م). شرح الوقاية (تحقيق: أ. د. صلاح محمد أبو الحاج)، ط1، ج2، ص42 - 47، دار الورّاق، عمّان؛ الاختيار، ج1، ص14.
(¬5) مصنف عبد الرزاق، ج1، ص127، ح469؛ عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص248، ح9222؛ قال الهيثمي: «ورجاله موثقون». مجمع الزوائد، ج1، ص254، ح1340؛ ينظر: ما صح من آثار الصحابة في الفقه، ج1، ص76.
(¬6) البيهقي، السنن الكبرى، ج1، ص246، ح741، الأثر عن أبي عبيدة؛ ومن ألوان الطعام ما ذُكر في آثار أخرى عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، فمن ذلك: عن أبي جعفر، قال: «أُتي ابن مسعود - رضي الله عنه - بقصعة من الكبد والسنام ولحم الجزور، فأكل ولم يتوضأ». البيهقي، السنن الكبرى، ج1، ص246، ح741، وقال: «وهذا منقطع وموقوف»؛ وعن إبراهيم، «أن علقمة والأسود كانا مع عبد الله - رضي الله عنه - وهو يريد المسجد - فتلقي بجفنة من ثريد، وهو في الرحبة، قال: فجلس فأكل منها هو وعلقمة والأسود، قال: ثم دعا بماء، فمضمض فاه، وغسل يديه من غمر اللحم، ثم دخل فصلى». مصنف ابن أبي شيبة، ج1، ص402، ح537.
الجزء 1 · صفحة 51
ثانيا: فقه الحنفية:
لا يتوضأ المسلم من أكل الطعام، أيّاً كانت صفته، سواء مسته النار، أو لم تمسه (¬1)؛ لأن «أكل ما مسته النار لا ينقض الوضوء عند عامة العلماء؛ لأنه لم يوجد الحدث حقيقة ولا حكماً» (¬2). وأما الكلمة الخبيثة، فيُستحب الوضوء منها؛ لأنها وإن كانت ليست نجاسة مادية، لكنها بمثابة النجاسة المعنويّة، ومن أمثلة الكلمة الخبيثة: «الغيبة والكذب» (¬3).
ثالثا: أثر ابن مسعود - رضي الله عنه - في فقه الحنفية:
دل الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه فضّل الوضوء من الكلمة الخبيثة، ولم يُفضل الوضوء من أكل الطعام، بدون بيان تفصيلي لحكم هذا التفضيل، فكان ما قاله الحنفيّة؛ حملاً على استحباب الوضوء من الكلمة الخبيثة، وعدم الوضوء من أكل الطعام؛ لا استحباباً ولا ندباً، بناء على ما وقفوا عليه من الأدلة في ذلك، فيكون المذهب مفسرا لما ورد به الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة.
المسألة (3): ضابط ما ينقض الوضوء وما لا ينقض. (يُعمل بما ورد عنه).
أولا: ما ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة:
[3]: عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، قال: «إنما الوضوء مما خرج، وليس مما دخل» (¬4).
ثانيا: فقه الحنفية:
يكون الوضوء من كل نجس خرج من البدن، من دبر أو ذكر أو فرج؛ وأما ما دخل الجسد فلا ينجس البدن، كالطعام والشراب؛ لأن «المعاني الناقضة للوضوء: كل ما خرج من
¬
(¬1) ينظر: السرخسي، المبسوط، ج1، ص79.
(¬2) السمرقندي، محمد بن أحمد بن أبي أحمد، أبو بكر علاء الدين (1994م). تحفة الفقهاء، ط2، ج1، ص25، دار الكتب العلمية، بيروت.
(¬3) البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ج1، ص17؛ ينظر: الطحطاوي، أحمد بن محمد بن إسماعيل (1997م). حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح (تحقيق: محمد عبد العزيز الخالدي)، ط1، ص83، دار الكتب العلمية، بيروت.
(¬4) مصنف عبد الرزاق، ج4، ص208، ح7518؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص251، ح9237؛ عن وائل بن داود، قال الهيثمي: «ورجاله موثقون»، مجمع الزوائد، ج1، ص243، ح1253. ولفظ الحديث مروي عن ابن عمر، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس - رضي الله عنهم -، ينظر: مصنف ابن أبي شيبة، ج1، ص403، ح539؛ مسند ابن الجعد، ص80، ح447؛ عن ابن عمر - رضي الله عنه -؛ مصنف عبد الرزاق، ج1، ص32، ح100؛ عن ابن عباس - رضي الله عنه -؛ البيهقي، السنن الكبرى، ج1، ص244، ح731، عن علي - رضي الله عنه -.
الجزء 1 · صفحة 52
السبيلين [سواء أكان معتاداً أو غير معتاد كالدودة والريح الخارجة من القُبل والذكر] (¬1)، والدم، والقيح، [وكذلك] الصديد إذا خرج من البدن فتجاوز إلى موضع يلحقه حكم التطهير، والقيء إذا كان ملأ الفم» (¬2).
ثالثا: أثر ابن مسعود - رضي الله عنه - في فقه الحنفية:
دل الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - على أمرين؛ أحدهما: أن الخارج المطلق من الإنسان يوجب الوضوء، بدون بيان تفصيلي لطبيعة هذا الخارج، فكان ما وقف عليه الحنفية أن الخارج النجس كالبول والغائط والدم والقيء الخ .. هو الذي يوجب الوضوء، وما عداه، كالعرق، فلا ينقض؛ لأنه طاهر، قال الكاساني: «علق الحكم بكل ما يخرج أو بمطلق الخارج من غير اعتبار المخرج، إلا أن خروج الطاهر ليس بمراد، فبقي خروج النجس مراداً» (¬3)، والثاني: أن الداخل لجوف الإنسان؛ كالطعام مما لا يوجب الوضوء -وسيأتي ذكره في المسألة التالية-. وبذلك يكون المذهب مفسراً لما ورد به الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة.
المسألة (4): يستأنف إذا أحدث في الصلاة. (يُعمل بما ورد عنه).
أولا: ما ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة.
[4]: عن ابن جُريج، قال: حُدثت عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: «إذا أحدث الرجل فى صلاته حدثاً، ثم لم يتكلم حتى توضأ، أتم ما بقى من صلاته على ما مضى منها، فإن تكّلم استقبلها مؤتنفة» (¬4).
ثانيا: فقه الحنفية:
من انتقض وضوؤه في الصلاة بريح أو غيره خرج فتوضأ ثم عاد وبنى على صلاته، ويستأنف إذا تكلم، ولصحة البناء على الصلاة حال الحدث فيها شرطين، قال السرخسي: «مصلٍ
¬
(¬1) صدر الشريعة، شرح الوقاية، ج2، 26 - 27.
(¬2) القدوري، أحمد بن محمد (2017م). شرح مختصر القدوري، (تحقيق: مصطفى السندي القاسمي)، ط3، ص54 - 56، دار ابن كثير، دمشق؛ وأما «إن قاء بلغما، أو بزاقا لم ينتقض وضوءه؛ أما البزاق طاهر، وبخروج الطاهر من البدن لا ينتقض الوضوء، والبلغم كذلك في قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - وقال أبو يوسف -رحمه الله تعالى- هو نجس ينقض الوضوء إذا ملأ الفم». السرخسي، المبسوط، ج1، ص75؛ ينظر: الشيباني، محمد بن الحسن بن فرقد. الأصل المعروف بالمبسوط (تحقيق: أبو الوفا الأفغاني)، ج1، ص169، إدارة القرآن والعلوم الإسلامية، كراتشي.
(¬3) الكاساني، بدائع الصنائع، ج1، ص24.
(¬4) مصنف عبد الرزاق، ج2، ص341، ح3619؛ «الائتناف الابتدآء، [بمعنى أنه يبدأ صلاة جديدة] ... وجارية مؤتنفة الشباب مقتبلته». أفندي، أحمد فارس (1299هـ). الجاسوس على القاموس، ط1، ص613، مطبعة الجوائب، قسطنطينية.
الجزء 1 · صفحة 53
سبقه الحدث في الصلاة من بول أو غائط أو ريح أو رعاف، بغير قصده انصرف فتوضأ، وبنى على صلاته ما لم يتكلم استحساناً، وإن تكلم واستقبل فهو أفضل» (¬1). وحكم البناء في هذه الحالة، أنه مباح (¬2). قال المرغيناني: «والاستئناف أفضل، تحرزاً عن شبهة الخلاف» (¬3).
ثالثا: أثر قول ابن مسعود - رضي الله عنه - في فقه الحنفية:
دل الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن من أحدث في الصلاة، فله أن يذهب فيتوضأ ويبني على صلاته، فيتمها دون أن يعيدها، بشرط أن لا يتكلم، واستفاد الحنفية من الأثر وغيره، وبنوا عليه حُكم، أن فعله ذلك مبني على وجه الإباحة؛ بناء على الدليل الشرعي (¬4)، الذي هو «حجة .. في: وجوب الوضوء بخروج النجس من غير السبيلين. وفي جواز البناء عند سبق الحدث في الصلاة» (¬5). فيتوضأ ثم يُكمل صلاته ما لم يتكلم، وبالنسبة للآثار التي رويت عن الصحابة في ذلك؛ فإن القياس يُترك؛ عملاً بها (¬6).
المسألة (5): ينقض الوضوء بملامسة المرأة مطلقاً. (لم يُعمل بما ورد عنه).
أولا: ما روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة:
[5]: عن أبي عبيدة، أن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: «يتوضأ الرجل من المباشرة، ومن اللمس بيده، ومن القبلة إذا قبّل امرأته»، وكان يقول في هذه الآية: {أو لامستم النساء} [النساء: 43]، قال: «هو الغمز» (¬7)؛
¬
(¬1) المبسوط، ج1، ص169.
(¬2) ينظر: البابرتي، العناية شرح الهداية، ج1، ص380.
(¬3) المرغيناني، الهداية، ج1، ص60.
(¬4) فعن عائشة رضي الله عنها، عن رسول الله ?، أنه قال: «من قاء، أو رعف في صلاته فلينصرف، وليتوضأ، وليبن على صلاته ما لم يتكلم». ينظر: سنن الدار قطني، ج1، ص282، ح564، 565.
(¬5) الكاساني، بدائع الصنائع، ج1، ص24.
(¬6) قال السرخسي: «وإن أبا بكر - رضي الله عنه -، سبقه الحدث في الصلاة فتوضأ وبنى؛ وعمر - رضي الله عنه -، سبقه الحدث فاستخلف وتوضأ وبنى على صلاته؛ وعلي - رضي الله عنه -، كان يصلي خلف عثمان - رضي الله عنه - فرعف فانصرف وتوضأ وبنى على صلاته؛ وهو مروي عن ابن مسعود وابن عباس - رضي الله عنهم -، والقياس يُترك بالآثار». المبسوط، ج1، ص169.
(¬7) مصنف عبد الرزاق، ج1، ص133، ح499؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص249، ح9226. «وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه»؛ مجمع الزوائد، ج1، ص247، ح1283؛ والغمز: هو: «الإشارة؛ كالرمز بالعين والحاجب واليد. وجارية غمّازة: حسنة الغمز للأعضاء». لسان العرب، ج5، ص388؛ ومنها: العين تغمز للجماع، ينظر: المغرب في ترتيب المعرب، ج1، ص338؛ ينظر: سعيد بن منصور، بن شعبة الخراساني الجوزجاني (1997م). التفسير من سنن سعيد بن منصور (تحقيق: د سعد بن عبد الله بن عبد العزيز آل حميد)، ط1، ج4، ص1257، ح638، دار الصميعي، الرياض. عن عامر الشعبي.
الجزء 1 · صفحة 54
وهي «ما دون الجماع» (¬1)؛ وهو «أن يمس الرجل جسد امرأته بشهوة ففيه الوضوء» (¬2).
ثانيا: فقه الحنفية:
مُطلق اللمس للرجل أو للمرأة لا ينقض الوضوء؛ لأنه «ليس بحدث بنفسه، ولا سبب لوجود الحدث غالبا فأشبه مس الرجل الرجل، والمرأة المرأة؛ ولأن مس أحد الزوجين صاحبه مما يكثر وجوده، فلو جُعل حدثاً لوقع الناس في الحرج» (¬3). أما معنى الملامسة في قوله تعالى: {أو لامستم النساء} [النساء: 43]، فهو يفيد الجِماع (¬4).
ثالثا: أثر قول ابن مسعود - رضي الله عنه - في فقه الحنفية.
دلت الآثار عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن دواعي الجِماع ومقدماته يحصل بها نقض للوضوء؛ كالقُبلة، والمس بشهوة، والمباشرة الفاحشة الخ .. ، ولم يفصل الأثر في حُكم الوضوء على اللامس أو المُقبل؛ هل هو الوجوب أو الندب؛ فكان أن وقف الحنفية على خلاف ما ذهب إليه ابن مسعود - رضي الله عنه -، وأن المعنى: يحتمل الاشتراك في أن يكون المس ظاهراً، ويحتمل أن يكون معناه الجِماع، فرجّح الحنفية معنى الجِماع على غيره من معانٍ؛ غير مباشرة الجِماع، قال السرخسي: «ولا يجب الوضوء من القبلة، ومس المرأة بشهوة، أو غير شهوة» (¬5). وبذلك يكون المذهب ترك العمل بما ورد به الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - لمرجحات، من بينها وجود اللفظ المشترك. ومع ذلك فقد استفاد الحنفية من أثر ابن مسعود - رضي الله عنه -، على وجه الاحتياط؛ حتى قال السرخسي -عن اختلاف الصحابة - رضي الله عنه - في المسألة-: «وهو اختلاف معتبر في الصدر الأول؛ حتى قيل: ينبغي لمن يؤم الناس أن يحتاط فيه» (¬6).
¬
(¬1) البيهقي، السنن الكبرى، ج1، ص198، ح606؛ قال البيهقي: «وهذا الإسناد موصول صحيح»، معرفة السنن والأثار، ج1، ص373، ح955.
(¬2) الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص249، ح9229، عن إبراهيم النخعي؛ قال الهيثمي: «ورجاله موثقون، إلا أن فيه حماد بن أبي سليمان، وقد اختلف في الاحتجاج به». مجمع الزوائد، ج1، ص247، ح1282.
(¬3) الكاساني، بدائع الصنائع، ج1، ص30.
(¬4) ينظر: السرخسي، المبسوط، ج1، ص67.
(¬5) المبسوط، مصدر سابق، ج1، ص67.
(¬6) المبسوط، مصدر سابق، ج1، ص67.
الجزء 1 · صفحة 55
المسألة (6): لا ينقض الوضوء بمس الذكر مُطلقاً. (يُعمل بما ورد عنه).
أولا: ما ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة:
[6]: عن علقمة بن قيس، قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، قال: «إني مسست ذكري وأنا في الصلاة، فقال عبد الله - رضي الله عنه -: أفلا قطعته؟ ثم قال: وهل ذكرك إلا كسائر جسدك؟» (¬1).
ثانيا: فقه الحنفية:
مسُّ الذكر مما لا ينقض به الوضوء؛ قال السرخسي: «إن مسَّ ذكره بعد الوضوء فلا وضوء عليه» (¬2).
ثالثا: أثر قول ابن مسعود - رضي الله عنه - في فقه الحنفية:
دل الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن مس الذكر مطلقاً لا ينقض الوضوء، وعده كأي عضو آخر في الجسم؛ قياساً على لمسه، واستفاد الحنفية مما ورد به الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، وبنوا عليه صحة الوضوء والصلاة، وعللوا لذلك: أنه «ليس بحدث بنفسه، ولا سبب لوجود الحدث غالباً، فأشبه مس الأنف، ولأن مس الإنسان ذكره مما يغلب وجوده فلو جعل حدثاً يؤدي إلى الحرج» (¬3). قال السرخسي: «وعن جماعة من الصحابة منهم عمر وعلي وابن مسعود - رضي الله عنهم -، مثل قولنا» (¬4)؛ أي في عدم انتقاض الوضوء بمس ذكره مطلقاً، وبذلك يكون المذهب اتفق على صحة العمل بما ورد به الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة.
¬
(¬1) الشيباني، الحُجة على أهل المدينة، ج1، ص63؛ مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني. موطأ مالك برواية محمد بن الحسن الشيباني (تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف)، ط2، ص38، ح26، المكتبة العلمية، بيروت؛ وقصد بسائر جسده ما رواه قيس بن سكن، قال عبد الله - رضي الله عنه -: «ما أبالي مسست ذكري أو إبهامي أو أذني أو أنفي». مصنف ابن أبي شيبة، ج2، ص202، ح1752؛ ينظر: مصنف عبد الرزاق، ج1، ص118، ح430؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص247، ح9214؛ ينظر: ابن نجيم، البحر الرائق، ج1، ص46؛ البيهقي، السنن الكبرى، ج1، ص214، ح648؛ سنن الدارقطني، ج1، ص273، ح545؛ المستدرك على الصحيحين، ج1، ص234، ح482.
(¬2) السرخسي، المبسوط، ج1، ص66؛ ينظر: الكاساني، بدائع الصنائع، ج1، ص30؛ ابن مازة، المحيط البرهاني، ج1، ص74؛ ينظر: الزيلعي، نصب الراية، ج1، ص63.
(¬3) الكاساني، بدائع الصنائع، مصدر سابق، ج1، ص30.
(¬4) السرخسي، المبسوط، مصدر سابق، ج1، ص66.
الجزء 1 · صفحة 56
المسألة (7): النهي عن التبول قائماً. (يُعمل بما ورد عنه).
أولا: ما ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة:
[7]: عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال: «من الجفاء (¬1): أن تبول قائماً» (¬2).
ثانيا: فقه الحنفية:
يُكره أن يبول الرجل قائماً إلا من عذر؛ قال العيني: «روي في النهي عن البول قائماً أحاديث ثابتة ولكن حديث عائشة -رضي الله عنها (¬3) - هذا ثابت، ولهذا ... : يُكره البول قائماً إلا لعذر، وهي كراهة تنزيه لا تحريم» (¬4).
ثالثا: أثر قول ابن مسعود - رضي الله عنه - في فقه الحنفية:
دل الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - على استقباحه فعل الرجل أن يبول واقفاً، بدون بيان تفصيلي لحكم أو علة هذا النهي، فكان ما قاله الحنفيّة: أنه يُكره أن يبول الرجل قائماً إلا من عذر مشروع؛ «لتنجسه غالباً، إلا من عذر كوجع بصلبه» (¬5). وأن هذا النهي ثابت عن النبي ?، وبذلك يكون المذهب مفسراً، لما ورد به الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة.
¬
(¬1) «جافيته فتجافى، وجفوت الرجل أجفوه؛ أعرضت عنه أو طردته، .. وقد يكون مع بغض». الفيومي، أحمد بن محمد بن علي. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، ج1، ص104، المكتبة العلمية، بيروت.
(¬2) مصنف ابن أبي شيبة، ج2، ص92، ح1335، عن المسيب بن رافع وابن بريدة، واللفظ له؛ البيهقي، السنن الكبرى، ج2، ص405، ح3552؛ «صحيح، وإسناده منقطع؛ المسيب بن رافع لم يلقَ ابن مسعود - رضي الله عنه -». الداني زهوي، سلسلة الآثار الصحيحة، ج2، ص248، ح572؛ ينظر: الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص300، ح9503؛ مصنف ابن أبي شيبة، ج3، ص510، ح4747؛ ينظر: ابن حجر، المطالب العالية، ج3، ص672؛ قال البيهقي: «وروي من وجه آخر عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، مرفوعاً، ولا يصح فيه عن النبي ?، شيء إلا حديث أبي سعيد - رضي الله عنه -، الذي احتج به الحميدي»، معرفة السنن والأثار، ج3، ص203؛ ينظر: سنن الترمذي، ج1، ص63؛ المستدرك على الصحيحين، ج1، ص290، ح644.
(¬3) فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: «من حدّثك أن نبي الله ?، كان يبول قائماً فكذبه، أنا رأيته يبول قاعداً». صحيح ابن حبان، ج4، ص278، ح1430؛ وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -، قال: «نهى رسول الله ? أن يبول قائماً». سنن ابن ماجه، ج1، ص112، ح309؛ قال البوصيري: «وإسناد حديث جابر ضعيف لاتفاقهم على ضعف عدي بن الفضل». مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه، ج1، ص45.
(¬4) البناية شرح الهداية، ج1، ص171.
(¬5) مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح، ص27.
الجزء 1 · صفحة 57
المسألة (8): يُكره التبول في الماء الراكد. (يُعمل بما ورد عنه).
أولأ: ما ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة.
[8]: عن الشعبي، عن عبد الله - رضي الله عنه -؛ «أنه كره البول في المغتسل» (¬1).
ثانيا: فقه الحنفية:
يُنهى عن التبول في المُستحم إذا كان الماء يركد فيه، قال ابن عابدين: «وإنما نهي عن ذلك، إذا لم يكن له مسلك يذهب فيه البول أو كان المكان صلباً فيوهم المغتسل أنه أصابه منه شيء فيحصل به الوسواس» (¬2).
ثالثا: أثر ابن مسعود - رضي الله عنه - في فقه الحنفية:
دل الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - على نهيه التبول في المغتسل، ولم يبين علة النهي، فكان أن وقف الحنفيّة على علة النهي، من أن المغتسل يجتمع فيه البول، وليس له تصريف، فيُخشى انتقال البول إلى الجسم؛ فينجسه. وبهذا يكون المذهب متفقاً (¬3) على صحة العمل بما ورد به الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة.
المسألة (9): يُستحسن الاستنجاء بالماء. (يُعمل بما ورد عنه).
أولا: ما ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة:
[9]: عن إبراهيم، أن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال في غُسل الدُبر والذكر: «بدعة، ولنعم البدعة» (¬4).
ثانيا: فقه الحنفية:
يُسن «الاستنجاء بالماء» (¬5)، قال العيني -نقلاً عن بعض مشايخه (¬6) -: الاستنجاء بالماء كان «أدباً في الزمان الأول؛
¬
(¬1) مصنف ابن أبي شيبة، ج2، ص62، ح1206؛ مرَّ في مصطلحات الأحكام التكليفية عند ابن مسعود - رضي الله عنه - في الفصل الأول من هذه الدراسة، أنه كان يقصد بالكراهة: الكراهة التحريمية؛ كما استقرأ ذلك الباحث من آثاره - رضي الله عنه -.
(¬2) رد المحتار، ج1، ص344.
(¬3) ينظر: العيني، البناية شرح الهداية، ج1، ص745 - 746.
(¬4) أبو يوسف، الآثار، ص6، ح29؛ من المصطاحات الواردة عن ابن مسعود - رضي الله عنه -: لفظ البدعة ومعناها عنده: الاستحسان والندب للفعل رغم أنه لم يرد فيه نصاً شرعياً واضحاً؛ فالنص ورد في الاستنجاء القائم على كل ما هو من أصل الأرض كالحجارة، ولم يرد في الماء. ينظر: المطلب الخامس الاستحسان في المبحث الثاني من المصادر الأصولية لفقه ابن مسعود - رضي الله عنه -.
(¬5) الكاساني، بدائع الصنائع، ج1، ص21.
(¬6) لم يسمهم من هم.
الجزء 1 · صفحة 58
وأمَّا في زماننا [فـ] سُنة» (¬1).
ثالثا: أثر ابن مسعود - رضي الله عنه - في فقه الحنفية:
دل الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - على استحسانه الاستنجاء بالماء، واستدل الحنفية بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة كعمر وابن مسعود - رضي الله عنهم -؛ كانوا يستنجون بالماء؛ لكن ليس على سبيل المواظبة -أي: فعلوه مرة وتركوه أخرى-؛ فعدوه في زمنهم أدبا ً من الآداب المحمودة، «ولا خلاف في الأفضلية» (¬2). وبذلك يكون المذهب قد اتفق على صحة العمل بما ورد به الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة.
المسألة (10): يُعفى عن خُرء الطير. (يُعمل بما ورد عنه).
أولا: ما ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة:
[10]: عن أبي عثمان، قال: «كنا جلوساً مع عبد الله - رضي الله عنه - إذ وقع عليه خُرء عصفور، فقال له: هكذا بيده؛ نفضه» (¬3).
ثانيا: فقه الحنفية:
سواء أكان خرء الطير مما يؤكل لحمه كالعصفور، أو مما لا يؤكل لحمه كالصقر والحدأة، فهو معفو عنه، وسواء أوقع في بئر أو على ثوب أو في الآنية فهو معفو عنه؛ والعلة في كون خرء الطير معفو عنه: أنه داخل ضمن النجاسة المُخفّفة (¬4)، قال المرغيناني: «إن أصابه خُرء مالا يؤكل لحمه من الطيور، أكثر من قدر الدرهم، جازت الصلاة فيه عند أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله تعالى- وقال محمد -رحمه الله تعالى-: لا تجوز. فقد قيل إن الاختلاف في النجاسة، وقد قيل في المقدار وهو الأصح، ... ولهما [أي أبو حنيفة وأبو يوسف]: أنها تذرق من الهواء والتخامي عنه متعذر، فتحققت الضرورة، ولو وقع في الإناء قيل يفسده وقيل لا يفسده؛ لتعذر صون الأواني عنه» (¬5).
¬
(¬1) البناية شرح الهداية، ج1، ص748.
(¬2) أي في أفضلية الاستنجاء بالماء، «ومع هذا [إذا] تجاوزت النجاسة المخرج أكثر من قدر الدرهم لا يجوز إلا بالماء». العيني، البناية شرح الهداية، مصدر سابق، ج1، ص748.
(¬3) مصنف ابن أبي شيبة، ج2، ص71، ح1261، عن أبي عثمان؛ لم يقف الباحث على تخريجه بهذا اللفظ عند غيره.
(¬4) ينظر: مراقي الفلاح شرح متن نور الإيضاح، ص65.
(¬5) الهداية في شرح بداية المبتدي، ج1، ص38.
الجزء 1 · صفحة 59
ثالثا: أثر ابن مسعود - رضي الله عنه - في فقه الحنفية:
دل الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - على عدم التحرج عن خُرء العصفور، إذا وقع على الملابس بدون بيان تفصيلي لحكمه، أو نجاسته، فكان ما قاله الحنفية، أن خُرءه معفوٌ عنه؛ حملاً على أن خرء الطيور يُحمل على النجاسة المُخففة، فبالتالي يكون المذهب قد أخذ بما ورد به الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، في المسألة، وفسّروا علة الجواز إما للضرروة وإما للطهارة (¬1). قال السرخسي: «ولا يُفسد خُرء الحمام، والعصفور الماء فإنه طاهر عندنا، ... استحسنه علماؤنا -رحمهم الله تعالى- لحديث ابن مسعود - رضي الله عنه -» (¬2).
المسألة (11): يُكره البُصاق عن يمينه في الصلاة وفي غيرها. (يُعمل بما ورد عنه).
أولا: ما ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة.
[11]: عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: كنا مع عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، فأراد أن يبصق وما عن يمينه فارغ، «فكره أن يبصق عن يمينه، وهو ليس في الصلاة» (¬3). «وبزق عن يساره» (¬4).
ثانيا: فقه الحنفية:
يُكره البصاق جهة اليمين أو جهة القبلة؛ قال الشرنبلالي: «ويكره (¬5) أن يرمي بزاقه؛ إلا أن يضطر فيأخذه في ثوبه أو يلقيه تحت رجله اليسرى؛ إذا صلى خارج المسجد» (¬6). والكراهة «تقتضي المنع مطلقا ولو لم يكن في الصلاة ... وكونه في الصلاة أشد إثما مطلقاً، وكونه في جدار القبلة أشد إثماً من كونه في غيرها من جدر المسجد ... [وفي جواز البصق عن يساره]؛ فلعل المصلي إذا تفل عن يساره؛ يقع على قرينه وهو الشيطان، ولا يصيب المَلك منه شيء» (¬7).
¬
(¬1) ينظر: مراقي الفلاح، ص65.
(¬2) المبسوط، ج1، ص56.
(¬3) مصنف عبد الرزاق، ج1، ص435، ح1699؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص256، ح9267؛ قال الهيثمي: «ورجاله ثقات»، مجمع الزوائد، ج2، ص20، ح2013.
(¬4) أبو يوسف القاضي، الآثار، ص66، ح324؛ وتمام الأثر: عن إبراهيم، أن ابن مسعود - رضي الله عنه -، «كان يمشي وعن يساره رجل، فأراد ابن مسعود - رضي الله عنه - أن يبزق، فكره أن يبزق عن يمينه، فحول الرجل عن يمينه وبزق عن يساره».
(¬5) إذا أطلق الحنفية لفظة الكراهة، فهم يقصدون بها الكراهة التحريمية، وفي الغالب -من خلال استقراء الباحث- فإن علماء المذهب يوردون عبارات تفيد المنع أو ترتب الإثم لتُشير بوضوح إلى التحريم، كما سيأتي ذكره في هذه المسألة وغيرها التي ورد فيها لفظ كره أو يُكره ومشتقاتهما. ينظر: الفصل الأول من هذه الدراسة، المبحث الأول، المطلب الثاني: مصطلحات الأحكام التكليفية عند ابن مسعود - رضي الله عنه -.
(¬6) مراقي الفلاح، ص127.
(¬7) عمدة القاري، ج4، ص155.
الجزء 1 · صفحة 60
ومن حيث حُكم طهارة البصاق؛ فالبصاق طاهر (¬1)، قال السرخسي: «وإن بزق في الماء، أو امتخط لم يفسده؛ لأنه طاهر لاقى طاهراً» (¬2). لكن الكلام هنا عن حُكم البصاق في الصلاة.
ثالثا: أثر ابن مسعود - رضي الله عنه - في فقه الحنفية:
دل الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - على كراهته البصاق جهة اليمين، وجواز البصق على يساره في الصلاة، واستفاد الحنفية من الأثر وغيره (¬3)، وحملوه على الكراهة التحريمية في الموضع المذكور -وهو في الصلاة؛ سواء أكان على جهة اليمين أو جهة القبلة-، ولا يُكره في الموضع الآخر -عن يساره أو تحت قدميه أو خارج الصلاة-؛ للعلة التي وقفوا عليها، إضافة إلى أن جواز البصق عن يساره دليل على طهارة البصاق، حتى لو بصق تحت قدمه في الصلاة، فهذا يدل على طهارته؛ لأنه لا يجوز للمصلي أن يقوم على نجاسة، وبذلك يكون المذهب متفقاً على صحة العمل بما ورد به الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - من جهة، ومفسراً ومعللاً لما ورد به عنه من جهة أخرى.
المسألة (12): يجوز في الوضوء أن يبدأ بيساره قبل يمينه. (يُعمل بما ورد عنه).
أولا: ما ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة:
[12]: سُئل ابن مسعود - رضي الله عنه -: «رجلٌ وضأ يساره قبل يمينه، قال: لا بأس» (¬4)؛ «فرخّص في ذلك» (¬5).
¬
(¬1) ينظر: الطحاوي، أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة (1471هـ). مختصر اختلاف العلماء (تحقيق: د. عبد الله نذير أحمد)، ط2، ج1، ص123، دار البشائر الإسلامية، بيروت.
(¬2) المبسوط، ج1، ص52.
(¬3) ومن ذلك: ما روي عن النبي ? أنه قال: «إذا تنخم أحدكم فلا يتنخمن قبل وجهه، ولا عن يمينه وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى»، صحيح البخاري، ج1، ص90، ح408؛ صحيح مسلم، ج1، ص389، ح548.
(¬4) الشيباني، أبو عبد الله محمد بن الحسن بن فرقد (1403هـ). الحُجة على أهل المدينة (تحقيق: مهدي حسن الكيلاني القادري)، ط3، ج1، ص21، عالم الكتب، بيروت. عن أبي بحر الهلالي العبسي؛ سنن الدارقطني، ج1، ص154، ح297، وقال: حديث صحيح؛ القاسم بن سلام، كتاب الطهور، ص353، ح325؛ ورواه البيهقي من طريق مجاهد، ينظر: معرفة السنن والأثار، ج1، ص314، ح749؛ السنن الكبرى، ج1، ص140، ح407، عن أبي العبيدين.
(¬5) البيهقي، السنن الكبرى، ج1، ص140، ح407، عن أبي بحر أحنف؛ لم يقف الباحث على تخريجه بهذا اللفظ عند غيره.
الجزء 1 · صفحة 61
ثانيا: فقه الحنفية:
يُستحب التيامن في الوضوء؛ قال العيني: «واتفق العلماء أنه يُستحب تقديم اليمنى في كل ما هو من باب التكريم كالوضوء والغسل» (¬1).
ثالثا: أثر قول ابن مسعود - رضي الله عنه - في فقه الحنفية:
دل الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة على جواز البدء في الوضوء بغسل الأعضاء الشمال قبل اليمين من الجسد، بدون معرفة حُكم التيامن في الوضوء، فكان ما قاله الحنفية أن التيامن في الوضوء مُستحب، بناء على ما وقفوا عليه من دليل، وهو أن «مواظبة النبي ? على التيامن في الوضوء من قبيل سنن الزوائد، فكان مستحباً» (¬2). واتفق الحنفية على العمل بما ورد به الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة، وبنوا عليه صحة الوضوء (¬3).
المسألة (13): يجوز سقوط الترتيب بين فرائض الوضوء. (يُعمل بما ورد عنه).
أولا: ما ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة:
[13]: قال عبد الله - رضي الله عنه -: «لا بأس أن تبدأ برجليك قبل يديك في الوضوء» (¬4).
ثانيا: فقه الحنفية:
لا يجب الترتيب بين أعضاء الوضوء؛ قال الجصاص: «ولا نعلم عن أحد من السلف
¬
(¬1) البناية شرح الهداية، ج1، ص248.
(¬2) أبو الحاج، صلاح محمد (2005م). المشكاة في أحكام الطهارة والصلاة والزكاة، ط1، ص29، دار الورّاق، عمّان.
(¬3) قال العيني: «وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه رخّص بالشمال». البناية شرح الهداية، ج1، ص248.
(¬4) مصنف ابن أبي شيبة، ج1، ص370، ح423؛ عن مجاهد، قال الدارقطني: «هذا مرسل ولا يثبت»، السُنن، ج1، ص153، ح296؛ وهذا لأن مجاهدا لم يدرك عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، البيهقي، السنن الكبرى، ج1، ص140، ح407؛ معرفة السنن والأثار، ج1، ص315، ح754؛ ابن المنذر، أبو بكر محمد بن إبراهيم النيسابوري (1985م). الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف (تحقيق: صغير أحمد بن محمد حنيف)، ط1، ج1، ص422، دار طيبة، الرياض؛ وهو حديث موقوف وهو مرسل، ينظر: ابن الملقن، سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد (2004م). البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير (تحقيق: مصطفى أبو الغيط، عبد الله بن سليمان، ياسر بن كمال)، ط1، ج2، ص267، دار الهجرة، الرياض؛ ابن الحجر العسقلاني، إتحاف المهرة، ج10، ص455؛ ينظر: الجصاص، أحكام القرآن، ج3، ص368.
الجزء 1 · صفحة 62
خلافه، فصار إجماعاً، وأيضاً: اتفقنا جميعاً على أنه لو بدأ من المرفق إلى الزند في الغُسل جاز» (¬1).
ثالثا: أثر قول ابن مسعود - رضي الله عنه - في فقه الحنفية:
دل الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - على أن ترتيب الأعضاء في الوضوء ليس لازماً، بدون بيان تفصيلي، لحكم الترتيب، ومنزلته بين السنن أو المستحبات، فكان ما قاله الحنفية أن الترتيب من «أداب الوضوء ... ؛ فيبتدئ بما بدأ الله تعالى بذكره وبالميامن والتوالي» (¬2). وبهذا يكون الحنفية اتفقوا على صحة العمل بما ورد به الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة.
المسألة (14): حُكم غسل ظاهر اللحية في الوضوء. (يُعمل بما ورد عنه؛ ويُحمل على غسل اللحية التي على ظاهر الوجه دون المسترسل منها).
أولا: ما ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة:
[14]: عن يسير بن عمرو، قال: شيَّعنا ابن مسعود - رضي الله عنه - حين خرج، فنزل في طريق القادسية فدخل بستاناً، فقضى الحاجة، ثم توضأ، ... وإن لحيته ليقطر منها الماء» (¬3).
ثانيا: فقه الحنفية:
بالنسبة للحية الكثة فالصحيح هو وجوب غسل ظاهرها عند الوضوء؛ «لأن البشرة خرجت من أن تكون وجهاً، لعدم معنى المواجهة لاستتارها بالشعر، فصار ظاهر الشعر الملاقي لها هو الوجه، لأن المواجهة تقع إليه ... ولا يجب غسل ما استرسل من اللحية» (¬4).
ثالثا: أثر ابن مسعود - رضي الله عنه - في فقه الحنفية:
دل الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه كان يغسل لحيته عند الوضوء؛ بدليل تقاطر الماء منها، ولم يتعرض - رضي الله عنه - لبيان حُكم غسلها؛ فكان أن وقف الحنفية على الحُكم؛ فقالوا: بوجوب غسل ظاهر
¬
(¬1) شرح مختصر الطحاوي، ج1، ص333؛ «وقد روي ذلك عن علي وابن مسعود - رضي الله عنهم -، وقال به من التابعين: سعيد بن المسيب، وعطاء، والنخعي، وإليه ذهب الأوزاعي، والثوري، -رحمهم الله تعالى»، المنبجي، جمال الدين أبو محمد علي بن أبي يحيى زكريا بن مسعود (1994م). اللباب في الجمع بين السنة والكتاب (تحقيق: د. محمد فضل عبد العزيز المراد)، ط2، ج1، ص108، دار القلم - الدار الشامية، دمشق؛ ينظر: الغزنوي، عمر بن إسحق بن أحمد الهندي (1986م). الغُرة المنيفة في تحقيق بعض مسائل الإمام أبي حنيفة، ط1، ص22، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت.
(¬2) مختصر القدوري، ص54، دار ابن كثير.
(¬3) مصنف ابن أبي شيبة، ج21، ص63، ح38347؛ قال ابن حجر: «إسناده صحيح»، التلخيص الحبير، ج3، ص296.
(¬4) الكاساني، بدائع الصنائع، ج1، ص4.
الجزء 1 · صفحة 63
اللحية التي على بشرة الوجه؛ دون المسترسل منها، وبذلك يكون المذهب قد وقف على تفسير ما ورد به الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة.
المسألة (15): يجب غسل القدمين لا المسح عليهما. (يُعمل بما ورد عنه).
أولا: ما ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة:
[15]: عن قتادة عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: «رجع إلى غسل القدمين؛ في قوله تعالى: {وأرجلَكم إلى الكعبين}، [المائدة: 6]» (¬1).
ثانيا: فقه الحنفية:
من فرائض الوضوء غسل الرجلين مع الكعبين (¬2).
ثالثا: أثر ابن مسعود - رضي الله عنه - في فقه الحنفية.
دل الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - على أنه ذكر عطف الأرجل على اليدين في الوضوء، وهذا تأكيد منه، على الآية القرآنية التي أفادت العطف بعلامة النصب، وبذلك يكون الحنفية أخذوا بعين ما دلت عليه الآية، مع الاستئناس بما ورد عن الصحابة الكرام - رضي الله عنهم -، في ذلك، ومنهم ابن مسعود - رضي الله عنه -، واتقفوا على صحة العمل بما ورد عنه في المسألة.
المسألة (16): حُكم تخليل الأصابع في الوضوء. (يُعمل بما ورد عنه ويُحمل على أنه سُنة).
أولا: ما ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة:
[16]: عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال: «لينتهكن رجل بين أصابعه في الوضوء أو «بالطهور» (¬3)؛ -أو
¬
(¬1) مصنف عبد الرزاق، ج1، ص20، ح59؛ واللفظ له؛ صحيح ابن خزيمة، ج1، ص85؛ ولفظه عنده: «رجع الأمر إلى الغسل»؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص246، ح9210؛ ولفظه عنده: «رجع قوله إلى غسل القدمين»، قال الهيثمي: «وقتادة لم يسمع من ابن مسعود - رضي الله عنه -». مجمع الزوائد، ج1، ص234، ح1194؛ وروي من طريق زر بن حبيش، ينظر: البيهقي، السنن الكبرى، ج1، ص115، ح331.
(¬2) ينظر: شرح الوقاية، ج1، ص7؛ القاري، الملا علي الهروي (2017م). فتح باب العناية شرح كتاب النقاية (تعليقات: أحمد فريد المزيدي) ط2، ج1، 23، دار الكتب العلمية، بيروت؛ الرازي، حسام الدين علي بن أحمد بن مكي (2016م). خلاصة الدلائل وتنقيح المسائل في شرح القدوري، (تحقيق وتعليق: أ. د. صلاح محمد أبو الحاج)، ط1، ج1، ص171، دار الفتح، عمّان.
(¬3) مصنف عبد الرزاق، ج1، ص22، ح68؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص246، ح9212؛ الطبراني، المعجم الأوسط، ج3، ص122، ح2674؛ عن هُزَيل بن شرحبيل. «إسناده حسن». ينظر: الشلاحي، التبيان، ج1، ص322.
الجزء 1 · صفحة 64
لينتهكنه النار-» (¬1)؛ وكان يقول: «خللوا الأصابع الخمس لا يحشوها الله ناراً» (¬2).
ثانيا: فقه الحنفية:
من سُنن الوضوء: تخليل أصابع اليدين والقدمين (¬3)؛ وأما كيفية التخليل؛ فـ «يستحب ابتداؤه من رؤوس الأصابع في اليدين والرجلين؛ لأنه سبحانه جعل المرافق والكعبين غاية الغسل، فينبغي أن تكون نهاية الفعل» (¬4)، «ولأن التخليل من باب إكمال الفريضة، فكان مسنوناً» (¬5)، ويُشدد في تخليل الأصابع، إذا كان في أصبع اليد خاتم ضيّق، قال الكاساني: «ولو كان في أصبعه خاتم، فإن كان واسعاً، فلا حاجة إلى التحريك، وإن كان ضيقاً فلا بد من التحريك ليصل الماء إلى ما تحته» (¬6).
ثالثا: أثر قول ابن مسعود - رضي الله عنه - في فقه الحنفية:
دل الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - على تغليظه الأمر بإيصال الماء إلى الأصابع في الوضوء -مُطلقاً-، بدون بيان واضح عن حُكم هذا التخليل؛ فكان أن وقف الحنفية على الحُكم والكيفية معاً؛ بناء على ما وقفوا عليه من دليل في المسألة؛ حيث أنهم أولاً بنوا الحُكم ابتداءً على أنه سُنة ومُستحب، لا أنه واجبٌ؛ كما يُفهم من ظاهر الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، وثانياً أنهم فصلوا في كيفية تخليل الأصابع، وبهذا يكون المذهب قد فسّر ما ورد به الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة من ناحية بناء الحُكم وكيفية تخليل الأصابع في الوضوء.
¬
(¬1) مصنف عبد الرزاق، ج1، ص22، ح68؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص246، ح9211، عن هُزَيل بن شرحبيل؛ قال ابن أبي حاتم: «سمعت أبي يقول: رفعه منكر .. ولم يخرج هذا الحديث أحد من أصحاب السنن»، ابن عبد الهادي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن يوسف (2003م). تعليقة على العلل لابن أبي حاتم (تحقيق: سامي بن محمد بن جاد الله)، ط1، ص278، أضواء السلف، الرياض؛ ينظر: مصنف ابن أبي شيبة، ج1، ص270، ح86. عن هُزَيل بن شرحبيل.
(¬2) الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص247، ح9213، عن طلحة بن مصرف؛ قال الهيثمي: «وفيه راو لم يسمَ، وبقية رجاله ثقات»، مجمع الزوائد، ج1، ص236، ح1211.
(¬3) ينظر: السرخسي، المبسوط، ج1، ص80.
(¬4) فتح باب العناية، ج1، ص23.
(¬5) الكاساني، بدائع الصنائع، ج1، ص22.
(¬6) الكاساني، بدائع الصنائع، مصدر سابق، ج1، ص22.
الجزء 1 · صفحة 65
المسألة (17): يُسن مسح الأذنين في الوضوء. (يُعمل بما ورد عنه استحباباً).
أولا: ما ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة:
[17]: عن حُميد الطويل، قال: رأيت أنس بن مالك - رضي الله عنه - توضأ فمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما مع رأسه، وقال: «إن ابن مسعود - رضي الله عنه - كان يأمر بالأذنين» (¬1).
ثانيا: فقه الحنفية:
يُعتبر مسح الأذنين من سُنن الوضوء (¬2).
ثالثا: أثر قول ابن مسعود - رضي الله عنه - في فقه الحنفية:
دل الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه أمر بغُسل الأذنين، بدون بيان لحكم هذا الغُسل، فكان أن حمل الحنفية هذا المسح، -وليس الغسُل- على السُنيّة، بناء على ما وقفوا عليه من دليل، وفي تفصيلهم في المسألة إشعار أن حُكم مسح الأذنين منفصل عن حكم مسح الرأس والوجه، وبهذا يكون المذهب قد فسّر ما ورد به الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، في المسألة.
المسألة (18): في الجِماع -أنزل أم لم يُنزل- يوجب الغُسل. (يُعمل بما ورد عنه).
أولا: ما ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة:
[18]: عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، قال عبد الله - رضي الله عنه -: «الماء من الماء» (¬3). وسُئل عن الرجل يجامع امرأته فلا يمني؟ فقال - رضي الله عنه -: «أما أنا فإذا بلغت ذلك من المرأة اغتسلت» (¬4). وقال:
¬
(¬1) الطحاوي، شرح معاني الأثار، ج1، ص34، ح150؛ الزرقي، إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري (1998م). حديث علي بن حجر السعدي عن إسماعيل بن جعفر المدني (تحقيق: عمر بن رفود بن رفيد السّفياني)، ط1، ص204، ح107، مكتبة الرشد، الرياض؛ أبو عُبيد، القاسم بن سلاّم بن عبد الله الهروي البغدادي (1994م). الطهور للقاسم بن سلام، ط1، ص365، ح357، مكتبة الصحابة، جدة؛ سنن الدارقطني، ج1، ص189، ح373؛ ينظر: ما صح من آثار الصحابة في الفقه، ج1، ص58؛ البدر المنير، ج2، ص211.
(¬2) ينظر: مختصر القدوري، ص53 - 54، دار ابن كثير.
(¬3) مصنف ابن أبي شيبة، ج1، ص526، ح963؛ البيهقي، معرفة السنن والآثار، ج1، ص468، ح1398؛ حديث صحيح، ينظر: ما صح من آثار الصحابة في الفقه، ج1، ص99.
(¬4) الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص253، ح9253؛ عن إبراهيم؛ واللفظ له؛ قال الهيثمي: «ورجاله ثقات». مجمع الزوائد، ج1، ص267، ح1445؛ وهو حديث صحيح، ينظر: ما صح من آثار الصحابة في الفقه، ج1، ص103؛ ينظر: مصنف ابن أبي شيبة، ج1، ص520، ح943؛ مصنف عبد الرزاق، ج1، ص247، ح947. عن علقمة؛ ينظر: البوصيري، إتحاف الخيرة المهرة، ج1، ص373، باب نسخ ذلك بالتقاء الختانين؛ بن حجر، المطالب العالية، ج2، ص496، ح188.
الجزء 1 · صفحة 66
«إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل» (¬1).
ثانيا: فقه الحنفية:
مما يوجب الغُسل، الغُسل الحُكمي الذي ورد به النص الشرعي، في حال الجِماع، أنه في أحد حالين: إنزال «المني على وجه الدفق والشهوة من الرجل والمرأة حالة النوم واليقظة، و [كذلك] التقاء الختانين من غير إنزال» (¬2).
ثالثا: أثر قول ابن مسعود - رضي الله عنه - في فقه الحنفية:
دلت الآثار عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، عند الجمع بينها (¬3) على أحد مُوجبات الغُسل، وهو حال الجِماع بين الرجل والمرأة؛ سواء أنزل أم لم يُنزل، فبمجرد «تواري الحشفة، وقدرها من مقطوعها في أحد سبيلي آدمي حي» (¬4). قال السرخسي: «وهو قول المهاجرين عمر وعلي وابن مسعود - رضي الله عنهم -» (¬5)، وبذلك يكون الحنفيّة اتفقوا على صحة العمل بما وردت به الآثار عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة.
المسألة (19): عدم وجوب غسل الرأس بالماء إذا غُسل أولاً بالخطمي (¬6) مع الماء. (يُعمل بما ورد عنه).
أولا: ما ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة:
[19]: عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، قال: «إذا اغتسل أحدكم وهو جنب بالخطمي (¬7)، ثم اغتسل بعد ذلك،
¬
(¬1) مصنف عبد الرزاق، ج1، ص245، ح938؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص253، ح9251؛ قال الهيثمي: «وفيه جابر الجعفي، وهو ضعيف». مجمع الزوائد، ج1، ص267، ح1444. عن علقمة.
(¬2) المرغيناني، علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني، متن بداية المبتدي في فقه الإمام أبي حنيفة، ص4، مكتبة ومطبعة محمد علي صبح، القاهرة.
(¬3) قال الزيلعي: «الماء من الماء؛ مطلق فيحمل المطلق على المقيد في حادثة واحدة». تبيين الحقائق، ج1، ص15.
(¬4) الشرنبلالي، نور الإيضاح، ص27.
(¬5) السرخسي، المبسوط، ج1، ص68.
(¬6) معنى العبارة: أنه من «كان يكتفي بالماء الذي يغسل به الخطمي وينوي به غسل الجنابة، [فإنه] لا يستعمل بعده ماء آخر يخص به الغسل». ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، ج2، ص51.
(¬7) «الخطمي، بالكسر ويفتح: نبات ينفع الأمراض الصدرية ويغسل به الرأس». البركتي، محمد عميم الإحسان المجددي (2003م). التعريفات الفقهية، ط1، ص88، دار الكتب العلمية، بيروت؛ وقال الجبي (2005م): «رغوة تُغسل بها الرؤوس». شرح غريب ألفاظ المدونة (تحقيق: محمد محفوظ)، ط2، ص41، دار الغرب الإسلامي، بيروت؛ وقال الدكتور سعدي أبو حبيب (1988): «والكسر أكثر الخطمي: شجرة من الفصيلة الخبازية، كثيرة النفع، يدق ورقها يابسا، ويجعل غسلا للرأس، فينقيه». القاموس الفقهي لغة واصطلاحا، ط2، ص118، دار الفكر، دمشق.
الجزء 1 · صفحة 67
فليغسل رأسه إن شاء بالماء» (¬1). وكان ابن مسعود - رضي الله عنه -: «لا يغسل رأسه» (¬2)؛ أي بماء جديد بعد أن يغتسل بالخطمي الذي فيه ماء الغُسل.
ثانيا: فقه الحنفية:
استعمال الخطمي عند الاغتسال، مما يُستحب؛ لما فيه من النظافة العامة وإزالة الأوساخ، وترك الرائحة الطيبة على البدن، قال ابن عابدين: «وغَسَلَ رأسه ولحيته بخطمي؛ لأنه طيب أو يقتل الهوام» (¬3).
ثالثا: أثر ابن مسعود - رضي الله عنه - في فقه الحنفية:
دلت الآثار عن ابن مسعود - رضي الله عنه - بمجموعها-: على أن الخطمي نوع من النبات مطهّر أو معطّر، -على خلاف-، يوضع على الرأس واللحية أثناء الاغتسال، وبعد وضع الخطمي؛ فالمغتَسِل مخيّر بين أن يبقيه أو يزيله بالماء، وفي كلتا الحالتين صح الترك أو الفعل عند ابن مسعود - رضي الله عنه -، واستفاد الحنفية مما ورد به الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة، في باب الإحرام، فصل في تَطيب المحرّم، قال الكاساني: «فإن غسل رأسه ولحيته بالخطمي فعليه دم في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد عليه صدقة؛ لهما أن الخطمي ليس بطيب، وإنما يزيل الوسخ فأشبه الأشنان، فلا يجب به الدم، وتجب الصدقة؛ لأنه يقتل الهوام؛ لا لأنه طيب، ولأبي حنيفة أن الخطمي طيب؛ لأن له رائحة طيبة فيجب به الدم كسائر أنواع الطيب؛ ولأنه يزيل الشعث ويقتل الهوام فأشبه الحلق» (¬4).
¬
(¬1) الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص254، ح9256؛ عن الحارث بن الأزمع؛ قال الهيثمي: «وإسناده حسن»، مجمع الزوائد، ج1، ص273، ح1481؛ ينظر: الطبراني، المعجم الكبير، مصدر سابق، ج9، ص254، ح9255؛ الحارث بن الأزمع؛ قال الهيثمي: «وليس في رجاله من ضعف»، مجمع الزوائد، مصدر سابق، ج1، ص273، ح1483؛ ينظر: مصنف عبد الرزاق، ج1، ص263.
(¬2) الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص254، ح9257، قال الهيثمي: «وفيه الحجاج بن أرطأة»، مجمع الزوائد، ج1، ص273، ح1482.
(¬3) الدر المختار، ج2، ص488.
(¬4) بدائع الصنائع، ج2، ص191.
الجزء 1 · صفحة 68
المسألة (20): يطهر الخف أو النعل إذا واصل بهما المشي في الطريق. (يُعمل بما ورد عنه).
أولا: ما ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة:
[20]: عن عبد الله - رضي الله عنه - قال: «كنا لا نتوضأ من موطأ» (¬1).
ثانيا: فقه الحنفية:
اتفق الحنفية على أن من وطأ المُسلم بخفه النجاسة لا يُعيد الوضوء، واتفقوا على طهارة الخف أو النعل إذا التصقت به نجاسة لها جُرم، ثم مسحه بالأرض، فإنه يزيل عين تلك النجاسة ويطهّره (¬2).
أما النجاسة السائلة التي ليس لها جُرم إذا علقت على الخف أو النعل فلا تطهر إلا بالغُسل، قال المرغيناني: «إذا أصاب الخُف نجاسة لها جرم؛ كالروث والعذرة والدم والمني، فجفت فدلكه بالأرض جاز، وهذا استحسان، وقال محمد رحمه الله: لا يجوز، وهو القياس .... وفي الرطب [من الموطوء] لا يجوز حتى يغسله؛ لأن المسح بالأرض يكثّره ولا يُطّهره، وعن أبي يوسف -رحمه الله-: أنه إذا مسحه بالأرض، حتى لم يبق أثر النجاسة، يَطْهُر لعموم البلوى» (¬3). قال ابن مازة: «وعليه فتوى من مشايخنا للبلوى والضرورة» (¬4).
ثالثا: أثر قول ابن مسعود في فقه الحنفية.
دل الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - على أن ما يَطأ به الإنسان الأرض يكون طاهراً، وليس عليه إعادة الوضوء، وبذلك قال الحنفية اتفاقاً؛ لكن لم يفصل الأثر في حُكم غسل النعل أو الخف الذي أصابته النجاسة التي تصيب الموطوء؛ أكانت لها جرم أم كانت رطبة، فكان ما قاله الحنفية: أن ذلك النعل في الأرض يزيل النجاسة التي لها جُرم، واختلفوا في النجاسة التي تصيب النعل وليس لها جُرم، وهي النجاسة الرطبة، فكانت الفتوى على ما قاله أبو يوسف وعلى ما شرطَهُ، ويُستفاد من الأثر عند الحنفية من خلال قياس الخف والنعل على الرجلين عندهم، وبذلك يكون المذهب قد فسّر ما ورد به الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة.
¬
(¬1) مسند البزار، ج5، ص177، ح1774؛ عن زيد بن وهب؛ والموطأ: «أي ما يوطأ من الأذى في الطريق؛ أراد لا نعيد الوضوء منه لا أنهم كانوا لا يغسلونه». لسان العرب، ج1، ص199؛ ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، ج5، ص202؛ وفي رواية عن الأعمش عن أبي وائل مثله، سنن ابن ماجه، ج1، ص331، ح1041؛ مصنف ابن أبي شيبة، ج5، ص336، ح8136؛ «وقال الإمام أحمد: كان الأعمش يدلس هذا الحديث؛ لم يسمعه من أبي وائل». ابن العراقي، أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين الكردي. تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل (تحقيق: عبد الله نوارة)، ص136، مكتبة الرشد، الرياض.
(¬2) ينظر: ابن مازة، المحيط البرهاني، ج1، ص203.
(¬3) المرغيناني، الهداية، ج1، ص36.
(¬4) المحيط البرهاني، ج1، ص203.
الجزء 1 · صفحة 69
المسألة (21): لا بأس بالصلاة مع وجود الدم والرفث على الجسم، ولا يُعيد وضوءَه. (لم يُعمل بما ورد عنه).
أولا: ما ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة:
[21]: عن يحيى بن الجزار، قال: «صلَّى ابن مسعود - رضي الله عنه - وعلى بطنه فرث ودم من جزر، نحرها ولم يتوضأ» (¬1).
ثانيا: فقه الحنفية:
بدن المُصلي وثوبه والمكان إذا أصاب أحدها الدماء أيّاً كانت هذه الدماء، فهي نجسة، ويجب تطهيرها بالغسل (¬2). «والأصل المتفق عليه أن دماء الأنعام كدماء بني آدم غير راجعة إلى حكم لحومها؛ فوجب أن يكون أرواثها كذلك لا يرجع فيها إلى حكم لحومها بل يكون كغائط بني آدم» (¬3).
ثالثا: أثر ابن مسعود - رضي الله عنه - في فقه الحنفية:
دل الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن البطن الذي أصابه دم الجزور، فلا بأس بالصلاة به، بدون وضوء، ولم يأخذ الحنفية بما ورد به الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة، لأن دم الجزور نجس، فيأخذ حُكم دماء الأشياء التي هو منها (¬4). وبذلك يكون المذهب قد أخذ بالقياس، وهو قوله تعالى: {أو دماً مسفوحا}؛ [سورة الأنعام: 145]، «لأن المحرم هو الدم المسفوح» (¬5)؛ أي الذي يسيل من الحيوان، فيكون نجساً بخلاف الحيوان الذي فيه دم لكن لا يسيل فلا ينجس إذا أصاب البدن (¬6). «ويُحتمل عدم إعادة ابن مسعود - رضي الله عنه - صلاته لقلة مقدار النجس» (¬7) على بدنه، فيكون معفو عنها. وبذلك يكون المذهب مفسراً لما ورد به الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، مع العمل على خلاف ما ورد عنه في المسألة.
¬
(¬1) مصنف عبد الرزاق، ج1، ص125، ح459؛ البيهقي، معرفة السنن والأثار، ج3، ص357، ح4913؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص248، ح9219؛ وزاد في مصنف ابن أبي شيبة، «قال: فلم يعد الصلاة». ج3، ص326، ح3975.
(¬2) ينظر: مختصر القدوري، ص80.
(¬3) الجمال الملطي، المعتصر من المختصر، ج1، ص19.
(¬4) ينظر: شرح مشكل الأثار، ج10، ص103.
(¬5) السرخسي، المبسوط، ج1، ص51.
(¬6) فـ «تجوز الصلاة عليه وإن كان مائيا كالضفدع المائي والسرطان ونحو ذلك، فإن مات في الماء لا ينجسه في ظاهر الرواية». الكاساني، بدائع الصنائع، ج1، ص79.
(¬7) الجمال الملطي، المعتصر من المختصر، ج1، ص19.
الجزء 1 · صفحة 70
المسألة (22): لا ينصرف من الصلاة حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً. (يُعمل بما ورد عنه).
أولا: ما ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة:
[22]: عن قيس بن السكن، عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: «إن الشيطان ليطيف بالرجل فى صلاته؛ ليقطع عليه صلاته، فإذا أعياه نفخ فى دبره، فإذا أحس أحدكم ذلك، فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً» (¬1).
ثانيا: فقه الحنفية:
إذا توضأ المسلم، ثم شك في وجود الحدث، فإنه يتم صلاته، ولا يعيد الوضوء، والقاعدة في ذلك: أنه «من شك في الحدث فهو على وضوئه، وإن كان محدثاً فشك في الوضوء فهو على حدثه؛ لأن الشك لا يعارض اليقين، وما تيقن به لا يرتفع بالشك» (¬2). وأما الشك، فلا يلتفت إليه، «وينبغي أن ينضح فرجه، وإزاره بالماء إذا توضأ؛ قطعا لهذه الوسوسة، حتى إذا أحس بشيء من ذلك، أحاله على ذلك الماء» (¬3).
ثالثا: أثر قول ابن مسعود - رضي الله عنه - في فقه الحنفية.
دل الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، أن دخول المسلم في الصلاة على طهارة، هو الأصل، وما يعرض له من وساوس الشيطان، ما هو إلا شك، فلا يُترك اليقين بمجرد هذا الشك، بل يطرح العارض ويبنى على ما استيقن. واستفاد الحنفية مما ورد به الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، في المسألة، وبنوا عليه صحة الصلاة مع الشك بوجود الحدث، مستدلين بقاعدة عظيمة، وهي: اليقين لا يزول بالشك؛ «لأنه لم يوجد إلا مجرّد الشك ولا عبرة له مع اليقين» (¬4). وبذلك يكون المذهب قد اتفق على صحة العمل بما ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة.
¬
(¬1) مصنف عبد الرزاق، ج1، ص141، ح536؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص249، ح9231؛ قال الهيثمي: «ورجاله موثوقون»، مجمع الزوائد، ج1، ص243، ح1252؛ ينظر: الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص249، ح9230؛ عن زر بن حبيش؛ قال الهيثمي: «وفيه الحجاج بن أرطاة، وهو ثقة إلا أنه مدلس، ولم يصرح بالسماع»، مجمع الزوائد، ج1، ص242، ح1251.
(¬2) السرخسي، المبسوط، ج1، ص86.
(¬3) السرخسي، المبسوط، مصدر سابق، ج1، ص86.
(¬4) البحر الرائق، ج1، ص37.
الجزء 1 · صفحة 71
المسألة (23): حُكم المسح على الخُفين والجوربين. (يُعمل بما ورد عنه؛ بالشروط الواردة على المسح على الجوربين).
أولا: ما ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة:
[23]: عن إبراهيم عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه «كان يمسح على خفيه، ويمسح على جوربيه» (¬1)، «والنعلين» (¬2)، و «دخل بستاناً، فقضى الحاجة، ثم توضأ، ومسح على جوربيه» (¬3).
ثانيا: فقه الحنفية:
يُشرع المسح على الخفين اتفاقاً، وأما المسح على الجوربين (¬4)، فيصح بشروط، على خلاف بين أبي حنيفة وبين الصاحبين، قال المرغيناني: «لا يجوز المسح على الجوربين عند أبي حنيفة إلا أن يكونا مجلدين أو منعلين؛ وقالا: يجوز إذا كانا ثخينين لا يشفان ... ولأنه يمكنه المشي فيه إذا كان ثخينا وهو أن يستمسك على الساق من غير أن يربط بشيء فأشبه الخف وله أنه ليس في معنى الخف لأنه لا يمكن مواظبة المشي فيه إلا إذا كان منعلا وهو محمل الحديث وعنه أنه رجع إلى قولهما وعليه الفتوى» (¬5).
ثالثا: أثر ما ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في فقه الحنفية:
دل الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - على جواز المسح على الخُفين والجوربين مطلقاً، بدون أي بيان تفصيل لشروطهما، فاتفق الحنفية على المسح على الخفين مطلقاً، -على الصفة التي كان عليها الخف زمن النبي ?، أما الجوربين، فاختلف في المسح عليهما إلا بشروط، فكان ما قاله أبو حنيفة فيها حملاً على الخف، وهو أن يكونا مجلدين أو منعلين، وما قاله أبو يوسف حملاً لهما على على الثخانة وعدم الشف، بناء على ما وقف عليه كل منهما من دليل، فبذلك يكون المذهب قد فسّر ما ورد به الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - بمزيد من التوضيح والتفصيل لشروط المسح على الجوربين.
¬
(¬1) مصنف عبد الرزاق، ج1، ص200، ح781؛ «وسنده صحيح»، المباركفوري، تحفة الأحوذي، ج1، ص277؛ وإبراهيم النخعي مراسيله عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، صحيحة.
(¬2) الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص251، ح9239. عن الهمام بن الحارث؛ قال الهيثمي: «ورجاله موثقون»، مجمع الزوائد، ج1، ص258، ح1381.
(¬3) مصنف ابن أبي شيبة، ج21، ص63، ح38347؛ عن يسير بن عمرو؛ قال ابن حجر: «إسناده صحيح»، التلخيص الحبير، ج3، ص296.
(¬4) ينظر: مختصر القدوري، ص70؛ فتح باب العناية، ج1، ص109؛ شرح الوقاية، ج2، ص69.
(¬5) الهداية في شرح بداية المبتدي، ج1، ص32.
الجزء 1 · صفحة 72
مع ترجيح قول أبي يوسف في المسألة، في الجورب، وهو أن «لا يشف، ويقف على الساق بلا ربط، ولو لم يكن مجلداً» (¬1).
المسألة (24): مدة المسح على الخفين للمقيم والمسافر. (يُعمل بما ورد عنه).
أولا: ما ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة:
[24]: عن إبراهيم، عن ابن مسعود - رضي الله عنه -: «أنه كان يقول فى المسح على الخفين: ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوم وليلة للمقيم» (¬2).
ثانيا: فقه الحنفية:
يُوقت للمسح على الخفين: للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، وللمقيم يومٌ وليلة (¬3).
ثالثا: أثر قول ابن مسعود - رضي الله عنه - في فقه الحنفية:
دل الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - على أن مدة المسح على الخُفين للمقيم: يوم وليلة، وللمسافر: ثلاثة أيام بلياليهن، واستفاد الحنفية من الأثر على تلك المدة، واتفقوا على صحة العمل بما ورد به الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، في المسألة. مع وجود الضابط، وهو أن «ابتداء المدة [في المسح، يكون] من وقت الحدث، بعد لبس الخفين» (¬4).
المسألة (25): أقل وأكثر أيام الحيض. (يُعمل بما ورد عنه).
[25]: عن علقمة، عن عبد الله - رضي الله عنه -، قال: «الحيض؛ ثلاث وأربع وخمس وست وسبع وثمان وتسع وعشر، فإن زاد فهي مستحاضة» (¬5).
¬
(¬1) الرزي، زين الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد القادر (1417هـ). تحفة الملوك في فقه مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان (تحقيق: د. عبد الله نذير أحمد)، ط1، ص32، دار البشائر الإسلامية، بيروت.
(¬2) مصنف عبد الرزاق، ج1، ص207، ح798؛ مصنف ابن أبي شيبة، ج2، ص255، ح1900؛ ينظر: مصنف عبد الرزاق، مصدر سابق، ج1، ص207، ح800؛ قال الهيثمي: «وهو موقوف كما ترى، وقد تقدم حديثه المرفوع، وله أسانيد بعضها رجاله رجال الصحيح»، مجمع الزوائد، ج1، ص260، ح1402؛ ينظر: مصنف عبد الرزاق، مصدر سابق، ج1، ص207، ح801؛ عن شقيق بن سلمة؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص252، ح9244؛ قال الهيثمي: «وله أسانيد بعضها رجاله رجال الصحيح». مجمع الزوائد، ج1، ص260، ح1402. عن عمرو بن الحارث بن المصطلق، وأبي وائل.
(¬3) ينظر: شرح مختصر القدوري، ص71؛ شرح الوقاية، ج2، ص74.
(¬4) مراقي الفلاح، ص57.
(¬5) سنن الدارقطني، ج1، ص388، ح805، وقال الدارقطني: «لم يروه عن الأعمش بهذا الإسناد غير هارون بن زياد وهو ضعيف الحديث , وليس لهذا الحديث عند الكوفيين أصل عن الأعمش والله أعلم»؛ و وقد صرّح الكاساني من طريق أبو أمامة الباهلي - رضي الله عنه - أنه حديث مشهور، وقال: «روي عن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - منهم عبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك، وعمران بن حصين، وعثمان بن أبي العاص الثقفي - رضي الله عنهم - أنهم قالوا: الحيض ثلاث، أربع، خمس، ست، ثمان، تسع، عشر، ولم يرو عن غيرهم خلافه فيكون إجماعا». بدائع الصنائع، ج1، ص40؛ ينظر: العيني، البناية شرح الهداية، ج1، ص627.
الجزء 1 · صفحة 73
ثانيا: فقه الحنفية:
أقل مدة الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام؛ قال الكاساني: «في ظاهر الرواية أن أقل الحيض ثلاثة أيام، ولياليها، وحكي عن أبي يوسف في النوادر يومان، وأكثر اليوم الثالث ... وأما أكثر الحيض فعشرة أيام بلا خلاف بين أصحابنا» (¬1)؛ وما زاد عن عشرة أيام فهو استحاضة (¬2).
ثالثا: أثر ما ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في فقه الحنفية:
دل الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - على أن عدة المرأة في أيام الحيض: من ثلاثة أيام إلى عشرة أيام، وإن زاد، فتنتقل إلى الاستحاضة، واستفاد الحنفية مما ورد به الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، وبنوا عليه: أن الحيض لا يخرج عن هذه المدة الزمنيّة، وأما ما زاد عن العشرة أيّام فهو استحاضة، وبذلك اتفق المذهب على صحة العمل بما ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة.
المسألة (26): يُرخّص للجنب المرور عند دخول المسجد. (لم يُعمل بما ورد عنه).
أولا: ما ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة:
[26]: عن أبي عبيدة بن عبد الله، عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، أنه كان يُرخّص للجنب أن يمر في المسجد مجتازاً، ولا أعلمه إلا قال: «ولا جنباً إلا عابري سبيل» (¬3).
ثانيا: فقه الحنفية:
لا يجوز للجنب أن يمر في المسجد مجتازاً له؛ حتى يغتسل أو يتيممم، وهو قول الحنفية (¬4)، قالوا: «لا يدخله إلا طاهراً؛ سواء أراد القعود فيه والاجتياز» (¬5). والطهارة أحد نوعين إما أن يغتسل، قال الكاساني: «نهي الجنب عن دخول المسجد بدون الاغتسال» (¬6). وإما أن يتيمم
¬
(¬1) بدائع الصنائع، مصدر سابق، ج1، ص40.
(¬2) الهداية، ج1، ص32.
(¬3) مصنف عبد الرزاق، ج1، ص412، ح1613؛ البيهقي، السنن الكبرى، ج2، ص621، ح4327؛ لم يقف الباحث على تخريجه بهذا اللفظ عند غيرهما.
(¬4) وهم: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد. ينظر: الجصاص، أحكام القرآن، ج3، ص168.
(¬5) الجصاص، أحكام القرآن، ج3، ص168.
(¬6) الكاساني، بدائع الصنائع، ج1، ص38؛ ويؤيده ما روي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: «هو الممر في المسجد». الجصاص، أحكام القرآن، ج3، ص168.
الجزء 1 · صفحة 74
للاجتياز في المسجد، قال العيني: «هم المسافرون لا يجدون الماء فيتيممون» (¬1). قال المرغيناني: «ومن لم يجد ماء وهو مسافر أو خارج المصر، بينه وبين المصر نحو ميل أو أكثر، يتيمم بالصعيد» (¬2).
ثالثا: أثر ما ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في فقه الحنفية:
دل الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه رخّص للمار الجُنب أن يجتاز من المسجد، سواء أكان هذا المرور لحاجة أو لغير حاجة؛ لأن {عابري سبيل} عنده: هم المارون، إلا أن الحنفيّة قالوا في تفسير {عابري سبيل}: هم المسافرون، فاختلف المعنى من تأويل اللفظ، فاختلف الحُكم، لذلك أخذ الحنفية بخلاف ما قال ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة، بناء على ما وقف عليه كل منهم من دليل في المسألة. قال الكاساني: «روي عن ابن مسعود، وعابر سبيل هو المار يقال: عبر، أي: مر نهي الجنب عن دخول المسجد بدون الاغتسال. واستثنى عابري السبيل، وحكم المستثنى يخالف حكم المستثنى منه فيباح له الدخول بدون الاغتسال، (ولنا) ... أن عابر السبيل: هو المسافر الجنب الذي لا يجد الماء، فيتيمم فكان هذا إباحة الصلاة بالتيمم للجنب المسافر إذا لم يجد الماء، وبه نقول: وهذا التأويل أولى لأن فيه بقاء اسم الصلاة على حالها فكان أولى، أو يقع التعارض بين التأويلين، فلا تبقى الآية حجة له» (¬3). وبذلك يكون المذهب أخذ بخلاف ما روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة، للأدلة التي ساقها كل فريق، ومن جهة ما يحمله اللفظ من معان مشتركة.
المسألة (27): جواز دخول الحائض المسجد؛ للحاجة. (لم يُعمل بما ورد عنه).
أولا: ما ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة:
[27]: عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، قال: «الحائض تضع في المسجد الشيء وتأخذ منه» (¬4).
ثانيا: فقه الحنفية:
لا تدخل الحائض المسجد مطلقاً، ولا لأي سبب كان؛ سواء أكانت تريد أن تضع فيه الشيء، أم أرادت أن تأخذ منه، فـ «لا تدخل المسجد؛ لأن ما بها من الأذى أغلظ من الجنابة؛ والجنب ممنوع من دخول المسجد فكذلك الحائض، وهذا؛ لأن المسجد مكان الصلاة فمن ليس من أهل أداء الصلاة ممنوع من دخوله» (¬5).
¬
(¬1) البناية شرح الهداية، ج3، ص458.
(¬2) الهداية، ج1، ص27.
(¬3) بدائع الصنائع، ج1، ص38.
(¬4) مصنف عبد الرزاق، ج1، ص326، ح1254، عن عبد الكريم الجزري؛ لم يقف الباحث على تخريجه بهذا اللفظ عند غيره.
(¬5) السرخسي، المبسوط، ج3، ص153.
الجزء 1 · صفحة 75
ثالثا: أثر ما ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في فقه الحنفية.
دل الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه رخّص للحائض أن تمر بالمسجد كما رخّص للجنب المرور بالمسجد، وهذا المرور عنده يكون بلا مُكث، ولم يعمل الحنفيّة بما ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة؛ لما وقفوا عليه من أدلة صريحة في عدم مرور الحائض والجنب في المسجد، ولأن المسجد معظّم، قال العيني: «أن الحائض لا تدخل المسجد تنزيها له وتعظيما» (¬1). وبذلك يكون المذهب قد عمل بخلاف ما ورد به الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - للمعاني القوية التي ساقوها في ذلك.
المسألة (28): يجوز للجُنب التيمم. (يُعمل بما ورد عنه، كما في القول الثاني).
أولا: ما ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة:
روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في حُكم التيمم للجُنب قولان:
القول الأول: لا يجوز التيمم للجُنب:
[28]: عن إبراهيم، قال عبد الله - رضي الله عنه -: «إذا كنت في سفر فأجنبت، فلا تصلِ حتى تجد الماء، وإن أحدثت فتيمم ثم صلِ» (¬2)، وقال: «لو أجنبت ولم أجد الماء شهراً ما صليت» (¬3).
ففي هذا القول: لا يتيمم الجنب حتى يجد الماء، وهذا القول مُفرَّع عن قوله تعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ}، [سورة النساء: 43]؛ لأن الآية مسوقة أصالة للتيمم، واختلفوا في معنى الملامسة في
¬
(¬1) عمدة القاري، ج3، ص259.
(¬2) مصنف ابن أبي شيبة، ج2، ص183، ح1680؛ «فجوّز التيمم للمحدث خاصة». دون الجنب السرخسي، المبسوط، ج1، ص111؛ ينظر الحوار الكامل الذي دار بين عبد الله وأبي موسى الأشعري - رضي الله عنهم -؛ صحيح البخاري، ج1، ص77، ح347؛ صحيح مسلم، ج1، ص280، ح368. عن شقيق.
(¬3) مصنف عبد الرزاق، ج1، ص241، ح922؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص253، ح9249؛ عن أبي عيبدة؛ «وأبو عبيدة لم يسمع من ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال ابن سفيان: لا يؤخذ به». مجمع الزوائد، ج1، ص260، ح1404؛ وعن شقيق، قال: كنت جالساً مع عبد الله وأبي موسى الأشعري - رضي الله عنهم -، فقال له أبو موسى - رضي الله عنه -: لو أن رجلا أجنب فلم يجد الماء شهراً، أما كان يتيمم ويصلي، فكيف تصنعون بهذه الآية في سورة المائدة: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا} [النساء: 43] فقال عبد الله - رضي الله عنه -: لو رخص لهم في هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا الصعيد. قلت: وإنما كرهتم هذا لذا؟ قال: نعم، فقال أبو موسى - رضي الله عنه -: ألم تسمع قول عمار - رضي الله عنه - لعمر - رضي الله عنه -: بعثني رسول الله ? في حاجة، فأجنبت فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة، فذكرت ذلك للنبي ?، فقال: «إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا، فضرب بكفه ضربة على الأرض، ثم نفضها، ثم مسح بهما ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بهما وجهه» فقال عبد الله - رضي الله عنه -: أفلم تر عمر - رضي الله عنه - لم يقنع بقول عمار - رضي الله عنه -؟ صحيح البخاري، ج1، ص77، ح347؛ صحيح مسلم، ج1، ص280، ح368.
الجزء 1 · صفحة 76
الأية؛ فـ «عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - ذهب إلى أن المراد بالآية اللمس باليد دون الجماع؛ فكانا لأجل ذلك لا يرى أن للجنب أن يتيمم» (¬1).
القول الثاني: يجوز التيمم للجُنب:
[29]: عن الضحاك، قال: «رجع عبد الله - رضي الله عنه - عن قوله في التيمم» (¬2).
ثانيا: فقه الحنفية:
يستطيع الجنب من حدث أكبر إذا لم يجد الماء أن يتيمم، ولأن معنى الملامسة في قوله تعالى: {أو لامستم النساء} [النساء: 43]، معناها: الجماع مجازاً؛ لسياق الآية؛ فإن الله تعالى بيّن حكم الحدث والجنابة في آية الوضوء، ثم نقل الحكم بالتراب حال عدم الماء، وذكر الحدث الأصغر بقوله: {أو جاء أحد منكم من الغائط}، [النساء: 43]، فيحمل {لامستم} [النساء: 43]، على الحدث الأكبر، لتصير الطهارتان والحدثان مذكوران في آية البدل كما .. في آية الوضوء (¬3).
ثالثا: أثر ابن مسعود - رضي الله عنه - في فقه الحنفية:
دلت الآثار عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه كان يُفتي؛ بأن الجنب لا يجوز له أن يتيمم إذا لم يجد الماء، حتى يجده ثم يصلي، ومنشأ الاختلاف عنده - رضي الله عنه - .. في قوله تعالى: {أو لامستم النساء}، [المائدة: 6] أنه حملها على المس باليد وليس على الجماع (¬4). بينما الحنفيّة، حملوها على الجِماع، فيصير المعنى -عندهم-: (أو جامعتم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا)، وعند ابن مسعود - رضي الله عنه -، يكون المعنى: (أو لامستم النساء -على ظاهر المس-، فلم تجدوا ماء فتيمموا)، والمنقول عنه عند الحنفيّة هذا القول: في أن لامستم، ظاهره المس، وعلى هذا لم يثبت العمل بما ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة. وعلى صحة رجوع ابن مسعود - رضي الله عنه - عن قوله: أن الملامسة هي المس باليد، فيتوافق -حينها- قوله مع قول الحنفية في جواز تيمم الجنب إذا لم يجد ماء، لكن الثابت عنه - رضي الله عنه -، في المسألة، ما ذكره الباحث أولاً.
¬
(¬1) بتصرف: الباقلاني، محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم (1998م). التقريب والإرشاد الصغير، ط2، ج1، ص145، مؤسسة الرسالة، بيروت؛ ويتفرع عن قول ابن مسعود - رضي الله عنه - هذا «منع من كان في سفر، وليس معه ماء أن يجامع زوجته». ينظر: ابن حزم، علي بن أحمد بن سعيد. المحلى بالآثار، ج1، ص365، دار الفكر، بيروت.
(¬2) مصنف ابن أبي شيبة، ج2، ص183، ح1681؛ لم يقف الباحث على تخريجه بهذا اللفظ عند غيره؛ ينظر: سنن الترمذي، ج1، ص185؛ البغوي، شرح السُنة، ج2، ص110، ح309.
(¬3) ينظر: العيني، البناية شرح الهداية، ج1، ص530.
(¬4) ينظر: العناية شرح الهداية، ج1، ص127.
الجزء 1 · صفحة 77
المسألة (29): جواز التيمم للمريض ما عد الجُنب. (يُعمل بما ورد عنه للمريض مطلقاً).
أولا: ما ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة:
[30]: عن علقمة، «أن رجلاً كان به جدري، فأمره ابن مسعود - رضي الله عنه -، فقرب له تراب في طست أو تور فتمسح بالتراب» (¬1). وفي قوله تعالى: «وإن كنتم مرضى أو على سفر» (¬2)، قال: «المريض الذي قد أُرخص له في التيمم؛ هو الكسير والجريح؛ فإذا أصابت الجنابة الكسيرَ اغتسل، والجريح لا يحل جراحته (¬3)؛ إلا جراحة لا يخشى عليها» (¬4).
ثانيا: فقه الحنفية:
يجوز للمريض -مُطلقاً جنباً أو من حدث أصغر- الذي يخاف على نفسه زيادة المرض باستعمال الماء أن يتيمم، قال المرغيناني: «ولو كان يجد الماء إلا أنه مريض يخاف إن استعمل الماء اشتد مرضه يتيمم» (¬5). «أو أبطأ برؤه يتيمم، ولا فرق بين أن يشتد بالتحرك كالمشتكي من العرق المدني والمبطون أو بالاستعمال كالجدري ونحوه، أو كان لا يجد من يوضئه ولا يقدر بنفسه» (¬6). والدليل على جواز التيمم للمريض مطلقاً، قوله تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر}، [المائدة: 6] ... إلى قوله: {فتيمموا صعيدا طيبا} [المائدة: 6]؛ «أباح التيمم للمريض مطلقاً من غير فصل بين مرض، ومرض؛ إلا أن المرض الذي لا يضر معه استعمال الماء ليس بمراد، فبقي المرض الذي يضر معه استعمال الماء مرادا بالنص» (¬7).
ثالثا: أثر ابن مسعود - رضي الله عنه - في فقه الحنفية:
دل الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - على جواز التيمم للمريض الذي معه مرض الجدري أو كسر أو جرح، ولم يرخّص للمريض الكسير الجُنب التيمم، وأرخص للمريض الجريح بشرط أن يخشى على جرحه الزيادة، وقد وقف الحنفية على شدة المرض الذي يحول الماء بينه وبين الشفاء، دون تفريق بين نوع مرض وآخر ما دام أن الماء مانع من الشفاء، إضافة إلى أن التيمم يكون مطلقاً
¬
(¬1) مصنف عبد الرزاق، ج1، ص325، ح872؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص253، ح9248؛ «وفيه أبان بن أبي عياش، وهو ضعيف». مجمع الزوائد، ج1، ص260، ح1405.
(¬2) وردت هذه الآية في سورتي: [النساء: 43]؛ و [سورة المائدة: 6].
(¬3) لا يحل جراحته؛ أي لا يفكها بعدما ربط عليها. ينظر هامش: الطبري، جامع البيان، ج8، ص386.
(¬4) الطبري، جامع البيان، ج8، ص386.
(¬5) بداية المبتدي، ص6.
(¬6) ابن الهمام، فتح القدير، ج1، ص123.
(¬7) بدائع الصنائع، ج1، ص48.
الجزء 1 · صفحة 78
للمريض الجنب أو من حدث أصغر. وبذلك يكون المذهب قد فسر ما ورد به الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه -؛ واتفقوا على صحة العمل بما ورد عنه - رضي الله عنه - في المسألة.
المسألة (30): يُسن الغُسل يوم الجمعة. (يُعمل بما ورد عنه).
أولا: ما ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المسألة:
[31]: عن عبد الله - رضي الله عنه -، قال: «من السُنة الغُسل يوم الجُمعة» (¬1).
ثانيا: فقه الحنفية:
حُكم الغُسل يوم الجُمعة أنه، «من سُنن الزوائد؛ فلا عتاب بتركه» (¬2). «واختلفوا في أن الغسل للصلاة أو للوقت؟ .. فعلى قول أبي يوسف لليوم، وعلى قول محمد للصلاة» (¬3).
ثالثا: أثر ابن مسعود - رضي الله عنه - في فقه الحنفية:
دل الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - على سُنيّة الغُسل يوم الجمعة، واستفاد الحنفية من هذه السُنية من أثر ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال ابن مازة: «والأصل فيه ما روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه -» (¬4)، ووقع الخلاف فيما إذا اغتسل، هل يكون ليوم الجمعة أو لصلاة الجمعة؟ بناء على قول ابن مسعود - رضي الله عنه - في لفظ: «يوم الجمعة»، حيث يُشير إلى أحد معنيين: إما أنه لليوم كله وهو قول أبو يوسف، وإما لصلاة الجمعة وهو قول محمد، فترجح الثاني على الأول بمرجحات (¬5). منها: «إجماعهم على أنه لو اغتسل بعد الصلاة لا يعتبر، ولو كان الاغتسال لليوم وجب أن يعتبر» (¬6). وبذلك يكون المذهب قد فسّر ما ورد به الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، في المسألة.
**********
¬
(¬1) مسند الشاشي، ج2، ص298، ح875؛ مسند الحارث، ج1، ص307، ح202؛ مسند البزار، ج5، ص315، ح1932؛ مسند ابن الجعد، ص285، ح1918؛ مسند أبي داود الطيالسي، ج1، ص307، ح391؛ مصنف ابن أبي شيبة، ج4، ص36، ح5058؛ ابن المقرئ، أبو بكر محمد بن إبراهيم بن علي بن عاصم بن زاذان الأصبهاني الخازن، (1998م). المعجم لابن المقرئ (تحقيق: أبي عبد الحمن عادل بن سعد)، ط1، ص136، ح378، مكتبة الرشد، الرياض؛ مصنف عبد الرزاق، ج3، ص200، ح5316؛ قال الهيثمي: «رجاله ثقات»، مجمع الزوائد، ج2، ص173، ح3053. عن همام بن الحارث.
(¬2) ابن عابدين، رد المحتار، ج1، ص168.
(¬3) المحيط البرهاني، ج2، ص92.
(¬4) المحيط البرهاني، ج2، ص92؛ ينظر: شيخي زادة، مجمع الأنهر، ج1، ص25؛ ينظر: مسند الحارث، ج1، ص307، ح202.
(¬5) ينظر: المحيط البرهاني، ج2، ص92؛ مجمع الأنهر، ج1، ص25؛ تبيين الحقائق، ج1، ص18.
(¬6) تبيين الحقائق، ج1، ص18.