الجامع في أحكام الصيام .....
. والاعتكاف والحج والعمرة
جارٍ تحميل الكتاب…
الجامع في أحكام الصيام .....
. والاعتكاف والحج والعمرة
الجامع في أحكام
الصيام والاعتكاف والحج والعمرة
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي لعبادته وفقنا، وبصيام رمضان هذبنا، وبالاعتكاف ربانا، وبالصدقة نجانا، وبالحج أرشدنا، وبالعمرة أوصلنا، وبالتضحية أوصانا، والصلاة والسلام على سيد الخلق سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، ومَن تبعه وسار على دربه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن ما لا يدرك كله لا يترك كله، فعلم الفقه بحر لا ساحل له، والإحاطة بكل فروعه وجزئياته متعسرة على المتخصصين المفرغين له كل وقتهم، فكم من كتب مؤلفة ومصنفة في مسائله يعجز المرء عن حصرها، ولم يكن المقصد من هذا الكتاب استيعاب كل مسائل الصيام والحج، وإنما أريد منه تفصيل الكلام بما يغني الطالب المبتدئ في هذا المقام، بعدما انصب اهتمام المعاصرين في كتبهم على ذكر أمهات المسائل وأدلتها والترجيح بينها دون الاعتناء بالفروع الفقهية التي أحوج ما يكون الطالب إليها؛ لأن أكثر ما يقع للدارس وغالب ما يسأل عنه هو جزئيات المسائل الواقعة بين الناس، فإذا لم يتعلمها ويدرسها، فإنه سيعتمد فيها على ذهنه وهواه في بيان الحكم الشرعي
لها، وهو غير مؤهل لذلك؛ لعدم وصوله إلى مرتبة الاجتهاد، فيكون بفعله هذا قد تقول على الله - جل جلاله - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ما لم يقولا ـ نعوذ بالله من ذلك ـ.
لذلك وجب علينا إغناء المتفقهة بما يسد حاجتهم وحاجة المجتمع الذي ينتظرهم للقيام بدورهم من الإفتاء المعتمد على الفقه الاجتهادي الملتزم، الذي سارت عليه الأمة طوال القرون السابقة.
وعلينا أن نقوي علمية هؤلاء الطلبة حتى يكونوا مؤثرين لا متأثرين بالتيارات المختلفة التي تجتاح المسلمين لإرباكهم في أمور دينهم.
والطريق للخروج من هذا التخبط الفقهي هو تخريج أفواج قادرين على حمل هذه الرسالة السمحة النقية كما أتى بها النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكما مشى عليها أصحابه والأئمة من بعدهم إلى يومنا هذا، بعيداً عن هذا التطرف والمغالات والتكفير والتبديع للمسلمين.
فهذا الكتاب من اللبنات التي تربط طلبتنا بماضيهم الفقهي العريق مع معالجة لأبرز المسائل المستجدة في حياة المسلمين؛ إذ فيه الحفاظ على عبارات الكتب القديمة مع تحليل وتبسيط لها، وتفصيل لمجملها، وعرضها بطريقة عصرية على هيئة عناوين فرعية متنوعة، ونقاط مفصلة؛ ليسهل على الطالب تصور المسائل وفهمها، وتعينه على بيان المقصود، مع الاهتمام بالاستدلال للمسائل من الكتاب والسنة بما يؤيد ويؤكد ما ذهب إليه الأئمة المجتهدون - رضي الله عنهم -.
وفي الختام أقول: وددت لو كان من الوقت سعة لإعادة النظر في مباحث هذا الكتاب مرّة بعد مرّة؛ إذ جمعتها أثناء إلقائي محاضرات مادته على الطلبة، وأسأل الله - عز وجل - أن يوفقني إلى ذلك فيما يأتي من الزمان.
ونسأله - جل جلاله - أن يرشدنا لما يحبّه ويرضاه، ويجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، ويغفر لي ولوالدي ولجدتي وزوجتي وشيوخي وللمسلمين والمسلمات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الدكتور صلاح أبو الحاج
15/محرم/1426 هـ
الموافق 24/شباط/2005 م
الأردن/عمان/صويلح
الباب الأول
الصيام
الفصل الأول
في تعريف الصوم وحكمه ووقته
وسببه وأقسامه وغيرها
المطلب الأول: تعريف الصوم:
أولاً: لغة:
قال ابن فارس (¬1): ((الصاد والواو والميم أصل يدلّ على إمساك وركود في مكان)).
وقال الفيروزآبادي (¬2): ((صام صوماً وصياماً واصطام: أمسك عن الطعام والشراب والكلام والنكاح والسير، وهو صائم وصومان وصوم)).
وقال الفيومي (¬3): ((هو مطلق الإمساك)). ومنه قول السيدة مريم: {إِنِّي نَذَرْتُ للرَّحْمَن صَوْمَاً، فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إِنْسِيَاً} (¬4).
¬
(¬1) في معجم مقاييس اللغة 3: 323.
(¬2) في القاموس 4: 143، وينظر: المغرب ص 274 - 275، وغيره.
(¬3) في المصباح المنير ص 352.
(¬4) من سورة مريم، الآية 35.
ثانياً: اصطلاحاً، عرِّف بتعاريف تضبطه وتبيّن حدوده، منها:
1.ترك الأكل والشرب والوطء من الصبح إلى الغروب مع النيّة من أهله (¬1).
وشرط النيّة؛ لتمييز العبادة عن العادة.
وشرط من أهله؛ حتى لا يشمل الحائض والنفساء.
لكنه يشمل المسلم في دار الإسلام وإن لم يعلم أن الصوم واجب عليه؛ إذ لا يعذر بالجهل في دار الإسلام بخلاف من أسلم في دار الحرب ولم يعلم، فإنه لا يجب عليه الصوم ما لم يعلم (¬2).
2.إمساك عن المفطرات حقيقة أو حكماً من طلوع الفجر الصادق إلى الغروب من أهله مع النية (¬3).
والمفطرات سيأتي بيانها عند ذكر مفسدات الصوم.
وحكماً: كمن أكل ناسياً، فإنه ممسك حكماً (¬4).
وسيأتي بيان الفجر الصادق والغروب عند الكلام عن وقت الصوم.
¬
(¬1) ينظر: فتح باب العناية 1: 556، والوقاية ص232، والملتقى 1: 230، وغيرها.
(¬2) ينظر: الهدية العلائية ص151 - 152، وغيرها.
(¬3) ينظر: تنوير الأبصار 2: 80 - 81، وغيره.
(¬4) ينظر: الدر المختار 2: 80، وغيره.
المطلب الثاني: من حكم مشروعية الصيام:
1. التقوى، وهي أبرز حكمة؛ لقوله - جل جلاله -: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (¬1).
2. الاستعلاء على القيم المادية والشهوانية الجسمية؛ لأن الصائم ترك شهواته ورغباته إرضاءً لربه.
3. تذكير الإنسان بنعم الله - جل جلاله - عليه، فيتذكر نعمة الطعام والمال ...
4. أنه تجسيد للعبودية الكاملة لله سبحانه.
5. أنه تدريب عملي على الإخلاص.
6. أنه غرس وتمكين خلق الأمانة في النفس.
7. أنه تعويد الإنسان على الصبر.
8. أنه حمل النفس على الفضائل وتزكيتها من الرذائل.
9. أنه ضبط للنفس واعتاقها من أسر عاداتها.
10. أنه فيه تحقيق التكافل والتواد والتعاطف بين المسلمين.
11. أنه فيه تقوية العلاقات الاجتماعية.
12. أنه تجسيد للوحدة بين أبناء المجتمع.
13. أنه فيه توحيد لقلوب ومشاعر المسلمين كافة.
¬
(¬1) البقرة: من الآية 183.
14. أنه فيه مظهر للمساواة بين المسلمين.
15. أنه فيه تربية المسلم على القيم الخيرة.
16. أنه فيه تربية المسلم على القابلية للتغيير والإنسجام مع الظروف والمستجدات.
17. أنه سبيل إلى سلامة الجسم وحيويته وزيادة عطائه (¬1).
المطلب الثالث: وقت الصوم:
وقت الصوم من حين يطلع الفجر المستطير المنتشر في الأفق إلى غروب الشمس (¬2)، كما في قوله - جل جلاله -: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} (¬3).
ومعنى الخيط الأبيض والأسود بيَّنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث عدي بن حاتم - رضي الله عنه - قال: (لما نزلت: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}، قال له عدي بن حاتم: يا رسول الله إني أجعل تحت وسادتي عقالين عقالاً أبيض وعقالاً أسود أعرف الليل من النهار، فقال رسول الله
¬
(¬1) هذه الحكم للمشروعية اقتبستها من كتاب أحكام الصيام والاعتكاف للدكتور محمد عقلة ص 17 - 37، باختصار شديد.
(¬2) ينظر: الفتاوى الهندية 1: 194، وغيرها.
(¬3) البقرة: من الآية 187.
- صلى الله عليه وسلم -: إن وسادتك لعريض (¬1)، إنما هو سواد الليل وبياض النهار) (¬2).
فالفجر فجران: كاذب تسميه العرب ذنب السرحان، وهو البياض الذي يبدو في السماء طولاً ويعقبه ظلام، والفجر الصادق: وهو البياض المنتشر في الأفق، فبطلوع الفجر الكاذب لا يحرم الأكل على الصائم ما لم يطلع الفجر الصادق؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا وحكاه حماد بيديه قال: يعني معترضاً) (¬3)، وفي رواية: (لا يمنعن أذان بلال أحداً منكم من سحوره، فإنه ينادي أو يؤذن لينتبه نائمكم ويرجع قائمكم، قال: وليس أن يقول يعني الصبح: هكذا، أو قال: هكذا ولكن حتى يقول: هكذا وهكذا، يعني طولاً ولكن هكذا يعني عرضاً) (¬4) (¬5).
¬
(¬1) قال الخطابي: إن وسادك لعريض قولان:
أحدهما: يريد أن نومك لكثير، وكنى بالوسادة عن النوم؛ لأن النائم يتوسد، أو أراد أن ليلك لطويل إذا كنت لا تمسك عن الكل حتى يتبين لك العقال.
والقول الآخر: أنه كنى بالوسادة عن الموشع الذي يضعه من رأسه وعنقيه على الوسادة إذا نام، والعرب تقول: فلان عريض القفا: إذا كان فيه غباوة وغفلة ... ينظر: السراج المنير 1:. 149.
(¬2) في صحيح البخاري 2: 676، وصحيح مسلم 2: 766، وغيرهما.
(¬3) في صحيح مسلم 2: 770، وغيره.
(¬4) في صحيح ابن خزيمة 3: 210، وغيره.
(¬5) ينظر: المبسوط 1: 141.
وأما حديث: (إذا سمع أحدكم النداء والإناء في يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه) (¬1)، فيجاب عنه بما يلي:
1. أن كبار الحفاظ صرحوا بعدم صحته بطريقيه، قال الحافظ أبو حاتم الرازي: ((هذان الحديثان ليسا بصحيحين، أما حديث عمار فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - موقوف، وعمار ثقة، والحديث الآخر ليس بصحيح)) (¬2).
2. أنه في ظاهره مخالف للقرآن في قوله - جل جلاله -: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} (¬3).
3. أن المراد بالنداء نداء بلال، قال العلامة العلقمي: ((قيل: المراد بالنداء أذان بلال الأول؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) ... )) (¬4)، وعلى هذا حمله في ((الدرجات)) (¬5) (¬6).
¬
(¬1) في المستدرك 1: 320، 323، 588، وقال: صحيح على شرط مسلم، وفي سنن البيهقي الكبير 4: 218، وسنن الدارقطني 2: 165، وسنن أبي داود 2: 302، ومسند أحمد 2: 510.
(¬2) ينظر: علل ابن أبي حاتم 1: 123، 1: 256، وينظر: تفصيل الكلام في ضعف هذا الحديث صحيح صفة صيام النبي - صلى الله عليه وسلم - ص82 - 84، وغيره.
(¬3) البقرة: من الآية187.
(¬4) ينظر: السراج المنير 1: 144، وغيره.
(¬5) ينظر: بذل المجهود شرح سنن أبي داود 11: 151 وغيره.
(¬6) في كشف الظنون 1: 745: درجات التائبين ومقامات الصديقين لإسماعيل بن أحمد بن الفرات السرخسي الشافعي (ت414هـ) وللشيخ إسماعيل بن إبراهيم الفهندي (ت236هـ).
قال الحافظ البيقهي - رضي الله عنه - (¬1): ((وهذا إن صح فهو محمول عند عوام أهل العلم على أنه - صلى الله عليه وسلم - علم أن المنادي كان ينادي قبل طلوع الفجر بحيث يقع شربه قبيل طلوع الفجر ... ليكون موافقاً ... لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يمنعن أحداً منكم أذان بلال من سحوره فإنّما ينادي؛ ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم).)).
4. أن المراد تيقّن عدم طلوع الفجر أو الشكّ، قال العلامة العزيزي (¬2): ((والمعنى أنه يباح له أن يأكل ويشرب حتى يتبين له دخول الفجر الصادق باليقين، والظاهر أن الظن به الغالب ملحق باليقين هنا، أما الشاك في طلوع الفجر وبقاء الليل إذا تردد فيهما، فقال أصحابنا: يجوز له الأكل؛ لأن الأصل بقاء الليل، قال النووي وغيره: إن الأصحاب اتفقوا على ذلك، وممن صرح به الدارمي والبندنيجي وخلائق لا يحصون)). وقال القاري: ((وهذا إذا علم أو ظن عدم الطلوع))، وقال ابن ملك: ((وهذا إذا لم يعلم طلوع الصبح، أما إذا علم أنه قد طلع أو شك فيه فلا)) (¬3).
5. أن المراد بالنداء نداء المغرب، قال الإمام المناوي: ((والمراد إذا سمع الصائم الأذان للمغرب)) (¬4)، وقال العلامة محمد يحيى: ((إن كان المراد بالنداء
¬
(¬1) في سننه الكبير 4: 218.
(¬2) في السراج المنير 1: 144، وغيره.
(¬3) ينظر: بذل المجهود بشرح سنن أبي داود 11: 152، وغيره.
(¬4) ينظر: السراج المنير شرج الجامع الصغير 1: 144، وغيره.
نداء المغرب فالمعنى ظاهر، وهو أنه لا ينبغي له أن ينتظر بعد الغروب شيئاً من تمام النداء أو غيره، بل يجب له المسارعة في الإفطار)) (¬1).
6. أن الأكل متعلق بالفجر لا بالأذان، قال العلامة السهارنفوري (¬2): ((والأولى في تأويل هذا الحديث أن يقال: إن هذا القول أشار به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أن تحريم الأكل متعلق بالفجر لا بالأذان، فإن المؤذن قد يبادر بالأذان قبل الفجر فلا عبرة بالأذان إذا لم يعلم طلوع الفجر، وهذا الحكم للعارفين بالفجر، وأما العوام الذين لا يعرفون فعليهم بالاحتياط، والله تعالى أعلم)). وقال العلامة محمد يحيى: ((إن أريد بها نداء صلاة الفجر، فالمعنى أن النداء لا يعتد به، وإنما المناط هو الفجر، فلو أذن المؤذن والصائم يعلم أن الفجر لم ينبلج بعد، فليس له أن يضعه من يده حتى يقضي حاجته، هذا وقد ذهب به وبما يشير إليه قوله - جل جلاله -: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} (¬3) إلى أن المراد هو التبين دون نفس انبلاج الفجر، وهو أولى بحال العوام نظراً إلى تيسير الشرع، فإن أكثر الخواص أيضاً عاجزون عن درك حقيقته، فكيف لغير الخواص، فإباطة الأمر بنفس الانبلاج لا يخلو عن إحراج وتكليف)) (¬4).
¬
(¬1) ينظر: بذل المجهود 11: 152، وغيره.
(¬2) في بذل المجهود 11: 152.
(¬3) البقرة: من الآية187.
(¬4) ينظر: بذل المجهود 11: 152 وغيره.
7. أنه محمول على غير الصوم، قال العلامة محمد يحيى: ((لك أن تحمل الرواية على غير حالة الصوم، فلا تتعلق هي بالفجر ولا بالمغرب، بل هي واردة على أمر الصلاة كورود قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا حضرت العشاء وأقيمت العشاء فابدءوا بالعشاء) (¬1)، فإنهما سيقا على نمط واحد، والمرعي فيهما قطع بال المصلي عن الاشتغال بغير أمر الصلاة، فكما أنها واردة بقضاء حاجته، فكذلك هي واردة بقضاء حاجته من الشراب فلا يلزم ما لزم، والله تعالى أعلم)) (¬2).
والغروب: أي الحسي وهو زمان غيبوبة تمام حمرة الشمس بحيث تظهر الظلمة في جهة الشرق لا الحقيقي؛ لأنه لا يمكن تحقيقه إلا للأفراد (¬3)، ودليل ذلك:
1. عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا أقبل الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم) (¬4)، قال العلامة الحصكفي (¬5): ((أي إذا وجد الظلمة حساً في جهته فقد دخل وقت الفطر أو صار مفطراً)).
¬
(¬1) في مسند إسحاق بن راهويه 2: 120، وينظر: التمهيد 6: 320، وتهذيب الكمال 14: 302.
(¬2) ينظر: بذل المجهود 11: 152 - 153، وغيره.
(¬3) ينظر: مجمع الأنهر 1: 230، والدر المنتقى 2: 230، وغيرهما.
(¬4) في صحيح البخاري 2: 691، واللفظ له، وصحيح مسلم 2: 772، وغيرهما.
(¬5) في الدر المنتقى 2: 230.
2. قوله - جل جلاله -: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} (¬1)؛ إذ جعل الليل غاية الصيام بأن يكون إلى بداية الليل، ولم يدخل الصيام في الليل (¬2).
3. عن سلمة - رضي الله عنه -: (كنا نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - المغرب إذا توارت بالحجاب) (¬3)، قال العلامة الزبيدي (¬4): ((الحجاب هنا الأفق، يريد غابت الشمس في الأفق واستترت به، ومنه قوله - جل جلاله -: {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَاب} (¬5))).
4. عن أبي بصرة الغفاري - رضي الله عنه - قال: (صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العصر بالمخمص، فقال: إن هذه الصلاة عرضت على مَن كان قبلكم فضيعوها فمَن حافظ عليها كان له أجره مرتين ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد والشاهد النجم) (¬6)، قال العلامة السندي (¬7): ((حتى يطلع الشاهد: كناية عن غروب الشمس؛ لأن بغروبها يظهر الشاهد)).
قال الحافظ ابن حجر (¬8): ((سقوط قرص الشمس يدخل به وقت المغرب، ولا يخفى أن محله ما إذا كان لا يحول بين رؤيتها غاربة وبين الرائي
¬
(¬1) البقرة: من الآية187.
(¬2) ينظر: أحكام القرآن للجصاص 1: 320، وغيره.
(¬3) في صحيح البخاري 1: 205، ومسند أبي عوانة 1: 301، وسنن ابن ماجة 1: 225.
(¬4) في تاج العروس شرح القاموس 2: 240.
(¬5) صّ: من الآية32.
(¬6) في صحيح مسلم 1: 568، والمسند المستخرج 2: 423، ومسند أبي عوانة 1: 300.
(¬7) في حاشية السندي 1: 259.
(¬8) في فتح الباري 2: 42.
حائل)): أي من جبل أو عمران أو غيرهما، وهذا إنما يتم في الصحراء لا في العمران (¬1).
وبهذا يتبين أن معرفة طلوع الفجر ومغيب الشمس يدركه الخواص ممن تمرسوا ذلك وتعلموه، كما أنه يحتاج إلى صحراء لا جبل ولا عمران فيها أو إلى بحر حتى يكون الأفق غير محجوب أمام الرائي، وهذا الأمر غير متيسر لعامة المسلمين؛ لذلك قامت الجهات المختصة بتكوين لجان من أهل الاختصاص في ضبط الأوقات وإخراج التقاويم (الروزنامات) في تحديد أوقات الصلاة والعبادة، وينبغي للمؤمنين الاعتماد عليها؛ لأنه الأسلم لهم في عدم حصول فوضى وإرباك لدى العوام في عبادتهم وتشكيكهم في أحكام دينهم والله أعلم وعلمه أقوم.
كما أن أمر التعجيل بالإفطار قبل الغروب يبطل الصوم، وينال فاعله الوعيد الشديد كما أخبر المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: (بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان فأخذا بضبعي فأتيا بي جبلاً وعراً فقالا لي: اصعد حتى إذا كنت في سواء الجبل، فإذا أنا بصوت شديد فقلت: ما هذه الأصوات قال: هذا عواء أهل النار، ثم انطلق بي فإذا بقوم معلقين بعراقيبهم مشققة أشداقهم تسيل أشداقهم دماً فقلت: من هؤلاء فقيل: هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم) (¬2)، قال الإمام المنذري (¬3): ((معناه يفطرون قبل وقت الإفطار)).
¬
(¬1) ينظر: نيل الأوطار 2: 5 - 6، وغيره.
(¬2) في صحيح ابن حبان 16: 536، والمستدرك 1: 595، وسنن النسائي 2: 246.
(¬3) في الترغيب والترهيب 2: 22.
المطلب الرابع: سبب وجوب الصوم:
يختلف سبب وجوب الصوم باختلاف الصوم:
أولاً: سبب وجوب صوم رمضان هو شهود جزء من الشهر (¬1)،حتى لو جنَّ كلٌّ رمضان لم يقض، وإن أفاق بعض الشهر ولو ساعة قضى ما مضى من رمضان في ظاهر الرواية (¬2)، ولا فرق في هذا بين ما إذا بلغ مجنوناً، أو بلغ عاقلاً ثم جنّ (¬3).
¬
(¬1) هذا ما مشت عليه المتون كالوقاية ص 242، والملتقى 1: 353، والتنوير 2: 82، والغرر 1: 211، وهو المختار كما في الخبازية، واختار فخر الإسلام وغيره أنه يجب عليه صوم رمضان إن أفاق في جزء يمكن إنشاء الصوم فيه من كلّ يوم، وهو ما كان من طلوع الفجر الصادق إلى قبيل الضحوة الكبرى، أما الليل والضحوة الكبرى وما بعدها فلا يمكن إنشاء الصوم فيها، والموجود في الليل مجرد النيّة لا إنشاء الصوم حتى لو أفاق المجنون في ليلة من أول الشهر أو وسطه ثم جنَّ قبل أن يصبحَ ومضى الشهر وهو مجنون أو أفاق فيما بعد الزوال من يومه من الجنون ثمّ استغرق بقيته لا قضاء عليه، أما لو أفاق بعد الزوال في وسط رمضان ولم يعقبه جنون، فإنه يجب قضاء ما مضى. وعليه الفتوى كما في المجتبى، والنهر عن الدراية، وصححه صاحب النهاية والظهيرية وقاضي خان والعناية ومشى عليه الاسبيجابي وحميد الدين الضرير من غير حكاية خلاف ومشى عليه في نور الإيضاح، ينظر: الدر المختار ورد المحتار 2: 81 - 82، والشرنبلالية 1: 211، وغيرها.
قال ابن عابدين في رد المحتار 2: 82 بعد نقل الخلاف: والحاصل أنهما قولان مصححان، وأن المعتمد ما عليه ظاهر الرواية والمتون.
(¬2) ينظر: الهدية العلائية ص 152.
(¬3) وعند محمد - رضي الله عنه - إذا بلغ الصبي وهو مجنون لا يجب عليه الصوم مع أنه لا يكون مستغرقاً
لكل شهر رمضان، فإن الجنون إذا اتصل بالصبي لم يجب الصوم، فهذا الجنون يكون مانعاً، فيكفي للمنع الجنون الضعيف، وهو غير المستغرق، أما إذا جنّ البالغ فإنه رافع للصوم الواجب، فلا بد أن يكون جنوناً قوياً، وهو المستغرق؛ إذ أن محمد - رضي الله عنه - فرق بين الجنون الأصلي، وهو ما إذا بلغ وهو مجنون، والعارضي وهو ما إذا بلغ مفيقاً ثم جنّ، فألحق الأصلي بالصبي، وخص القضاء بالعارضي، واختاره بعض المتأخرين. ينظر: مجمع الأنهر 1: 253، وفتح باب العناية 1: 591، ومنتهى النقاية ص 242، وغيرها.
ثانياً: سبب وجوب صوم المنذور هو النذر، يجزئه إن عيّن شهراً للنذر وصام قبله؛ لوجود السبب وهو النذر كما إذا قال: لله علي أن أصوم رجباً فيجوز له أن يصوم قبل أن يأتي رجب، لكن إذا قدم رجب وجب وجوباً مضيقاً لعدم جواز تأخيره عنه، أما إذا علّق النذر على أمرٍ فلا يجزئه أن يصوم قبل تحققه (¬1).
ثالثاً: سبب وجوب صوم الكفارة هو أسبابها من الحنث والقتل واليمين؛ لذا لا يجوز له أن يقدم الصيام على الحنث (¬2) وغيره.
¬
(¬1) ينظر: تفصيل هذا المسألة وفروعها كتابي البيان في الأيمان والنذور والحظر والإباحة ص149 - 150، وغيره.
(¬2) وعند الشافعي - رضي الله عنه - الأولى في التكفير بالمال أن لا يكفر حتى يحنث فإن كفر قبل أن يحنث
جاز، أما في الصوم فلا يجوز حتى يحنث، ينظر: التنبيه ص125، وفتوحات الوهاب 5: 296،والأم 7: 66، وتحفة المحتاج 10: 15، ونهاية المحتاج 8: 181، وغيرها.
وقال مالك وأحمد: إن الكفارة تجزئ قبل الحنث، لكن استحب الشافعي ومالك تأخيرها بعد الحنث، وقد أطال النفس الشيخ محمد تقي العثماني في تكملة فتح الملهم2: 188 - 193 في بسط أدلة كل طرف، وخلص إلى القول أن الأولى في أمثال هذه المسائل العمل بالأحوط، ولا شك أن التكفير بعد الحنث هو الاحتياط. ينظر: البيان في الأيمان ص75.
رابعاً: سبب وجوب صوم القضاء هو أداء صوم اليوم المقضي (¬1).
المطلب الخامس: أقسام الصوم:
الأول: فرض معيّن: أي له وقت خاص، وهو صوم رمضان أداءً؛ لقوله - جل جلاله -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (¬2)، وقد انعقد الإجماع على فرضيته؛ ولهذا يكفر جاحده (¬3).
الثاني: فرض غير معيّن:
وهو صوم رمضان قضاء.
الثالث: واجب معيّن:
وهو النذر المعيّن، مثل: نذر صوم يوم الخميس لقوله - جل جلاله -: {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} (¬4)، فهو عام خص منه البعض، وهو النذر بالمعصية والطهارة وعيادة المريض فلا يكون قطعياً فيكون واجباً (¬5).
¬
(¬1) ينظر: فتح القدير 2: 302.
(¬2) البقرة:183.
(¬3) ينظر: شرح الوقاية ص 232، وغيره.
(¬4) الحج: من الآية 29.
(¬5) ووجوب صوم النذر هو اختيار صاحب الوقاية ص 232، والهداية 1: 118، والكنز ص 31، والمختار 1: 161، والفتح 2: 235، والإيضاح ق 30/ب، والملتقى ص 35، والتنوير 2: 82، وغيرهم.
واختيار أنه فرض رجحه صاحب شرح الوقاية ص 232، والمواهب ق 56/أ، والشرنبلالية 1: 197، وغيرهم؛ وحجتهم: إن المنذور إذا كان من العبادات المقصودة كالصلاة والصوم والحج ونحو ذلك، فلزومه ثابت بالإجماع، فيكون قطعي الثبوت، وإن كان سند الإجماع ظنياً، وهو العام المخصوص البعض، فينبغي أن يكون فرضاً.
الرابع: واجب غير معين، وهو الآتي:
1. صوم النذر المطلق، مثل: نذرصوم يوم؛ لما سبق.
2. صوم الكفارات (¬1): وهي كفارة القتل، والظهار، واليمين، والإفطار.
3. صيام التمتع؛ لقوله - جل جلاله -: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} (¬2)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج إلى يوم عرفة، فإن لم يجد هدياً، ولم يصم صام أيام منى) (¬3).
4. صوم فدية الحلق، وسيأتي الكلام عنه.
¬
(¬1) واختار وجوب صوم الكفارة صاحب الوقاية ص232، والهداية 1: 118، والمختار1: 161، والايضاح ق30/ب، والملتقى ص35، ورد المحتار2: 82، وغيرهم.
واختار فرضيته صاحب شرح الوقاية ص232، والفتح 2: 235، والغرر1: 197، والمواهب ق56/أ، والتنوير2: 82، والدر المختار2: 82، وغيرهم؛ لأن ثبوتها بنص قطعي مؤيد بالإجماع، كما أن أدلة كل طرفٍ مبسوطة في الكتب، وليس المقام مقام بسطها.
(¬2) البقرة: من الآية196.
(¬3) في صحيح البخاري 2: 703، وغيره.
5. صوم جزاء الصيد (¬1)، وسيأتي الحديث عنه.
6. صوم يوم الاعتكاف (¬2)، وسيأتي.
7. صوم يوم التطوع بعد الشروع فيه (¬3)، وسيأتي.
8. صوم قضاء التطوع عند الإفساد (¬4)، ومما ورد فيه:
أ. عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (أهدي لي ولحفصة طعام وكنا صائمتين فأفطرنا ثم دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقلنا له: يا رسول الله إنا أهديت لنا هدية فاشتهيناها فأفطرنا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا عليكما صوما مكانه يوما آخر) (¬5).
ب. عن ابن سيرين أنه صام يوم عرفة فعطش عطشاً شديداً فأفطر فسأل عدة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأمروه أن يقضي يوماً مكانه (¬6).
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع2: 76، وغيره.
(¬2) ينظر: رد المحتار2: 82، والبحر الرائق 2: 278، وغيرهما.
(¬3) ينظر: البحر الرائق 2: 278، وغيره.
(¬4) ينظر: البحر الرائق 2: 278، وغيره.
(¬5) في سنن أبي داود 2: 330، واللفظ له، وصحيح ابن حبان 8: 284، وغيرهما، وأما حديث أم هانئ: (وإن كان تطوعاً فإن شئت فاقضيه وإن شئت فلا تقضيه)، فقال الطحاوي: بأنه تفرد به حماد بن سلمة ورواه ابو عوانة وقيس وأبو الأحوص بلفظ: فلا يضرك ولا بأس: أي إنك لست بآثمة في إفطارك من هذا التطوع، وليس في ذلك ما ينفي أن يكون عليها قضاء يوم مكانه، فقد اضطرب حديث سماك هذا. ينظر: إعلاء السنن 9: 158 - 159، وغيره.
(¬6) في مصنف ابن أبي شيبة 2: 290، وسنده على شرط الشيخين ما خلا التيمي، فإنه أخرج
له أصحاب الأربعة ووثقه ابن سعد وابن سفيان والدارقطني كما في الجوهر النقي 1: 315. ينظر: إعلاء السنن 9: 160، وغيره.
الخامس: نفل مسنون، ومثال:
صوم عاشوراء مع التاسع فإنه يستحب (¬1)، ومما ورد فيه:
أ. عن أبي قتادة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله) (¬2).
ب. عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بصيام يوم عاشوراء، فلما فرض رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر) (¬3).
ت. عن الحكم بن الأعرج - رضي الله عنه - قال: انتهيت إلى ابن عباس - رضي الله عنه -، وهو متوسد رداءه في زمزم فقلت له: أخبرني عن صوم عاشوراء، فقال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائماً، قلت: هكذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصومه قال: نعم) (¬4).
السادس: نفل مندوب، وهو الآتي:
1. أيام البيض (¬5) من كل شهر، وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس
¬
(¬1) ينظر: حاشية التبيين 1: 332،
(¬2) في صحيح مسلم 2: 818، وغيره.
(¬3) في صحيح البخاري 2: 704، واللفظ له، وصحيح مسلم 2: 794، وغيرهما.
(¬4) في صحيح مسلم 2: 797، ومسند أحمد 1: 246، وغيرهما.
(¬5) وقيل: المراد بالبيض: الليالي، وهي التي يكون فيها القمر من أول الليل إلى آخره. ينظر: فتح الباري 4: 226، وغيره.
عشر، يستحب صومها ما لم يظن إلحاقها بالواجب (¬1)، ومما ورد فيها:
أ. عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: (أوصاني خليلي - صلى الله عليه وسلم - بثلاث صيام ثلاثة أيام من كلّ شهر وركعتي الضحى وأن أوتر قبل أن أنام) (¬2).
ب. عن أبي قتادة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (صوم ثلاثة من كل شهر ورمضان إلى رمضان صوم الدهر) (¬3).
ت. عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: (أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصوم ثلاثة عشرة وأربعة عشرة وخمسة عشرة) (¬4).
ث. عن أبي المنهال - رضي الله عنه -، (إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرهم بصيام ثلاثة أيام البيض، وقال: فهن صوم الشهر) (¬5).
2. صوم الاثنين والخميس؛ ومما ورد فيهما:
أ. عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتحرى صوم الإثنين والخميس) (¬6).
ب. عن أسامة بن زيد - رضي الله عنه -، قال: (قلت: يا رسول الله إنك تصوم حتى لا تكاد تفطر وتفطر حتى لا تكاد أن تصوم إلا يومين إذا دخلا في صيامك
¬
(¬1) ينظر: البحر الرائق 2: 287، وحاشية التبيين 1: 332، وبدائع الصنائع 2: 79.
(¬2) في صحيح البخاري 2: 699، وغيره.
(¬3) في صحيح مسلم 2: 819، وغيره.
(¬4) في صحيح ابن حبان 8: 414، وغيره.
(¬5) في سنن النسائي 2: 182، والمجتبى 4: 224، وغيرهما.
(¬6) في جامع الترمذي 3: 121، وحسنه، ومسند أحمد 6: 80، وغيرهما.
وإلا صمتهما، قال: أي يومين؟ قلت: يوم الإثنين ويوم الخميس، قال: ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم) (¬1).
ت. عن أبي قتادة - رضي الله عنه -، (سئل - صلى الله عليه وسلم - عن صوم يوم الإثنين، قال: ذاك يوم ولدت فيه ويوم بعثت أو أنزل علي فيه) (¬2).
3. صوم عرفة لغير الحاج؛ لأن له فضيلة على غيره من الأيام (¬3)، ومما ورد فيه: عن أبي قتادة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده) (¬4).
4. كل صوم ثبت طلبه والوعد بالثواب بالسنة الشريفة كصوم داود - عليه السلام - فإنه كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وهو أفضل الصيام وأحبه إلى الله تعالى (¬5).
السابع: النفل:
وهو سوى ما ثبت بالسنة طلبه والوعد عليه ممّا لم يثبت كراهته ولا تخصيصه بوقت كالصوم في بقية الأشهر (¬6)، ومنه:
¬
(¬1) في سنن النسائي 2: 121،والمجتبى 4: 201،والأحاديث المختارة 4: 142، ومصنف ابن أبي شيبة 2: 301، ومصنف عبد الرزاق 4: 314، ومسند البزار 7: 69، وغيرها.
(¬2) في صحيح مسلم 2: 819، وصحيح ابن حبان 8: 403، وغيرهما.
(¬3) ينظر: بدائع الصنائع 2: 79، وغيره.
(¬4) في صحيح مسلم 2: 818، وصحيح ابن حبان 8: 394، وغيرهما.
(¬5) ينظر: البحر الرائق 2: 287، وبدائع الصنائع 2: 79،
(¬6) ينظر: البحر الرائق 2: 287،
1. يوم الجمعة بانفراده (¬1)، فإنه صيامه مستحبّ (¬2) وإن لم يصم يوماً قبله أو بعده (¬3)؛ لحديث جواز الدهر الآتي دون أن يحدد الرسول - صلى الله عليه وسلم - يوماً قبل الجمعة أو بعده، وللأحاديث الواردة في فضل الصيام، لحديث ابن مسعود - رضي الله عنه -: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصوم من غرة كلّ شهر ثلاثة أيام، وقلّما كان يفطر يوم الجمعة) (¬4)، والحديث على ظاهره، ولا تدفع حجيته بالاحتمال الناشئ عن غير دليل من كونه يحتمل عدم تعمد فطره إذا وقع في الأيام التي كان يصومها (¬5). قال الإمام مالك: «لم أر أحداً من أهل العلم يكره صيام يوم الجمعة» (¬6).
2. صوم ست من شوال (¬7)؛ لأنه وقع الفصل بيوم الفطر فلم يلزم التشبه
¬
(¬1) ينظر: مجمع الأنهر 1: 254، وعبارته: فلا بأس بصوم الجمعة عند الطرفين بخلاف أبي يوسف - رضي الله عنه -.
(¬2) ينظر: بدائع الصنائع 2: 79، والبحر الرائق 2: 278، وغيرهما.
(¬3) وهذا قول مالك وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن - رضي الله عنهم -، وقال مالك - رضي الله عنه - في الموطأ 1: 311: لم أسمع أحداً من أهل العلم والفقه ومن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسن. ينظر: عمدة الباري 11: 104، وغيره.
(¬4) في صحيح ابن حبان 8: 406، وجامع الترمذي 3: 118، وحسنه، وسنن النسائي 2: 122، والمجتبى 4: 204، ومسند الشاشي 2: 112، ومسند أحمد 1: 406، ومسند أبي يعلى 9: 206، وغيرها.
(¬5) ينظر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري 11: 105، وغيره.
(¬6) ينظر: معارف السنن 5: 423، وغيرها.
(¬7) صوم ست من شوال عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - وأبي يوسف - رضي الله عنه - كراهته، وعامة المشايخ لم يروا به
بأساً واختلفوا فقيل: الأفضل وصلها بيوم الفطر، وقيل: بل يفرقها في الشهر، ووجه الكراهة أنه قد يفضي إلى اعتقاد لزومها من العوام لكثرة المداومة؛ ولذا سمعنا من يقول: يوم الفطر نحن إلى الآن لم يأت عيدنا أو نحوه، فأما عند الأمن من ذلك فلا بأس لورود الحديث به. ينظر: حاشية التبيين 1: 332، والبحر الرائق 2: 278، وبدائع الصنائع 2: 78، وغيره.
وقال مالك في الموطأ 1: 311: في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان إنه لم ير أحداً من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وإن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء لو رأوا في ذلك رخصة عند أهل العلم ورأوهم يعملون ذلك.
بأهل الكتاب، ومما ورد فيها:
عن أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر) (¬1).
الثامن: مكروه تنزيهاً، وهو الآتي:
1. صوم عاشوراء مفرداً عن التاسع أو عن الحادي عشر (¬2)؛ لما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه -، قال: (حين صام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع، قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) (¬3).
¬
(¬1) في صحيح مسلم 2: 822، وسنن النسائي 2: 164، والمعجم الكبير 4: 135، وغيرها.
(¬2) ينظر: البحر الرائق 2: 287، وحاشية التبيين 1: 332،
(¬3) في صحيح مسلم 2: 797، وسنن أبي داود 2: 327، وغيره.
2. صوم يوم السبت وحده؛ لأنه تشبه باليهود (¬1)، ومما ورد فيه:
عن عبد الله بن بسر عن أخته، وهي الصماء، قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم وإن لم يجد أحدكم إلا عود عنبة أو لحاء شجرة فليمضغها) (¬2)، والكراهة تنزيهية؛ لأن هذا الحديث تكلم الحفاظ فيه فأنكره ابن شهاب وكذبه مالك وقال أبو داود والحاكم بنسخه.
وورد عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: (أكثر ما كان يصوم - صلى الله عليه وسلم - من الأيام يوم السبت والأحد، وكان يقول: إنهما عيدان للمشركين وأنا أريد أن أخالفهم) (¬3).
¬
(¬1) ينظر: البحر الرائق 2: 278، ومجمع الأنهر 1: 254،
(¬2) في صحيح ابن خزيمة 3: 317، والمستدرك 1: 601، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، وله معارض بإسناد صحيح وقد أخرجاه من حديث همام عن قتادة عن أبي أيوب العتكي عن جويرية بنت الحارث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: صمت أمس قالت: لا، قال: فتريدين أن تصومي غداً ... الحديث. وعن ابن شهاب أنه كان إذا ذكر له أنه نهى عن صيام يوم السبت، قال: هذا حديث حمصي، وله معارض بإسناد صحيح. وفي جامع الترمذي 3: 120، وقال: حديث حسن ومعنى كراهته في هذا أن يخص الرجل يوم السبت بصيام لأن اليهود تعظم يوم السبت. وفي سنن الدارمي 2: 62، وسنن البيهقي الكبير 4: 302، وسنن أبي داود 2: 320، وقال: وهذا حديث منسوخ، ثم ذكر حديث جويرية السابق وكلام ابن شهاب، وأعقبه بقول مالك: هذا كذب. وسنن النسائي 2: 144، وسنن ابن ماجة 1: 550، وغيرها، وينظر: رسالة وهم سيء البخت الذي حرم صيام السبت.
(¬3) في صحيح ابن حبان 8: 381، 407، وصحيح ابن خزيمة 3: 318، والمستدرك 1: 602، وسنن البيهقي الكبير 4: 303، وغيره.
وعن ابن عباس - رضي الله عنه - بعث إلى أم سلمة وإلى عائشة يسألهما ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب أن يصوم من الأيام فقالتا: (ما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى كان أكثر صومه يوم السبت والأحد ويقول: هما عيدان لأهل الكتاب فنحن نحب أن نخالفهم) (¬1).
3. صوم يوم عرفة للحاج إن أضعفه عن الوقوف والدعاء؛ لما فيه من الجمع بين القربتين وإن كان يضعفه عن ذلك يكره لأن فضيلة صوم هذا اليوم مما يمكن استدراكها في غير هذه السنة, ويستدرك عادة, فأما فضيلة الوقوف, والدعاء فيه لا يستدرك في حق عامة الناس عادة إلا في العمر مرة واحدة, فكان إحرازها أولى، والكراهة فيه تنزيهية؛ لأنه لإخلاله بالأهم في ذلك الوقت اللهم إلا أن يسيء خلقه فيوقعه في محظور، وكذا صوم يوم التروية لأنه يعجزه عن أداء أفعال الحج (¬2)، ومما ورد فيه:
عن أم الفضل بنت الحارث رضي الله عنها، (إن ناساً تماروا عندها يوم عرفة في صيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره بعرفة فشربه) (¬3).
¬
(¬1) في سنن النسائي 2: 146، وغيره.
(¬2) ينظر: بدائع الصنائع 2: 79، وفتح القدير 2: 478، والبحر الرائق 2: 365، وحاشية التبيين1: 332، ومجمع الأنهر 1: 254، وغيرها.
(¬3) في صحيح مسلم 2: 791، وصحيح البخاري 2: 598، وغيرهما.
4. صوم الدهر وإن أفطر الأيام المنهية؛ لأنه يضعفه أو يصير طبعاً له ومعنى العبادة على مخالفة العادة (¬1)، ولما روي عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه -، قال: (أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أني أقول: والله لأصومن النهار ولأقومن الليل ما عشت، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنت الذي تقول: والله لأصومن النهار ولأقومن الليل ما عشت، قلت: قد قلته، قال: إنك لا تستطيع ذلك فصم وأفطر وقم ونم وصم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها وذلك مثل صيام الدهر، فقلت: إني أطيق أفضل من ذلك يا رسول الله، قال: فصم يوماً وأفطر يومين، قال قلت: إني أطيق أفضل من ذلك قال: فصم يوماً وأفطر يوماً وذلك صيام داود، وهو عدل الصيام، قلت: إني أطيق أفضل منه يا رسول الله قال: لا أفضل من ذلك) (¬2).
وحملت الكراهة على التنزيه لما ورد عن أبي موسى - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا وعقد تسعين) (¬3)، وللأحاديث الواردة في فضل الصيام، ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً) (¬4).
¬
(¬1) ينظر: حاشية التبيين 1: 332،
(¬2) في صحيح البخاري 3: 1256، وغيره.
(¬3) في صحيح ابن خزيمة 3: 313، وغيره.
(¬4) في صحيح مسلم 2: 808، والمسند المستخرج 2: 229، وسنن النسائي 2: 97، وسنن الدارمي 2: 267، وغيرها.
5. صوم الوصال، ولو يومين (¬1)، وقد فسَّره أبو يوسف ومحمد - رضي الله عنهم -: بصوم يومين لا فطر بينهما (¬2)؛ لأن الفطر بينهما يحصل بوجود زمان الفطر, وهو الليل، وقيل في تفسير الوصال: أن يصوم كل يوم من السنة دون ليلته, ومعنى الكراهة فيه: أن ذلك يضعفه عن أداء الفرائض, والواجبات ويقعده عن الكسب الذي لا بد منه (¬3)، ومما ورد فيها:
أ عن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا تواصلوا قالوا: إنك تواصل، قال: لست كأحد منكم إني أطعم وأسقى) (¬4).
ب عن ابن عمر - رضي الله عنه -: (نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الوصال، قالوا: إنك تواصل، قال: إني لست مثلكم إني أطعم وأسقى) (¬5).
ت عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (نهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الوصال رحمة لهم) (¬6).
6. صوم الصمت: وهو أن يمسك عن الطعام والكلام جميعاً؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - (نهى عن الوصال وعن صوم الصمت) (¬7)؛ ولأنه تشبه بالمجوس؛ ولأن
¬
(¬1) ينظر: فتح القدير 2: 349، وحاشية الشلبي على التبيين 1: 332.
(¬2) ينظر: البحر الرائق 2: 278.
(¬3) ينظر: بدائع الصنائع 2: 78، والفتاوى الخانية 1: 205، وغيرهما.
(¬4) في صحيح البخاري 2: 693، وغيره.
(¬5) في صحيح البخاري 2: 693، وغيره.
(¬6) في صحيح مسلم 2: 776، وغيره، وينظر: معارف السنن 5: 500، وغيره.
(¬7) في مسند الإمام أبي حنيفة ص192، وغيره.
صوم الصمت ليس بقربة في شريعتنا وإنما يتجنب ما يكون مأثماً (¬1).
7. صوم يوم النَّيْرُوز والمِهْرَجان؛ لأنه تشبه بالمجوس، ولأن فيه تعظيم أيام نهينا عن تعظيمها فإن وافق يوماً كان يصومه فلا بأس (¬2).
التاسع: مكروه تحريماً، وهو الآتي:
1. صوم العيدين، ومما ورد فيها:
أ. قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا صوم في يومين: الفطر والأضحى) (¬3).
ب. عن عمر - رضي الله عنه -، (إن هذين يومان نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم، والآخر يوم تأكلون فيه من نسككم) (¬4).
ت. عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، (نهى - صلى الله عليه وسلم - عن صيام يومين: يوم الأضحى ويوم الفطر) (¬5).
ث. عن أبي سعيد - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا يصلح الصيام في يومين يوم الأضحى ويوم الفطر من رمضان) (¬6).
¬
(¬1) ينظر: الهداية 2: 398، وغيره.
(¬2) ينظر: بدائع الصنائع 2: 79، حاشية التبيين 1: 332، ومجمع الأنهر 1: 254، وغيرها.
(¬3) في صحيح البخاري 1: 400، واللفظ له، وصحيح مسلم 2: 799، وغيرهما.
(¬4) في صحيح مسلم 2: 799، وغيره.
(¬5) في صحيح مسلم 2: 799، وغيره.
(¬6) في صحيح مسلم 2: 799، والمسند المستخرج 3: 217، ومسند أبي يعلى 2: 388.
2. صوم أيام التشريق، ومما ورد فيها:
أ. قوله - صلى الله عليه وسلم -: (أيام التشريق أيام أكل وشرب) (¬1).
ب. عن عائشة وابن عمر - رضي الله عنهم -، قالا: (لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي) (¬2).
وإذا شرع المتنفل في صيام العيدين أو أيام التشريق وأفطر لا يلزمه قضاؤها بإفسادها، أما لو نذر صومها صحّ وأفطر وقضاها وجوباً، وإن صامها عن النذر خرج عن عهدة النذر مع الحرمة (¬3).
3. صوم يوم الشك إذا جزم بنيته عن رمضان، أما صوم يوم الشك بنية التطوع فلا يكره، أما النية المتردِّدة: بأن نوى أن يكون صومه عن رمضان إن كان اليوم من رمضان، وإن لم يكن يكون تطوعاً؛ فلأنّ النيّة المتردِّدة لا تكون نيّة حقيقةً؛ لأنّ النيّة تعيين للعمل، والتردد يمنع التعيين (¬4)، وبهذا التفصيل يمكن التوفيق بين الأحاديث الآتية:
أ. عن عائشة رضي الله عنها: (لم أره صائماً من شهر قط أكثر من صيامه من شعبان، كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلاً) (¬5).
¬
(¬1) في صحيح مسلم 2: 800، والأحاديث المختارة 9: 254، وغيرهما.
(¬2) في صحيح البخاري 2: 703، وغيره.
(¬3) ينظر: الهدية العلائية ص174، وغيرها.
(¬4) ينظر: بدائع الصنائع 2: 78، وحاشية التبيين 1: 332، والبحر الرائق 2: 278.
(¬5) في صحيح مسلم 2: 811، وصحيح ابن حبان 8: 404، وغيرهما.
ب. عن أبي هريرة - رضي الله عنه - إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا) (¬1).
ت. عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه) (¬2).
ث. عن عمار - رضي الله عنه -: (من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم) (¬3).
وتفصيل الكلام في أحكام صيام يوم الشك كالآتي:
1. أنه يجوز صيامه بنية النفل ـ وهو ما يلي التاسع والعشرين من شعبان ـ، فإن تبيّن أنه شعبان وأفسد صيامه، فيجب عليه قضاؤه؛ لأنه شرع فيه ملتزماً.
2. أن تردد في أصل نية صيامه بأن ينوي أن يصوم غداً إن كان من
¬
(¬1) في سنن أبي داود 2: 300، وسنن النسائي 2: 172، وجامع الترمذي 3: 115، وقال: حسن صحيح، وقال أبو زرعة: منكر، كما في سؤالات البرذعي 1: 388، وقال ابن حجر في فتح الباري: أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان وغيره ... وقال جمهور العلماء: يجوز الصوم تطوعاً بعد النصف من شعبان وضعّفوا الحديث الوارد فيه، وقال أحمد وابن معين: إنه منكر.
(¬2) في صحيح مسلم 2: 762،واللفظ له، وصحيح البخاري 2: 676، وصحيح ابن حبان 8: 358، والمسند المستخرج 3: 160، وغيرها.
(¬3) في صحيح البخاري 2: 674 معلقاً، والمستدرك 1: 585، وجامع الترمذي 3: 70، وقال: حسن صحيح.
رمضان ولا يصومه إن كان من شعبان، ففي هذا الوجه لا يصير صائماً؛ لعدم الجزم في العزيمة.
3. أنه يكره تحريماً صيامه بجزم النية عن كونه رمضان، كقوله: نويت صوم غد عن أول رمضان هذه السنة.
4. أنه يكره تنزيهاً صيامه بنية غير النفل كإن صامه عن فرض أو واجب ويجزئه عما نوى إن تبيّن أنه من شعبان، وإن ظهر أنه من رمضان فإن نيته تجزئه عن رمضان إن كان مقيماً؛ لأن المسافر لو نوى عن فرض آخر فإنه يقع عما نوى.
5. أنه يكره تنزيهاً صيامه بتردده في وصف النية بين رمضان وواجب آخر، ويكون صائماً،، فإن تبين أنه من رمضان فيكون عن رمضان، وإن ظهر أنه من شعبان، فيكون صيامه نفلاً؛ لتردد في وصف النية، وإن أفسد صومه لا يقضيه.
6. أنه يكره تنزيهاً صيامه بتردد نيته بين رمضان ونفل، ويكون صائماً، فإن تبين أنه رمضان فيكون عنه، وإن ظهر أنه شعبان فيكون صيامه نفلاً، وإن أفسد صومه لا يقضيه.
7. أنه يأمر المفتي والقاضي العامة بالانتظار بلا نية صوم في ابتداء يوم الشك، ثم بالإفطار بعد الزوال إن لم يتبين الحال، حتى لو أكل المنتظر بلا نية
في يوم الشك ناسياً تلوّمه وانتظاره قبل النية، وظهرت رمضانية اليوم، ثم نوى، صح صومه، ويكون كأكله بعد النية.
8. أنه يصوم فيه ندباً في السر كلٌّ من المفتي والقاضي ومن كان من الخواص ممن يعلم كيفية صوم يوم الشك بأن يكون متمكن من ضبط نفسه عن الترديد في النية، وإلا فإنه يكون من العوام (¬1).
المطلب السادس: ركن الصوم وحكمه وشروطه:
الأول: ركن الصوم:
الكف عن قضاء شهوتي البطن والفرج (¬2).
الثاني: حكم الصوم:
سقوط الواجب عن ذمته ونيل الثواب من الله تعالى (¬3).
الثالث: شروط الصوم ثلاثة:
شروط وجوب الصوم، وشروط وجوب الأداء، وشروط صحة الأداء (¬4).
¬
(¬1) ينظر: تفصيل هذه الأحكام في تبيين الحقائق 1: 318، والهدية العلائية ص 156 - 157، وغيرها.
(¬2) ينظر: تبيين الحقائق 1: 313، وغيره.
(¬3) ينظر: الدر المختار ورد المحتار 2: 81، وتبيين الحقائق 1: 313، وغيرها.
(¬4) ينظر: الفتاوى الهندية 1: 195، وغيرها.
وتفصيل الكلام فيها فيما يلي:
أولاً: شروط وجوب الصوم:
يجب صوم رمضان على مَن اجتمع فيه الشروط التالية:
1. الإسلام؛ فلا يجب الصوم على الكافر حتى لا يخاطب بالقضاء بعد الإسلام، بدليل:
أ. قول - جل جلاله -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} (¬1)، فالخطاب موجه للمؤمنين فحسب في فرضية الصوم عليهم.
ب. قوله - جل جلاله -: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (¬2): أي منكم أيها المسلمون.
ت. إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر من أسلم من الكفار بعد فرضية رمضان بسنوات بقضاء الصيام عما فاتهم، ومن أمثلته:
- إذا أسلم الكافر في بعض شهر رمضان فلا يلزمه قضاء ما مضى؛ لأن الواجب لم يثبت فيما مضى، فلا يتصوّر قضاء الواجب.
- إذا أسلم في يوم من رمضان قبل الزوال لا يلزمه صوم ذلك اليوم حتى لا يلزمه قضاؤه؛ لأنه لم يكن من أهل الوجوب في أول اليوم (¬3).
¬
(¬1) البقرة: من الآية183.
(¬2) البقرة: من الآية185.
(¬3) ينظر: بدائع الصنائع 2: 88، وغيره.
2. البلوغ؛ فلا يجب صوم رمضان على الصبي وإن كان عاقلاً، حتى لا يلزمه القضاء بعد البلوغ، بدليل:
أ قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم, وعن المجنون حتى يعقل) (¬1).
ب إن الصبي لضعف بنيته وقصور عقله واشتغاله باللهو, واللعب يشق عليه تفهم الخطاب وأداء الصوم، فأسقط الشرع عنه العبادات نظراً له. ومثاله:
- إذا بلغ في يوم من رمضان قبل الزوال لا يجزئه صوم ذلك اليوم وإن نوى وليس عليه قضاؤه؛ إذ لم يجب عليه في أول اليوم لعدم أهلية الوجوب فيه, والصوم لا يتجزأ وجوباً وجوازاً، فإذا لم يجب عليه البعض لم يجب عليه الباقي على الصحيح (¬2)، فالبلوغ شرط لوجوب الصوم لا لصحته؛ إذ أن الصيام قبل البلوغ صحيح بدليل:
عن الربيع بنت معوذ - رضي الله عنه - قالت: (أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة، مَن كان أصبح صائماً فليتم صومه، ومَن
¬
(¬1) في سنن أبي داود 4: 141، واللفظ له، وجامع الترمذي 4: 32، وحسنه، وصحيح ابن حبان1: 389، وصحيح ابن خزيمة 2: 102، وغيرها.
(¬2) هذا في ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف في الصبي يبلغ قبل الزوال, أو أسلم الكافر أن عليهما القضاء, ووجهه أنهما أدركا وقت النية فصاراً، كأنهما أدركا من الليل. ينظر: البدائع 2: 88.
كان أصبح مفطراً فليتم بقية يومه، فكنا بعد ذلك نصومه ونصوم صبياننا الصغار منهم إن شاء الله، ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناهم إياه عند الإفطار) (¬1).
3. العقل؛ فليس الإفاقة من الجنون أو الإغماء أو النوم من شروط صحة الصوم؛ لأنه يصح بدونها؛ لكنه من شروط الوجوب (¬2)؛ إذ لا يجب الصوم على المجنون إن استغرق فقدان العقل كل شهر رمضان بخلاف المغمى عليه والنائم، أما إن أدرك جزءاً من الشهر فإنه يجب عليه صيام ما بقي وقضاء ما فاته.
- لو أفاق المجنون ليلة من رمضان ثم جن باقيه يجب القضاء عليه (¬3).
4. العلم بالوجوب لمَن أسلم بدار الحرب؛ أما مَن كان بدار الإسلام فإنه يجب عليه؛ إذ الكون بدار الإسلام موجب للصوم, وإن لم يعلم بوجوبه؛ إذ لا يعذر بالجهل في دار الإسلام, بخلاف مَن أسلم في دار الحرب ولم يعلم به، فإنه لا يجب عليه ما لم يعلم، فإذا عَلِمَ ليس عليه قضاء ما مضى؛ إذ لا تكليف بدون العلم ثمة للعذر بالجهل، وإنما يحصل له العلم الموجب بإخبار رجلين، أو رجل وامرأتين مستورين، أو واحد عدل (¬4).
¬
(¬1) في صحيح مسلم 2: 798، وصحيح البخاري 2: 692، وصحيح ابن حبان 8: 385.
(¬2) ينظر: رد المحتار 2: 81، وغيره.
(¬3) ينظر: تبيين الحقائق 1: 313، وغيره.
(¬4) هذا عند الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وأما عند الصاحبين - رضي الله عنهم - فإنه لا يشترط العدالة ولا البلوغ والحرية في المخبر. ينظر: فتح القدير 2: 302، والدر المختار ورد المحتار 2: 80 - 81.
ثانياً: شروط لوجوب الأداء:
1. الصحة من مرض، بأن يخاف زيادة المرض أو بطء البرء من المرض أو يكون صحيحاً يخشى أن يمرض بالصوم (¬1)، وحجّة ذلك قوله - جل جلاله -: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} (¬2).
2. الخلو من حيض أو نفاس، فعن معاذة سألت عائشة رضي الله عنها، فقلت: (ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟ قلت لست بحرورية، ولكني أسأل. قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) (¬3).
3. الإقامة، فلا يجب أداء صيام رمضان على المسافر، وإن وجب عليه قضاؤه، والحجة في ذلك:
أ. قوله - جل جلاله -: {أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (¬4).
ب. عن حمزة بن عمرو - رضي الله عنه - قال: (قلت: يا رسول الله إنّي صاحب ظهر أعالجه أسافر عليه وأكريه، وأنه ربما صادفني هذا الشهر يعني شهر رمضان،
¬
(¬1) ينظر: تبيين الحقائق 1: 333، وغيره.
(¬2) البقرة: من الآية184.
(¬3) في صحيح مسلم 1: 265، وسنن أبي داود 1: 118، سنن النسائي 4: 191، وغيرها.
(¬4) البقرة: من الآية184.
وأنا أجد القوة وأنا شاب، وأجدني أن أصوم يا رسول الله أهون علي من أن أؤخره فيكون ديناً، أفأصوم يا رسول الله أعظم لأجري أو أفطر؟ قال أي ذلك شئت يا حمزة) (¬1).
ت. عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، قال: (كنا نغزو مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، يرون أن مَن وجد قوة فصام، فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفاً فأفطر فإن ذلك حسن) (¬2).
ث. عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (من أفطر فرخصة، ومن صام فالصوم أفضل) (¬3).
ثالثاً: شروط لصحة الأداء:
1. النيّة، فلا يصح أداء الصوم إلا بالنية، قال - صلى الله عليه وسلم -: (إنما الأعمال بالنيات) (¬4)، وسيأتي تفصيل الكلام عن أحكام النية.
¬
(¬1) في المستدرك 1: 598، وصححه، وسنن البيهقي الكبير 4: 241، وسنن أبي داود 2: 316، والمعجم الأوسط 2: 13، وغيرها.
(¬2) في صحيح مسلم 2: 787، ومسند أحمد 3: 12، ومسند أبي يعلى 2: 519، وغيرها.
(¬3) في مصنف ابن أبي شيبة 2: 280، والأحاديث المختارة 6: 291، وقال الضياء المقدسي: إسناده صحيح.
(¬4) في صحيح البخاري 1: 3، وصحيح ابن حبان 2: 113، وغيرهما.
2. الخلو عما ينافيه من حيض ونفاس وعما يفسده (¬1)، ولا يشترط الخلو عن الجنابة وإن أثم بترك الصلاة (¬2). (¬3)، ودليل ذلك:
أ. عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدركه الفجر في رمضان، وهو جنب من غير حلم فيغتسل ويصوم) (¬4).
ب. عن أبي بكر أن مروان أرسله إلى أم سلمة رضي الله عنها يسأل عن الرجل يصبح جنباً أيصوم فقالت: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصبح جنباً من جماع لا من حلم، ثم لا يفطر ولا يقضي) (¬5).
• • •
¬
(¬1) ينظر: تبيين الحقائق 1: 313، وفتح القدير 2: 302، والفتاوى الهندية 1: 195.
(¬2) ينظر: فتح القدير 2: 302.
(¬3) اتفق أئمة المذاهب على أن من شرط الصوم: البلوغ والعقل والطهر من الحيض والنفاس والصحة والإقامة، وأن الحائض والنفساء يجب عليهما قضاء ما أفطرتا من صوم رمضان ويحرم عليهما الصوم حالة العذر، وعلى أن المرضع يباح لها إذا خافت على ولدها ويجب عليها القضاء. ينظر: زبدة الأحكام ص144 - 145، وغيره.
(¬4) في صحيح مسلم 2: 780، وصحيح ابن حبان 8: 262، وغيرهما.
(¬5) في صحيح مسلم 2: 780، وغيره.
المطلب السابع: نية الصوم:
وتفصيل الكلام في أحكام النية في النقاط التالية:
الأولى: تعريف النية، والتلفظ بها:
أولاً: لغة:
نوي: نويته أنويه: قصدته، والاسم النية، ثم خصَّت النية في غالب الاستعمال بعزم القلب على أمر من الأمور (¬1).
ثانياً: اصطلاحاً:
وهي جزم القلب على ما يريد الإتيان به من الصوم (¬2)، أو معرفته بقلبه أن يصوم (¬3).
واعتبر قيامه للسحور بقصد الصوم نية (¬4).
ثالثاً: التلفظ بالنية:
يستحب للصائم أن يتلفظ بنيته لما في التلفظ من الاستحضار للنية، وتلفظه هكذا: نويت أن أصوم غداً، أو هذا اليوم إن نوى نهاراً لله عزّ وجل
¬
(¬1) ينظر: المصباح المنير ص 631 - 632، وغيره.
(¬2) ينظر: الهدية العلائية ص 155، وغيره.
(¬3) ينظر: الفتاوى الهندية 1: 195، وغيره.
(¬4) ينظر: الهدية العلائية ص 155، وغيره.
من فرض رمضان (¬1).
ولا تبطل النية بالمشيئة: أي أصوم غداً إن شاء الله؛ لأنه يقصد الاستعانة وطلب التوفيق لا حقيقة الاستثناء (¬2).
- لو نوى الصيام وهو يصلي، فإن نيته صحيحة، ولا تفسد الصلاة إلا إذا تلفظ بالنية.
- لو نوى الصيام فقال: أصوم غداً إن شاء الله، فلا تبطل النية بالمشيئة؛ لأنه يقصد الاستعانة وطلب التوفيق لا حقيقة الاستثناء (¬3).
الثانية: شروط النية:
1. البقاء عليها، فلو رجع عمّا نوى ليلاً لم يصر صائماً ولو أفطر لا شيء عليه، ولو عاد إلى تجديد النية في وقتها صحّ صيامه، ومن أمثلتها:
- لو نوى الصيام ليلاً في رمضان أو النذر المعين، ثم نوى الرجوع عن صيامه في الليل، فإنه يلزمه القضاء، ولا يجب عليه الكفارة؛ لشبهة خلاف من اشترط التبييت (¬4).
- لو نوى صيام رمضان أو النذر المعين أو النفل ليلاً، ثم رجع عن نيته
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار 2: 87، وغيره.
(¬2) ينظر: التعليقات المرضية ص156، وغيره.
(¬3) ينظر: الهدية العلائية ص156، وغيرها.
(¬4) ينظر: التعليقات المرضية على الهدية العلائية ص155، وغيرها.
في الصيام، ثم عاد إلى نية الصيام قبل الزوال وكان ممسكاً عن الأكل والشرب والوطء، فإنه يصح صيامه (¬1).
- لو نوى الصائم الفطر ولم يحدث شيئاً آخر سوى النية فصومه تام؛ لأن مجرد النية لا عبرة به في أحكام الشرع ما لم يتصل به الفعل لما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (إن الله تجاوز لأمتي عن كل شيء حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به) (¬2)، ونية الإفطار لم يتصل بها الفعل، وبه تبين أنه ما نقض نية الصوم بنية الفطر؛ لأن نية الصوم نية اتصل بها الفعل فلا تبطل بنية لم يتصل بها الفعل، على أن النية شرط انعقاد الصوم لا شرط بقائه منعقداً ألا ترى أنه يبقى مع النوم والنسيان والغفلة (¬3).
2. أن يعلم بقلبه أنه يصوم.
3. أن يعلم بقلبه أيّ صوم يصوم فيما يحتاج من الصوم إلى تعيين، وهو ما عدى صوم رمضان، والنذر المعين، والنفل. وسيأتي تفصيله.
الثالثة: وقت النية:
أولاً: صوم رمضان والنذر المعين والنفل تكون نية أدائه من الليل إلى ما
¬
(¬1) ينظر: الهدية العلائية ص155 - 156، وغيرها.
(¬2) في صحيح ابن حبان 10: 178، والمسند المستخرج 1: 1: 195، ومسند أبي عوانة 1: 76، وسنن النسائي 3: 360، ومسند الطيالسي 1: 322، وغيرها.
(¬3) ينظر: بدائع الصنائع 2: 92، وغيره.
قبل نصف النهار الشرعي على الأصح (¬1).
وإنما تجوز النية قبل نصف النهار الشرعي إذا لم يوجد قبل ذلك بعد طلوع الفجر ما ينافي الصوم، وإذا وجد قبله ما ينافيه من الأكل والشرب والجماع عامداً أو ناسياً فلا تجوز النية بعد ذلك (¬2).
والنذر المعين: أي بوقت معين خاصٍ كنذر صوم يوم الخميس مثلاً، أما غير المعين فإنه كنذر صوم يوم مثلاً دون تحديد لهذا اليوم، فالنذر المعين في حكم رمضان؛ لتعين الوقت فيهما (¬3).
والنهار الشرعي: يكون من استطارة الضوء في أفق المشرق إلى غروب الشمس.
ونصف النهار الشرعي: يكون إلى الضحوة الكبرى.
والضحوة الكبرى: تبدأ في كل قطر قبل زوال الشمس بعد أن كانت عمودية في وسط السماء بنصف حصة فجر ذلك اليوم: أي نصف الوقت من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس (¬4)، ومن فروع ذلك:
¬
(¬1) نص على أنه الأصح صاحب الهداية 1: 118، وشرح الوقاية ص233، واللباب 1: 163، بخلاف ما في مختصر القدوري ص24: إلى ما قبل الزوال.
(¬2) ينظر: الفتاوى الهندية 1: 196.
(¬3) ينظر: رد المحتار 2: 82، 85، وغيره.
(¬4) ينظر: شرح الوقاية لابن ملك ق61/أ، ورد المحتار 2: 85، والهدية العلائية ص155، وغيرها.
- لو نوى قبل أن تغيب الشمس أن يكون صائماً غداً ثم نام أو أغمي عليه أو غفل حتى زالت الشمس من الغد لم يجز، أما لو نوى بعد غروب الشمس فإنه يجوز صومه (¬1).
والدليل على إجزاء الصوم فيما سبق لمن لم ينو من الليل:
1. عن سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه -، قال: (أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلاً من أسلم أن أذن في الناس أن مَن كان أكل فليصم بقية يومه، ومَن لم يكن أكل فليصم، فإن اليوم يوم عاشوراء) (¬2)، وعاشوراء كان واجب الصيام قبل فرض رمضان، فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: (كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصومه، فلمّا قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلمّا فرض رمضان ترك يوم عاشوراء، فمَن شاء صامه ومَن شاء تركه) (¬3)، قال الإمام الطحاوي: «فيه دليل على أن من تعيّن عليه صوم يوم ولم ينوه ليلاً أنه يجزيه قبل الزوال» (¬4).
2. عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل عليّ، قال: هل عندكم طعام، فإذا قلنا: لا، قال: إني صائم ـ زاد وكيع ـ فدخل
¬
(¬1) ينظر: الفتاوى الهندية 1: 195، وغيرها.
(¬2) في صحيح البخاري 2: 705، وصحيح ابن حبان 8: 385، والمستدرك 3: 608، وغيرها.
(¬3) في صحيح البخاري 2: 704، واللفظ له، وصحيح مسلم 2: 792، وغيرهما.
(¬4) ينظر: إعلاء السنن 9: 113، وغيره.
علينا يوماً آخر، فقلنا: يا رسول الله أهدي لنا حيس فحبسناه لك، فقال: أدنيه، قال طلحة: فأصبح صائماً وأفطر) (¬1).
3. عن أم الدرداء رضي الله عنها: كان أبو الدرداء يقول: عندكم طعام؟ فإن قلنا: لا، قال: فإني صائم يومي هذا، وفعله أبو طلحة وأبو هريرة وابن عباس وحذيفة - رضي الله عنهم - (¬2).
وأما حديث حفصة رضي الله عنها: قال - صلى الله عليه وسلم -: (من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له) (¬3). فالجواب عنه كالآتي:
1. إن الحديث موقوف، قال العلامة ظفر أحمد العثماني (¬4): ((واختلف في رفعه ووقفه ورجح الترمذي والنسائي الموقوف بعد أن أطنب النسائي في تخريج طرقه، وحكى الترمذي في ((العلل)) عن البخاري ترجيح وقفه، وعمل بظاهر الإسناد جماعة من الأئمة فصححوا الحديث منهم: ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وابن حزم وروى له الدارقطني طريق آخر، وقال: رجالها ثقات)).
¬
(¬1) في سنن أبي داود 2: 329،وسنن النسائي 2: 116، والمجتبى 4: 195، والمعجم الأوسط 7: 233، وصححه السيوطي في الجامع الصغير 1: 140.
(¬2) في صحيح البخاري 2: 679، وتغليق التعليق 3: 144.
(¬3) في سنن النسائي الكبرى 2: 116، وسنن الدارمي 2: 12، والمجتبى 4: 196، وسنن البيهقي الكبير 4: 213، وسنن الدارقطني 2: 171، وغيرها.
(¬4) في إعلاء السنن 9: 114.
وقال الإمام الطحاوي (¬1): ((هذا الحديث لا يرفعه الحفاظ الذين يروونه عن ابن شهاب - رضي الله عنه - ويختلفون عنه فيه اختلافاً يوجب اضطراب الحديث بما هو دونه، ولكن مع ذلك نثبته ونجعله على خاص من الصوم، وهو الصوم الفرض الذي ليس في أيام بعينها مثل: الصوم في الكفارات، وقضاء رمضان، وما أشبه ذلك؛ لما ذكرنا من رواية الحفاظ لهذا الحديث عن الزهرى - رضي الله عنه - ومن اختلافهم عنه فيه)).
2. التوفيق بينه وبين الأحاديث التي ذكرناها، قال العلامة العثماني (¬2): ((ومنع المعارضة بالجمع بينهما بحمل حديث الباب على الواجب المعين، وحديث حفصة رضي الله عنها على غيره من التطوع ونحوه)) كصوم القضاء والكفارات والنذر غير المعين.
ثانياً: صوم قضاء رمضان والنذر المطلق وقضاء ما أفسده من نفل وقضاء النذر المعين والكفارات ككفارة اليمين والظهار والقتل والإفطار في رمضان وجزاء الصيد والحلق والمتعة فيشترط فيه تبييت النية من الليل، أو نية مقارنة لطلوع الفجر؛ لعدم تعين هذه الصيامات (¬3). ومن أمثلته:
- لو صام هذه الصيامات بنيّة بعد طلوع الفجر تكون تطوعاً، فعليه أن يقضي هذا التطوع إن أفسده.
¬
(¬1) في شرح معاني الآثار 2: 54.
(¬2) في إعلاء السنن 9: 114.
(¬3) ينظر: شرح الوقاية ص234، وعمدة الرعاية 1: 307، وغيرهما.
- لو ظن أنه عليه قضاء يوم، فشرع فيه بشروطه، ثم تبين أن لا صوم عليه، فإنه لا يلزمه إتمام صيامه ولا قضاء عليه؛ لأنه معذور بالنسيان، بشرط أن يفطر فوراً، ولكن الأفضل إتمام صيامه، أما لو استمر في الصيام بعد علمه أنه قضاء عليه، فإنه يصير ملتزماً، فلا يجوز له قطع صيامه، وإن قطع الصيام فإنه يلزمه القضاء (¬1).
الرابعة: تعيين الصيام:
وتفصيل الكلام فيها فيما يلي:
أولاً: يصح أداء كل من رمضان والنذر المعين والنفل بمطلق النية من غير تقييد بوصف الفرض أو الواجب أو السنة وبنية النفل؛ لما يلي:
1. قوله - جل جلاله -: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (¬2)، فكل من شهد الشهر وصامه يخرج عن العهدة.
2. عدم المزاحم، فإن رمضان معيار لم يشرع فيه صوم آخر، فكان متعيناً للفرض، والمتعين لا يحتاج إلى التعيين، والنذر المعين معتبر بإيجاب الله تعالى فيصاب صيام رمضان بمطلق النية، بل تلغو نية التنفل أيضاً (¬3)، ومن فروع ذلك:
¬
(¬1) ينظر: الهدية العلائية ص156، وغيره.
(¬2) البقرة: من الآية185.
(¬3) ينظر: رد المحتار 2: 85، وعمدة الرعاية 1: 307، وغيرهما.
- لو نوى في النذر المعين واجباً آخر يقع عما نوى بخلاف صوم رمضان؛ إذ يقع عن صوم رمضان, وجه الفرق: إن كل واحد من الوقتين وإن تعيّن صومه إلا أن صيام رمضان معيّن بتعيين مَن له الولاية على الإطلاق، وهو الله تعالى، فثبت التعيين على الإطلاق، فيظهر في حقّ فسخ سائر الصيامات, والنذر المعين تعين بتعيين مَن له ولاية قاصرة وهو العبد، فيظهر تعيينه فيما عينه له فيما إذا نوى صوم التطوع دون الواجبات التي هي حق الله - جل جلاله - في هذه الأوقات, فبقيت الأوقات محلاً للواجبات، فإذا نوى واجباً آخر صحّ (¬1).
- لو صام مسافر رمضان بمطلق النية في رمضان، فإنه يقع عن رمضان (¬2).
- لو صام مسافر رمضان بنية النفل في رمضان، فإنه يقع عن النفل؛ لأن الصوم غير واجب على المسافر في رمضان بدليل أنه يباح له الفطر، فأشبه خارج رمضان، ولو نوى التطوع خارج رمضان يقع عن التطوع، كذا في رمضان (¬3).
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 2: 84، وشرح الوقاية ص234، وتنوير الأبصار والدر المختار 2: 86.
(¬2) هذا على ما في جميع الروايات. ينظر: رد المحتار 2: 86، والبدائع 2: 84، وغيرهما.
(¬3) هذا عند الإمام أبي حنيفة في رواية أبي يوسف، وقال القدوري: هي الأصح، وهذا عندهما، وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة: إنه يقع عن رمضان؛ لأن الصوم واجب على المسافر وهو العزيمة، والإفطار له رخصة فإذا اختار العزيمة وترك الرخصة صار هو والمقيم
سواء فيقع صومه عن رمضان كالمقيم ينظر: البدائع 2: 84، وغيره.
وهذا التصحيح المذكور عن القدوري ذكر ابن عابدين في رد المحتار 2: 86 عن البحر الرائق 2: 281غيره، فقال: وإن نوى النفل أو أطلق فعن الإمام روايتان أصحهما وقوعه عن رمضان؛ لأن فائدة النفل الثواب، وهو في فرض الوقت أكثر. وينظر: التعليقات المرضية ص155، وغيرهما.
- لو نوى المسافر في رمضان واجباً آخر، فيقع صيامه عما نوى (¬1).
- لو صام مريض رمضان بمطلق النية في رمضان، فإنه يقع عن رمضان.
- لو صام مريض رمضان بنية النفل في رمضان، فإنه يقع عن رمضان على الصحيح؛ لأنه لما قدر على الصوم صار كالصحيح (¬2).
- لو نوى المريض في رمضان واجباً آخر، فإنه يقع عما نوى؛ لأن رمضان في حقه شعبان (¬3).
¬
(¬1) ينظر: شرح الوقاية ص234، ورد المحتار 2: 86، والهدية العلائية ص155، وغيره.
(¬2) هذا قول عامة مشايخنا، والكرخي سوَّى بين المريض والمسافر, وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة: أنه يقع عن التطوع. ينظر: البدائع 2: 84، ورد المحتار 2: 86، وغيره.
(¬3) هذا اختيار صاحب الهداية وأكثر المشايخ، وقيل: إنه ظاهر الرواية.
والقول الثاني: إنه يقع عن رمضان، هذا اختيار فخر الإسلام وشمس الأئمة وجمع وصححه في المجمع.
والقول الثالث: التفصيل بين أن يضره الصوم فتتعلق الرخصة بخوف الزيادة فيصير كالمسافر يقع عما نوى، وبين أن لا يضره الصوم كفساد الهضم فتتعلق الرخصة بحقيقته فيقع عن فرض الوقت، واختاره في الكشف والتحرير. قال ابن عابدين في رد المحتار 2: 86: وهذا القول جعله في شرح التحرير محمل القولين، وقال: إنه تحقيق يحصل به التوفيق بحمل ما اختاره فخر الإسلام وغيره على مَن لا يضره الصوم, وحمل ما اختاره في الهداية على مَن يضره ... وينظر: شرح الوقاية ص234، ومنتهى النقاية ص234، ورد المحتار 2: 86، والهدية العلائية ص155، وغيره.
ثانياً: إن كان الصوم ديناً وهو صوم القضاء, والكفارات, والنذور المطلقة فلا بد من تعيين المنوي بها؛ لأنها مشروعة في الوقت، وهي متنوعة فكانت الحاجة إلى التعيين بالنية.
ثالثاً: إذا نوى شيئين مختلفين متساويين في الوكادة والفريضة ولا رجحان لأحدهما على الآخر بطلا، ومتى ترجَّح أحدهما على الآخر ثبت الراجح، ولها فروع:
- لو نوى قضاء رمضان وكفارة الظهار كان عن القضاء؛ لأن الترجيح لتعيين جهة القضاء , لأنه خلف عن صوم رمضان وخلف الشيء يقوم مقامه كأنه هو، وصوم رمضان أقوى الصيامات حتى تندفع به نية سائر الصيامات , ولأنه بدل صوم وجب بإيجاب الله تعالى ابتداء, وصوم كفارة الظهار وجب بسبب وجد من جهة العبد, فكان القضاء أقوى فلا يزاحمه الأضعف (¬1).
¬
(¬1) هذا قول أبي يوسف - رضي الله عنه -. ينظر: بدائع الصنائع 2: 82، وغيره.
- لو نوى قضاء بعض رمضان والتطوع يقع عن رمضان؛ لأن نية التعيين في التطوع لغو فلغت وبقي أصل النية، فصار كأنه نوى قضاء رمضان ومطلق الصوم وهذه النية تقع عن القضاء، فكذا لو نوى التطوع والقضاء (¬1).
- لو نوى النذر المعين وكفارة اليمين، فهو عن النذر؛ لتعارض النيتين فتساقطا، وبقي نية الصوم مطلقاً، فيقع عن النذر المعين (¬2).
- لو نوى عن قضاء رمضان والنذر كان عن قضاء رمضان.
- لو نوى النذر المعيّن والتطوع فإنه يقع عن النذر المعين.
- ولو نوى الصوم عن كفارة الظهار والقتل، أو عن قضاء رمضان وعن كفارة القتل يقع عن القتل (¬3).
رابعاً: صيام كل يوم من رمضان لا بدّ له من نية، وإن كان صحيحاً مقيماً؛ لتتميز العبادة عن العادة بالإمساك حمية أو لعذر؛ لأن فساد بعض صوم رمضان لا يوجب فساد كل صوم رمضان (¬4).
¬
(¬1) هذا في قول أبي يوسف, وقال محمد: يكون عن التطوع؛ لأنه عيّن الوقت لجهتين مختلفتين متنافيتين فسقطتا للتعارض، وبقي أصل النية وهو نية الصوم فيكون عن التطوع. ينظر: البدائع 2: 84، وغيره.
(¬2) هذا عند محمد - رضي الله عنه -. ينظر: بدائع الصنائع 2: 84، وغيره.
(¬3) ينظر: الفتاوى الهندية 1: 198 - 199، وغيره.
(¬4) هذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وقال زفر ومالك: تكفي نية واحدة عن كل رمضان. ينظر: الدر المختار 2: 87، وغيره.
المطلب الثامن: رؤية هلال رمضان:
وفيه الأحكام التالية:
الأول: المعتمد في الصيام والإفطار رؤية الهلال، ولها حالان:
أولاً: إن كان في السماء علّة كالغيم، وفيه التفصيل الآتي:
أ. إن رؤية هلال صوم رمضان تقبل فيه شهادة مستور الحال أو العدل ـ وهو من ليس بفاسق بيِّن الفسق ـ وإن كان عبداً أو امرأة أو محدوداً في قذف تائباً، ولا يشترط فيه أن يدعيه أحد أو يقول الرائي: أشهد برؤيتي؛ لأنه أمر ديني فأشبه رواية الأحاديث، وليس من حقوق العباد التي لا بد فيها من الدعوى والشهادة (¬1)، ودليل شهادة الواحد:
1. عن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال: (تراءى الناس الهلال، فرأيته فأخبرت رسول لله - صلى الله عليه وسلم - فصام وأمر الناس بصيامه) (¬2).
2. عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: (جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إني رأيت الهلال، قال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم،
¬
(¬1) ينظر: عمدة الرعاية 1: 309، والهداية 1: 121، وتنبيه الغافل والوسنان على أحكام هلال رمضان لابن عابدين 1: 216، وغيرهما.
(¬2) في صحيح ابن حبان 8: 231، والمستدرك 1: 585، وسنن الدارمي 2: 9، وسنن البيهقي الكبير 4: 212، وسنن الدارقطني 2: 156، وسنن أبي داود 2: 302، والمعجم الأوسط 4: 164.
قال: يا بلال، أذّن في الناس أن يصوموا غداً) (¬1).
3. إن التقييد بعلة في السماء ليس مذكوراً في الحديث لكن الدليل عليه: أنه إذا لم تكن بالسماء علة لم تقبل الشهادة حتى يراه جمع كثير يقع العلم بخبرهم؛ لأن التفرد بالرؤية في هذه الحالة يوهم الغلط فيجب التوقف فيه حتى يكون جمعاً، بخلاف ما إذا كان بالسماء علة؛ لأنه قد ينشق الغيم عن موضع القمر فيتفق للبعض النظر (¬2).
ب. إن في رؤية هلال إفطار رمضان تقبل شهادة رجلين أو رجل وامرأتان بشرط لفظ: أشهد، دون الدعوى؛ لتعلق حق العباد به، بخلاف رمضان؛ لأنه حق الشرع (¬3)، وعن ربعي عن بعض أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، قال: (اختلف الناس في آخر يوم من رمضان فقدم أعرابيان فشهدا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - بالله لإهلال الهلال أمس عشية، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس أن يفطروا) (¬4).
ت. إن صاموا ثلاثين يوماً بقول عدلين، فإنه يحل لهم الإفطار على المفتى
¬
(¬1) في جامع الترمذي 3: 74، والمستدرك 1: 586، والمنتقى 1: 103، وسنن الدارمي 2: 9، قال صاحب المرقاة: صححه الحاكم وذكر البيهقي أنه جاء من طرق موصولاً ومن طرق مرسلاً وإن كانت طرق الاتصال صحيحة. ينظر: إعلاء السنن 9: 126، وغيره.
(¬2) ينظر: إعلاء السنن 9: 125، وغيره.
(¬3) ينظر: مجمع الأنهر 1: 236، وغيره.
(¬4) في سنن أبي داود 2: 301، واللفظ له، والمنتقى 1: 106، وسنن البيهقي الكبير 4: 248، وسنن الدارقطني 2: 168، وغيرهم.
به (¬1)، فعن عبد الرحمن بن زيد - رضي الله عنه -، قال: (ألا إني قد جالست أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسألتهم ألا وإنهم حدثوني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وإنسكوا لها، فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين، وإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا) (¬2)، وفي لفظ: (فإن شهد ذوا عدل فصوموا وأفطروا وأنسكوا) (¬3).
ث. إن كان صومهم بشهادة عدل واحد بهلال رمضان وفي السماء علة، فصاموا ثلاثين فإنه لا يحل لهم الفطر؛ لأن الفطر لا يثبت بقول واحد (¬4).
ج. إن رمضان يثبت بالخبر المستفيض عن أهل بلدة أخرى في الصحيح؛ لأن الاستفاضة لما كانت بمنزلة الخبر المتواتر، وقد ثبت بها أن أهل تلك البلدة صاموا يوم كذا؛ لزم العمل بها؛ لأن المراد بها بلدة فيها حاكم شرعي كما هو العادة في البلاد الإسلامية، فلا بد أن يكون صومهم مبنياً على حكم حاكمهم الشرعي، فكانت تلك الاستفاضة بمعنى نقل الحكم، وهي أقوى من الشهادة بأن أهل تلك البلدة رأوا الهلال يوم كذا، وصاموا يوم كذا، فإنها
¬
(¬1) ينظر: تنبيه الغافل ص81 عن الفيض.
(¬2) في سنن النسائي 2: 69، والمجتبى 4: 132، ومسند أحمد 4: 321، وغيرها.
(¬3) في سنن الدارقطني 2: 167، وغيره.
(¬4) وعند محمد - رضي الله عنه - يثبت الفطر عنده بقول الواحدة بتبعية الصوم؛ لأنه لم يثبت الفطر في هذه الصورة قصداً وإنما تبعاً؛ لأنه لما حكم القاضي بقول الواحد في رمضان ووجب الصوم به وتم عدده ثبت الفطر تبعاً، وكم من شيء يثبت ضمناً ولا يثبت قصداً. ينظر: شرح الوقاية ص236، وعمدة الرعاية 1: 310، وغيرهما.
مجرد شهادة لا تفيد اليقين، فلذا لم تقبل إلا إذا شهدت على الحكم، أو على شهادة غيرهم؛ لتكون شهادة معتبرة شرعاً وإلا فهي مجرد إخبار (¬1).
ح. إنه إن لم يكن شيء مما سبق فيجب صيام رمضان بإكمال عدة شعبان (¬2)، وهذا يستلزم التماس هلال شعبان أيضاً في حق إتمام العدة، بدليل:
1. عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (أحصوا هلال شعبان لرمضان) (¬3).
2. عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه عد ثلاثين يوماً ثم صام) (¬4).
خ. إن رؤية الهلال لعيد الأضحى لها أحكام رؤية الهلال لفطر رمضان (¬5)؛ إذ لا بد من نصاب الشهادة مع العلة، والجمع العظيم مع الصحو في الأصح (¬6).
¬
(¬1) قال شمس الإئمة الحلواني: الصحيح من مذهب أصحابنا أن الخبر إذا استفاض، وتحقق فيما بين أهل البلدة الأخرى يلزمهم حكم هذه البلدة. ينظر: تنبيه الغافل والوسنان ص85، 109، وغيره.
(¬2) ينظر: تنبيه الغافل والوسنان ص85، وغيره.
(¬3) في جامع الترمذي 3: 71، وسنن البيهقي الكبير 4: 206، وسنن الدارقطني 2: 162.
(¬4) في سنن أبي داود 2: 298، والمنتقى 1: 103، وغيرهما.
(¬5) ينظر: شرح الوقاية ص236، وغيره.
(¬6) وهذا هو المذهب، والأصح كما في الهداية وشروحها، وفي رواية النوادر: إنه كهلال
رمضان: أي فيثبت بقول الواحد إن كان في السماء علة، وصححها في التحفة. ينظر: تنبيه الغافل ص82، وغيره.
ثانياً: إن لم يكن في السماء علة، وفيه ما يلي:
أ. يشترط في رؤية الهلال جمع عظيم يقع العلم بخبرهم، ويحكم العقل عدم تواطئهم على الكذب (¬1)، ويمكن أن يستدل لذلك بما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه -
¬
(¬1) اختلف في عدد الشهود إن لم يكن في السماء علَّة على أقوال:
الأول: جمع يحكم العقل بعدم تواطئهم على الكذب، وهو مروي عن أبي يوسف ومحمَّد - رضي الله عنهم - وأن يكونوا من كل جانب. واختاره صاحب الوقاية ص235، وشرح الوقاية ص235، والفتح 2: 252، ودرر الحكام 1: 200، وغيرها.
الثاني: غير مقدَّر بعدد، وهو مفوَّض إلى رأي الإمام؛ لتفاوت الناس صدقاً، وهو مروي عن محمد - رضي الله عنه -، ورجحه صاحب الاختيار1: 167. وفي المواهب ق56/ب، والدر المنتقى1: 236 والمراقي ص597: هو الأصح، واختاره صاحب التنوير 2: 92،
الثالث: يكفي اثنان، وهي رواية عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -؛ لتكاسل الناس، وهو اختيار صاحب البحر ص289، ورد المحتار2: 93، قال ابن عابدين في تنبيه الغافل ص80: ينبغي ترجيح ما اختاره صاحب البحر من الاكتفاء بشاهدين ولو من مصر، وقد أقره عليه أخوه الشيخ عمر في النهر، وكذا تلميذه التمرتاشي في المنح وابن حمزة النقيب في نهج النجاة، والشيخ علاء الدين في الدر المختار، والشيخ إسماعيل النابلسي في الإحكام شرح درر الحكام، وقال: إنه حسن.
الرابع: خمسون رجلاً كالقسامة، وهو مروي عن أبي يوسف - رضي الله عنه -.
الخامس: أهل مَحَلة.
السادس: جمع يحصل بهم غلبة الظن. وهو اختيار صاحب الايضاح ق31/أ.
السابع: خمس مئة ببلخ قليل. وهو مروي عن خلف بن أيوب.
الثامن: ألف، وهو مروي عن أبي حفص الكبير. ينظر: شرح ملا مسكين ص69.
قال - صلى الله عليه وسلم -: (وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون ... ) (¬1)، وفي لفظ: (الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون) (¬2).
قال العلامة أحمد ظفر التهانوي (¬3): ((وتقريره أنه - صلى الله عليه وسلم - أضاف الصوم والفطر والأضحية إلى جماعة ... فلا بد في أصل الحكم من الجماعة الكثيرة أو جميع المسلمين الموجودين في بلدة مثلاً في هذه الأحكام إلا إذا عرض عارض ككون السماء مغيمة مثلاً فله حكم آخر ثابت بالشرع)).
ب. اشتراط الجمع فيما لو كان المخبرون من داخل المصر، فأما إذا كانوا من خارجه، فيكفي شهادة الواحد العدل الثقة برؤيته؛ لأنه يتيقّن في الرؤية في الصحاري ما لا يتيقن في الأمصار لما فيها من كثرة الغبار، وكذا إذا كان في المصر في موضع مرتفع (¬4).
¬
(¬1) في سنن أبي داود 2: 297، وسنن البيهقي الكبير 3: 317، وسنن الدارقطني 2: 164، ومصنف عبد الرزاق 4: 156، ومسند إسحاق بن راهويه 1: 429، وغيرها.
(¬2) في جامع الترمذي 3: 80، وحسنه، وسنن الدارقطني 2: 164، وغيرهما.
(¬3) في إعلاء السنن 9: 126.
(¬4) هذا التفصيل قول الطحاوي، وصححه القدوري واعتمد عليه المرغيناني وصاحب الفتاوى الصغرى، قال ابن عابدين في تنبيه الغافل والوسنان ص79: وهذا وإن كان خلاف ظاهر الرواية فينبغي ترجيحه في زماننا تبعاً لهؤلاء الأئمة الكبار الذي هم من أهل الترجيح والاختيار، وجزم به الإمام السغناقي في النهاية.
قال الإمام السَّرَخْسِيّ (¬1): ((إنما ترد شهادته ـ أي الواحد ـ إذا كانت السماء مصحية، وهو من أهل المصر فأما إذا كانت السماء مغيمة أو جاء من خارج المصر، أو كان من موضع نشز، فإنه تقبل شهادته عندنا)).
ت. من رأى لوحده هلال صوم رمضان أو فطره، فإنه يصوم وإن ردَّ قوله: برؤيته للهلال، حتى أنه لو أفطر وجب عليه القضاء (¬2).
ث. إنه لا عبرة لرؤية الهلال نهاراً، وأن ما يرى في النهار يكون لليلة المستقبلة، فلا يثبت بما يرى نهاراً حكم من صوم إن كان لرمضان، أو فطر إن كان لشوال، وهذا هو المختار (¬3)، وقد خصّ هذه المسألة الإمام اللكنوي برسالة سماها: ((الفلك الدوار في رؤية الهلال بالنهار))، ومما قال فيها (¬4):
((يدل على عدم اعتبار الرؤية النهارية قوله - جل جلاله -: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ
¬
(¬1) في المبسوط 3: 64، قال ابن عابدين في تنبيه الغافل ص80: ولا يخفى أن المبسوط من كتب ظاهر الرواية، وقوله: يقبل عندنا؛ يفيد عدم الخلاف فيه في المذهب، فيكون إطلاق ما في أكثر الكتب في محل التقيد واحد، فلا منافاة بين رواية الطحاوي وظاهر الرواية.
(¬2) وعند الشافعي يكون عليه الكفارة. ينظر: تحفة المحتاج 3: 451، وفتوحات الوهاب 2: 344، وحاشيتا قليوبي وعميرة 2: 92، وغيرهم.
(¬3) كما في فتح القدير 2: 313، والتبيين 1: 321، وهذا هو قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: رؤية الهلال بعد الزوال لليلة المستقبلة، وقبل الزوال لليلة الماضية، ويكون اليوم من رمضان، ينظر: تنبيه الغافل ص89، وغيره.
(¬4) في الفلك الدوار ص138 - 139.
قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ} (¬1)،مع قوله - جل جلاله -: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} (¬2)، والمراد بآية الليل هي القمر، وبآية النهار الشمس والأنوار، فدل ذلك على أن القمر إنما هو آية الليل لا آية النهار، فلا عبرة برؤيته بالنهار ... . وقد صرح أئمة المذاهب الأربعة أنه لا عبرة برؤية الهلال نهاراً، وإنما المعتبر رؤيته ليلاً)).
الثاني: الأخذ بالحساب في صيام رمضان وإفطاره، وفيها الخلاف التالي:
أولاً: إنه لا عبرة لحساب المنجمين والحاسبين في الهلال على المعتمد من مذاهب الأئمة الأربعة؛ إذ أن الفقهاء صرحوا أنه لا يثبت رمضان إلا برؤية الهلال أو إتمام شعبان، فلا يلزم بقول المؤقتين وإن كانوا عدولاً في الصحيح. وقد حقق ابن عابدين (¬3) بنقول من كتب المذاهب الأربعة، وقال: ((إن المعوّل عليه والواجب الرجوع إليه في مذاهب الأئمة الأربعة المجتهدين، كما هو المحرر في كتب أتباعهم؛ أن إثبات رمضان لا يكون إلا بالرؤية ليلاً، أو بإكمال عدة شعبان، وأنه لا تعتبر رؤيته في النهار حتى ولو قبل الزوال على المختار، وأن لا يعتمد على ما يخبر به أهل الميقات والحساب والتنجيم)).
¬
(¬1) البقرة: من الآية189.
(¬2) الاسراء: من الآية12.
(¬3) في تنبيه الغافل والوسنان ص98 - 110.
وألف الإمام اللكنوي رسالة مستقلة سماها ((القول المنشور في هلال خير الشهور)) في الاعتماد على الرؤية.
وحجة ذلك:
1. عن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين) (¬1)، ومعنى إن غُمّ: أي حال بينكم وبينه غيم فعليكم أن تكملوا عدة شعبان؛ لأن الأصل في الشهر هو البقاء (¬2).
2. عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا تصوموا قبل رمضان، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن حالت دونه غياية فأكملوا ثلاثين يوماً) (¬3)، ومعنى غياية: كل ما أظلك من سحابة أو غيرها (¬4).
3. عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) (¬5).
¬
(¬1) في صحيح البخاري 2: 674، وصحيح ابن حبان 8: 357، وغيرهما.
(¬2) ينظر: القول المنشور ص148.
(¬3) في جامع الترمذي 3: 72، وقال: حسن صحيح، ومصنف ابن أبي شيبة 2: 284، وغيرهما.
(¬4) ينظر: القول المنشور ص148.
(¬5) في صحيح البخاري 2: 674، وصحيح مسلم 2: 674، والمنتقى 1: 102، وغيرها.
4. عن حذيفة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدّة ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة) (¬1).
5. عن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا، وعقد الإبهام في الثالثة، والشهر هكذا وهكذا وهكذا يعني تمام ثلاثين) (¬2).
قال الإمام اللكنوي (¬3): ((فهذه الأحاديث قد دلت على أن مناط الصوم إنما هو رؤية الهلال، فيستحب التماسه؛ ولهذا ذكر فقهاؤنا أن لا يصام يوم الشك بنية أنه من رمضان؛ لأن صومه معلق على الرؤية)) (¬4).
ثانياً: إنه يعتمد قول أهل الحساب، وهذا القول ذهب إليه نزر يسير من الحنفية، قال ابن نجيم الحنفي (¬5): ((قال بعض أصحابنا - رضي الله عنه -: لا بأس بالاعتماد على قول المنجمين، وعن محمد بن مقاتل - رضي الله عنه - أنه كان يسألهم ويعتمد على قولهم بعد أن يتفق على ذلك جماعة منهم))، وذهب ابن سريج وبعض الشافعية وصوبه الزركشي وقطع به التقي السبكي الشافعي في رسالة خاصة
¬
(¬1) في صحيح ابن حبان 8: 238، وجامع الترمذي 3: 68، وسنن البيهقي الكبير 4: 207، ومسند الشافعي ص187.
(¬2) في صحيح مسلم 2: 761، واللفظ له، وصحيح البخاري 2: 675، وغيرهما.
(¬3) في القول المنشور ص149.
(¬4) وينظر: الفلك الدوار في رؤية الهلال بالنهار ص123، وغيره.
(¬5) في الأشباه والنظائر 2: 66.
سماها: ((العلم المنشور في إثبات الشهور))، ومما قال فيها (¬1): ((إن دلالة الحساب القطعي أو القريب من القطعي
على عدم الإمكان أقوى من الريبة، والريبة موجبة للشهادة))، وقال ابن عابدين (¬2): ((إن المتأخرين من الشافعية ردوا كلام السبكي))، وممن ذهب إلى هذا القول القاضي عبد الجبار، وصاحب جامع العلوم (¬3).
وحجتهم في ذلك: عن ابن عمر - رضي الله عنه -: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر رمضان، فقال: (لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له) (¬4): أي قَدَّروه بحساب المنازل، وحمل معناه الجمهور على: قَدِّروا له تمام العدد ثلاثين بدليل الروايات الصريحة السابق ذكرها (¬5).
• • •
¬
(¬1) أي في العلم المنشور ص38 - 39.
(¬2) في تنبيه الغافل ص96.
(¬3) ينظر: تنبيه الغافل والوسنان ص99.
(¬4) في صحيح البخاري 2: 674، وصحيح مسلم 2: 759، وغيرهما.
(¬5) ينظر: القول المنشور ص150، وفي ص151: وقد أطال القاري في المرقاة 4: 462 الكلام في هذا المقام، وحقق أنه لا اعتبار لقول الحاسبين، ثم قال: بل أقول: لو صام المنجم عن رمضان قبل رؤيته بناء على معرفته، يكون عاصياً في صومه، ولا يحسب عن صومه إلا إذا ثبت الهلال، ولو جعل عيد الفطر بناء على زعمه الفاسد يكون فاسقاً، ويجب عليه الكفارة في قول ـ هو الصحيح ـ وإن استحله كان كافراً.
الثالث: اختلاف المطالع في الإفطار، وفيه الخلاف التالي:
أولاً: لا يعتبر اختلاف المطالع على المعتمد، ومعناه: أنه إذا رأى الهلال أهل بلدة ولم يره أهل بلدة أخرى يجب أن يصوموا برؤية أولئك كيفما كان، حتى إذا صام أهل بلدة ثلاثين يوماً وأهل بلدة أخرى تسعة وعشرين يوماً يجب عليهم قضاء يوم، وعليه أكثر المشايخ (¬1)، ونص عليه الإمام النَّسَفيّ (¬2)، والعلامة إبراهيم الحلبي (¬3).
وقال العلامة ابن الهمام (¬4): ((وإذا ثبت في مصر لزم سائر الناس فيلزم أهل المشرق رؤية أهل المغرب في ظاهر المذهب)).
وقال العلامة الشرنبلالي (¬5): ((هو ظاهر المذهب، وعليه الفتوى كما في ((البحر)) (¬6) عن ((الخلاصة)) وقال في ((الكافي)): ظاهر الرواية لا عبرة باختلاف المطالع))، ومثله قال شيخ زاده (¬7).
¬
(¬1) ينظر: تبيين الحقائق 1: 321، وغيره.
(¬2) في كنز الدقائق 1: 321.
(¬3) في ملتقى الأبحر 1: 239.
(¬4) في فتح القدير 2: 313.
(¬5) في الشرنبلالية 1: 201.
(¬6) البحر الرائق 2: 290.
(¬7) في مجمع الأنهر 1: 239.
وقال العلامة ابن عابدين (¬1): ((لا عبرة باختلاف المطالع في الأقطار إلا عند الشافعي)).
ودليل ذلك: عموم الخطاب في قوله - صلى الله عليه وسلم -: (صوموا) معلقاً لمطلق الرؤية في قوله: (لرؤيته)، وبرؤية قوم يصدق اسم الرؤية، فيثبت ما تعلّق به من عموم الحكم فيعم الوجوب (¬2).
ثانياً: يعتبر اختلاف المطالع، فينظر فإن كان بين أهل بلد رأوا الهلال وبين أهل بلد لم يروه تقارب بحيث لا تختلف المطالع يجب عليهم أن يصوموا برؤية من رأوه، وإن كان بحيث تختلف لا يجب عليهم الصيام، قال الإمام الزيلعيّ (¬3): ((والأشبه أن يعتبر اختلاف المطالع؛ لأن كلَّ قوم مخاطبون بما عندهم وانفصال الهلال عن شعاع الشمس يختلف باختلاف الأقطار، كما أن دخول الوقت وخروجه يختلف باختلاف الأقطار حتى إذا زالت الشمس في المشرق لا يلزم منه أن تزول في المغرب، وكذا طلوع الفجر وغروب
¬
(¬1) في تنبيه الغافل ص110، وقال ص107: المعتمد الراجح عندنا أنه لا اعتبار باختلاف المطالع، وهو ظاهر الرواية، وعليه المتون كالكنز وغيره، وهو الصحيح عند الحنابلة كما في الإنصاف 3: 273، وكذا هو مذهب المالكية ففي مختصر خليل وشرحه للشيخ عبد الباقي: وعم الخطاب بالصوم سائر البلاد إن نقل ثبوته عن أهل بلد بهما ـ أي بالعدلين، ـ والرواية المستفيضة عنهما ـ أي عن الحكم برؤية العدلين ـ أو عن رؤية مستفيضة.
(¬2) ينظر: فتح القدير 2: 313، وحاشية التبيين 1: 316، وغيرهما.
(¬3) في التبيين 1: 321.
الشمس بل كلما تحركت الشمس درجة فتلك طلوع فجر لقوم، وطلوع شمس لآخرين، وغروب لبعض ونصف ليل لغيرهم).
وقال العلامة ملا خسرو (¬1): ((يؤيده ما مر في أول كتاب الصلاة أن صلاة العشاء والوتر لا تجب لفاقد وقتهما))، واختاره صاحب ((التجريد)) وغيره (¬2).
ودليل ذلك: عن كريب - رضي الله عنه - أن أم الفضل بنت الحارث رضي الله عنها بعثته إلى معاوية بالشام قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها واستهل علي رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس - رضي الله عنهم - ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته، فقلت: نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، أو نراه، فقلت: أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬3).
واعترض العلامة ابن نجيم (¬4) على هذا الدليل: بأنه واحد لا يثبت بشهادته وجوب القضاء على القاضي.
¬
(¬1) في درر الحكام 1: 201.
(¬2) ينظر: الشرنبلالية 1: 201، وغيرها.
(¬3) في صحيح مسلم 2: 765، وصحيح ابن خزيمة 3: 205، وغيرهما.
(¬4) في البحر الرائق 2: 291.
الفصل الثاني
فيما يفسد الصوم وما لا يفسده
قال ملك العلماء الكاساني - رضي الله عنه - (¬1): «يفسد الصوم عند فوات ركنه, وذلك بالأكل والشرب والجماع سواء كان صورة ومعنى (¬2) أو صورة (¬3) لا معنى أو معنى (¬4) لا صورة وسواء كان بغير عذر أو بعذر وسواء كان عمداً أو
¬
(¬1) في بدائع الصنائع 2: 90.
(¬2) ومثال الجماع صورة ومعنى: الجماع المعتاد، وكذلك لو جامع بهيمة فأنزل فسد صومه وعليه القضاء ولا كفارة عليه؛ لأنه وإن وجد الجماع صورة ومعنى وهو قضاء الشهوة لكن على سبيل القصور, ولو جامعها ولم ينزل لا يفسد. ينظر: بدائع الصنائع 2: 94، وغيره.
(¬3) ومثال الأكل صورة: أكل حصاة أو نواة أو خشباً أو حشيشاً أو نحو ذلك مما لا يؤكل عادة ولا يحصل به قوام البدن فهو يفسد صومه. وكذلك إذا استعط أو احتقن أو أقطر في أذنه فوصل إلى الجوف أو إلى الدماغ فسد صومه؛ لوجود الأكل من حيث الصورة. ينظر: بدائع الصنائع 2: 93، وغيرها.
(¬4) مثال الجماع معنى: ولو جامع امرأته فيما دون الفرج فأنزل أو باشرها أو قبلها أو لمسها بشهوة فأنزل يفسد صومه, وعليه القضاء ولا كفارة عليه. وكذا إذا فعل ذلك فأنزلت المرأة لوجود الجماع من حيث المعنى وهو قضاء الشهوة بفعله. ينظر: بدائع الصنائع 2: 93، وغيره.
خطأ، طوعاً أو كرهاً، بعد أن كان ذاكراً لصومه لا ناسياً ولا في معنى الناسي».
ويمكن تفصيل وفهم ما أوجزه الإمام الكاساني - رضي الله عنه - من خلال عرض مفسدات الصوم في الضوابط التالية:
المطلب الأول: ضابط الإفطار في الطعام والشراب والتداوي:
إن الفطر إنما يحصل إذا وصل شيء من المفطرات إلى الجوف المعتبر من المنفذ المعتبر وصولاً معتبراً مع ارتفاع الموانع، ولا فطر إذا فقد شيء من هذه الخمسة، وتفصيلها كالآتي:
الأول: الجوف المعتبر:
فلا يحصل الفطر بما وصل إلى داخل الجسم في غير الجوف المعتبر، وهو المعدة والحلق والأمعاء (¬1)، وأما الأجواف الأخر في باطن الجسم فما كان
¬
(¬1) هذا هو الجوف المعتبر عند الحنفية والمالكية، وعند أكثر الشافعية كل ما يسمى جوفاً في جسم الإنسان فهو معتبر في الصوم، فإذا وصلت عين من الخارج إلى ما يسمى جوفاً أفطر الصائم سواء كان فيه قوة محيلة، وأما الجماعة القليلة منهم فقيدوا الجوف بأن تكون فيه قوة محيلة للغذاء أو الدواء، أو كان ذلك الجوف طريقاً إلى الجوف المحيل، فأما ما سواها من الأجواف التي ليست فيها قوة محيلة ولا هي طريق إلى المحيل فلا أثر لها في إفطار الصوم عندهم. ينظر: ضابط المفطرات في مجال التداوي ص 51 - 52.
له مسلك إلى أحد هذه الثلاثة بحيث إذا وصل شيء من الخارج إلى هذا الجوف وصل إلى أحد هذه الثلاثة عادة يأخذ حكمها وما لا فلا.
الثاني: المنفذ المعتبر:
فلا يحصل الفطر بما وصل إلى الجوف المعتبر من منفذ غير معتبر، فكل ثقبة أو فتحة في ظاهر الجسم تنفذ إلى الجوف المعتبر فهي منفذ معتبر: كالفم والأنف والأذن والدبر (¬1) وفرج المرأة والآمة والجائفة والثقبة إذا كانت نافذة إلى الجوف المعتبر (¬2).
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 2: 93، وغيرها.
(¬2) هذا عند أبي حنيفة وعامة المشايخ، والآمة والجائفة والثقبة غير معتبرة عند أبي يوسف ومحمد - رضي الله عنهم -، والإحليل معتبر عند أبي يوسف - رضي الله عنه -، قال العلامة محمد رفيع العثماني في ضابط المفطرات ص57 - 58: اعتبار الآمة عند أبي حنيفة وعامة المشايخ، وقبل المرأة عند المشايخ، والأذن عند جميع الحنفية والإحليل عند أبي يوسف فيه إشكال من حيث الطب الحديث فإنه ينكر نفوذها إلى الحلق أو المعدة أو الأمعاء؛ لأن دواء من الآمة إنما يصل إلى الدماغ لا إلى الحلق لعدم المسلك بينهما، ولأن الدواء من قبل المرأة إنما يصل إلى الرحم أو المثانة، لا إلى الجوف المعتبر؛ ولأن الدواء أو الماء أو الدهن ونحوها لا يصل بالإقطار في الأذن إلى الحلق ... . وينظر: بدائع الصنائع 2: 93، وغيره.
وعند المالكية: فوصول الشيء إلى الحلق أو المعدة من المنافذ العالية يفسد الصوم عندهم مطلقاً سواء كان الشيء الواصل مائعاً كالزيت أو جامداً كالدرهم، وسواء كان ذلك المنفذ واسعاً كالفم أو ضيقاً كالأنف والأذن والعين، وإن وصل من المنافذ السافلة، فيشترط فيه أن يكون الواصل مائعاً والمنفذ واسعاً كالدبر، فيفسد بالحقنة بمائع، ولا يفسد بجامد ولا بإيصال شيء من الإحليل أو الجائفة سواء كان الواصل منها مائعاً أو جامداً ... ينظر: ضابط المفطرات ص70 - 71.
وعند الشافعية: المنافذ المعتبرة تسعة، وهي: الفم، والأنف والأذن والدبر والإحليل وفرج المرأة، والآمة، والجائفة، والثقبة. ينظر: ضابط المفطرات ص80.
وعند الحنابلة، هي: الفم والأنف، والأذن، والدبر، والعين، والآمة، والجائفة، والثقبة، والمسام، والإحليل ... ينظر: ضابط المفطرات ص84 - 85، وغيره.
ومن فروعه:
- لو احتقن ـ أي وضع دواء في دبره ـ فإن عليه القضاء.
- لو استعط ـ أي صب الدواء ـ في أنفه، فإن عليه القضاء (¬1).
- لو صبَّ في إحليله ماءً أو دهناً ولو وصل إلى المثانة؛ لأنه لا منفذ منها إلى الجوف، أما في قبلها فمفسد؛ لأنه كالحقنة في فرجه أو في الدبر من ذكر أو أنثى فإنها مفسدة.
- إن داوى جائفة ـ أي الجراحة التي في البطن ـ أو آمة ـ أي الجراحة في الرأس ـ فوصل الدواء حقيقة إلى جوفه ودماغه، فعليه القضاء إن كان الدواء رطباً أو كان يابساً وعلم أنه وصل إلى جوفه أو إلى الدماغ، أما إذا كان الدواء يابساً ولم يعلم بوصوله فلا قضاء عليه (¬2).
والدليل على عدم اعتبار المسام من المنافذ المعتبرة:
1. عن عائشة رضي الله عنها: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدركه الفجر في رمضان من غير حلم فيغتسل ويصوم) (¬3).
¬
(¬1) ينظر: الهداية 1: 125، وغيرها.
(¬2) ينظر: بدائع الصنائع 2: 93، وغيره.
(¬3) في صحيح البخاري 2: 681، وصحيح مسلم 2: 780، وغيرهما.
2. عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعرج يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش أو من الحر) (¬1).
ومن فروعه:
- لو ادهن أو احتجم ولو وجد طعم الدهن في حلقه سواء كان مطيباً أو غير مطيب، فإنه لا يفسد صومه، ولا يكره له ذلك؛ لأن الأثر في حلقه دخل من المسام وهي غير معتبرة من المنافذ (¬2).
- لو اغتسل في ماء بارد فوجد برده في باطنه فإنه لا يفسد صومه (¬3).
- لو احتقن بحقنة في العضدين أو الفخذين أو رأس الإليتين أو في أي موضع من ظاهر البدن غير مفسد للصوم؛ لأن مثل هذه الحقنة لا يصل منها شيء إلى الجوف من المنافذ المعتادة أصلاً، وعلى فرض الوصول فإنما تصل من المسام فقط وما تصل إليه ليس جوفاً ولا في حكم الجوف (¬4).
¬
(¬1) في سنن أبي داود 2: 307،والمستدرك 1: 598،وسنن البيهقي الكبير 4: 263،وشرح معاني الآثار 2: 66، وغيرها.
(¬2) ينظر: تنوير الأبصار ورد المحتار 2: 98، وبدائع الصنائع 2: 106، وغيرها.
(¬3) ينظر: الهدية العلائية ص160، وغيرها.
(¬4) ينظر: الفتاوى الإسلامية من دار الإفتاء المصرية (1: 90)، فتوى مفتي مصر الشيخ محمد بخيت المطيعي.
والدليل على عدم اعتبار العين من المنافذ المعتبرة:
1. عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: (جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: اشتكت عيني أفأكتحل وأنا صائم، قال: نعم) (¬1).
2. عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (ربما يكتحل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو صائم) (¬2).
3. عن أبي رافع - رضي الله عنه -، قال: (إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكتحل بالإثمد وهو صائم) (¬3)، وفي لفظ: (خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعيناه مملوءتان من الإثمد وهو صائم) (¬4).
4. عن أنس - رضي الله عنه - أنه كان يكتحل وهو صائم (¬5).
¬
(¬1) في جامع الترمذي 3: 105، وقال: ليس إسناده بالقوي، ولا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب شيء.
(¬2) في سنن البيهقي الكبير 4: 262، وسنن ابن ماجة برقم ص1680، قال النووي: إسناده ضعيف، ينظر: ضابط المفطرات ص65 - 66.
(¬3) في سنن البيهقي الكبير 4: 262، والكامل 2: 428، والمجروحين 2: 250، وأشار السيوطي في الجامع الصغير 1: 353 إلى ضعفه.
(¬4) رواه ابن حبان في الضعفاء من حديث ابن عمر، ورواه ابن عاصم في كتاب الصيام له، وفي الباب عن بريرة مولاة عائشة في الأوسط للطبراني، وعن ابن عباس في شعب الإيمان للبيهقي بإسناد جيد. ينظر: تلخيص الحبير 1: 191، وغيره.
(¬5) في مصنف ابن أبي شيبة 2: 304، قال ابن حجر في الدراية1: 281: إسناده حسن.
5. عن الأعمش - رضي الله عنه - قال: ما رأيت أحداً من أصحابنا يكره الكحل للصائم (¬1).
6. إن الواصل من العين إلى الحلق بالاكتحال أو التقطير إنما يصل إليه بواسطة باطن الأنف، والمنفذ من العين إلى الأنف لصغره وخفائه ملحق بالمسام، فيكون ما يصل إلى الحلق معفواً عنه كالغبار والدخان يدخل حلقه (¬2).
قال الإمام ابن الهمام - رضي الله عنه - (¬3) بعد سرد هذه الأحاديث: «فهذه عدة طرق إن لم يحتج بواحد منها فالمجموع يحتج به لتعدد الطرق».
وقال شيخنا العلامة محمد رفيع العثماني حفظه الله (¬4): «قد وردت عدة أحاديث مرفوعة في عدم الفطر بالاكتحال وهي من حديث أنس بن مالك، وعائشة، وأبي رافع، وبريرة مولاة عائشة، وابن عمر - رضي الله عنهم - إلا أنها لا تخلو عن كلام وضعف في بعض رواتها، لكنه ينجبر بتعدد الطرق والمتون، فإن لم يحتج بواحد منها فالمجموع يحتج به؛ لتعدد الطرق والمتون؛ ولتأييدها بآثار الصحابة المروية في صحيح البخاري وأبي داود وغيرهما بأسانيد صحاح وحسان، وآثار التابعين ومن بعدهم».
¬
(¬1) في سنن أبي داود 2: 310، وغيره.
(¬2) ينظر: ضابط المفطرات ص59، وغيره.
(¬3) في فتح القدير 2: 346.
(¬4) في ضابط المفطرات ص64.
ومن فروعه:
- لو اكتحل الصائم ولو وجد طعم الكحل في حلقه أو لونه في نخامته أو بزاقه على الأصح، فإنه لا يفسد صومه، ولا يكره له ذلك، والموجود في حلقه أثر داخل من المسام الذي هو خلل البدن والمفطر إنما هو الداخل من المنافذ (¬1).
الثالث: الواصل المعتبر:
فلا فطر إذا كان الواصل إليه غير معتبر: أي شيء غير مفطّر، فشرط الواصل المعتبر هو استقرار الواصل في الجوف وغيبوبته فيه (¬2)، وهذه النقطة متصلة مع ما بعدها.
ومن فروعه:
- لو أكل ما بين أسنانه وكان دون الحمصة، فإنه لا يفسد صومه؛ لأنه قليل لا يمكن الاحتراز عنه فجعل بمنزلة الريق (¬3)، ويفسد بما كان قدر الحمصة؛ لأن بقاءه بين الأسنان غير معتاد فيمكن الاحتراز عنه (¬4).
¬
(¬1) ينظر: تنوير الأبصار ورد المحتار 2: 98، وغيرهما.
(¬2) وزاد بعض الحنفية كقاضي خان أن يكون فيه أحد أمرين: وهما: أن يكون الواصل مما فيه صلاح البدن من التغذي أو التداوي، أو يكون الوصول بصنع الصائم، كما سيأتي. ينظر: رد المحتار 2: 98، وضابط المفطرات ص105.
(¬3) ينظر: رد المحتار 2: 98، وغيره.
(¬4) ينظر: بدائع الصنائع 2: 90، وغيره.
- لو مضغ مثل سمسمة من خارج فمه فتلاشت في ريقه ولم يجد لها طعماً في حلقه، فإنه لا يفسد صومه (¬1).
الرابع: الوصول المعتبر:
فلا فطر إذا كان الوصول إليه غير معتبر، فإنه يحصل الفطر بمطلق الوصول مع الاستقرار والغيبوبة (¬2) (¬3).
¬
(¬1) ينظر: تبيين الحقائق 1: 325، وغيره.
(¬2) وزاد قاضي خان وابن الهمام الإدخال بصنع الصائم، وهو أعم من الابتلاع كما ذكره صاحب الهداية، واشترط أبو يوسف ومحمد في الوصول أن يكون من منفذ خلقي فلا يفطر عندهما إذا وصل من منفذ غير خلقي كالآمة والجائفة، وبه أخذ الطحاوي. ينظر: ضابط المفطرات ص103 - 106.
(¬3) والشيء الواصل إلى الجوف فلا فرق فيه في المذاهب الأربعة بين أن يكون مما فيه صلاح البدن من التغذي أو التداوي أو لا، ولا بين أن يكون مما يؤكل أو لا، ولا بين أن يكون مائعاً أو جامداً، ولا بين أن يكون مما ينماع أي يتحلل ويذوب أو لا، فكل ذلك مفطر عندهم في الجملة؛ إلا ما اشترطه بعض الحنفية أن يكون الواصل مما فيه صلاح البدن، وأن المالكية شرطوا في بعض الصور أن يكون الواصل مائعاً أو مما ينماع.
وأما الوصول فاختلفوا في شروطه:
فشرطت المالكية في الجامد وفيما لا ينماع أن يصل إلى الجوف من منفذ عال، لا من سافل، فلا يفطر عندهم بالحقنة بجامد، ويفطر بالحقنة بمائع أو بما ينماع ولو بعد الدخول في الجوف.
وشرطت الشافعية والحنابلة أن يكون الوصول إلى جوف بقصد الصائم واختياره، فلو طعن نفسه أو طعنه غيره بإذنه فوصلت السكين جوفه أفطر، وإذا طعنه غيره بغير اختياره لم يفطر عندهم. ينظر: ضابط المفطرات ص102 - 103.
ومن فروعه:
- لو ابتلع لحماً أو عنباً مربوطاً على خيط، ثم انتزعه من ساعته، ولم ينفصل منه شيء في الجوف لم يفطر (¬1).
- لو أدخل الطبيب ميلاً أو نحوه في حلق الصائم، فإنه إن كان جافاً لا يضرّ، ولكن لو أراد أن يرجعه فعليه أو يجففه (¬2).
- لو أدخل إصبعه في دبره، والمرأة في فرجها فإنه لا يفسد صومه إلا أن يكون الإصبع مبتلاً بالماء أو الدهن؛ لبقاء شيء من البلة في الداخل، وهذا لو أدخل الإصبع إلى موضع المحقنة، فالحد الذي يتعلق بالوصول إليه الفساد قدر المحقنة: أي قدر ما يصل إليه رأس المحقنة التي هي آلة الاحتقان (¬3).
- لو أدخل خشبة في دبره ولم يغيبها لم يفطر لعدم الاستقرار، وإذا غيبها أفطر (¬4).
- لو أدخل قطنة في ذكره وإن غابت ولو كانت مبتلة فإنه لا يفسد، وكذا إن أدخلت قطنة في قبلها ولم تغيبها، وكذا لو لم تكن مبتلة، أما إذا غيبتها أو كانت مبتلة فيفسد صومها.
¬
(¬1) ينظر: الفتاوى الهندية 1: 204، والدر المختار 2: 99،
(¬2) ينظر: التعليقات المرضية ص161.
(¬3) ينظر: تنوير الأبصار والدر المختار ورد المحتار 2: 99، وغيرها.
(¬4) ينظر: رد المحتار 2: 98، وغيره.
- لو أدخل قطنة في الدبر ولم يغيبها إن لم تكن مبتلة، أما إن غيبها، أو كانت مبتلة وإن لم تغب فيفسد صومهما (¬1).
- لو طعن الصائم برمح أو رمي بسهم فبقي الحديد في بطنه فسد صومه (¬2).
- لو أدخل الصائم نفسه في أذنه دهناً أو أدخله غيره في أذنه فإنه يفسد صومه (¬3)، أما دخول الماء إلى أذنه فغير مفسد للصوم؛ لأنه ليس فيه صلاح للبدن (¬4).
- لو اغتسل الصائم فدخل الماء في أذنه فإنه لا يفسد (¬5).
¬
(¬1) ينظر: الهدية العلائية ص161، وغيرها.
(¬2) أما عند من شرط صنع الصائم فلا يفطر ... ينظر: ضابط المفطرات ص104، وبدائع الصنائع 2: 93، وغيرهما.
(¬3) هذا بالاتفاق بينهم؛ لأن الدهن مما فيه صلاح البدن فقد وجد معنى الفطر فلا يشترط فيه صورته من الابتلاع أو صنع الصائم. ينظر: ضابط المفطرات ص105.
(¬4) هذا اختيار صاحب الهداية والتبيين وصححه في المحيط، وفي الولوالجية: إنه المختار، فإنه إن لم يكن فيه صلاح للبدن اشترطوا فيه الابتلاع، وفصَّل قاضي خان إلى أنه إن دخل لا يفسد وإن أدخله يفسد في الصحيح؛ لأنه وصل إلى الجوف بفعله، فلا يعتبر فيه صلاح البدن، ومثله في البزازية، واستظهره في الفتح والبرهان، قال ابن عابدين: والحاصل الاتفاق على الفطر بصب الدهن وعلى عدمه بدخول الماء واختلاف التصحيح في إدخاله. ينظر: ضابط المفطرات ص105.
(¬5) ينظر: الهدية العلائية ص161، وغيرها.