إعلاء السنن
جارٍ تحميل الكتاب…
جارٍ تحميل الكتاب…
إعلاء السنن
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم إعلاء السنن بقلم سماحة الشيخ خليل الميس مفتي زحلة والبقاع الغربي مدير أزهر لبنان
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد فإن هذا الكتاب (إعلاء السنن) يعتبر بمثابة المبسوط في أحاديث الأحكام فلا نظير له في بابه يجد فيه الحنفي صفوة ما استدل به أئمة المذهب من أحاديث الأحكام. قصد مصنفه رحمه الله وأجزل ثوابه من ورائه أن يثبت بأن الحنفية في غاية التمسك بالأحاديث والآثار في الأبواب كلها ليرد من خلاله على من يتكلم في فقهاء الحنفية في أخذهم بالرأي عند فقدان النص.- مع أنه لا فقه بدون رأي- أو يرمونهم بقلة الحديث، وقد امتلأت الأمصار بحديثهم أو يقولون: إنهم يستحسنون، ومن استحسن فقد شع. وليعلم بأن الشرع لله وحده والرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو مبلغ. وقصارى ما يعمل الفقيه فهم النصوص فقط. فمن جعل للفقيه حظا في التشريع لم يفهم الفقه ولا الشرع. حيث جعل شرع الله من الأوضاع البشرية، وحاشى الله أن يجعل للبشر دخلا في شرعه ووحيه.
مفهوم الرأي عند المتقدمين: الرأي عند المتقدمين لم يكن موضع اتفاق بينهم، أما عند الصحابة فكان الرأي عندهم رأيا بكل معنى الكلمة، لأنه ينظر دائما إلى المصلحة وضمن إطار الشريعة الإسلامية، كما إنه كان قياسا عند عدم النص كما قال معاذ رضي الله عنه: أجتهد راى ولا آلو. فقال: " الحمد لله الذي وفق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما يرضي الله ورسوله ".
وأما العمل بالرأي عند المتقدمين من صغار التابعين وأتباع التابعين لا يجوز إلا عند فقد النص، أو مع نص مشكوك فيه مخالف للقواعد الشرعية.
وأما الرأي عند المتأخرين ما هو إلا القياس الأصولي المصنف الذي خلفه المتقدمون وأفنوا حياتهم في جمعه.
وأما الرأي عند المذاهب الأربعة، يتمثل في القياس الذي يعمل به الجميع دون استثناء.
وإن أصول مذهب أبي حنيفة: إنه يأخذ بكتاب الله، وإلا فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن جاء عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم تخيرت ولا أخرج عن واحد منهم، فإن جاء عن التابعين فهم رجال ونحن رجال.
وتخصيص فقهاء الحنفية بأصحاب الرأي. فلا يصح إلا بمعنى البراعة البالغة في الاستنباط. لأن الفقه حيثما كان يصحبه الرأي. وطوائف الفقهاء كلهم إنما يختلفون في شروط الاجتهاد بما لاح لهم من الدليل. فإن كان أهل الحديث هم الرواة والنقلة الصيادلة. كما أن الفقهاء هم الأطباء، كما قال الأعمش.
وقال سليمان بن عبد القوي الكوفي الحنبلي في شرح مختصر الروضة في أصول الحنابلة: (واعلم أن أصحاب الرأي بحسب الإضافة هم كل من تصرف في الأحكام بالرأي فيتناول جميع علماء الإسلام لأن كل واحد منهم لا يستغني عن اجتهاده عن نظر ورأي ولو بتحقيق المناط وتنقيحه الذي لا نزاع في صحته.
وأما ما وقع في كلام إبراهيم النخعي وبعض أهل طبقته من القول: بأن أهل الرأي أعداء السنن. فبمعنى الرأي المخالف للسنة المتوارثة في المعتقد، يعنون الخوارج، والقدرية، والمشبهة، ونحوهم من أهل البدع- لا بمعنى الاجتهاد في فروع الأحكام، والنخعي نفسه من أهل القول في الفروع بالرأي.
والحاصل: إن من خصائص مذهب أبي حنيفة كون تدوين المسائل فيه على الشورى والمناظرات المديدة، وتلقي الأحكام فيه جماعة عن جماعة إلى ما شاء الله تعال.
وجملة القول في أبي حنيفة:
إنه قطعا لم يخالف السنة عنادا، وإنما خالف فيما خالف منها اجتهادة، بحجج واضحة، ودلائل لائحة. هذا: ومن شروط قبول الأخبار عند الحنفية، مسنده كانت أو مرسلة أن لا تشذ عن الأصول المجتمعة عندهم، وذلك أن هؤلاء الفقهاء بالغوا في استقصاء موارد النصوص من الكتاب والسنة وأقضية الصحابة إلى أن أرجعوا النظائر المنصوص عليها والمتلقاة بالقبول- إلى أصل تتفرع هي منه وقاعدة تندرج تلك النظائر تحتها.
ومن القواعد المرضية عند أبي حنيفة أيضا: اشتراط استدامة الحفظ من آن التحمل إلى أن الأداء.
وكذلك اقتصار تسويغ الرواية بالمعنى على الفقيه مما يراهـ أبو حنيفة حتما.
ومن قواعدهم أيضا: رد أخبار الآحاد في الأمور المحتمة التي تعم بها البلوى، وتتوفر فيها الدواعي إلى نقلها بطريق الاستفاضة، حيث يعدوه ذلك مما تكذبه شواهد الحال، واشتراط شهرة الخبر عند طوائف الفقهاء.
وبمقتضى هذه القواعد، ترك الإمام أبي حنيفة رحمه الله العمل بأحاديث كثيرة من الآحاد، والحق أنه لم يخالف الأحاديث عنادا، بل خالفها اجتهادا لحجج واضحة ودلائل صالحة، وله بتقدير الخطأ أجر، وبتقدير الإصابة أجران، والطاعنون عليه: إما حاد أو جهال بمواقع الاجتهاد.
فمن يقبل الحديث عن كل من هب ودب في عهد ذيوع الفتن وشيوع الكذب بنص الرسول صلوات الله عليه يظن بالحنيفة أنهم يخالفون الحديث، لكن الأمر ليس كذلك، بل عمدتهم الآثار في التأصيل والتفريع.
هذا: ولما أطال بعضهم ألسنتهم في الطعن والافتراء بالبهتان في أن مذهب الإمام أبي حنيفة لا دليل له ولا برهان من السنة الصحيحة والقرآن. مشت الحاجة إلى إقامة الدلائل الحديثية على مهمات الفروع في مذهب السادة الحنيفة من دلائل قوية، شموسها طالعة في أسانيد عالية ومتون غالية، مع تصحيح الأحاديث أو تحسينها على الأصول المتلقاة بالقبول عند علماء الرواية، مع تقرير استنباط ما يحتاج إليه بالقواعد المقررة عند فقهاء الدراية.
هذا. وسبق أن طبع هذا السفر العظيم غير مرة. وإن مبادرة دار الفكر إلى إعادة طبعه مشكورة تسهيلا للحصول عليه وتوفيرا لهذه المادة العلمية بين أيدي الفقهاء والباحثين. وخاصة في هذا العصر حيث تطلعت النفوس واشرأبت الأعناق للوقوف على الأحكام الشرعية مع أدلتها وبخاصة من السنة المشرفة حيث كثر الكلام حول مدى أصالة الأحكام الفقهية عند هذا المذهب أو ذاك، وقد نال مذهب الإمام أبي حنيفة ما ناله وبخاصة في هذه الأيام من افتقار الأحكام فيه إلى الأدلة من السنة المشرفة، فكانت هذه الموسوعة الحديثية نصرة بالمذهب وتفقهاته، وتأصيلا للأحكام الشرعية استنادا إلى الأدلة الحديثة مع بيان وجه الاستدلال وحسب القواعد المتبعة في هذا الفن.
فأجزل الله مثوبة مؤلفه على حسن صنيعه، وأكرم الله هذه المؤسسة العامرة دار الفكر صاحبة اليد الطولى في خدمة التراث الإسلامي. ونفع الله تعالى بهذا الجهد المبارك والله من وراء القصد.
بيروت 10 ذي القعدة/ 1421 هجرية الموافقة في 3/ شباط ( فبراير/ 2001 ميلادية
وكتبه مفتي زحلة والبقاع الغربي
مدير أزهر لبنان الشيخ خليل الميس.
غفر الله له
مقدمة المحقق
مقدمة التحقيق
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد صفوة خلقه جاءنا بالحكمة وفصل الخطاب فصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه إلى يوم الدين.
لقد أوتي رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفصاحة والبلاغة ومن جوامع الكلم ما أعجز البلغاء والفصحاء والحكماء فوقفوا خاشعين أمام فصاحته وإعجازه.
فإن الله خلق الخلائق بقدرته، وأظهر فيهم آثار مشيئته وحكمته ورحمته، وجعل المقصود الذي خلقوا له فيما أمر به هو عبادته، وأصل ذلك معرفته ومحبته، فمن هداهـ الله صراطه المستقيم آتاهـ رحمة وعلما، فعرف به بأسماء الحسنى، وصفاته العلى، ورزقه الإنابة إليه، والوجل لذكره، والخشوع له، فحن إليه حنين السور إلى أوكارها، وكلف بحبه كلف الصبي بأمه، لا يعبد إلا إياهـ، رغبة ورهبة ومحبة، أخلص دينه لمن له الدنيا والآخرة، رب الأولين والآخرين، مالك يوم الدين خالق ما تتصورون وما لا تتصورون، عالم الغيب والشهادة، الذي أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، لم يتخذ من دونه أندادا كالذين اتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله، ولم يشرك بربه أحدا، ولم يتخذ من دونه وليا ولا شفيعا، ولا ملكا ولا نبيا ولا صديقا، فإن كل من في السموات والأرض آتي الرحمن عبدا، لقد أحصاهم وعدهم عدا، وكلهم آتيه يوم القيامة فردا.
فهنالك اجتباهـ مولاهـ واصطفاهـ، وآتاهـ رشده وهداهـ لما اختلف فيه من الحق باذنه، فإنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
وذلك أن الناس كانوا بعد آدم عليه السلام وقبل نوح عليه السلام على التوحيد والإخلاص، كما كان عليه أبوهم آدم أبو البشر عليه السلام، حتى ابتدعوا الشرك، وعبادة الأوثان، بدعة من تلقاء نفوسهم، لم ينزل الله بها كتابا، ولا أرسل بها رسولا، زنها الشيطان من جهة المقايس الفاسدة، والفلسفة الحائرة.
أما أهل الممة: فإنهم يقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم،
ويفضلون من أنفق من قبل الفتح- وهو صلح الحديبية- وقاتل على من أنفق من بعد الفتح وقاتل، ويقدمون المهاجرين على الأنصار.
ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحقد والبغض والإحقار والعداوة، وسلامة ألسنتهم من الطعن والسب واللعن والوقيعة فيهم. ولا يقولن إلا ما حكاهـ الله عنهم: (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان [ الحشر /10] وطاعة البي في قوله: " لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ".
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: " حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، ومهدوا لها قبل أن تعذبوا، وتزودوا للرحيل قبل أن تزعجوا، فإنما هو موقف عدل، وقضاء حق، ولقد أبلغ في الإعذار من تقدم بالإنذار.
قال الله تبارك وتعالى: ( فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين البقرة /24]، وقال جل وعلا: ( يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة [ التحريم / 6 ] وقال جل وعلا: " إن لدينا أنكالا وجحيما صلى الله عليه وسلم وطعاما ذا غصة وعذابا أليما [ المزمل / 12، 13].
فيا أيها الأخ المسلم الغافل عن نفسه بما هو فيه من شواغل الدنيا المشرقة على الانقضاء والوال، دع الاشتغال والفكر فيما أنت مرتحل عنه، واصرف فكرك واجتهادك إلى موردك الذي سترده، فإنك أخبرت أن النار مورد للجميع اللهم وفقنا لصالح الأعمال، و نجبا من جميع الأهوال، وأنا من الفزع الأكبر يوم الرجف والزلزال واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والأموات، برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
* صلى الله عليه وسلم
فمواصلة من مجمع البحوث والدراسات " في نشر كتب التراث، حتى نلحق بذلك الركب المبارك على عهد سلفنا الصالح، يقدم هذا- المجمع المبارك- لقرائه المسلمين الملتزمين كتابه المبارك- إعلاء السنن- وهو كتاب فريد من نوعه، يعرض للحائر دليل الرشاد والسكينة ليروي حيرته ويطفيء ظمأته فيما طابت إليه نفسه من
الحديث وفقهه، والحديث وأصوله، وتراجم أسماء للرجال.
وما أحرانا في هذا العصر المليء بالفتن والتقلبات أن نهتدى إلى مصباح نستنير به في ظلمات دربنا الطويل، والكتاب جليل مفيد فهو يعرض للقارىء مسائل فقهية هامة وجليلة، طالما أرقت العلماء والباحثين، وهي من أخطر قضايا العصر، وهي تكفير العوام من المسلمين أو بالأحرى قضية إيمان المقلد، وما أثير حولها من شبهات وتحليل.
ففي هذا الكتاب يضع المصنف- رحمه الله- أبواب الفقه مستدلا بالأحاديث النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ووضع المسائل الفقهية في أسلوب منطقي موثق بالأدلة والبراهين.
نسبة المخطوطة للمؤلف:
وقد يسر الله تعالى طبع هذا الكتاب على النسخة المخطوطة الموجودة في دار الكتب العامة بمدينة المنصورة من جمهورية مصر العربية، والنسخة المخطوطة ناقصة نقصا كبيرا يحول دون إتمام طباعة الكتاب عليها، والذي وجدها المحقق في إحدى أرفف المخطوطات مهملة بالدار ليس لها غلاف ولا عنوان، ولكن من نعم الله التي لا تعد ولا تحصى أن صاحب مركز البحوث- كلف أخاهـ المحقق أن يبحث في دار الكتب، الكتب على أصل المخطوط، وكان العثور على هذا الأصل من نعم الله علينا.
والمخطوط أخذ رقما عاما (2227) وخاصا (117) حديثا حيث لم يكن دون في قائمة المخطوطات من قبل، واعتمدنا في نسب هذه المخطوطة للمصنف بالرجوع إلى النسخة المطبوعة والتي كان يتم عرضها للبيع بمكة المكرمة، وهي باسم " إعلاء السن.
والمخطوط يتكون من اثنتين وعشرين کراسة، وكل كراسة في موضوع يغاير ما بعده في موضوعة وفقهه.
والمخطوط كثير السقط، يظهر عليه أثر القطع والإهمال، وعليه تعليقات فقهية تؤكد أقوال الأئمة والعلماء.
عملنا في الكتاب:
لقد حاولت أن أصل بهذا الكتاب إلى أن يكون في حلة بهية، وصورة زاهية، وهذا بجهدي القاصر، المقل، وسلكت في صنيعى هذا ما يلي:
أولا: قمت بنسخ المخطوط بداخل الدار لصعوبة التصوير، وعدم حصول الدار على تصريح الميكروفيلم ما أطال مدة النسخ.
ثانيا: مقابلة المنسوخ بالنسخة المطبوعة التي يسرها لنا الأخ الفاضل الأستاذ- ترار الباز- صاحب مجمع البحوث.
ثالثا: إثبات السقط في المتن، والإشارة إلى ذلك في حاشية التحقيق.
رابعا: قمت بتخريج الآيات القرآنية الواردة في النص، وعزوها إلى سورها في القرآن.
خامسا: قمت بتخريج الأحاديث النبوية الشريفة الواردة فيه، مع ذکر درجة الحديث في كثير من الأحيان.
سادسا: ترجمت لبعض الأعلام الوارد ذكرهم في الكتاب. سابعا: عزوت الآثار التي وجدت في الكتاب إلى مواطن وجودها في المراجع والمصادر الأخرى.
ثامنا: وضعت بعض العناوين الداخلية والخاصة ببعض الموضوعات. تاسعا: قدمت للكتاب بمقدمة عن منهج المؤلف في الكتاب ووصف المخطوط ونسبته للمؤلف.
* صلى الله عليه وسلم
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
ترجمة حكيم الأمة الإمام الشيخ أشرف على التهانوي
كان رحمه الله من العلماء العباقرة الأفذاذ والدعاة البررة المخلصين الذين أناروا في الهند مصابيح التجديد باهرة الشعلة ساطعة النور، وأخلصوا حياتهم لإعلاء كلمة الله وإحياء علوم الدين، مرابطين على ثغور الإسلام، مثابرين في الدعوة إليه، ومصابرين على ما يصيبهم في هذا السبيل.
ولد رحمه الله صباح الخامس من ربيع الثاني سنة 1280 من الهجرة النبوية على صاحبها السلام، في أسرة كريمة يبلغ نسبها إلى أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاهـ، بقرية " تهانه بهون " التابعة لمدينة " مظفر نيرر وهي تعتبر من القرى التي عرفت في البلاد الهندية برجالها المبرزين، وعلمائها المهرة، وأوليائها الكبار، مثل العلامة المحقق الشيخ محمد أعلى التهانوي صاحب کشاف اصطلاحات الفنون " تلك الموسوعة العلمية الكبيرة التي حازت ثناء أهل العلم وثقة أهل المعرفة في مشارق الأرض ومغاربها- ومثل العلامة الشيخ محمد التهانوي، والحافظ محمد ضامن الشهيد، والعارف المحقق الحاج إمداد الله المهاجر الملكي، الذين لقبوا في أنحاء هذه البلاد بالأقطاب الثلاثة، رحمهم الله تعالى رحمة واسعة.
ولد حكيم الأمة رحمه الله في هذه القرية العامرة بالعلم والدين، والورع والتقى، وترعرع في بيئة دينية خالصة، وحفظ فيها القرآن وتعلم مبادئ الفارسية والعربية وعلوم الدين على أيدى أساتذة مهرة، وكان منذ نعومة أظفاره مكبا على العلم والعلماء، ميالا إلى الطاعات، بعيدا عن اللهو، وكان من رقة طبعه منذ ميعة صباهـ أنه لم يكن يتحمل النظر إلى بطن أحد وهو عريان، وكان إذا فاجأه صبي من الصبيان ببطنه المكشوف غلبه القيء، فكان الصبيان يعاكسونه ويكشفون أمامه عن بطونهم ليقيء، فكان رحمه الله ربما يتعب من القيء مرة بعد أخرى، وكانت هذه الرقة في طبعه سببا تكوينيا من الله تعالى، جعلته لا يميل إلى مخالطة عامة الصبيان فأصبح بعيدا عن لهوهم وعبثهم.
وقد تعود رحمه الله صلاة الليل وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وكانت زوجة عمه ربما تستيقظ في منتصف الليل وتراهـ يصلى، فتحاول إشفاقا عليه أن يقلل منها، ولكنه لتأصلها
في نفسه لا يهتم بهذا، ويستمر في صلاته.
وهكذا صار يتعلم في وطنه مبادئ العلوم الدينية، حتى إذا بلغ الخامسة عشر من عمره رحل إلى دار العلوم ديوبند " وكانت ولا تزال- أكبر مركز للعلوم الدينية في الهند، جديعة علمية مكتثة بأولى العلم والفضل والمعرفة والتقوى، ومنهلا عذبا من مناهل العلم والدين، قد صدر منه ألوف من الرجال بعلم غزير، وخبرة واسعة، ونظر عميق، وعمل صالح، وتصلب ديني، ومذاق سليم في الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله.
فدخل- رحمه الله- هذه الدار المباركة وتلقي جميع العلوم العربية والأدبية، والعقلية والنقلية، لدى أساتذة قد جددوا ذكريات القدماء في سعة اطلاعهم وجودة إتقانهم، مثل الإمام المجاهد الكبير الشيخ محمود الحسن الديوبندي، الذي لقب به " شيخ الهند " لمكانته الرفيعة في العلم والتقوى، ولجهوده البناءة المتواصلة في سبيل تحرير الهند من أيدي الاستعمار الإنكليزي الغاشم، ومثل مولانا العارف المحقق الشيخ محمد يعقوب النانوتوي، الذي عرف ببراعته في جميع العلوم والفنون، واشتغاله بالذكر والطاعات، ومثل الإمام الفيلسوف مولانا الشيخ محمد قاسم النانوتوي مؤسس دار العلوم ديوبند، الذي طار صيته في دقة نظره وعمق فكره ومؤلفاته البديعة في علم الكلام والعقائد والفقه والحديث، ومثل مولانا الشيخ سيد أحمد الدهلوي، الذي بلغ في العلوم العقلية الذروة، وكان قد نبغ في العلوم الرياضية بمجرد المطالعة من غير أن يدرسها عند أستاذ.
وبالجملة، فقد عاش حكيم الأمة التهانوي رحمه الله في دار العلوم بين هؤلاء الأساتذة وأمثالهم رحمهم الله، واستفاد من علومهم وخدمتهم وصحبتهم، ولم يكن له طول دراسته أن شغل غير دراسة كتبه وخدمة أساتذته ومشايخه، وكان له في ديوبند عدة أقارب، كثيرا ما يوجهون إليه الدعوة لتناول الطعام عندهم، ولكنه كان يعتذر إليهم بأنه لم يدخل هذه البلدة إلا للتعلم والدراسة، فلم يذهب إليهم مدة خمس سنوات إلى أن فرغ من دراسته.
وكانت النصارى والهنود زمن دراسته بديوبند قد نشروا بعثاتهم التبشيرية في جميع أنحاء الهند، وكانوا يهددون المسلمين ويدعونهم إلى المناظرة والبحث فكان- رحمه الله- إذا وجد فرصة ذهب إليهم وناظرهم وغلب عليهم ببالغ حججه وناصع بيانه، حتى اشتهر فيما بين الطلبة والعامة بقوة المناظرة وملكة الخطابة، ولكن كان هذا كله زمن دراسته
بديوبند، وأما بعد كونه شيخا محنكا فكان رحمه الله أبعد الناس عن المناظرة والجدل، لما كان يرى أن أمثال هذه المناظرات والبحوث يعوزها الإخلاص والصدق، وقلما تجدي في جلب الناس إلى الهداية والرشاد.
وهكذا تعلم رحمه الله في دار العلوم ديوبند، حتى فرغ من دراسته سنة 1300 ه، وكان من تواضعه أنه لما عزم أهل المدرسة على عقد حفلة كبيرة لتوزيع الشهادات والعمائم على المتخرجين، فزع الشيخ رحمه الله وذهب مع بعض رفاقه إلى أستاذه مولانا الشيخ محمد يعقوب النانوتوي رحمه الله- وكان رئيس المدرسين يومئذ. وقال: " إننا قد سمعنا أن المدرسة ستمنحنا شهادة الفراغ من العلوم، وتضع على رؤوسنا العمائم، ولكن الحقيقة أننا لا نستحق هذه الشهادة وهذا الإكرام، ونخشى أن يكون ذلك سببا لسوء الظن بالمدرسة بأنها تخرج أمثالنا من الذين لا علم عندهم.
ولكن أجاب الشيخ النانوتوي: " إنما تزعمون ذلك لأنكم فيما بين أحضان الأساتذة، فلا ترون علمكم شيئا أمام هؤلاء، وأشهد أنكم كما خرجتم من هذه المدرسة، عرف قدركم إن شاء الله، وكنتم أنتم المبرزين في ميدان العلم لا يشق لكم غبار ".
وصدق قوله رحمه الله حتى صار حكيم الأمة التهانوي- قدس سره- أكبر مرجع للعلماء والعامة، وأعظم مركز للعلم والدين، وقد شهد العلماء في ذلك الوقت بأنه وحيد عصره في العلم والتقوى، لا يجارى فيه ولا يبارى.
تدريسه:
كان في " كانبور " مدرسة شهيرة تسمى " الفيض العام " يدرس فيها مولانا الشيخ أحمد حسن الأمر وهوى، وكان أستاذا متفوقا طار صوته في جميع العلوم ولا سيما في العلوم العقلية، وقد واجهه بعض ما يكره من قبل أصحاب المدرسة، فاستقال عن التدريس فيها وأسس مدرسة أخرى.
فطلب أصحاب مدرسة " الفيض العام " من علماء ديوبند أن يبعثوا إليهم أستاذا، وكان الشيخ التهانوي قد تخرج من دار العلوم في تلك السنة، فاختاره أساتذته لإجابة دعوتهم، فتحول رحمه الله إلى كانبور في شهر صفر سنة 1300 ه، وهكذا صار بداية خروجه الإفادة الناس في مطلع القرن الرابع عشر، ومن هنا اعتبره بعض العلماء مجدد هذا القرن في الديار الهندية.
وبالجملة، فقد اشتغل رحمه الله في كانبور بالتدريس والدعوة والإرشاد والتأليف، وسرعان ما اشتهر فيما بين الطلبة بغزير علمه وحسن تدريسه وقوة خطابه، على رغم أنه تولى منصب شيخ محنك وهو في ريعان شبابه، ثم أسس في " كانبور " مدرسة أخرى باسم " جامع العلوم " وهي باقية بفضل الله تعالى حتى اليوم، فتتلمذ على يديه خلق كثير، ومن أجل تلاميذه مولانا الشيخ محمد إسحاق البردواني، الذي كان يحفظ صحيح البخاري كله عن ظهر قلبه، ومولانا الحكيم محمد مصطفى البجنوري صاحب التصانيف النافعة باللغة الأردية، ومولانا الشيخ ظفر أحمد العثماني، الذي يكفي " إعلاء السنن " شاهـــدا على غزارة علمه وواسع خبرته. رجوعه إلى موطنه:
وبالجملة، فقد مكث الشيخ التهانوي رحمه الله في كانبور مدة أربع عشرة سنة يفيد الناس بدروسه ومواعظه وتصانيفه، ثم حببت إليه الخلوة، فاستقال عن مدرسة كانبور في شهر صفر سنة 1315 ه وخلف فيها تلميذه مولانا الشيخ محمد إسحاق البردواني، ورجع إلى موطنه " تهانه بهون " ولزم زاوية شيخه المسماة بالخانقاهـــ الإمدادي ؛ لأن شيخه الحاج إمداد الله المهاجر إلى مكة: كان قد أوصاهـــ بذلك، ثم لم يزل مقيما بهذه الزاوية إلى أن توفاهـــ الله تعالى في سنة 1362 ه، وفي هذه الزاوية أظهر الله على يديه تلك الأعمال الدينية العظام التي تعجز عنها الجمعيات الكبيرة والمجالس العالمية.
وإنه ليصعب أن نذكر جميع هذه الأعمال أو أكثرها في هذه الترجمة الموجزة، ولكننا نلم بشيء منها والله الموفق. مؤلفاته:
كان حکيم الأمة الشيخ التهانوي رحمه الله أكثر الناس تأليفا في عصره، ولا يوجد في هذا القرن من يجاريه أو يدانيه في كثرة المؤلفات، فإنه قد ترك خلفه نحو ألف كتاب مطبوع ما بين صغير وكبير، وليس موضوع ديني يحتاج إليه المسلمون في هذا العصر إلا وله فيه كتاب أو رسالة أو موعظة مطبوعة. ولسنا نستطيع أن نستوعب ذكر جميعها في هذه العجالة الموجزة، ولكن إليكم ذكر البعض الأهم منها:
فأما في التفسير فله تفسير بديع باللغة الأردية باسم " بيان القرآن " في أربع مجلدات ضخمة على القطع الكبير، يحوي مباحث علمية هامة من التفسير والنحو والبلاغة والفقه
والكلام والتصوف. وإنما يعرف قدر هذا الكتاب إذا رجع إليه الرجل بعد مطالعة المطولات من كتب التفسير، فإنه يجمع لبها ومغزاهـــا بعبارة موجزة علمية جامعة.
وكان يود أن يؤلف: أحكام القرآن " باللغة العربية بنفسه، ليجمع فيه المسائل الفقهية والكلامية المستنبطة من القرآن الكريم، ولاسيما المسائل التي حدثت في هذه العصور الأخيرة وليس لها ذكر في كتب المتقدمين، ولكنه كان في آخر عمره حين تعذر عليه التأليف بنفسه، ففوض تأليفه إلى أربعة من العلماء: فضيلة والدي مولانا الشيخ المفتي محمد شفيع، وفضيلة مولانا المفتي جميل احمد، حفظهما الله ومولانا الشيخ ظفر أحمد العثماني صاحب إعلاء السنن ومولانا المحدث الشيخ محمد إدريس الكاندهلوي صاحب التعليق الصبيح على مشكاة المصابيح، رحمهما الله تعالى.
فألف مولانا الشيخ العثماني منه جزءين، وفضيلة والدي الشيخ المفتي محمد شفيع جزءين، ومولانا الشيخ الكاندهلوي جزءا، وطبعت هذه الأجزاء بكراتشي طبعا حجريا والباقي لم يطبع بعد، وفقنا الله تعالى لإخراج هذا الكتاب على وجه يرضى القارئين.
وللشيخ أيضا رسالة " التقصير في التفسير " انتقد فيها بعض التفاسير العصرية، وشرح فيها قواعد نفيسة من أصول التفسير مما يغفل عنها كثير من الناس في عصرنا، وله ثلاث وعشرون رسالة غيرها في التفسير وعلوم القرآن.
وأما في الحديث فقد صنف بنفسه " جامع الآثار " و " تابع الآثار " واهتم بتأليف إعلاء السنن، وسيأتي ذكر هذه الكتب مستقلا إن شاء الله.
وأما في الفقه فله " إمداد الفتاوى " في ست مجلدات ضخمة باللغة الأردية، وهي مجموعة الفتاواه التي كتبها بنفسه، وكان رحمه الله أكبر مرجع للفتيا في الهند، يرجع إليه المستفتون من مشارق الأرض ومغاربها ويكتب إليه العلماء الأفاضل في مسائل عويصة أشكل عليهم أمرها فيجيبهم الشيخ ويحل مشكلات المسائل وغامضها بكل تحقيق وتدقيق، بما يثلج صدورهم ويشفي غلتهم. وإن " إمداد الفتاوى " شاهـــد عدل لعمق نظره في الفقه. وفيها مباحث فقهية نفيسة وشرح لمعظم المسائل التي حدثت في العصور الأخيرة، ويعتبر هذا الكتاب الآن أكبر مأخذ للمفتين في باكستان والهند وبنغلاديش.
وله أيضا كتاب " بهشتي زيور " ( حلى أهل الجنة ) وهو في سبعمائة صفحة تقريبا في القطع الكبير. قد جمع فيه مسائل جميع أبواب الفقه والعقائد والتصوف، وصنفه في
الأصل لتعليم النساء، فجمع فيه علاوة على المسائل الدينية جميع ما تحتاج إليه النساء في حياتهن الأسرية، وساعده في تأليف هذا الكتاب جماعة من العلماء.
وهذا الكتاب. وإن كان قد قصد به إفادة النساء فقد انتفع به الرجال كثيرا، ولم يجد العلماء عنه غني، وترجم إلى عدة لغات محلية.
وله أيضا " تحذير الإخوان عن الربا في الهندوستان " ود رافع الضنك عن منافع البنك " في تحقيق مسألة الربا ود الاقتصاد في التقليد والاجتهاد " وه الحيلة الناجزة للحيلة العاجزة " التي حقق فيها مسائل زوجات المفقود والعنين والمجنون والمتعنت ومسائل تفويض الطلاق وخيار البلوغ، وأفتى في معظم هذه المسائل بمذهب المالكية وحقق مذهبهم بالاستفتاء عن علمائهم، وله كثير من الرسائل غيرها في تحقيق مسائل فقهية جزئية.
وأما في العقائد والكلام فله " الانتباهـــات المفيدة في الاشتباهـــات الجديدة " وهو كتاب فريد في بابه، جمع فيها الشبهات التي أوردها الملحدون على الإسلام، والتحريفات التي ارتكبها الذين يحاولون السير في ركاب الغربيين ورد عليهم ردا بليغا ناجعا، وأثبت العقائد الإسلامية الأساسية بأدلة عقلية تقنع كل ذي عقل سليم وطالب حق، وقد طبعنا حالا بتوفيق الله تعالى ترجمته الإنكليزية، وله أيضا " المصالح العقلية للأحكام النقلية " وقد طبع ترجمته الإنكليزية أيضا. وله " شهادة الأقوام على صدق الإسلام " جمع فيه ثناء الكفار على الإسلام وتعالىمه، وله " إصلاح الخيال " و " أشرف الجواب " و " الإكسير في إثبات التقدير " و " الخطاب المليح في تحقيق المهدي والمسيح " و " ذيل على شرح العقائد النسفية " و " دراية العصمة " في الرد على فلسفة " هداية الحكمة " وكثير من الرسائل
غيرها.
وأما في التصوف فله " مسائل السلوك من کلام ملك الملوك " باللغة العربية، استنبط فيه مسائل السلوك والتصوف من القرآن الكريم. ولا التشرف بمعرفة أحاديث التصوف " جمع فيه الأحاديث التي يستنبط منها مسائل التصوف، وشرحها شرحا وافيا مع ذكر أصول التصوف ومسائله الأساسية، ولا شرح المثنوي مولانا الرومي " في ثماني مجلدات والمعارف العوارف " في مجلدين و التكشف عن مهمات التصوف " ولا تلخيص البداية اللغزالي " وه تربية السالك وتنجية الهالك، وهي مجموعة لما كتب إلى مسترشديه جوابا الأسئلتهم في أمراضهم النفسية، ويحتوي على نكات بديعة في إدراك العلل النفسية
وعلاجها، لم يؤلف في هذا الموضوع کتاب غيره فيما نعلم، وله رسائل كثيرة سوى ما ذكرنا في التصوف.
وأما في الدعوة والإرشاد فله " حياة المسلمين " و " وتعليم الدين " و " فروع الإيمان " ولا جزاء الأعمال " وہ آداب المعاشرة، وا حقوق الإسلام، ولا حقوق الوالدين " و " إرشاد الهائم في حقوق البهائم هو القول الصواب في مسألة الحجاب " و " إلقاء السكينة في إبداء الزينة، ولا إصلاح الرسوم " و حفظ الإيمان " في الرد على البدع والعقائد الباطلة و " أغلاط العوام " و " إصلاح انقلاب الأمة، و" حقوق العلم، وكثرة الأزواج لصاحب المعراج " و " إصلاح النساء " وكثير من الكتب غيرها.
وأما في الأذكار والأدعية فله " المأمول القبول في قربات عند الله وصلوات الرسول " اختصر فيها الأدعية المأثورة من الحصن الحصين وقسمها على سبعة أحزاب وقد بلغ هذا الكتاب أكثر بيوت المسلمين في هذه البلاد يقرأ كل دم، وله " زاد السعيد " في صيغ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم و الخطب المأثورة " جمع فيه خطب النبي صلى الله عليه وسلم الكريم والخلفاء الراشدين و " خطبات الأحكام لجمعات العام " و " زوال السنة عن أعمال السنة ".
وأما في السيرة فألف فيها " نشر الطيب في ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الحبيب. وفي النوادر المتفرقة: " بوادر النوادر " و " بدائع الفرائد " و " اللطائف والظرائف ".
فهذه إلمامة يسيرة ببعض تصانيفه. وهذا كله سوى مواعظه المطبوعة في مجلدات ضخمة، وسيأتي ذكرها في ما يلي: مواعظه:
وكان الشيخ رحمه الله زمن دراسته بديوبند، يتمرن على الوعظ والخطابة ويعقد كل ليلة الجمعة حفلة يجتمع فيها الطلاب، ويلقون كلماتهم مرة بعد أخرى، وكان الشيخ رحمه الله من سباق هذه الحلبة وسبرزي هذا الميدان، حتى أصبح بعد فراغه من الدراسة من أشهر الخطباء والوعاظ في عصره، وجعل أثناء إقامته بكانبور يعظ الناس ويدعوهم إلى الخير، تعقد له الحفلات في كل ناحية من نواحي البلد، ثم في كل بلدة من بلاد الهند، واشتهرت مواعظه في جميع أنحاء البلاد، تشد لأجلها الرحال، وتستحمل لاستماعها المشاق، وتنتهز لذلك الفرص. وحقا ! كانت مواعظه کالبحر لا يرى له ساحل، فيها من العلم والحكمة والأمثال والنوادر واللطائف والغرائب ما لا تحمله الأسفار. وفيها من بدائع
التفسير والحديث والفقه والتصوف ما لا يوجد في الكتب المتداولة، ينثر فيها الشيخ من الآلئ عرفانه ما يجلو القلوب وينور الأذهان.
وكان لمواعظه من التأثير في إصلاح النفوس وتقويم الأفكار ما لا يوجد له نظير في هذا العصر، فكم من رجل كف بعد سماعها عما اعتاد من المعاصي. وكم من ضال قد تاب بها عن البدع والأهواء، وكم من متخبط في الشكوك قد اهتدى بها إلى الإيمان واليقين. والذين قد أحدثت هذه المواعظ انقلابا في حياتهم قد يجاوز عددهم الآلاف من الرجال والنساء، ونحمد الله تعالى أن العدد الكبير من هذه المواعظ قد دونها تلامذته ومسترشدوه أثناء الوعظ، وطبع منها ما يبلغ نحو عشرين مجلدا، كل مجلد منه يحتوي على ستمائة صفحة على الأقل.
فهذه المواعظ المطبوعة عين جارية مستمرة حتى اليوم، لا تكدي ولا تنقطع، ولا تنفد ولا تغور، وهناك رجال لا يحصون لم يصحبوا الشيخ التهانوي ولا رأوه، ولكنهم نالوا فوائد صحبته بمواعظه المطبوعة، وحدث في حياتهم انقلاب ديني عظيم.
وكان من عاداته في الوعظ أنه لم يكن يقبل عليه من عوض حتى لو أهدي إليه رجل بعد الوعظ شيئا بما يجعله كالعوض صورة لم يقبله أبدا، وكان يرجح في مواعظه جانب الترغيب على الترهيب ويقول: " قد جربت طباع الناس في هذا العصر فوجدتهم ينتفعون بما يشوقهم أكثر من انتفاعهم بما يخوفهم ؛ ولذلك أكثر في مواعظى من الترغيب وأقل من الترهيب.
( سيرة أشرف ص: 137 عن وعظ الباطن ص: 137). وكان يدعو الله سبحانه قبل الشروع في الوعظ قائلا: " اللهم وفقني لبيان ما يحتاج الحاضرون إليه وما يصلح أحوالهم ". ( أيضا عن ذم النسيان ص: 15).
وكان لا يتعرض في مواعظه للمسائل الخلافية فيما بين المسلمين، إلا إذا جاءت مسألة خلافية أثناء كلامه، فيشرحها شرحا وافيا برفق ولطف، وحكمة ونصيحة، لا يغلط فيه الكلام على مخالفيه، ولا يبالغ في التشنيع عليهم كما هو عادة الوعاظ في عصرنا، وإنما يتبع أسوة الأنبياء عليهم في قول لين وموعظة حسنة. ملفوظاته:
كان رحمه الله يعقد كل يوم بعد الظهر مجلسا عاما في الخانقاهـ الإمدادي، يجتمع فيه
تلاميذه ومسترشدوه وعامة الناس، فكان يعظهم ويجيب عن أسئلتهم المتفرقة، ويحدثهم بما بدا له من غير اقتصار على موضوع دون موضوع، وكان بعض الحاضرين في هذه المجالس بدون كلامه وما يلقى فيه من إفادات، فطبع كلامه هذا باسم " الملفوظات " في أكثر من عشرين مجلدا وتشتمل هذه الملفوظات " على نوادر من علم وحكمة، ولطائف و ظرائف، وقصص وأخبار، وموعظة وعبرة، وإصلاح وإرشاد، وأدب وخلق، ونقد ورد، وقد جرب علماء هذه الديار بأن لها أثرا بالغا في تكوين المذاق الديني السليم والتشجيع على الأعمال الصالحة. بيعته رحمه الله في السلوك:
قد شهدت التجربة أن مجرد غزارة العلم وسعة المطالعة لا يكفي في تربية الإنسان تربية دينية قويمة. فإن إصلاح النفوس وتزكية القلوب وتقويم الملكات وتعديل الأخلاق لا يكاد يتحصل لرجل إلا بأن يتأسى في حياته أسوة رجل من رجال الله، ويتمتع بملازمته وصحبته، ويستفيد من تعالىمه وتربيته، ويجلب إلى نفسه تلك المواهب العالية وذلك المذاق السليم الذي وفق له ذلك الرجل، ولذلك فسر سبحانه: الصراط المستقيم " بقوله: ( صراط الذين أنعمت عليهم " إشارة إلى أن الصراط المستقيم إنما هو صراط مشي عليه الذين أنعم الله عليهم، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وفسره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ما أنا عليه وأصحابي " وقال تعالى: واتبع سبيل من أناب إليه [ لقمان/ 15] وقال تعالى: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " [ التوبة / 119] دلالة على أن الصراط المستقيم المطلوب إنما يهتدي إليه الرجل باتباع من ينيب إلى الله، وملازمة الصادقين الذين تهذبت نفوسهم واعتدلت عواطفهم النفسية ؛ ولذلك قد استمرت عادة العلماء منذ عهد الصحابة والتابعين أنهم لا يكتفون بمجرد مطالعة الكتب وحفظ الأحاديث وتلقي الدروس، وإنما يهتمون بملازمة رجال الله والاستفادة من صحبتهم وخدمتهم.
فكان الشيخ التهانوي رحمه الله ولوعا بملازمة شيوخه حريصا على خدمتهم، وبعد الفراغ من دراسته بايع العارف المتبصر الحاج إمداد الله المهاجر الملكي بيعة السلوك ولازمه مدة، واستفاد من صحبته، وذلك عندما ذهب به والده إلى الحجاز للحج والزيارة سنة 1300 فارتحل في شوال وحج بيت الله وزار روضة النبي صلى الله عليه وسلم الكريم، ومكث عند شيخه مدة، ثم حج مرة ثانية في سنة 1310 ه وبقي عند شيخه مدة ستة أشهر، ولازمه ملازمة
لا تفتر ولا تنقطع، وبقوة استعداده وكمال عناية الشيخ أصبح في هذه المدة اليسيرة كالمرآة تتجلى فيها سيرة شيخه وتترقرق فيها أخلاقه ومذاقه حتى أصبح معروفا في دياره بعبادته وزهده وورعه، وبحسن تعليمه وتربيته، ونظف طريق التصوف عن الخرافات المحدثة والبدع الشنيعة وجدده تجديدا، ولنشرح عمله هذا بشيء من البسط: تجديده التصوف والسلوك:
كان الناس في أمر التصوف والسلوك ما بين إفراط وتفريط، فطائفة تزعم أن التصوف والسلوك من البدعات المحدثة ليس له أصل في الكتاب والسنة، وأخرى تعتقد أن التصوف والسلوك اسم لبعض الكشوف والمواجيد والإشراقات التي تعترض لسالك هذا الطريق، وأن هذه الأحوال والتجارب النفسية هي المقصودة بالدين، ومن فاز بها تخلص عن ربقة الأحكام الشرعية الظاهرة، والذي صدرت منه بعض الشعوذة والتصرفات أو ظهرت له بعض الكشوف والمواجيد في اليقظة أو المنام أتخذه الناس قدوة وإماما، مهما زاغت عقيدته أو فسدت أعماله وأخلاقه.
فقام حكيم الأمة الشيخ التهانوي رحمه الله بالرد على هاتين الفكرتين نظريا وعمليا. أما نظريا فقد أثبت في كتبه وخطبه ومواعظه ومجالسه أن التصوف والإحسان جزء من أجزاء الدين وشعبة من شعب الإسلام، وأن أحكام الكتاب والسنة تنقسم إلى قسمين: قسم يتعلق بالأعمال الظاهرة التي تصدر من الأعضاء والجوارح مثل الصلاة والصوم والزكاة والحج والنكاح والطلاق وما إلى ذلك من الأحكام الشرعية التي بسطها الفقهاء في كتبهم، والقسم الثاني من أحكام الكتاب والسنة يتعلق بالأعمال الباطنة التي محلها القلوب والأرواح، وفيها مأمورات ومنهيات، أما المأمورات فمثل الصدق والإخلاص، والخشية والرجاء، والشوق والأنس، والصبر والشكر، والتواضع والخشوع، وحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والإنابة والإخبات إليه تعالى، وما إلى ذلك، وأما المنهيات فمثل الرياء والسمعة، والعجب والتكبر، والحقد والحسد واليأس والقنوط، وحب المال والجاهـ، وكثير من أمثالها.
فالتصوف إنما يعتني بهذا القسم من الأحكام الإلهية كما أن الفقه يعتني بالقسم الأول منها، وإن القرآن والسنة مليئان بالنصوص الواردة في هذا الصدد، غير أن الأحكام التي تتعلق بباطن الإنسان لا يمكن امتثالها عادة إلا بتدريب وتمرين، وتربية ومراس ؛ لأن
الأمراض الباطنة مثل الرياء والعجب وغيرهما أمراض خفية ربما لا يدركها المريض بنفسه، وإنما يحتاج لإدراكها إلى رجل عارف محنك يشرف على حركاته وسكناته، وأعماله وخواطره، وأفكاره ووساوسه، وهذا الرجل المشرف يسمى في التصوف شيخا، والرجوع إليه بيعة.
وأما هذه الكشوف والخوارق، والشعوذة والتصرفات، والرؤيا والمواجيد، فأثبت الشيخ التهانوي رحمه الله أنها ليست من التصوف في شيء، لا شك أن الله سبحانه وتعالى قد أظهر بعض الكرامات على أيدي الصحابة والأولياء، ولا ريب أنه تعالى قد من على بعض عباده بالكشوف الصادقة، ولكنها ليست مقصودة في الدين، ولا حجة في الشرع، ولا شاهدة لصاحبها بالولاية والتقوى والتقرب إلى الله، فإن أمثال هذه الكشوف والتصرفات لا يشترط لها الصلاح والتقوى، بل ولا الإسلام والإيمان، فإنها ربما تحصل بالتمرين والممارسة الرجال فسقة كفرة، كما هو مشاهد من أصحاب ميسمرزم.
فالمقصود في التصوف إنما هو التخلق بالأخلاق الفاضلة، واجتناب الرذائل النفسية، والفائز الناجح في هذا الطريق هو الذي تحلى بهذه الفضائل مع الامتثال التام للشريعة الإسلامية والاتباع الكامل للسنة النبوية، فإن أعطاهـ الله بعد ذلك نصيبا من فراسة الإيمان، أو حظا من الكشوف الصادقة فهو: منة زائدة من الله تعالى، وأما الذي حرم من هذه الأخلاق الفاضلة واتباع السنة النبوية، ولم يجتنب هذه الرذائل النفسية فهو بعيد كل البعد عن التصوف والطريقة والولاية والسلوك، سواء كان يطير في الهواء، أو يمشي على الماء أو يرقي في السماء.
فهذه الفكرة السليمة المعتدلة في أمر التصوف مبسوطة في شتى مؤلفات الشيخ التهانوي ومواعظه بدلائلها من الكتاب والسنة، وشواهدها من سير الصحابة والأولياء، وحججها من العقل السليم والتجارب النفسية، ودفع ما يثار حولها من شبهات وتطبيق أعمال الصوفية الكبار على الكتاب والسنة بما يطمئن القلوب ويثلج الصدور، ولا يدع مجالا للإنكار إلا لمكابر جاهل أو معاند متجاهل.
وأما عمليا فرد الشيخ على هاتين الفكرتين بعمله الموافق للسنة المحمدية وتربية
مسترشديه على منهاج الشريعة، فكان كلما رجع إليه أحد للبيعة أمره أولا بأداء واجبه في الشريعة، سواء كان من حقوق الله أو حقوق العباد، وكانت عنايته بحقوق العباد آکد وأكثر، لما شاهد حال كثير من الناس أنهم يواظبون على العبادات ويكثرون من ذكر الله، ولكنهم يقصرون في حقوق العباد، ويخالفون الشرع في كثير من المعاملات، وكذلك كان
اهتمامه بتعليم آداب المعاشرة أكثر من اهتمامه بتعليم الأوراد والأذكار وسائر التطوعات، وكان يقول: " إني أصرف أكثر عنايتي إلى أن لا يؤذي أحد مني أو من أصحابي، سواء كان ذلك الإيذاء بدنيا، كالضرب والنزاع، أو ماليا كغصب الحقوق والأكل بالباطل، أو ما يتعلق بعرضه كإهانة رجل واغتيابه، أو نفسيا، مثل أن يترك أحد غيره في اضطراب و تشويش أو يعامله بما يكرهه، وإن صدر شيء من ذلك خطأ فالواجب أن يبادر إلى طلب العفو والصفح.
وإني أهتم بهذه الأشياء أكثر من اهتمامي بغيرها، حتى لو رأيت أحدا يخالف الشريعة في وضعه الظاهر فإن ذلك يحدث في نفسي نوعا من الألم، وأما إذا رأيت أحدا لا يبالي بأداء هذه الحقوق فإنه يحزنني حزنا شديدا، وأدعو الله تعالى له بأن ينجيه من هذه الموبقات ".
" مترجم من " أشرف السوانح ": 179 ) ويقول في موضع آخر: " إن رأس الخلق الحسن وأساسه أن يهتم الرجل بأن لا يتأذى به أحد، وهو الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله الجامع: " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده "، وكل ما كان سببا لإيذاء أحد فهو داخل في سوء الخلق، سواء كان صورته صورة خدمة أو أدب وتعظيم مما يزعمه الناس حسن خلق ؛ لأن حقيقة الخلق الحسن هي إراحة الغير، وهي مقدمة على الخدمة، فالخدمة بغير الإراحة قشر بلا لب، وإن آداب المعاشرة ولو كانت متأخرة عن العقائد والعبادات من حيث كونها شعائر الدين، ولكنها مقدمة على العقائد والعبادات من حيثية أخرى، وهي أن في الإخلال بالعقائد والعبادات ضررا لنفس الإنسان، وفي الإخلال باداب المعاشرة ضررا لغيره، وإضرار الرجل غيره أشد من إضراره نفسه، ومن ثم قدم الله تعالى قوله: ( الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما و الذي فيه تعليم آداب المعاشرة على قوله: " والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما م الذي فيه تعليم العبادات وغيرها، فالمعاشرة الحسنة مقدمة على الفرائض من بعض الوجوه، وأما تقدمها على النوافل فثابت بجميع الوجوه.
( مترجم من " آداب المعاشرة " )
ولم تكن عند الشيخ التهانوي رحمه الله نظريات محضة وأفكار خاوية، وإنما كانت هذه النظريات متجلية في أعماله وحياته، بل وفي حياة مسترشديه.
فكان " الخانقاهـ الإمدادي " دار تربية فريدة في منهجها في العالم، تهذب فيها
الأخلاق، وتثقف فيها الأفكار، وتعلم فيها آداب الحياة الفردية والاجتماعية، يجتمع فيها المسلمون من أنحاء الهند وجوانبها، فيهم العلماء والمشايخ الكبار، وفيهم الأطباء والمهندسون، وفيهم الموظفون والمدرسون، وفيهم أصحاب الزراعة والصناعة، وفيهم رجال من جميع مجالات الحياة يأتون إليه ويسكنون عنده فترات طويلة، وربما تكون معهم الزوجات والأولاد، فيشرف الشيخ على أحوالهم، ويعلمهم الدين، ويدربهم على الأخلاق الإسلامية، ويصف لهم طريق الحصول عليها ويمرنهم على آداب المعاشرة ويشرح لهم دقائقها، ويلفت أنظارهم إلى أمراضهم النفسية، ويبين لهم طريق التخلص منها.
وكان لهذا الخانقاهـ نظام محكم في كل شيء، لا يستطيع أحد أن يخالفه، وكان هذا النظام نفسه مثالا حيا الآداب المعاشرة الإسلامية يحض المرء على أن ينظم حياته ويضبط أوقاته ويعني بأداء الحقوق والاحتراز عن إيذاء الآخرين.
حتى صارت هذه الزاوية مصنعا كبيرا يصنع فيه الرجال، وتصاغ فيه الأخلاق الحسنة والآداب الصالحة، ولو شرحنا هذه الأخلاق والآداب التي كان يلتزمها الشيخ ويدرب عليها غيره لطال بنا الكلام، ولكننا نود أن نورد للقارئ الكريم بعض الأمثلة من سيرته وعادته، حتى يتضح هذا الموضوع بعض الاتضاح:
1- كان رحمه الله كلما احتاج إلى أن يكلم أحدا، أو يأمره بأمر، لم يطلبه إلى نفسه أبدا، بل مشى إليه بنفسه، سواء كان تلميذه أو مسترشده أو من صغار أقاربه، وكان يقول: " الواجب أن يذهب المحتاج إلى المحتاج إليه، ولا يعكس الأمر " وكان طبيب من الأطباء الحكيم محمد هاشم من أصحابه وخلص مسترشديه يتردد إليه كثيرا، ولكن الشيخ كلما احتاج إلى أن يصف له بعض أحوال مرضه ذهب إليه بنفسه ما لم يتعذر ذلك لمرضه.
( أشرف السوانح: 43 )
2- كان لا يأمر خادما من خدامه بأمرين معا، وإنما كان يأمره بأمر، ثم يأمره بآخر بعد فراغه من الأول، وكان يقول: " إني أفعل ذلك لئلا يثقل على الخادم حفظ الأمر الثاني، فأحتمل مشقة الحفظ بنفسي، ولا أكلف بها الخادم، ( أيضا ).
3- كان لا يشفع لأحد إلا بحق، ولو علم أو ظن أن ذلك يثقل على المشفوع إليه لم يفعله أبدا، وكان يقول: ( إن الناس عامة يراعون في أمر الشفاعة جانب المشفوع له، ولا يراعون جانب المشفوع إليه مع أن إعانة رجل أمر مستحب والاحتراز عن الإيذاء
واجب، فكيف يجوز ترك واجب لحصول مستحب ؟ ".
( سيرة أشرف ص 280 )
4- كان لا يلح على ضيف من الضيوف بالإكثار من إقامته عنده بغير رضاء سواء كان الضيف من أحب الناس إليه وإقامته من أحب ما يهواه، وكذلك لم يكن يجبر الضيف على الإكثار من الطعام بخلاف رغبته، لئلا يثقل عليه ذلك.
5- كلما كتب إلى أحد رسالة وفيها استفسار من المكتوب إليه ؛ وضع فيه لفافة معنونة مع طوابع البريد للجواب سواء كان المكتوب إليه من تلامذته أو صغار أقربائه.
وهكذا كان يراعي رحمه الله دقائق الأمور في آداب المعاشرة، وله فيها تأليف مستقل، وكانت حياته وحياة مسترشديه ونظامه في الخانقاهـ الإمدادي تفسيرا عمليا لهذه الآداب الإسلامية، حتى كان الناس يعرفون أصحابه برعاية هذه الدقائق في الأخلاق والمعاملات والمعاشرة.
وهكذا عاش رحمه الله تعالى ثماني وأربعين سنة في: " الخانقاهـ الإمدادي " بسيد الناس بعلمه ومواعظه وتصانيفه وتربيته، إلى أن توفاهـ الله تعالى في شهر صفر سنة 1362 من الهجرة النبوية، تغمده الله تعالى بمغفرته ورضوانه وأسكنه أوساط جنانه.
ترجمة المؤلف
وأما ترجمة مولانا الشيخ ظفر أحمد العثماني رحمه الله تعالى، فنكتفي ههنا بنقل ما كتبه شيخنا العلامة الفهامة المحقق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة حفظه الله في مقدمة كتابه إنهاء السكن إلى من يطالع إعلاء السنن، الذي نشره الشيخ باسم قواعد في علوم الحديث " وكان مولانا الشيخ العثماني رحمه الله حينئذ حيا، فتنقل كلام الشيخ عبد الفتاح أبي غدة حفظه الله أولا، ثم نضيف إليه بضعة أسطر:
هو العلامة المحقق البحاثة المدقق، الثبت الحجة، المفسر المحدث الفقيه الأصولي البارع الأريب، المؤرخ الأديب، الورع الزاهد الصوفي البصير، ظفر أحمد بن لطيف العثماني التهانوي، ولد في 13 من ربيع الأول سنة 1310 ه، بدار آبائه بقرب دار العلوم في ديوبند، أعظم مراكز العلم في البلاد الهندية، وتوفيت أمه وهو ابن ثلاث سنين، فربته جدته أحسن تربية، وكانت امرأة حاجة صالحة، فتلقن منها صلاحها وتقواها، ولما تم له من العمر خمس سنوات شرع في قراءة القرآن الكريم عند كبار حفظته في ديوبند مثل الحافظ نامدار مدرس دار العلوم، ونائبه الحافظ غلام رسول، ومولانا نذير أحمد، وهو أخو جدته، ولما أتم السابعة شرع في قراءة الكتب الأردية والفارسية وكتب الحساب والرياضي، عند الشيخ الجليل مولانا محمد ياسين، وهو والد کبير علماء باكستان الآن مولانا العلامة الشيخ محمد شفيع الديوبندي، المفتي الأعظم في كراتشي و مؤسس دار العلوم الإسلامية فيها، مد ظله المنيف.
ثم انتقل من ديوبند إلى تهانه بهون، إلى مجلس خاله ( حكيم الأمة ) مولانا محمد أشرف على التهانوي قدس الله سره، وشرع في قراءة الكتب العربية في الصرف والنحو والأدب، عند العلامة المتمکن مولانا محمد عبد الله الكنكوهي، وسمع من خاله حکيم الأمة شيئا من علم التجويد، ونبذا من " التلخيصات العشر، له وأجزاء من " المثنوي " للجلال الرومي، وقرأ عند أخيه العالم مولانا سعيد احمد شيئا من " التلخيصات ).
ثم لما اشتغل خاله حکيم الأمة في تأليف كتابه العظيم- بيان القرآن " بالأردية ذهب به إلى كانبور، وأدخله في المدرسة المسماة ( جامع العلوم )، التي كان الشيخ حكيم الأمة قد أسسها حين إقامته في كانبور، وفوض تدريسه وتعليمه إلى أرشد تلامذته: مولانا محمد إسحاق البردواني ومولانا محمد رشيد الكانبوري، فقرأ عندهما كتب الحديث
المقررة في تلك البلاد، وهي: صحيح البخاري، وصحيح " مسلم " وسنن أبي داود، وسنن النسائي، وسنن الترمذي، وسنن ابن ماجة ومشكاة المصابيح، مع ما يعزز دراستها من كتب المصطلح وعلوم الحديث كما قرأ عندهما كتب الفقه والتفسير والأدب المقررة بكاملها، وشيئا من العلوم العقلية.
ولما فاز بسند العلوم الشرعية والعقلية، متميزا بمواهبه وجده على سواه من الطلبة النابهين، انتقل إلى سهارنفور، وجلس في مدرسة ( مظاهر العلوم )، وحضر دروس الحديث الشريف عند العارف بالله الإمام المحدث الفقيه مولانا خليل أحمد السهارنفوري، مؤلف " بذل المجهود في شرح سنن أبي داود ".
وبعد مدة من ملازمته لهذا العارف المحدث الإمام، أجازه بالحديث وعلومه وبسائر العلوم النقلية والعقلية، وفاز بسند الإتمام والفراغ من الدراسة العليا في سنة 1328 فكانت سنه حينئذ ابن 18 سنة، وهي سن صغيرة لا يرتقي فيها إلى ذروة هذه المرتبة إلا الأفذاذ النابغون، وقد حضر في هذه المدة أيضا بعض كتب المنطق والهندسة والرياضي العالية، عند مدرسيها في المدرسة المذكورة، ومنهم مولانا عبد اللطيف ناظم المدرسة ومولانا عبد القادر البنجابي.
ونظرا لمزيد تفوقه وبالغ ذكائه ونبوغه عين مدرسا في المدرسة المذكورة فدرس فيها زهاء سبع سنين: علم الفقه والأصول والمنطق والفلسفة وغيرها ثم انتقل منها إلى مدرسة (إمداد العلوم ) في تهانه بهون، واشتغل بتدريس کتب السنة المقررة هناك، وهي الكتب السبعة التي سبق ذكرها، وبتدريس الفقه والتفسير، فأفاد وأجاد، وتخرج على يديه جموع من العلماء الأفذاذ، نشروا العلم في تلك الربوع وأناروا مسالك الشريعة للناس.
ثم فوض إليه مولانا حکيم الأمة تأليف کتاب " إعلاء السنن " مع الإفتاء والتدريس، فقام بكل ذلك خير قيام. وبقي في تأليف " إعلاء السنن " نحو عشرين سنة، فألفه في 18 جزءا بل مجلدا، وألف له مقدمتين في جزئين أيضا، فتم هذا الكتاب العجاب في عشرين جزءأ، وأضاف إليها كتابا آخر سماهـ:
" إنجاء الوطن عن الازدراء بإمام الزمن " ترجم فيه التراجم الواسعة الجيدة للإمام أبي حنيفة وتلامذته وتلامذتهم وهكذا، مقتصرا فيه على الفقهاء المحدثين منهم، وطبع الجزء الأول من هذا الكتاب في كراتشي سنة 1387.
ثم أمره مولانا حکيم الأمة بتأليف " دلائل القرآن على مسائل النعمان " على منوال أحكام القرآن " للجصاص، وقد ألف منه مجلدين كبيرين انتهيا بسورة النساء، وهو کتاب جدير أن يقال فيه بلسان الفقهاء والعلماء و النظر فيه نعيم مقيم، والظفر بمثله فتح عظيم.
وألف كتبا عديدة بالأردية حين إقامته في تهانه بهون، منها " القول المتين في الإخفاء بأمين "، و " شق الغين عن رفع اليدين " و " رحمة القدوس في ترجمة بهجة النفوس " وہ فاتحة الكلام في القراءة خلف الإمام "، حقق فيه أنه لا تجب القراءة خلف الإمام في الصلوات كلها، وخاصة الجهرية، أما في السرية فتجوز كما هي رواية عن الإمام أبي حنيفة أيضا، وقلت للشيخ حفظه الله تعالى أثناء زيارتي له- وقد ذكر لى ذلك- وهو قول الإمام محمد أيضا، فقال: نعم وإن رده الكمال ابن الهمام. وله " کشف الدجى عن وجه الربا " بالعربية، مطبوع وحده وفي ضمن " الفتاوى الإمدادية، التي كان يجيب بها عن أسئلة المستفتيين التي كانت ترد على خاله حکيم الأمة، مما يتعلق بالفقه وغيره، حتى بلغت سبع مجلدات ضخام، وسماها الشيخ حکيم الأمة: " إمداد الأحكام في مسائل الحلال والحرام.
ثم انتقل إلى المدرسة المحمدية في رنكون في (برما)، واشتغل هناك بالتبليغ والوعظ والتذكير زهاء سنتين، ثم رجع إلى تهانه بهون وتابع في تأليف " دلائل القرآن، مع الإفتاء ولتفقيه الناس.
ثم رحل إلى داكه في شرقي باكستان قبل وجود باکستان، وعين بجامعتها مدرسا للحديث والفقه والأصول، ثم عين صدر المدرسين بالمدرسة العالية في داكه، وبقى كذلك ثماني سنين، وأسس هناك ( الجامعة القرآنية العربية، وهي الآن أحسن مدرسة عليا في شرقي باکستان، لتعليم علوم القرآن والحديث والفقه وغيرها.
ثم انتقل إلى غربي باكستان حيث هو الآن، في أشرف آباد- تندو الله يار التابعة لحيدر آباد- السند، في دار العلوم الإسلامية، صدر المدرسين بها، يدرس الحديث الشريف ويقوم بالإفتاء للسائلين والمستفتيين، وينفع بحاله ومقاله وصالح أعماله الطلبة والمستفيدين مد الله في عمره الشريف، وبارك في حسناته وعلومه، وأسبغ عليه ثوب العافية حتى يتضاعف نفعه، وتم آثاره، ويبلغ من الله الرضوان العظيم. انتهى كلام
شيخنا العلامة الشيخ عبد الفتاح أبي غدة حفظه الله في مقدمة تحقيقه لكتاب " قواعد في علوم الحديث " انتهى.
وكان مولانا الشيخ ظفر أحمد العثماني رحمه الله حيا حينما طبع كتابه " قواعد في علوم الحديث " بتحقيق شيخنا العلامة عبد الفتاح أبي غدة حفظه الله، وكان شيخ الحديث بدار العلوم الإسلامية في أشرف آباد ( تندو أله يار ) يدرس فيها " صحيح البخاري " مع كبر سنه وتوارد أمراضه وانتقاص قواه، وقال لي مرة: " إني كلما شعرت بازدياد في مرضي، زدت في تدريس صحيح البخاري، ويجعله الله تعالى شفاء لمرضى ".
وكان مع ضعفه ومرضه ملتزما بالأذكار والنوافل، يشهد جميع الصلوات في المسجد ويتحمل لأجل ذلك عناء كبيرا، وكان لسانه في أواخر عمره رطبا بذكر الله في أكثر الأوقات وفي شهر رمضان سنة 1394 ه قد منعه الأطباء عن الصيام لأمراضه المتواردة، ولكنه لم يرض بذلك، وقال: " إن عباسا رضي الله عنه لم يترك الصيام وهو في التسعين من عمره، وكان يلقى من الصوم شدة وعناء، حتى كان يجلس في مركن من الماء، ولا يرضى بالاقتداء فكيف أرضي بالفدية ؟، وهكذا عاش رحمه الله، حتى توفاهـ الله تعالى في ذي القعدة من سنة 1394 ه، أسكنه الله تعالى في جوار رحمته ورضاهـ. واستخرج ابنه تاريخا لوفاته بقوله:
إنه لفي روح وريحان وجنة نعيم 1394 ه
حديث عن كتاب إعلاء السنن
كان حكيم الأمة مولانا الشيخ أشرف على التهانوي رحمه الله يرى منذ زمان أن بعض الناس يطيلون ألسنتهم في الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، ويقولون: إن مذهبه غير مؤيد بالحديث، وإنه يقدم القياس والرأي على الحديث الصحيح، إلى غير ذلك من الدعاوى التي لا حجة لها ولا دليل، وإن أدلة الإمام أبي حنيفة رحمه الله ولو كانت مبسوطة في كثير من الكتب القديمة، غير أنها مبعثرة في كتب مختلفة ورسائل شتى، فأراد حکيم الأمة رحمه الله أن يجمعها في كتاب، فشرع لأجل ذلك في تأليف كتاب سماهـــ " إحياء السنن " وجمع فيه أدلة الإمام أبي حنيفة من الأحاديث الصحيحة في جميع الأبواب الفقهية، ولكن مسودة هذا الكتاب قد ضاعت عن المؤلف قبل أن تطبع وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
ثم بعد برهة من الزمان عاد الشيخ إلى تأليفه وغير منهجه، وسماهـــ " جامع الآثار " وجمع فيه أحاديث استنبط منها الحنفية مذهبهم، مع التنبيه الموجز على كيفية إسنادها ووجه الاستدلال منها. ثم أضاف إليه تعليقا باسم " تابع الآثار " ذكر فيه توجيه الأحاديث التي تعارضها في الظاهـــر وقد طبع کلاهـــما في جزء لطيف من المطبع القاسمي بديوبند في حوالى 1315ه طبعا حجريا.
ولكن كان كلا الكتابين في غاية من الاختصار، ولم يتجاوزا أبواب الصلاة، وكان يود رحمه الله أن يؤلف مثل ما ألف من قبل، ويبسط فيه الكلام على الأحاديث سندا ومتنا ورواية ودراية، حتى استعد لهذه المهمة مولانا الشيخ أحمد حسن السنبهلي رحمه الله، ففوض إليه الشيخ التهانوي رحمه الله خدمة هذا التأليف، فجمع في المتن أحاديث وآثارا مع الكلام على إسنادها باختصار، وشرحها في التعليق متنا وإسنادا ببسط وتفصيل، وسمي المتن بالاسم السابق " إحياء السنن " والتعليق باسم " التوضيح الحسن، وكان حکيم الأمة التهانوي رحمه الله ينظر في كل ما يكتب مولانا السنبهلي حرفا حرفا، ويغير مواضع منه حيث يجد الحاجة إليه، حتى بلغ کتاب الحج، ثم بدا لمولانا الستبهلي أن ينظر فيه ثالثا، فغير كثيرا مما كتب قبل، واستقل بتغيير كثير مما أشار به الشيخ التهانوي من غير أن يرجع إليه إلا في مواضع قليلة، حتى تغير الكتاب عن منهجه السابق، ولم يطلع الشيخ التهانوي على شيء من ذلك، حتى لما طبع مجلده الأول فإذا به من كتاب جديد على غير
ما يوده الشيخ رحمه الله، وفيه مسامحات كثيرة، فأمر الشيخ ابن عمه مولانا الشيخ ظفر أحمد العثماني رحمه الله أن يستدرك ما فات هذا المجلد الأول وينبه على ما سامح فيه مولانا السنبهلي، فكتب مولانا الشيخ العثماني جزءا سماهـــ " الاستدراك الحسن على إحياء السنن " فطبع مستقلا.
ثم بعد اللتيا والتي عزم حكيم الأمة التهانوي رحمه الله على أن لا يطبع بقية ما ألفه الشيخ السنبهلي، بل أمر مولانا العثماني رحمه الله أن يؤلف الكتاب من جديد، فصنف رحمه الله باقي الكتاب ( من أبواب الصلاة إلى آخر الأبواب الفقهية ) في ستة عشر جزءا، وكان من احتياط حكيم الأمة التهانوي ورعايته لجانب مولانا السنبهلي أنه لم يحب أن يبقى هذا الكتاب الذي ألفه الشيخ العثماني على اسمه السابق- إحياء السنن، وإنما غير اسم المتن إلى " إعلاء السنن، واسم الشرح إلى " إسداء المنن، فطبعت الأجزاء الستة عشر الباقية بهذا الاسم الجديد، وبالجملة فكانت نتيجة هذا الجميع أن طبع المجلد الأول من هذا الكتاب باسم " إحياء السنن " وتتمته باسم: الاستدراك الحسن. وطبع باقي الكتاب باسم إعلاء السنن، فكان هذا الاختلاف في الأسماء مما يشوش الأذهان، فأراد مولانا الشيخ العثماني رحمه الله عند الطبع الثاني لهذا الكتاب أن يجعله اسما واحدا، ويدمج مباحث الاستدراك الحسن في غضون عبارات " إحياء السنن " مما يجعله كتابا واحدا مسلسلا ففعل رحمه الله ذلك بعد وفاة حكيم الأمة التهانوي، وتحمل لأجل ذلك جهدا شاقا في كبر سنه وانقطاع عمره. حتى صار المجلد الأول كتابا واحدا بما يجعله تصنيفا مستقلا للشيخ العثماني، ويصح أن يعد من مؤلفاته رحمه الله، ويستقيم تسميته: المجلد الأول من إعلاء السنن، وهو الذي نقدمه بين يدي القارئ الكريم في هذا المجلد.
فهذه قصة تأليف هذا الكتاب وأسمائه المختلفة، وأما الآن فأصبح جميع الكتاب -والحمد لله- باسم واحد، وهو: إعلاء السنن، لمؤلف واحد، وهو مولانا الشيخ ظفر أحمد العثماني رحمه الله، وأما مقدمات هذا الكتاب فقد ألف له ثلاث مقدمات لابد هنا من ذكرها:
1- المجلد الأول من إنهاء السكن إلى من يطالع إعلاء السنن، وهي مقدمة حديثية نفيسة للكتاب، ألفها مولانا الشيخ ظفر أحمد العثماني وشرح فيها قواعد مهمة من أصول الحديث، وهذه المقدمة طبعت مرة في تهانه بهون، طبعا حجريا وأخرى في كراتشي طبع الحروف، ثم قد أخرجها مرة ثالثة شيخنا العلامة المحقق البحاثة النقاد الشيخ عبد الفتاح
أبو غدة بحلب الشام، بتحقيقه وتعليقه القيم فضاعفها روعة وبهاء وإفادة، وسماهـــا قواعد في علوم الحديث " جزاهـــ الله تعالى خيرا وأجزل أجرا.
2- " المجلد الثاني من إنهاء السكن " وهي مقدمة فقهية لكتاب إعلاء السنن ألفها مولانا الشيخ حبيب أحمد الكيرانوي رحمه الله، جمع فيها مباحث نفيسة من أصول الفقه والحديث، طبع بكراتشي طبعا حجرا.
3- " إنجاء الوطن عن الازدراء بإمام الزمن " وهو كتاب ألفه الشيخ مولانا ظفر أحمد العثماني رحمه الله، وشرح فيه مكانة الإمام أبي حنيفة في الحديث وعلومه وثناء أهل الحديث عليه، وذكر أساتذته وتلامذته من المحدثين الكبار، وخدماته في علم الحديث، وأجاب عن جميع ما يورد عليه من شبه واعتراضات.
هذا، وإن هذا العمل الذي عمله مولانا الشيخ ظفر أحمد العثماني رحمه الله من دمج " الاستدراك الحسن " في أصل الكتاب وتسمية هذا الجميع- إعلاء السنن "، ولو حدث منه بعد وفاة حكيم الأمة الشيخ التهانوي رحمه الله، ولكنه كان قد أشار إليه فيما كتبه مقدمة للمجلد الثاني من إعلاء السنن، وإليك عبارته بلفظه في الطبع الثاني من خطبة إحياء السنن:
خطبة إحياء السنن في الطبع الثاني
" الحمد لله أستعينه وأستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا ".
وبعد فهذه جملة من الأدلة على بعض الفروع من مذهب أقدم الأئمة الأربعة المشهورين المجتهدين في الدين أبي حنيفة النعمان رضي الله تعالى عنه وعنهم وعن أتباعهم أجمعين، مست الحاجة إليها في هذا الزمان حيث أطال الطاعنون ألسنتهم فيه، فلم يبق للسكوت مساغ وقد كنت سودت من قبل بسنين بعض ذلك في جميع الأبواب الفقهية، وسميته بإحياء السن، لكنه قد ضاع عني، والحمد لله على كل حال، ثم بعد برهة من الزمان عدت في كتابة بعضه على منهج غير المنهج السابق، وسميته بجامع الآثار، وقد شاع بحمد الله تعالى، لكنه لم يتجاوز أبواب الصلاة، ولم يتيسر لي أسباب تكميله وتتميمه،
إلى أن من الله تعالى على الآن حيث وفقني للعود إليه بإشارة بعض الناس من المشتغلين الدن بخدمة العلم، وشاركني في هذا الخطب وأعانني عليه بحيث يصح أن يقال إنه هو العامل وأنا المعين، وغيرت منهجه عن منهج الجامع إلى المنهج السابق، لكونه سهلا خاليا عن التعب مراعيا فيه ترتيب الهداية، ولم أكتف في هذه النوبة على المسائل الاختلافية المقصودة بالجمع، بل أضفت إليها بعض الفروع المتفق عليها، ولو قليلا، لفوائد مخصوصة.
ولما كان هذا مشاكلا لتسويد إحياء السنن، رأيت أن أسميه بذلك الاسم القديم، ليكون أيضا إحياء للدارس الرميم، والله الموفق لإتمام كل أمر عظيم وخطب جسيم، وعلقت عليه تعليقا موضحا لمعاني الأحاديث، وباحثا عن أسانيدها، وسميته بالتوضيح الحسن على إحياء السن.
ثم اعلم أني قد كنت رأيت هذا الكتاب إلى كتاب الحج حرفا حرفا، بعد أن ألفه المشير المذكور، وغيرت مواضع منه حيث وجدت الحاجة إليه، ثم بدا له أن ينظر فيه ثانيا ويغير ما يحتاج إلى التغيير لزعمه السعة في نظره، فأصلح مواضع كثيرة مما كتب قبل، وقد راجع إلى فيما اشتبه عليه الأمر في قليل من هذه المواضع، واستقل بتحرير أكثره، حتى تغير الكتاب عن منهجه السابق وانقلب موضوعه، ولم أطلع على ذلك إلا بعد طبع الحصة الأولى منه، وهي هذه في يدك ؛ ولذا احتيج إلى تأليف الاستدراك عليه، كما ستجد الإحالة عليه في كثير من المواضع بالهندية على الحاشية، والله المستعان، وكان الشروع في ذلك للجمعة الأخيرة من رمضان المبارك سنة 1331 من الهجرة النبوية، على صاحبها ألف ألف سلام وتحية.
نمقه العبد الراجي رحمة ربه القوى أشرف على التهانوي غفر له ذنبه الخفي والجلي
وإليك الآن ما كتبه تمهيدا للمجلد الثاني من إعلاء السنن:
خطبة المجلد الثاني من إعلاء السنن
الحمد لله أستعينه وأستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئا.
أما بعد فيا أخي ! انظر أولا في خطبة الحصة الأولى من إحياء السنن، ينكشف لك حقيقة الرسالة، ثم اسمع ثانيا أنها مست الحاجة لأجل بعض الأسباب التي لا طائل تحت ذكرها إلى تفويض خدمة تأليفها إلى ابن أختي الفطن البارع الذکي المولوي ظفر أحمد، ثبته الله على المنهج الأرشد، وتبديل اسمها من إحياء السن إلى " إعلاء السن، واسم تعليقها من التوضيح الحسن إلى: إسداء المنن، مع بقاء أسم ترجمتها على حالها، وترميم بعض مقامات الحصة الأولى منها التي أشيعت سابقا، وتلقيب مجموع المضاف والمضاف إليها بالحصة الأولى من ( إعلاء السنن ). فإذن هذه هي الحصة الثانية منها.
وسرحت النظر فيها كالأولى حرفا حرفا، فوجدتها- والحمد لله أحسن من الأولى رواية ودراية وكفاية في موضوعها، وباقى التزاماتها في تغيير بعض المواضع وهو يسير، بكثير، وتميز کلامي من كلامه ونحو ذلك كالأولى، ولله الحمد على ما أبدى وأسدى، وللآخرة خير لك من الأولى.
وأنا العبد الراجي رحمة ربه القوى
أشرف على التهانوي الحنفي وغفر له ذنبه الجلي والخفي
والزمان وسط 1341
من الهجرة النبوية على صاحبها ألف سلام وتحية فهذا ما كتبه حکيم الأمة مولانا الشيخ أشرف على التهانوي رحمه الله، ولم تكن الآن حاجة إلى نقل هاتين الخطبتين بعد ما طويت تلك القصص وصار الكتاب كله واحدا باسم واحد لمؤلف واحد، غير أني أحببت نقلهما هنا لتكون ذکري صالحة، وتتضح القصة لمن أراد الاطلاع عليها.
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب الطهارة
أبواب الوضوء
باب صفة الوضوء وفضله
قال الله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغستوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين
1- حدثنا: عبد العزيز بن عبد الله الأويسى قال: حدثني إبرهيم بن سعد عن ابن شهاب أن عطاء بن يزيد أخبره أن حمران مولى عثمان أخبره: أنه رأى عثمان ابن عفان دعا بإناء، فأفرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثا ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار، ثم مسح
-----
باب صفة الوضوء وفضله
قوله: " إلى المرفقين ". قال المؤلف ملخصا عن غنية المستملي: إن المرفقين والكعبين يدخلان في الغسل، خلافا لزفر رحمه الله وداود الظاهـــري، وأخذا بالمتيقن ؛ لأن ما بعد- إلى " قد يكون داخلا في ما قبلها، وقد لا يكون. قال الزمخشري: " إلى " تفيد معنى الغاية مطلقا، فأما دخولها في الحكم وخروجها فأمر يدور مع الدليل، ولنا إجماع الأمة على دخولهما، كما قال في البحر الرائق: والحق أن شيئا مما ذكروه لا يدل على
برأسه ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه ". رواه البخاري.
وفي رواية أبي داود- وقد سكت عنها- عن أبي علقمة: " أن عثمان دعا بماء فتوضأ، فأفرغ بيده اليمنى على اليسرى، ثم غسلهما إلى الكوعين ". الحديث وفي التلخيص الحبير: " أبو داود، في حديث عثمان المشهور " ثم ساقه.
-----
الافتراض، فالأولى الاستدلال بالإجماع على فرضيتهما. قال الإمام الشافعي رحمه الله في الأم: لا نعلم مخالفا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء، وهذا منه حكاية الإجماع، قال في فتح الباري بعد نقله عنه: فعلى هذا فزفر رحمه الله محجوج بالإجماع قبله، وكذا من قال ذلك من أهل الظاهـــر بعده، ولم يثبت ذلك عن مالك رحمه الله صريحا، وإنما حکى عنه أشهب كلاما محتملا، " وحكم الكعبين كالمرفقين ". انتهى. وفي المنتقى عن أبي هريرة رضي الله عنه: " أنه توضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم غسل يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ، وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم فليطل غرته
وتحجيله ". رواه مسلم.
وفي « نيل الأوطار » شرح المنتقى: " قال المصنف: ويتوجه منه وجوب غسل المرفقير ( قلت وكذا وجوب غسل الكعبين) ؛ لأن نص الكتاب يحتمله وهو مجمل فيه، وفعل
2- وروى الترمذي- وقال: حسن صحيح. عن الربيع بنت معوذ بن عفراء: أنها رأت النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ، قالت: مسح رأسه ومسح ما أقبل منه وما أدبر وصدغيه وأذنيه مرة واحدة اهـــ.
-----
في بيان لمجمل الكتاب، ومجاوزته للمرفق ليس في محل الإجمال، ليجب بذلك. انتهى وفي العزيزي: " كان صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه ". رواه الدارقطني عن جابر رضي الله عنه. قال الشيخ: حديث حسن لغيره
ثم اعلم أنهم قد أجمعوا على أن مسح الرجلين في الوضوء لا يجزئ عن الغسل، وقد ورد فيه ما يدل على الإجزاء، فلنذكره ثم لنجب عنه، ففي کنز العمال عن عباد بن تميم عن أبيه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح بالماء على لحيته ورجليه. رواه ابن أبي شيبة والإمام أحمد والبخاري في " تاريخه " وابن أبي عمر العدني والبغوي والباوردي والطبراني في الكبير وأبو نعيم، قال في الإصابة: رجاله ثقات. قلت: قال في « مجمع الزوائد » بعد عزوه إلى الطبراني في الكبير: " ورجاله موثقون ).
وفي سنن الدارقطني، وحدثنا الحسين بن إسماعيل نا يوسف بن موسى نا هشام بن عبد الملك والحجاج بن المنهال، واللفظ لأبي الوليد، قالا: نا همام نا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن علي بن يحيى بن خلاد عن أبيه عن عمه رفاعة بن رافع قال: كان رفاعة ومالك بن رافع أخرين من أهل بدر، قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ونحن حوله ؛ إذ دخل رجل فاستقبل القبلة وصلى، فلما فرغ عن
******************************
======
الصلاة جاء فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى القوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وعليك، ارجع فصل فإنك لم تصل "، فجعل الرجل يصلى ونحن نرمق صلاته، لا ندري ما يعيب منها، فلما صلى جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى القوم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:
وعليك، ارجع فصل فإنك لم تصل ". قال همام: فلا أدري أمره بذلك مرتين أو ثلاثا، فقال الرجل: ما ألوت فلا أدري ما عبت على من صلاتي ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله فيغسل وجهه ويده إلى المرفقين ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين، ثم يكبر الله ويثني عليه، ثم يقرأ أم القرآن وما أذن له فيه وتيسر، ثم يكبر فيركع ويضع كفيه على ركبتيه حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ويقول سمع الله لمن حمده، ويستوي قائما حتى يقيم صلبه ويأخذ كل عظم مأخذه، ثم يكبر فيسجد فيمكن وجهه- قال همام: وربما قال جبهته- في الأرض حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ثم يكبر فيستوى قاعدة على مقعدته يقيم صلبه "، فوصف الصلاة هكذا أربع ركعات حتى فرغ، ثم قال: " لا يتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك ". وفي التعليق المغني: " هشام بن عبد الملك هو أبو الوليد الطيالسي ثقة حافظ إمام، وهمام هو ابن يحيى ثقة، وباقي رواته أيضا ثقات ).
وفي الترغيب للحافظ المنذري: " عن رفاعة بن رافع رضي الله عنه: أنه كان جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: " إنها لا تتم صلاة لأحد حتى يسبغ الوضوء كما أمر الله بغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح براسه ورجليه إلى الكعبين ". رواه ابن ماجة بإسنا جيد.
وعن حمران، رحمه الله، قال: رأيت عثمان رضي الله عنه دعا بماء فغسل كفيه ثلاثا، ومضمض واستنشق وغسل وجهه ثلاثا وذراعيه ثلاثا ومسح برأسه وظهر قدميه، ثم ضحك فقال: ألا تسألوني ما أضحكني ؟ قلنا: ما أضحكك يا أمير المؤمنين ؟ قال:
******************************
======
أضحكني أن العبد إذا غسل وجهه حط الله عنه بكل خطيئة أصابها بوجهه فإذا غسل ذراعيه كذلك، وإذا مسح رأسه كذلك، وإذا طهر قدميه كذلك. رواه الإمام أحمد والبزار وأبو يعلى وفي الحلية كذا في كنز العمال.
والقراءة بالجر في قوله تعالى ووأرجلكم متواترة، فهذا ما يثبت من القرآن والأحاديث، وتفصيل المذاهـــب فيها ما في « نيل الأوطار » : " قال النووي: اختلف الناس على مذاهـــب، فذهب جميع الفقهاء من أهل الفتوى في الأعصار والأمصار إلى أن الواجب غسل القدمين مع الكعبين، ولا يجزئ مسحهما ولا يجب المسح مع الغسل، ولم يثبت خلاف هذا عن أحد يعتد به في الإجماع. قال الحافظ في « الفتح »: ولم يثبت عن أحد من الصحابة خلاف ذلك إلا عن علي وابن عباس وأنس رضي الله عنهم، وقد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك، قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على غسل القدمين، رواه سعيد بن منصور. وادعى الطحاوي وابن حزم أن المسح منسوخ، وقالت الإمامية: الواجب مسحهما، وقال ( الإمام المفسر المحدث الزاهـــد ) محمد بن جرير الطبري والجبائي والحسن البصري: إنه مخير بين الغسل والمسح ". انتهى.
******************************
======
والجواب عن الأحاديث عندي يمكن من وجهين: الإجماع على خلافه، وهو أمارة النسخ، وكون روايات الغسل متواترة بخلاف روايات المسح. وهذا على ما قال في النيل وما أدري ماذا يجيبون- أي القائلون بالمسح- عن الأحاديث المتواترة، اهـــ.
وفيه أيضا: " فلم يأتوا مع مخالفتهم للكتاب والسنة المتواترة قولا وفعلا بحجة نيرة "، اهـــ.
قلت: ولكن لهم أن يقولوا: لا نسلم التعارض وتجوز الغسل والمسح كليهما كما جوز ذلك الطبري، فالجواب عنه- على ما أفاده شيخي- بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا لم يغسل عقبه، فقال: " ويل للأعقاب من النار، كما رواه مسلم ولم يتحقق أنه لم يمر اليد المبلولة على ذلك الموضع، وعدم الغسل لا يستلزم عدم إمرار اليد، ومع ذلك ورد الوعيد، فثبت عدم تجويز کفاية المسح على الرجلين فبقدم هذا المحرم على ذلك المبيح، والله أعلم.
وأما ما قال العلامة المحقق في « الجوهر النقي »: " قلت في الاستدلال بها نظر، فإن من يرى مسحهما قد يفرض في جميعهما. وظاهـــر الآية يدل على ذلك، وهو قوله تعالى: ( وأرجلكم إلى الكعبين و فالوعيد لهما ترتب على ترك تعميم المسح وتدل على ذلك رواية مسلم: " فانتهى إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء، فتبين بذلك أن العقب محل التطهير، فلا يكتفي بما دونه فليس الوعيد على المسح، بل على ترك التعميم كما مره اهـــ. فهذا ضعيف ؛ لأن اللفظ الآخر في هذه الرواية في صحيح مسلم: " فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى ويل للأعقاب من النار " اهـــ.
باب كفاية مسح ربع الرأس
3- عن المغيرة بن شعبة في حديث طويل في وضوء النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: " ومسح بناصيته وعلى العمامة وعلى خفيه " رواه مسلم. ورواه النسائي بلفظ:
توضأ فمسح ناصيته وعمامته وعلى الخفين، وسكت عنه، وسنده سند مسلم رحمه الله في هذا الحديث بلفظ آخر إلا شيخ النسائي، وهو من رجال الجماعة ثقة حافظ كما في التقريب، وقد رواه الترمذي " بسند " مسلم " ولفظه: " أنه مسح على
-----
فإن قيل: أنكر عليهم الجمع بين الغسل والمسح، دون مسح الأعقاب والرجلين فقط، قلنا: الغسل يقوم مقام المسح على ما قالوا، فلا ينكر الجمع، والله تعالى أعلم، والجواب عن القراءة بالجر مذكور في الكتب المتداولة فلا نشتغل به، فافهم وحقق، والله الهادي.
باب كفاية مسح ربع الرأس
قوله: " بناصيته ". قال المؤلف: الناصية مقدم الرأس، وهو قدر ربعه، كما سيأتي عن البحر. وجه الاستدلال بالآية المذكورة- في صدر الكتاب- على ما في البحر. " أن الباء للإلصاق، والفعل الذي هو المسح قد تعدى إلى الآلة، وهي اليد ؛ لأن الباء إذا دخلت في الآلة تعدى الفعل إلى كل الممسوح: " كمسحت رأس اليتيم بيدي " أو على المحل، تعدى الفعل إلى الآلة، والتقدير وامسحوا أيديكم برؤوسكم، فيقتضي استيعاب اليد دون الرأس واستيعابها ملصقة بالرأس لا يستغرق غالبا سوى ربعه، فتعين مرادا من الآية وهو المطلوب، والاستيعاب في التيمم لم يكن بالآية بل بالسنة كما صرح به في البدائع " اهـــ. قال المؤلف: كذا قال صاحب البحر.
وأما الاستدلال بالحديث فله وجهان: الأول بالباء الداخلة على المحل، كما في الآية،
ناصيته وعمامته ورواه أبو داود " بسند رجاله رجال مسلم في هذا الحديث. إلا مسددا وهو من رجال الصحيح ثقة حافظ، ولفظه: " كان يمسح على الخفين وعلى ناصيته ".
-----
والثاني بلفظ " الناصية " ؛ لأنه مقدم الرأس وهو قدر ربعه، كما مر، والمتبادر من الحديث مسح جميع الناصية، كما يشهد به الذوق اللساني، وإلا لما احتيج إلى تغيير العبارة القرآنية بل كان الأقرب أن يقول " مسح برأسه. فلما ترك لفظ " الرأس " وآثر لفظ " الناصية " كان الظاهـــر جميع الناصية، ولم ينقل أقل منه فلم نقل بجوازه. وما روى من مسح جميعه فمحمول على السنة والكمال. وأما حديث الإطلاق والإجمال في الآية فلا مدخل له في أصل المقصود ؛ لأن مواظبته عليه السلام بلا تركه أحيانا دليل مستقل على الوجوب- على ما حققه صاحب الهداية في مواضع- إذا لم يقتض عدم الوجوب دليل مستقل معارض كالتصريح بعدم الوجوب في نص وككون الفعل غير مقصود ونحوه. ولم ينقص عليه السلام من الربع قط، فثبت المواظبة في قدر الربع تواترا. كذا قال الشيخ سلمه الله تعالى، والله تعالى أعلم، ودلالة بقية أحاديث الباب عليه ظاهـــرة. مبحث المسح على العمامة:
وما في الحديث من المسح على العمامة فقال محمد في موطئه: بلغنا أن المسح على العمامة كان فترك وفي فتح الباري: " وقد اختلف السلف في معنى المسح على العمامة، فقيل إنه كمل عليها بعد مسح الناصية، وقد تقدمت رواية " مسلم " بما يدل على ذلك. وإلى عدم الاقتصار على المسح عليها ذهب الجمهور، وقال الخطابي: فرض الله مسح الرأس، والحديث في مسح العمامة محتمل للتأويل، فلا يترك المتيقن للمحتمل " اهـــ. قلت: رواية " مسلم " ذكرها بلفظ: " مسح بناصيته وعلى عمامته وعلى الخفين " اهـــ.
******************************
======
وقال الشيخ ابن القيم في حاشيته على أبي داود: " قال ابن المنذر: ويمسح على العمامة لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وقال الجوزجاني: روى المسح على العمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم وسلمان الفارسي وثوبان وأبي أمامة وأنس بن مالك والمغيرة بن شعبة وأبي موسى، وفعله الخليفة الراشد أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وقال عمر بن الخطاب: من لم يطهره المسح على العمامة فلا طهره الله، قال: والمسح على العمامة سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ماضية مشهورة عند ذوي القناعة من أهل العلم في الأمصار " اهـــ.
أما ما رواه أبو داود،، وسكت عنه هو " والمنذري " عن ثوبان قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فأصابهم البرد، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين " اهـــ. وفي بلوغ المرام ( رواه أحمد وأبو داود وصححه الحاكم )، وما رواه الإمام أحمد في مسنده، ثنا عبد الرزاق ثنا محمد بن راشد أخبرني مكحول أن نعيم بن خمار أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " امسحوا على الخفين والحمار، اهـــ. عبد الرزاق من رجال الجماعة، ومحمد بن راشد مختلف فيه، وقد وثقه كثير، ومكحول من رجال الجماعة غير البخاري، ونعيم هذا نعيم بن همار، ويقال: ابن هبار، ويقال: هدار، ويقال: خمار، ويقال: حمار الغطفاني الشامي صحابي، کل ذلك من تهذيب التهذيب " فالجواب عن الأول أنه محمول على العذر، حيث يخاف من
4- عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وعليه عمامة قطرية، فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة " رواه أبو داود وسكت عنه، فهو صالح عنده على قاعدته، وفي غاية المقصود سكت عنه أبو داود ثم المنذري في تلخيصه. " وفي النيل " قال الحافظ في إسناده نظر، انتهى، وذلك لأن أبا معقل الراوي عن أنس مجهول، وبقية إسناده رجال الصحيح، اهـ.
قلت: قال الحافظ في « الفتح » بعد نقل المرسل الذي نقلته بعد هذا المرفوع بلفظ: فحسر العمامة عن رأسه ومسح مقدم رأسه " ما نصه: " وهو مرسل اعتضد بمجيئه من وجه آخر موصولا أخرجه أبو داود من حديث أنس وفي إسناده أبو معقل فقد اعتضد كل من المرسل والوصول بالآخر وحصلت القوة من الصورة المجموعة ". وفيه أيضا: وفي الباب أيضا عن عثمان في صفة الوضوء قال: " ومسح مقدم رأسه " أخرجه سعيد بن منصور، وفيه خالد بن يزيد بن أبي مالك مختلف فيه
-----
الغسل، فيجور المسح على حائل، وفي " الزيلعي " بعد نقل هذا الحديث: " قال أحمد: لا ينبغي أن يكون راشد سمع من ثوبان ؛ لأنه مات قديما، وفي هذا القول نظر، فإنهم قالوا: إن راشدا شهد مع معاوية رضي الله عنه صفين، وثوبان مات سنة أربع وخمسين، ومات راشد سنة ثماني ومائة، ووثقه ابن معين وأبو حاتم والعجلي ويعقوب بن شيبة والنسائي، وخالفهم ابن حزم فضعفه، والحق معهم. والعصائب: العمائم، والتساخين: الخفاف " اهـ. وسيأتي الجواب عن كل ذلك فانتظر.
قوله: " عن أنس إلخ » قال المؤلف: دلالة هذين الحديثين وأثر ابن عمر على الباب ظاهرة.
وصح عن ابن عمر رضي الله عنه الاكتفاء بمسح بعض الرأس قاله ابن المنذر وغيره، ولم يصح عن أحد من الصحابة إنكار ذلك، قاله ابن حزم، وهذا كله مما يقوي به المرسل المتقدم ذكره، اهـــ.
5- عن ابن عمر رضي الله عنه، " أنه كان إذا مسح رأسه رفع القلنسوة، ومسح مقدم رأسه). رواه الدارقطني وفي التعليق المغني: " سنده صحيح ".
6- أخبرنا: مسلم عن ابن جريج عن عطاء. " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ، فحسر العمامة ومسح مقدم رأسه أو قال ناصيته بالماء ". رواه الشافعي في مسنده.
7- مالك: أنه بلغه أن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه سئل عن المسح على العمامة، فقال: " لا ! حتى يمسح الشعر بالماء " أخرجه مالك في الموطأ. وقال سفيان: إذا قال مالك: " بلغني " فهو إسناد قوى، كذا قال القارئ وأخرجه الترمذي موصولا عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: " سألت
-----
قوله: " مالك أنه بلغه إلخ ». قلت: الحديث نص في الباب، وصريح في عدم جواز الاكتفاء بمسح العمامة، وبه قال غير واحد من الصحابة والتابعين، أنه لا يمسح على عمامة إلا أن يمسح برأسه مع العمامة. وهو قول سفيان الثوري، ومالك بن أنس وابن المبارك والشافعي كذا قال الترمذي وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه وقد ذكرناه من قبل.
وقال الحافظ في « الفتح »: " وإلى عدم الاقتصار على المسح عليها ذهب الجمهور وقال الخطابي: فرض الله مسح الرأس، والحديث في مسح العمامة محتمل للتأويل فلا يترك المتيقن للمحتمل، اهـــ.
جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن المسح على الخفين فقال: السنة يا ابن أخي ! وسألته عن المسح على العمامة فقال: مس الشعر اهـــ. رجاله رجال الصحيح إلا أبا عبيدة فهو من رجال الأربعة، وثقه ابن معين وعبد الله بن أحمد بن حنبل، قال ابن أبي حاتم عن أبيه: " منكر الحديث، وقال في موضع آخر: صحيح الحديث " (كذا في التهذيب) قلت: فالحديث حسن.
-----
الجواب عن أحاديث المسح على العمامة:
فلنجب أولا عن الأحاديث القولية في الباب، ثم نجيب بعد ذلك عما ورد فيه من الأحاديث الفعلية، فأقول: أما حديث ثوبان، فليس فيه دلالة على المسح على العمامة صراحة، لما فيه من لفظ " العصائب " وهو جمع " عصابة " يطلق على كل ما يعصب به سواء كان منديلا أو خرقة أو عمامة. قال في القاموس: العصابة ما عصب به کالعصاب والعمامة ( بكسرهما ). وتعصب ": شد العصابة والعصب الطي واللي. والشد، اهـــ. فيحتمل أن يراد بها العمائم أو الخرق المشدودة على الجروح. والمعنى على التقدير الثاني أنه أمرهم أن يمسحوا على العصائب المشدودة فوق الجروح، وإطلاق العصابة بهذا المعنى شائع في الفقه والحديث، فقد روى الطبراني في معجمه: حدثنا إسحاق بن داود الصواف، قال: ثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل، قال: ثنا حفص بن عمر عن راشد بن سعد ومكحول عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما رماهـــ ابن قمة يوم أحد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ حل عن عصابته ومسح عليها بالوضوء، اهـــ. كذا في نصب الراية رواته كلهم ثقات، أما إسحاق بن داود فلأنه لم يضعف في « الميزان »،
******************************
======
وشيوخ الطبراني الذين لم يضعفوا فيه ثقات، صرح به الهيثمي في " مجمع الزوائد ".
ومحمد بن عبد الله، قال النسائي: " لا بأس به، وقال مسلمة: " ثقة " كذا في « التهذيب » ، وحفص بن عمر، هو العدني، وثقه ابن أبي حاتم، كذا في « التهذيب » وضعفه آخرون. والباقون معروفون بالعدالة، ولا يخفى أن المراد بالعصابة في الحديث خرقة كانت مشدودة على جرحه فلا يبعد أن يراد ذلك في حديث ثوبان أيضا ؛ لأن أصحاب السرية قلما يسلمون من الجروح فيشدونها بالعصائب، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمسحوا عليها ولا يغسلوا مواضعها مخافة الضرر عليهم من البرد، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال. وأما حديث نعيم بن خمار فهو في الحقيقة من مسند بلال، لا من مسانيد نعيم بن خمار، فإن هاشم بن القاسم أبا نضر البغدادي وهشام بن سعيد الطالقاني وأبا سعيد مولى بني هاشم رووه عن محمد بن راشد عن مكحول عن نعيم بن خمار عن بلال، كما يظهر من " مسند أحمد " ولذا ذكره الإمام أحمد في مسند بلال، لا في مسند نعيم بن خمار، وحديث بلال في المسح على الحمار مضطرب الإسناد والمتن. أما اضطراب سنده، فقد روى مسلم بطريق الأعمش عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة عن بلال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين والخمار، فتكلم عليه الدارقطني في كتاب العلل، وذكر الخلاف في طريقه، والخلاف عن الأعمش فيه وأن بلالا سقط منه عند بعض الرواة، واقتصر على كعب بن عجرة، وأن بعضهم عكسه فأسقط كعبا واقتصر على بلال، وأن بعضهم زاد البراء بين بلال وابن أبي ليلى وقد رواه بعضهم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن بلال كذا في النووي شرح مسلم.
******************************
======
قلت: ورواه بعضهم عن عبد الرحمن بن عوف عن بلال، كما في " مسند أحمد " ورواه محمد بن راشد بطريق مكحول عن نعيم بن الخمار عن بلال، وقد مر.
واما اضطراب متنه فلان بلالا يقول مرة: " مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخفين والحمار " كما هو عند " مسلم " ويقرب منه قوله: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين والحماره، ومرة يقول: مسح على خفيه وعلى خمار العمامة، كما هو عند أحمد بطريق عبد الرحمن بن عوف، ومرة يقول: ( كان يمسح على الخفين والخمار، كما هو عند أحمد أيضا وفي هذه الروايات كلها مع اختلاف متونها حكاية عن الفعل، ورواه محمد بن راشد بلفظ الأمر وقال: " امسحوا على الخفين والخمار، وهذا اضطراب يقتضي ترك الاحتجاج به، ولعل المحفوظ من طرقه ومتنه ما اختاره مسلم فأودعه في ص حيحه، قال النووي: " وأكثر من رواه رووه كما هو في مسلم، اهـــ. ولا يخفى أنه حديث فعلىلا عموم له، ويحتمل الوجوه كما سيأتي.
حكم الحديث الشاذ:
وأما رواية محمد بن راشد بلفظ الأمر، فهي رواية منكرة تفرد بها أبن راشد من بين الثقات، فإن جميع من رواه عن بلال إنما رواه حكاية عن فعله، لا من قوله، ولا نرى أحدا تابعه على ذلك، وهذه مخالفة شديدة لا يمكن الجمع بينها وبين ما رواه الجماعة، فإن بين القول والفعل بونا بعيدا ومثل هذه المخالفة لو أتي به الثقة الضابط يدخل في الشاذ المردود، كما قال العلامة السيوطي في « تدريب الراوي »: ومن أمثلته (أي الشاذ المردود).
******************************
======
في المتن ما رواه أبو داود والترمذي من حديث عبد الواحد بن زياد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا: إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه. قال البيهقي: خالف عبد الواحد العدد الكثير في هذا، فإن الناس إنما رووه من فعل النبي صلى الله عليه وسلم لا من قوله. وانفرد عبد الواحد من بين ثقات أصحاب الأعمش بهذا اللفظ اهـــ.
قلت: وعبد الواحد من رجال الجماعة، ثقة، ومع ذلك عدت مخالفته للثقات وتفرده بهذا اللفظ منه الشاذ المردود كما ترى. فكيف وقد أتى بها محمد بن راشد، وهو مختلف فيه، وثقه بعضهم، وقال ابن حبان: كان من أهل الورع والنسك ولم يكن الحديث من صنعته، وكثر المناكير في روايته فاستحق الترك وقال الدارقطني: يعتبر به ( أي ولا يحتج به منفردا ) وقال ابن خراش: ضعيف الحديث اهـــ. من « تهذيب التهذيب » ملخصا وقال في التقريب: صدوق بهم ورمي بالقدر اهـــ. وبعد ذلك فلا يصح الاحتجاج بما رواه ابن راشد هذا بلفظ الأمر من قوله صلى الله عليه وسلم: " امسحوا على الخفين والحمار، فإنما هو من مناكيره وأوهامه. والمحفوظ ما رواه الجماعة حكاية عن فعله صلى الله عليه وسلم.
ولو سلم صحته، فهو محمول على الاختصار في الرواية، وأنه صلى الله عليه وسلم أمر بلالا بذلك في واقعة خاصة، فجعله بلال حكما عاما يدل على ذلك ما ورد في رواية أبي سعيد الخدري قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى على غدير فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلنا، وحضرت الصلاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بلال ! قم فأذن فانطلق بلال، فأهرق الماء، ثم أتى الغدير، فغسل وجهه ويديه وأهوى إلى خفيه، وكان عليه خفان أسودان وذلك بعيني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فناداهـــ رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بلال ! امسح على الخفين والخمار. رواه الطبراني في
******************************
======
الأوسط وفيه غسان بن عوف قال الأزدي: ضعيف، كذا في « مجمع الزوائد » قلت:
غسان بن عوف من رجال أبي داود. قال فيه أبو داود: شيخ بصري، كذا في « التهذيب » وهذا من ألفاظ التعديل، كما في « تدريب الراوي »، وفي « الميزان »: " ولم أتعرض لذكر من قيل فيه: محله الصدق، ولا من قيل فيه: لا بأس به، ولا من قيل: هو صالح الحديث، أو يكتب حديثه، أو هو شيخ، فإن هذا وشبهه يدل على عدم الضعف المطلق " وقال في التقريب " لين الحديث " اهـــ. وسكت أبو دواد عن حديثه في سننه فلا ينزل حديثه عن درجة الحسن.
فهذه الرواية تدل على أن أمره صلى الله عليه وسلم بمسح الخمار صدر لبلال بعينه في غزوة خاصة، ولم يكن ذلك حكما عاما منه صلى الله عليه وسلم كما يفهم من رواية بلال بلفظ: " امسحوا " موضع قوله: " امسح " وعسى أن يكون وجه أمره صلى الله عليه وسلم بلالا بذلك عذر كان يختص به فجعله بلال حكما عاما، وله نظائر كثيرة في الحديث، لا تخفى على من مارسه: منها ما روت فاطمة بنت قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم في المطلقة ثلاثا قال: " ليس لها سکنى ولا نفقة " رواه مسلم جعلته حكما عاما مع أنه حكم كان مختصا بها كما صرحت به عائشة رضي الله عنها، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.
وأما قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: " من لم يطهره المسح على العمامة فلا طهره الله، كما نقله الجوزجاني بدون ذکر سنده، فبعد تسليم صحته محمول على رد ما يفعله كثير من الموسوسين من نزع عمائمهم عن الوضوء ولا يرون أن مسح بعض الرأس مع إبقاء العمامة عليه يجزئهم، وهذا من التعمق المنهي عنه، لما قد ثبت عنه ي أنه مسح
******************************
======
بناصيته مع إبقاء العمامة على الرأس من غير أن ينقضها وينزعها. ويؤيد ما قلنا رواية ابن أبي شيبة في مصنفه عن عمر رضي الله عنه. قال: " إن شئت فامسح على العمامة، وإن شئت فانزعها " كذا في كنز العمال قابل المسح على العمامة بنزعها، وهو ظاهـــر في ما قلنا ومعناه: إن شئت فامسح مع العمامة ( على بعض رأسك ) وإن شئت فانزعها وامسح على جميع رأسك، واستعمال لفظ ( على ) بمعنى مع، شائع في المحاورات. قال في القاموس: وعلى ه حرف وعن سيبويه: اسم الاستعلاء والمصاحبة كمع، خوآتي المال على حبه اهـــ. وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال. مقدمات في الجواب عن الأحاديث الفعلية:
بعد ذلك فلنجب عن الأحاديث الفعلية في الباب ولنمهد مقدمات بنضح بها الجواب حق الاتضاح، وينكشف بها الغطاء عن وجه الصواب كفلق الصباح، فنقول أولا: إن الله تعالى فرض مسح الرأس بقوله: " وامسحوا برءوسكم ) وهو صريح في معناه وثانيا: إن مسح العمامة ليس بمسح الرأس حقيقة، ومتى أمكن العمل بها سقط المجار فلا يجوز حمل الكلام على المجاز ما أمكن إرادة الحقيقة. وثالثا: أن خبر الواحد لا يصلح ناسخا للكتاب، ولا يجوز الزيادة به عليه. ورابعا: أن ذلك يجوز بالمشهور والمتواتر إذا كانا صريحين في الدلالة على مفهوميهما وثبت تأخرهما عن الآية.
وأما المقدمة الأولى فبديهية لا تحتاج إلى البيان، فإن معنى المسح والراس لا يخفى على أحد. وكذلك الثانية، فإن الرأس حقيقة في العضو المعروف وهو غير العمامة بداهـــة فالمسح عليها ليس بمسح على الرأس حقيقة، فلا يدخل في مفهوم الآية. وأورد عليه الشوكاني بأنه قد أجزا المسح على الشعر، ولا يسمى رأسا، فإن قيل يسمى رأسا مجازا بعلاقة المجاورة، قيل: والعمامة كذلك بتلك العلاقة، فإنه يقال: قبلت رأسه، والتقبيل
******************************
======
على العمامة. كذا في النيل قلت: قد اختلط على الشوكاني المسح على الرأس المتصل بالشعر والمسح على الشعر فقط، فالأول مسح على الرأس حقيقة، والثانى مجازا، فإن الرأس حقيقة في العضو المعروف سواء كان مع الشعر أو بدونه، بل كونه مستورة بالشعر هو الأصل، والمسح على رأس فيه شعر لا يمكن إلا بمسح الشعر فالمسح عليه مع إمرار اليد على العضو مسح على الرأس حقيقة، وإجزاء المسح على الشعر في هذه الصورة ليس لكونه مسحا على الشعر بل لكونه مسحا على الرأس المستور بالشعر. نعم لو مسح على الشعر المسترسل عن الرأس بدون إمرار اليد على العضو فهذا لا يجزئ عنه لعدم كونه مسحة على الرأس المستور بالشعر بل مسحا على الشعر فقط، وهو لا يسمى رأسا حقيقة. ونظيره قولنا: " جلس على الأرض، فإنه حقيقة فيما إذا جلس عليها سواء كانت خالية عن النبات أو متصلة بالكلا القائم بها، ومجاز فيما إذا جلس على الحصير والبساط المفروش عليها. فالمسح على الرأس المستور بالشعر مسح على الرأس حقيقة مثل الجلوس على الأرض المستورة بالكلا القائم بها والمسح على العمامة مسح على الرأس مجازا، كما أن الجلوس على الحصير أو البساط المفروش جلوس على الأرض مجازا فالأول داخل في مفهوم الآية والثاني خارج عنها. فبطل ما ادعاهـــ من المساواة بين المسح على الرأس المستور بالشعر، وبين المسح على العمامة، فافهم فإنه من مزال الأقدام.
ويرد على من جوز المسح على العمامة- لكونه مسحا على الرأس مجازا- أن يجو المسح على اللثام والقفازين في التيمم أيضا ؛ لأنه كما يقال: " قبلت رأسه، والتقبيل على العمامة، كذلك يقال: " قبلت يديه، والتقبيل على القفازين " وقبلت وجهها " والتقبيل على اللثام مجازا. ولا يرد ذلك على الجمهور كما لا يخفى. هذا والمقدمة الثالثة والرابعة قد أثبتهما الأصوليون من علمائنا في كتب الأصول، فلا نطيل الكلام عليهما. وبعد ذلك فنقول: إن جميع ما ورد من الأحاديث في باب المسح على العمامة لا يصح الاستدلال بها ما لم يثبت دلالتها على الاكتفاء بمسح العمامة وترك المسح على الرأس بالكلية وما لم يثبت
******************************
======
تواترها أو شهرتها بهذا المعنى مع ثبوت تأخرها عن آية المائدة. وبهذا يظهر لك الجواب عن قول الجوزجاني: " إن المسح على العمامة سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ماضية مشهورة عند ذوى القناعة من أهل العلم في الأمصار اهـــ. " فإنه إن أراد به أن نفس المسح عليها سنة مشهورة فهو ممكن التسليم لو اعتمدنا على قول الجوزجاني وقطعنا النظر عن كونه ناصبيا مبتدعا، كما وصفه بذلك الحافظ في « مقدمة الفتح » . وإن أراد أن اكتفاءه صلى الله عليه وسلم بمسح العمامة مع ترك المسح على الرأس بالكلية سنة مشهورة فغير مسلم وحاشا أن يثبت ذلك في شيء من الأحاد صراحة، فضلا عن أن يكون مشهورا، ودونه خرط القتاد.
ولعلك قد تفطنت من كلامنا المذكور أن حال العمامة مع الرأس كحال الخفين مع الرجلين، فلابد لثبوت المسح على العمامة من حديث مشهور أو متواتر يدل صراحة على اكتفائه صلى الله عليه وسلم بمسحها عن مسح الرأس أو أمره الناس بالاكتفاء بها من غير عذر بعد نزول آية المائدة كما جاءنا مثل ذلك في المسح على الخفين، حتى قال أبو حنيفة رحمة الله عليه: " ما قلت بالمسح ( على الخفين ) حتى جاءني مثل ضوء النهار وعن أبي يوسف رحمة الله عليه أنه قال: إنما يجوز نسخ القرآن بالسنة إذا وردت كورود المسح على الخفين وقال الحافظ في « الفتح »: " نقل ابن المنذر عن ابن المبارك قال: ليس في المسح على الخفين عن الصحابة اختلاف ؛ لأن كل من روى عنه إنكاره فقد روى عنه إثباته، قال ابن عبد البر: لا أعلم روي عن أحد من فقهاء السلف إنكاره إلا عن مالك رحمه الله، مع أن الروايات الصحيحة عنه مصرحة بإثباته. وقد صرح جمع من الحفاظ بأن المسح على الخفين متواتر، وجمع بعضهم رواته فجاوزوا الثمانين، ومنهم العشرة، وفي ابن أبي شيبة وغيره عن الحسن البصري حدثني سبعون من الصحابة بالمسح على خفين اهـــ. ملخصا وفي " البخاري " عن جرير أنه: بال ثم توضأ ومسح على خفيه، ثم قام فصلى، فسئل فقال:
******************************
======
رأيت النبي صلى الله عليه وسلم صنع مثل هذا، قال إبراهـــيم- هو النخعي-: " فكان يعجبهم ؛ لأن جريرا كان من آخر من أسلم، قال الحافظ في « الفتح »: " ولمسلم: لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة )، ولأبي داود: " فقال جرير: ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة، وعند الطبراني من رواية محمد بن سيرين عن جرير أن ذلك كان في حجة الوداع. قال الترمذي: هذا حديث مفسر ؛ لأن بعض من أنكر المسح على الخفين تأول أن مسح النبي صلى الله عليه وسلم على الخفين كان قبل نزول آية الوضوء التي في المائدة، فيكون منسوخا فذكر جرير في حديثه أنه رآه يمسح بعد نزول المائدة، فكان أصحاب ابن مسعود يعجبهم حديث جرير ؛ لأن فيه ردا على أصحاب التأويل المذكور، اهـــ. وأخرج البخاري عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنه خرج لحاجته فأتبعه المغيرة بإدارة فيها ماء، فصب عليه حين فرغ من حاجته، فتوضأ ومسح على الخفين " قال الحافظ في « الفتح »:
و لمالك وأحمد وأبي داود من طريق عباد بن زياد عن عروة بن المغيرة أنه كان في غزوة تبوك بلا تردد وأن ذلك كان عند صلاة الفجر. قال الحافظ: وفيه الرد على من زعم أن المسح على الخفين منسوخ بآية الوضوء التي في المائدة ؛ لأنها نزلت في غزوة المريسيع، وكانت هذه القصة في غزوة تبوك، وهي بعدها باتفاق، قال: " وحديث المغيرة هذا ذکر البزار أنه رواه عنه ستون رجلا " اهـــ. ملخصا مع تأخير وتقديم وقال الطحاوي في معاني الآثار: " قد جاءت الآثار المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك بتوقيت المسح للمسافر والمقيم " اهـــ.
وبالجملة فالمسح على الخفين والاكتفاء به عن غسل الرجلين قد ثبت عنه لا بالتواتر حضرا وسفرا. فأنشدكم بالله هل جاءكم في المسح على العمامة والاكتفاء به عن مسح الرأس أحاديث صريحة مشهورة كذلك، مع التصريح بأنه كان بعد نزول المائدة ؟ كلا ! والله لن تقولوا بمثله أبدا إن کنتم تعلمون.
******************************
======
الأحاديث الفعلية والجواب عنها:
وبعد ذلك، فلنشرع في سرد الأحاديث الواردة في هذا الباب، والكلام عليها فمنها ما رواه أحمد عن سلمان: " أنه رأى رجلا قد أحدث وهو يريد أن يخلع خفيه فأمره سلمان رضي الله عنه أن يمسح على خفيه وعلى عمامته وقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على خفيه وخماره، قال في النيل: حديث سلمان أخرجه أيضا الترمذي في العلل، ولكنه قال: مكان " وعلى خماره " وعلى ناصيته، وفي إسناده أبو شريح. قال الترمذي: " سألت محمد بن إسماعيل عنه: ما اسمه ؟ فقال: لا أدري، لا أعرف اسمه. في إسناده أيضا أبو مسلم مولى زيد بن صوحان، وهو مجهول، قال الترمذي: لا أعرف اسمه ولا أعرف له غير هذا الحديث " اهـــ. قلت: أبو شريح روى عنه قتادة ومحمد بن زيد العبدي فارتفعت جهالة عينه، وذكره ابن حبان في " الثقات " كذا في « التهذيب » ، وأبو مسلم ذكره ابن حبان في الثقات أيضا، كما في « التهذيب » وفي التقريب وصفهما جميعا بمقبول، والمجهول لا يوصف بالثقة والقبول. وحديث سلمان في " مسند أحمد " بلفظ: " فرأى رجلا قد أحدث وهو يريد أن ينزع خفيه فأمره سلمان أن يمسح على خفيه وعلى عمامته ويمسح بناصيته " وهو مصرح بأن سلمان لم يأمره بالاكتفاء بمسح العمامة بل أمره به مع المسح على الناصية. وأما ما رواه من حكاية فعله فهو مختلف فيه، فعند أحمد: " أنه رآه يمسح على خفيه وعلى خماره ". وفي رواية الترمذي: " أنه رآه يمسح على خفيه وعلى ناصيته " فسقط الاحتجاج به. والظاهـــر أن سلمان رضي الله عنه كان جمع بينهما، وقال: رأيته يمسح على خفيه وعلى عمامته وناصيته، ليطابق روايته أمره فاختصره الرواة، واقتصر بعضهم على ذكر الخمار، وبعضهم على ذكر الناصية.
ومنها ما رواه أحمد والبزار عن ثوبان قال: " رأيت النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الخفين والحمار، وفيه عتبة بن أبي أمية ذكره ابن حبان في " الثقات " وقال: يروى المقاطيع
******************************
======
كذا في « مجمع الزوائد » قلت: رواه عتبة عن أبي س لام الأسود عن ثوبان وأبو سلام لم يسمع من ثوبان، قال ابن معين وابن المديني، وقال أحمد: ما أراهـــ سمع منه، كذا في « التهذيب » ولفظه عند أحمد: " مسح على الخفين وعلى الحمار، ثم العمامة " وفيه ما يأتي قريبا.
ومنها ما رواه الطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك قال: " وضأت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بشهر فمسح على الخفين والعمامة ". وفيه على بن الفضيلي بن عبد العزيز، قال الهيثمي: لم أجد من ذكره، قال: ورواه ابن ماجة ما خلا قوله: " قبل موته بشهر " ( مجمع الزوائد ).
قلت: وما خلا قوله: " والعمامة " أيضا. فإن لفظه عند ابن ماجة عن أنس قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فقال: هل من ماء ؟ فتوضأ ومسح على خفيه ثم الحق بالجيش فأمهم ". ليس فيه ذكر العمامة ورواية الطبراني لا يصلح للاحتجاج ما لم يتبين حال على بن الفضيل، ولم تعرف بعد. ولو سلم صحته، فهو محمول على الاختصار، وأن الراوي حذف منه ذكر المسح على الرأس، لكونه معلوما عندهم بدليل ما أخرجه أبو داود عن أنس بن مالك قال: " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وعليه عمامة قطرية فأدخل يده من تحت العمامة، فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة، وفي غاية المقصود: " سكت عنه أبو داود ثم المنذري في تلخيصه ". قلت: فهو صالح للاحتجاج عندهما، ونظر فيه الحافظ لجهالة أبي معقل الراوي عن أنس، ثم عضده يمرسل أخرجه
******************************
======
الإمام الشافعي في مسنده عن مسلم عن ابن جريج عن عطاء، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فحسر العمامة، ومسح مقدم رأسه- أو قال ناصيته- بالماء: قال: فقد اعتضد كل من المرسل والموصول بالآخر، وحصلت القوة من الصورة المجموعة. انتهى من الفتح ملخصا وبعد ذلك فلا يصح الاستدلال برواية أنس عند الطبراني على اكتفائه بمسح العمامة عن مسح الرأس، بل الظاهـــر أن أنسا رضي الله عنه ذكر كلا المسحين فاقتصر بعض الرواة على ذكر مسح العمامة، وبعضهم على مسح مقدم الرأس، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.
ومنها ما رواه الطبراني في الكبير والأوسط عن أبي أمامة: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين والعمامة في غزوة تبوك " وفيه عفير بن معدان، وهو ضعيف. ( مجمع الزوائد. قلت: هذا- مع ضعفه- لا يصلح حجة للاكتفاء بمسح العمامة عن مسح الرأس أصلا، لما روى مغيرة بن شعبة عند مسلم: " أنه توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة وعلى الخفين، اهـــ. وقد تقدم في قول الحافظ أنه كان في غزوة تبوك، فرواية أبي أمامة محمولة على الاختصار في الحكاية حتما لصحة رواية المغيرة وتقدمها على رواية أبي أمامة بقوة سندها. وبالجملة، فاكتفاؤه لا بمسح العمامة بعد نزول آية الوضوء التي في المائدة، لم يثبت بدليل صحيح صريح في مفهومه.
وما ورد في رواية أنس أنه مسح على العمامة قبل موته بشهر وفي رواية أبي أمامة أنه مسح عليها في غزوة تبوك، كلاهـــما- مع ضعفهما- يحتملان الاختصار في الرواية بدليل ما وقع عن أنس من التصريح بمسح مقدم الرأس في رواية أخرى، وما ثبت عن المغيرة بن شعبة أنه صلى الله عليه وسلم مسح على العمامة في غزوة تبوك مع المسح بناصيته.
ومنها ما رواه الطبراني في الكبير عن أبي أمامة أيضا: " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمسح على الخفين والعمامة ثلاثة في السفر ويوما وليلة في الحضر، وفيه أبو سلمة قال الذهبي: مجهول كذا في « مجمع الزوائد » قلت: أحاديث التوقيت في المسح على الخفين متواترة،
******************************
======
ولم يرد ذكر العمامة إلا في هذه الرواية فهى- مع جهالة راويها- منكرة مخالفة لرواية الثقات، فلا يعول عليها.
ومنها ما رواه الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة، قال: " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على عمامته وعلى خفيه ". وفيه عبد الحكيم بن ميسرة وهو ضعيف ( مجمع الزوائد ) قلت: وقال الزيلعي ناقلا عن صاحب التلقيح: إن الدارقطني قد ضعف في علله كل ما روي عن أبي هريرة، في المسح، اهـــ.
ومنها ما روى الطبراني في الكبير عن أبي أيوب قال: " رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين والخمار ". وفيه الصلت بن دينار، وهو متروك (مجمع الزوائد " قلت: والصحيح عن أبي أيوب أنه نزع خفيه فنظروا إليه فقال: أما إنني قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عليهما ولكن حبب إلى الوضوء. رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله موثقون مجمع الزوائد فذكر الحمار فيه من بلايا صلت بن دينار.
ومنها حديث أبي موسى الأشعري رواه الطبراني في معجمه عن عيسى بن سنان عن الضحاك بن عبد الرحمن، عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الجوربين والنعلين. كذا في نصب الراية وزاد في غاية المقصود ناقلا عن الشوكاني: " والعمامة " قال: وقال الطبراني: تفرد به عيسى بن سنان قلت: قال أبو داود: " ليس بالمتصل ولا بالقوى " وأوضحه البيهقي فقال: " الضحاك بن عبد الرحمن لم يثبت سماعه من أبي
******************************
======
موسى، عيسى بن سنان ضعيف لا يحتج به " اهـــ. ( من الزيلعي ) وقال في التقريب: لين الحديث قلت: فلا يقبل تفرده والحال هذه.
ومنها ما رواه الطبراني في الأوسط عن أبي ذر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على الموقين والخمار كذا في غاية المقصود قلت: فيه المسيب بن واضح ساق له ابن عدي عدة أحاديث تستنكر، لم يخرجوا له في الكتب الستة شيئا، وضعفه الدارقطني في أماكن من سننه، وقال الساجي: تكلموا فيه في أحاديث كثيرة، وكان النسائي حسن الرأي فيه، وذكره ابن حبان في الثقات. كذا في اللسان فالرجل مختلف فيه، وسيأتي الجواب عنه
قريبا.
ومنها ما رواه الطبراني في الصغير عن أبي طلحة أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح على الخفين والحمار، ورجاله موثقون ( مجمع الزوائد ) وروي في الأوسط عن خزيمة ابن ثابت: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمسح على الخفين والخمار. وإسناده حسن (مجمع الزوائد أيضا ).
ومنها حديث بلال، قال: " فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخفين والخمار " رواه مسلم
وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة.
والجواب عنها ما قال العلامة السندي في حاشيته على النسائي بما نصه: قوله: " الخمار " أي العمامة ؛ لأن الرجل يغطى بها رأسه كما أن المرأة تغطى رأسها بخمارها فقد اعتذر من لا يقول بالمسح على العمامة عن الحديث بأنه من أخبار الآحاد فلا يعارض الكتاب؛ لأن الكتاب يوجب مسح الرأس، ومسح العمامة لا يسمى مسح الرأس. على أنه حكاية حال، فيجوز أن تكون العمامة صغيرة رقيقة بحيث ينفذ البلة منها إلى الرأس، ويؤيده اسم الحمار فإن الحمار ما تستر به المرأة رأسها، وذاك يكون عادة بحيث يمكن نفوذ البلة منها إلى
******************************
======
الرأس إذا كانت البلة كثيرة، فكأنه عبر باسم الخمار عن العمامة، لكونها كانت لصغرها كالخمار على أن الحديث يحتمل أن يكون قبل نزول المائدة اهـــ.
قلت: يؤيد جوابه الأول ما ورد في رواية بلال بطريق عبد الرحمن بن عوف عند أحمد بلفظ: " ومسح على خفيه وعلى خمار العمامة " وفي رواية ثوبان عنده أيضا بلفظ:
ومسح على الخفين وعلى الخمار ثم العمامة، كما تقدم ذكرهما وفيها دلالة على أن الخمار غير العمامة. ولعل المراد به ثوب يلقي على الرأس تحت العمامة لأجل وقايتها عن أثر الدهن ونحوه، وذاك يكون عادة بحيث يمكن نفوذ البلة منها إلى الرأس إذا كانت البلة كثيرة، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال. ويؤيد جوابه الثاني ما قاله محمد في موطئه: بلغنا أن المسح على العمامة كان فترك، اهـــ. " وهذا الجواب يجري في الأحاديث القولية أيضا لو سلم دلالتها على الاكتفاء بمسح العمامة صراحة وصحة روايتها إسنادا، ودونهما مفاوز تنقطع فيها أعناق المطى، كما تقدم.
على أن ما ورد في الباب من الأحاديث الفعلية كلها حكاية عن أفعال لا عموم لها، وتحتمل الوجوه. منها ما قاله العلامة محمد طاهـــر في مجمع البحار: " وتأولوه بأنه صلى الله عليه وسلم كان يقتصر على أداء الواجب بالناصية والعمامة تبع له، فإن قيل: كيف ظن بالراوي حذف بعض المسح ؟ قلت: ظن ( الراوي ) أن المسح على الناصية معلوم، والمهم هو التكميل على العمامة فاقتصر على ذكر مسحها.
قلت: ويؤيد ذلك أن الاختصار في الرواية والاقتصار على ذكر المهم لم يزل من دأب الرواة قديما وحديثا، فبعضهم يأتي بالحديث على وجهه، ويسوقه بسياق أتم، وبعضهم يحذف منه أشياء، ويقتصر على ما هو المهم عنده، كما لا يخفى على من جمع طرق الأحاديث، فهذا حديث مغيرة بن شعبة رضي الله عنه، رواه محمد بن بشار مرة بلفظ:
******************************
======
توضأ النبي صلى الله عليه وسلم ومسح على الخفين والعمامة " وذكر محمد بن بشار في هذا الحديث في موضع آخر أنه: " سح على ناصيته وعلى عمامته " قال الترمذي: " وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن المغيرة بن شعبة، وذكر بعضهم المسح على الناصية والعمامة: ولم يذكر بعضهم الناصية ".
فكل من روى من الصحابة أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على العمامة محمول على الاختصار في الرواية، بدليل ما ورد من بعضهم التصريح بمسح الناصية معها، ولا يخفي أن السكوت عن شيء لا يدل على نفيه كما صرح به الشوكاني في النيل ناقلا عن ابن القيم ولفظه: " فسكوت أنس عنه لا يدل على نفيه، وقد أثبته حديث المغيرة " اهـــ. وبعد ذلك، فلا يتم الاحتجاج بتلك الروايات بمجرد اقتصارهم على ذكر العمامة، وسكوتهم عن مسح الرأس ما لم يرد منهم تصريح بترك المسح على الناصية أو على جزء من الرأس ولم يثبت ذلك بعد. ثم إذا ثبت ذلك فلا بد من التصريح بكونه بعد نزول المائدة، وكونه من غير عذر أيضا، وإلا فيجب حمل المجمل على المفسر، والمطلق على المقيد، لا سيما إذا كان المفسر والمقيد أقوى سندا وأشهر رواية من غيره، وههنا كذلك، فإن حديث المغيرة بن شعبة من أشهر الروايات في الباب وهو مصرح بمسح الناصية مع العمامة. وأما قول الجوزجاني: " وفعله الخليفة الراشد أبو بكر الصديق إلخ ». فلا يجدي شيئا ما لم يثبت صراحة أنه مسح على العمامة ولم يمسح على الرأس أصلا، وليس كذلك، بل الذي روى عنه بطريق عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي عند ابن أبي شيبة أنه قال: رأيت أبا بكر مسح على الخمار ". كذا في " کنز العمال.
وهذا يحتمل الذي يحتمل غيره من الاقتصار على المهم، وترك مسح الناصية، لكونه
******************************
======
معلوما عندهم، مع ما مر من الاحتمال في لفظ " الخمار " أيضا. قال في عمدة الرعاية " ولا يجوز المسح على عمامة ولا على قلنسوة وبرقع، والوجه في ذلك كله أن ثبوت المسح وقيامه مقام الغسل على خلاف القياس، فيقتصر على ما ورد به النص، ولم يرد في الشرع الاكتفاء بالمسح على هذه الأشياء وقيامه مقام الغسل، ولا دخل للرأي فيه حتى يثبت جوازه بالمسح على الخفين، وهذا كله قول الجمهور، واختار أحمد والأوزاعي جواز المسح على العمامة مستندة بأنه ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم برواية عمر بن أمية الضمري عند البخاري، وبلال عند مسلم وغيره، وفيه تصريح بأنه مسح على ناصيته وعلى عمامته، بخلاف مسح الخفين فإن كثيرا من الروايات دلت على الاكتفاء به.
قلت: وظن أن هذا جواب لا يعارضه دليل، وما تمسك به القائلون بمسح العمامة لا يشفي الغليل. فالحق ما قاله الخطابي، " فرض الله مسح الرأس والحديث في مسح العمامة محتمل للتأويل، فلا يترك المتيقن للمحتمل " وما قاله الحافظ في معنى المسح على العمامة: " إنه كمل عليها بعد مسح الناصية " - صحيح لا يعارضه شيء وما ظنه بعض الناس من عدم جريانه في الأحاديث القولية فقد رددناه عليه. وبالجملة: فإن ادعى أحد تواتر نفس المسح على العمامة، أو شهرته فيمكن تسليمه، ولا يضرنا، وإن ادعى تواتر الاكتفاء بمسح العمامة مع ترك المسح على الرأس فغير مسلم. والزيادة على الكتاب بالخبر لا يجوز إلا به ودونه خرط القتاد، والله الهادي إلى طريق السداد.
باب إيصال الماء إلى اللحية وافتراض إيصال الماء إلى منابت اللحية الخفيفة وافتراض غسل ظاهـــر اللحية الكثيفة
لم يرو فيهما حديث صحيح. ولكن يؤخذ إيصال الماء إلى بشرة اللحية الخفيفة من قوله تعالى: ( فاغسلوا وجوهكم لبقاء المواجهة بها، وعدم عسر غسلها، ويؤخذ وجوب غسل ظاهـــر الكثيفة مما قد ذكر في شرح الإحياء ما نصه: " وأما الكثيفة منها، فلا يجب إلا غسل
******************************
======
ظاهـــرها فقط، لما روى أنه لا توضأ، فغرف غرفة، فغسل بها وجهه ". ( هذا جزء من حديث البخاري نقل بقدر الضرورة وتمام الحديث في « النيل » ولا يبلغ ماء الغرفة الواحدة أصول الشعر مع الكثافة عادة، والمعنى فيه عسر إيصال الماء إلى المنابت مع الكثافة الغير النادرة قال الرافعي رحمة الله عليه: ويستثنى من اللحية الكثيفة إذا خرجت للمرأة الحية كثيفة، فيجب إيصال الماء إلى منابتها ؛ لأن أصل اللحية لها نادر، فكيف نصفه بالكثافة، وكذلك لحية الخنثى المشكل ؛ إذ لم نجعل نبات اللحية مزيلا للإشكال، اهـــ. كذا قال العلامة المحدث السيد مرتضى الزبيدي الحنفي نور الله مرقده في شرح الإحياء " ثم قال بعد أسطر: " ويوافقه سياق ما في كتب أصحابنا، حيث قالوا: يجب غسل ظاهـــر اللحية الكثيفة في أصح ما يفتي به ؛ لأنها قامت مقام البشرة فتحول الفرض إليها، وما قيل غير ذلك من الاكتفاء بثلثها أو ربعها أو مسح كلها أو غيره، متروك " انتهى.
قال المؤلف: وهذا الحكم المذكور إنما هو فيما يدخل تحت المواجهة، أي ما يكون في دائرة الوجه، لا كلها، وأما المسترسلة تحت الذقن فخارجة عن الحكم المذكور، كذا في الكتب الفقهية. ومن قال: يمسح ربع اللحية قائسا على الرأس، فهو قياس مع الفارق، فإن الرأس لولا عليه الشعر يفرض مسح ربعه، بخلاف الوجه، فإنه لو لم يكن عليه الشعر يفرض غسل جميعه. فكيف يقاس أحدهما على الآخر ؟ ثم اعلم أن ما ذكرناه هو الأحوط، وفي المذهب روايات أخرى مذكورة في كتب الفقه، كذا أفاده شيخي.
وفي السعاية: " ذكر الخطيب الشربيني في الإقناع، أنه خرج بالرجل المرأة فيجب غسل ذلك منها ظاهـــرا وباطنا وإن كثف، لندرة كثافتها، ومثلها الخنثى انتهى، وقواعد أصحابنا لا تأباهـــ.
******************************
======
وأما ما في کنز العمال: " عن عباد بن تميم عن أبيه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح بالماء على لحيته ورجليه. رواه ابن أبي شيبة، والإمام أحمد، والبخاري في " تاريخه "، والعدني، والبغوي، والباوردي، والطبراني في الكبير، وأبو نعيم قال في الإصابة: رجاله ثقات. وقال في « مجمع الزوائد » بعد عزوه إلى الطبراني في الكبير: " ورجاله موثقون " اهـــ. وفيه أيضا أن حمران بن أبان، قال: رأيت عثمان بن عفان دعا بوضوء، وهو على باب المسجد، فغسل يديه، ثم مضمض واستنثر ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يديه إلى المرفقين ثلاث مرات، ثم مسح برأسه وأمر بيديه على ظاهـــر أذنيه، ثم أمر بهما على لحيته، ثم غسل رجليه إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم قام فركع ركعتين، ثم قال: توضأت لكم كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ركعت ركعتين كما رأيته ركع. قال: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغ من ركعتيه: " من توضأ كما توضأت، ثم ركع ركعتين، لا يحدث فيهما نفسه. غفر له ما بينهما وبين صلاته بالأمس " قلت: رواه أحمد وهو في الصحيح باختصار، ورجاله موثقون، اهـــ. " قلت: ورواه الدارقطني بلفظ: " قال (عثمان) هلموا أتوضأ لكم وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسل وجهه ويده إلى المرفقين حتى مس أطراف العضدين، ثم مسح برأسه ثم أمر يديه على أذنيه ولحيته، ثم غسل رجليه " التعليق المغني (حاشية الدارقطني: قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: " إسناده حسن " فلا يستدل بها على مسح اللحية عند غسل الوجه، وهو المبحوث عنه في المقام ؛ لأن الأول لم يفضل فيه الوضوء، فيحتمل أن يكون ذلك المسح
******************************
======
عند مسح الأذنين، كما في حديث عثمان رضي الله عنه ويكون ذلك أدبا مستقلا، وحديث عثمان رضي الله عنه، فيه تصريح بأن ذلك المسح كان عند مسح الأذنين فلا يستدل بها على المطلوب، هكذا قاله شيخي، والله أعلم. كيف كانت لحيته عليه السلام ؟:
في التلخيص الحبير: " وأما كونه صلى الله عليه وسلم كان كث اللحية، فقد ذكر القاضي عياض ورود ذلك في أحاديث جماعة من الصحابة بأسانيد صحيحة كذا قال "، وفي مسلم من حديث جابر رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير شعر اللحية، وروى البيهقي في الدلائل من حديث علي رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيم اللحية، وفي رواية كث اللحية، وفيها من حديث هند بن أبي هالة مثله، ومن حديث عائشة مثله، وفي حديث أم معبد المشهور: وفي لحيته كثافة.
قلت: قال العزيزي بعد نقل حديث علي رضي الله عنه المذكور: " قال الشيخ حديث صحيح. وحديث أم معبد رواه البغوي وابن شاهـــين وابن سكن وابن مندة والطبراني والحاكم، وصححه والبيهقي، وأبو نعيم، من طريق حزام بن هشام بن حبيش ابن خالد عن أبيه عن جده، فذكر مطولا كما في الخصائص الكبرى لكن فيه لفظ " كثاثة " لا كثافة، فما في التلخيص، الأغلب أنه تصحيف من الكاتب، فاحفظه. وفي تاريخ الخلفاء: " وأخرج ابن عساكر من طرق أن عثمان رضي الله عنه كان رجلا ربعة- إلى أن قال- كثير اللحية " وفي تهذيب التهذيب: " كان ( عثمان رضي الله عنه ) ربعة حسن الوجه رقيق البشرة، عظيم اللحية ".
باب النهي عن إدخال اليدين الإناء قبل غسلهما
8- عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده ؟ رواه مسلم.
باب استحباب التسمية عند الوضوء
9- عن رباح بن عبد الرحمن بن حويطب عن جدته قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
-----
باب النهي عن إدخال اليدين الإناء قبل غسلهما
وقت استيقاظ المتوضي من نومه
قوله: " عن أبي هريرة رضي الله عنه إلخ ». قال المؤلف: قوله: " فإنه لا يدري إلخ ». يدل على أن النهي للتنزيه، قال في حجة الله البالغة: " أقول: معناه أن بعد العهد بالتطهر والغفلة عنهما مليا مظنة لوصول النجاسة والأوساخ إليهما، مما يكون إدخال الماء معه تنجيسا له، أو تكديرا أو شناعة وهو علة النهي عن النفخ في الشراب " اهـــ. قلت: وحديث النهي عن النفخ في الشراب أورده في « مجمع الزوائد » عن زيد بن ثابت قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النفخ في السجود وعن النفخ في الشراب ". رواه الطبراني في الكبير، وفيه خالد بن إلياس، وهو متروك.
باب استحباب التسمية عند الوضوء
قوله: " عن رباح إلخ ». قال المؤلف: في هذا السند رباح بن عبد الرحمن بن حويطب.
يقول: " لم يؤمن بالله من لم يؤمن بي، ولم يؤمن بي من لم يحب الأنصار، ولا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه " رواه أحمد عنها نفسها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه عنها عن أبيها والله أعلم. وفيه أبو ثفال قال البخاري: في حديثه نظر. وبقية رجاله رجال الصحيح ( مجمع الزوائد)
-----
وهو ابن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب، كما في الترمذي، ذكره ابن حبان في الثقات في أتباع التابعين كما في تهذيب التهذيب وفي التقريب: " مقبول من الخامسة " فلا يرد قول أبي حاتم وأبي زرعة: " إنه مجهول " المنقول في التلخيص الحبير، فإن من عرفه عرفه بعلم فيقدم على من جهله، وجدة رباح هي أسماء بنت سعيد بن زيد بن عمرو كما في التلخيص وفي التقريب: يقال: إن لها صحبة " اهـــ. قلت: وقد صرحت في هذه الرواية بسماعها عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي شرح إحياء العلوم للعلامة السيد الزبيدي: " وقال النووي في الأذكار: وجاء في التسمية أحاديث ضعيفة، ثبت عن أحمد ابن حنبل أنه قال: لا أعلم في التسمية في الوضوء حديثا ثابتا، قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديثه: لا يلزم من نفي العلم ثبوت العدم، وعلى التنزل لا يلزم من نفى الثبوت ثبوت الضعف، لاحتمال أن يراد بالثبوت الصحة، فلا ينتفي الحكم، وعلى التنزل لا يلزم من نفى الثبوت عن كل فرد نفيه عن المجموع. وقال بعد ما ساق الأحاديث الواردة في التسمية كلها ما نصه: قال أبو الفتح اليعمري، أحاديث الباب إما صريح غير صحيح، وقال ابن الصلاح: يثبت بمجموعها ما يثبت به الحديث الحسن، والله أعلم. قال ابن
قلت: جائز أن تكون سمعته بواسطة، وبغيرها أيضا فروت كما بلغها. وأبو ثفال هو ثمامة بن وائل بن حصين مشهور بكنيته، مقبول كما في التقريب. فهو مختلف فيه، والاختلاف لا يضر.
10- عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا أبا هريرة ! إذا توضأت فقل بسم الله والحمد لله، فإن حفظتك لا تبرح تكتب لك الحسنات، حتى تحدث من ذلك الوضوء ". رواه الطبراني في الصغير وإسناده حسن ( مجمع الزوائد ).
-----
سيد الناس في شرح الترمذي: " ولا يخلو هذا الباب من حسن صريح وصحيح غير صريح " ( كذا في النيل وقال في البحر الرائق ( بعد نقل حديث لا وضوء لمن لم يذكر اسم عليه): " وهو ظاهـــر في نفي الجواز لكنه خبر واحد لا يزاد به على الكتاب فمقتضاهـــ الوجوب إلا لصارف ". ثم قال بعد أسطر: وذكر في المبسوط أن الصارف هو عدم تعليمها للأعرابي لما علمه الوضوء وحديث الأعرابي حسنه الترمذي قال المؤلف: وفي التلخيص الحبير: ( وقال البزار: لكنه مؤول، ومعناه أنه لا فضل لوضوء من لم يذكر اسم الله عليه، لا على أنه لا يجوز وضوء من لم يسم. واحتج البيهقي على عدم وجوب التسمية بحديث رفاعة بن رافع: لا يتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمر الله فيغسل وجهه،. قلت: هذا الحديث مرفوعا بطوله رواه أبو داود وسكت عنه.
قوله: " عن أبي هريرة إلخ ». قلت: هو محمول على الاستحباب لا الوجوب لما ذكر في تقرير الحديث الأول.
وفي رد المحتار عن شرح الهداية للعيني: " رواه الطبراني في الصغير بإسناد حسن " اهـــ.
11- عن البراء مرفوعا: " وما من عبد يقول حين يتوضأ بسم الله، ثم يقول بكل عضو: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ثم يقول حين يفرغ: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين إلا فتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء، فإن قام من فوره ذلك فصلى ركعتين يقرأ فيهما ويعلم ما يقول، انفتل من صلاته كيوم ولدته أمه، ثم يقال له استأنف العمل ". رواه المستغفري في الدعوات وقال: حسن غريب ( کنز العمال ).
12- وفي الترغيب للحافظ المنذري: " قال الإمام أبو بكر بن أبي شيبة رحمه الله: ثبت لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا وضوء لمن لم يسم الله، كذا قال " اهـــ.
باب سنية السواك
13- عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء ". أخرجه مالك وأحمد والنسائي،
-----
قوله: " عن البراء إلخ ». قال المؤلف: دلالته على فضل التسمية وغيرها في الوضوء ظاهـــرة.
باب سنية السواك
قوله: " عن أبي هريرة إلخ ». قال المؤلف: دلالته على تأكيد السواك ظاهـــرة. نعم: لا
وصححه ابن خزيمة وذكره البخاري تعليقا، كذا في بلوغ المرام.
14- عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه، قال ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من بيته لشيء من الصلوات حتى يستاك. رواه الطبراني بإسناد لا بأس به. ( كذا في
-----
يدل على السنة الاصطلاحية ؛ لأنه ليس فيه لفظ دال على مواظبته على السواك والحديث الذي بعده صريح فيه، فإن فيه لفظ " كان " الدال على المواظبة. فصح قول صاحب الهداية: " وستن الطهارة- إلى أن قال- والسواك ؛ لأنه عليه السلام كان يواظب عليه ". وأما قول الشيخ ابن الهمام في فتح القدير حيث قال: " المطلوب مواظبته عند الوضوء، ولم أعلم حديثا صريحا فيه، إلى أن قال بعد ذكر الأحاديث الواردة في فضل الاستياك وغايته ما يفيد الندب، وهو لا يستلزم سوى الاستحباب، فمقصور على علمه، والمواظبة قد ثبتت، كما عرفت ودلالة بقية الأحاديث على فضل السواك عند الوضوء ظاهـــرة.
وأما ما أخرجه الجماعة عن أبي هريرة مرفوعا: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة " اهـــ. كما في « نيل الأوطار » فلفظ: " عند كل صلاة " فيه مضاف مقدر، أي عند وضوء كل صلاة " والأحاديث المذكورة مفسرة لهذا الحديث، لاسيما حديث ابن حبان. وأيضا، الاستياك حكم معقول المعنى ويدل عليه آخر أحاديث الباب، وهو يقتضي أن يكون السواك مع الوضوء، لا عند الصلاة فإن التطهير يحصل بالوضوء، فافهم.
فإن قيل: يمكن العمل ههنا بالمطلق على إطلاقه، وبالمقيد على تقييده فيستاك عند الوضوء وعند الصلاة أيضا، قلنا: لا يمكن إذا لوحظ المعنى فإن الطهارة بالسواك لما حصلت بالاستياك في الوضوء فالاستياك بعد ذلك عند الصلاة يكون لغوا وتحصيلا اللحاصل. وفي لفظ " عند كل صلاة " إشارة إلى أن تطهير الفم مقصود للصلاة، ولفظ مع كل وضوء " إلى أن محل الاستياك هو الوضوء، تأمل.
الترغيب) وفي " مجمع الزوائد ": " ورجاله موثقون ".
15- عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لولا أن أشق على أمتي الأمرتهم بالسواك مع كل وضوء ". رواه الطبراني في الأوسط، فيه ابن إسحاق، وهو ثقة مدلس، وقد صرح بالتحديث وإسناده حسن ( مجمع الزوائد). 16- عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لولا أن أشق على أمتي الأمرتهم بالسواك مع الوضوء عند كل صلاة ". رواه ابن حبان في صحيحه
التلخيص الحبير ).
-----
وأما ما في العزيزي: " السواك واجب، وغسل الجمعة واجب على كل " مسلم " رواه أبو نعيم في كتاب السواك عن عبد الله بن عمرو بن حلحلة ورافع بن خديج معا مرفوعة، قال الشيخ: حديث حسن، فالجواب عنه بأن المعنى أنه قريب من الواجب، ففيه
تأكيد.
وفي شرح مسلم للإمام النووي: " إن السواك سنة ليس بواجب في حال من الأحوال، لا في الصلاة ولا في غيرها، بإجماع من يعتد به في الإجماع،. وسياتي الجواب عن وجوب غسل الجمعة في بابه.
مبحث الاستياك بالأصابع:
ثم اعلم أن الأصابع تقوم مقام السواك عند فقدانه، ففي التلخيص الحبير: " حديث يجزئ من السواك الأصابع " رواه ابن عدي والدارقطني والبيهقي من حديث عبد الله بن الثني عن النضر بن أنس عن أنس رضي الله عنه ( أي مرفوعا )، وفي إسناده نظر وقال
17- عن عائشة رضي الله عنها مرفوعا: " السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب ".
رواه أبو يعلى بإسنادين في أحدهما ابن إسحاق وهو ثقة مدلس، ورجال الآخر رجال الصحيح (مجمع الزوائد ). ورواه أحمد والنسائي بإسناد صحيح، والبخاري تعليقا « آثار السنن ».
-----
الضياء المقدسي: لا أرى بسنده بأسا- إلى أن قال صاحب التلخيص وأصح من ذلك ما رواه أحمد في مسنده من حديث علي بن أبي طالب أنه دعا بكوز من ماء فغسل وجهه وكفيه ثلاثا وتمضمض، فأدخل بعض أصابعه في فسية، الحديث وفي آخره: هذا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قلت: الاختلاف في التصحيح غير مضر في الاستجاج بالحديث، ففي الجوهر النقي: " وإذا أقام ثقة إسنادا اعتمد، ولم يبال بالاختلاف، وكثير من أحاديث الصحيحين لم تسلم من مثل هذا الاختلاف وقد فعل البيهقي مثل هذا في أول الكتاب في حديث " هو الطهور ماؤه " حيث بين الاختلاف الواقع فيه، ثم قال: إلا أن الذي أقام إسناده ثقة، أودعه مالك في الموطأ، وأخرجه أبو داود في السنن " اهـــ.
وفي تخريج الزيلعي ( ملخصا) في حديث أبي داود: " لا يزال الله مقبلا على العبد (1 إلخ »: قال المنذري في حواشيه: وأبو الأحوص من هذا ؟ لا يعرف اسمه،
******************************
======
وهو مولى بني ليث، وقيل: مولى بني غفار، لم يرو عنه غير الزهري. قال يحيى بن معين: ليس بشيء وقال الكرابيسي: ليس بالمتين عندهم. قال النووي في الخلاصة: هو فيه جهالة، لكن الحديث لم يضعفه فهو حسن عنده، انتهى. قلت: قاعدة أبي داود في سنته أنه إذا لم يضعف حديثا فهو صالح عنده.
وفي " التلخيص الحبير " في حديث تكلم فيه البيهقي ما نصه " وقد احتج بهذا الحديث أحمد وابن المنذر، وفي جزمهما بذلك دليل على صحته عندهما " وفي " مجمع الزوائد ": عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الأصابع تجري مجرى السواك إذا لم يكن سواك. رواه الطبراني في الأوسط، وكثير ضعيف، وقد حسن الترمذي حديثه قلت: وقد عرفت أن الاختلاف غير مضر، وقد يحمل على هذا المقيد ذلك المطلق فيكون إجزاء الأصابع من السواك عند فقدانه.
كيفية الاستياك:
وقد ورد ما يدل على أنه يستاك في الأسنان عرضا، وفي اللسان طولا، ففي التلخيص الحبير: " أبو داود في مراسيله من طريق عطاء ( مرفوعا ) بلفظ: " إذا شربتم فاشربوا مصا، وإذا استكتم فاستاكوا عرضا وفيه محمد بن خالد القرشي، قال ابن القطان: لا يعرف، قلت: وثقه ابن معين وابن حبان،.
******************************
======
قلت: عطاء هذا هو ابن أبي رباح، كما هو مذكور في المراسيل، ومراسيله ضعيفة، فلا تصلح للاحتجاج عند أحد ففي تهذيب التهذيب: " قال علي بن المديني: مرسلات مجاهـــد أحب إلى من مرسلات عطاء بكثير، كان عطاء يأخذ عن كل ضرب، وقال الفضل بن زياد عن أحمد: مرسلات سعيد بن المسيب أصح المرسلات ومرسلات إبراهـــيم لا بأس بها، وليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن وعطاء، فإنهما كانا يأخذان عن كل أحد " اهـــ. قلت: فهذا مرسل ضعيف، لكن الموضع موضع الفضائل، وهم يكتفون بالضعاف فيها. على أن الحافظ قال في فتح الباري: وله شاهـــد موصول عند العقيلي في الضعفاء. وسيأتي تحقيق مراسيل الحسن البصري والنخعي في بعض المواضع من عبارات هذا الكتاب.
وفي التلخيص الحبير: " هذا إنما هو في الأسنان أما في اللسان فيستاك طولا، كما في حديث أبي موسى في " الصحيحين " ولفظ أحمد: وطرف السواك على لسانه يستن إلى فوق، قال الراوي: كأنه يستن طولا " اهـــ.
وينبغي أن يستاك بسواك من أراك، ففي التلخيص عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: " كنت أجتني لرسول الله صلى الله عليه وسلم سواها من أراك " رواه أبو يعلى الموصلى في مسنده، وأخرجه ابن حبان ( في صحيحه ) والطبراني أيضا وصححه الضياء في أحكامه وفي « مجمع الزوائد » عن أبي خيرة الصباحي قال: " كنت في الوفد الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزودنا الأراك نستاك به، فقلنا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ! عندنا الجريد، ولكنا نقبل کرامتك
باب سنية المضمضة والاستنشاق وتجديد الماء لكل واحد منهما، والمبالغة فيهما في غير زمان الصوم
18- عن أبي وائل شقيق بن سلمة، قال: شهدت علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان توضأ ثلاثا ثلاثا، وأفردا المضمضمة من الاستنشاق، ثم قالا: هكذا رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ. رواه أبو علي ابن السكن في صحاحه. ( التلخيص الحبير ).
-----
وعطيتك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم اغفر لعبد القيس؛ إذ أسلموا طائعين غير مكرهين؛ إذ قعد قوم لم يسلموا إلا خزايا موتورين " رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن.
باب سنية المضمضة والاستنشاق وتجديد الماء لكل واحد منهما، والمبالغة فيهما في غير زمان الصوم
قوله: " عن أبي وائل إلخ ». قال المؤلف: في التعليق الحسن لمؤلف آثار السنن بعد نقل هذا الحديث: " قلت، لم أظفر بإسناده ولكنه أخرجه الحافظ في التلخيص، وعزاهـــ إليه، ولفظه: وأما رواية على وعثمان فتبع فيه الرافعي الإمام ( أي إمام الحرمين ) في النهاية، وأنكره ابن الصلاح في كلامه على الوسيط، فقال: لا يعرف ولا يثبت، بل روى أبو داود عن على ضده، قلت: روى أبو علي ابن السكن في صحاحه من طريق أبي وائل شقيق بن سلمة ثم ساق الحديث، ثم قال: فهذا صريح في الفصل، فبطل إنكار ابن الصلاح، انتهى. قلت: سياق كلام الحافظ يدل على أن الحديث صحيح، وهو مقتضى إيراد ابن السكن في صحاحه أيضا، والله أعلم بالصواب " قلت: وظاهـــر لفظ " أفردا " يدل على تجديد الماء لكل أحد منهما، وإن كان يحتمل أن يمضمض ويستنشق من ماء واحد مع الإفراد.
19- سئل: ابن أبي مليكة عن الوضوء، فقال: رأيت عثمان بن عفان سئل عن الوضوء فدعا بماء فأتي بميضأة، فأصغاهـــا على يده اليمنى ثم أدخلها في الماء، فتمضمض ثلاثا واستنثر ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يده اليمنى ثلاثا وغسل يده اليسرى ثلاثا، ثم أدخل يده فأخذ ماء، فمسح برأسه وأذنيه، فغسل بطونهما وظهورهما مرة واحدة، ثم غسل رجليه، ثم قال: أين السائلون عن الوضوء ؟ هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ ". رواه أبو داود وسكت عنه هو والحافظ المنذري. وفي التلخيص الحبير: " وهو ظاهـــر في الفصل " اهـــ. وفي آثار السن: " إسناده صحيح.
20- وقال أبو بشر الدولابي فيما جمعه من حديث الثوري: حدثنا محمد بن بشار أخبرنا ابن مهدي عن سفيان عن أبي هاشم عن عاصم بن لقيط عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم " إذا توضأت فأبلغ في المضمضة والاستنشاق، إلا أن تكون صائما ". قال أبو الحسن ابن القطان: " هذا صحيح " ( نيل الأوطار "
-----
قوله: " قال أبو بشر إلخ ». قال المؤلف: دلالته على الجزء الأخير من الباب ظاهـــرة.
قوله: " عن عمرو بن يحيى إلخ ». قلت: فيه لفظة " كان، الدالة على الاستمرار، فيثبت به الجزء الأول من الباب، وقال العلامة العين في شرح الهداية: " والجواب عن كل ما روى في ذلك ( أي الجمع بين المضمضة والاستنشاق ) فهو محمول على الجواز ". قلت: وفي التلخيص الحبير: وأما حديث عبد الله بن زيد بن عاصم فمتفق عليه، وله طرق منها: " فمضمض واستنشق من کف واحد، فعل ذلك ثلاثا، وفي لفظ للبخاري
21- عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أن رجلا قال لعبد الله بن زيد، وهو جد عمرو بن يحيى: أستطيع أن تريني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم ! فدعا بماء، فأفرغ على يده فغسل يده مرتين، ثم مضمض واستنثر ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاهـــ، ثم ردهما إلى المكان
-----
فمضمض واستنشق ثلاثا بثلاث غرفات ". وفي رواية لهما: فمضمض واستنشق واستنثر من ثلاث غرفات ". وفي رواية لابن حبان في صحيحه: " فمضمض واستنشق ثلاث مرات من ثلاث حفنات ". وفي لفظ للبخاري: " فمضمض واستنشق ثلاث مرات من غرفة واحدة، وفي الباب عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة، وجمع بين المضمضة والاستنشاق. رواه الدارمي وابن حبان والحاكم، وهو في " البخاري "، بلفظ:
فأخذ غرفة من ماء، فتمضمض منها واستنشق " اهـــ.
وقال العلامة العيني- رحمه الله: " لا يقال: المواظبة تدل على الوجوب حتى قال أهل الحديث: هما فرضان في غسل الجنابة والوضوء استدلالا بالمواظبة ؛ لأنا نقول: إنه عليه السلام كان يواظب من العبادات على ما فيه تحصيل الكمال، كما كان يواظب على الأذكار ( فلا دليل في نفس المواظبة على الفرضية إلا بقرائن قوية ) وفي كتاب الله تعالى أمر بتطهير أعضاء مخصوصة " اهـــ.
وأما ما ثبت من أمره عليه السلام في فعلهما- وأصله الوجوب- فهو مصروف عن ظاهـــره ؛ لأن آية الوضوء غير مجملة في حق الوجه، فيحتمل أن يكون ذلك الأمر تكميلا الفرض الوضوء على الاستحباب، ويحتمل أن يكون ما فيه مزيدا على ما ذكر في الآية
على الإيجاب، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال، فلا يثبت به الوجوب، بل الاستحباب فقط، فإنه المتيقن وذلك الأمر فيما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله
الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه. رواه البخاري.
باب إفراد المضمضة من الاستنشاق
22- عن عبد الله الصنابحي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا توضأ
-----
عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من توضأ فليستتر، ومن استجمر فليوتر ". وما رواه أبو داود وغيره عن لقيط بن صبرة مرفوعا: " إذا توضأت فمضمض. قال الحافظ في « الفتح »: " إن إسنادها صحيح ". كذا في « نيل الأوطار » .
وفي فتح الباري تحت حديث البخاري " من توضأ " المذكور آنفا " واستدل الجمهور على أن الأمر فيه للندب بما حسنه الترمذي وصححه الحاكم من قوله للأعرابي: " توضأ كما أمرك الله " فأحاله على الآية، وليس فيها ذكر الاستنشاق ". وفيه أيضا: وذكر ابن المنذر أن الشافعي لم يحتج على عدم وجوب الاستنشاق مع صحة الأمر به إلا لكونه لا يعلم خلافا في أن تاركه لا يعيد. وهذا دليل قوى، فإنه لا يحفظ ذلك عن أحد من الصحابة ولا التابعين إلا عن عطاء، وثبت عنه أنه رجع عن إيجاب الإعادة، ذكره كله ابن المنذر، اهـــ. قلت: وثبوت الاستحباب بالأمر لا ينافي السنية الثابتة بالدوام كما أفاده شيخي، والله أعلم.
باب إفراد المضمضة من الاستنشاق
قوله: " عن عبد الله الصنابحي إلخ » قلت: دلالة قوله: " فمضمض خرجت الخطايا
العبد فمضمض خرجت الخطايا من فيه، فإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه، حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه، حتى تخرج من تحت أظفاره، فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه، حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه، حتى تخرج من تحت أظفار رجليه، ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة ". رواه مالك والنسائي وابن ماجة والحاكم. وقال: صحيح على شرطهما ولا علة له- والصنابحي صحابي مشهور كذا في الترغيب.
23- عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال: دخلت- يعني على النبي صلى الله عليه وسلم -
-----
من فيه فإذا استنثر، إلخ ». على انفصال المضمضة عن الاستنشاق ظاهـــرة، لما فيه من لفظة الفاء الدالة على التعقيب، والمراد بالاستنثار هو الاستنشاق، بدليل ما ورد في رواية الطبراني عن أبي هريرة بلفظ: " ولا يستنشق إلا خرج مع قطر الماء كل سيئة وجد ريحها بأنفه إلخ ». ورجاله موثقون كما في " مجمع الزوائد ".
قوله: " عن طلحة بن مصرف إلخ ». قلت: قد صحح صاحب السعاية أحاديث طلحة ابن مصرف عن أبيه عن جده وأثبت احتجاج الأئمة بحديثه عن أبيه ويؤيده سکوت أبي داود ثم المنذري عنه، وتحسين ابن الصلاح له. قال العلامة العيني: اسكت عنه أبو داود، وهو دليل رضاهـــ بالصحة.
وهو يتوضأ والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره، فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق. رواه أبو داود ( مع غاية المقصود ) وسكت عنه هو والمنذرى، فهو صالح للاحتجاج عندهما وحسنه الحافظ أبو عمر وابن الصلاح، كما نقل الشوكاني في السيل الجرار كذا في العرف الشذي ولفظ الطبراني يأخذ لكل واحدة ماء جديدا، كما سنذكره في الحاشية.
-----
وقال الزيلعي في حديث أبي داود: " لا يزال الله مقبلا على العبد ": " قال المنذري في حواشيه: وأبو الأحوص من هذا ؟ لا يعرف اسمه، لم يرو عنه غبر الزهري، قال النووي في الخلاصة: هو فيه جهالة، لكن الحديث لم يضعفه أبو داود، فهو حسن عنده ملخصا قلت: وكذلك حديث طلحة بن مصرف هذا، وإن ضعفه بعضهم لجهالة أبيه مصرف، ولكن لم يضعفه أبو داود، وسكت عنه المنذرى، فهو حسن عندهما وضعفه الحافظ في " بلوغ المرام " وقال المحشي: " الحديث من رواية ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف، قال الثوري: اتفق العلماء على ضعفه " اهـــ.
قلت: حسن له الترمذي في جامعه وقال الهيثمي في " مجمع الزوائد ": " هو ثقة مدلس " ورمز له في « التهذيب » علامة مسلم والأربعة وتعليق البخاري، ( فهو من أخرج له مسلم والأربعة، وعلق له البخاري ) وقال: " قال أبو داود: سألت يحيى عن ليث
******************************
======
فقال: " لا بأس به، وقال ابن عدي: " له أحاديث صالحة، وقد روي عنه شعبة والثوري ومع الضعف الذي فيه، يكتب حديثه، وقال البرقاني: سألت الدارقطني عنه، فقال: صاحب سنة يخرج حديثه، ثم قال: إنما أنكروا عليه الجمع بين عطاء وطاوس ومجاهـــد حسب. هاهـــ. ملخصا فالرجل مختلف فيه فلا ينزل حديثه عن درجة الحسن.
وأما علة التدليس، فقد ارتفعت بما رواه الطبراني في معجمه: حدثنا الحسين بن إسحاق التستري ثنا شيبان بن فروخ، ثنا أبو سلمة الكندي، ثنا ليث بن أبي سليم، حدثني طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده کعب بن عمرو اليامي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
توضأ فمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا، يأخذ لكل واحدة ماء جديدا، الحديث " كذا في غاية المقصود ففيه صرح الليث بالتحديث، فلم يبق له علة، غير ما في مصرف ابن طلحة من الجهالة ولكنها مرتفعة بما ذكرنا. وأيضا، فمثل هذا المجهول ثقة عند ابن حبان، كما في " التدريب "، ونصه: " وإذا لم يكن في الراوي جرح ولا تعديل، وكان كل من شيخه والراوي عنه ثقة، ولم يأت بحديث منكر، فهو عنده (أي ابن حبان) ثقة، وفي کتاب الثقات له كثير من هذه حاله، ولأجل هذا ربما اعترض عليه في جعله ثقات من لم يعرف حاله، ولا اعتراض عليه، فإنه لا مشاحة في ذلك، اهـــ.
قلت: والراوي عن مصرف هو طلحة ابنه من رجال الجماعة ثقة وشيخه کعب بن عمرو، ويقال: عمرو بن کعب صحابي، قال في غاية المقصود: " والذي ذهب إليه أكثر أهل الحديث هو ثبوت الرؤية لعمرو بن کعب، كما عرفت، اهـــ. والحديث الذي
24- عن عثمان رضي الله تعالى عنه مرفوعا): " من توضأ فغسل يديه ثلاثا، ثم تمضمض ثلاثا، ثم استنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، ويديه إلى المرفقين، ومسح برأسه ثم غسل رجليه، ثم لم يتكلم حتى يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، غفر ما بين الوضوئين ". رواه أبو يعلى. وهو ضعيف، كذا في كنز العمال وإنما ذكرناه اعتضادا لما قبله.
-----
أتي به غير منکر، لما له من الشواهد الصحيحة، منها ما مر عن أبي وائل شقيق بن سلمة، قال: " شهدت على بن أبي طالب وعثمان بن عفان توضأ ثلاثا ثلاثا، وأفردا المضمضة من الاستنشاق، ثم قالا: هكذا رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ. رواه أبو علي ابن السكن في صحيحه ( التلخيص الحبير ) وبعد ذلك فحديث و منة هذا صالح للاحتجاج حتما، وقاطع للاحتمال الذي أيده بعض الناس في حديث أبي وائل شقيق بن سلمة هذا أن ظاهـــر لفظ " وأفردا " يدل على تجديد الماء لكل واحد منهما، وإن كان يحتمل أن يمضمض ويستنشق من ماء واحد مع الإفراد. ووجه القطع ما ورد في رواية الطبراني من التصريح بقوله: " ويأخذ لكل واحدة ماء جديدا "، فثبت به الفصل مع تجديد الماء لكل واحدة منهما، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ومنها حديث عاصم بن لقيط الذي مر في الباب السابق، فإن فيه الأمر بالمبالغة في المضمضة والاستنشاق، ولا يخفى أنها لا تتأتي عادة إلا بالإفراد وتجديد الماء لكل واحدة منهما؛ لأنه بالجمع يقل الماء لكل منهما، ولا مبالغة مع قلته، فما ذهب إليه أبو حنيفة ومن وافقه أولى ؛ لأنه مؤيد بالقول والفعل جميعا، بخلاف من ذهب إلى الوصل بينهما بماء واحد، فحجته ليس إلا حكاية أفعال لا عموم لها، وتحتمل الوجوه، كما سيأتي.
قوله: " عن عثمان إلخ » قلت: قوله: " ثم استنشق ثلاثا " صريح في الأفراد، والحديث