الجزء 1 · صفحة 1
[1/1]
( أصول الفقه )
نظم وشرح مختصر المنار للعالم المحقق والنحرير المدقق فريد
دهره ووحيد عصره البغدادي الشيخ طه أفندي
العريف بسنوي زاده ، ابن الجهبذ الذي علت به كلمة
الإسناد وزخر به العلم الحديثي وزاد وأمد بإملائه
الصدور بالإرشاد والإمداد الشيخ أحمد أفندي
ابن العلامة الذي بتمهيد المسائل برز على
نظرائه في مصره فأفضت إليه الرياسة
العلمية في عصره ومصره ، مصدر المعقولات
والمنقولات الشيخ محمد قسيم السنندجي
الكوراني ، أسكنهم اللّه تعالى فراديس
الجنان بحرمة من أنزلت
عليه سورة الفاتحة
وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً
سعياً في طبعه ونشره برخصة من نظارة المعارف العمومية بعدد ( 202 ) ، وفي تاريخ 6 مايس سنة 1314 ولد المؤلف نائب لواء زور سابقاً إسماعيل سيف الدين أفندي ونائب لواء ديوانيه سابقاً عبد المجيد أفندي ، وطبعت في دار الخلافة العلية في مطبعة ( محمود بك ) المرقمة ( 72 ) بالقرب من الباب العالي بشارع أبو السعود وذلك في 19 محرم الحرم سنة 1316 .
[1/2]
بسم اللّه الرحمن الرحيم
دوحة حمد تنشأ من حديقة الإخلاص فروعها وأصولها ، وروضة شكر يرجى أن تهب من قِبَل حسن القبول قبولها وشمولها لم تتما عند اللّه وَليّ الحمد والشكر ، الذي يضيق عن توافر آلائه نطاق العد والحصر ، إلا ببركة صلاة وتسليم على حضرة ملجأ الأنس رئيس مقربي حظيرة القدس محمد طيّب الذات والأصل والفرع ، المبعوث بأبلغ حجة على خير أمة لتبليغ أقوم شرع ، صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله الذين لم يألوا فيما آل إلى الدين جهداً ، وصحبه الذين بالإقتداء بهم يرشد طالب الحق ويهدى .
الجزء 1 · صفحة 2
أما بعد ، فيقول المفتقر إلى اللّه الصمد ، طه العريف بسنوي زاده ، ابن المرحوم الشيخ أحمد ابن الشيخ محمد قسيم السنندجي الكوراني : أنه لما هزّ من عطفي قائد لطف رباني ، وأخذ يبدي مساعد فيض صمداني ، للتوجه إلى دار الخلافة الأبدية مقر السلطنة السرمدية :
سرير الملك بجل في ذراها ……بمن بسط الأماني كالأمان
ومهما أوقدت للحرب نارا……أعاديه أعيدوا كالمان
إذا حمى الوطيس تلا عليهم……نذير الرعب واقعة الدخان
وتقدم نطقه آيات رعد……فلا تبقى لهم جلد الجنان
[1/3]
تغادرهم قبل الباس موتى……فلا يخشون بادرة الطعان
فقد خصت بسطوته مزايا……سوى ما أورثت من أورخان
شملتني عواطف الخليفة على الخليقة ، الجامع عهده للمحاسن الجلية والدقيقة ، حامي الملة ، ماحي الذلة ، مُروّج الدين المبين ، سلطان الغزاة والمجاهدين ، ظهير الخلق المستظهر بالحق .
لا تنتهي أوصاف سلطان الورى ……عبد المجيد الغازي ابن الغازي
مهما بسطت القول عند ثنائه……أجملت حتى جئت بالألغاز
فأنساني أيده اللّه تعالى بُعد وطني وأذهلني أيده اللّه تعالى عن شجوي وشجني ، فأوجبت في ذمتي أن أهدي إلى حضرته كتاباً في علوم الدين ، كما أهديت سنة إحدى وستين كتابي المسمى « هدى الناظرين » ، فنظمت في مائة وسبعة وسبعين بيتاً « مختصر المنار » ، الذي هو في علم أصول الفقه مشهور في الأمصار ، ومزجته بشرح مثله سهل الحفظ والحصول ، وأسأل اللّه تعالى لهديتي حسن النظر والقبول ، ولبقاء سلطة الخليفة الدوام والطول ، ما رقمت الأوراق ، ودامت السبع الطباق .
ولتقديم هذه الخدمة أقبل القلم يسعى على الرأس لا القدم ، وقال : قد بدأ الناظم بعد التيمن بالبسملة بقوله :
الجزء 1 · صفحة 3
( الحمد ) وهو الوصف بالجميل على وجه التبجيل ، ( للّه ) الواجب وجوده ، المستجمع لجميع صفات الكمال ، المنزه عن وصمة النقص والزوال ، كائناً ذلك الحمد ( على نواله ) وعطائه ، بإفاضة الوجود الخارجي على الصور الثابتة في حضرة العلم الفعلي الأزلي ، بقدره الذي هو تالي سابق قضائه ، وبإعطائه كل موجود ما اقتضته إرادته الأزلية بحسب ما أودع فيه من الاستعداد ، وبتمييز نوع الإنسان بالفصل بين الباطل والحق ، وبجعله الأنبياء أنواراً يستضيء بهم الخلق . ( صلى )
[1/4]
الجزء 1 · صفحة 4
وأنزل الرحمة المقرونة بالتعظيم ( على ) أفضلهم خَلقاً وخُلقاً ، ( محمد ) الذي أمرنا بالدعاء له بذلك ، مع كونه محفوفاً بالخيور المفاضة عليه من حضرة القدس ، إما لأن رحماته تعالى تعالت على الحصر والتناهي ، فما من جملة من الرحمات وإن جلت إلا وفوقها جملة أخرى وهلم جرا ، وبرهان التطبيق لا يجري فيها كما لا يجري في مقدوراته تعالى ، وإما لأن المراد بتلك الرحمة إبقاء شريعته وإعلاء ذكره ، حتى يأتي أمر اللّه في الدنيا ، ورفعه في المقام المحمود والشفاعة الكبرى في الآخرة ، وهما وإن كانا مُوعداً بهما ، واللّه تعالى لا يخلف الميعاد ، لكن الثاني غير حاصل بالفعل ، والأول إنما يتم ويظهر كماله عند إتيان أمر اللّه تعالى ، فطلب ذلك لا يكون طلب حصول ما هو حاصل ، ( و ) على أقاربه المؤمنين من بني هاشم وهم ( آله ) ، والاسم مأخوذ من أهل ، بدليل أهيل وأهلين ، وزاد على أصله بتخصيص استعماله بالأَشْرَاف ، ( و ) على الذين رأوه ورآهم ، مؤمنين بما جاء به ، وفارقوا الدنيا على ذلك ، وهم ( صحبه و ) على من جاهدوا معه في سبيل اللّه ، وهم ( جنده ) . والمفاهيم الثلاثة متصادقة كما لا يخفى على من له قدم صدق ، ( وسلما ) عليه وعليهم أجمعين ، ( ما دام فرعٌ ) من الأجسام النامية ، نباتاً كان أو حيوانياً ( من أصوله ) نشأ و ( نما ) ، والنماء في الأصل : عبارة عن تزايد أقطار الجسم بنسبة تقتضيها طبيعته إلى غاية النشوء ، ثم سمي حصول جسم من آخر أيضاً بذلك ، ومن الأخير قوله عليه الصلاة والسلام : « لا تمثلوا بنامية اللّه أي لا تشبهوا بمخلوقه » ، ولا يخفى ما في هذا الشطر من براعة الاستهلال . ( وبعد ) ما مر وحلا ( فالذي جرى به القلم ) من جيد تحبيرات ليقت سلاسة
[1/5]
الجزء 1 · صفحة 5
ألفاظها بجزالة المعاني بإمداد من اللطف الصمداني وألفاظ رقيق النسج قدت على مقدار قامات المعاني رقى ( في الحسن ) والبهاء إلى مقام ربما يتوهم أنه ( يحكى ) ويشبه ( وصف ) حضرة ملاذ الملة الإسلامية القائم بسد ثغورها وتسديد أمورها بقوة ملكية صارت ملكة له إذ ورثها من آبائه الملوك المقسطين المجاهدين لإعلاء كلمة الدين أعلى اللّه درجاتهم أجمعين وهو ( سلطان الأمم ) وولي كل جماعة ساعدتها السعادة الأزلية ( كهف الورى ) وملجأ الخلق الخليفة الحاكم بين الناس بالحق السلطان ( عبد المجيد ) خان ( الغازي جازاه عونا ) ونصار ورفع له قدراً وذكراً ( ربنا المجازي ) من جاهد لقمع عروق الضلال وحرض المؤمنين على القتال ( خليفة المقتدر العلام ) بخلقه في تنفيذ ما شرعه من الأحكام ( حامي حماة حوزة الإسلام ) وحافظ ولاة ناحية المسلمين يحميها ( با ) لسيوف ( البيض و ) الرماح ( السمر و ) بنادق ( سود ) على هية ( الأكر ) متخذة من الأجساد السبعة المنطرقة ( و ) بالمدافع المصنوعة لرمي تلك البنادق وهي ( اللات ترمي من طغى ) وغلبت عليه شقوته فآثر الكفر على الإيمان أو المعصية على الطاعة ( بالشرر ) المتطايرة من النيران المسرعة بالبنادق المذكورة ( و ) لكونه أدام اللّه تعالى شوكته سلطان البحر أيضاً يحمي المطيعين القاطنين في الجزائر والسواحل بالسفن الجسام وهي ( الجاريات ) المنشآت في البحر كالأعلام ( الساريات ) السائرات ( في اللجج ) التي هي معظم
[1/6]
الجزء 1 · صفحة 6
المياه كيلا يغشى المطيعين موج من النكبات بل لا يبل أقدامهم قطر عارض من البليات وذلك أن تلك الجواري هي ( الحاملات ) للمدافع التي ترمي ( شهبا ) هي عبارة عن النيران الحافة بالبنادق ( إلى المهج ) والأرواح العاصية ولا يخفى عليك حسن تلك السفن الجسام فإن الخليفة أدام اللّه تعالى ظله على الخليقة قد أقدره اللّه تعالى بها على أمرين عسيرين جداً أحدهما شبه جمع المتضادين والثاني ظهور ما هو من خواص الحيوان مما لا حياة له ( ف ) إنه ( إن يشأ ) إطفاء ما أوقدت الكفرة أو العصاة من نيران الكفر أو المعصية ( أجج ) وألهب ( في ) لج ( الماء الضرم ) وشعلة النار ( وإن يشاء ) الخليفة الغازي دام ظله إصلاح مزاج الملك بدفع الأخلاط الردية المتكونة من فساد الأشرار ( قاء الحديد ) الذي صيغت منه تلك المدافع ( ما التقم ) من البنادق والأجزاء الكبريتية بأن تلتهب تلك الأجزاء ناراً وتخرج بالبنادق مسرعة بها إلى مجامع الأضغان من أهل الكفر أو العصيان وكون حسن ما جرى به قلم الناظم بلغه اللّه تعالى أمله ، مما يتوهم أنه كحسن ذكر محامد ذلك السلطان المجاهد لقمع البغي والعدوان مد اللّه تعالى ظله ثابت ( فإنه ) مع كونه ( في غاية اختصار ) ووجازة نظم جمع و ( حوى ) نثر ( مختصر ) كتاب ( المنار ) في علم أصول الفقه لحافظ الدين عبد اللّه النسفي اختصره بعض المحققين وزاد هذا النظم في الاختصار بترك ما وقع في النثر من التكرار فهو ( منتخب ) ومختار ( من لب ذاك المنتخب ) وخالصه فطريقة هذا النظم و ( سنته الترك لغير ما وجب ) من أمهات المسائل ومما يجب أن يمهد
[1/7]
الجزء 1 · صفحة 7
قبل الشروع في المسائل بسط مقدمة تعين عليها وهي أن الأصل ما يبنى عليه غيره والفرع ما يبنى على غيره والفقه والعلم بالأحكام الشرعية من الوجوب والندب والإباحة والحضر والكراهة حاصر ذلك العلم من الأدلة التفصيلية فعلم المقلد بالحكم بدليل أنه مما أدى إليه رأي المجتهدين وكل ما أدى إليه رأي المجتهد فهو ثابت ليس من الفقه لعدم اختصاص دليله بحكم دون آخر ولاختصاص أحكام الفقه بما يستفاد من خطابات اللّه تعالى المتعلقة بأفعال المكلفين كان الفقه أخص من الشرع فإن الشرع كما يؤخذ مما سيأتي والدين والملة متحدة بالذات وإنما تختلف بالاعتبار إذ الشريعة من حيث أنها يطاع بها تسمى ديناً ، ومن حيث أنها يجتمع عليها تسمى ملة ، فالشرع يعم الأعمال والعقائد ، والفقه يخص بالأفعال المراد بها أفعال الجوارح عرفاً ، وقد يؤخذ الشرع بمعنى المشروع من الأحكام الفرعية ، فيرادف الفقه ، ولذلك ترى البعض من المؤلفين يذكرون أصول الشرع في مقام ذكر الأكثرين أصول الفقه .
وموضوع أصول الشرع الأدلة الشرعية ، من حيث يستنبط منها الأحكام ( والشرع مبني على الكتاب ) المنزل من رب الأرباب ، ( والإجماع ) الصحيح من خير أمة أخرجت للناس ، ولو في عهد غير الأصحاب ، ( والسنة ) المروية من حضرة خير البرية ، سواء كانت ( قولا ) من نوابغ أقواله ، ( أو عمل ) من شرائف أعماله ، صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله . ( وهذه ) الثلاثة هي ( الأصول ) الأصلية للشرائع النبيلة . ( و ) أما ( القياس ) فهو تابعها ورابعها ، ومن نورها له الاقتباس ( وهي له ) أصل و ( أساس ) ، فالأحكام المستنبطة
[1/8]
الجزء 1 · صفحة 8
منه معتمدة عليها ومستندة إليها . ( والشرع ) بالمعنى الأعم ( وضع اللّه ) تعالى ( للعباد للنفع في المعاش ) ، بصونه الدماء المحرمة من السفك ، والأعراض من الهتك ، والأموال من الأخذ بغير حق ، ( و ) للنفع في ( المعاد ) ، بنيل المثوبات المترتبة بمقتضى وعده تعالى على العبادات وما يضاف عليه الأصول هو الشرع بالمعنى الأخص إذ لا مدخل للقياس في الاعتقاديات فليفهم ( أما الكتاب وهو قرآن نقل ) إلينا كتابة وتلاوة ( تواترا ) يمتنع تواطؤ نقلته على الكذب ( فالنظم والمعنى شمل ) خلافاً لمن زعم أن القرآن هو المعنى فقط بناء على أنه كلام اللّه تعالى وصفته ، فهو قديم ، والألفاظ حادثة ، أن الحرف الثاني من كل كلمة مسبوق بالأول ومشروط بانقضائه فالحرف الثاني حادث لأنه مسبوق بالغير سبقاً زمانياً ولا شيء من القديم كذلك بالضرورة والحرف الأول حادث لأنه منقض ولا شيء من القديم كذلك لأن ما ثبت قدمه امتنع عدمه ورد بأن كون كلام اللّه تعالى وصفته القديمة القائمة بذاته الأقدس عبارة عن المعنى النفسي مسلم ، إلا أن اللفظ الدال على ذلك المعنى أيضاً يطلق عليه بالاشتراك والمجاز المشهور أنه كلام اللّه تعالى لا بمجرد أنه دال على الكلام النفسي القديم حتى لو عبر على ذلك المعنى بغير الألفاظ المكتوبة بين دفتي المصاحف لكان الإطلاق بحاله بل لأنه تعالى أنشأه برقومه في اللوح المحفوظ وبحروفه في الملك منظماً بأبلغ نظام ، أعجز مصاقع بلغاء العرب عن الإتيان بما يدانيه ، وفي اختيار الناظم النظم على اللفظ إيماء إلى ما في القرآن العظيم من حسن السبك ، وكون ألفاظه المرتبة كاللآلئ المنتظمة في السلك ، ( أربعة أقسام هذين ) المذكورين من النظم والمعنى ( غدت )
[1/9]
الجزء 1 · صفحة 9
القسم الأول النظم بحسب دلالته على معناه من غير اعتبار الظهور والخفاء والقسم الثاني النظم بحسب دلالته على معناه مع اعتبار الظهور والخفاء والقسم الثالث النظم بحسب استعماله في المعنى والقسم الرابع النظم من حيث الوقوف به على المعنى فهذه الأقسام الأربعة ( أولها وجوه نظم ) واعتباراته من حيث الدلالة فقط وهي قد ( قسمت ) إلى أقسام ( أربعة أيضاً ) كالأقسام الأولية للنظم والمعنى لأن اللفظ إما أن يدل على أحد معان مختلفة الحدود من غير ترجح بغالب الرأي أو يدل على أحد تلك المعاني مع الترجح المذكور وإما أن يدل على معنى واحد على الاشتراك أو يدل على معنى واحد من الانفراد أما الأول فمشترك وأما الثاني فمؤول وأما الثالث فعام وأما الرابع ( فخاص وهو ) كما يفهم من وجه الضبط ( ما ) أي لفظ ( لواحد ) حقيقي كرجل أو اعتباري كعشرة حال كون ذلك الواحد ( على انفراد ) وعدم مشاركته للأفراد المتحدة معه نوعاً أو جنساً بأن لا يكون مستغرقا لها قد ( علما ) ذلك اللفظ بسبب الاطلاع على وضع الواضع أو نقل الناقل سواء كان ذلك المعنى ( من جنس ) وهو ما اشتمل على مختلفين في أحكام الشرع كالإنسان المشتمل على الرجل والمرأة المتفاوتين في الأحكام ( أو من نوع ) وهو ما اشتمل على غير مختلفين في الأحكام كرجل ( أو من عين ) وشخص وهو ما لا اشتراك فيه كزيد ( ولا ترى ) لهذه الأقسام الثلاثة ( تفاوتا في البين ) نظراً إلى كونها من الخاص والأثر الثابت للخاص من حيث هو هو من دون اعتبار المواقع والصوارف ( و ) هو ( حكمه شمول ) المخصوص وهو ( ما عليه دل )
[1/10]
الجزء 1 · صفحة 10
الخاص ( بالقطع ) والجزم ( من غير ) حاجة إلى ( بيان ) وتفسير ( يحتمل ) لكونه بين الدلالة على مدلوله فلا مساغ فيه للتفسير الذي هو لإزالة الخفاء ( و ) الخاص ( الأمر منه ) وهو استدعاء الفعل بالقول ممن هو دون القائل ( و ) الموضوع ( له ) ما كان مشتقا من المضارع لأن يؤمر به نحو ( افعل ) وليفعل ( فقط ) وانته عن اعتقاد أن يكون الطلب على سبيل الاستعلاء مدلولا لغير مثل أفعل ( فزعم أن الفعل ) الصادر من مصدر الأفعال الصحيحة نبينا صلى اللّه عليه وسلم ( موجب ) على الأمة الإتيان بمثله ( شطط ) ومجاوزة عن القدر كيف ولو كان كذلك لما مست حاجة إلى الأمر في طلب الواجبات إذ ما من واجب إلا وقد فعله النبي صلى اللّه عليه وسلم والأثر الذي يستتبعه الأمر وهو ( موجبه ) بالفتح ( الوجوب ) لا الندب والإباحة بدليل التهديد على مخالفة الأمر كما في قوله تعالى : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } ، ولا فرق في كون موجبه ما ذكر بين أن يكون الأمر وارداً ( قبل الحضر ) والتحريم لذلك المأمور به ( و ) بين أن يكون وارداً ( بعده ) واختار الإمام الشافعي رحمه اللّه تعالى أنه بعد الحضر للإباحة وكون موجبه الوجوب ثابت ( بلا اقتضا ) ء ( التكرر ) للمأمور به بأن يوجب على المكلف إيقاع مرة بعد أخرى في أوقات متعددة ضرورة أن المطلوب باضرب إيقاع ماهية الضرب وهو حاصل بالضرب مرة واحدة ( بل ) الأمر ( ليس للتكرار فيه محتمل ) لأنه متضمن للمصدر والمصدر من حيث هو هو مفرد ليس بمثنى ولا جمع فلا يحتمل العدد بأن يصح استعماله فيه وإرادته منه سواء ( نيط ) أي علق ذلك الأمر
[1/11]
الجزء 1 · صفحة 11
( بوصف ) كقوله تعالى : { أقم الصلاة لدلوك الشمس } ، أي غروبها فإن الأمر بالصلاة منوط بتحقق وصف الدلوك ( أو بشرط اتصل ) كما في قوله تعالى : { وإن كنتم جنبا فاطهروا } ، ووجوب تكرر الصلاة والتطهر إنما لزم من تجدد العلة المقتضى لتجدد المعلول لا من الأمر المفيد بالوصف والمعلق بالشرط وإذا عرفت أن الأمر لا يقتضي التكرار اللازم للعموم عرفت أنه لا يقتضي العموم ( فإن تتم فردا من ) جنس ( المأمور به ) فقد ( أديت حق الايتمار ) لأنه فرد حقيقي ( فانتبه ) لما قصصنا عليك ( وهو على ذاك ) الذي ذكر من الخروج من عهدته بإيقاع فرد من المأمور به ( لدى القول الأسد يحتمل الجنس ) كله لأنه من حيث هو فرد اعتباري ( ولا ينوي العدد ) كاثنين مثلا من جنس المأمور به فلو قال لها طلقي نفسك يقع على الواحدة بلا نية من الزوج لأنه فرد حقيقي وعلى الثلث بنيته لأنه فرد اعتباري ولا مجال للثنتين لأنه ليس بفرد حقيقي ولا اعتباري إلا إذا كانت أمة فإن جنس طلاقها ثنتان .
فصل في حكم الأمر
( إن الأداء والقضا ) ء ( حكمان للأمر فاعلم ) ذلك يا ( طالب العرفان إقامة ) المكلف ( لواجب ) بالأمر بأن يوجده ويأتي به ( أداء ) و ( تسليم ) المكلف شبه الواجب بالأمر و ( مثله به ) أي في عوضه ( قضاء إن سمى الأدا ) ء ( قضاء أو عكس ) بأن سمى القضاء أداء ( جاز ) لكن لا حقيقة لتباين المعينين بل ( مجازا ) شرعيا لاشتراكهما في تسليم ما في الذمة كقوله تعالى في صلاة الجمعة التي لا تكون إلا أداء : { وإذا قضيت الصلاة فانتشروا } ، وقولك أودي ظهر الأمي ( وعلى ذلك ) المذكور من تناوب لفظيهما ( قس ) أنت ( نية كل
[1/12]
الجزء 1 · صفحة 12
منهما ) كالمثال المذكور وكقولك أقضي عصر اليوم ( و ) هما ( في السبب ) الموجب لهما ( يتحدان عند ) أكثر ( أصحاب الرتب ) العلية في التحقيق من أكثر أصحابنا وبعض أئمة الشافعية فالقضاء يجب بالأمر الذي أوجب الأداء فإن المقصود بالأمر هو العبادة وخصوصية الوقت ليست مقصودة بالذات وإنما نصبت إمارة للوجوب وفي قوله تعالى : { من شهد منكم الشهر فليصمه ، ومن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } ، وفي قوله صلى اللّه عليه وسلم : « من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها » ، دلالة على أن ما يفعل ثانياً هو ما وجب أولاً ، فلا مجال لنص جديد تأسيساً ، فإن ورد فيه نص فيكون تأكيداً وذلك أن الآية تفيد أن ما يفعل المريض والمسافر في عدة من الأيام الأخر هو الذي وجب عليه في الشهر وأن الضميرين في نسيها وفليصلها راجعان إلى الصلاة الواجبة أولا ، هذا و ( إن الأداء ) على ثلاثة أقسام فإنه ( منه ذو التقصير ) بأن لم يؤد مستجمعا لجميع الأوصاف المشروعة كأداء ما شرع فيها الجماعة من الصلوات منفردا ( ومنه ذو الكمال والتوفير ) لحق المؤدى كأدائها بجماعة ( ومنه ما أتى شبيها بالقضا ) ء كفعل اللاحق بعد فراغ الإمام فإنه أداء لعدم فوات الوقت ويشبه القضاء لفوات ما التزم من تبعية الإمام ففيه جهتا الأدائية والقضائية التي هي باعتبار وصفه فسمي أداء يشبه القضاء ولم يعكس وذلك ( مثل قضاء جاء شبها للأدا ) ء كالإتيان بتكبيرات العيد في الركوع لمن أدرك الإمام فيه فإنه قضاء لفوات التكبيرات عن موضعها الحقيقي الذي هو القيام لكنه لمشابهة الركوع بالقيام لاستواء نصف
[1/13]
الجزء 1 · صفحة 13
قامة الراكع ولكون مدرك الركوع كمدرك القيام يشبه الأداء ولم تعكس التسمية لأن أدائيته اعتبارية مبنية على المشابهة ( وقد يماثل القضاء ما انقضى ) من الأداء بأن يكون ما يفعل ثانيا مشابها لما ترك أولا كقضاء الصوم بالصوم ( وربما لم يك مثل ما مضى ) بأن لم يكن المأتي به ثانيا كالمتروك أولا كقضاء الصوم بالفدية .
فصل
( لا بد من حسن ) في نفس الأمر ( لما يؤمر به ) فإن الآمر جل شأنه حكيم لا يأمر إلا بما هو حسن في نفس الأمر فالأمر دليل حسنه الأصلي لا موجبه وحكمت الأشاعرة بأن المأمور به من حيث هو هو عرى عن الحسن وإنما يأتي ذلك من قبل الأمر فإن الصدق قد يقبح لمضرة والكذب قد يحسن لمنفعة والثابت في نفس الأمر لا يتبدل فالحسن موجب للأمر واثر ثابت به ونزاع الفريقين في الحسن بمعنى استحقاق المدح العاجل والثواب الآجل في حكم اللّه تعالى لا الحسن بمعنى الملائمة لغرض العامة أو استحقاق المدح في مجاري العادات وأن شئت لهذا المبحث بسطا حسنا فأحسن النظر إلى كتابنا المسمى هدى الناظرين ( وذاك ) الحسن الثابت للمأمور به ( إما ) حسن ثابت ( فيه ) كالتصديق بما جاء به النبي صلى اللّه عليه وسلم ( أو ) حسن ثابت ( في صاحبه ) الذي بينه وبينه من التعلق والارتباط ما يكون سببا لسراية الحسن من ذلك الصاحب إليه كالوضوء الذي لم يكن فيه حسن بالمعنى المتنازع فيه وإنما سرى إليه ذلك مما هو شرط له كالصلاة ( فما يكون ) من القسم الأول من الحسن بأن يكون ( حسنه منه حصل ) حكمه أنه ( يلزم ) المكلف أدائه و ( لا يسقط ) عنه ( إلا بالعمل ) الباطني
[1/14]
الجزء 1 · صفحة 14
كالتصديق أو الظاهري كالإقرار باللسان وكالصلاة ( أو ) يسقط ( بالذي إذا اعترى ) وعرض ( مأموراً وجدته في أمره ) وشأنه من ترك المأمور به ( معذورا مثل زوال العقل بالإغماء ) أو الجنون المسقطين للتكليف مطلقا ( والحيض والنفاس للنساء ) المسقطين للتكليف بالصلاة والصوم ما داما باقيين ( وما يكون ) من القسم الثاني بأن يكون ( بالمقارن اقتدى في الحسن ) فهو قسمان فإنه ( طوراً يستبد ) ويتفرد ( بالأدا ) ء كالوضوء الحسن بواسطة الصلاة فإن أداء الوضوء غير أداء الصلاة ( وتارة أدائه يكون في أداء ما قد كان في الحسن اقتفى ) كالجهاد المقتفى في الحسن اثر إعلاء كلمة التوحيد برفع الكفر فإن الجهاد لا يحسن لذاته لما فيه من تخريب بنيان الرب وإنما يحسن لتسببه في ذلك الإعلاء وهما مقارنان في الأداء ( ويسقط الثاني ) وهو ما كان جميلا لغيره ( بما قد مر ) من العذر والأداء ( مع سقوط ما قد كان في الحسن اتبع ) فإن رفع الكفر إذا ارتفع التكليف به بأن كان الكفر مرتفعا يرتفع التكليف بالجهاد ( والأمر ) نوعان فإنه ( قد يطلق عن وقت ) كالزكاة ( وقد يأتي ) الأمر ( مقيدا ) بالوقت كالصلاة ( فإن وقتا فقد فليس مدلولا له الفور ) وهو لزوم الأداء في أول أوقات الإمكان فلا يكون الإتيان بالمأمور به قضاء في أي وقت كان وذم إبليس على ترك السجود في الحال بقوله تعالى : { ما منعك أن تسجد إذ أمرتك } ، لا دلالة له على إفادة الأمر الفور بل الفور مستفاد من الشرطية على أنه كان مقيداً بنفخ الروح في آدم عليه السلام ، فلم يكن من المطلق ( وإن يأت )
[1/15]
الجزء 1 · صفحة 15
الأمر ( مقيداً ) بالوقت فمدلوله الأداء للمأمور به في ذلك الوقت خاصة بحيث يكون الإتيان به بعده قضاءً ، والوقت قد يفضل عن المأمور به وقد لا يفضل ، وقد يكون سبباً لوجوب المأمور به وقد لا يكون ، ( فأنواعاً ضمن ) الأمر المقيد به وكفل بإحصائها فقول الناظم ضمن مجاز عن تضمن ( فأول الأنواع وقته بدا ظرفا لما يفعل ) من المأمور به بأن يكون فاضلا عن أداء قدر ما هو المفروض منه ( وشرطا للأدا ) ء له بأن يكون كونه أداء مخصوصا به بحيث يكون فعله في غير ذلك الوقت قضاء والوقت قد يكون شرطاً لا ظرفاً بالمعنى المذكور كوقت الصوم المفروض على كافة المكلفين فإنه لا يفضل عن أداء قدر المفروض ، فذكر الشرط لا يغني عن ذكر الظرف وذكر الظرف وإن كان مغنيا عن ذكر الشرط إلا أنه أريد بيان الفارق من حيث الوقت بين الصوم والصلاة المشتركين في اشتراط الوقت فذكر أيضاً ليتبين أو وقت الصلاة شرط وظرف ووقت الصوم شرط وليس بظرف ( و ) بدأ وقت أول الأنواع ( للوجوب سببا ) أيضاً كوقت الصلاة ، فإنه شرط لأدائها وظرف لها كما ذكر ، وسبب لوجوبها ، لأن الشارع رتب الوجوب عليه وإن كان هو في الحقيقة مترتباً على توالي النعم في المكلف من الوجود وإفاضة الجود ، حيث قال اللّه تعالى : { أقم الصلاة لدلوك الشمس } ، فإن التعليل هو الأصل في اللام دون الوقتية ( فيشرط ) في هذا النوع تبيين الواجب في ذلك الوقت و ( تعيين فرضه ) لأن وقته يسع غير ذلك الفرض أيضاً ( ليس يسقط ) التعيين ( بضيق وقت ) بين لذلك الفرض عن الإتيان بالنية بأن أخره المكلف بحيث يقع بعض الفرض خارجا عن الوقت
[1/16]
الجزء 1 · صفحة 16
فإن الحكم لا يتغير بتقصير المكلف ( ثم ) مثل هذا الوقت لكونه فاضلا عن أداء قدر المفروض والشارع لم يعين جزء للأداء بل خير المكلف يكون ( وقت الفعل ما تكون ) أنت يا مكلف ( بالأداء فيه قائما ) لا ما تشخصه بقولك عينت هذا الجزء إذ ليس للمكلف ولاية التعيين بالقول فإن ذلك تقييد لإطلاق الشارع ، وتقييد المطلق نسخ ، والنسخ إنما يكون من الشارع لا من المكلف ، وأما التعيين بالأداء فأمر لا مفر منه لوقوعه البتة في ضمن الامتثال للأمر ( مثال ذا ) الذي ذكر من وقت فاضل عن أداء قدر ما هو المفروض ( وقت صلاة الفجر فا ) فهم المثال وا ( عرفه كي تضحى ) وتصير ( إمام العصر ) ومقتدى أهل هذا الزمن وأذن للطالبين بالإقامة في هذا البيت الذي رفعت قواعده ورصص فيه من إيهام التناسب ما يظهر فضله كالشمس في الظهر ( والثاني من أولئك الأنواع ) التي تضمنها الأمر المقيد بالوقت ( ما ) كان وقته و ( زمانه ساوى المؤدى فاعلم ) ذلك وتنبه لأن الوقت في هذا النوع كما يكون معيارا للمودى بحيث إذا ازداد الوقت ازداد المؤدى وإذا انتقص انتقص يكون شرطاً للأداء بالضرورة ولذلك ترك الناظم تبعا للأصل ذكر كونه شرطاً ( وكان ) زمانه ( للوجوب أيضاً سببا ) ككونه معيارا وإذا كان الوقت كذلك ( فكونه ظرفا ) لغير المؤدى و ( لضده أبى ) ذلك الوقت كالأمر بصوم شهر رمضان فإن الوقت في هذا الأمر معيار وشرط للمأمور به وهو ظاهر وسبب للوجوب لقوله تعالى : { من شهد منكم الشهر فليصمه } ، فإن المبتدأ ما لم يتضمن معنى الشرط لا يصح دخول الفاء في الخبر وضابطة النحو كافية لإثبات ذلك
[1/17]
الجزء 1 · صفحة 17
والشرطية تشعر بالعلية عند صلوح الشرط لها ( و ) حكم هذا النوع أن ( نية التعيين ليست تشترط ) فيكفي لمن يصوم في رمضان أن ينوي الصوم بغير ذكر فرض رمضان فإنه صومه متعين وما سواه مما ينافي الصوم منفى فيه ( ولم يضر ) الصائم ( إن جاء في الوصف الغلط ) كأن نوى صوم النفل أو النذر كما لا ضير في أداء المقصود إذا كان زيد في الدار وحده وقصدت ندائه فقلت يا عمرو ( فرمضان الصوم في أيامه يحسب كيف كان ) ذلك الصوم بأن كان مقرونا بنية فرض رمضان أو نية النفل أو النذر ( عن صيامه لكن لمن أباح فطره السفر تجوز نية الفرائض الأخر ) كصوم منذور نية صحيحة بأن يكون الصوم واقعا عما نواه من واجب آخر ( كذا روى القوم ) من ثقاة الرواة ( عن النعمان ) أبي حنيفة رحمه اللّه تعالى واستدل بأن المسافر ما دام مسافراً غير مؤاخذ بصوم رمضان ومؤاخذ بالمنذورات والكفارات كما في سائر الأيام فله أن يصرف إمساكه في رمضان إلى ما هو مطالب به ( و ) ثبت ( عنه ) رحمه اللّه تعالى ( في ) نية المسافر صوم أيام رمضان عن ( النفل روايتان ) الأولى أنه إذا نوى النفل يقع عن فرض رمضان لأنه غير مطالب بالنفل فليس له أن يصرف إمساكه في رمضان إليه والثانية أنه يقع عن النفل لأن وجوب الأداء لما سقط عنه صار رمضان في أدائه بمنزلة شعبان فصومه يقع عما نواه ( صوم من اشتكى ) ومرض في شهر رمضان ( عن الفرض ) لرمضان ( يقع لا عن سواه في الصحيح المتبع ) لأن رخصة المريض متعلقة بعجزه فإذا صام تبين عدم العجز وذهب بعض كصاحب الهداية إلى أن
[1/18]
الجزء 1 · صفحة 18
الصحيح في المريض وقوع صومه عما نواه كالمسافر بناء على أن رخصته متعلقة بخوف ازدياد المرض لا بالعجز ( وثالث الأنواع ) التي تضمنها الأمر المقيد بالوقت ( نوع صار لما يؤدى وقته معيارا ) بحيث إذا ازداد الوقت ازداد المؤدى وإذا انتقص انتقص كما في النوع الثاني ( لا سببا ) لأدائه ( كوقت صوم من قضى صيامه عن رمضان قد مضى ) فإن الوقت معيار لصومه وهو ظاهر وليس بسبب للأداء لعدم تعينه و ( تعيين ذا ) الوقت ( شرط ) في هذا النوع لعدم تعيّن وقته ( وليس يحتمل فواته ما لم يكن يأت الأجل ) وهو الوقت الذي يعلم اللّه تعالى بطلان حياة الحيوان فيه لأن وقته العمر بخلاف الأولين والأنواع التي تضمنها الأمر المقيد بالوقت ( رابعها ما وقته قد أشكل فالظرف والمعيار أيضاً ماثل فمثل وقت الحج ) بناء على أنه يشبه الظرف من حيث أن أركان الحج لا تستغرق جميع أجزاء وقت الحج كوقت الصلاة ويشبه المعيار من جهة أنه لا يصح في عام واحد إلا حج واحد ( قيل ضايق ) والقائل أبو يوسف رحمه اللّه تعالى نظر إلى شبه المعيارية لأن إدراك العام الثاني مشكوك فحكم بإثم من لم يؤده في العام الأول ( وقيل واسع ) والقائل محمد رحمه اللّه تعالى فهو نظر إلى شبه الظرفية بناء على أن الأصل في الحياة البقاء فحكم بعدم الإثم قبل الموت ( و ) مع هذا الاختلاف ( كل ) من الأئمة ( أطبقوا في أن من يأتي به في ) سنة من سني ( عمره فهو مؤد ) للحج ( إن يكن في أشهره ) وليس حجه في العام الثاني والثالث قضاء فأبو يوسف رحمه اللّه تعالى أيضاً لم يهمل شبه الظرفية رأساً وإلا لحكم بكون حج
[1/19]
الجزء 1 · صفحة 19
المستطيع في غير العام الأول من أعوام استطاعته قضاء كما أن محمدا رحمه اللّه تعالى لم يهمل شبه المعيارية رأساً ، حيث حكم بالإثم بالموت وإلا لما حكم بذلك فإن العمر غير معلوم المقدار فما يكون وقته في جميع العمر لا يتبين له الفوات إلا بعد الوفاة فالعبد ما دام حيا يباح له التسويف وإذا مات ينقطع عنه التكليف ( تخاطب الكفار بالإيمان ) بالاتفاق ( لما أتى في محكم القرآن ) مثل قوله تعالى : { يا أيها الناس إني رسول اللّه إليكم جميعاً } ، و ( لا ) تخاطب الكفار ( بالتي تحتمل السقوط من عبادة تلغى إذا لم يقترن بفعلها الإيمان والإسلام ) كالصوم والصلاة المحتملين للسقوط بعدم قدرة العبد على أدائهما بوجه ( واختلفت في ) تكليف الكفار بأداء ( هذه ) العبادات المحتملة للسقوط ( الأعلام ) من أئمة الإسلام فذهب القاضي أبو زيد وشمس الأئمة وفخر الإسلام ومن تبعهم من الأئمة المتأخرين إلى أن الكفار لا يخاطبون بها لأن أداء العبادات إنما هو لاستحقاق الثواب والكافر لا أهلية له لذلك وذهب الإمام الشافعي رحمه اللّه إلى أنهم يخاطبون بها لقوله تعالى : { قالوا لم نك من المصلين } ، وفائدة التكليف بها تعذيبهم بتركها زيادة على التعذيب بالكفر ، ولا خلاف في عدم جواز الأداء حال الكفر ولا في عدم وجوب القضاء بعد الإسلام ( و ) الخاص ( النهي منه ) وهو استدعاء الترك بالقول ممن هو دون القائل على سبيل الوجوب ( وهو في القبح ) للمنهي عنه ( قسم كالأمر في الحسن ) للمأمور به ( فقسه ) على الأمر ( واغتم ) القياس فإنه يكفيك مؤنة التفصيل ومزيد التفصيل إنه من المنهي عنه ما قبح لعينه ومنه
[1/20]
الجزء 1 · صفحة 20
ما قبح لغيره فالقبيح لعينه كالكفر الذي يحكم بقبحه العقل ورد الشرع أولا فإن قبيح كفران النعمة مركوز في العقول وكبيع الحر القبيح من جهة الشرع لأن العقل يجوزه لمنفعة المال والشرع قبحه بجعله محل البيع المال المتقوم والحر ليس بمال والقبيح لغيره إما أن يكون ذلك الغير وصفا لازما له كصوم يوم النحر القبيح للازمه الذي هو الإعراض عن ضيافة اللّه تعالى أو يكون وصفاً مفارقاً عنه ، كالبيع وقت النداء لصلاة الجمعة القبيح لوصف هو ترك السعي إلى الجمعة وترك السعي قد يفارق البيع بوجود البيع دون ترك السعي دون البيع بأن يقف المكلف منفردا في داره ( ما كان لولا الشرع ما سمعت به ) كصوم يوم النحر ( فقبحه لقبح وصف ) له كالإعراض عن ضيافة اللّه تعالى ( فانتبه وما سواه ) مما له وجود حسا كالكفر وبيع الحر ( قبحه لذاته ) و ( صدور ذاك النهي ) ليس موجبا لقبحه بل هو من أدلة قبحه و ( من آياته ) على قياس ما مر في الأمر من أنه دليل الحسن الأصلي لا موجبه .
تتمة
( الأمر ) بالشيء ( في ضد الذي به أمر نهي ) عن ذلك الضد فالأمر بالإسلام نهي عن الكفر ( وأمر النهي ) وشأنه ( ضد ما ذكر ) فالنهي عن الشيء أمر بضده فالنهي عن الكفر أمر بالإيمان ( و ) وجوه النظم ( العام منها وهو ذو تناول ) وشمول ( ما اتحدت ) من الأفراد ( في الحد ) بخلاف المشترك فإنه يشمل أفراداً مختلفة الحدود ( لا بالبدل ) بل على سبيل الشمول بخلاف النكرة في سياق النفي فإن تناولها على طريق البدل العام كمسلمون
[1/21]
الجزء 1 · صفحة 21
للأفراد المشتركة في الإسلام ، وزيدون للأفراد المشتركة في التسمية بزيد ، وشمول العامل للإفراد إما أن يكون ( باللفظ والمعنى ) جميعا ( أو المعنى فقط فالقوم ) لعمومه بالمعنى فقط ( والرجال ) لعمومه باللفظ والمعنى جميعا ( من هذا النمط ) والقبيل ومن ألفاظ العموم الأسماء المبهمة كمن فيمن يعقل وما فيما لا يعقل وأي في الجميع وأين في المكان ومتى في الزمان وما في الاستفهام والجزاء وغيره ولا في النكرات ( و ) حكم العام أنه ( يوجب الحكم بما حواه ) وفيما شمله من الأفراد قطعا ( و ) لذلك ( ينسخ الخاص إذا تلاه ) وتراخى تاريخه كما ينسخ الخاص العام فيما قد تناولاه إذا تراخى تاريخ الخاص ، ووجوه النظم ( ثالثها مشترك ) لفظي ( وهو ) ما ( اشتمل مختلفات في الحدود ) بخلاف العام كما مر ( بالبدل ) باعتبارات مختلفة لا على سبيل الشمول وباعتبار واحد بخلاف لفظ الشيء الشامل على كل ما له ثبوت في الخارج من مختلفي الحقيقة فإنه مشترك معنوي ويطلق على الكل باعتبار واحد هو الكون والتحقق ( و ) المشترك ( حكمه التأمل الصحيح ليستبان ما له الترجيح بين معانيه لأجل العمل ) به ( إذ هو غير واحد ) من معانيه ( لم يشمل ) عندنا خلافاً للشافعية حيث جوزوا إرادة كل واحد من معينيه بأن تتعلق النسبة بكل واحد لا بالمجموع وإلا لصار كل واحد جزء المعنى ( وذو المعاني ) المختلفة في الحدود ( بعضها إن فضل بغالب الرأي أتى مؤولاً ) وهم القسم الرابع من وجوه النظم فالمؤول ما ترجح من بعض وجوه المشترك بغالب الرأي ( وحكمه وجوب فعل الملتقط ) المختار ( بغالب الرأي وتجويز الغلط )
[1/22]
الجزء 1 · صفحة 22
والسهو كمن وجد ماء وغلبت على ظنه طهارته فإنه يلزمه التوضؤ به على احتمال الغلط ثم إذا حصل للمتوضئ علم بنجاسته يلزمه أن يعيد ما أدى بذلك الوضوء من عبادته ( الثاني من جملة الأنواع الأول ) للنظم والمعنى ( في أوجه البيان بالنظم ) من حيث الوضوح والخفاء ( حصل وهذه الوجوه أيضاً ) كالأقسام الأولية أو كأقسام وجوه النظم ( أربعة ) لأن النظم الذي وضح معناه إما أن يحتمل التأويل أو لا فإن احتمل التأويل فإما أن يكون وضح معناه لمجرد صيغته فهو الظاهر وإلا فهو النص وإن لم يحتمل التأويل فإما أن يقبل النسخ أو لا فإن قبله فهو المفسر وإلا فالمحكم وهذا لوجوه ( بمثلها ) عددا ( مقابلات ) لها ( متبعة ) وهي الخفي وهو مقابل الظاهر والمشكل وهو مقابل النص والمجمل وهو مقابل المفسر والمتشابه وهو مقابل المحكم ومقسم هذه المقابلات النظم الغير الواضح المعنى ولم تضم على الأقسام الأربعة للنظم الواضح المعنى لتكون وجوه البيان بالنظم ثمانية لأن الغرض من هذه توضيح تلك الأقسام لأن الأشياء تتبين بأضدادها كذا قيل ولم يرتضه بعض الفضلاء متمسكا بأن لها أحكاما خاصة بها ودفع بأن أحكام الشرع التي باعتبار معرفتها يقسم اللفظ والمعنى لا يتحصل بها إلا إذا خرجت من حيز الخفاء ، ولا خفاء في أنها تكون حينئذ من أقسام الواضح المعنى ( فالأول ) من أقسام الواضح ( الظاهر وهو ما بدا ) للسامع الواقف على اللغة ( منه المراد ) للمتكلم ( بمجرد الأدا ) ء والتكلم بحيث يسمعه المخاطب من غير توقف على الطلب والتأمل كقوله تعالى : { وأحل اللّه البيع وحرم الربوا } ، الظاهر في الإحلال والتحريم ( وحكمه وجوب فعل ما ظهر منه ولا
[1/23]
الجزء 1 · صفحة 23
خلاف في هذا الخبر ) إذ كون حكمه ما ذكر متفق عليه وإنما الخلاف في إيجابه العلم كإيجابه العمل ، فمن العلماء من قال بأنه : إنما يوجب الظن لا العلم لقيام احتمال المجاز ومنهم من قال بإيجابه العلم لعدم الاعتبار بالاحتمال الغير الناشئ عن دليل وإلا لفقدنا العلوم العادية ( والثاني ) من أقسام الواضح ( النص ) وهو ( الذي قد لاح ) وظهر حال كونه ( أعلى من الظاهر اتضاحا بسبب من صاحب التكلم ) بأن ساق الكلام له مثلا قوله تعالى : { فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلث ورباع } ، فهم منه إباحة النكاح وعدد الزوجات والآية مسوقة للثاني لسياق قوله تعالى : { فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة } ، فالآية ظاهرة في الإباحة نص في العدد ( و ) النص ( حكمه الوجوب ) للعمل ( أيضاً ) كالظاهر ( فاعلم ) والكلام في إفادته العلم أو الظن كالكلام في الظاهر ويحتملان التخصيص إذا كانا عامين ويحتملان النسخ ( وفي كليهما المجاز محتمل كجاءني زيد ) الظاهر في مجيء زيد نفسه والنص فيه ( لإتيان ) المتاع والحشم وهو ( الثقل ) بفتحتين ولا بدع في كون نظم واحد ظاهرا ونصا إذ الأقسام الأربعة متداخلة بحسب الوجود وتمايزها بحسب المفهوم فإن المعتبر في الظاهر أن يكون سماع اللفظ كافيا في معرفة مراد المتكلم عند الاطلاع على وضع اللغط سواء سيق له النظم فكان نصا أيضاً أو لا وفي النص كون النظم مسوقا للمراد سواء لم يحتمل التخصيص والتأويل فكان مفسرا أيضاً أولا وفي المفسر عدم احتمال التخصيص والتأويل سواء لم يحتمل النسخ بأن كان
[1/24]
الجزء 1 · صفحة 24
محكما أيضاً أو لا فإذا كان نظم ظاهر الدلالة على المراد مسوقا له ولم يحتمل التخصيص والتأويل ولا النسخ كان ظاهرا ونصا ومفسرا ومحكما هذا عند المتقدمين وأما المتأخرون فيشترطون في الظاهر أن لا يكون مسوقا للمراد في النص احتمال التخصيص والتأويل وفي المفسر احتمال النسخ فتكون الأقسام المذكورة متباينة وأقسام الواضح ( ثالثهن الأوضح ) بالنسبة إلى النص الواضح وهو ( المفسر ) وازدياد وضوحه قد يكون بما يسمى بيان التفسير وهو لحاق ما هو قطعي الدلالة بالمجمل كما في قوله تعالى : { خلق الإنسان هلوعاً إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً } ، فإن لحاق إذا وما بعدها قطع الإجمال في هلوعاً وقد يكون بما يسمى بيان التقرير وهو إلحاق ما يسد باب التخصيص بما هو ظاهره العموم كما في قوله تعالى : { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } ، فإن إلحاق كلهم سد باب إرادة البعض من الملائكة وأما إلحاق أجمعون فقيل أنه لقطع احتمال التفرق ( و ) لكون البيان بعيد الغور في المفسر ( ليس للتأويل فيه ) مجاز و ( معبر لكنه يحتمل النسخ وقد أوجب أن يعمل ) به ( مع أن يعتقد ) بموجبه وأقسام الواضح ( رابعهن محكم ) وهو نظم ( قد أحكم ما ريم ) وقصد ( منه وعن ) احتمال ( النسخ احتمى ) وتحفظ كقوله تعالى : { إن اللّه بكل شيء عليم } ، ( وحكمه الوجوب أيضاً ) كالمفسر ( للعمل وليس في هذا ) الأخير ( احتمالات ) الأقسام ( الأول ) من التأويل والتخصيص المحتملين للظاهر والنص والنسخ المحتمل للمفسر ( قد انتهى ) بتوفيق اللّه تعالى ( الكلام في ) أنفسٍ أقسام ، الواضح و ( ذواتها
[1/25]
الجزء 1 · صفحة 25
فاستمع الآن مقابلاتها أولها الخفي ) ، وجُعل أولاً لأنه ( ضد الظاهر ) ، الذي هو في أول مرتبة الوضوح ، و ( خفائه ) ليس بنفس الصيغة ، نظراً إلى موضوعها اللغوي بل ( لأجل أمر معتر ) كالسارق الموضوع لأخذ المال على حين غفلة من مالكه وهو نظراً إلى هذا الوضع صريح لا خفاء فيه إلا أنه اعتراه خفاء في شموله الطرار والنباش من أمر عارض هو اختصاص كل من الطرار والنباش باسم هو غير لفظ السارق ( وحكمه الفكر ) والتأمل ( وبعض الفحص ) والفتش ( إن ذاك ) الخفاء ( من زيادة ) لما خفيت فيه الصيغة على ما هي ظاهرة فيه ( أو ) من ( نقص ) لما خفيت فيه الصيغة عما هي ظاهرة فيه فإن كان ذلك الخفاء من الزيادة الحق ما خفيت فيه الصيغة بما هي ظاهرة فيه كالطرار وإن كان من النقص فلا يلحق به كالنباش فيقطع الطرار دون النباش ( والثاني ) من المقابلات ( المشكل وهو ما أتى ضداً لما كونه نصا ثبت ) باعتبار كونه أخفى من الخفي بمرتبة كما أن النص أجلى من الظاهر كذلك فإن خفاء المشكل بنفس الصيغة من جهة دقة معناه أو كونه مستعارا باستعارة غريبة فالأول كاطهروا في قوله تعالى : { وإن كنتم جنبا فاطهروا } ، فإن فيه مبالغة ليست في اغتسلوا ، ولا يدري قبل دقة النظر أنها من جهة الكيفية أو الكمية حتى ذهب مالك رحمه اللّه تعالى إلى الأول فقال بوجوب الدلك وأئمتنا إلى الثاني فقالوا بوجوب غسل باطن الفم والثاني نحو قوارير من فضة فإن فيه إشكالا من جهة القارورة من الزجاج لا الفضة ومنشأ هذا التعبير تشبيه آنية الجنة صفاء وشفيفاً بالقارورة ولوناً وحسناً بالفضة ثم استعارة كل منهما لها
[1/26]
الجزء 1 · صفحة 26
استعارة مصرحة وجعل كل قرينته للمجاز في الآخر ولوجود هذه الاستعارة البديعة احتيج إلى مزيد الفكر لمعرفة حقيقة الأمر ( وهو بوصف الاحتياج للطلب فوق الخفي ) لكونه أخفى منه ( وله ) التأمل و ( الفكر ) البليغ ( وجب ليستبان ما به يراد إذ واجب بذاك ) المشكل ( الاعتقاد ) والمراد به غير متعين في مبدأ الأمر فلا بد من استعمال الفكر ليحصل له التعيين فيكون منه المكلف على يقين ( والثالث ) من المقابلات ( المجمل ) المقابل للمفسر ( وهو ما اشتبه ) المراد به إما لغرابة المعنى كالهلوع أو لعدم إرادة المعنى اللغوي كالصلاة والزكاة إذ ليس المراد بهما الدعاء والنماء كما هو مقتضى الوضع اللغوي ( و ) المجمل ( حكمه تطلب التبيين له ) وما لم يوجد بعد التطلب ما يبينه فهو متشابه وفصل المجمل من المشكل مع اشتراكهما في مزيد الخفاء وشدة الحاجة إلى الطلب هو أن المشكل قد يزول خفائه بوقفه المتأمل والمجمل لا يتضح إلا بعد بيان المجمل وبيانه تفسير إن شفى الغليل وإلا فهو تأويل فالأول كتفسير النبي صلى اللّه عليه وسلم الصلاة والزكاة بالقول الصريح والثاني كبيان مقدار ما يجب مسحه من الرأس بحديث المسح على الناصية ( رابع هؤلاء ) المقابلات ( ما تشابه ) وهو مقابل المحكم لبلوغه من درجات الخفاء ما بلغه المحكم من مراتب الجلاء فانقطع عن معرفة الرجاء ( وحكمه توقف بلا انتها ) ء تحوطه من مقطعات أوائل السور والاستواء والوجه واليد في شأن خالق القوى والقدر ( لشدة الخفاء في مراده ) وللزوم الوقف على اللّه في قوله تعالى : { وما يعلم تأويله إلا اللّه } ، ( ونحن مأمورون باعتقاده ) بأن نجزم
[1/27]
الجزء 1 · صفحة 27
بأن في نفس الأمر ما عبر عنه بالحروف النورانية في أوائل السور وبان اللّه تعالى صفة عبر عنها باليد وأخرى عبر عنها بالوجه وأخرى عبر عنها بالاستواء وإن لم نعلم أنها ما هي هذا على رأي المتقدمين والمتأخرين فيه تحقيق آخر وقد فصلنا القول في كتابنا المسمى هدى الناظرين ( وثالث الأنواع ) الأولية للنظم والمعنى ( يا هذا الفتى ) المستشرف لبزوغ شمس التحقيق من أفق الاختصار ( في وجه الاستعمال للنظم أتى وهو على أربعة ) أقسام ( فالأول حقيقة ) وهي فعيلة من حققت الشيء إذا أثبته فهي بمعنى مفعول بمعنى المثبتة في موضوعها الأصلي والتاء على قول للنقل من الوصفية إلى الاسمية ( وهي على ما عولوا ) عليه ( اسم لما ريم ) وقصد ( به الموضوع له عند اصطلاح ناطق استعمله ) فاستعمال الصلاة في الدعاء مجاز عند كون المستعمل فقيها وفي الأفعال والأركان المخصوصة مجاز عند كون المستعمل من أهل اللغة وهي في الدعاء حقيقة عند اللغوي وفي الأفعال والأركان حقيقة عند الفقيه ( والثاني ) من أقسام وجه استعمال النظم ( المجاز وهو ما سمع في غير ما كان له اللفظ وضع ) في اصطلاح المتكلم به المستعمل له وبقسميه قد عرفت حقيقته وسماعه في غير الموضوع له يكون ( لباعث من شبه ) بين المعنى الحقيقي والمجازي كما في استعمال الأسد في الرجل الشجاع ( أو ما نزل منزله ) كالتقابل فإنه ينزل منزل التناسب لنحو تهكم فيستعمل أحد المتقابلين في الآخر كاستعمال الشجاع في الجبان ( أو لاعتبار قد حصل ) ذلك الاعتبار في نفس الأمر كالحالية والمحلية وغيرهما مما هو مذكور في المطولات ثم إن الحقيقة والمجاز
[1/28]
الجزء 1 · صفحة 28
( جمعهما في لفظة ) واحدة باستعمال واحد ( ممتنع ) لتقابل الإيجاب والسلب بين المستعمل في الموضوع له واللا مستعمل فيه ( ثم المجاز لا يكاد يقع إلا إذا لم يجز الأصل ) الذي هو الحقيقة ( كما ) إذا نحى ذلك الأصل عن الإرادة و ( أبعد ) الفهم ( عنه مبعد ما ) من عادة كما إذا حلف أن لا يضع قدمه في دار فلان فإن العادة تصرفه عن حقيقته التي هي وضع القدم حافيا إلى المجاز الذي هو الدخول أو من تعذر للحقيقة كما إذا حلف أن لا يأكل من هذه النخلة فإن تعذر ما هو الحقيقة وهو أكل عين النخلة صرف الحلف إلى المجاز الذي هو أكل ثمرها ( فاعلما ) ذلك وقس عليه سائر ما يمنع الحقيقة من القرائن كما إذا حلف أن يهب أسلحته من أسد شاكي السلاح وأقسام أوجه الاستعمال ( ثالثها الصريح وهو ما ظهر معناه ) بكثرة الاستعمال ظهورا ( بينا ) لا ظهورا غير تام كما في الظاهر ولا ظهورا بالبيان والقراين كما في النص والمفسر ولا فرق في الصريح بين كونه حقيقة كانت حر وكونه مجازا ، كأكلت من النخلة إذ العبرة فيه بالظهور التام لا بالاستعمال في المعنى الموضوع له وعدم الاستعمال فيه ( و ) حكمه أنه ( ليس يفتقر فيه إلى عزم فقول السيد ) لعبده ( يا حر تحرير وإن لم يرد ) التحرير وهكذا قول الزوج يا طالق وأقسام أوجه الاستعمال ( رابعها كناية وهي ) الكلمة ( التي نابت عن الصريح للتخافت ) والاستتار بأن استعمله أهل اللسان على قصد الاستتار ولا فرق فيها أيضاً بين كونها حقيقة أو مجازا إذ مدارها على خفاء المراد فالحقيقة المهجورة والمجازات
[1/29]
الجزء 1 · صفحة 29
الغير المشهورة تكون من الكنايات ( وهي إلى النية تحتاج ) لصلوحها لغير ما هو المراد منها فلا بد فيها من النية وهي إما أن يدل عليها حال المتكلم كما إذا اعتدت عليه الزوجة فغضب فقال لها اعتدي إذ لا اعتداد بك عندي فإذا كانت الكناية محتاجة إلى النية ( فلا تعمل بها بغير قصد عملا ) ولا تثبت بها بدون نية حكما من الأحكام الشرعية ( والأصل في العبارة الصريح ) إذ فيه إظهار المرام والكشف التام ( وليس في الكناية التوضيح ) للإفهام الذي لأجله يركب الكلام ( ورابع الأنواع ) الأولية للنظم والمعنى ( وجه الفهم للحكم في إدراك ) معنى ( ذاك النظم ) الذي شمله الكتاب ( أقسامه أيضاً كأقسام ) الثلاثة ( الأول أربعة لم تلق ) أنت ( في ذا ) الذي ذكرنا من كون أقسامه على العدد المذكور ( من زلل ) إذ قدم الصدق لم تدحض فيه وهي دلالة عبارة النص ودلالة إشارته ودلالة دلالته ودلالة اقتضائه لأن الدلالة على المعنى إن كان لنفس اللفظ المسوق له فالأولى وإلا فإن لم تتوقف صحة النظم عليه فالثانية وإن توقفت عليه فالرابعة وإن كانت الدلالة لمفهوم اللفظ لغة فالثالثة فالأولى والثانية كما في قوله تعالى : { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن } ، فإن دلالته على وجوب النفقة على المولود له وهو الأب دلالة عبارة النص لكون الكلام مسوقا له دلالة على أن النسب للآباء دلالة إشارة النص لعدم السوق له والثالثة كدلالة قوله تعالى : { ولا تقل لهما أف } ، على حرمة الضرب للوالدين فإن الكلام غير مسوق له لكنه يفهم نظراً إلى اللغة من غير حاجة إلى الاجتهاد ، والرابعة كدلالة قول القائل : أعتق عبدك عني بألف ، على
[1/30]
الجزء 1 · صفحة 30
بعني عبدك ، فإن النص مسوق للعتق دون البيع لكنه صحته متوقفة عليه فإن الإعتاق إنما يكون بعد الملك هذا وقد جعلت الأقسام الأربعة دلالات ومن جعلها عبارة عن الاستدلالات فقد تسامح فإنها من صفات المستدل والأمر في ذلك سهل إذ لا استدلال صحيحا بدون الدلالة ( دلالة النص ) المراد به كل ما يفهم معناه من ألفاظ السنة والكتاب سواء كان نصا بالمعنى المصطلح أيضاً أولا اعتبارا للغالب فإن غالب ما ورد منها نص على ما قيل ( على معناه ) المطابقي أو التضمني أو الإلتزامي ( إن كانت بسوقه لذاك ) المعنى ( تقترن فهي له دلالة العبارة ) والعبارة مأخوذة من عبر عن فلان إذا تكلم عنه لأن الكلام يعبر عما في الفؤاد أي يتكلم عنه وجعلها مأخوذة من عبر بمعنى فسر كما تقول عبرت الرؤيا إذا فسرتها ضعيف لأن التفسير إنما يكون لما ذكر مجملا ولا ذكر للمعنى قبل أن يعبر عنها وقول صاحب « القاموس » : العبارة : هو الكلام العابر من لسان المتكلم إلى سمع السامع ، إشارة إلى أنها مأخوذة من عبر بمعنى مر فاختر لنفسك ما يحلوا فالمسوق له النص من المعنى المطابقي كما في نحو لا يغتب بعضكم بعضا ومن المعنى التضمني كما في نحو قولك كل عبد لي حر لمن قال أعتق عبدك فلانا فإن الكلام نظراً إلى ذلك العبد عبارة وهو جزء مدلول كل عبد ومن المعنى الإلتزامي كما في نحو : { أحل اللّه البيع وحرم الربوا } ، نظراً إلى التفرقة بين المبادلتين اللازمة لحل أحدهما دون الأخرى فإن سوق الكلام للتفرقة بقرينة كونه جواباً لمن قالوا : { إنما البيع مثل الربوا } ، ( و ) دلالة النص على المعنى من ( دون سوقه له ) تسمى ( إشارة ) للنص والمعنى الغير المسوق له النص
[1/31]
الجزء 1 · صفحة 31
أيضا قد يكون مطابقا كالحل والحرمة في آية الربا وتضميناً كتحرير غير ذلك العبد فيما مر من المثال من عبيد المعتق قضاء والتزاميا نحو كون النسب إلى الأب في الآية السابقة المسوقة لوجوب الرزق على الأب ( و ) حكم قسمي العبارة والإشارة أنهما ( يوجبان الحكم ) لأن كلا منهما يفيد الحكم بظاهره ( لكن الأحق لدى تعارض ) القسمين ( هو الذي سبق ) منهما في الذكر وهو قسم العبارة لكونه مسوقا له الكلام وإن كان الثاني يشاركه في كونه سهل الحصول في الأفهام وذلك كمعارضة الإشارة إلى كون أقل مدة الحيض خمسة عشر يوما المأخوذة من قوله عليه الصلاة والسلام في بيان كون النساء ناقصات الدين تقعد إحداهن في قعر بيتها شطر عمرها لا تصوم ولا تصلي للعبارة في قوله عليه الصلاة والسلام أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام ( ثم العموم مثلما للأول ) من القسمين أعني العبارة ( يثبت قطعا ثابت لما يلي ) القسم الأول أعني الإشارة ولذا خص من الإشارة في قوله تعالى : { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن } ،إباحة وطئ الابن! جارية أبيه ، مع أن اللام تستلزم كون الولد وما يملكه ملكاً للأب ومختصاً به ( مناط حكم النص ) أعني علة ما أثبته النص ( مهما ظهر ) لغة ( دون اجتهاد وإلى فرع ) للمنصوص عليه ( سرى ) ذلك الحكم لظهور تلك العلة ( فسمه ) أي المذكور ( دلالة النص ) فهي دلالة ناشئة عن سراية حكم المنصوص عليه إلى فرع بواسطة علة مفهومة لغة لا بالرأي الموقوف على الاجتهاد كالدلالة الناشئة عن سراية حرمة التأفيف المنصوص عليه في قوله
[1/32]
الجزء 1 · صفحة 32
تعالى : { ولا تقل لهما أف } ، إلى الضرب بواسطة الإيذاء الذي هو لحرمة التأفيف علة مفهومه لدى كل ذي سمع من أهل اللسان ولا نسمه القياس لأن علة الحكم في هذا القسم مفهومة لغة وفي القياس لا نفهم إلا بإعمال الفكر ومراعاة نحو التقسيم والسير ( ولا تحتمل ) دلالة النص ( التخصيص إذ لن تشمل ) إذ العموم من أوصاف اللفظ فإذا لم تعم لم تخص ( و ) هذا القسم ( لا يعارض ) القسمين ( اللذين قدما ) فإن الإشارة لا تعارض العبارة كما مر والدلالة لا تعارض الإشارة لأن الإشارة فيها اللغط كما أنها فيها المعنى ولا كذلك الدلالة والعاقل تكفيه الإشارة هذا وإن العموم والخصوص إنما هو لما يثبت بهذه الأقسام فإسنادهما إليها مجاز ( وكل حكم كان مما فهم من كونه كالشرط للإمضاء ) والإنفاذ ( لحكم نص ) والعمل بموجبه ( فهو ) أي الحكم المفهوم بهذا الطريق ثابت ( باقتضاء ) للنص كالتمليك لإمضاء حكم هو صحة وقوع الإعتاق عن الآمر في نص هو قوله أعتق عبدك عني بألف والدلالة في هذين القسمين الأخيرين لا تكون إلا التزامية بخلاف القسمين الأولين كما مر والمقتضى بالفتح لا عموم له فإن الضرورة المحوجة إليه إنما هي إنفاذ حكم النص وتصحيح المنطوق وذلك يحصل بفرد واحد فلا يصار إلى كل الأفراد ولذلك تبطل نية الثلث في قوله اعتدي لأن الاعتداد يتوقف على وجود مطلق الطلاق وهو يتحقق بفرد منه ( ولا ترى ) أنت إن نظرت بعين التحقيق ( دلالة التنصيص على سمى شيء على التخصيص ) للحكم بذلك الشيء المصرح بسماء وعدم شموله لما عداه فزيد
[1/33]
الجزء 1 · صفحة 33
موجود لا يدل على اختصاص الوجود بزيد ومن المجتهدين من يقول بهذه الدلالة ويسميها مفهوم المخالفة لكون المسكوت عنه مخالفا للمذكور في الحكم إثباتا ونفيا وقال بمفهوم المخالفة الإمام الشافعي والإمام أحمد والإمام مالك لا في اللقب كالمثال المذكور بل في مثل الصفة نحو السارق تقطع يمينه وقال به في اللقب أبو بكر الدقاق وبعض الحنابلة والتفصيل في المفصلات ( لا يجعل المطلق ) وهو ما دل على حصة غير معينة من الحقيقة المعينة ( محمولا على مقيد ) وهو ما دل على بعض أفراد المطلق بسبب زيادة ( وربما قد حمل ) المطلق عليه فعدم الحمل بالاتفاق يكون عند اختلاف حكميهما واختلاف الحادثتين اللتين ورد الحكمان فيهما لعدم استلزام أحدهما الآخر حينئذ نحو أطعم رجلا واكس رجلا عاريا والحمل بالاتفاق يكون عند اتحاد الحكم واتحاد الحادثة كقراءة ابن مسعود في صوم كفارة اليمين : « فصيام ثلاثة أيام متتابعات » ، وقراءة غيره : « فصيام ثلاثة أيام » للاستلزام المذكور وفي الحمل وعدم الحمل عند اتحاد الحكم دون الحادثة ككفارة اليمين والقتل خطأ في إعتاق الرقبة المطلقة أو المقيدة بالإيمان وفي اتحاد الحادثة دون الحكم كإن جاءك زيد ماشيا فأكرمه وإن جاءك زيد فأهنه خلاف فقالت الشافعية بالحمل احتياطا ونحن نقول بعدمه لإمكان العمل بالنصين لعدم تعارضهما وعدم استلزام أحدهما الآخر ( ثم القران في سياق النظم ) بأن يجمع بين كلامين بالواو ( لا يوجب القران عند الحكم ) فلا يثبت عدم وجوب الزكاة على الصبي لاقترانها بالصلاة في قوله تعالى : { أقيموا الصلاة وآتوا الزكوة } ، ومنهم من زعم إيجاب القرآن للقرآن مستظهرا بالجملة الناقصة المعطوفة على التامة كما في إن دخلت دار
[1/34]
فأنت طالق وهند وشتان ما بين الناقصة والتامة .
فصل
في الحكم التكليفي
الجزء 1 · صفحة 34
وهو أثر خطاب اللّه تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء للفعل أو الترك أو لتخيير بينهما ( ما كان مشروعا له نوعان ) أحدهما ( عزيمة و ) الآخر ( رخصة فالثاني ) من النوعين أعني الرخصة ( ما زال ) من الأحكام الشرعية ( من ) جانب ( عسر لنحو يسر لطفا من اللّه ) تعالى بعباده ( لبعض عذر ) كالإفطار للمسافر لعذر مشقة السفر ( و ) القسم ( المبتدأ ) به أعني العزيمة ( أربعة أنواعه فالفرض منها وهو ) بحسب حكمه ( ما اتباعه ) علماً وعملاً ( حتم ) ، لكون تركه ممنوعاً بدليل قطعي ( فمن يتركه ) بلا عذر ( فهو فاجر ومن يكن يجحده ) وينكره قولا أو اعتقادا ( فكافر وحده ما كان فعله رجح ) كما في الواجب والسنة والنفل ( و ) مع ذلك ( منع تركه بقطعي ) من الأدلة ( وضح ) ولا يشاركه في ذلك شيء من راجحات الفعل كالصلاة والزكاة والحج والصوم ( وهكذا الواجب ) من الأقسام الأربعة ( وهو ما منع من تركه ) من الأدلة ( ما فيه ريب ما ) من الريوب ( وقع ) كصدقة الفطر والأضحية وتعيين الفاتحة فإن المذكورات ثبتت بخبر الواحد ( جاحده لذاك ) المذكور من الريب في دليل منع تركه ( ليس يكفر وفعله كالفرض ) في لزوم إقامته ( فيما ) نصوا عليه و ( ذكروا وهكذا السنة من ذي الأربعة ) التي هي أقسام العزيمة ( وأنها ) هي ( الطريقة المتبعة ) التي سلكها وواظب عليها الرسول عليه الصلاة والسلام ثم أصحابه الغر الكرام فتبعها من هدى إلى
[1/35]
الجزء 1 · صفحة 35
سواء الطريق وأرشده هادي التوفيق وحكمها أنها ( يفعلها كل امرئ يطالب ) مطالبة ( أقل من ) مطالبة ( فرض ومما يجب ) فتاركها يستوجب اللوم والعتاب لا التعذيب والعقاب وفاعلها يستحق المدح والثواب كالآذان والإقامة فبقيد المطالبة خرج النقل وبقيد الأقلية خرج الفرض والواجب ( و ) الأقسام الأربعة ( النفل منها وهو ما قد جعل فعله خيرا ) بوضع الشارع و ( تركه لن يحظل! ) أي أن يمنع فيشارك السنة في أن فعله يستتبع ثوابا ويفارقها في أن تركه لا يورث عتابا ( لكنه يلزم حين يشرع في فعله ) لأنه يكون حقا لله تعالى بالفعل فهو أولى بالوجوب من المنذور الذي يكون حقا له بالقول ( و ) النفل ( مثله التطوع ) فهما والمستحب والمندوب مترادفة وترك الناظم تبعا للأصل ذكر الحرام والمكروه بناء على أن الحرام إن طلب تركه بقطعي فهو مفروض الترك كشرب الخمر وبظني فواجب الترك كاللعب بالشطرنج فتركه إما من الفرض أو الواجب وترك المكروه سنة وأما المباح فتركه كترك النفل وإن يفارقه في الإيتاء والفعل فلترك كل وجه وجه .
فصل
في الحكم الوضعي
فهو أثر الخطاب المتعلق بتعلق شيء بالحكم ( للحكم ) كالوجوب مثلا باعتبار متعلقه كالأيمان مثلا ( ركن وهو ما فيه دخل ) كالتصديق للأيمان وكالإقرار له ( و ) للحكم ( علة وهي التي منها حصل ) بأن كانت على تامة لوجوده فأوجب وجودها وجوده ومن ثم يعبر عنها بعلة الوجوب كالبيع للملك والنكاح للحل والقتل للقصاص ( وما ) لم يكن داخلا فيه ولا وجوده موجبا لوجوده بل كان ( له الإيصال ) إلى الحكم
[1/36]
الجزء 1 · صفحة 36
( لا غير ) فهو ( سبب ) للحكم كشري الأمة لحل ملك المتعة فإن الشري موضوع لملك الرقبة لا ملك المتعة لكنه موصل إلى ملك المتعة ( والشرط موقوف عليه ما وجب ) بالعلة يعني أن الشرط ما يتوقف عليه ما أوجبت العلة وجوده كالطهارة التي هي شرط للصلاة التي على وجودها شكر نعمة الأعضاء السليمة أو الوقت لإضافتها عليه حيث يقال صلاة الظهر والفجر والقول الأول للمتقدمين والثاني للمتأخرين و ( ما على وجود حكم أرشد فهو ) إمارة لذلك الحكم ( وعلامة له إذا بدا ) ذلك المرشد كالتكبير للانتقال من ركن إلى ركن ومما ينبغي أن يعلم أن الخطاب هو النص كقوله تعالى : { أقيموا الصلاة } ، مثلاً والحكم هو الأثر المترتب على الخطاب كالوجوب مثلا فالركن لا يصلح أن يكون للحكم لعدم تركبه وإنما يصلح ركنا لما يتعلق به الحكم كالصلاة مثلا ولذلك لا بد من اعتبار المتعلق في إثبات الركن للحكم .
الباب الثاني
في السنة
( ما جاءنا من عهد سيد الرسل من خبر ) وهو يرادف الحديث لكون كل منهما ما جاء عن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وقيل يباينه لكون الخبر ما جاء عن غيره وقيل الخبر يعم الجائي عنه وعن غيره ( فبوجوه ) أربعة ( يتصل ) بنا ( أكملها تواتر له حسب ) وعد ( قوم أحال العقل فيهم ) التواطؤ والتوافق على ( الكذب ) ولا يتعين له عدد على الصحيح ( ثانيهما المشهور وهو ما اتصل بشبهة ) ، بأن لم يثبت اتصاله به صلى اللّه تعالى عليه وسلم قطعاً ( ثم انتشاره حصل ) بأن يكون في القرن الأول خبر الواحد ونقله في القرن الثاني والثالث قوم
[1/37]
الجزء 1 · صفحة 37
يستحيل تواطؤهم على الكذب ( و ) ثالثها ( خبر الواحد ) وهو ( ما لم ينتشر في خير قرن انتشاره اعتبر ) وهو قرن صحب النبي صلى اللّه عليه وسلم وقرن التابعين وقرن تابعي التابعين رضي اللّه عنهم أجمعين ولا اعتداد بالقرون التي تليهم فإن عامة أخبار الآحاد اشتهرت فيها ولا تسمى مشهورة ( رابعها المرسل وهو ما انقطع إسناده ) بأن قال الصحابي بلغني عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال كذا أو قال من لم يعاصر صحابيا أنه قال أبو هريرة كذا ( لكن ) عد المرسل من الخبر الوارد عن سيد البشر إنما يكون إذا كان ذلك الخبر المرسل ( عن العدل وقع ) وهو من له كيفية راسخة تحمله على ملازمة التقوى والاجتناب عن الشهوات والهوى وعلامة العدالة الاجتناب عن ارتكاب الكبائر والتبعد عن الإصرار على الصغائر وعما يدل على خسة النفس كاللعب بالحمام والاجتماع بأرذال العوام والتطفيف بشيء يسير كمثقالي حنطة أو حتى شعير ويشترط في الراوي العدل حسن الضبط وكمال العقل إلى حين الرواية والنقل ( فإن يكن ) ذلك العدل ( من أحد الأصحاب ) رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين ( فليس ) في مرسله رد وما ( عنه أحد بآب ) بل كل يتلقاه بالقبول لرجحان الصحابة على سائر العدول ( وليس ذا ) المرسل حال كونه حاصر ( عن غيرهم بحجة على خلاف ) في ذلك ( !في! ) بين ( أولي المحجة ) وسالكي جادة طريق الحق فعندنا يقبل مرسل القرن الثاني والثالث لأن الثقات من التابعين أرسلوا وعند الشافعي رحمه اللّه تعالى لا يقبل إلا إذا تأيد بآية أو سنة مشهورة أو موافقة قياس صحيح أو قول
[1/38]
الجزء 1 · صفحة 38
صحابي أو قبول الأمة أو إرسال عدل آخر شيخه غير شيخ الأول لأن جهالة الصفة تمنع قبول الرواية فجهالة الذات أولى لاستلزامها جهالة الصفة أيضاً وأما مرسل من دونهما من القرون فالكرخي يقبله مستندا بأن مدار القبول العدالة والضبط فأينما وجدا لا بد من القبول ( وما يكون مسندا ومرسلا ) بأن أسنده راو وأرسله آخر كحديث لا نكاح إلا بولي رواه إسرائيل ابن يونس مسنداً وشعبة والسفيان الثوري مرسلاً ( مختلف فيه ) فقيل يقبل لأن المرسل ساكت عن حال الراوي والمسند ناطق والساكت لا يعارض الناطق وقيل لا يقبل لأن الإرسال جرح والإسناد تعديل والجرح مقدم على التعديل ( فإن شئت اقبلا ) وإلا فلا بترجيح أحد الدليلين ( وجود ما يعارض المسند ) نحو قوله تعالى : { أسكنوهن من حيث سكنتم } ، الآية المعارض لمسند فاطمة بنت قيس رضي اللّه تعالى عنها ، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يفرض لها نفقة ولا سكنى حين طلقت ، ( أو نقص لراويه ) بفوات بعض الشرائط من العدالة أو العقل أو الضبط بناء ( على ما قد رووا يجعله منقطعا فيبعد عن حيز القبول حين يوجد ) ذلك المسند الذي لناقله نقص أو لمعارضه قوة .
فصل
في الحادثة التي يرد فيها الخبر وتسمى محل الخبر ، وعبر عنه في الأصل بما جعل الخبر حجة فيه . وأقسامه خمسة : حقوق اللّه تعالى التي هي عبادات ، وحقوق اللّه تعالى التي هي عقوبات ، وحقوق العباد التي فيها الإلزام فقط ، والتي لا إلزام فيها ، والتي فيها الإلزام من وجه دون وجه . والأقسام المذكورة بإحكامها منتظمة في سمط قول
[1/39]
الجزء 1 · صفحة 39
الناظم ( يقبل قول العدل من دون عدد ) بأن لا يتجاوز الواحد وأما الواحد فليس بعدد لما عرف في فن الحكمة ( في محض حق ربنا الفرد الصمد ) ولذلك عمل بخبر عائشة رضي اللّه تعالى عنها في إلتقاء الختانين ، ولا فرق بين قسمي حقوقه تعالى ، وقال الكرخي خبر الفرد لا يثبت العقوبات لأن الحدود تندرء بالشبهات وخبر الفرد لا يخلو عن شبهة الاختلاق فلا تثبت به عقوبة المقتدر الخلاق ورد بأن جانب الصدق في خبر العدل أقوى فهو بالقبول أجدر وأحرى ولو كانت الشبهة تستلزم عدم القبول لكانت البينة لا تقوم إلا بالجم الغفير من العدول ( والقول فيما فيه حق للبشر من غير إلزام ) على أحد كالوكالات والرسالات في الهدايا والودائع والأمانات ( جميعا يعتبر ) سواء كان قول عدل أو فاسق أو مسلم أو كافر بشرط كونه مميزا ( ذو عدد من العدول يشترط فيما به الإلزام ) كالبيع والإجارة ونحوهما ( صونا عن غلط ) وحفظا عن تزوير وما فيه الإلزام وعدم الإلزام لوجهين كعزل الوكيل فإن فيه إلزاما من حيث اقتصار الشري عليه وعدم إلزامٍ لكون الموكل متصرفاً في حقه ألحقه الإمامان بالقسم الأول تقليلا للحرج وشرط فيه الإمام شطر ما شرط في القسم الثاني أما العدد أو العدالة مراعاة لشبهي القسمين .
فصل
في نفس الخبر
( محقق الصدق إذا جاء الخبر ) كإخبار الرسل الكرام عليهم السلام المعصومين عن الكذب في الكلام ( فلا عتقاد ) به ( وايتمار ) بمدلوله ( يعتبر ) لقوله تعالى : { وما آتيكم الرسول فخذوه } ، ( وما أتى ) من خبر ( و ) الحال أن
[1/40]
الجزء 1 · صفحة 40
( كذبه تحققا ) كخبر فرعون بربوبيته المحقق الكذب ، لحدوث فرعون وإمكانه ، ( يجعل عند كل ذي رأي لقا ) وهو الملقى لهوانه ( وما أتى وهو لكلٍ ) من الصدق والكذب ( محتمل ) كخبر الفاسق المحتمل للصدق بسبب دينه ، والكذب باعتبار ديدنه ( فحكمه توقفا فيه جعل ) إلى أن يظهر أحد جانبيه ( وأن يرجح جانب ) من جانبي صدقه وكذبه كان خبر عدل مستجمع لشرائط الرواية التي أشرنا إليها من قبل ( فالفعل ) بذلك الجانب الراجح والعمل ( به ) لا عن اعتقاد بحقيته! قطعاً ( و ) لذلك ( ليس يلغى اعتقاد صاحبه ) الذي هو الجانب الآخر .
فصل
في تعارض الحجج
( يصير للسنة في التدافع ) والتعارض ( ما بين آيتين ذو رأي يعي ) ويحفظ صحيح القول مثلا الآيتان الواردتان باتفاق أئمة التفسير في قراءة القرآن الكريم في الصلاة من قوله تعالى : { فاقرأوا ما تيسر من القرآن } ، وقوله تعالى : { فإذا قرء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } ، تعارضتا فصير إلى قوله عليه الصلاة والسلام : « من كان له إمام فقراءة الإمام قراءة له » ، ( وبين سنتين هذا ) التدافع ( إن سمع ) كالتدافع الواقع بين ما روى نعمان بن بشير من أن النبي صلى اللّه عليه وسلم صلى صلاة الكسوف بركعتين بركوعين وأربع سجدات وروت عائشة رضي اللّه تعالى عنها أنه صلى اللّه عليه وسلم صلاها بركعتين بأربع ركوعات وأربع سجدات ( فالقيس أو قول الصحابي تبع ) كما تبع في تدافع حديثي صلاة الكسوف القياس والاعتبار بسائر الصلوات ( وإن يكن ) التدافع ( بين القياسين بلا ترجح ) فلا مساغ لتساقطهما بالتعارض إذ ليس بعدهما
[1/41]