الجزء 1 · صفحة 2
شرح ابن ملك على المنار
للإمام البركات عبد الله النسفي الحنفي، (ت710ه).
للعلامة عبد اللطيف بن عبد العزيز بن فرشتا الكرماني الحنفي
المعروف بابن ملك
توفي سنة (801هـ).
المحقق:
د يحيى محمد أبو بكر.
الناشر:
دار الكتاب الإسلامي، القاهرة
الطبعة: الأول 2010م
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الجزء 1 · صفحة 3
الصفحة 2
حقوق الطبع محفوظة الناشر
الطبعة الأولى
(1431) هـ - (2010) م
رقم الإيداع
(2009) / (19846)
الحَمْدُ لِلَّهِ الذِي هَدَانَا (1) إِلَى الصَّرَاطِ المُستقيم (2) والصَّلاةُ عَلَى من اختص بالخلق (3)
العظيم (4) وعلى آله الذين قاموا بنصرة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(?) أي دلنا. وقيل: معناه خلق الهداية فينا وهي الدلالة الموصلة إلى المطلوب، كذا ذكر صاحب الكشاف، وذكر الإمام الرازي في التفسير الكبير الهداية هي: الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب، أوصل إليه بالفعل أولا، فإنها مستعملة في كلا المعنيين كما في قوله تعالى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحببت ولَكنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ} القصص: (156) وقوله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهديناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} فصلت: (17). لكن الاستعمال في معنى الدلالة الموصلة أكثر؛ ولهذا عرفها المتقدمون من مشايخ أهل السنة بخلق الاهتداء
استدل الزمخشري في الكشاف على ما قاله بوجوه ثلاثة ودفع اعتراضاته بعض الفضلاء، واعترض عليها الرازي، بعضهم دفع دفعها لم أر في إيرادها جدوى لكونها مدافعة ودعوى.
(?) وهو الشريعة النبوية والملة الحنيفية، وهذا تلويح إلى براعة الاستهلال؛ لأن الشريعة تستفاد من الكتاب والسنة وأصول الفقه باحث عن كيفة استفادتها.
(?) وهو ملكة تصدر بها عن النفس أفعال بسهولة من غير سبق روية.
((4)) وصفه بالعظيم اتباعاً لقوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عظيم} [القلم: (4)} وإشارة إلى =
الجزء 1 · صفحة 4
الدين القويم. (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أن المختص به هو محمد عليه السلام؛ ولهذا لم يذكر اسمه، قالت عائشة رضي الله عنها: كان خلق النبي عليه السلام القرآن تعني تأدب بآداب القرآن. قيل: مدار عظم الخلق، بذل المعروف، وكف الأذى - أي احتماله - ورسول الله صلى الله عليه كان موصوفًا بهما، قد أنزل الله تعالى في معروفه: {وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْط) الإسراء: (29). وتحمل الأذى إنما يكون بصبر، قوي وهو عليه الصلاة والسلام كان صبوراً لتحمل الأذى أكثر من أن يحصى قال عليه السلام صل من قطعك واعف عمن ظلمك وأحسن إلى من أساء إليك. وما أمر النبي عليه السلام غيره بها إلا بعد تخلقه بها.
(?) أي المستقيم - الدين مقول على دين الحق، وعلى دين غير الحق، قال الله تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينًا} [آل عمران: (85) فالدين مقول عليهما بالإشتراك اللفظي، وعلى الأديان الحقة الاشتراك المعنوي بالتشكيك؛ لأن بعض الأديان أشد من بعض كيفية وكمية وما شأنه ذلك لا يكون متواطئًا. الدين وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى الخير بالذات احترز بقوله: إلهي عن الأوضاع الصناعية، وبقوله: سائق عن الأوضاع الآلهية غير السائقة كإنبات الأرض، وبقوله: لذوي العقول عن أفعال الحيوانات المختصة بالأحيان، وبقوله: باختيارهم عن الأوضاع السائقة لا بالاختيار كالواجدانيات وبقوله: المحمود عن الكفر وقوله: بالذات. متعلق بسائق يعني الوضع الإلهي بذاته سائق؛ لأنه ما وضع إلا لذلك، والخير حصول الشيء لما من شأنه أن يكون حاصلا له أي يناسبه ويليق به والفرق بينه وبين الكمال =
الجزء 1 · صفحة 5
اعْلَمْ أَنَّ أُصُولَ الشَّرْع (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
- اعتباري، فإن ذلك الحاصل المناسب من حيث إنه خارج من القوة إلى الفعل كمال ومن حيث إنه مؤثر خير.
(?) ذکر اعلم تنبيها على أن ما بعده مما يجب الإصغاء إليه كما في قوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ} (محمد: (?? كل مفهوم مركب لابد من تصور طرفيه ولو بوجه، فنقول: الأصل ما يبتني عليه غيره من حيث إنه يبتني عليه. وهذا القيد لابد منه، إذ رب أصل يكون مبتنياً على غيره، وهذه الأصول مبتنية على علم التوحيد، فإنها بهذا الاعتبار فرع، له والفرع ما يبتني على غيره والشرع عبارة عن البيان والإظهار قال الله تعالى: شَرعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحا الشورى: (13)} أي بين وأظهر.
قال الشراح يجوز أن يراد بالمصدر هنا الفاعل أي الشارع وهو الله تعالى أو الرسول عليه السلام، ويكون اللام فيه للعهد لكونه معروفا عند الفقهاء، ويكون الإضافة لتعظيم المضاف، أو المفعول ويكون اللام فيه للجنس، وإضافته لتعظيم المضاف إليه، وفيه إشارة إلى أن المشروعات الثابتة بهذه الأصول يجب تلقيها بالقبول وهذا التوجيه إنما يستقيم إذا لم يمكن حمل المصدر على معناه كما في قوله: رجل عدل. وههنا كذلك؛ لأن الأصول ليست أصولاً لنفس البيان، والأظهر أن الشرع هنا ليس بمصدر بل هو اسم لهذا الدين، يقال: شرع محمد علا الله. كما يقال: شريعة محمد
وفي الصحاح الجوهري: الشريعة ما شرع الله تعالى لعباده من الدين. وإنما لم يقل: أصولاً الفقه ليكون أعم فائدة؛ لأن الأصول أصول لعلم الكلام أيضا، والشرع =
الجزء 1 · صفحة 6
ثلاثة الكتاب والسنة وإجماع الأمة (1)، والأصل الرابع القياس (2) أما
ـــــــــــــــــــــــــــــ
=شامل له كما للفقه، ولو قيل: أصول الفقه. لأفاد الإضافة الاختصاص، فيتوهم اختصاص الأصول بالفقه، كذا قالوا.
ولقائل: أن يمنع الإفادة ولئن سلم فلا نسلم الإفادة مطلقا، بل من جهة استنباط المعاني الفقهية، بدلالة المادة، فالأولى أن يقال: الشرع بمعنى المشروع. والمراد به الأحكام الفرعية فهو مرادف للفقه؛ لئلا يلزم الزيادة على قدر الحاجة؛ ولئلا يلزم الفساد من وجه آخر؛ لأن قوله والأصل الرابع. لا يصلح أن يكون أصلاً بالاعتبار المذكور، ولا أن يكون أصلاً باعتبار الفقه؛ لأنه غير مذكور أي الفقه فلابد من التنبيه عليه، وإنما قال: أصول الشرع لبيان الإصطلاح
(?) قدم الكتاب؛ لأنه حجة من كل وجه، وأعقب السنة؛ لأن حجيتها ثابتة بالكتاب، وأخر الإجماع؛ لتوقف حجيته عليهما.
(?) إنما أطلقه اختصاراً، وقيده فخر الإسلام بقوله: المستنبط من الأصول الثلاثة احترازا عن القياس العقلي، مثال الاستنباط أي الاستخراج من النص قوله تعالى: {ولا تقربوهنَّ حتى يظهرن} (سورة البقرة: ???) فإن حرمة القربان معلولة بعلة الأذى، وهو موجود في اللواطة فتحرم ومثال الاستنباط من السنة قوله عليه السلام: «الهرة ليست بنجسة؛ لأنها من الطوافين عليكم فإذا عرفنا علية الطواف قسنا عليها سواكن =
الجزء 1 · صفحة 7
ـــــــــــــــــــــــــــــ
=البيوت، ومثال الاستنباط من الإجماع قولنا في الزنا: إنه يوجب حرمة المصاهرة قياسا على الوطء الحلال، لأن العلة هي الجزئية، وهي موجودة في الزنا.
فإن قلت القياس إن كان أصلاً، فلم لم يقل: اعلم أن أصول الشرع أربعة. وإن لم يكن، فلم قال: والأصل الرابع القياس.
قلنا: أفرده بالذكر لأن الثلاثة كانت أصولاً لعلم الكلام والفقه والقياس أصل للفقه فقط، أو للإشارة إلى انحطاط رتبته؛ لأن القياس أصل بالنسبة إلى حكمه، وفرع بالنسبة إلى الثلاثة، أو لأنه ليس بقطعي بخلاف الثلاثة؛ ولهذا لا يصار إليه إلا عند العجز عنها.
فإن قلت: الآية المؤولة، والعام والخاص والإجماع المنقول إلينا بالآحاد، ليس بقطعي، والقياس بعلة منصوصة قطعي
قلنا: الأصل في الثلاثة الأول القطع وعدمه بالعارض، وأمر القياس بالعكس.
فإن قلت: السنة لا يعمل بها إلا عند العجز عن الكتاب، فينبغي أن يفرد ذكرها.
قلنا: ذلك في أخبار الآحاد. وإنما الكلام في السنة، وهي تتناول المتواتر، والمشهور والآحاد، وبالقسمين الأولين يجوز نسخ الكتاب، أو لأن الثلاثة مثبتة أصل الحكم ووصفه والقياس مغير وصفه من الخصوص إلى العموم كما في الأشياء الستة فإن قلت على هذا ينبغي أن يفرد الإجماع بالذكر؛ لإنه لا يجوز إلا عن مستند شرعي، وإلا كان إثبات شرع، ابتداء وهو غير جائز، فيكون الإجماع مثبتا لوصف الحكم، وهو القطع لا أصله.
قلنا: اشتراط المستند في الإجماع ممنوع، فإنه جائز بدونه عند البعض، بأن يخلق الله
الجزء 1 · صفحة 8
الكتاب (1)، فالقرآن (2) المُنَزَلُ عَلَى ..........
ـــــــــــــــــــــــــــــ
=فيهم علما ضروريًا، ويوفقهم لاختيار الصواب كإجماعهم على بيع التعاطي، وأجرة الحمام، وفيه نظر. الأولى أن يقال: هذه علة صدرت لتوجيه كلام واقع، لا علة مطردة حتى يرد عليها السؤال.
فإن قلت: قد ثبت الحكم بشرائع من قبلنا وبتعامل الناس، وبالأخذ بالاحتياط، وبالتحري، وبآثار الصحابة، فكيف حصرت الأصول في الاربعة؟ قلنا: هذه الأحكام غير خارجة عنها، أما شرائع من قبلنا فقد صارت شريعة لنا؛ لأن نبينا عليه السلام «قصها، ولم ينكرها والتعامل ملحق بالإجماع العملي، والأخذ بالاحتياط عمل بأقوى الدلائل كما في الأصول الثلاثة، والعمل بالتحري عمل بالسنة؛ لأنها وردت في جوازه عند الحاجة والعمل بالآثار عمل بالسنة لقوله عليه السلام: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم وجه الحصر على الأربعة أن ما هو الحجة في حقنا إن كان من الله تعالى فهو الكتاب، وإن كان من غيره فإن كان من الرسول فهو السنة، وإن كان من غيره فإن اتفقت الآراء فهو الإجماع، وإلا فهو القياس والأولى أن يستدل فيه بالاستقراء
(?) اللام فيه للعهد وهو ما سبق ذكره وهو في اللغة: اسم للمكتوب. إلا أنه غلب في عرف الشرع على كتاب الله المكتوب في المصاحف، كما غلب في عرف أهل العربية على كتاب سيبويه
((2)) وهو في اللغة: مصدر بمعنى القراءة غلب في العرف العام على المجموع المعين من =
الجزء 1 · صفحة 9
الرَّسولِ (1) المَكْتُوبُ كتُوبُ في المَصَاحِفُ (2) المَنْقُولُ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كلام الله، المقرو على ألسنة العباد، وهو في هذا المعنى أشهر من الكتاب؛ ولهذا جعله تفسيرا له وباقي الكلام تعريف للقرآن، لا أن المجموع تعريف للكتاب حتى يلزم ذكر المحدود في الحد، ولا أن القرآن مصدر بمعنى المقرو على ما توهمه البعض؛ لأنه مخالف للعرف بعيد عن الفهم، وإن كان صحيحاً الفهم، وإن كان صحيحا في اللغة، كذا في التلويح
(?) صفة كاشفة للقرآن أي على رسولنا اللام فيه يدل على الإضافة أو للعهد؛ لكونه عليه السلام معروفًا بينهم، كما يقال جاء الأمير وإن لم يكن معهوداً في الخارج، وبه خرج سائر الكتب السماوية، والأحاديث وإن كانت قدسية؛ لأن ألفاظها غير منزلة، كما أنزلت ألفاظ القرآن.
(?) جمع مصحف بفتح الميم،} وهو ما جمع فيه صحائف القرآن، وبه يخرج ما نسحت تلاوته وبقيت أحكامه مثل (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما نكالاً الله) من أي على تقدير الإحصان. فإن قلت: إن أردت من المصحف ما قلت يلزم الدور؛ لأن تصور المصحف موقوف عل تصور القرآن، والقرآن موقوف على المصحف، وإلا لم يخرج ما نسخت تلاوته، فلا يطرد التعريف. قلنا: تصور المصحف موقوف على تصور القرآن بمفهوم شخصي معروف عند كل أحد حتى عند الصبيان يحفظونه ويتدارسونه، والقرآن بمفهومه العامي موقوف على تصور المصحف، فلا يلزم الدور.
الجزء 1 · صفحة 10
نقلاً متواترا (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ-
=فإن قلت: فلا حاجة إلى تعريف القرآن؛ لأنه مجموع مشخص معروف عند كل أحد، مقسوم إلى سور وآيات فلا خفاء فيه والتعريف إنما يكون للماهية الكلية.
قلنا: هذا تعريف له من جهة مفهومه الكلي؛ لأن الأصوليين يبحثون من القرآن من حيث إنه دليل الحكم الشرعي والدليل عليه إنما هو آية أو بعضها، فأطلقوا القرآن على الجزء، كما أطلقوا على الكل، فلابد أن يؤخذ القرآن في عرفهم الخاص، بحيث يصدق على الكل، وعلى كل جزء من أجزائه، وذلك إنما يكون بمفهوم كلي يتناولهما، وذلك إنما يكون بتحصيل صفات مشتركة بينهما، مختصة بهما، وهي كونه منزلاً على الرسول عليه الصلاة والسلام مكتوبا في المصاحف، منقولاً إلينا نقلاً متواتراً، ولم يتعرض لكونه معجزا؛ لأنه ليس بمشترك بين الأجزاء، إذا الإعجاز إنما هو بسورة، فللقرآن مفهوم شخصي في العرف العام وهو الذي قسم إلى سور وآيات، ومفهوم كلي في عرفهم الخاص وهو دليل الفقه
(1) وهو ما امتنع فيه تواطؤهم على الكذب وبه يخرج قراءة أبي بن كعب فانه: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخر متتابعات». لأنها ثابتة بطريق الآحاد.
فإن قلت قراءته قد خرجت بقوله: في المصاحف، لأن قراءته مكتوبة في مصحفه لا في المصاحف، فيكون هذا الوصف زائدا لا حاجة إليه.
قلنا: الألف واللام في الجمع للجنس إذا لم يكن للعهد، فلا يخرج قراءته بقوله: في المصاحف. ولئن سلم أنها خرجت بقوله: في المصاحف فلا نسلم كون المنقول عنه زائداً، لأن غرضه التمييز، وهو من الصفات المشتركة المميزة، وكونه للإخراج غير
الجزء 1 · صفحة 11
بلا شبهة (1)، وهو اسم للنظم والمَعْنَى (2)،وإِنَّمَا تُعرف
- ـــــــــــــــــــــــــــــ
=لازم
(?) احترز به عن القراءة الثابتة بطريق الشهرة كقراءة ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: فاقطعوا أيمانهما هذا على قول الجصاص ظاهر؛ لأنه جعل المشهور أحد قسمى المتواتر، ولكن فيه شبهة؛ لأن أصله من الآحاد وأما على قول غيره فقوله: بلا شبهة. يكون تأكيد.
ومما يورد على التعريف التسمية في أوائل السور، فإن الحد صادق عليها، وليست بقرآن على ما هو المشهور من مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى؛ لأنه لم يكفر منكرها، ولم يتعلق بها جواز الصلاة، ولا حرمة القراءة على الجنب، والحائض، والجواب أنها من القرآن على ما هو الصحيح من، مذهبه أنزلت للفصل بين السور، ولهذا كتبت بخط على حدة؛ ليعلم أنها ليست من أوائل السور ولا من أواخرها، وإنما لم يكفر جاحدها لمكان الشبهة في كونها، قرآنا ولم يجز بها الصلاة لشبهة الاختلاف في كونها آية، وأما قراءة الحائض والجنب فإنما جازت لقصد التيمن كجواز قراءة الحمد لله رب العالمين عند قصد الشكر، لا التلاوة.
(?) وفي ذكر النظم دون اللفظ الذي هو الرمي لغة رعاية للأدب؛ لأن النظم حقيقة جمع اللآلي في السلك بحسن الترتيب وفيه تشبيه ألفاظ القرآن بأنفس الجواهر، وإنما ذكر اللفظ في تعريف الخاص وغيره؛ لأنه تعريف للخاص وغيره مطلقا، لا من حيث
الجزء 1 · صفحة 12
أحكَامُ الشَّرْع (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ-ـــــــــــــــــــــــــــــ-
=أنه من القرآن فرعاية الأدب فيه غير لازمة كذا في شرحي المنار إفاضة الأنوار، وجامع الأسرار
ولقائل أن يقول المصنف قال: أولا وهو اسم للنظم والمعنى. ثم قسم النظم والمعنى إلى ثمانين قسما، ومن جملة ذلك الخاص والعام، فعرف كل واحد منهما باللفظ، فيكون ذلك تعريفاً لخاص القرآن لا محالة، فالأولى أن يقال: إطلاق النظم واللفظ جائز على السواء؛ لأن كلامنا في المكتوب في المصاحف، لا المعنى القائم بذات الله تعالى، ولم يرد به أن النظم والمعنى جزآن من القرآن؛ لأن المعنى لا يكتب، بل يراد أن النظم كما يعتبر في القرآنية يعتبر المعنى أيضاً وليس القرآن نظما مهملاً بل نظم دال على المعنى.
لا يقال: المتشابه، قرآن وليس له معنى، ولكن انقطع رجاء معرفته قبل يوم القيامة. وفيه رد لمن زعم أن المعنى المجرد، قرآن وهو مذهب أبي حنيفة؛ ولهذا جوز القراءة بالفارسية في الصلاة من غير عذر مع أن قراءة القرآن فرض فيها، فقال: وهو اسم للنظم والمعنى. إلا أنه لم يجعل النظم ركنا لازماً في الصلاة، وأقام العبارة الفارسية مقام النظم، كما قال صاحباه في حالة العجز لأنها حالة المناجاة مع الرب، والأصح أنه رجع عن هذا القول، كما روي نوح بن أبي مريم هكذا؛ لأنه يلزم منه أحد الامرين أما بطلان تعريف القرآن؛ لأن الفارسية غير مكتوبة في المصاحف، أو جواز الصلاة بدون القرآن؛ لأنه اسم للنظم والمعنى المتعلقة بالقرآن.
(1) أي الأحكام الثابتة في الشرع المتعلقة بالقرآن احترز به عن القصص، والأمثال،
الجزء 1 · صفحة 13
بمعرفة أقسامهما (1)، وذلك (2) أربعة (3).
الأَوَّلُ فِي وُجُوهِ النَّظم صِيغَةٌ ولُغَةٌ، وَهِي أَرْبَعَةُ: الخَاصُ والعَامُّ وَالْمُشْتَرَكُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
=والمواعظ الواردة في القرآن؛ لأن نظرهم ليس فيها والمراد من الحكم ههنا المحكوم به وهو ما يثبت بالخطاب كالوجوب، والحرمة، وغيرهما.
(1) أي أقسام النظم والمعنى أورد كلمة إنما رداً على من زعم أن المعنى المجرد هو القرآن، فيكون معرفة الأحكام موقوفة على معرفة المعنى فقط.
((2)) أي أقسامهما على تأويل المذكور.
(?) وكل قسم منها أربعة أيضا، والأقسام كلها مذكورة في المتن، وجه الحصر أن الأقسام إما أقسام النظم أو المعنى، فإن كان الأول، فإما بحسب دلالته على معناه، أو بحسب استعماله في معناه، فإن كان بحسب دلالته فإما أن يعتبر فيها الظهور، أولا، وإن لم يعتبر فهو القسم الأول، وإن اعتبر فهو لقسم الثاني، وإن كان بحسب استعماله فهو القسم الثالث، وإن كان الثاني فهو القسم الرابع؛ لأنه لا يعتبر فيه إلا الحكم، وهو معنى مستفاد من النص.
((4)) قيل: وجه الشيء طريقه يقال ما وجه هذا الأمر. أي طريقه، لكنه ليس بمناسب للمقام، إذ لا معنى لقوله: طريق النظم صيغة ولغة. ولعله يكون بمعنى الجهة بمعنى الاعتبار أي في اعتبارات النظم.
((5)) فإن قلت الصيغة أيضا لغوية فلا فائدة في ذكرها، وكان ينبغي أن يقول في وجوه النظم: وضعا لغة وشرعاً. ليدخل فيه مثل الصلاة والزكاة، وغيرهما. قلنا: اللغة وإن اشتملت على دلالة المادة والهيئة، إلا أن الصيغة إذا انضمت إليها، كان المراد منها دلالة المادة فقط، فحيشذ معناه في وجوه النظم هيئة ومادة، كقوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً) (سورة الاسراء: 1) الإسراء هو: لإذهاب ليلا، إلا أنه لما ذكر الليل كان الإسراء بمعنى مطلق الإذهاب أو هو من قبيل التعميم بعد التخصيص، لشدة اهتمام المتكلم بالمخصوص، وههنا لما كان للخصوص والعموم زيادة، تعلق بالصيغة، فإن التفرقة بين رجل ورجال خصوصا، وعموما، تثبت بالصيغ، لا بالمادة، خصها بالذكر، ثم عمم الكلام، والصلاة والزكاة ونحوهما لم يخرج من =
الجزء 1 · صفحة 14
والمؤول (1)
والثَّانِي فِي وُجُوهِ البَيَانِ بِذَلِكَ النَّظم، وهِيَ أَرْبَعَةٌ أَيْضًا: الظَّاهِرُ والنَّص والمفسر والمحكم (2)، ولهذه الأربعة أربَعَةٌ أُخْرَى تُقابِلُهَا وَهِيَ الْخَفِيُّ والمُشكل والمُجْمَلُ والمتشابه (3)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
=الأقسام المذكورة واستعمالهما في المعاني الشرعية مجاز، والمجاز خارج عن هذه الأقسام داخل في وجوه الاستعمال، وإن جعلت موضوعة مبتدأة بوضع الشارع، كانت دلالتها على ذلك المعنى بالصيغة الوضع
(?) لأن اللفظ إما أن يدل على معنى واحد أو أكثر، فإن كان الأول: فإما أن يدل على الانفراد فهو الخاص، أو على الاشتراك بين الأفراد فهو العام. وإن كان الثاني: فإن ترجح البعض على الباقي فهو المؤول، وإلا فهو المشترك.
(?) لأن معناه إما أن يكون ظاهراً أولا، فإن ظهر معناه، فإما أن يحتمل التأويل، أولا، فإن احتمل، فإن كان ظهور معناه بمجرد الصيغة، فهو الظاهر وإلا فهو النص، وإن لم يحتمل، فإن قبل النسخ فهو المفسر، وإلا فهو المحكم.
(?) لأنه إن خفي معناه، فإما أن يكون خفاؤه لغير الصيغة، أو نفسها، فالأول الخفي والثاني: إن أمكن إدراكه بالتأمل فهو المشكل، وإلا فإن كان البيان مرجوا فهو المجمل وإلا فهو المتشابه. فإن قيل: أقسام المقابل لا تخلو إما أن يكون خارجة عن تقسيم البيان، أو داخلة، فإن كان الثاني لزم أن يقال: الثاني في وجوه البيان وهي ثمانية. وإن كان الأول لزم أن يقال: وأقسام النظم والمعنى خمسة. اجيب بأنها داخلة»، ولم يقل ثمانية. لأن المقصود من ذكر أقسام المقابل تتميم بيان =
الجزء 1 · صفحة 15
والثَّالثُ فِي وُجُوهِ اسْتِعْمَالِ ذلكَ النَّظم وهِيَ أَرْبَعَةٌ أَيْضًا: الحَقِيقَةُ والمَجَارُ والصَّرِيحُ والكِناية (1)
والرَّابِعُ فِي مَعْرِفَةِ وُجُوهِ الوُقُوفِ عَلَى الْمُرَادِ (2)، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ أَيْضًا: الاستدلال بعبَارَة النَّصَّ، وبإشارته، وبدلالته، وباقْضائه (?).
ـــــــــــــــــــــــــــــ-
=الأقسام الأربعة، فيكون ذكرها تبعاً. وقيل: إنها خارجة عنها ولا يلزم أن يكون أقسام النظم والمعنى خمسة؛ لأن تقسيم النظم والمعنى باعتبار معرفة أحكام الشرع، وبالقسم المقابل لا يحصل معرفة أحكام الشرع، وإنما يحصل به إذا خرج عن حيز الخفاء، والإشكال، والإجمال، وإذا خرج عن ذلك لم يبق مقابلاً، بل داخلا في الأقسام الأربعة.
(?) لأنه إن استعمل في موضعه فحقيقة وإلا، فمجاز وكل واحد منهما إن كان ظاهر المراد بحسب الاستعمال فهو الصريح وإلا فهو الكناية قدم أقسام النظم لأن اللفظ مقدم على المعنى.
(?) بذلك النظم.
(?) لأن مفهومه إن استفيد من المنظوم، فإن كان مسوقاً له، فهو الاستدلال بعبارة النص، وإلا فإن لم يتوقف صحة النص عليه فهو بالإشارة وإن توقف فبالاقتضاء، وإن استفيد من المفهوم اللغوي فهو بالدلالة، وإن لم يستفد من المنطوق ولا من المفهوم فهو الاستدلالات الفاسدة، وستجى بيانها، والأولى أن يتمسك فيه بالاستقراء اللغوي التام الذي هو حجة؛ لأن الكتاب مما يمكن ضبط أفراده والاستقراء حجة فيه. قيل في قوله: معرفة. تسامح؛ لأن المعرفة صفة قائمة بالعارف، وتقسيم الكتاب باعتبار صفة قائمة بغيره لا يستقيم وكان المناسب أن يقول: الرابع في إفادته الحكم. ويمكن أن يقال: معرفة مصدر بمعنى المفعول.
الجزء 1 · صفحة 16
وبَعْدَ مَعْرِفَةِ هَذِهِ الأَقْسَامِ قِسْمْ خَامِس (1) يَشمَلُ الكُلَّ (2)، وَهُوَ أَرْبَعَةٌ أَيْضًا مَعْرفَةُ مَوَاضعها (3) وترتيبها (4) ومعانيها (5) وأحكامها (6)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) على حذف المضاف أي معرفة قسم خامس.
(?) أي الأقسام العشرين السابقة؛ لأن كل واحد من الخاص، والعام، والنص، والمجمل، وغيرها يحتاج إلى معرفة المواضع والترتيب والمعاني، والأحكام، وضرب العشرين في الأربعة ثمانون ولكنها ليست بثابتة في الخارج، بل إنما هي اعتبارات عقلية، بل كون الأقسام عشرين إنما هو باعتبار العقل، إذ جميع القرآن ينقسم على أقسام، فباعتبار يشتمل على القسم الأول، وباعتبار يشتمل على القسم الثاني، وهلم جرا إلى آخر الأقسام، فيكون في الحقيقة تقسيمات لا قسيمات
(?) أي مواضع أخذ تلك الأقسام واشتقاقها، كما يقال الخاص مأخوذ من قولهم: اختص بكذا. وقس عليه سائر أسماء الأقسام.
((4)) أراد به أن يعرف المستدل الراجح والمرجوح، فيقدم الراجح عند التعارض، كتقديم المحكم على المفسر.
((5)) أراد بها ما يفهم من العبارات لغوياً كان أو شرعياً.
((6)) من كون الحكم قطعيا أو ظنيا أو واجب التوقف فيه.
فإن قلت: الأقسام الأربعة لاشك أنها أقسام القرآن بعضها أقسام نظمه، وبعضها أقسام معناه، وقوله: قسم خامس إنما يصح أن لو كان من أقسام القرآن، وليس كذلك.
قلنا: نعم إلا أنه لما توقف معرفة تلك الأقسام عليه، سماه قسما خامسا مجازا، والحق أن إطلاق الأقسام على الأربعة أيضاً مجاز؛ لأن الأقسام إنما تكون مقابلة، وهذه ليست كذلك؛ لجواز أن يكون نظم واحد خاصاً، ونصا، وحقيقة، ويكون الاستدلال
الجزء 1 · صفحة 17
أَمَّا الخاص: فَكُلُّ لَفْظ (1) وُضِعَ لِمعَنّى وَاحِد (2) مَعْلُومٍ (3) عَلَى الانْفِرَادِ (4)،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
=استدلالاً بعبارة النص.
(?) قيد باللفظ ليخرج الدوال الأربع وليعلم أن الخصوص من أوصاف اللفظ، وهو كالجنس متناول للمهلات، والمستعملات، وما يكون دلالته بالطبع، أو بالعقل.
(?) خرج به ما لم يكن دلالته بالوضع، والمشترك أيضا لأنه موضوع لمعنيين، أو أكثر.
(?) خرج به المجمل؛ لأن معناه غير معلوم للسامع.
قيل: لا حاجة إلى الاحتراز عنه؛ لأن هذا تقسيم بالنظر إلى الوضع، والمجمل معلوم المعنى في أصل وضعه والإجمال عارض بسبب ازدحام المعاني بعوارض الاستعمال لكنه احترز عنه نظراً إلى الظاهر.
وقيل: احترز به عن المشترك. فإنه موضوع لمعنى من المعاني المختلفة على سبيل الإبهام على قول، والمراد منه أن يكون معلوماً من حيث الذات والإبهام من حيث الصفات لا ينافيه، ولهذا جعلنا الرقبة المطلقة من قبيل الخاص؛ لكونها اسما لذات مرقوقة، ولا إبهام فيه من هذا الوجه وإن احتمل أن تكون كافرةً أو مؤمنة.
((4)) صفة لمعنى - أي على أن يكون اللفظ متناولاً له - مع قطع النظر عن أن يكون له أفراد، كالمسلم فإنه موضوع لمن له الإسلام وليس فيه دلالة على الأفراد خرج به =
(2)
الجزء 1 · صفحة 18
وهُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ خُصُوص الجنس، أو خُصُوص النَّوْعِ، أَوْ خُصُوص العَيْنِ، كَإِنْسَانِ ورَجُلِ وزيد (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
=العام كالمسلمين فإنه موضوع لمعنى واحد شامل للأفراد؛ لأن دلالته على سبيل الاشتراك كما مر
فإن قلت كلمة كل مستنكرة في التعريف؛ لأنها للأفراد والتعريف للحقيقة.
قلنا: لا استبعاد إذا كان غرضه بيان التسمية وتطبيقه على الأفراد؛ لأن التسمية للأفراد لا للحقائق؛ ولهذا عرف ابن الحاجب التوابع بقوله: كل ثان بإعراب سابقه من جهة واحدة.
(1) لما كان مقصود الفقهاء معرفة الأحكام دون الحقائق، جعلوا اللفظ المشتمل على كثيرين متفاوتين في أحكام الشرع، جنساً خاصاً كالإنسان فإنه مشتمل على الرجل والمرأة والحكم بينهما متفاوت حتى أن من اشترى عبداً فظهر» أنه أمة لم ينعقد البيع واللفظ المشتمل على كثيرين متفقين في الحكم نوعا خاصا كالرجل.
فإن قلت: الرجل أيضاً مشتمل على كثيرين متفاوتين في الحكم كالمجنون وغيره.
قلنا: كلامنا بالنسبة إلى من له أهلية معتبرة، وما ذكرتم من العوارض، واللفظ الذي له معنى واحد حقيقة عينا خاصا كزيد.
الجزء 1 · صفحة 19
وحُكْمُهُ (1) أَنْ يَتَنَاوَلَ المُخصوص قطعا (2) ولا يَحْتمَل البَيَان (3) لكونه بينا (4)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فإن قلت: العين أولى بهذا الاسم من غيره لعدم احتمال الشركة فيه فكان بالتقديم أولى.
قلنا: إنما قدم الكلي لأنه جزء الجزئي، ولاشك في تقدمه طبعا، فقدمه وضعا للتناسب.
(1) أي الأثر الثابت للخاص من غير اعتبار الموانع الصارفة عن الحقيقة.
(?) تمييز - أي قاطعاً إرادة الغير - فإذا قلنا: زيد عالم وجب الحكم بالعلم عليه. فإن قلت: كيف يثبت القطع مع احتمال المجاز
قلت: الاحتمال الذي لم ينشأ عن دليل كالمعدوم، ولا يمنع القطع، «ألا ترى، أن من
لم يقم تحت حائط غير مائل لاحتمال سقوطه يلام، وإذا كان مائلاً لا يلام.
(?) أي بيان التفسير؛ لأنه يحتمل بيان التغيير. فإن قلت: هذا الحكم مع الحكم الأول متلازمان؛ لأن المقطوع يستلزم عدم احتمال البيان وكذا بالعكس فأي فائدة في ذكره
قلت: القول الأول لبيان المذهب، والثاني لنفي زعم من قال: الخاص يحتمل البيان. حتى جوزوا الزيادة عليه بخبر الواحد.
((4)) لأن البيان إما لإثبات الظهور، وهو حقيقته، أو لإزالة الخفاء، وهي لازمته، وإثبات الثابت، أو نفي المنفي محال.
الجزء 1 · صفحة 20
فَلا يَجُوزُ (1) إلحاق التَّعْدِيلِ (2) بِأَمْرِ الرُّكُوعِ والسَّجُودِ (3)، عَلَى سَبِيلِ الفَرْضِ (4)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
=لا يقال: هذا مصادرة على المطلوب؛ لأن المدعي عدم احتمال البيان، والدليل كونه بينا ي نفسه.
(?) هذا تفريع لما ذكره من قوله: ولا يحتمل البيان.
((2)) أي الطمأنينة في الركوع والسجود والاستواء في القومة، والجلسة بين السجدتين، الثابت بخبر الواحد، وهو قوله عليه السلام لأعرابي صلى في المسجد، وترك التعديل: قم فصل فانك لم تصل بيانًا.
(?) وهو قوله تعالى: {وارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} الحج: ??
((4)) كما ذهب إليه أبو يوسف والشافعي؛ لأن قوله: {واركعوا} الحج: ??. خاص معلوم معناه، وهو الميلان عن الاستواء، وكذا السجود معلوم معناه، وهو وضع الجبهة على الأرض ولا يحتمل البيان ومن ألحق التعديل به فجعله فرضاً، يكون زائدا على النص بخبر الواحد، وذا لا يجوز
فإن قلت: هب أنه لا يحتمل البيان باعتبار المعنى اللغوي، لكن لم لا يجوز أن يكون المراد هو الركوع الشرعي، وهو محتاج إلى البيان.
قلنا: لا نسلم أن كل معنى شرعي يحتاج إلى قيد زائد على اللغوي، ولئن سلمناه، لكنه احتمال لم ينشأ عن دليل، وقد تقدم هجرانه.
وقيد بقوله: على سبيل الفرض لأن الحاق الطمأنينة بأمر الركوع والسجود على سبيل الوجوب جائز نظراً إلى دليله.
الجزء 1 · صفحة 21
وبَطَلَ شَرْطُ الولاء (1) والترتيب (2) والتَّسْمِيَة (3) والنية (4) في آية الوُضُوءِ (5)،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(?) بكسر الواو، وهو أن يتتابع في أفعال الوضوء، بحيث لا يجف في خلاله عضو قبل إتمامه مع اعتدال الهواء، وهو شرط صحة الوضوء عند مالك؛ لأنه عليه السلام واظب عليه ولو جاز تركه لفعله مرة تعليمًا للجواز
(?) وهو شرط عند الشافعي، لقوله عليه السلام: «لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل وجهه، ثم يديه .. كلمة ثم للترتيب.
(?) وهو شرط عند مالك، لقوله عليه السلام: «لا وضوء لمن لم يسم الله تعالى
((4)) وهو أن يقصد بوضوئه استباحة الصلاة، وهي شرط عند الشافعي، لقوله عليه السلام: (الأعمال بالنيات)
((5)) وهي قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وجوهكم وأيديكم} [المائدة: 1} لأن قوله تعالى: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} (المائدة: (6)) خاصان معلوم معناهما، وهو لإسالة والإصابة، واشتراط هذه الأشياء بهذه الأخبار، يكون زيادة على النص، ونسخا له فيبطل.
فإن قلت: فلم ما أوجبتم النية وأخواتها في الوضوء، كما أوجبتم التعديل في الصلاة. قلنا: لو قلنا بالوجوب في مكمل الوضوء، كما في مكمل الصلاة، لزم التسوية بين الأصل والفرع، فقلنا بالسنية إظهارا للتفاوت، وفيه نظر لظهور التفاوت من وجه آخر، =
الجزء 1 · صفحة 22
ـــــــــــــــــــــــــــــ-
=فإن الوضوء لا يلزم بالنذر وبالشروع والصلاة تلزم بهما، كذا قاله الشراح. ولقائل أن يقول: هذا التفاوت بين الوضوء والصلاة وليس الكلام فيهما، بل في مكمليهما، ومكملاهما لا يلزمان بالنذر ولا بالشروع، فإن النذر بالطمأنينة منفردة عن الصلاة غير ملزم. فالوجه أن يقال: الأدلة السمعية أربعة أنواع قطعي الثبوت والدلالة، كالنصوص المفسرة أو المحكمة، والسنة المتواترة، وقطعي الثبوت ظني الدلالة كالآيات المؤولة، وظني الثبوت قطعي الدلالة كأخبار الآحاد التي مفهوماتها قطعية، وظني الثبوت ظني الدلالة كالتي مفهوماتها ظنية فبالأول يثبت الفرض وبالثاني والثالث الوجوب، وبالرابع السنة أو الاستحباب ليكون ثبوت الحكم بقدر، دليله فخبر التعديل من القسم الثالث؛ لأنه عليه السلام امره بالإعادة ثلاثا، فقال للاعرابي: قم فصل فإنك لم تصل). والأمر للوجوب.
وأما خبر النية فلا يدل على وجوبها؛ لأنها إنما تجب في العبادات، والوضوء ليس بعبادة، وكذا خبر التسمية؛ لأن مثله يستعمل لنفي، الفضيلة وكذا دليل الولاء، ـ وهو المواظبة ـ يدل على رجحان الفعل على الترك، إذ الأصل عدم الوجوب، ألا يرى أن النبي عليه السلام واظب على المضمضة والاستنشاق مع أنهما سنتان، وخبر الترتيب معارض بما روى أنه عليه السلام نسى مسح رأسه فتذكره بعد فراغه، فمسحه ببلل كفه فلم يعد رجليه.
الجزء 1 · صفحة 23
والطَّهَارَة (1) في آيَة الطَّواف (2)
ـــــــــــــــــــــــــــــ-
(?) أي بطل شرط الطهارة.
(2) وهي قوله تعالى: {وَلْيَطَّوْفُوا بالبيت العتيق} (الحج: (29). أي القديم؛ لأنه أول بيت وضع للناس قال الشافعي الطهارة في طواف الزيارة، لقوله عليه السلام: {ألا لا يطوفن بهذا البيت محدث ولا عريان}
وقلنا شرطيتها باطلة؛ لأن الطواف خاص معلوم معناه وهو الدوران بالبيت، فلا يكون موقوفا على الطهارة ولا يجوز أن يكون خبر الطهارة بيانا له؛ لأنه ليس بمجمل.
فإن قلت: النص مجمل؛ لأنه ليس المراد بالطواف مجرد الدوران بالبيت، بل يعتبر فيه سبعة أشواط، وأن يكون ابتداؤه من الحجر الأسود.
قلنا: لا إجمال فيه بالنسبة إلى الطهارة، لأنه لا مدخل لها في معنى الطواف، وإجماله كان بالنسبة إلى الأشواط والابتداء، فالتحق خبر العدد والابتداء بياناً له، وإجماله بهذا الوجه لا ينافي عدم إجماله بوجه آخر كما في مسح الرأس، فإنه مجمل بحسب مقداره، وغير مجمل بحسب محله.
لا يقال: المجمل مالا يمكن العمل به قبل البيان وأمكن العمل به؛ لأنه يخرج عن العهدة بأدنى ما يطلق عليه اسم البعض
لانا نقول: قدره الشافعي بثلاث شعرات؛ كذا قاله الإمام السرخسي لكنه مدفوع؛ لأن من مسح برأسه بثلاث شعرات لا يقال: إنه مسح برأسه عادة. فيبقى ذلك البعض مجملا أو لأن ذلك يحصل بغسل الوجه، فلا يحتاج إلى إيجاب ذلك على حدة. ولقائل أن يقول: لا نسلم الإجمال من حيث العدد؛ لأن الأمر لا يقتضي التكرار، ولا نسلم الإجمال في الطواف من حيث المبدأ والأولى أن يقال: ثبت العدد، وتعين المبدأ =
الجزء 1 · صفحة 24
والتأويل (1) بالأطهار في آية التربص (2)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
=بالأخبار المشهورة وبها يجوز الزيادة على الكتاب.
(?) اي بطل تأويل الشافعي رحمه الله القروء.
(?) وهي قوله عز وجل: {وَالْمُطَلَّقَات يتربَّصن بأنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء} (البقرة: ??? يعني ليتربصن المطلقات المدخولات بهن من ذوات الأقراء مدة ثلاثة قروء.
والقرء مشترك يستعمل في الطهر والحيض، حمل الشافعي القروء على الأطهار مستدلاً بقوله تعالى: {يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقتم النساء فَطَلَقُوهُنَّ لعدتهنَّ} الطلاق: 1. فإن اللام تجيء بمعنى الوقت كقولك: آتيك لصلاة الظهر. - أي وقتها - فيكون وقت طلاقهن وقت عدتهن، فلو كان المراد من القرء الحيض، يكون الطلاق واقعا في حالة الحيض، وليس كذلك؛ لأنه، بدعة وليس مأموراً به وبأن الهاء في الثلاثة تدل على أن الأطهار مرادة من القروء؛ لأن الطهر، مذكر والحيض مؤنث، وتأنيث العدد عكس التوانيث.
والجواب عن الآية: بأن اللام فيه للعاقبة، كما في قولهم لدوا للموت وابنوا للخراب أو بأن المراد من قوله: لعدتهن. لقبل عدتهن إذ الطلاق سابق عليها، بدليل قراءة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فطلقوهن لقبل عدتهن كذا روي عن الزهري، وقتادة، وفي الكشاف معنى الآية مستقبلات لعدتهن. وعن الثاني: أن الحيض وإن كان مؤنثاً فالقرء مذكر ولا استبعاد في تسمية شيء واحد باسم المذكر والمؤنث، كالحنطة والبر فلما أضيفت الثلاثة إلى المذكر روعى علامة التذكير وقلنا هذا باطل؛=
الجزء 1 · صفحة 25
ومُحَلَّلِيَّةُ الزَّوْجِ الثَّاني (1) بحديث العُسَيْلَةِ لَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غيره} (2) (البقرةآية: (???))، وبطلانُ العِصَمَةَ عَنِ الْمَسْرُوقِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
=لأن الثلاثة خاص لعدد معلوم، فلو حمل القروء على الأطهار انتقص عن الثلاثة؛ لأنه إذا طلقها في الطهر، يجعل الشافعي ذلك الطهر محسوباً من العدة، فتكون العدة قرئين وبعض الثالث؛ لأن المعتبر هو الطهر المتخلل بين الدمين فيكون ردا لنص الكتاب، فلو حملناه على الحيض وطلقت فيها، لا يكون تلك الحيضة محسوبة بالاتفاق، فيكون الأقراء ثلاثة كاملة
فإن قلت: الثلاثة كما لا يحتمل النقصان لا تحتمل الازدياد، وإذا حمل القرء على الحيض يلزم الازدياد، لأنه لو طلقها في الحيض، لم يحتسب تلك الحيضة، فيكون التربص بثلاثة قروء وبعض قرء.
قلنا: ذلك البعض لما لم يحتسب من العدة لم يكن العدة إلا ثلاثة قروء. فإن قلت: قد جاء النقصان عن الثلاثة في قوله تعالى: الْحَج أَشهر معلومات البقرة: ???. فإن المراد شهران وبعض الثالث، وأدنى الجمع ثلاثة. قلنا: الأشهر عام، يجوز أن يراد بعضه.
(1) أي كون الزوج الثاني مثبتا للحل الجديد ثابت.
(?) وتقريره موقوف على تقرير مسألة مختلف فيها وهي أن رجلاً إذا طلق امرأته واحدة أو ثنتين فانقضت عدتها فتزوجت بآخر، فطلقها وانقضت عدتها، ثم عادت إلى الأول، فعند أبي حنيفة وأبي يوسف يعود بثلاث طلقات، ويهدم الزوج الثاني الطلقة والطلقتين، كما يهدم الثلاثة وعند محمد، وزفر والشافعي، تعود بما يبقى من الطلقات، ولا يهدم الزوج الثاني ما دون الثلاث، وهذا الخلاف مبني على أن الزوج الثاني في الطلقات الثلاث، مثبت للحل الجديد عندهما، وغاية للحرمة الغليظة عندهم، فمن ذهب إلى الأول قال: إذا كان الزوج الثاني محللاً، فالأولى أن يكمل الحل في الطلقة والطلقتين فيملكها الزوج الأول بالطلقات ومن ذهب إلى الثاني قال: الحرمة لا تثبت إلا في الطلقيتن فلا يكون للزوج الثاني حكم إلا في الطلقات لا في =
الجزء 1 · صفحة 26
{جزاء} المائدة آية.?? ................................... لا بقوله:
ـــــــــــــــــــــــــــــ-
=الطلقة والطلقتين.
وإذا عرفت هذا فنقول: احتج محمد وزفر والشافعي بقوله تعالى: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلا تَحلُّ له من بعدُ حَتَّى تَنكِحَ زوجا غيره} (البقرة: (230). فالله تعالى جعل الزوج الثاني غاية للحرمة الثابتة بالطلقة الثالثة، فكلمة حتى موضوعة للغاية وهي غير مؤثرة في الحل، بل منهية للحرمة فقط، وإنما يثبت الحل بعدها بالسبب السابق وهو كونها امرأة أجنبية، فالقول بأنه مثبت للحل ليس عملاً بالكتاب ولا بيانا له؛ لأن حتى خاص معلوم معناه وهو النهاية، بل كان إبطالاً لأن الكتاب يقتضي أن يكون الزوج الثاني غاية للحرمة الغليظة، وكونه غاية للحرمة الغليظة يقتضي أن يكون وجوده وعدمه قبل الثلاث بمنزلة واحدة، إذ لا وجود للغاية قبل وجود المغي وجعله مثبتا للجل الجديد يقتضي خلافه، فيكون إبطالا.
لا يقال: نفس الزوج لا يصلح أن يكون غاية، إذ الإصابة شرط بالإجماع؛ لأن الإصابة زيدت على النص بالحديث المشهور، فيكون الزوج الثاني مع الإصابة غاية. فأجاب المصنف عنهم: بأن محللية الزوج الثاني تثبت بحديث العسيلة، وهو ما روى أنه عليه السلام قال لامرأة رفاعة، وقد طلقها ثلاثا ثم نكحت بعبدالرحمن بن الزبير)، ثم جاءت تتهمه بالعنة)، وقالت: ما وجدته إلا كهدبة ثوبي. فقال صلى
الجزء 1 · صفحة 27
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
=الله تعالى عليه وسلم أتريدين أن تعودي إلى رفاعة قالت نعم فقال عليه السلام: لا حتى تذوقي من عسيلته ويذوق هو من عسيلتك، غي عليه الصلاة والسلام عدم العود بذوق العسيلة، فإذا وجد الذوق، وجد العود والعود رد إلى الحالة الأولى، وهو حالة لا بالسبب السابق، لأنه كان ثابتا والعود لم يكن ثابتا، فتلك الحالة لا تكون إلا حلاً جديداً، والذوق علة للعود فيثبت به الحل الحادث؛ لأن حدوث العلة يستلزم حدوث المعلول، فيكون الزوج مثبتاً للحل الذي عدم فتعود بثلاث طلقات، ولو كان ثبوت الحل بالسبب السابق لم يكن الزوج الثاني محللاً، وقد سماه النبي عليه السلام محللاً في قوله: لعن الله المحلل والمحلل له
فإن قلت: ما معنى لعنهما.
قلت: معنى اللعن على المحلل؛ لأنه نكح على قصد الفراق، والنكاح شرع للدوام، فصار كالتيس المستعار، واللعن على المحلل له؛ لأنه صار سببا لمثل هذا النكاح، والمراد من اللعن إظهار خساستهما؛ لأن الطبع السليم ينفر عن فعلهما لا حقيقة اللعن، لأن النبي عليه السلام ما بعث لعانًا. قال صاحب الكشف: تحليله لا ينافي كونه غاية، الجواز أن يكون مثبتا للحل، ومنهيا للحرمة فالقول بالتحليل ليس بترك العمل بخاص، بل عمل بخاصين أحدهما الكتاب والآخر السنة إلى هنا كلامه ولقائل أن يقول: عدم المنافاة مناف لوضع المسألة؛ لأن الزوج الثاني إذا كان مثبتا للحل يهدم الطلقة والطلقتين وإذا كان غاية للحرمة لا يهدمهما، وتنافي اللوازم يدل على تنافي الملزومات.
فإن قلت: الحل ثابت في الطلقتين، فلو كان الثاني محللا يلزم إثبات الثابت.
الجزء 1 · صفحة 28
(فَاقْطَعُوا) (1). المائدة آية: ??
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
=قلنا: لا نسلم لزومه، لأن الثاني أثبت حلاً لم يكن، قبل، لأن حله كان ناقصا وهو أثبت حلاً كاملاً.
العسيلتان كنايتان عن العضوين وفي ذكره بصيغة التصغير إشارة الى أن غيبوبة الحشفة
كافية في الإحلال، وفي ذكر الذوق لطيفة وهي أن الإنزال غير مشروط؛ لأنه شبع.
(1) اعلم أن القطع في السرقة مع الضمان لا يجتمعان عندنا سواء هلك المال في يد السارق أو استهلكه وقال الشافعي يجتمعان لأنهما مختلفان حكما، لأن الضمان الجبر المحل، والقطع للزجر وسببا؛ لأن سبب القطع الجناية على حق الله تعالى، وسبب الآخر الجناية على حق العبد، ومحلاً لأن محل إحداهما اليد، ومحل الآخر الذمة ومن قال: القطع يوجب انتفاء الضمان لقوله عليه السلام لا غرم على السارق بعد ما قطعت يمينه. لم يكن عاملاً بهذا الخاص، وهو قوله تعالى: {فَاقْطَعُوا) المائدة: (38). لأنه لا ينبيء عن بطلان العصمة، بل زائدا عليه بخبر الواحد، فقد أتيتم بما أبيتم. أشار المصنف رحمه الله إلى جوابه بقوله: وبطلان العصمة. يعني سقوط عصمة المال يثبت بإشارة قوله تعالى: {جزاء (المائدة: ??. لأن الجزاء في الإطلاقات الشرعية اذا استعمل في العقوبات يراد به ما يجب حقا لله تعالى في مقابلة فعل العبد؛ ولأن الجزاء مصدر جزي بالهمزة بمعنى كفى، وهو يدل على أن القطع جزاء كامل كاف للسرقة، ولا يكون ذلك إلا بكمال الجناية، وهي إنما تكمل إذا كانت واقعة على حق الله تعالى؛ لأنها جناية من جميع الوجوه والجناية على حق العبد جناية من وجه، لأنه مباح نظرا إلى ذاته، وإنما حرم حفظاً له على المالك، فوجب نقل العصمة الى الله تعالى ليكون حراماً لعينه فلو بقيت العصمة من المال من جهة=
الجزء 1 · صفحة 29
=العبد لا يكون حراماً لعينه.
فإن قلت: لو انتقلت العصمة إلى الله تعالى يلزم أن لا يقطع كما في سرقة الخمر. قلنا من شرط القطع أن يكون المسروق معصوماً قبل السرقة حقا للعبد، والخمر ليست كذلك، وليس من ضرورة انتقال العصمة انتقال الملك إلى الله تعالى؛ لأنه لو انتقل إليه لصار مباحاً، وامتنع القطع، والمسروق مملوك لمالكه، ولهذا لو وجده قائماً بعينه فله أن يسترده وعصمته انتقلت الى الله تعالى فانتقال العصمة دون الملك مشروع، كالعصير إذا تخمر يبقى مملوكا ولم يبقى معصوماً، فصارت محرمة العين لله تعالى.
اعلم أن العصمة تنتقل حال انعقاد السرقة، ولكن إنما يتقرر هذا إذا قطع؛ لأن ما يجب لله تعالى تمامه بالاستيفاء، فإن قطع تبين أن الحرمة كانت لله فلا يجب الضمان. وفي المبسوط: سقوط الضمان في الحكم، أما فيما بينه وبين الله فيفتي بالضمان فيما روى عن محمد، فإن لم يقطع تبين أنها كانت للعبد فيجب الضمان
فإن قلت: القطع شرع لصيانة حق العبد، وفي القول بسقوط العصمة إبطال حقه
قلت: إن كان فيه إبطال حقه صورة، ففيه تكميل معنى الحفظ، فكان الحفظ بالقطع خيراً له من الحفظ بالضمان.
فإن قلت: قد يوجد العصمة بلا ملك فإنه لو سرق مال الوقف من المتولى يجب القطع، ولا ملك فيه لأحد.
قلنا: لا نسلم، فإن الوقف باق على ملك الواقف حكمًا، ولهذا يرجع الثواب إليه، ولئن سلمنا فالملك شرط في العصمة لا لعينه؛ بل لأنه متعلق حق الغير ليصير خصماً، ومال الوقف كذلك.
الجزء 1 · صفحة 30
ولذلك (1) صَحَ إيقاع الطلاق بَعْدَ الخلع (2) وَوَجَبَ مَهْرُ المثل
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أي لكون الخاص قطعيا في معناه.
(?) وقال الشافعي: لا يصح لأن الطلاق لإزالة ملك النكاج، وقد زال بالخلع، فلا يقع
الطلاق بعده
تمسك المصنف بقوله تعالى {فَإِن طَلَّقَهَا} (البقرة: ???). وهو معطوف على ما قبله، وهو {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَ يُقِيمَا حُدُودَ الله فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ به} (البقرة: (229). ومعنى الآية: إن علمتم أو ظننتم أيها الحكام أن لا يقيم الزوجان حقوق الزوجية، فلا إثم على الزوج فيما أخذه ولا على المرأة فيما افتدت به نفسها، وصل الطلاق بالافتداء بالمال وهو الخلع لكونه أقرب يعني فإن طلقها بعد المرتين سواء كانتا على مال أو بدونه، فأوجب صحته بعده فمن أبطل الطلاق بعده لا يكون عاملا بالخاص وهو الفاء
اعترض عليه: بأن الاستدلال بهذا الطريق مشكل؛ لأن المذكور في عامة التفاسير أنها متصلة بقوله تعالى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} (البقرة: ???). يعني التطليق الشرعي تطليقة بعد أخرى على التفريق دون الجمع؛ لأنه يدعي لم يرد به حقيقة التثنية بل التكرير، كما في لبيك، يعني فإن طلقها بعد التطليقتين تطليقة أخرى، واستوفى نصابه؛ ولأن موجب الفاء الترتيب في الذكر، وهو لا يوجب الترتيب في الحكم والمشروعية، وإلا يتصور الطلقة الثالثة قبل الخلع ولما يتصور الخلع قبل الطلقتين ولصار عدد الطلاق أربعة؛ لأن الطلقة الثالثة مرتبة على الخلع والخلع مرتب على الطلقتين، وكل ذلك خلاف
الإجماع.
الجزء 1 · صفحة 31
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأجيب عنه بأن اتصاله بقوله: (الطلاق مرتان} (البقرة: (229) هو اتصاله بالافتداء؛ لأنه ليس بخارج عن الطلقتين؛ لأنه لم يذكر تطليق آخر من جهة الزوج، فكأنه قيل: فلا جناح عليهما فيما افتدت به في الطلاقين المذكورين ثم رتب على الافتداء الثالثة، وذلك يفيد جواز وقوع الطلاق عقيب الخلع، فلا يلزم منه أن يكون الطلاق أربعة، وموجب الفاء التعقيب والوصل في الوجود، لا الترتيب في الذكر، وهذا لم يقل به أحد، وأما عدم تصور الطلقة الثالثة بدون الخلع فغير لازم؛ لأن غاية ما يفهم من ذلك جواز وقوع الطلقة الثالثة بعد الخلع وأما الانحصار فمن أين يفهم؟
فإن قلت: الطَّلاقُ مَرَّتَان (البقرة: (???)) الرجعي، وقد اتفق المفسرون على أن المراد منه الرجعي.
قلنا: إنه رجعى على تقدير عدم الأخذ وعلى تقدير الأخذ فلا. ولقائل أن يقول: هذا البحث مبني على أن يكون التسريح بإحسان إشارة إلى ترك
الرجعة، وأما إذا كان إشارة إلى الطلقة الثالثة على ما روى أبو رزين العقيلي أن النبي
عليه الصلاة والسلام سئل عن الطلقة الثالثة فقال: أو تسريح بإحسان. فلابد أن يكون قوله: (فإن طَلَّقَها) (البقرة: ???). بيانًا لحكم التسريح، على معنى إذا ثبت أنه لابد
الجزء 1 · صفحة 32
بِنَفْسِ العَقْد (1) في المُفَوَّضة (2) وكَانَ المَهْرُ مُقَدَّرًا شَرْعًا غَيْرَ مُضَافَ إِلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
=بعد الطلقتين من الإمساك بالمراجعة أو التسريح بالطلقة الثالثة، فإن آثر التسريح بالطلقة الثالثة، فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره، فحينئذ لا يكون في الآية دلالة على شرعية الطلاق عقيب الخلع، فالأولى أن يتمسك بما رواه أبو سعيد الخدري عن النبي عليه الصلاة والسلام: «المختلعة يلحقها صريح الطلاق ما دامت في العدة
(1) اي بمجرده بلا تأخير.
(?) عندنا وهي بكسر الواو من فوضت أمرها إلى وليها وزوجها بلا مهر، وبفتحها من فوضها وليها إلى الزوج يلا مهر وعند الشافعي رحمه الله وجوبه إما بالتسمية أو بالوطء، وفائدة الخلاف تظهر في المفوضة إذا مات أحد الزوجين قبل الدخول، فعندنا يجب المهر عليه وعند الشافعي لا يجب، لقول ابن عباس في المفوضة: حسبها الميراث ولا مهر لها. وإذا دخل بها يجب مهر المثل، اتفاقا وإن طلقها قبل الدخول فلا مهر لها اتفاقا، ويجب المتعة
فإن قلت: لما وجب مهر المثل بالعقد وجب أن ينصف بالطلاق قبل الوطء.
قلنا: هذا ليس بقياس وإنما يعرف بالنص، والنص ورد في المسمى دون غيره
الجزء 1 · صفحة 33
العَبْد (1) عَمَلاً بقَوْله تَعَالَى: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلا تَحلُّ لَهُ من بعد} (البقرة: (230))، (أن تبتغوا بأموالكم) (النساء: (24)) (وَقَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
=رأيهما في البيع، والإجارة.
(?) لما فرغ من المسائل ذكر الأدلة عقيبها على صنعة اللف والنشر، قوله: (فإن طلقها) (البقرة: ???) متعلق بقوله: صح. وقد مر بيانه (أن تبتغوا) (النسباء: (124))
متعلق بقوله: وجب. يعني بين لكم ما يحل مما يحرم إرادة أن تبتغوا النساء بالمهور، فيكون: لو أن تبتغوا النساء: (24) مفعولاً له، ويجوز أن يكون بدلا ما وَرَاء ذَلِكُمْ} (النساء: (24)) والابتغاء هو الطلب بالعقد لا بالإجارة والمتعة لقوله تعالى: غير مسافحين النساء: (24) والمراد منه العقد الصحيح، إذ لا يجب المهر بنفس العقد الفاسد إجماعا، بل يتراخى إلى الوطء، فيجب المال عند العقد عملاً بالباء الموضوع للإلصاق. فإن قلت: المفهوم من الآية أن العقد المشروع هو الملصق بالمال فيلزم أن لا يكون العقد الذي نفي فيه المهر مشروعاً، وقد حكمتم بصحة ذلك.
قلت: لا نسلم اللزوم؛ لأن المهر لا ينتفي بنفيه، فيكون المال ثابتا عند العقد، سواء سمياه أو نفياه، فمن أخر وجوب المهر إلى الوطء فقد خالف النص، وبطل مذهبه. فإن قلت ثبت في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «زوجتكها بما معك من القرآن. فعلم أن المهر ليس بمقدر بالمال.
قلت هذا خبر الواحد، وهو غير مقبول لمعارضته نص الكتاب، أو يقال: الباء
للسببية لا للمعاوضة.
(1) هذا متعلق بقوله: وكان المهر مقدراً. وجه التمسك أن الفرض خاص موضوع المعنى
الجزء 1 · صفحة 34
عليهم) (1) (الأحزاب: (50)).
ـــــــــــــــــــــــــــــ
=التقدير فيجب أن يكون المهر مقدراً إلا أنه في تعيين المقدار مجمل، فلحق البيان بقوله عليه الصلاة والسلام: (لا مهر أقل من عشرة دراهم) وأما كونه مقدراً شرعًا فلأن الكناية في قوله تعالى (وفرضنا له) (الأحزاب: (50)) لذات المتكلم، فدل ذلك على أن متولى التقدير هو الشارع، فمن لم يجعل المهر مقدراً شرعا كان مبطلا للنص لا عاملا به، واعترض عليه بأنا لا نسلم أن الفرض خاص في التقدير، بل هو مشترك؛ لأنه يجئ بمعنى القطع، يقال: فرض الخياط الثوب. وبمعنى البيان كما قال الله تعالى: سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وفَرَضْنَاها النور: (1) أي بيناها وبمعنى الإيجاب، بل في الآية حمله على الإيجاب أولى بقرينة قوله تعالى عليهم الأحزاب: (50). لأنه يقال: أوجب عليه ولا يقال: قدر عليه. وبقرينة قوله تعالى: {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ الأحزاب: (50). فإن نفقة الإماء وكسوتهن واجبة عليهم ومعنى التقدير لا يستقيم في حقهن؛ لأنه لم يقدر على الموالي للإماء شيء.
ويمكن أن يجاب عنه: بأن الفرض حقيقة في معنى التقدير؛ لأنه غالب الاستعمال فيه لاسيما في الشرع، يقال: فرض القاضي النفقة. أي قدرها وسمى الفرائض فرائض لكونها سهاماً مقدرة، وإذا ثبت أنه حقيقة فيه ثبت أنه مجاز في المعاني الباقية؛ لأن اللفظ إذا دار بين الاشتراك والمجاز، فالحمل على المجاز أولى؛ لأن قرينة واحدةً في
الجزء 1 · صفحة 35
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
=المجاز كافية، وفي المشترك يحتاج لإرادة كل معنى من معانيه إلى قرينة، ولا نسلم أن قوله تعالى: (وما ملكت أيمانهم الاحزاب: (5). قرينة على أنه بمعنى الإيجاب؛ لأن الواو بمثابة تكرار الفعل فكأنه قال: قد علمنا ما فرضنا عليهم فيما ملكت أيمانهم. فيكون الفرض المقدر النائب عنه الواو بمعنى الإيجاب والمذكور بمعنى التقدير، كما في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَات ومن في الأرض. إلى قوله: وكثير مِنَ النَّاسِ الحج: ??. لأن معنى السجود المذكور الخضوع، ومعنى المقدر في كثير من الناس وضع الجبهة وهذا حقيقة، وذاك مجاز، كذا قال الشراح.
وفيه بحث؛ لأن حرف العطف إما أن يكون بمثابة الفعل السابق من حيث اللفظ والمعنى، أعني يسجد بمعنى الإنقياد وإما أن يكون بمثابته من حيث اللفظ والعاملية، لا من حيث المعنى، والأول غير جائز، العدم إمكانه في بعض المعطوفات؛ لأن السجدة بمعنى الانقياد موجودة في جميع الناس لا في كثيرهم، وفي الثاني يلزم الحذف من غير دليل، إذ لا يقال: زيد: يضرب وعمرو على معنى يضرب عمرو، فيراد من الضرب الأول السفر، ومن الثاني استعمال آلة الضرب.
ويمكن أن يجاب عنه: بأن عدم قولهم لانعدام القرينة على أن المراد من الضرب الأول السفر، ومن الثاني استعمال آلة الضرب والآية ليست كذلك؛ لأن فيها قرينة على أن المراد من السجدة الأولى الانقياد ومن الثانية وضع الجبهة، وأما صلة عليهم فلتضمين معنى الإيجاب. ويمكن أن يقال: سلمنا أن المراد به الإيجاب لكن المطلوب حاصل على ذلك التقدير أيضاً؛ لأنه يصير التقدير قد علمنا ما أوجبنا على الأزواج من المهر، وغير ذلك، وكل معلوم، مقدر فيكون مقدرا عند الله تعالى وذلك مجمل في حقنا، فبينه النبي عليه الصلاة والسلام بالحديث المذكور، ولئن سلمنا أن المعلوم ليس بمقدر، فما أوجب الله تعالى غير معلوم وذلك مجمل، فبينه النبي عليه الصلاة والسلام.
الجزء 1 · صفحة 36
ومنه الأَمْرُ (1)، وهُوَ قَوْلُ القَائل لغَيْره - على سبيل الاستغلاء: افْعَل (2)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(?) أي من الخاص.
(?) احتزز بالقيد الأول عن الفعل، والإشارة، وبالقيد الثاني عن الدعاء والالتماس، فإن قوله: افعل بهذين الوجهين لا يكون أمراً وقيد بالسبيل إشارة إلى أن العلو في الواقع ليس بشرط، حتى إن صدر افعل ممن هو أدنى حالاً من المأمور، على وجه الاستعلاء، يكون أمراً، ولهذا ينسب إلى سوء الأدب، والمراد بقوله: افعل. ما يكون مشتقا على طريقة افعل وهي القاعدة المشهورة في استخراج الأمر من المضارع، كذا في الشرح الأكملي»، وفيه نظر لخروج الأمر الغائب عن التعريف، والأصوب أن يقال مراده من افعل ما يدل على طلب فعل ساكن الآخر. خرج بهذا قول من قال لمن دونه أوجبت عليك أن تفعل كذا أو أطلب منك أو أوجب عليك أن تفعل كذا فهذا كله لطلب الفعل وليس بأمر.
اعلم أن الأمر يطلق على نفس التكلم بالصيغة، وكذا القول يطلق بمعنى المقول، وبمعنى المصدر، ويمكن تطبيق التعريف المذكور على الاعتبارين لكن كونه بمعنى المقول أولى؛ لأن الأمر والنهي من أقسام الإنشاء والإنشاء قسم من اللفظ
الجزء 1 · صفحة 37
فصل
ويختص مراده (1) بصيغة (2) لازِمَة (3) حَتَّى لا يَكُونَ الفِعْلُ مُوجِبًا ـ خلافًا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
= ولقائل أن يورد عليه بأنه: إن إراد اصطلاح العربية، فالتعريف غير جامع؛ لأن صيغة افعل عندهم أمر سواء كان على طريق الاستعلاء أو غيره، وإن أراد اصطلاح أهل الأصول فغير مانع؛ لأن صيغة افعل على طريق الاستعلاء، قد تكون للتهديد والتعجيز ونحو ذلك، وليست بأمر لأنه لم يستعمل للطلب، قدم الأمر لأن ما يجب على المكلف أولاً الإيمان وهو بالأمر.
(?) يعني يختص المراد من الأمر، وهو الوجوب.
(?) افعل.
(?) لذلك المراد حتى لا يستفاد الوجوب إلا من هذه الصيغة
اعلم أن اللفظ قد يكون مختصاً بالمعنى لا المعنى به كالمترادف، وقد يكون على العكس كالمشترك، وقد يكون الاختصاص من الجانبين.
الجزء 1 · صفحة 38
لِبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِي (1) لِلْمَنْعِ عَنِ الوِصالِ (2) وخلع النَّعَالِ (3)، والوُجُوبُ؛
ـــــــــــــــــــــــــــــ
=ولما كان الاختصاص ههنا من الجانبين تعرض المصنف رحمه الله لهما، لجانب المعنى بقوله ويختص مراده بصيغة. ولجانب اللفظ بقوله: لازمة. وقدم الأول لأنه هو المقصود من هذا الباب وفيه رد على من زعم أن الأمر مشترك بين الوجوب، والندب، والاباحة
(1) فإنهم ذهبوا إلى أن فعل النبي عليه السلام الذي ليس بسهو، ولا طبع، مثل الأكل والنوم ولا مخصوصا به مثل وجوب التهجد، موجب، ومرجع الخلاف إلى إطلاق لفظ الأمر عل الفعل، إذ لا خلاف بيننا وبينهم في أن الامر اسم لما هو موجب، وأن الوجوب لا يستفاد إلا من الأمر وإنما الخلاف في أن الأمر هل يطلق على الفعل حقيقة أم لا؟ فعندهم يطلق لقوله تعالى: {وما أمر فرعون برشيد (هود: (97). أي فعله لأن الموصوف بالرشد هو الفعل، وعندنا لا يطلق تمسكوا بأن النبي عليه السلام شغل عن أربع صلوات يوم الخندق فقضاهن مرتبة وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي. فجعل المتابعة لازمة، فثبت أن فعله موجب.
(?) هذا إشارة إلى متمسك العامة، وهو ما روى أنه صلى الله عليه وسلم واصل فواصل أصحابه فأنكر عليهم الموافقة في وصال الصوم بقوله عليه الصلاة والسلام أيكم مثلي إني أبيت عند ربي يطعمني ربي ويسقيني. فدل أن فعله ليس بموجب، وإلا لما صح الإنكار عليهم.
(?) وهو ما روى أنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فخلعوا نعالهم فلما قضى صلاته قال ما حملكم على إلقائكم نعالكم. قالوا: رأيناك ألقيت نعليك. فقال: إن جبرائيل أخبرني أن فيهما قذراً إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر، فإن
الجزء 1 · صفحة 39
استفيدَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلَّي». لا بالفعل (1)، وسُمِّي الفعل به (2) لأَنَّهُ سببه (3)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
=رأى في نعليه قذراً فليمسحه، وليصل فيهما. هذا دليل على أن الفعل غير موجب وإلا لما أنكر عليهم كذا في الكشف، وجامع الأسرار ولقائل أن يقول: الإنكار لم يكن للمتابعة بل لأن صوم الوصال كان مخصوصا به عليه الصلاة والسلام، ولهذا علل بقوله: (يطعمني ربي ويسقيني». وكذا في خلع النعال، علل الإنكار بإخبار جبرائيل عليه الصلاة والسلام وهو كان مخصوصاً به عليه الصلاة والسلام، وكيف يجوز الإنكار على نفس الاتباع، وقد أمرنا به بقوله تعالى: {فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} آل عمران ?? وأيضا هذا الدليل مشترك الإلزام بأن يقال لو لم يكن موجباً للاتباع لما اتبعت الصحابة، وفهمهم الاتباع دليل لهم.
(?) إذ لو كان الفعل، موجباً لما كان إلى الأمر حاجةً هذا جواب عن تمسكهم بالحديث.
((2)) أي بالأمر.
(?) أي الأمر سبب الفعل، فهو مأمور به فقيل له أمر تسمية للمفعول بالمصدر، هذا جواب عن تمسكهم بالآية لكنه جواب تسليمي؛ لأنه كان له أن يمنع ويقول: لا نسلم أن المراد من الأمر الفعل، بل المراد منه القول؛ لأن الرشد بمعنى الصواب، فالقول متصف به كالفعل، ولئن سلم ذلك فإطلاقه مجاز، لأنه سببه إلا أن الأمر بمعنى الفعل يجمع على أمور، وبمعنى القول على أوامر كذا في الكشف. لكنه غير مستقيم؛ لأن أمراً على صيغة فعل لا يجمع على فواعل، البتة اللهم إلا أن يجعل أوامر جمع آمرة، مجازاً كأن صيغة افعل جعلت آمرة مجازاً، وعلى هذا التأويل جمع نهي على=
الجزء 1 · صفحة 40
فصل
وموجب (1): الوُجُوبُ لا النَّدبْ (2) والإباحة (3) والتوقف (4) سواء كانَ بَعْدَ الحظر أو قَبْلَهُ (5)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
=نواه، ويمكن أن يقال: يجوز أن يكون أوامر جمعاً لأمر مبنيا على غير واحده، نحو أراهط في رهط.
(1) أي موجب الأمر المطلق
((2)) كما ذهب إليه بعض الفقهاء، كقوله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ} (النور: (33). متمسكين بأنه لطلب الفعل، فلابد من ترجيحه على الترك، فأدنى الترجيح الندب
(?) كقوله تعالى: {فَاصْطَادُوا (المائدة: ?. لأن الأمر يقتضي حسن المأمور به، ومن ضرورته التمكن من الإقدام، وذلك بالإباحة.
((4)) ـ كما ذهب إليه طائفة من أن الأمر مشترك بين هذه الثلاثة، لأنه يستعمل في هذه المعاني من غير ترجيح أحدها والأصل في الاستعمال الحقيقة، فإذا صدر أمر لابد أن يتوقف فيه، ما لم يوجد قرينة تعين أحدها قلنا هذا فاسد؛ لأن الصحابة امتثلوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير توقف، ولو لم يكن موجباً لطلبوا دليلاً آخر للعمل به.
(5) يعني موجبه الوجوب عندنا سواء كان الأمر وارداً بعد المنع، أو قبله، هذا رد لقول بعض أصحاب الشافعي فإنهم قالوا موجبه في أغلب الاستعمال قبل الحظر الوجوب، وبعده الإباحة كقوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا المائدة: (42).
قلنا: الإباحة ما فهمت من الأمر بل من قوله تعالى: {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتِ وَمَا عَلَمْتُم من الجوارح المائدة: (4). والحظر السابق لا يصلح دليلاً عليها؛ لأنه كما جاز الانتقال من =
الجزء 1 · صفحة 41
لانتفاء الخيرة عن المأمور بالأمر (1) بالنَّص (2)
واستحقاق الوعيد لَتَاركه (3).
ـــــــــــــــــــــــــــــ
=المنع إلى الإذن جاز أن ينتقل إلى الوجوب، والاستعمال مشترك، فإنه جاء بعد الحظر للوجوب، كقوله تعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين (التوبة: (5). ولئن سلمنا أنها فهمت من الأمر لكن كلامنا في الأمر المجرد عن القرائن، وما ذكرت فيه قرينة على عدم الوجوب، وهي أن الاصطياد شرع لنا ولو وجب لكان علينا لا لنا بأن أثمنا على الترك، فيعود الأمر على موضوعه بالنقض.
(?) هذا دليل لقوله: وموجبه الوجوب وهو قول عامة العلماء.
(?) وهو قوله تعالى: ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك (الأعراف: ??. بعد قوله: اسجدوا لآدم الاعراف: ?? فإنه ورد في معرض الذم على المخالفة، فعلم أن لا اختيار للمأمور في فعل ما أمر به، وهو دليل الوجوب. وقيل: إن المراد بالنص قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} (الاحزاب: (36).
(?) بقوله تعالى: {فَلْيَحذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَن أَمره النور: (64). أي أمر النبي} " صلى الله عليه وسلم: أن تُصيبهم فتنة أو يُصيبهم عذابٌ أَلِيمٌ} (النور: (64) فالله تعالى خوفهم وحذرهم من إصابة الفتنة في الدنيا، أو العذاب في الآخرة بسبب مخالفتهم الأمر؛ لأن تعليق الحكم بالوصف مشعر بالعلية، ولا يكون في مخالفة الأمر خوف الفتنة، إلا إذا كان المأمور به واجباً.
فإن قلت: قوله تعالى: عن أمره (النور: (64) ليس بعام؛ لأنه مفرد، فلا يقتضي أن يكون مخالف كل أمر مأموراً بالحذر.
الجزء 1 · صفحة 42
ودلالته الإجماع (1)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ-
=قلت: إنه عام؛ لأنه يجوز استثناء مخالفة كل واحد من أفراد الأمر عنه، وجواز الاستثناء علامة العموم.
فإن قلت: يجوز أن يراد بمخالفة الأمر إنكار حقيقته، فلا يدل على وجوب إتيان المأمور به.
قلنا: موافقة الشيء عبارة عن تقرير مقتضاه ومقتضى الأمر هو إتيان المأمور به، ومخالفته تركه وأما اعتقاد حقية الأمر فإنما هو موافقة الدليل الدال على حقيته لا موافقة الأمر.
فإن قلت: هذا إنما يتم على تقدير وجوب الحذر. وهو عين النزاع. قلنا: المفهوم من الآية التهديد وإلحاق الوعيد عليهم، فيجب أن يكون مخالفة الأمر حراما ليلحق به الوعيد.
(?) لأنهم أجمعوا على أن الموضوع لطلب الفعل هو الأمر، فيكون الطلب كاملاً؛ لأن الأصل في كل شيء الكمال، وكمال الطلب إنما يكون إذا لم يرخص الطالب في ترك المأمور به، إذ لو رخص لم يكن طالبا من كل وجه، وهذا الإجماع يدل على أن موجب الأمر الوجوب، وإنما قال: دلالة الإجماع لأن الإجماع المذكور لم ينعقد على نفس المدعى، وإنما يعقد على ما يدل عليه.
فإن قلت: لا نسلم الإجماع؛ لأن غير الأمر أيضا يدل على الطلب، ولهذا لو قال الشارع أوجبت عليك أو أطلب منك يثبت الوجوب.
قلنا كلامنا في الموضوع للطلب وما ذكرت إخبار عن الطلب لا موضوع له.
الجزء 1 · صفحة 43
والمعقول (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أي الدليل العقلي وهو أن كل مقصد من مقاصد الفعل كالماضي، والحال، والاستقبال، مختص بعبارة، والإيجاب أعظم مقاصد الفعل؛ لأنه مناط الثواب والعقاب فلأن توضع له عبارة كان أولى وهي
فإن قلت: هذا إثبات اللغة بالقياس، وهو باطل الأمر.
قلت: القياس لإثبات عدم أصالة المشترك، لا لإثبات اللغة وقيل: المعقول هو أن السيد إذا أمر غلامه بفعل ولم يفعل استحق العقاب ولولا أن الأمر للوجوب لما حسن ذلك.
وقد يقال: الأمر متعد لازمه الإيتمار، فالأمر لا يتحقق بدون الإيتمار، كما لا يتحقق الكسر بدون الانكسار، نظراً إلى أصل الوضع، لكن لو كان الوجود لازماً للأمر، لسقط اختيار العبد بالكلية، وصار ملحقا بالجمادات وهو باطل، فنقل الشارع الوجود إلى الوجوب؛ لأنه مفض إلى الوجود قضاء لحق اللفظ بالقدر الممكن، والمراد بقولنا: الأمر حقيقة في الوجوب. الحقيقة الشرعية لا اللغوية؛ لأن الوجوب ليس إلا بحسب الشرع، وفيه نظر، أما أولاً فلأن الخلاف في صيغة الأمر نحو: افعل وغيره. لا في لفظ الأمر، فلا يكون الدليل وارداً على المدعى، وأما ثانيًا: فلأنه لا يخلو إما أن يراد به اللازم الحقيقي أو اللغوي لا سبيل إلى الأول لتحقق الأمر عند انتفاء الإيتمار، يقال: أمرته فلم يأتمر. ولا إلى الثاني؛ لأنا لا نسلم أن الايتمار بمعنى الامتثال لازمه، بل بمعنى صيرورته مأموراً كالكسر لازمه الانكسار بمعنى صيرورته منكسراً، كيف نسلم وأن=
الجزء 1 · صفحة 44
وإذا أُريد به الإبَاحَةُ والنَّدَبُ (1) فَقِيلَ إِنه حَقيقَةٌ لأَنَّهُ بَعْضُهُ (2) قِيلَ: لاَ (3) لأَنَّهُ
جَازَ أَصله (4)
ـــــــــــــــــــــــــــــ-
=الإيتمار بمعنى الامتثال ليس بلازم بل هو، متعد يقال: ايتمر أمر فلان أي امتثله
(1) لما بين أن موجب الأمر هو الوجوب، وقد كان يطلق على الندب والإباحة، شرع في بيان وجه ذلك الاطلاق.
(?) وهو مختار فخر الإسلام يعني أن الإباحة جزء من الوجوب، إذ الشيء ما لم يكن مباحًا لا يكون واجبا، وكذا الندب جزء منه؛ لأن الواجب ما يثاب على فعله، ويعاقب على تركه، والمندوب ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركهم، فكان حقيقة فيهما، كما لو أريد من العام بعضه وكما لو أطلق لفظ الإنسان على مقطوع اليد، فكان حقيقة قاصرة.
(?) أي قال الكرخي والجصاص: لا يكون حقيقة.
((4)) أي أصل الموضوع له، وهو الوجوب، يعني لازم الندب والإباحة عدم الاستحقاق بالعقوبة بتركه ولازم الإيجاب الاستحقاق بها بتركه فيكون الوجوب والإباحة والندب غيرين، للتنافي بين، لازميهما، فاستعمال الأمر فيهما يكون مجازاً فإن قلت: كيف اختار فخر الإسلام كونه حقيقة فيهما، وكونهما جزءين من الوجوب غير مسلم، إذ ليس الندب والإباحة مجرد جواز الفعل حتى يكون جزاً من الوجوب، بل الثلاثة أنواع متباينة داخلة تحت جنس الحكم، يختص الوجوب بامتناع الترك،
الجزء 1 · صفحة 45
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
=والندب بجوازه، مرجوحاً، والإباحة بجوازه على التساوي، وعلى تقدير جزئيتهما يكون استعمال اللفظ في غير ما وضع له، فينبغي أن يكون مجازا.
قلت: ليس معنى كون الأمر للندب، أو الإباحة أنه يدل على جواز الفعل، وجواز الترك مرجوحاً أو متساويا، حتى يكون المجموع مدلول اللفظ للقطع بأن الصيغة لطلب الفعل، ولا دلالة لها على جواز الترك أصلا بل معناه أنه يدل على الجزء الأول من الندب أو الإباحة، وهو جواز الفعل الذي هو بمنزلة الجنس لهما، وللوجوب من غير دلالة اللفظ على جواز الترك، أو امتناعه، وإنما يثبت ذلك بالقرينة، ولا خفاء في أن مجرد جواز الفعل جزء من الوجوب المركب من جواز الفعل، مع امتناع الترك، فاستعمال الصيغة الموضوعة للوجوب في مجرد جواز الفعل من قبيل استعمال الكل في الجزء.
فإن قلت فعلى هذا لا فرق بين قولنا هذا الأمر للندب أو الإباحة. إذ المراد إنه مستعمل في جواز الفعل.
قلت: المراد بكونه للندب أنه مستعمل في جواز الفعل مع قرينة دالة على أولوية الفعل، والمراد بكونه للإباحة أنه خال عن ذلك كما إذا قلنا رمي حيوان وطار حيوان. فعلم من الأول أنه إنسان أراد فخر الإسلام من غير الموضوع له المعنى الخارجي، بناء على عدم إطلاق الغير على الجزء على ما عرف من تفسير الغير في علم أصول الكلام
الجزء 1 · صفحة 46
وَلَا يَقتضى (1) التَّكْرَار (2)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ-
=وهذا بحث دقيق لا يتم إلا بما مر من التحقيق و به سقط نظر بعض الشارحين بأن الإباحة ليست بعضا من الوجوب أصلاً.
(?) أي الأمر المطلق.
((2)) أي لا يوجبه لما فرغ من بيان اختصاص الأمر بالوجوب وعكسه، أراد أن يبين أن هذا الاختصاص هل يوجب التكرار بلا قرينة أو لا؟ وإن لم يوجب هل يحتمله أولا؟ التكرار أن تفعل فعلاً ثم تعود اليه، قال بعض أصحاب الشافعي: إنه يوجب التكرار المستوعب لجميع العمر إلا إذا قام دليل يمنعه عنه؛ لأن أقرع بن حابس كان من أهل اللسان فهم التكرار من الأمر بالحج فقال: ألعامنا هذا أم للأبد
فإن قلت: لو فهم لما سأل.
قلت: سأل لعلمه أن لا حرج في الدين وأنَّ في حمل الأمر على موجبه من التكرار
الجزء 1 · صفحة 47
وَلَا يَحْتَملُهُ (1)، سواء كَانَ مُعَلَقًا بالشَّرْطِ (2)، أَوْ مَخصُوصًا بالوَصَف (3) أَوْ لَمْ يَكُن (4) لَكِنَّهُ (5) يَقَعُ عَلَى أَقَلَّ جنسه (6) وَيَحْتَمِلُ كُلَّهُ (7) حَتَّى إِذَا قَالَ لَهَا (8): طَلَّقِي نَفْسَكَ إِنَّهُ يَقَعُ عَلَى الوَاحدة إلا أن ينوي (9) الثلاث (10)، وَلَا تَعْمَلُ بيه أَنْ نِيَّةٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
=حرجًا عظيما، قيدنا الأمر بالمطلق؛ لأن الأمر المقيد بقرينة التكرار، أو المرة، يفيد ذلك بالاتفاق.
(?) وقال الشافعي رحمه الله: يحتمله لأن اضرب مختصر من اطلب منك ضربا، والنكرة في الإثبات، تخص، لكنها تحتمل العموم وتحمل عليه بقرينة تقترن بها» كقوله تعالى: {وَادْعُوا ثُبُوراً كثيراً (الفرقان: (14) وصفة بالكثرة، ولو لم يحتمله لما صح ذلك.
(?) كقوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جنبًا فَاطَهَّرُوا المائدة: (6). (?) كقوله تعالى: أقم الصَّلاةَ لِدُلُوك الشَّمْس (الإسراء: ??. فإن الأمر بالصلاة مقيد بتحقق وصف دلوكها أي غروبها.
((4)) قال بعض أصحاب الشافعي: أنه يفيد التكرار إذا كان معلقا بشرط، أو مقيداً بوصف؛ لأن الغسل يتكرر بتكرر الجنابة، والصلاة تتكرر بتكرر الدلوك؛ لأن في الكتاب ورد، هكذا وفي السنة أيضا كقوله صلى الله عليه وسلم: «الوضوء من كل دم سائل ... أي ليتوضأ، والوضوء يتكرر بتكرر الدم.
((5)) أي مفهوم الأمر.
((6)) أي جنس الفعل المأمور به وهو الفرد حقيقة بلا نية.
(?) أي كل الجنس من حيث إنه فرد اعتباري.
(?) أي الزوج لامرأته.
(?) أي الزوج.
((10)) فيقع الثلاث إن طلقت نفسها ثلاثا، وإنما احتيج فيه إلى النية؛ لأنه يحتمل.
الجزء 1 · صفحة 48
الثَّنْتَين (1) إلا أَنْ تَكُونَ المَرأَةُ أَمَةٌ (2) ............................... لأنَّ صِبْغَةَ الأمْرِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(?) يعني لو نوى الزوج من قوله طلقي نفسك. طلقتين لا يصح؛ لأنه ليس بفرد حقيقة ولا اعتباراً، والحاصل أن الفرد الحقيقي، موجبه والاعتباري محتمله، والعدد لا موجبه ولا محتمله والأصل أن موجب اللفظ يثبت باللفظ ولا يفتقر إلى النية، ومحتمل اللفظ لا يثبت إلا إذا نوى وما لا يحتمله اللفظ لا يثبت وإن نوى. فإن قلت: لو لم يحتمل الفرد العدد لما صح تفسيره به في قوله: طلقي نفسك ثنتين. قلنا: لا نسلم إنه تفسير بل تغيير؛ لأن مطلق الأمر وقوعه على الفرد الحقيقي فتقييده به يخرجه عن موضوعه الأصلي، ولذا قالوا يقع الطلاق بالعدد لا بالصيغة، حتى إذا قال لامرأته: طلقتك ثلاثا أو قال واحدة فماتت قبل ذكر العدد، لا يقع شيء. ولقائل أن يقول: هذا بعد التسليم مشكل؛ لأن الواحد موجبه، فكيف يكون اقترانه به تغييراً، بل يكون تقريراً
(?) فتصح نية الثنتين؛ لأنهما جنس طلاقها، وكذا لو قال لأجنبي: طلق امرأتي إلا في المرأة يقتصر على المجلس حتى إذا قامت من المجلس لم تبق لها ولاية التطليق، أن وفي الأجنبي لا يقتصر.
فإن قلت: قوله طلقتك. مثل طلقي، فهلا صحت فيه نية الثلاث. قلت: لا لأنه إخبار وهو يقتضي وجود المخبر به بالضرورة ليثبت صدقه، وهي ترتفع بالواحدة؛ لأن المقتضي لا عموم له.
الجزء 1 · صفحة 49
مُختَصَرَةٌ مِنْ طَلَبِ الفِعْلِ (1) بِالمَصْدَرِ (2) الَّذِي هُوَ فَرْدٌ (3)، ومَعْنَى التَّوَحَدِ مُرَاعَي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
=وأما قوله: طلقي فأمر وله أثر في إيجاد المأمور به وهو الطلاق، فصار الطلاق مذكوراً حكما، فصح التعميم فيه.
(?) وهو مفهوم المصدر.
((2)) أي بلفظ المصدر.
(?) سواءً قدر معرفًا أو منكرًا) هذا دليل المذهب المختار، وهو أن الأمر لا يوجب التكرار ولا يحتمله وبين الفرد والعدد تناف؛ لأن الفرد ما لا تركب فيه، والعدد مركب فالفرد لا يقع على العدد.
ولقائل أن يقول: قوله هو. فرد إن أراد به أنه موضوع للفرد من حيث هو فرد فلا نسلم ذلك؛ لأنه موضوع للطبيعة الجنسية مطلقا من غير إشعار بالوحدة؛ ولهذا قالوا: المصدر لا يثني ولا يجمع إلا عند قصد الأنواع أو العدد وإن أراد أن لفظه فرد بمعنى أنه ليس بتثنية ولا جمع فمسلم ولكن لا نسلم أن ذلك مانع من احتمال العدد، وإنما يكون كذلك أن لو لم يكن موضوعاً للجنس كالإنسان قال الله تعالى: {إِنَّ الإنسان لفي خُسر العصر: (2). فلا نعني باحتمال الأمر العموم والتكرار سوى أنه يراد إيقاع كل فرد من أفراد الفعل.
الجزء 1 · صفحة 50
في ألفاظ الوُحَدَانِ (1)، وَذَلِكَ بِالفَرْدِيَّةِ وَالجِنْسِيَّةِ، وَالمُثَنَّى بِمَعْزل (2) منهما (3) ومَا تُكرر من العبادات فَبَاسبابها .............
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ-
(?) جمع واحد كركبان وراكب وإضافتها كإضافة خاتم فضة.
(?) أي بمكان بعيد.
(?) أي من الفردية والجنسية.
((4)) هذا جواب عمن قال: الأوامر المعلقة أو المقيدة تتكرر يعني تكرار مدلولات الأوامر المتعلقة أو المقيدة تتكرر يعني تكرار مدلولات أوامر الشرع باعتبار تكرار الشرط الذي هو في معنى العلة والوصف الذي هو علة
فإن قلت: كلامنا في تكرار موجب الأمر وهو وجوب الأداء، والأسباب لا تعلق لها في ذلك عندنا، بل المتعلق بها نفس الوجوب، فلا يكون مما نحن فيه.
قلت: التكرار في وجوب الأداء لا يكون إلا بتكرر نفس الوجوب، والسب والحاصل أن الفريقين قائلون بالتكرار، لكنا نسنده إلى سبب، وهم يسندونه إلى الأمر بناءً على أن نفس الوجوب ووجوب الأداء ثابتان بشيء واحد عندهم.
فإن قلت: هذا مشكل بقوله: إن دخلت الدار فأنت طالق إذ لا يتكرر الطلاق بتكرر الدخول.
قلت: الإنسان إذا جعل شيئًا علة للحكم لم يلزم من تكرره تكرر الحكم، ألا يرى أنه لو قال: أعتقت غلاماً لسواده. وكان له عبد آخر أسود فإنه لا يعتق عليه، ولو =
الجزء 1 · صفحة 51
لا بالأوامر (1).
وَعِنْدَ الشَّافِعِيُّ: لَمَّا احْتَمَلَ التَّكْرَارَ تَمْلكُ (2) أَنْ نَفْسَهَا تَنْتَينِ إِذَا نَوَى الزوج بهما (3).
ووَكَذَا اسْمُ الفَاعِل يَدلُّ عَلَى المَصْدَر (4) وَلَا يَحْتَمِلُ المَدَة (5) حتى لا يُرَادَ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ-
=جعل الشارع شيئًا علة للحكم يلزم من تكرره تكرر ذلك الحكم بإجماع القائسين.
(?) بموجب اللغة حتى لو قال لعبده: اشتر لي اللحم إن دخلت السوق. فالأمر لا يقتضي التكرار بالإجماع، وإن أحالوا ذلك على الدليل أحلنا ما تكرر أيضا على الدليل لا على الأمر.
(?) المرأة في قوله: طلقي نفسك.
(?) لأنه نوى محتمل كلامه وإن لم ينو أو نوى واحدةً فلها أن تطلق واحدة، وكذا عند من قال: موجبه التكرار لكنه إذا لم ينو فلها أن تطلق واحدة وثنتين وثلاث.
((4)) لغة.
((5)) اختلف في السارق هل يقطع أطرافه الأربعة أم لا؟ فعندنا «لا تقطع» وإن سرق ثانيا يقطع رجله اليسرى، وإن سرق ثالثًا يحبس حتى يتوب، والشافعي قال: إن =
الجزء 1 · صفحة 52
بآية السرقة إلا سَرقَةٌ واحدةٌ (1)، وبالفعل الواحد لا تُقْطَعُ إلا يَدٌ واحدةٌ (2).
ـــــــــــــــــــــــــــــ-ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ-
=سرق ثالثًا تقطع يده اليسرى وفي المرة الرابعة تقطع رجله اليمنى، لقوله عليه السلام: من سرق فاقطعوه، وإن عاد فاقطعوه، وإن عاد فاقطعوه، وإن عاد فاقطعوه. ولقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أيديهما (المائدة: ??. والأيدي جمع عام متناول لليمنى واليسرى، فمن حملها على اليمنى أبطل إطلاق الأيدي، وصيغة الجمع أيضاً؛ لأن لهما يمينين لا، أيمانا وذلك جرى مجرى النسخ عندكم، وأئمتنا تمسكوا بأن مصدر السارق والسارقة لا يحتمل العدد.
(?) لأنه لو أراد كل السرقات لم يجب القطع إلا بعدها، وذلك لا يعرف إلا بموت السارق، وذلك منتف بالإجماع.
(?) وهي اليمنى بالسنة قولا وفعلا، وبقراءة ابن مسعود: أيمانهما». مكان أيديهما، وبالإجماع فلم يبق اليسرى مرادة ولم يمكن هنا تكرر القطع بتكرر السرقة لفوات
الجزء 1 · صفحة 53
وَحُكْمُ الأمر (1) نوعان:
اداء وهو: تسليم عين الواجب (2) بالأمر (3)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
=المحل وهو اليمنى، بخلاف تكرر الجلد بتكرر الزنا؛ لأن المحل وهو البدن باق، والجواب عن الشافعي: أن قراءة ابن مسعود مشهورةً يجوز تقييد المطلق بها، وقوله: تقييد المطلق نسخ عندكم غير مفيد لأنه استدلال بما لا يراه نعم يصار إلى مثل ذلك إذا كان في مقام الدفع وما في مقام الاستدلال فلا يفيده وصيغة الجمع يكون مجازا عن التثنية كما في: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا التحريم: (4)}.
((1)) لما فرغ عن بيان موجب الأمر وعدم احتماله التكرار شرع في بيان ذلك الواجب، وهو بالقسمة الأولية.
((2)) أي إخراجه من العدم إلى الوجود إذ تسليم كل شيء بما يناسبه، قوله: تسليم. كالجنس يشمل الأداء والقضاء وبقوله: عين الواجب. خرج القضاء والنفل
(?) هذا إشارة إلى أن المراد منه أفعال الجوارح، لا ما في الذمة قبل الأمر وهو نفس الوجوب؛ لأن ذلك ليس بالأمر بل بالسبب فيسقط ما قيل كيف يمكن تسليم نفس الواجب وهو وصف في الذمة لا يتصرف فيه.
الجزء 1 · صفحة 54
وَقَضَاءُ وهو: تَسْلِيمُ مِثْلِ الوَاجِب بِهِ (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ-
=فإن قلت: تسليم الأفعال وهي أعراض غير متصور.
قلنا: لها حكم الجواهر شرعًا، ولهذا توصف بالبقاء.
فإن قلت: تسليم العين كيف يتصور، والديون نقضي بأمثالها لا بأعيانها.
قلت: العينية والمثلية ليست بالقياس إلى ما في الذمة بل بالقياس إلى ما علم من الأمر، فإن المأمور به إن كان عين ما علم به فهو الأداء، وإلا فهو القضاء. وزاد صاحب المنتخب قيداً آخر وهو إلى ستحقه في الإداء والقضاء. لأن التسليم إلى غير مستحقه لا يكون أداءً ولا قضاء. فنقول: لا احتياج إلى هذا القيد؛ لأن قوله: بالأمر. يفهم منه التسليم إلى مستحقه؛ لأن الأمر ورد به أو لأن معنى التسليم تحصيل السلامة، وهو في أداء ما وجب إنما يكون إلى مستحقه وزاد بعض قيدا آخر وهو في وقته. لأن التسليم في غيره لا يكون أداء، فنقول: إنما أهمل المصنف هذا القيد ليعم غير المؤقت كالزكاة والكفارات، يقال: أدى زكاة ماله وطعام كفارته.
اعلم أن هذا التعريف على قول من خصص الأمر بالوجوب؛ وأما على قول من جعله: حقيقة في الندب، فالأداء تسليم ما طلب من العمل بعينه، فيدخل فيه النفل.
(1) أي بالأمر فلا يقضي النفل؛ لأنه غير مضمون بالترك، وأما إذا شرع فيه فأفسده فيقضي؛ لكونه واجبًا عليه بالشروع فإن قلت: كان عليه أن يزيد: قوله من عنده أي من عند المأمور بأن يكون حقه، إذ لو صرف دراهم الغير إلى دينه لا يكون قضاء.
قلنا: الواجب بالأمر تسليم مثل الواجب من عنده لا تسليم مثل الواجب مطلقا، فلا احتياج إلى هذا القيد.
الجزء 1 · صفحة 55
وَيُسْتَعْمَلُ أَحَدُهُما مَكَانَ الآخَر (1) ِ مَجازا (2) حَتَّى يَجُوزَ الأداء بنية القَضَاءِ وَبِالعَكْسِ فِي الصَّحِيح لِوُجُودِ تَسليم الوَاجِبِ فِيهِمَا (3).
والقَضَاء يَجِبُ بَمَا يَجِبُّ بِهِ الأَدَاء (4) ................................. خلافا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(?) أي يستعمل الأداء مكان القضاء كقوله: نويت أن أؤدي ظهر الأمس. والقضاء مكان الأداء كقوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ الجمعة: (10). أي أديت الصلاة؛ لأن المراد منها الجمعة وهي لا تقضي
(?) وهو من كلام المصنف متعلق بالقسمين
(?) لأن كل واحد منهما خاص بمعنى اصطلاحًا، فإذا استعمل في غيره يكون مجازا).، وجعل فخر الإسلام القضاء حقيقة في معنى الأداء؛ لأنه لفظ متسع يجيء بمعنى الفراغ، وهو موجود في تسليم العين والمثل والأداء فيه معنى شدة الرعاية في الخروج عما لزمه، وذا في تسليم عين الواجب
((4)) وهو الأمر عند المحققين من أصحابنا وبعض أصحاب الشافعي.
الجزء 1 · صفحة 56
للبعض (1)، وفيما إذا نَذَرَ يَعْتكف شَهْرَ رَمَضَانَ فَصَامَ وَلَم يعتكف إِنَّمَا وَجَبَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(?) وهم العراقيون من مشايخنا وعامة أصحاب الشافعي فإنهم قالوا: القضاء يجب بأمر جديد لأن الواجب في العبادة المؤقتة إنما عرف قربة في وقتها، وقد فات فضيلة الوقت بحيث لا يمكن تداركها كما قال عليه السلام من فاته صوم يوم من رمضان لم يقضه صيام الدهر كله فلابد من أمر آخر يعرف به أن القضاء مماثل لما فات، واستدل المحققون بأن الشرع أوجب قضاء الصلاة والصوم عند الفوات؛ لأن الحق الثابت إنما يسقط بالأداء أو بإسقاط من له الحق وكلاهما منتف فحين ما فات كان باقيا في ذمته مضمونًا ومقدوراً على مثله؛ لأن النفل شرع له من جنسه، وهو مثل له، فأمر بصرف ماله من النفل إلى ما عليه من القضاء
فإن قلت: على هذا ينبغي أن لا يقضي المغرب؛ لأن ثلاث ركعات نفل غير مشروع. قلنا: لا نسلم فإن الوتر سنة على قولهما، وإحدى الروايات عن أبي حنيفة، ولو سلم =
الجزء 1 · صفحة 57
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ-
=فقضاؤها ثبت بقوله عليه السلام من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها
فإن قلت: النص ورد في الناسي والنائم، والمدعي أعم.
قلت: الاستدلال ليس بعبارة الدليل؛ لأنه أخص وإنما هو بدلالته، وإنما ذكر النائم والناسي إشارةً إلى أن المؤمن ليس من شأنه ان يترك الصلاة متعمدا، فيترك القياس به، فلما كان وجوب القضاء في الصوم والصلاة معقولاً؛ لأنه أوجب ما قدر عليه وهو أصل الواجب، وأسقط ما لم يقدر عليه وهو فضل الوقت ألحق به المنذورات المعينة كمن نذر صوم يوم الخميس ولم يَصُم، فإن قضاءه واجب عند المحققين، وغير واجب عند غيرهم لعدم ورود النص فيه، وفيها تظهر فائدة الخلاف، هذا إذا فات المنذور بمرض أو غيره، وأما إذا فوته وجب القضاء اتفاقًا؛ لأنه لما فوته فقد التزمه ثانيا، وهو عندهم بمنزلة نص مقصود.
الجزء 1 · صفحة 58
ـــــــــــــــــــــــــــــ
=قال أبو اليسر: الفوات والتفويت سواء عندهم. فعلى هذا تظهر ثمرة الخلاف في التخريج، قال الشيخ قوام الدين الإتقاني: الصحيح عندي قول العراقيين؛ لأن الأمر بالأداء في وقت بعينه لا يتناول ما بعده كمن أمر عبده بفعل يوم الجمعة، لا يقال: انه مأمور به بعده ولو أمر به يكون غير الأمر الأول. وإليه مال الإمامان الغزالي والرازي، قال فخر الإسلام القول الأول أشبه بمسائل أصحابنا من إنهم قالوا: من فاتته صلاة في الحضر قضاها في السفر أربعاً، ولو فاتته صلاة في السفر قضاها في الحضر ركعتين، ومن فاتته صلاة الليل مع الإمام قضاها في النهار جهراً، ولو فاتته صلاة النهار قضاها في الليل سرا.
ولقائل أن يقول: وجوب مراعاة الجهر وعدمه وكذا القصر والإتمام باعتبار أن وجوب القضاء باعتبار المثل، لا لأنه وجب بالسبب الأول.
فإن قلت: إذا فاتت صلاة من مريض قادر على الإيماء فقط، فقضاها في الصحة
الجزء 1 · صفحة 59
القَضَاءُ بِصومٍ مَقْصُودٌ (1) ........................................... لعَوْدُ شَرطه إِلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
=يقضيها كصلاة الإصحاء، وكذا إذا فاتت صلاة في الصحة فقضاها في المرض يجزيه الإيماء، فلو كان حال الأداء معتبراً لما جاز ذلك.
قلت: ما صلى بالإيماء في الفصل الأول كان للضرورة، فإذا صح زالت الضرورة» فزال ما ثبت بها، وفي الفصل الثاني ثبت الضرورة فثبت الإيماء.
فإن قلت: إذا وجب القضاء فيهما بالنص كيف يستقيم قولكم: القضاء يجب بما يجب به الأداء؟.
قلت: عرف بالنص أن الواجب ما سقط، وهذا لطلب تفريع ما وجب بالأمر؛ ولهذا سمي قضاء
فإن قلت: إذا وجب قضاء المنذورات بالقياس يكون القضاء بسبب جديد، لا بما وجب به الأداء
قلنا: القياس مظهر لا مثبت؛ فيكون بقاء وجوب قضاء المنذور ثابتا بالنص الوارد في وجوب قضاء الصوم والصلاة، فيكون الوجوب في الكل بالسبب السابق.
(?) هذا إشارة إلى سؤال وارد على قول المحققين وهو أن يقال: لو كان القضاء بالسبب الأول لكان ينبغي أن لا يجب القضاء في هذه المسئلة كما ذهب إليه أبو يوسف، إذ لا أثر للنذر الموجب الاعتكاف في إيجاب الصوم لكونه مضافًا إلى رمضان، ولا يمكن إيجاب القضاء بلا صوم؛ لأنه لا اعتكاف إلا بالصوم مع أن قضاءه واجب بصوم مقصود بالاتفاق، ولجاز قضاؤه في رمضان آخر كما ذهب إليه زفر، لأنه مثل الأول في الشرف، مع أنه لم يجز فعرفنا أن وجوب القضاء غير مضاف إلى السبب الأول بل إلى =
الجزء 1 · صفحة 60
الكَمَال (1) الأصلي لاَ لأنَّ القَضَاءَ وَجَبَ ........................... بسبب
ـــــــــــــــــــــــــــــ-ـــــــــــــــــــــــــــــ
=التفويت.
(?) جواب عما أورد يعني إنما وجب القضاء بصوم مقصود؛ لأن النذر كان موجبا للصوم إذ لا اعتكاف، بدونه ولهذا لو نذر أن يعتكف ليلة واحدة لا يصح، العدم شرطه وهو الصوم» ولكن يسقط الصوم المقصود لشرف الوقت، ولما انفصل الاعتكاف عن صوم الوقت بأن لم يعتكف صار ذلك النذر بمنزلة نذر مطلق عن الوقت، فعاد شرطه إلى الكمال بأن وجب الاعتكاف بصوم مقصود لزوال المانع وهو رمضان، وفيما قاله أبو يوسف إسقاط الأصل الذي هو الاعتكاف لتعذر التبع وهو الصوم، وما قلناه أولى؛ لأن الاكتفاء بشرف الوقت وعدم إيجاب صوم مقصود كان رخصة، وكان فيه نقصان، فلما أوجبناه بصوم مقصود عاد من النقصان إلى الكمال، فلم يجز قضاؤه في رمضان آخر؛ لأن الاعتكاف الواجب مطلقًا لم يتأد في رمضان؛ لأن الشرف الحاصل بالقصد يزداد أثره على الشرف الحاصل من التضمن، كما أن النفل تحريمة مبتدأة أفضل من نفل حصل في تحريمة فرض كمن أسلم في الجزء الناقص لا يجوز له القضاء في مثل ذلك؛ لعود شرطه إلى الكمال.
فإن قلت على هذا كان ينبغي أن لا يتأدى ذلك الاعتكاف في صوم قضاء ذلك الشهر، كما لو نذر مطلقا.
قلت: امتناع وجوب الصوم في ذلك الاعتكاف يجوز أن يكون لشرف الوقت، وأن يكون لاتصاله بصوم الشهر، فإن زال الشرف لم يزل الاتصال لبقاء الخلف وهو =
الجزء 1 · صفحة 61
آخر (1)، والأداء أنْوَاعُ (2) كَامِل (?)، قَاصر ((4)) وَمَا هُوَ شَبِيهُ بِالقَضَاءِ كَالصَّلاةِ بِجَمَاعَة (5)
ـــــــــــــــــــــــــــــ-
=القضاء، فيجوز لبقاء إحدى العلتين وفيه نظر؛ لأن الاتصال بالقضاء غير الاتصال بالأداء، ولئن سلم أن الاتصال علة، فهو باعتبار شرف الوقت، وقد فات، كذا قاله صاحب الكشف.
ولقائل أن يقول: العلة الاتصال بصوم الشهر مطلقا وهو موجود.
فإن قلت: الشرط يراعي وجوده ولا يجب كونه مقصوداً، كما لو توضأ للتبرد يجوز به الصلاة، ورمضان الثاني على هذه الصفة.
قلت: حدوث صفة الكمال منع الشرط عن مقتضاه، فلابد أن يكون مقصوداً.
(?) وهو التفويت؛ لأنه لما فوته فقد التزمه ثانيا، فالتفويت سبب لوجوب القضاء، بمنزلة نص مقصود عندهم. قلنا: القياس كما دل على وجوب القضاء بالتفويت، دل على وجوبه بالفوات
(?) أداء محض وهو ما لم يكن فيه شبهة. القضاء وهو منقسم على نوعين.
(?) وهو: الذي يؤديه الإنسان مع توفير حقه من الواجبات والسنن والآداب.
((4)) وهو ما يؤديه ببعض أوصافه
((5)) في المكتوبات والوتر في رمضان والتراويح والجماعة في غيرها نقصان
الجزء 1 · صفحة 62
والصَّلاةِ مُنْفَرِدًا (1)، وفعل اللاحق بَعْدَ فَرَاغِ الإِمَامِ (2) حَتَّى لا يَتَغير فَرْضُهُ بِنَيَةٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كالأصبع الزائدة، هذا مثال للكامل.
(?) مثال للقاصر، وقصورها لعدم الوصف المرغوب فيه وهو الجماعة
(?) وهو الذي أدرك أول الصلاة وفاته الباقي كمن نام خلف الإمام ولم ينتبه إلا بعد فراغ الإمام، فهو مؤد أداء يشبه القضاء، أما إنه أداء فلبقاء، الوقت، وإما أنه يشبه القضاء فلأنه قد التزمه مع الإمام، وقد فاته ذلك الملتزم؛ لأن الأداء مع الإمام حيث لا إمام محال، بل هو مثله، والإتيان بالمثل قضاء لكن لكونه قضاء باعتبار الوصف، وأداء باعتبار أصل الفعل، قلنا: إنه أداء يشبه القضاء لا بالعكس؛ لأن الوصف تبع، والتسمية باعتبار الأصل أولى قيد باللاحق لأن فعل المسبوق وهو ما فات منه أول الصلاة أداء محض قاصر لكن قصوره دون قصور فعل المنفرد؛ لأنه منفرد أداء وتحريمة، والمسبوق منفرد فيما سبق وليس في فعله شبه القضاء، حيث لم يلتزم الأداء مع الإمام فيما سبق.
فإن قلت: كيف جعلت المسبوق مؤديا وقد جعله صاحب الشرع قاضيا حيث قال عليه الصلاة والسلام: «وما فاتكم فاقضوا
الجزء 1 · صفحة 63
الإقامة (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
=قلت: قد سماه قاضيًا مجازاً لما فيه من إسقاط الواجب، أو سماه قاضيا باعتبار حال الإمام، ونحن جعلناه مؤديا باعتبار الوقت.
(?) ولا يصير أربعاً، هذا تفريع لكون فعل اللاحق شبيها بالقضاء، هذه المسئلة متصورة في مسافر اقتدى بمسافر، فنام ثم انتبه بعد فراغ الإمام فأحدث، فذهب إلى مصره فتوضأ، أو نوى الإقامة في موضعها بعد فراغ إمامه حال أداء ما بقى عليه من غير تكلم،، علم من القيد الأول أن الإمام لو كان مقيماً والمقتدي مسافراً يتغير فرضه، ومن الثاني أن نية الإقامة لابد أن تكون في موضعها، إذ هي في غيره كالمفازة لغو؛ لأن حاله يبطل عزيمته ومن الثالث أنه إذا لم يفرغ الإمام ونوى المقتدى الإقامة يتغير فرضه؛ لأن نية الإقامة اعترضت على الأداء، ومن الرابع أنه إذا تكلم تبطل صلاته ويجب عليه الاستئناف فيتغير فرضه لكونه مؤدياً. قال مولانا سراج الدين الهندي: ولقائل أن يقول: إنه مؤد حقيقة، وقاض شبها، فباعتبار كونه مؤديا يقتضي تغير فرضه إلى الأربع، وباعتبار كونه شبيها بالقضاء لا يقتضي، فلم رجحتم الشبه على الحقيقة، وكان العكس أولى احتياطاً لأمر العبادة إلى ههنا كلامه، ويمكن أن يجاب عنه: بأن هذا لا يسمى ترجيحاً، بل عملاً بالشبهين فلو عمل بما قال هذا يكون إهدارا بجهة القضاء بالكلية
الجزء 1 · صفحة 64
ومنْهَا (1): رَدُّ عَيْن الغَصُوب (2) وَرَدهُ مَسْعُولاً بالجناية (3) وَإِمْهَارُ عَبْدَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ-
(1) أي من أنواع الأداء، هذا شروع في بيان أنواعه في حقوق العباد، قدم حقوق الله القديم في الذكر؛ لأنه أولى بالتقديم، وقدم الأداء على القضاء، لأن الأداء أصل والقضاء خلف عنه.
(?) وهو أداء كامل؛ لأنه تسليم عين الواجب بحسب الحقيقة وكذا يكون أداء كاملا لو رد عين الواجب باعتبار الشرع كبدل الصرف، وتسليم المسلم فيه، إذ كل منهما ثابت في الذمة، وهو وصف لا يحتمل التسليم، إلا أن الشرع جعل المؤدي عين ذلك الواجب في الذمة، لئلا يلزم الاستبدال في بدل الصرف والمسلم فيه، وهو حرام
فإن قلت: إذا كان أداء كاملاً فما القاصر فيهما.
قلت: القاصر فيهما أداؤه زيفاً.
(?) كمن غصب عبداً فارغاً ثم جنى على إنسان آخر، أو أتلف مال الغير في يد =
الجزء 1 · صفحة 65
غيره (1) وَتَسْلِيمُهُ بَعْدَ الشَرَاء (2) حتى تجبر (3) ..............................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
= الغاصب، ثم رده الغاصب مشغولا بجناية، أو دين مستحق بها رقبته، أو طرفه وهو أداء قاصر، وكذا تسيم المبيع مشغولا بالجناية ومعنى قصوره أنه أداه لا على الوصف الذي وجب أداؤه، وهو السلامة عن كل عهدة، أما كونه أداء فلأنه لو هلك في يد المالك، أو المشتري قبل الدفع إلى ولي الجناية برئ الغاصب والبائع من ضمانه، وأما قصوره فلأنه لو دفعه المالك، أو المشتري إلى ولي الجناية أو بيع في الدين، يرجع المالك على الغاصب بالقيمة والمشتري على البائع بالثمن
(?) كمن تزوج امرأة على عبد الغير بعينه صحت التسمية بالإجماع، ووجب عليه قيمة العبد لعجزه عن التسليم ولم يقض بها القاضي.
(?) عني لو اشترى الزوج العبد الذي جعله مهراً وسلمه إلى المرأة كان ذلك التسليم
أداء شبيها بالقضاء
(?) المرأة.
الجزء 1 · صفحة 66
عَلَى القبول (1) وينفذ اعْتَاقُهُ (2) دُونَ اعتاقها (3).
ـــــــــــــــــــــــــــــ-
(?) لكونه عين حقها هذا تفريع على كونه أداء وكذا يجبر الزوج على تسليمه إذا طلبته المرأة ولم يسلمه.
فإن قلت: ما الفرق بين هذا وبين ما إذا باع عبدا واستحق العبد بقضاء، ثم اشتراه البائع من المستحق، حيث لا يجبر البائع على تسليمه إلى المشتري.
قلت: بالاستحقاق ثمة ظهر أن البيع كان موقوفا على إجازة المستحق، فقد بطل برده، فإذا انفسخ البيع لا يجبر البائع على التسليم، أما الموجب لتسليم العبد هنا فقائم وهو النكاح؛ لأنه لا ينفسخ باستحقاق المهر كما ينفسخ بهلاكه، فإذا قدر على تسليم المسمى يلزمه
(?) وسائر تصرفاته لكونه مصادفًا ملك نفسه
(?) وسائر تصرفاته وهذا تفريع على كونه شبيها بالقضاء؛ لأن تبدل الملك أوجب تبدلاً في الصفة، ألا ترى أن العبد كان حرام الانتفاع على المشتري جائز الانتفاع للبائع، وبعد الشراء انعكس الأمر، وبتبدل الصفة يتبدل الذات حكمًا كالخمر إذا تخلل؛ لأن حكم الشرع وهو الحل أو الحرمة يتعلق بالشيء من حيث إنه مملوك لبعض لا من حيث الذات، إذ لو كان كذا لما تغير كلحم الخنزير، والمراد من العين مجموع الذات،
الجزء 1 · صفحة 67
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ-
=واعتبار المملوكية، فبتبدل البعض يتبدل الكل كذا قاله صدر الشريعة
لقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون المتصف بالحل أو الحرمة، هو ذلك الشيء بقيد المملوكية لبعض، وتبدل الوصف لا يوجب تبدل الذات والفرق بين المجموع والمقيد ظاهر، فالأولى أن يتمسك بالسنة وهو ما روي أن النبي عليه السلام دخل على بريرة فأتت بتمر، والقدر كان يغلي باللحم، فقال عليه السلام ألا تجعلين لنا من اللحم نصيباً». فقالت: هو لحم تصدق علينا به يا رسول الله فقال عليه السلام: «هي لك صدقة ولنا هدية. فقد جعل تبدل الملك موجباً لتبدل الذات حكماً، والعين واحدة، ولهذا لو قضى القاضي في الصورة المذكورة بقيمة العبد=
الجزء 1 · صفحة 68
ـــــــــــــــــــــــــــــ
=على الزوج للزوجة، ثم ملك الزوج العبد لا يجبر الزوج على التسليم، ولا المرأة على القبول؛ لأن حقها انتقل من العين إلى القيمة، ولو كان لها حكم المسمى بعينه لعاد حقها إليها ولم يتغير بالقضاء، وإنما جعل أداءً يشبه القضاء ولم يعكس؛ لأن جهة أدائه باعتبار الذات وجهة قضائه باعتبار الصفة»، والذات هو الأصل كالأداء.
فإن قلت: لم يذكر المصنف تسليم الدين أنه من أي، قسم وقد جعله فخر الإسلام من الأداء الكامل، وهو مشكل؛ لأن الديون تقضي بأمثالها، وعد أداء القرض قضاء، فما الفرق بينهما؟
قلت: قضاء الدين لا يمكن تسليم عينه؛ لأنه وصف ثابت في الذمة، فجعل تسليم العين مكان الدين كتسليم الدين حكما؛ لأنه لا وجه لتسليم الدين سوى ذلك، وأما القرض فتسليم عينه ممكن فكان تسليم مثله قضاء. ولقائل أن يقول: كان ينبغي أن يكون قضاء القرض يشبه الأداء»؛ لأنه قضاء حقيقة وأداء حكمًا لسلوك طريق الإعارة، حتى لم يجر فيه الربا بمقابلة النقد بالنسيئة
الجزء 1 · صفحة 69
والْقَضاءُ أَنْوَاعُ أَيْضًا (1): بمثل مَعْقُول (2)، وبمثل غَيْر مَعْقُول (3)
ومَا هُوَ فِي مَعْنَى الأَدَاءِ كَالصِّوْمِ (4) لِلصَّوْمَ (5)، وَالفَدْيَةِ لَهُ (6)، وَقَضَاء
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ-
(?) أي ككون الأداء أنواعًا قضاء محض، وهو ما لا يكون فيه شبهة الأداء، وهو أيضا قسمان:
(?) وهو أن يعقل فيه المماثلة.
(?) يعني أنه لا يدركه العقل لا أنه ينفيه.
((4)) أي كقضاء الصوم.
((5)) الفائت هذا نظير القضاء بمثل معقول.
((6)) أي للصوم هذا نظير القضاء بمثل غير معقول، يعني الفدية - وهي نصف صاع من بر أو صاع من غيره - خلف عن الصوم وقضاء لمن عجز عنه دائما كالشيوخ، فإنا لا نعقل المماثلة بين الفدية والصوم لا صورة ولا معنى أما صورة فظاهر، وأما معنى فلأن معنى الصوم إتعاب النفس بالكف ومعنى الفدية تنقيض المال، ولكنه جاز لقوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامٌ} (البقرة: ??? قال فخر الإسلام معناه لا يطيقونه كما جاء حذف لا» في قوله تعالى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا} النساء:
(176) أي أن لا تضلوا، قال الإمام الزاهدي: هذا التأويل غير صحيح؛ لأنه تعالى قال: {وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ {البقرة: ??? ومثل هذا الندب لا يرد في حق العاجز، =
الجزء 1 · صفحة 70
تكْبِيرَاتِ العِيد في الرُّكُوعِ (1) ................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ-
=بل معنى الآية وعلى المطيقين الذين لا عذر لهم إن أفطروا فدية، وكان الأغنياء يفطرون ويفدون، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: فَمَن شهد منكُمُ الشهر فليصمه} (البقرة: (185) فحينئذ يثبت وجوب الفدية في الشيخ الفاني بالإجماع دون النص، وقرأ بعضهم: وعلى الذين لا يطيقوته وجعل وأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ {البقرة: (184). معطوفا على الكلام الأول. وهو قوله تعالى: كُتب عَلَيْكُمُ الصّيام البقرة: ???. والخير بمعنى البر لا بمعنى الأخير. ويمكن أن يكون معطوفا على قوله: لا يطيقونه. فيكون معناه لا يطيقونه بحسب الظاهر بطريق اليسر، وإن كان ممكنا على طريق العسر، فحينئذ الصيام خير لهم، فيكون وجوب الفدية بالنص.
(1) كمن أدرك الإمام فيه وخاف أن يرفع الإمام رأسه لو اشتغل بتكبيرات العيد قائما، فإنه يكبر للافتتاح أولاً، ثم يكبر للركوع، ثم يكبر تكبيرات العيد في الركوع من غير أن يرفع يديه، هذا مثال للقضاء الذي يشبهه بالأداء أما كونه قضاء فلأن التكبيرات قد فاتت عن موضعها وأما شبهة بالأداء فلأن الركوع يشبه القيام حقيقة وحكماً، أما حقيقة فلاستواء النصف الأسفل، والانحناء غير مانع؛ لأن قيام بعض الناس يكون بهذه الصفة وأما حكماً فلأن مدرك الإمام في الركوع مدرك لتلك الركعة، وقال أبو يوسف رحمه الله: لا يكبر تكبيرات العيد من أدرك الإمام في الركوع؛ لأنه لا =
الجزء 1 · صفحة 71
وَوُجُوب الفدية (1) في الصَّلاة للاحتياط (2) كَالتَّصَدُّق بالقيمة (3) عِنْدَ فَوَات أَيام التضحية (4)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
=يقدر على إتيان مثلها كما لا يقرأ في الركوع، ولا يقنت إذا فانا عنه
(?) وهي نصف صاع لكل فرض.
(?) هذا جواب عن سؤال مقدر وهو أن الفدية في الصوم ثبتت بنص غير معقول فكيف أوجبتم الفدية في الصلاة بلا نص قياسًا على الصوم. فأجاب: بأن وجوب الفدية فيها للاحتياط بيانه أن ما ثبت من الفدية عن الصوم يحتمل أن يكون معلولا بالعجز وإن لم يعقل فيجب الفدية في الصلاة؛ لأنها نظيره في كون كل واحد منهما عبادة بدنية، وأن لا يكون معلولا، فيكون الفدية حسنة مندوبة تمحو بها السيئة»
فقلنا: بوجوبها احتياطاً، ولهذا قال محمد في الزيادات: في فدية الصلاة تجزيه إن شاء الله تعالى
اعلم أن قوله: يحتمل أن يكون معلولاً بالعجز مشكل؛ لأن بناء الحكم على المشتق في قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذينَ يُطيقُونَهُ} (البقرة: (185) دليل على علية وصفه وهو الإطاقة. (?) أي كما أوجبنا التصدق بقيمة الشاة المعينة بنذر الفقير أو اشترائه بنية الأضحية إن استهلكت أو التصدق بعينها حية إن لم تستهلك.
((4)) بطريق الاحتياط لاحتمال كون التصدق بالعين أصلاً في التضحية؛ لأنها عبادة مالية =
الجزء 1 · صفحة 72
وَمَنْها (1): ضَمَانُ المَعْصُوبِ بِالمِثْلِ (2) وَهُوَ السَّابِق (3) أو
ـــــــــــــــــــــــــــــ
=إلا أن الشرع نقل قربة التصدق إلى إراقة الدم ليزول ما فيها من أوساخ الذنوب والآثام، وليكون ضيافة الله تعالى من أطيب الطعام؛ لأن الناس أضياف الله تعالى في هذه الأيام، ولهذا حرام فيها الصيام وكره الأكل قبل الصلاة ليكون أول متناولهم من ضيافة أكرم الكرام، لكن سقط ذلك الاحتمال في هذه الأيام لكون الإراقة منصوصاً عليها، فإذا فات الوقت عملنا بالأصل احتياطا، وإذا جاء العام القابل لم ينتقل إلى التضحية؛ لأنه لما احتمل جهة أصالته ووقع الحكم به لم يبطل بالشك ـ أي باحتمال کونه الإراقة أصلاً ..
فإن قلت: إذا نقله الشارع إلى الإراقة يكون التصدق منسوخا، فلا يمكن اعتباره بعد
فواته.
قلت: لا نسلم لزوم النسخ من النقل؛ لأن الشرع نقل عدة الآيسة إلى الأشهر ولم ينسخ الحيض، فمتى حاضت تعتد بالحيض.
(?) أي من أنواع القضاء - هذا بيان أنواع القضاء في حقوق العباد.
(2) يعني القضاء بمثل معقول نوعان،کامل، وقاصر فالكامل: وهو المثل صورة ومعنى.
(?) أي الكامل هو السابق على القاصر - حتى لو أدى القيمة في المثلى مع القدرة على المثل الكامل لا يجبر المالك على القبول - كما لو أدى المثل الكامل مع القدرة على رد العين؛ لأن حق المستحق في الصورة والمعنى، فإذا عجز عن الصورة يجبر المالك على القيمة ضرورة
الجزء 1 · صفحة 73
بالقيمة (1)، وضمار، وَضَمَانُ النَّفْسِ وَالأطْرَافِ بِالمال (2)، وأَدَاءُ القِيمَةِ (3) فِيمَا إِذَا تَزَوَّجَ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أي ضمان المغصوب القيمة إذا لم يكن له مثل أو كان له مثل وانقطع أن لا يوجد
الأسواق، قضاء قاصر، ولو أخر المصنف قوله: وهو السابق عن قوله: أو القيمة في الأسوا لكان أنسب
فإن قلت: هذا التقسيم يتحقق في حقوق الله تعالى أيضاً، فإن قضاء الصلاة بالجماعة قضاء بمثل معقول كامل، وقضاؤها منفرداً قضاء بمثل معقول قاصر، فلم لم يذكره هنالك؟
قلت: الثابت في الذمة أصل الصلاة لا الصلاة بوصف الجماعة، فالقضاء بالجماعة أو منفردًا إتيان بالمثل الكامل غاية الأمر أن الأول أكمل منه.
(?) في حالة الخطأ قضاء مثل غير معقول؛ لأن المماثلة لا تعقل بين الآدمي والمال؛ لأنه مالك والمال مملوك، وإنما وجب ضمانها بالنص بخلاف القياس صيانة للدم عن الهدر. قيدنا قولنا في حالة الخطأ. لأنه لو كان الجناية عمداً واحتمل القصاص لا يضمن لأنه مثل له صورة ومعنى، وكان هو السابق.
(?) هذا نظير قضاء يشبه الأداء. قيل: في عبارته تساهل لأن تسليم القيمة قضاء لا محالة، فكان ينبغي أن يقول وقضاء القيمة. وأجيب عنه بأن الأداء مستعمل مكان القضاء، اختار لفظ الأداء اهتماماً لبيان معنى الأداء فيه.
الجزء 1 · صفحة 74
عَلَى عَبْدِ بِغَيْرِ عَيْنِهِ (1) حَتَّى تُجْبَر عَلَى القَبُولِ (2)، كَمَا لَوْ أَتَاهَا بِالْمُسَمَّى (3)
ـــــــــــــــــــــــــــــ-
(?) صحت التسمية عندنا خلافا للشافعي لأن جهالته جهالة في الوصف لا في الجنس، كتسمية ثوب أو دابة، فتحتمل فيما بنى على المسامحة كالنكاح دون البيع، أما كونها قضاء فظاهر، وأما شبهها بالأداء، فلأن العبد لجهالة وصفه لا يمكن أداؤه إلا بتعينه، ولا تعيين إلا بالتقويم فصارت القيمة أصلا من هذا الوجه مزاحما للمسمى
((2)) أي قبول قيمته.
(?) أي بعبد وسط تجبر على قبوله، وإنما يخير الزوج لأن التسليم عليه.
فالعبد بالنظر إلى أنه معلوم الجنس يجب وبالنظر إلى أنه مجهول الوصف تجب القيمة، فصار الواجب بالعبد أحد الشيئين فيخير الزوج، بخلاف العبد المعين؛ لأنه معلوم بدون التقويم، فصارت قيمته قضاء محضاً، فلم تعتبر عند القدرة على العبد.
فإن قلت: لو قال: تزوجتك على هذا العبد أو قيمته تفسد التسمية، ويجب مهر المثل، فكيف صحت هنا؟
قلت: إنما فسدت لكون القيمة واجبة بالتسمية ابتداء وهي مجهولة لاختلافها باختلاف المقومين، وصحت في مسئلتنا؛ لأن القيمة لم تجب العقد؛ لأنه ما سماها، وإنما اعتبرت؛ لأن تسليم المسمى لا يمكن إلا بمعرفتها.
الجزء 1 · صفحة 75
وَعَنْ هَذَا (1) قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي القَطعِ ثُمَّ القَتْل (2) ِ عَمْدًا: لِلوَلِيُّ فِمْلُهُمَا (3)، وَخَالَفَاهُ في الأول (4).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(?) أي ولأجل أن الكامل سابق على القاصر.
(?) أي إذا قطع شخص واحد يد، رجل، ثم قتل قبل أن تبرأ يده
(?) أي يتخير الولي إن شاء قطعه ثم قتله، وإن شاء قتله من غير قطع؛ لأنهما جنايتان عنده.
((4)) أي قال صاحباه لا يقطع الولي بل يقتل لأنه جناية واحدة عندهما. قيدنا محل الخلاف بالقيود الثلاثة؛ لأن القتل لو كان بعد البرء، فهما جنايتان اتفاقا، سواء صدرا من شخصين، أو من شخص عمدين أو خطأين، أو أحدهما عمداً والآخر خطأ، وكذا إذا كان قبل البرء والقتل من شخص آخر أو من شخص واحد لكن كان أحدهما خطأ والآخر عمداً، وأما إذا كانا خطأين من شخص واحد فهو جناية واحدة اتفاقاً. لهما: أن القطع إنما يكون موجبا» إذا تبين أنه لم يسر إلى القتل، فإذا قتل عمدا فقد أفضى إلى القتل ودخل موجبه في موجب القتل. وله: أن مبني القصاص على المساواة، وفي القتل بغير القطع مراعاة المساواة في المعنى، وهو الإهلاك، وفي القطع مع القتل مراعاة المساواة في صورة الفعل أيضا، فيتخير الولي بينهما، بخلاف الخطأ، فالمعتبر هناك صيانة المحل عن الإهدار لا صورة الفعل لأن الخطأ موضوع عنا.
الجزء 1 · صفحة 76
ولا يضمن المثلي (1) بالقيمة إلا يَوْمَ الخُصُومَة (2)، وَقُلْنَا: المَنَافِعُ لا تُضمَنُ (3)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
=فإن قلت: كان ينبغي أن لا يجوز الاقتصار على القتل عند أبي حنيفة؛ لأنه يلزم المصير إلى القاصر عند إمكان الكامل. قلت: يتعين عليه القطع والقتل، إلا أن للولي أن يقتصر على القتل؛ لأنه وجب حقا له، فكماله أن يسقط الكل عفواً، كان له أن يسقط القطع، فصار كاستيفاء بعض الدين وإبراء الباقي
(1) أي على اعتبار سبق الكامل على القاصر قال أبو حنيفة في باب ضمان العدوان: لا يضمن ما له مثل
(?) لأن العجز عن المثل الكامل إنما يظهر في وقت القضاء بها، إذ قبله يحتمل وجوده، وعند أبي يوسف لما انقطع المثل التحق بما لا مثل له فيعتبر قيمته يوم الغصب، والجامع كون يوم الغصب وقت سبب وجوب القيمة. وأجيب بأن العلة في الأصل كونه وقت وجود السبب، ووجود العجز عن رد عين المغصوب وفيما نحن فيه ليس كذلك؛ لأن العجز عن أداء المثل لم يكن متحققا يوم الغصب، وإنما يتحقق يوم الخصومة فافترقا. وعند محمد رحمه الله: يعتبر قيمته وقت الانقطاع، لأن العجز عن أداء الكامل ثبت فيه، ويمكن أن يقال: لكن العجز لا يتقرر ولا يظهر إلا يوم الخصومة، وقضاء القاضي، فيكون وجوبها في ذلك اليوم. قيد بالمثلي؛ لأن ما لا مثل له يعتبر قيمته عند السبب وهو الغصب اتفاقا
وقلنا جميعالم المنافع سواء كانت الحر أو لعبد.
(?) قيمتها.
الجزء 1 · صفحة 77
بالإتلاف (1)، ...............................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أي بأن يستخدم مثلاً عبد غيره، أو يركب دابته. وعند الشافعي رحمه الله: تضمن بهما، لكن يضمن أجر المثل بإتلاف منافع الحر قولاً واحداً، ولا يضمن منافعه لو حبسه وتعطل، لأن منافع الحر تحت يده ولا يد لغيره عليها كثيابه، بخلاف العبد وحبسه. قيد بالإتلاف وإن كان الخلاف ثابتا في صورة الغصب بأن يمسك عين غيره ولا يستعملها؛ لأن الخلاف في غصب المنافع ليس بناء على أن المثل الكامل هو السابق، بل بناءً على الاختلاف في زوائد المغصوب، فإنها لا تضمن على الغاصب عندنا، خلافًا له، لما أن الغصب عندنا إزالة اليد، المحقة وإثبات اليد، المبطلة وعنده إثبات اليد المبطلة فقط، فيكون الزوائد مضمونة عنده لتحقق الغصب فيها، وغير مضمونة عندنا لعدم تحققه فيها. له: أن المنافع أموال متقومة عرفا كالخانات فإنها تقوم بمنافعها، وشرعاً حتى صلحت مهراً؛ لأنها مخلوقة لمصلحة الآدمي كالأعيان، وورد العقد عليها في الإجارة، وذا دليل على أنها، مال إذ العقد لا يجعل غير المال مالا ولنا: أن ضمان العدوان مقدر بالمثل ولا مماثلة بين العين والمنفعة، والمالية للشيء عبارة عن صيانته وادخاره لوقت =
الجزء 1 · صفحة 78
والقِصَاص (1) لا يُضْمَنُ بِقَتْلِ القَاتِلِ (2)، وَمِلْكُ النِّكَاحَ لَا يُضْمَنُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ-
= الحاجة، والمنفعة غير محرزة «لا تبقي وقتين، فلا تكون مالا.
فإن قلت: المنفعة محرزة بإحراز ما قامت هي به.
قلنا: هذا الإحراز ضمني لا قصدي، ألا يرى أن الحشيش النابت في أرض مملوكة وإن كان محرزاً تبعًا للأرض، لكنه ليس بمتقوم، بدليل أنه لا يجب الضمان بإتلافه لكونه ليس بمال فالعقد ورد على العين لا المنفعة حتى لو قال: آجرتك منافع هذه الدار سنة بكذا. لا يجوز، ولابد أن يقول: آجرتك هذه الدار. ثم ينتقل العقد على المنفعة شيئا فشيئًا، ولئن سلم أنه وارد على المنفعة، لكنه ثبت بخلاف القياس بالنص، فلا يقاس عليه غيره.
فإن قلت: ثبت التقوم للمنفعة في غير العقد، كما في وطئ جارية مشتركة يجب عليه نصف العقر.
قلنا: منافع البضع التحقت بالأعيان عند الدخول فيكون الضمان بمقابلة العين حكما
(1) أي وقلنا: القصاص.
(?) يعني من قتل من عليه القصاص لا يضمن لمن له القصاص الدية عندنا، ويضمن =
الجزء 1 · صفحة 79
بِالشَهَادَةِ بِالطَّلَاقِ بَعْدَ الدَّخُولِ (1).
ـــــــــــــــــــــــــــــ-
=عند الشافعي رحمه الله؛ لأن القصاص ملك متقوم للولي، لأن النفس تضمن حالة الخطأ وذا دليل على ماليته ولنا: إن ملك القصاص ليس بمتقوم لكونه بالمال غير محرز، فلا يكون مالاً فلا يضمن، وإنما شرعت الدية حالة الخطأ بالنص على خلاف القياس، فلا يقاس عليه غيره
(1) هذه المسئلة مع ما قبلها ثلاث مسائل مقول لقوله: قلنا. وليس قلنا معطوفا على قوله قال: أبو حنيفة رحمه الله لأنه متفرع على كون الكامل سابقا على القاصر، ولا يصلح أن يكون قلنا متفرعًا عليه بل متفرغ على أن ضمان العدوان يعتمد المماثلة الكاملة أو القاصرة، وفي عبارة المصنف تسامح حيث لم يبين المتفرع عليه، والظاهر أنه معطوف على قال وليس كذلك - يعني إذا شهد شاهدان أنه طلق امرأته المدخول بها ثم رجعا بعد القضاء بالفرقة - لم يضمنا شيئًا عندنا ويضمنان عند الشافعي رحمه الله مهر المثل؛ لأن ملك النكاح إنما ثبت بالمال على الزوج، فيكون متقوما عليه ثبوتا، والزائل عين الثابت فيكون متقوماً زوالاً. ولنا أن ملك النكاح ليس بمال متقوم، لكونه غير محرز فلا يضمن والتقوم بالمال في حال الثبوت إنما هو لبضع المرأة تعظيما له؛ لأن ذلك المحل له خطر كخطر النفوس، وما يتملك مجانا لا يعظم، وأما عند الزوال فلا يتقوم، ولهذا صح إزالته بالطلاق بلا شهود ولا ولي ولا عوض، وسمي بدل الخلع بدلاً عما ليس بمال ولو خالع ابنته الصغيرة على مالها يقع الطلاق، ولا يلزم عليها المال.
لا يقال: عدم توقفها على هذه الأشياء لا يدل على عدم تقوم الملك، ولهذا لو أتلف مال إنسان بلا شهود يضمنه؛ لأن ضمانه باعتبار إتلاف مملوكه المتقوم لا باعتبار إتلاف =
الجزء 1 · صفحة 80
ولابد للمأمور به من صفَةِ الحُسَن ضَرُورَةَ أَنَّ للأمر (1) حكيم (2).
ـــــــــــــــــــــــــــــ
=ملكه. قيد بقوله: بعد الدخول لأنهما لو رجعا قبل الدخول يضمنان نصف المهر اتفاقاً؛ لأنهما ألزماه ذلك النصف بشهادتهما، وفوتا يده عنه مع فوات تسليم البضع. فكان كإزالة اليد المحقة عن ذلك النصف، فأشبه الغصب
(?) وهو الشارع.
(?) على الإطلاق، ولا يليق بالحكمة طل ما هو قبيح، كما قال الله تعالى: {إِنَّ الله لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء (الاعراف: ?? اعلم ان الحسن والقبح يطلق على ثلاثة معان: الأول: كون الشيء ملائماً للطبع ومنافراً له كالفرح والغم والثاني: كون الشيء صفة كمال وصفة نقصان كالعلم والجهل والثالث: كون الشيء متعلق المدح والذم كالعبادات والمعاصي ولا خلاف بين العلماء أنهما بالتفسيرين الأولين عقليان، وأما بالتفسير الثالث فقد اختلف فيه، فعند الأشعري حسن الأفعال وقبحها شرعي، ولاحظ للعقل فيه، وإنما يعرف بالأمر. وعند المعتزلة الحاكم بالحسن و القبح هو العقل، لأن الأصلح
واجب على الله تعالى بالعقل، ففعله حسن وتركه، قبيح وعندنا الحاكم بهما هو الله تعالى وهو متعال عن أن يحكم عليه غيره خلق بعض الأشياء حسنًا، وبعضها =