الجزء 1 · صفحة 1
الكتاب: خلاصة الأفكار شرح مختصر المنار
المؤلف: زين الدين قاسم بن قطلوبغا الحنفي (ت 879 هـ)
حققه وعلق حواشيه: حافظ ثناء الله الزاهدي
الناشر: دار ابن حزم
الطبعة: الأولى، 24 هـ - 2003 م
عدد الصفحات: 9
أعده للشاملة: فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 22 محرم 36
الجزء 1 · صفحة 2
خلاصة الأفكار
شرح مختصر المنار
تأليف
زين الدين قاسم بن قطلوبغا الحنفي
المتوفى عام 879 هـ
حققه وعلق حواشيه
حافظ ثناء الله الزاهدي
دار ابن حزم
الجزء 1 · صفحة 3
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
وبعد:
فإن الفقير إلى رحمة ربه الغني قاسم الحنفي يقول: قد قرأ عليّ الجناب العالي الفخري عثمان بن أغلبك الحلبي الحنفي «مختصر المنار» [في أصول الفقه] للشيخ الإمام طاهر بن الحسن بن عمر بن حبيب الحلبي، فأمليت عليه [أي شرحت «المختصر»] ما يحلّ ألفاظه وهو قوله:
[أصول الشرع]
(أصول الشرع) الأصول: جمع أصل، والأصل ما يبتني عليه
الجزء 1 · صفحة 4
غيره، [والفرع ما يبتنى على غيره].
والمراد هنا الأدلة الشرعية لابتناء الأحكام عليها، والشرع بمعنى المشروع، والمراد به الأحكام المشروعة، والمراد من الحكم المحكوم به، وهو ما يثبت بالخطاب كالوجوب والحرمة وغيرهما.
كأنه قال: أدلة الأحكام المشروعة:
(الكتاب) قدمه؛ لأنه أصل من كل وجه
(والسنة) أخَّرها عن الكتاب؛ لتوقف حجيتها عليه،
(وإجماع الأمة) أخره عنهما لتوقف حجيته عليهما،
(والقياس) أخره؛ لأنه فرعٌ بالنسبة إلى الأدلة المتقدمة؛ لأن حكمَه مستفادٌ منها في كلِّ حادثة، بعدما ثبتَ حجَّيتُه بالكتاب والسنة، بخلاف الإجماع، فإنه لا يتوقَّف في كلِّ حادثة على ما تقدَّمه.
الجزء 1 · صفحة 5
[الكتاب]
أما الكتاب الذي سبق ذكره (فالقرآن) وهو معروف عند كل أحد، فكان تعريفاً؛ لأنه بهذا أشتهر، إلا أنه يقال على الصفة القديمة، وعلى ما بين دفتي المصحف، واستدلال [أهل] الأصولي بالثاني.
فلذلك قال: (المنقول متواتراً)؛ ليخصَّ ما يستدلّ به بعد زمان الرسول ?
(وهو): أي القرآن (نظم): أي ألفاظ مرتَّبةٌ بعضُها على بعض، (ومعنى) مستفادٌ من ذلك النظم، ذكرَه لرفع وهم مَن توهَّم أنه عندنا اسم للمعنى فقط؛ لقول أبي حنيفة ? بجواز القراءة في الصلاة بالفارسية مع القدرة على العربية وهذا مرجوع عنه وقد علم الوجه في المطولات.
الجزء 1 · صفحة 6
(وأقسامها): أي النظم والمعنى (أربعة)، وهذا باعتبار ما يتعلَّق به الأحكام، وإلا فأقسامهما أكثر من ذلك؛ لأنه بحرٌ عميقٌ فيه علم التوحيد، والقصص، والأمثال، والحكم، وغير ذلك.
واختاروا هذا التقسيم لاستغراقه الاعتبارات من أول وضع الواضع إلى آخر فهم السامع؛ لأن أداء المعنى باللفظ الخارجي على قانون الوضع يستدعي وضع الواضع، ثم دلالته أي كونه بحيث يفهم منه المعنى، ثم استعماله، ثم فهم المعنى.
فللفظ بتلك الاعتبارات الأربع تقسيمات مربعة ـ إلا الثاني فإنه مثمن ـ تسمى أقسامهما:
وجوه النظم صيغة ولغة: أي صورة ومادة.
ووجوه البيان: أي إظهار المراد بحسب الدلالة الواضحة أو الخفية؛ لحكمة الابتلاء بأحد الوجهين.
ووجوه الاستعمال.
ووجوه الوقف: أي اطلاع السامع على مراد المتكلم ومعنى الكلام.
والمرجع في الحصر: الاستقراء.
الجزء 1 · صفحة 7
[أقسام الكلمة باعتبار وضعه للمعنى]
(الخاص
الأول: أي القسم الأول من الأقسام الأربعة (في وجوه) أي طرق (النظم) قيل: لا يناسب المقام إذ لا معنى لطريق النظم، ولعل الوجه بمعنى الجهة التي هي بمعنى الاعتبار، فكأنه قال: في اعتبارات النظم.
(وهو): أي القسم الأول: (الخاص) وهو (ما) أي لفظ (وضع لمعنى) أي واحد، احترازاً عن المهمل، فإنه لا معنى له، وعن المشترك، فإنه وضع لأكثر من معنى.
والمَعْني: بالمعنى: المدلول، لا ما يقابل العين؛ ليتناول قسمي الخاص الحقيقي: كزيد، والاعتباري: كإنسان ورجل على ما سيأتي.
(معلوم) خرج به على المجمل؛ لأن معناه غير معلوم للسامع.
(على الانفراد):أي من حيث هو واحد، مع قطع النظر عن أن يكون أفراد أوْ لا.
واحترز به عن العام: كالمسلمين فإنه موضوع لمعنى واحد شامل لأفراد، ولا يخفى أن ترك هذا أولى بالاختصار.
(جنساً) كان الخاص كإنسان فإن معناه واحد معلوم، وهو
الجزء 1 · صفحة 8
الحيوان الناطق.
(أو نوعاً) كرجل فإن معناه واحد معلوم، وهو إنسان ذكر جاوز حد الصغر.
(أو عيناً) كزيد، فإن معناه واحد معلوم، وهو ذات مشخصة.
(وحكمه) أي حكم الخاص وهو الأثر الثابت به (تناول المخصوص)، وهو مدلول الخاص (قطعاً) أي تناولاً قاطعاً إرادة غيره عنه،
الجزء 1 · صفحة 50
5
وهذا عند مشايخ العراق خلافاً لمشايخ سمرقند، ومذهبهم مردود باتفاق العرف، حيث لا يعتبرون احتمالاً لا عن دليل أصلاً، فلا يفرون من جدار لا شق فيه ويعدون الخائف منه مجنوناً.
(بلا احتمال بيان): أي بيان التفسير، لينفي زعم مَن قال: الخاص يحتمل البيان؛ لأن بيانه إما إثبات الثابت، أو إزالة الزائل، وكلاهما فاسد.
الجزء 1 · صفحة 51
5
[أقسام الخاص]
الأمر
(ومنه): أي من الخاص (الأمر)، وهو قول القائل لمَن دونه افعل، مراداً به الطلب.
(ويختص): أي مدلول الأمر (بصيغة) فلا يعرف بدونها (لازمة) أي مختصة به، كما هو مختص بها.
(فلا يكون الفعل موجباً)؛ لأن الوجوب بالأمر، والأمر مختص بصيغته.
الجزء 1 · صفحة 52
5
(وموجبه): أي الذي يوجبه الأمر المطلق هو (الوجوب) أي لزوم الإتيان بالمأمور به؛ لقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}، وقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
وسواء كان الأمر (بعد الحظر): أي المنع نحو: قوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ}.
(أو قبله)؛ لأن المقتضى للوجوب، وهو الصيغة قائم في الحالين، وما جاء للإباحة بعد الحظر فلدليل غير الصيغة.
الجزء 1 · صفحة 53
5
(ولا يقتضي): أي لا يوجب الأمر المطلق (التكرار): أي تكرار المأمور به، وهو أن يفعله ثم يعود إليه، وهكذا (ولا يحتمله) أي لا يكون التكرار محتملاً من محتملات الأمر، يحمل عليه بالقرينة (سواء تعلق) الأمر (بشرط) نحو قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا} (أو اختص بوصف) نحو قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا}؛ لأن مدلول صيغة الأمر طلب حقيقة الفعل، والمرّة والتكرار بالنسبة إلى الحقيقة أمر خارجي، والخروج عن عهدة المأمور به بالمرة بحصول الحقيقة، لا أنها من مدلول الصيغة، وما تكرر من العبادات فبتكرر أسبابها عند الجمهور، وقال بعض بتكرر المأمورات بتكرر الأوامر.
وإذا لم يقتض التكرار ولا يحتمله، (فيقع) أي يقع الأمر فيما للمأمور به أفراد (على أقل جنسه): أي أقل جنس المأمور وهو الفرد الحقيقي
الجزء 1 · صفحة 54
5
(ويحتمل كله): أي كل الجنس باعتبار معنى الفردية، لا باعتبار معنى العدد، فصار من حيث هو جنساً واحداً، وإن كان له أفراد (على الصحيح) احترازاً من قول زفر: أنه يحتمل العدد.
وتظهر ثمرة الخلاف فيمن قال لزوجته: طلِّقي نفسك، فإن لها أن تطلق نفسها واحدة، وإن نوى الزوج الثلاث، فطلَّقت نفسها ثلاثاً وقعن، وإن نوى الزوج ثنتين، فطلقت نفسها ثنتين، لم يقع شيء عندنا.
وقال زفر: يقع ثنتان.
لنا: إن العدد ليس بموجب ولا محتمل، فلا تصح نيِّته، إلا أن تكون المرأة أمة؛ لأن ذلك جنس طلاقها.
(وحكمه): أي حكم الأمر يعني الثابت به، وهو الإتيان بالمأمور به (نوعان) بالقسمة الأولية.
(أداء: وهو إقامة الواجب): أي إخراجه إلى الوجود على حسبه، واللام للعهد: أي الذي وجب بالأمر ابتداءً.
(وقضاء: وهو تسليم مثله): أي مثل الواجب (به): أي بالأمر إشارة إلى أن المراد منه أفعال الجوارح، لا ما في الذمة وهو نفس الوجوب؛ لأن ذلك بالسبب لا بالأمر.
الجزء 1 · صفحة 55
6
(ويتبادلان): أي الأداء والقضاء فيقال: هذا مكان هذا (مجازاً) فيحتاج إلى قرينة كما يقال: أدى ما عليه من الدين، فقوله: من الدين؛ قرينة يفهم منها القضاء؛ لأن أداء حقيقة الدين محال، والجامع في ما كل منهما من التسليم.
(ويؤدّيان): أي الأداء والقضاء (بنيَّتهما)، فيؤدي القضاء بنية الأداء وبالعكس، إلا أنه يحتاج إلى القرينة كما يقال: نويت أن أؤدي ظهر الأمس، وأن أقضي ظهر اليوم (في الصحيح) احترازاً عن قول فخر الإسلام أنه يسمِّي الأداء قضاءً من غير قرينة.
(ويجبان): أي الأداء والقضاء (بسبب واحد)، وهو الأمر الذي وجب به الأداء (عند الجمهور).
وقال العراقيون من مشايخنا: يجبُ القضاء بنصّ مقصود غير الأمر الذي وجب به الأداء، ففي الصوم وجب القضاء بقوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}، وفي الصلاة
وجب بقوله ?: ((مَن نَسِيَ صلاةً فليصلها إذا ذكرها)) متفق عليه، ولمسلم ((إذا رقد أحدُكم عن الصلاة أو غَفِلَ عنها فليصلها إذا ذكرها)).
الجزء 1 · صفحة 56
6
وللجمهور: إن المستحقَّ لا يسقط على المستحق عليه إلا بإسقاط مَن له الحقّ، أو بتسليم المستحق، ولم يوجد منهما فبقي مضموناً عليه، وسقط فضل الوقت للعجز، وهذا النصوص لطلب تفريغ الذمّة عمَّا وَجَبَ بالأمر وتعريفِ أن الواجب لم يسقط.
وفي عبارة فخر الإسلام ما يشير إلى أن ثمرة الاختلاف في المنذورات المتعيّنة من الصلاة والصوم والاعتكاف إذا فاتت عن وقتها، لكن قال أبو اليسر: لو نذر صوماً أو صلاة في يوم معيَّن ولم يفِ به يجب القضاء بالإجماع بين الفريقين، سواء كان عدم إيفاؤها بالفوات أو بالتفويت، وعلى هذا فالخلاف في إسناد وجوب القضاء بماذا؟ فالجمهور للسبب الأول في الكلّ، وعند هؤلاء للنصّ في الصوم والصلاة، وللفوات أو التفويت في المنذورات.
(وأنواع الأداء ثلاثة) أداء (كامل: وهو ما يؤدَّى كما شرع): أي مع توفير حقّه من الواجبات والسنن والآداب، كأداء الصلاة في الجماعة من المكتوبات والوتر في رمضان، وإنما ذكر الأداء وفسِّر بالمؤدى؛ لأن الفعل لا وجود له في الوجود.
(وقاصر: وهو الناقص عن صفته) التي قدمناها كصلاة المنفرد.
الجزء 1 · صفحة 57
6
(وشبيه بالقضاء) كفعل اللاحق، وهو الذي فاته بعض الصلاة بعد إدراك بعضها بعد فراغ الإمام من الصلاة،
ففعلُهُ باعتبار الوقت أداءٌ، وباعتبار أنه يتدارك ما التزم أداؤه مع الإمام قضاءٌ، فهو أداءٌ شبيهٌ بالقضاء.
وفي حقوق العباد: رد عين المغصوبِ على الوجه الذي وقع عليه الغصب أداء كامل.
ورد العبد المغصوب بعد جناية جناها عند الغاصب أداء قاصر.
وتسليم عبدٍ كان تزوجها عليه ولم يكن في ملكه وقت التزوج ثم اشتراه، فتسليمه أداء من حيث أنه المسمّى، شبيه بالقضاء من حيث إنّ تبدَّلَ الملك يوجب تبدَّل العين حكماً.
(وأنواع القضاء ثلاثة) أيضاً كالأداء:
قضاء (بمثل معقول): كالصلاة للصلاة والصوم للصوم.
(وقضاء بمثل غير معقول): أي يقصر العقل عن إدراك المماثلة فيه؛ لأن العقل ينفيه كالفدية للصوم عند العجز المستدام، كما في حق الشيخ الفاني، فإنه لا مماثلة تدرك بين الصوم والفدية، فالصوم وصف، والفدية عين.
(وقضاء بمعنى الأداء) كتكبير مَن أدرك الإمام في العيد راكعاً في الركوع، فمن حيث إنه فات عن موضعه، وهو القيام كان قضاءً، ومن حيث إن الفرق بين القائم والقاعد انتصاب النصف الأسفل كان الركوع شبيه القيام، فالإتيان بالتكبير فيه قضاء بمعنى الأداء،
الجزء 1 · صفحة 58
6
وهذا على قول أبي حنيفة ومحمد (رحمهما الله) خلافاً لأبي يوسف.
وفي حقوق العباد: ضمان المغصوب المثلي بالمثلي قضاء كامل.
وضمانه بالقيمة عند انقطاع المثل قضاء قاصر، لفوات الصورة.
وضمان النفس والأطراف بالمال في الخطأ، قضاء بمثل غير معقول.
وتسليم قيمة عبد وسط لامرأته التي تزوجها على عبد بغير عينه، قضاء؛ لأنه خلاف المسمّى، بمعنى الأداء من حيث أن المجهولَ الوصف لا يعرف إلا بالقيمة فصارت أصلاً.
(والحسنُ لازمٌ للمأمور به)؛ لأن الآمر حكيم، فلا يأمر بشيء إلا لحسنه، والعقل آلة تدرك بها حسن بعض الأشياء وقبحها.
فحسن المأمور به (إما لمعنى) حاصل (في عينه، وهو) بالنظر إلى حكمه (نوعان:
أحدهما) حسن (لمعنى في وصفه) كالإيمان بمعنى التصديق، حسن فمعنى في وصفه، وهو شكر المنعم، وهذا حاصل في ذات التصديق، وهذا النوع لا يقبل السقوط أصلاً، لا بعذر الإكراه ولا بغيره، والصلاة حسنت للتعظيم، والتعظيم حاصل في ذاتها، إلا أنها تقبل السقوط في بعض الأحوال.
(والآخر): أي النوع الآخر (ملحق بهذا القسم) الذي حسن لمعنى في عينه (مشابه للحسن لمعنى في غيره): كالزكاة فإنها تنقيص المال، حسنت لدفع حاجة الفقير، فبهذا صارت مشابهة للذي حسن لمعنى في غيره، إلا أن حاجة الفقير لما كانت بخلق الله تعالى لا صنع للعبد فيها، صارت كلا واسطة، فألحقت بهذا القسم.
الجزء 1 · صفحة 59
6
(وحكم النوعين واحد) وهو أن لا يسقط إلا بالأداء أو باعتراض ما يسقطه.
(وإما) أن يكون الحسن (لمعنى في غيره): أي في غير المأمور به، وهذا عطف على قوله: إما لمعنى في عينه.
(وهو) أي ذلك الغير الذي حسن المأمور به لأجله (نوعان أيضاً:
أحدهما: ما لا يؤدَّى ذلك الغير بالمأمور به.
كالوضوء، فإنه حسن للتمكن من الصلاة به، والصلاة لا تتأدّى به، وإنما تتأدّى بأركانها المعلومة.
(و) النوع (الآخر ما يؤدى) الغير الذي حسن المأمور به لأجله (به) كالجهاد حسن لإعلاء كلمة الله تعالى، وذلك يتأدَّى به.
(وحكمهما واحد أيضاً) وهو بقاء الوجوب ببقاء الغير، وسقوطه بسقوطه.
وترك المصنف النوع الجامع، وهو ما حَسُنَ لِحُسْن في شرطه وهو القدرة، وإنما سمي جامعاً لمعنى في عينه أو في غيره بأنواعهما يصير كلٌ حسناً لمعنى في شرطه وهو القدرة، فالإيمان حسن لمعنى في عينه ولشرطه وهو كونه مقدوراً، والوضوء حسن لمعنى في غيره، وحسن لشرطه وهو كونه مقدوراً أيضاً.
والقدرة نوعان: ما يتمكّن به العبد من أداء ما لزمه، والشرط توهمها، وهذه العبادات البدنية، أو ما يتسر به الأداء، والشرط تحققها حتى كانت صفة، وهذه للمالية إلا صدقة الفطر.
الجزء 1 · صفحة 60
6
(ثم الأمر نوعان): نوع (مطلق عن الوقت) بأن لا يذكر له وقت محدود على وجه يفوت الأداء بفواته، كالأمر بالزكاة، وصدقة الفطر، (فلا يوجب الأداء على الفور)، وهو الإتيان بالمأمور به عَقِيب ورود الأمر (في الصحيح) خلافاً للكرخي (، فإن المطلق عنده على الفور.
لنا: إن الأمر لطلب الفعل فقط، والأزمنة في صلاحية حصول الفعل فيه على حد سواء.
(و) نوع (مقيّد به) أي بالوقت بحيث يفوت الأداء بفواته (وهو) أي المقيد بالوقت (أنواع) أربعة:
الأول: أن يكون الوقت ظرفاً للمؤدى، وشرطاً للأداء، وسبباً للوجوب، وهو وقت الصلاة.
ومن حكمه اشتراط نية التعيين، فلا يسقط بضيق الوقت، ولا يتعين إلا بالأداء، كالحانث.
والثاني: أن يكون الوقت معياراً له، وسبباً لوجوبه، كشهر رمضان.
(الأول) منها: (أن يكون الوقت ظرفاً للمؤدى) وهو الواجب (وشرطاً للأداء) وهو إخراج الواجب إلى الوجود، (وسبباً للوجوب) أي يثبت به، (وهو) أي الذي يكون ظرفاً وشرطاً وسبباً (وقت الصلاة).
أما إنه ظرف: فلأنه يفضل عن الأداء، وكل ما يفضل من الأوقات عن الأداء فهو ظرف، أما الأولى فلأنه إذا صلَّى فاكتفى بمقدار الفرض انقضى المؤدى قبل فراغ الوقت، وأما الثانية فلأن المراد بالظرف أن لا يكون الفعل مقدراً به.
وأما أنه شرط: فلأن الأداء يفوت بفوته، وكل ما يفوت الأداء بفوته شرط، فهذا الوقت شرط
الجزء 1 · صفحة 61
6
أما الأولى فلأن الوقت إذا خرج كان الإتيان بها قضاء، وأما الثانية فبالقياس على سائر شروط الصلاة: كالطهارة، وستر العورة، واستقبال القبلة، والنية.
وأما إنه سبب فلأن الأداء يختلف باختلاف صفته، وكلّ ما يتغيّر الواجب بتغيره فهو سبب؛ لأن المسبب يثبت على وفق سببه.
(ومن حكمه): أي من حكم هذا النوع الذي جعل الوقت ظرفاً له وشرطاً وسبباً (اشتراط نيّة التعيين) يعني تعيين فرض الوقت؛ لأن الوقت لَمّا كان ظرفاً كان المشروع فيه متعدداً، فيشترط تمييز بعض الأفراد عن بعض، وذا بالنيّة، حيث لزم التعيين، (فلا يسقط بضيق الوقت): أي بأن ضاق الوقت بحيث لا يسع غير الواجب، (ولا يتعين) بعض أجزاء الوقت للسببية بشيء من القصد ولا من القول، كأن ينوي أن هذا الجزء هو السبب، أو يقول: عيّنْتُ هذا الجزء للسبب (إلا بالأداء) فيه، فإنه يتعيَّن حينئذٍ (كالحانث): أي كما أن الحانثَ في اليمين له أن يختار في الكفارة أحد الأمور: الإعتاق أو الكسوة أو الإطعام، ولو عيّن أحدَها لا يتعيّن، وله أن يفعل غيره ما لم يُكفِّر به، فإن كَفَّرَ به تعيَّن.
(و) النوع (الثاني: أن يكون الوقت معياراً): أي مقداراً (له): أي للمؤدَّى (وسبباً لوجوبه): أي يثبت الوجوب به، (كشهر رمضان).
أما إنه معيار؛ فلأن الصوم قدر بأيامه، حتى ازداد بزيادتها وانتقص بنقصانها.
الجزء 1 · صفحة 62
6
وأما إنه سبب لوجوبه: فلأنه يضاف إليه، والإضافة تدلّ على الاختصاص، وأقوى وجوهه السببية وسيأتي.
(ومن حكمه): أي من حكم هذا النوع الذي جعل الوقت معياراً له وسبباً (نفي غيره): أي غير المؤدى (فيه): أي في الوقت ضرورة كونه معياراً، وإذا انتفى غيره، (فيصاب): أي يتأدى (بمطلق الاسم)، وهو الصوم بأن يقول: نويتُ أن أصوم، (و) يتأدّى (مع الخطأ في الوصف): أي في وصف الصوم، بأن ينوي صوم القضاء، أو النذر، أو النفل؛ لأن الوقت لا يقبل الوصف، فلغت نيّته وبقيت نية أصل الصوم، وبها يتأدّى.
(إلا في المسافر ينوي واجباً آخر) المستثنى منه محذوف، يعني يصاب فرض الوقت مع الخطأ في الوصف في حق كل أحد إلا في حق المسافر، فإن الصوم لا يصاب في حقّه مع الخطأ في وصفه، بل يقع عمَّا نوى (عند أبي حنيفة ?.
وقال أبو يوسف ومحمد: المسافر والمقيم سواء في هذا؛ لأن السبب وهو شهود الشهر تحقَّق في حقِّهما، إلا أن الشرع أثبت له الترخص، فإذا ترك الترخص كان المسافر والمقيم سواء، فيقع عن الفرض.
ولأبي حنيفة [?]: إن وجوب الأداء لَمَّا سقط عنه صار رمضان في حقِّ أدائه كشعبان، فيقع عمَّا نوى.
(وفي النفل عنه): أي عن أبي حنيفة ((روايتان):
في رواية: إذا نوى النفل يكون صائماً عن الفرض، وهذا هو الأصح.
الجزء 1 · صفحة 63
6
وفي رواية: يكون صائماً عن النفل، وجه هذه ما تقدم.
ووجه الأولى: إن الترخص شرع نظراً له، ولا نظر له في النفل.
(ويقع صوم المريض) إذا نوى واجباً آخر أو نفلاً (عن الفرض في الصحيح)
، وهو مختار فخر الإسلام وشمس الأئمة؛ لأن رخصتَه متعلّقة بحقيقة العجز، فإذا صام فات سبب الرخصة في حقّه، فالتحق بالصحيح، بخلاف المسافر، فإن رخصتَه متعلِّقة بعجزِ مقدَّر باعتبار سبب ظاهر قائم مقام العجز، وهو السفر، فلا يظهر بفعل الصوم فوات سبب الرخصة، ومق .. الصحيح ما عليه أكثر مشايخ بخارى أن المريض كالمسافر؛ لأن رخصتَه متعلّقة بخوف زيادة المرض وصحح هذا في ((المفيد والمزيد)).
(و) النوع (الثالث: أن يكون) الوقت (معياراً) له (لا سبباً) لوجوبه (كقضاء رمضان).
أما إنه معيار فظاهر، وأما إنه ليس بسبب؛ فلأن سبب القضاء هو سبب الأداء، وهو شهود الشهر على ما علم، فلم يكن زمن القضاء سبباً.
(ويشترط فيه): أي في هذا النوع الذي يكون الوقت فيه معياراً لا سبباً فيه (التعيين)؛ لأن هذا الصوم ليس بوظيفة الوقت، ولا هو متعيّن فيه، فيصير له مزاحماً، وإذا ازدحمت العبادات في وقت واحد فلا بُدَّ لذلك من التعيين،
الجزء 1 · صفحة 64
6
والتعيين إنما يحصل بنيّة، ويشترط أن يكون من الليل لينعقد الإمساك من أول النهار لمحتمل الوقت وهو القضاء، (ولا يحتمل) هذا النوع (الفوات)؛ لأن وقته العمر، بخلاف النوعين الأولين؛ لأن وقتهما محدود بحد يفوت الأداء بفوته.
(و) النوع (الرابع: أن يكون) الوقت (مشكلاً) يشبه المعيار ويشبه الظرف (كالحج) يشبه وقته المعيار من جهة أنه لا يصح منه في عام واحد إلا حجّة واحدة، فكان كالنهار في الصوم، ويشبه الظرف من حيث أن أركانَه لا تستغرق جميع الوقت، فكان كوقت الصلاة.
(ومن حكمه: تعيّن): أي لزوم (أدائه): أي الحج (في أشهره) من أول سني الإمكان، فإذا فعل ارتفع الإثم، وعند محمد لا يأثم إلا إذا لم يؤده مدة عمره.
ويتأدّى الحجُ بمطلق النيّة بأن يقول: اللهم إنّي أريد الحجّ، وإن كان الوقت قابلاً للنفل، لدلالة الحال، وهي أن الظاهرَ من حال المسلم أن لا يتحمّل المشاق للنفل، والفرضُ باقٍ عليه، ولو نوى النفل يقع عنه؛ لأن الصريح مقدّم على دلالة الحال.
الجزء 1 · صفحة 65
7
فصل
والكفار مخاطبون بالإيمان): أي يتناولهم الأمر بالإيمان.
قال الله ?: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعا} إلى قوله: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} (بناء على العهد الماضي بإجماع الفقهاء) كذا قال، وليس مراد علمائنا رحمهم الله تعالى، وإنما مرادهم ما ذكرت.
و (لا) يخاطبون (بأداء ما يحتمل السقوط من العبادات) كالصلاة والصوم والحج؛ لأن الكفار ليسوا بأهل لأداء العبادات؛ لأن أداءَها سبب لاستحقاق الثواب، وهو ليس
بأهل للثواب؛ لأن ثوابه الجنة، وإذا لم يكن أهلاً للأداء لا يخاطب بالأداء؛ لأن الخطاب بالعمل للعمل.
فأما ما لا يحتمل السقوط كالإيمان، فإنهم مخاطبون به على ما تقدم.
الجزء 1 · صفحة 66
7
وهذا (في الصحيح) وهو قول مشايخ ما وراء النهر.
وعند العراقيين: يخاطبون بجميع أوامر الله تعالى ونواهيه من حيث الاعتقاد والأداء في حقّ المؤاخذة في الآخرة، فيعاقبون على ترك ذلك لقوله تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ. قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ}. فأخبروا أنهم استحقوا ذلك بترك الصلاة، ولم يُرَدَّ عليهم.
وأجيب: بأن الصلاة تذكر ويراد اعتقاد حقيتها لا فعلها، قال تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ}، حيث يخلي سبيله إذا آمن قبل فعل الصلاة، وإذا كان محتملاً لا يحتج به في موضع القطع.
الجزء 1 · صفحة 67
7
النهي
(ومنه) أي من الخاص (النهي) وهو قول القائد لغيره: لا تفعل، وإنما كان من الخاص لما تقدَّم في الأمر.
(وينقسم) النهي (في) اقتضائه (صفة القبح كالأمر): أي كانقسام الأمر (في اقتضائه) لصفة (الحُسُن) للمأمور به.
فالقسم (الأول) من المنهي عنه (ما قبح لمعنى في عينه وضعاً) كالكفر وضع لمعنى قبيح في ذاته وهو كفران النعم، (أو شرعاً) كبيع الحرّ عُلِمَ من الشرع قبحه لا من العقل، ونصب وضعاً وشرعاً على التمييز؛ لأن قبح الشيء يكون باعتبار أمور.
وحكم هذا النوع أن المنهيَ عنه غير مشروع أصلاً.
(و) القسم (الثاني: ما قبح لمعنى في غيره) أي في غير المنهي عنه (وصفاً) قائماً بالمنهي عنه لا يقبل الانفكاك، كصوم يوم النحر، فإنه إمساك لله تعالى، فلم يقبح باعتبارها، بل باعتبار وصفه وهو الإعراض عن ضيافة الرب في هذا اليوم.
وحكمه: أن المنهي عنه بعد النهي مشروع بأصله غير مشروع بوصفه، فيصح النذر به، وإذا فعله يخرج عن العهدة.
الجزء 1 · صفحة 68
7
(ومجاوراً) أي مصاحباً ومقارناً في الجملة: كالبيع وقت النداء، قبحه للاشتغال بالبيع عن السعي، وهو مجاور للبيع قابل للانفكاك عنه، كما إذا باع في حالة السعي في الطريق فلا يكره.
(والنهي عن الأفعال الحسية) وهي التي تعرف بالحس ولا يتوقّف وجودها على الشرع، كالقتل والزنا وشرب الخمر (من) القسم (الأول) وهو القبيح لعينه وضعاً.
(و) النهي (عن) الأمور (الشرعية)، وهي التي يتوقف تحقيقها على الشرع، كالصلاة والصوم والبيع والإجارة (من) القسم (الثاني) وهو القبيح لغيره وصفاً؛ لأن النهي تصرف في المخاطب بالمنع عن الفعل، فلا بدّ أن يكون الفعل متصوّراً للمخاطب، وتصوره هذا موقوف على الشرع، فيكون مشروعاً بأصله غير مشروع بوصفه، ففي العبادات يصح التزامها، وفي المعاملات تفيد الملك عند اتصال القبض.
(وقد اختلف العلماء) [?] في الأمر والنهي في حقّ الضدّ، (فقال بعضهم: الأمر بالشيء نهي عن ضده) من جهة اللفظ، فيكون لفظ الأمر موجباً للنهي عن ضده.
الجزء 1 · صفحة 69
7
وقال بعضهم: من جهة الدلالة على أنه لا يجوز له فعل المنافي له في وقت وجوبه.
(وبالعكس): أي وقالوا: النهي عن شيء يكون أمراً بضده، وهذا إذا كان له ضد واحد عند قوم، ومطلقاً عند آخرين.
(والمختار: أنه) أي الأمر بالشيء (يقتضي) أي يثبت ضرورة (كراهة ضده) أي ضد المأمور به،
والمراد الضدّ الذي يفوت المأمور به بالاشتغال به؛ لأن هذا النهي لَمَّا لم يكن بالنصّ، وإنما هو بالضرورة فيثبت بقدر ما تندفع [به الضرورة، والضرورة تندفع] بالأدنى، وهو جعل الضدّ مكروهاً.
الجزء 1 · صفحة 70
7
[فالمأمور بالقيام في الصلاة إذا قعد ثم قام، لا تبطل لكنه يكره.
(و) يقتضي أن يكون (ضد النهي) أي ضد المنهي عنه] (كسنة واجبة) أي مؤكدة قريبة من الواجب، لما قلنا في الأمر؛ [ولهذا قلنا: إن المُحْرِم لَمَّا نُهِيَ عن لُبْس المخيط كان من السنة لبس الإزار والرداء].
وهنا انتهى القسم الأول من القسم الأول ثم عطف عليه بقوله:
الجزء 1 · صفحة 71
7
(العام
(والعام): أي والقسم الثاني: العام: (وهو ما): أي لفظ (تناول أفراداً) فخرج الخاص.
(متفقة الحدود) احترازاً عن المشترك، فإنه يتناول أفراداً ولكنها مختلفة الحدود.
وقوله: (على سبيل الشمول): أي لا على سبيل البدل، واحترز به عن اسم الجنس نحو رجل، فإنه يتناول أفراداً متفقة الحدود لكن على سبيل البدل.
(وحكمه): أي الأثر الثابت به (إيجاب الحكم): أي إثبات الحكم المستفاد ممَّا ذكر معه بمتعلقه (فيما يتناوله): أي في مدلوله (قطعاً) ـ تمييزٌ أو صفة مصدر محذوف ـ أي تناولاً قاطعاً إرادة البعض،
وهذا مذهب أكثر الأصحاب (كقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا
الجزء 1 · صفحة 72
7
الْمُشْرِكِينَ}، {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ}.
فالحكم هو الوجوب المستفاد من {فَاقْتُلُوا} يثبت في مدلول العام، وهو المشركون حكماً له.
والحقُّ أنّ حكمَه يتناول مدلوله قطعاً كالخاص، وأن المثبت للحكم الشرعي في هذا جملة الكلام، إلا أن للعام دخلاً فيه.
ثم أشار إلى بعض ثمرات هذا القول بقوله: (حتى جاز نسخ الخاصّ به): أي بالعام، ومثَّل لهذا بما في ((الصحيحين)) من حديث أنس ?: (أن النبي ? أمر العرنيين بشرب أبوال الإبل) وهذا خاص، وبما في ((مستدرك الحاكم)) من حديث أبي هريرة ?: (أن النبي ? قال: استنزهوا من البول)، وهذا عامٌّ
الجزء 1 · صفحة 73
7
فلمَّا شارك الخاص في حكمه في تناول المدلول، وكان هذا محرِّماً يقتضي التقدم على الخاص المبيح، جعل ناسخاً.
وهذا حكم العام قبل التخصيص، فأما بعده فيكون ظنيّاً في الصحيح.
(ويكون) العام عاماً (بالصيغة والمعنى) كرجال، فإنه وضع للجميع وهو يتناول أفراداً متفقة الحدود.
(وبالمعنى وحده) كقوم ورهط، فإنه يتناول أفراداً بمعناه دون صيغته.
وحصرت ألفاظ العموم في الجموع صيغة أو معنى مطلقاً، والمفرد معرفاً باللام أو الإضافة، وأسماء الشرط والاستفهام، والموصول، والنكرة في سياق النفي، وما يشبهه كالشرط والاستفهام والنهي، اسماً كانت أو فعلاً، والاسم المفرد المعرف بلام الاستغراق، والمصدر المضاف، والألفاظ المؤكدة نحو كل وأجمع وغيرهما، والنكرة الموصوفة في الإثبات، وهذه أقسام اللغوي.
وأما العرفي: فكعموم تحريم الأمهات لوجوه الاستمتاع.
وأما العقلي: فكعموم الحكم مذكوراً بعد سؤال عام، أو مقروناً به عليه، وكدليل الخطاب عند من يقول بعمومه.
الجزء 1 · صفحة 74
8
(المشترك
(والمشترك) وهو القسم الثالث (وهو ما): أي لفظ (تناول أفراداً مختلفة الحدود) كالقرء، فإنه يتناول الحيض والطهر (بالبدل).
فقوله: (مختلفة الحدود) احترازاً عن العام.
وقوله: (بالبدل) تفسير للتناول عند البعض، وعند البعض احترازاً عن (الشيء)، فإنه يتناول أفراداً مختلفة الحقيقة على سبيل الشمول، من حيث إنها مشتركة في معنى الشيئية، وهو الثبوت في الخارج.
(وحكمه): أي حكم المشترك (التأمل فيه): أي في صيغته وسياقه (ليترجح بعض وجوهه): أي طرق معناه (للعمل به): أي لأجل العمل بالمشترك.
كما تؤمل لفظ القرء، فوجد أصل التركيب دالاً على الجمع، يقال:
قرأت الشيء: أي جمعته، وعلى الانتقال يقال: قرأ النجم إذا انتقل، والاجتماع للدم، والانتقال للحيض، فترجح هو
الجزء 1 · صفحة 75
8
(ولا عموم له): أي للمشترك عندنا، فلا يستعمل في أكثر من معنى واحد، وفاقاً لما صحَّحه الرافعي (عن الإمام الشافعي، حيث قال في باب العتق: الصحيح أن الشافعي لم يحمل المشترك على جميع معانيه. انتهى
الجزء 1 · صفحة 76
8
لأن المتبادر إلى الفهم إرادة أحدهما حتى تبادر طلب المعين، وهو يوجب العلم بأن شرط استعماله لغة كونه في أحدهما.
وقيل: يعمّ احتياطاً للعلم بفعل المراد.
قلنا: لا يتوصل إليه إلا بشرع ما علم أنه لم يشرع وهو حرام، والتوقف إلى ظهور المراد الإجمالي واجب.
الجزء 1 · صفحة 77
8
(المؤول
(والمؤول: وهو ما ترجح من المشترك بعض وجوهه بغالب الرأي).
والأصلح أنه كلَّ لفظ ترجّح بعض محتملاته بدليل فيه شبهة؛ لأنك إذا تأملت ما وضع اللف له، وصرفته إلى وجهه معين فقد أولته إليه (أي) رجعته.
قيل: يجوز أن يكون المؤول من المجمل والمشكل، فلا يتعيّن أن يكون من المشترك.
ويجوز أن يكون الترجح بخبر الواحد، فلا يلزم أن يكون بغالب الرأي.
والجواب: أن المؤول المصطلح عليه عند صاحب أصل الأصل ليس إلا هذا، واصطلاح غيره لا يرد عليه، والمراد بغالب الرأي الظنّي.
(وحكمه: العمل به): أي وجوب العمل به؛ لأنه دليل ظنّي (على احتمال الغلط)؛ لأن تعيينه بدليل ظنّي.
الجزء 1 · صفحة 78
8
[أقسام الكلام من حيث ظهور المعنى]
(الثاني) أي القسم الثاني من الأقسام الأربعة في (وجوه البيان): أي ظهور الدلالة (بذلك النظم) الذي تقدم تقسيمه.
(وهو): أي القسم الثاني (أربعة) أي أربعة أقسام هي:
1 - الظاهر
1 - (الظاهر: وهو ما): أي كلام (ظهر): أي وضح (المراد): أي المعنى الوضعي (منه بصيغته): أي بنفس صيغته من غير نظر إلى أمر آخر.
نحو قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا}، فإن المعنى الوضعي وهو الإحلال والتحريم ظاهر منه للعالم باللسان.
(وحكمه: وجوب العمل بما ظهر منه)، واختلف فيه، هل هو على سبيل الظنّ أو القطع؟
فقال أبو منصور وعامتهم: بالأول؛ لاحتمال المجاز.
الجزء 1 · صفحة 79
8
وقال أبو زيد والعراقيون: بالثاني؛ لعدم اعتبار احتمال لا ينشأ عن دليل، حتى صح إثبات الحدود والكفارات بالظواهر.
الجزء 1 · صفحة 80
8
2 - النص
(والنص: وهو ما زاد) المراد به (وضوحاً على الظاهر بمعنى من المتكلم) وهو سوق الكلام له، فإن المسوق له أجلى من غيره.
كقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا}، فإنه ظاهر في التحليل والتحريم، نصّ في الفصل بين البيع والربا؛ لأنه سيق الكلام لأجل الفصل، فإنهم ادعوا التسوية بينهما بقولهم: إنما البيع مثل الربا على طريق المبايعة بجعل الربا شبيهاً به في الحلّ، فرد الله تعالى تسويتهم بقوله: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا}، فازداد وضوحاً بمعنى من المتكلّم لا في نفس الصيغة.
(وحكمه: وجوب العمل بما اتضح على احتمال تأويل)، وهو حمل الكلام على خلاف ظاهره (مجازي): أي من قبيل المجاز، ولا ينحصر فيه بل يكون احتمال مجازٍ، أو تخصيص، أو غير ذلك،
الجزء 1 · صفحة 81
8
وفيه إشارة إلى أن هذا الاحتمال لا يخرج النص عن كونه قطعيّاً، كما أن احتمالَ الحقيقة المجاز لا يخرجها عن كونها قطعية، فتبيَّن أنه ماشٍ على قول أبي زيد ومن تابعه في الظاهر.
الجزء 1 · صفحة 82
8
3 - المفسر
(والمفسر: وهو ما ازداد وضوحاً على النص من غير) احتمال (تأويل).
ويحصل الازدياد ببيان التفسير بقطعي لا شبهة فيه في المجمل، وببيان التقرير في العام: كقوله تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ}، فإنه نصّ لسوق الكلام لبيان سجود الملائكة، ولكنه يحتمل التخصيص بإرادة البعض، فانقطع ذلك بقوله: {كُلُّهُمْ}، وبقي احتمال التأويل، وهو الحمل على التفريق، فانقطع بقوله {أَجْمَعُون}.
(وحكمه: وجوب العمل به على احتمال النسخ) في نفسه، وإن كان قد انسد بابه بوفاة صاحب الشرع ?.
الجزء 1 · صفحة 83
8
4 - المحكم
(والمحكم: وهو ما أحكم المراد به عن احتمال النسخ والتبديل) من قولهم بناء محكم: أي مأمون الانتقاض، وضمَّن أحكم معنى امتنع فعداه بعن.
وانقطاع احتمال النسخ قد يكون لمعنى في ذاته: كالآيات الدالّة على وجود الصانع وصفاته، فإنها لا تحتمل النسخ عقلاً، ويسمّى هذا ((محكماً لعينه)).
وقد يكون لانقطاع الوحي بوفاة النبي ? ويسمى ((محكماً لغيره)).
(وحكمه: الوجوب): أي وجوب العمل، فاللام بدل المضاف إليه (من غير احتمال) للتأويل، ولا للنسخ، ولا للتبديل.
ويظهر التفاوت بين هذه الأربعة عند التعارض؛ لأنه لا تفاوت بينها في إيجاب الحكم قطعاً، فيصير الظاهر متروكاً عند معارضة النص، والظاهر والنص عند معارضة المفسر، والمفسر عند معارضة المحكم.
وقد مثل لذلك في الشروح بقوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ
الجزء 1 · صفحة 84
9
ذَلِكُمْ}، فإنه ظاهر في الإطلاق مع قوله: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ}، فإنه نصّ في بيان العدد.
وبقوله [تعالى]: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْن} نصّ في بيان المدّة مع قوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً}، فإنه ظاهر فيها.
وبقوله ?: ((المستحاضة تتوضأ لكل صلاة)) فإنه نصّ، مع قوله ?: ((المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة)) فإنه مفسّر.
الجزء 1 · صفحة 85
9
وبقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاة} فإنه مفسّر مع قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً}، فإنه محكمٌ في التكرار.
الجزء 1 · صفحة 86
9
[أقسام الكلام باعتبار خفاء معناه]
(ولهذه) الأقسام الأربعة (أربعة تقابلها) المقابلة جعل الشيء بإزاء الشيء.
1 - الخفي
(خفي) يقابل الظاهر، وعرّفه بقوله: (وهو): أي الخفي (ما): أي الكلام (خفي المراد به بعارض): أي بسببٍ عارضٍ، يعني أن صيغة الكلام ظاهرة بالنظر إلى موضوعها اللغوي، لكن خفي بالنسبة إلى المحل بسببٍ عارضٍ في ذلك المحل، وعلامة كونه خفياً أنه (يحتاج إلى الطلب): أي قليل تأمل.
(وحكمه): أي حكم الخفي (النظر): أي الفكر (فيه لإظهار خفاء زيادته ونقصانه).
يعني تفكر في الخفاء ليظهر سبب خفائه، هل هو خفاء لأجل
الجزء 1 · صفحة 87
9
زيادة المعنى فيه [أو لأجل نقصان المعنى فيه؟] كآية السرقة، فإنها ظاهرةٌ في إيجاب قطع كلّ سارق لم يعرف باسم آخر.
خفيةٌ في حقّ الطرّار: وهو الذي يطرّ الهمايين: أي يشقّها ويقطعها ويأخذ ما فيها سرقة، وفي حق النبّاش: وهو الذي ينبش القبور ويسلب الموتى أكفانهم، بعارضٍ في غير صيغة الآية، وهو اختصاصهما باسم آخر يعرفان به، وتغاير الأسماء يدلّ على تغاير المسميات، فتؤمل في هذا الاختصاص مع أصل السرقة، وهو أنه يسارق عين اليقظان فعدي الحدّ إليه، وفي النباش لقصور المعنى، لأنه إنما يسارق مَن عساه يهجم عليه القبر، فلم يعد الحد إليه.
الجزء 1 · صفحة 88
9
2 - المشكل
(ومشكل) يقابل النصّ من أَشْكل إذا دخل في أشكاله، (وهو فوق الخفي) في خفاء المراد، وإنما كان كذلك (لاحتياج الطلب): أي لاحتياج المشكل إلى الطلب، وهو تحصيل المعنى (والتأمل)، وهو التكلّف والاجتهاد في الفكر بعد ذلك ليتميز المراد.
(وحكمه): أي حكم المشكل (اعتقاد حقيّة المراد): أي المراد منه (إلى أن يتبين بالطلب والتأمّل) كقوله تعالى: {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} طلبت معاني: {أَنَّى} فضبطت بأنها تستعمل بمعنى: ((أين)): كقوله تعالى: {أَنَّى لَكِ هَذَا}: أي من أين لك هذا؟ وبمعنى ((كيف)) نحو: {أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ}، ثم نظر هل هو يوجب الإطلاق في جميع المواضع نظراً إلى
الجزء 1 · صفحة 89
9
الأولى أو لا، بل الإطلاق للأوصاف لا في المواضع: أي
كيف شئتم سواء كانت قاعدة أو مضطجعة أو على جهة بعد أن يكون المأتي واحداً، فإذا سياق الآية سمّاهن حرثاً: أي مواضع حرثكم، لما يلقى في أرحامهنّ من النطف التي هي بمنزلة البذر للنسل، فيكون الإتيان في الموضع الذي يتعلق به هذا الغرض، وهو القبل.
الجزء 1 · صفحة 90
9
3 - المجمل
(ومجمل) يقابل المفسر، من أجملت الحساب إذا ضممت بعضه إلى بعض (وهو ما): أي كلام (اشتبه مراده): أي المراد منه لتزاحم المعاني فيه من غير رجحان لأحدها (فاحتاج إلى الاستفسار) من المُجْمِل حيث لم يدرك من نفس العبارة، ثم إنه قد يحتاج بعد ذلك إلى الطلب والتأمل.
(وحكمه: التوقف فيه إلى أن يتبيّن مراده): أي المراد منه (من المُجْمِل): أي من بيان المجمل.
كالصلاة فإنها في اللغة الدعاء وذلك غير مراد، وقد بينها النبي ?.
الجزء 1 · صفحة 91
9
4 - المتشابه
(ومتشابه) يقابل المحكم (وهو ما) أي كلام (لم يُرْجَ) في الدنيا (بيان مراده) أي المراد منه (لشدة خفائه): كآيات الصفات مثل قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}.
(وحكمه: التوقّف فيه أبداً مع اعتقاد حقيّة المراد به): أي اعتقاد أن مراد الله تعالى لذلك حقّ، وما يعلم تأويله إلا الله.
الجزء 1 · صفحة 92
9
[أقسام الكلام باعتبار استعماله للمعنى]
والقسم (الثالث) من أصل الأقسام (في وجوه): أي طريق (استعمال ذلك النظم) في بيان الحكم بالنظم، (وهو) أي الثالث (أربعة) أي أربعة أقسام.
(1 - الحقيقة والمجاز
(الحقيقة) ومعناه الثابت من حقّ الشيء إذا ثبت، أو المثبتة من حققت الشيء إذا أثبته.
(وهي) في الاصطلاح (اسم لما) أي للفظ (أريد به ما) أي معنى (وضع له) ذلك اللفظ.
(والمجاز) مفعل من الجواز.
(وهو) في الاصطلاح (اسم لما): أي للفظ (أريد به غير ما وضع له) لعلاقة بينهما، كتسمية الشجاع أسداً.
(ومن حكمهما): أي الحقيقة والمجاز (استحالة اجتماعهما مرادين بلفظ واحد) في وقت واحد بأن يكون كل منهما متعلق الحكم، نحو ((لا تقتل الأسد)) وتريد الحيوان المفترس والرجل الشجاع.
الجزء 1 · صفحة 93
10
لأن إرادة الحقيقة إن لم تنافها إرادة المجاز لم يتحقق الصرف وهو شرط، وإن نافتها امتنع اجتماعهما.
فإذا أوصى لمواليه لا يتناول مولى الموالي، وإذا كان له معتَق واحد يستحق النصف، ويكون النصف الثاني للورثة لا لموالي الموالي.
(ومتى أمكن العمل بالحقيقة سقط المجاز)؛ لأن المستعار خلف، فلا يزاحم الأصل كما قلنا في الموالي.
فإن كانت الحقيقة متعذرة - وهي ما لا يصاب به إلا بمشقة - تحول القول إلى المجاز، كما إذا حلف لا يأكل من هذه النخلة ولا نية له، تحولت اليمين إلى ما يخرج منها بلا صنعة كالجمار والطلع والرامخ والبسر والرطب وصفره والتمر والنبيذ والخل المتخذ منه.
وكذا إذا كانت مهجورة - وهي ما يمكن الوصول إليها إلا أن الناس هجورها أي تركوها ـ كما إذا حلف لا يضع قدمه في دار فلان؛ لأن حقيقة وضع قدمه حافياً وإن لم يدخل، وهذا مهجور عرفاً، والمهجور عرفاً كالمتعذر، فانصر اليمين إلى الدخول وهو المجاز المتعارف، فيحنث إن دخلها حافياً أو منتعلاً، راكباً أو ماشياً.
والمهجور شرعاً كالمهجور عادة، كالخصومة مهجورة شرعاً لقوله تعالى: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا}، فإذا وكّله بها انصرف التوكيل بها إلى الجواب بنعم أو بلا.
الجزء 1 · صفحة 94
10
ولو كان للفظ حقيقة مستعملة، ومجاز متعارف، فالعمل بالحقيقة عنده وبالمجاز عندهما، كما إذا حلف لا يأكل حنطة، فاليمين عنده على عينها، وعندهما على ما يتخذ منها.
(وتترك الحقيقة بدلالة العادة) كما إذا حلف لا يأكل رأساً الحقيقة ما يسمى رأساً، وهو متروك عادة، يقع يمينه على ما يكبس في التنانير ويسلق بدلالة العادة.
(و) تترك أيضاً (بدلالة في محل الكلام) أي يدلّ محلّ الكلام على أن الحقيقة تركت فلم تكن مرادة، كـ ((إنما الأعمال بالنيات)) دلّ وجود الأعمال بغير نيّة على أنه صرف عن وجودها إلى حكمها.
(ومعنى): أي وتترك الحقيقة بسبب دلالة معنى أي حال (يرجع إلى المتكلم) كما في اليمين الفور، وهي كمن أرادت امرأته أن تخرج في الغضب ونحوه فقال: والله ما تخرجين أو إن خرجتِ فأنتِ طالق، فمكثت ساعة ثم خرجت لم يحنث، فالحقيقة عدم الخروج أبداً ترك هذا وحمل على الخروج المعيّن، وهو ما منعها منه بدلالة حال المتكلم، وهو إرادة المنع الخاص لا أبداً.
(و) تترك بدلالة (سياق نظم) وهو قرينة لفظية التحقت بالكلام مثل قوله: طلِّق امرأتي إن كنت رجلاً، أخرج هذا الكلام عن التوكيل إلى التوبيخ.
الجزء 1 · صفحة 95
10
(و) تترك بدلالة (اللفظ في نفسه) من اشتقاق أو إطلاق، كمن حلف لا يأكل لحماً، لا يقع على لحم السمك؛ لأن اللحم ينبي عن الشدّة بدلالة التحام الحرب والجرح والملحمة وهي بالدم، ولا دم في السمك ولذا يعيش في الماء ويحلّ بلا ذكاة، والمطلق ينصرف إلى الكامل في الحقيقة فدلالة الاشتقاق والإطلاق صرفت اليمين عن السمك.
الجزء 1 · صفحة 96
10
3 - الصريح
(والصريح) لغة: الظاهر والخالص.
(وهو) اصطلاحاً (ما) أي لفظ (ظهر مراده): أي المراد منه ظهوراً (بيِّناً) أي تاماً، احترز به عن الظاهر، فإن الظهور فيه ليس بتام لبقاء الاحتمال.
وبكثرة الاستعمال يخرج النصّ والمفسّر؛ لأن ظهورَهما بالبيان والقرائن لا بكثرة الاستعمال: كقوله: أنت حرٌّ وأنت طالق.
(وحكمه): أي حكم الصريح (ثبوت موجبه): أي ما يوجبه اللفظ الصريح من الحرية في المثال الأول، والطلاق في الثاني حال كونه (مستغنياً عن العزيمة): أي النية، فيقع العتق والطلاق المتقدمان نوى أو لم ينو.
الجزء 1 · صفحة 97
10
4 - الكناية
(والكناية: وهي ما): أي لفظ (لم يظهر المراد به إلا بقرينة) كهو يفعل، فإن هذه الهاء لا يميز زيداً عن عمرو إلا بقرينة تنضمّ إلى ذلك كسبقه في الذِّكر.
(وحكمها): أي حكم الكناية (عدم العمل بها بدون نية)؛ لأنه لا يثبت الحكم الشرعي بها إلا بنية المتكلم، كما في كنايات الطلاق حال الرضى (أو ما يقوم مقامها): أي مقام النية، مثل مذاكرة الطلاق فيما يصلح جواباً أو رداً، نحو: خليّة.
(والأصل في الكلام هو الصريح)؛ لأن الكلام للإفهام والإفادة، والصريح هو التام في هذا المعنى
(وفي الكناية قصور) عن البيان (لاشتباه المراد) فيتوقف في إفادة المقصود على قرينة.
ويظهر هذا التفاوت الحاصل بين الصريح والكناية فيما يدرأ بالشبهات حيث جاز إثباتها بالصريح دون الكناية، حتى عن مَن قال لآخر: جامعتَ فلانة، لا يجب عليه حد القذف؛ لأنه لم يُصَرِّح بالزنا، ويجب إذا قال: زنيت بها.
الجزء 1 · صفحة 98
10
[أقسام الكلام باعتبار الوقوف على المعنى المراد]
(الرابع): أي القسم الرابع من أصل الأقسام (في معرفة): أي إدراك (وجوه): أي طرق (الوقوف): أي الاطلاع (على أحكام النظم): أي المراد منه،
فحاصله معرفة طرق وقوف السامع على مراد المتكلّم في الأحكام الثابتة بنظم الكلام ومعناه.
قيل: المعرفة صفة العارف، والتقسيم للكتاب، وتقسيم الكتاب باعتبار صفة في غيره لا يستقيم.
أجيب بجعلها مصدراً بمعنى المفعول.
قلت: يعكر عليه قوله الاستدلال، فإنه صفة للمستدل، لا لما يعرف من الأقسام مع نبوه في الكلام، فكان الأولى ترك هذه العبارة والتعبير بما يستدل بعبارته إلى آخره.
(وهو): أي القسم الرابع (أربعة) أي أربعة أقسام باستقرائهم:
(عبارة النص
الأول: (الاستدلال بعبارة النص) الاستدلال: انتقال الذهن من المؤثر إلى الأثر، كانتقال الذهن من إدراك النار إلى الدخان.
الجزء 1 · صفحة 99
10
وأورد أيضاً: أن الاستدلال صفة المستدل والتقسيم للكتاب.
وأجيب: بأنها لما لم تفد بدونه عدَّ منها، ولا يخفى ما فيه، فالأولى تركه، كيف ولم يستمروا عليه، كما ستقف عليه في الثالث من هذه الأربعة.
(وهو) أي الاستدلال بعبارة النص (العمل): أي إثبات الحكم؛ لأن المراد عمل المجتهد؛ لأنه هو المستدلّ هذا هو المراد، وظاهر التركيب يعطي أن المراد عمل الجوارح؛ لأن ما سيق الكلام له هو الثابت بالعبارة (بظاهر ما): أي شيء (سيق الكلام له): أي لذلك الشيء فالضمير لما.
فعلى الأول: هو إثبات الحكم بشيء ظاهر لا يحتاج إلى مزيد تأمل، مثل الحكم بإيجاب سهم من الغنيمة للفقراء في قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ .. } الآية.
وعلى الثاني: العمل بظاهر حكمه: أي بحكم ظاهر سيق الكلام لأجله.
وعلى ما هو الأولى: النظم الدال على تمام الموضوع له أو جزئه أو لازمه المقصود بالجملة.
الجزء 1 · صفحة 100
10
(إشارة النص
(وبإشارته): أي الاستدلال بإشارة النص، (وهو العمل بما): أي بحكم (ثبت بنظمه): أي بتركيبه من غير زيادة ولا نقصان، وبه يخرج دلالة النص لأنه ثابت بمعنى في النظم (لغة): أي غير مسوق له، وكان حقّ المصنف أن يذكره، وهذا ظاهر في إرادة عمل الجوارح، فإن حمل العمل على إثبات الحكم يصير تقديره: إثبات الحكم بمعنى ثبت بالنظم لغة، وفيه تكلف لا يخفى.
مثاله قوله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُن} سيق الكلام لإثبات النفقة والكسوة على الأب؛ لأنه المولود له، فهذا عبارة النص.
وفيه إشارة إلى أن النسبَ إلى الآباء؛ لأن اللام للاختصاص، ولم يختصّ به الأب من حيث الملك فاختصّ بالنسب، وهو غير مسوق له.
وعلى ما هو الأولى: فهو النظم الدالّ على اللازم الذاتي الذي لم يسق له أصلاً، ولم يحتج إليه لصحة الحكم.
الجزء 1 · صفحة 101
10
(وهما): أي العبارة والإشارة (سواء في إيجاب الحكم): أي في إثباته؛ لأن كلاً منهما يفيد الحكم بظاهره
(والأول) وهو العبارة (أحق عند التعارض) من الثاني، وهو الإشارة؛ لأن الأول منظوم مسوق له، والثاني غير مسوق.
مثال التعارض ما أورده السادة الفقهاء الشافعية في كتبهم من حديث ((ما رأيت من ناقصات عقل ودين. قيل: ما نقصان دينهن؟ قال: تقعد إحداهن شطر عمرها لا تصوم ولا تصلي))
الجزء 1 · صفحة 102
10
سيق الكلام لبيان نقصان دينهن، وفيه إشارة إلى أن أكثر الحيض خمسة عشر يوماً، مع قوله ?: ((أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام))، وهذا عبارة فيكون أحق.
(وللإشارة عموم كالعبارة)؛ لأن كلاً نظم، والعموم باعتبار الصيغة.
الجزء 1 · صفحة 103
11
(دلالة النص
(والثابت بدلالته): أي بدلالة النصّ (هو ما) أي حكم (ثبت) أي استفيد (بمعناه): أي بسبب معنى النص (لغة) لا بعين النص، ولغةً. نصب على التمييز من قوله: بمعناه.
والمراد المعنى الذي يعرفه كل سامع يعرف اللغة من غير استنباط.
وخرج بمعناه العبارة والإشارة لأنهما بنفس النظم، وبقوله: «لغة» المقتضى والمحذوف لأن المقتضى ثابت شرعا والمحذوف عقلا واغة.
مثاله قوله تعالى: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ}، فالنهي عن التأفيف يعلم به حرمة الضرب من غير اجتهاد، فحرمة الضرب حكم استفيد من معنى التأفيف، الذي هو الأذى بكلمة التضجر.
ويقال على هذا: الأقسام للكتاب لا للحكم.
فالأولى: أنه النظم الدال على اللازم بواسطة مناط حكمه المفهوم لغةً.
(والثابت بدلالته): أي بدلالة النصّ، (كالثابت بعبارته وإشارته) من حيث إن كلاً منهما يوجب الحكم
الجزء 1 · صفحة 104
11
(إلا عند التعارض)، فإن الإشارة تقدم على الدلالة، وإذا قُدِّمت الإشارة، فالعبارة أولى؛ لأن فيها وجد النظم والمعنى اللغوي، وفي الدلالة لم يوجد إلا المعنى اللغوي، فترجَّحت الإشارة.
قالوا: مثال تعارضهما ما قاله الإمام الشافعي [?]: تجب الكفارة في القتل العمد؛ لأنها لَمَّا وجبت في القتل الخطأ مع قيام العذر فلأن تجب في العمد أولى، ولكن هذه الدلالة عارضها إشارة قوله [تعالى]: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ}، فإنه يشير إلى عدم وجوب الكفارة في العمد؛ لأن الجزاء اسم للكامل التام، فلو وجبت الكفارة لكان جهنم بعض الجزاء لا كله، فرجحت الإشارة.
قلت: فيه نظر لا يخفى.
(والثابت به) بدلالة النص (لا يحتمل التخصيص إذ لا عموم له)؛ لأن العموم من أوصاف اللفظ، ولا لفظ في الدلالة.
الجزء 1 · صفحة 105
11
(اقتضاء النص
4 - (والثابت باقتضائه): أي باقتضاء النصّ يعني بمقتضاه، والاقتضاء الطلب (وهو ما): أي حكم (لم يعمل النص إلا بشرط تقدمه): أي تقدم ذلك الحكم (عليه): أي على النصّ.
قالوا مثاله: أعتق عبدك عني بألف، فلا يصح إلا بالبيع، فالبيع مقتضى، وما ثبت به وهو الملك حكم المقتضي، فيثبت البيع مقدماً على الإعتاق؛ لأنه بمنزلة الشرط لصحته.
قلت: إلا أن هذا ليس من النصوص، والكلام في اقتضاء النص، فهو من الكتاب [قوله تعالى]: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَة}، ومن السنة حديث ((رفع عن أمتي الخطأ)) قلت: لفظه: ((إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه))
رواه ابن ماجه وابن حبان والحاكم وقال:
الجزء 1 · صفحة 106
11
صحيح على شرطهما، فيقدر في الأول ((مملوكة))، وفي الثاني ((إثم)).
ولا عموم للثابت بالاقتضاء لعدم اللفظ.
قال شيخنا: ليس هذا بشيء؛ لأن المقدر كالملفوظ.
الجزء 1 · صفحة 107
11
قلت: هذا في المحذوف لا في المقتضى، ولهذا كان التحقيق الفرق بين المقتضى والمحذوف.
ولو قدر تعارض الثابت بالدلالة والثابت بالاقتضاء، قدم الثابت بالدلالة؛ لأنه ثابت بالمعنى اللغوي بلا ضرورة، والمقتضى بالثابت ضرورة.
الجزء 1 · صفحة 108
11
[الأدلة الفاسدة]
(والتنصيص) على الشيء باسم يدل على الذات دون الصفة، سواء كان علماً أو اسم جنس (لا يدل على التخصيص): أي تخصيص الحكم بذلك الشيء.
وقال بعض العلماء (من الأشاعرة والحنابلة وأبو بكر الدقاق: يدل على التخصيص بذلك الشيء ونفي الحكم عمّا عداه.
الجزء 1 · صفحة 109
11
لنا: إنه يلزم الكفر بقوله محمد رسول الله على قولهم؛ لاقتضائه نفي رسالة سائر الرسل.
قالوا: لولا التخصيص لم يفد التنصيص.
وأجيب: بأن فائدته إفهام مقصود الكلام.
(والمطلق): وهو ما دل على بعض أفراد شائع لا قيد معه نحو: رقبة، (لا يحمل على المقيد): وهو الدالّ على مدلول المطلق بصفة زائدة: أي: لا يقيد بقيده عندنا، وإن كانا في حادثة واحدة، إذا كان الإطلاق والتقييد في سبب الحكم كقوله ?: ((أدّوا صاعاً من قمح بين اثنين أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، عن كلّ حرٍّ وعبدٍ، صغيرٍ أو كبيرٍ)) رواه عبد الرزاق وأبو داود من حديث عبد الله بن ثعلبة، وقول عبد الله بن عمر: (فرض رسول الله ? زكاة الفطر من رمضان، صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير، على العبد والحرِّ، والذكر والأنثى، والصغير والكبير، من المسلمين) متفق عليه، إذ سبب الفطرة رأس يمونه ويلي عليه،
الجزء 1 · صفحة 110
11
وإن كان الإطلاق والتقييد في المحكوم به في حادثتين نحو قوله تعالى في كفارة الظهار: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ}، وفي كفارة القتل: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ}، فلا يحمل.
وإن كان في حادثة واحدة يحمل ضرورة، نحو صوم كفارة اليمين، أطلق في القراءة المتواترة، وقيّد بالتتابع في القراءة المشهورة، وهي قراءة عبد الله بن مسعود كما رواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق من طرق.
وإنما لا يحمل المطلق على المقيد في غير الصورة التي ذكرنا؛ لإمكان العمل بهما، وكل ما أمكن إعمال الدليلين وجب.
(والقِران في النظم): أي الجمع بين كلامين بحرف العطف، نحو قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} (لا يوجب القِران في الحكم) عندنا.
وقال بعضهم: يوجب ذلك، فلا تجب الزكاة على من لا تجب عليه الصلاة بسبب ذلك؛ لأن العطف موجب الاشتراك.
الجزء 1 · صفحة 111
11
ولنا: إن الشركة للافتقار لا للعطف بدليل قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِين مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ} الآية.
الجزء 1 · صفحة 112
11
[فصل: في العزيمة والرخصة]
(المشروعات): وهي ما جعله الله تعالى شريعة لعباده: أي طريقة يسلكونها في الدين (نوعان:
أحدهما: عزيمة) من العزم، وهو القصد المؤكد، وعرف بأنه: ما ثبت ابتداء بإثبات الشارع حقاً له.
(وهي): أي ما يسمّى عزيمة (أربعة أنواع هي أصول الشرع): أي المشروع (الشريف):
(الفرض
(فرض وهو: ما) أي شيء مشروع (ثبت بدليل قطعي) أي مقطوع به، فخرج خبر الواحد
الجزء 1 · صفحة 113
12
(لا شبهة فيه) أي في دلالته، فتخرج الآية المؤولة والعام المخصوص.
قيل: هذا التعريف ليس بمانع لشموله بعض المباحات والنوافل الثابتين بدليل قطعي لا شبهة فيه، نحو قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ}، فالصواب: أنه ما قطع بلزومه.
قلت: إذا أريد بالثبوت اللزوم فلا إيراد كالأركان الخمسة التي بني الإسلام عليها.
(وحكمه): أي حكم الفرض (اللزوم تصديقاً): أي إذعاناً (بالقلب، فيُكْفر) بسكون الكاف: أي فينسب إلى الكفر (جاحده): أي منكر لزومه (وعملاً بالبدن) عطف على تصديقاً أي: وحكمه لزوم عمل المفروض بالبدن (فيفسق): أي ينسب إلى الفسق، وهو هنا الخروج عن طاعة الله ((تاركه بغير عذر) من إكراه أو مرض ونحوهما.
(الواجب
(وواجب) من وجب بمعنى سقط لسقوط لزومه على المكلف (وهو ما ثبت بدليل) ظنّي (فيه شبهة) كصدقة الفطر والأضحية ثبتا بخبر الواحد وهو دليل فيه شبهة،
الجزء 1 · صفحة 114
12
والأخصر: ما ظن لزومه.
(وحكمه: اللزوم عملاً بمنزلة الفرض): أي تجب إقامته بالبدن كإقامة الفرض للدلائل الدالة على وجوب اتباع الظن.
الجزء 1 · صفحة 115
12
(السنة
(وسنة: وهي الطريقة المسلوكة في الدين) التي يطالب المكلف بإقامتها من غير افتراض ولا وجوب، فخرج النفل؛ لأنه لا يطالب بإقامته، وخرج الواجب والفرض.
وأهمل المصنف هذه القيود اعتمادا على ما ذكر في حكمها وهو قوله
وحكمها: المطالبة بإقامتها من غير افتراض ولا وجوب.
الجزء 1 · صفحة 116
12
( ... النقل
(ونفل: وهو ما زاد على العبادات): أي الفرائض والسنن المشهورة.
(وحكمه: إثابة فاعله ولا معاقبة على تاركه)، وتدخل السنة في هذا، فالأولى أنه ما يثاب على فعله فقط.
(ويلزم) النفل (بالشروع) فيه حتى يجب المضي فيه، ويعاقب على تركه لقوله تعالى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}، فإذا وجب الإتمام لزم القضاء بالإفساد (والتطوع مثله): أي مثل النفل.
قال شيخنا: ولا يظهر لي أنه غيره.
(ومباح: وهو ما ليس لفعله ثواب، ولا لتركه عقاب).
[الرخصة]
(ورخصة): أي والثاني أو والآخر رخصة، وكان الأولى التصريح، بهذا قال شيخنا (وهي) أي الرخصة (ما) أي مشروع (تغير من عسر ليسر بعذر).
قالوا: وهي أربعة أنواع: نوعان من الحقيقة، ونوعان من المجاز:
الجزء 1 · صفحة 117
12
1 - ما يستباح أي يعامل معاملة المباح مع قيام سبب الحرمة وحكمها، كالمكره على الفطر في رمضان، يرخص له في الإفطار مع قيام دليل الحكم وهو شهود الشهر وقيام حرمة الفطر.
2 - وما يستباح مع قيام السبب الموجب وتراخي الحكم: كفطر المسافر والمريض في رمضان، الأخذ بالعزيمة في هذين أولى.
3 - وما وضع عنا من الإصر والأغلال التي كانت على من قبلنا.
4 - وما سقط عن العباد مع كونه مشروعاً في الجملة، كقصر الصلاة في السفر.
فتبيّن أن التعريف غير جامع.
الجزء 1 · صفحة 118
12
[فصل في أسباب الأحكام]
(والأحكام المشروعة بالأمر)، بقوله: (والنهي): أي المنهي عنها: أي لوجوبها الخبري؛ لأنه هو الذي له السبب، المراد بالأحكام المحكوم بها من العبادات (بأقسامها) من الأمر المؤقت والمطلق ونحوهما، والنهي عن الأمور الشرعية والحسية ونحوهما (أسباب)، وهي هنا بمعنى العلل، جعلها الشرع مناطاً للأحكام تيسيراً لإدراك الحكم الغائب عن العباد.
(فسبب وجوب الإيمان): أي سبب وجوب الجبري التصديق والإقرار (حدوث العالم الذي هو) أي العالم (علم على وجود الصانع؛ لأن الحدوث يقتضي مُحْدِثاً، ولا بدّ أن يكون موجباً لذاته كما عرف في موضعه.
(وسبب الصلاة): أي وجوبها (الوقت) بإضافتها إليه، والإضافة تقتضي الاختصاص، وأقوى وجوهه بالسببية.
(والزكاة): أي وسبب وجوب الزكاة (ملك المال)، وهو النصاب
الجزء 1 · صفحة 119
12
المغني النامي الفاضل عن الحاجة الأصلية؛ لإضافاتها إليه في قوله ?: ((فأدّوا زكاة أموالكم)) رواه أبو داود، ومن حديث [ابن عمر ?] ومن حديث علي ? ونحوه.
(والصوم) أي وسبب وجوب الصوم (أيام رمضان) للإضافة.
(وزكاة الفطر):أي وسبب وجوب زكاة الفطر (رأس يمونه): أي يقوم بكفايته (ويلي عليه)؛ لقوله ? في صدقة الفطر: ((عن الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون))، رواه الدارقطنيّ من حديث ابن عمر ?، ومن حديث علي ?.
(والحج): أي وسبب وجوب الحج (بيت الله تعالى) لإضافته إليه في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}.
(والعشر): أي وسبب وجوب العشر (الخراج الأرض النامية تحقيقاً أو تقديراً): أي تحقيقاً في العشر بحقيقة الخارج، وتقديراً في الخراج بالتمكن من الزراعة، بدلالة الإضافة فيقال: عشّر الأرض وخراج الأرض
الجزء 1 · صفحة 120
12
والعشر مؤنة فيها معنى العبادة؛ لأنه يصرف إلى الفقراء ولم يجز التعجيل قبل الخارج لعدم تمام السبب، والخراج عقوبة فيها معنى المؤنة؛ ولهذا ابتدأ بالكافر.
(والطهارة): أي وسبب وجوب الطهارة (الصلاة) يقال: طهارة الصلاة.
(و) سبب مشروعية (المعاملات) توقف بقاء (العالم) إلى يوم القيامة على مباشرتها.
(و) أسباب (العقوبات ما نسبت إليه) من قتل وزنا وسرقة.
(و) سبب (الكفارات أمرٌ دائرٌ بين الحظر والإباحة) بأن يكون مباحاً من وجه ومحظوراً من وجه: كالقتل الخطأ، فإنه من حيث الصورة رمي إلى الصيد، وهو مباح، وباعتبار ترك التثبت حتى أصاب آدمياً، هو محظور. والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 121
12
(باب بيان أقسام السنة)
(السُّنة: هي المروية عن رسول الله ? قولاً وفعلاً).
وهذا غير جامع لخروج التقرير، وغير مانع لشمول القرآن.
وإصلاحه: بأنها المروي عن رسول الله ? قولاً أو فعلاً أو تقريراً.
وهي تشترك مع الكتاب في الأقسام المتقدمة، ويختصّ هذا الباب بكيفية اتصالها بنا، وحال نقلها إلينا، ومتعلقات ذلك، فلذلك قال:
(وبيان وجوه) أي طرق (اتصالها بنا أقسام) أربعة بالاستقراء:
(منها المتواتر) وهو لغة المتتابع (وهو الكامل) لعدم الشبهة، وفي العرف: هو (الذي رواه قوم لا يحصى عددهم ولا يتوهم) عادة (تواطؤهم): أي توافقهم (على الكذب).
وفيه خلل لفوته ذكر دوام هذا في الطرفين والوسط، ولأنَّ عدم الإحصاء ليس بشرط بل الكثرة.