الجزء 1 · صفحة 7
المنار في أصول الفقه
لأبي البركات عبد الله النسفي الحنفي
توفي سنة (710هـ)
اعتنى به وصححه:
الدكتور صلاح أبو الحاج
الطبعة الرقمية: الأولى.
تاريخ الطبع: 1441 هـ ـ 2020 هـ.
الناشر: مركز أنوار العلماء التابع لرابطة علماء الحنفية العالمية.
[الترقيم موافق للمطبوع]
الجزء 1 · صفحة 9
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي هدانا إلى الصِّراط المستقيم، والصّلاة على مَن اختصّ بالخلق العظيم، وعلى آله الذين قاموا بنصرة الدين القويم.
اعلم أَنّ أُصول الشرع ثلاثة: الكتاب والسُّنة وإجماع الأُمّة، والأصلُ الرَّابع القياس.
أمّا الكتاب: فالقرآنُ المُنَزَّلُ على الرُّسول المُكتوب في المصاحف المنقول عنه - صلى الله عليه وسلم - نقلاً متواتراً بلا شبهة، وهو اسم للنَّظم والمعنى.
وإنّما تُعْرَفُ أَحكام الشرع بمعرفة أَقسامها وذلك أربعة:
الأوّل في وجوه النَّظم صيغة ولغة، وهي أربعة: الخاصُّ والعامُّ والمشترك والمؤول.
والثَّاني: في وجوهِ البيان بذلك النظم، وهي أربعة أيضاً: الظَّاهر والنصّ والمُفَسَّر والمُحْكَم، ولهذه الأربعة أربعةٌ أُخرى تقابلُها: وهي الخفي والمشكل والمجمل والمتشابه.
والثَّالث في وجوه استعمال ذلك النّظم، وهي أربعة أيضاً: الحقيقةُ والمجازُ والصريحُ والكناية.
والرَّابع في معرفة وجوه الوقوف على المراد وهي أربعة أيضاً: الاستدلال بعبارة النصّ وبإشارته وبدلالته وباقتضائه.
وبعد معرفةِ هذه الأَقسام قسمٌ خامسٌ يَشْمَلُ الكلّ وهو أَربعةٌ أَيضاً معرفةِ مواضعِها وترتيبِها ومعانيها وأَحكامها.
أَمّا الخاصّ فكلُّ لفظ وُضِع لمعنى واحد معلوم على الانفراد: وهو إمّا أن يكون خصوص الجنس أو خصوص النوع أو خصوص العين: كإنسان ورجل وزيد.
وحكمُه: أن يتناولَ المخصوص قَطْعاً، ولا يحتمل البيان؛ لكونه بيّناً فلا يجوز إلحاق التعديل بأَمر الرُّكوع والسُّجود على سبيل الفرض.
الجزء 1 · صفحة 10
وبطل شرطُ الوِلاء والتَّرتيب والتَّسمية والنّية في آية الوضوء، والطَّهارة في آية الطواف، والتأويلُ بالأطهار في آية التربص، ومُحَلِلية الزوج الثَّاني بحديث: ((العسيلة))، لا بقوله - جل جلاله -: {حتى تنكح زوجاً غيره}، وبطلان العصمة عن المسروق بقوله - جل جلاله -: {جزاء} لا بقوله: {فاقطعوا}.
ولذلك صَحَّ إيقاعُ الطَّلاقُ بعد الخلع، ووجب مهرُ المثل بنفسِ العقد في المفوَّضة، وكان المهرُ مُقَدَّراً شرعاً غيرَ مُضاف إلى العبد عملاً بقوله - جل جلاله -: {فإن طَلَّقها فلا تَحِلُّ له من بعد} و {أن تبتغوا بأَموالكم} و {قد علمنا ما فرضنا عليهم}.
ومنه: الأمر، وهو قولٌ القائل لغيرِه على سبيلِ الاستعلاءِ افعل، ويَخْتَصُّ مرادُه بصيغةٍ لازمة حتى لا يكون الفعل موجباً، خلافاً لبعض أَصحاب الشافعي - رضي الله عنه -؛ للمنع عن الوِصال وخلعِ النِّعال.
والوجوب اسْتُفِيدَ بقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((صَلُّوا كما رأيتموني أُصلي)) لا بالفعل، وسُمِي الفعلُ به؛ لأنه سببُه.
وموجبُه: الوجوب لا الندب والإباحة والتوقف سواء كان بعد الحظر أو قبلها؛ لانتفاء الخيرة عن المأمور بالأمر بالنص واستحقاق الوعيد لتاركه ولدلالة الإجماع والمعقول.
وإذا أُريد به الإباحة والنَّدب فقيل: أنه حقيقة؛ لأنه بعضُه، وقيل: لا؛ لأنه جاز أصلُه.
ولا يقتضي التِّكرار ولا يحتملُه سواء كان مُعَلَّقاً بالشرطِ أو مخصوصاً بالوصف أو لم يكن.
لكنّه يقع على أَقلّ جنسه ويحتمل كلّه، حتى إذا قال لها: طلقِّي نفسك أنه يقع على الواحدة إلا أن ينوي الثلاث، ولا تعمل نيّة الثنتين إلا أن يكون المرأة أَمة؛ لأنّ صيغة الأمر مختصرة من طلب الفعل بالمصدر الذي هو فرد، ومعنى التوحد مراعى في ألفاظ الوحدان، وذلك بالفردية والجنسية، والمثنى بمعزل منهما.
وما تكرَّرَ من العبادات فبأسبابها لا بالأوامر.
الجزء 1 · صفحة 11
وعند الشافعيّ - رضي الله عنه - لَمَّا احتمل التِّكرار تملك أن تُطَلِّقَ نفسَها ثنتين إذا نوى الزوج بهما.
وكذا اسم الفاعل يَدُلُّ على المصدر، ولا يحتمل العدد حتى لا يراد بآية السَّرقة إلاّ سرقة واحدة، وبالفعل الواحد لا تقطع إلاّ يدٌ واحدة.
وحكمُ الأمر نوعان:
1.أداء: وهو تسليمُ عين الواجب بالأمر.
2.وقضاء: وهو تسليم مثل الواجب به.
ويُسْتَعْمَلُ أَحدُهما مكان الآخر مجازاً حتى يجوز الأداء بنيّة القضاء، وبالعكس في الصحيح؛ لوجود تسليم الواجب فيهما.
والقضاءُ يَجِب بما يَجِب به الأَداء عن المحقِّقين خلافاً للبعض.
وفيما إذا نَذَرَ أَن يَعْتَكِفَ شهرَ رَمضان فصام ولم يعتكف إنّما وَجَبَ القضاء بصوم مقصود لعودِ شرطه إلى الكمال لا لأنّ القضاء وجب بسبب آخر.
والأداءُ أَنواع:
كاملٌ وقاصرٌ وما هو شبيه بالقضاء: كالصَّلاة بجماعةٍ، والصلاةِ منفرداً (ص 3)، وفعل اللاحق بعد فراغ الإمام حتى لا يَتَغَيَّرُ فرضُه بنيّة الإقامة.
ومنها: رَدُّ عينِ المغصوب، وردُّه مشغولاً بالجناية، وإمهار عبد غيره وتسليمه بعد الشّراء حتى تجبر على القبول وينفذ إعتاقه دون إعتاقها.
والقضاءُ أَنواعٌ أيضاً:
بمثل معقول، وبمثل غير معقول، وما هو في معنى الأداء: كالصوم للصوم، والفدية له، وقضاء تكبيرات العيد في الرُّكوع.
ووجوب الفدية في الصّلاة للاحتياط كالتصدُّق بالقيمة عند فوات أيّام التضحية.
ومنها: ضمانُ المغصوب بالمثل وهو السابق، أو بالقيمة، وضمان النَّفس والأطراف بالمال، وأَداء القيمة فيما إذا تزوَّج على عبدٍ بغيرِ عينِه حتى تَجْبَرَ على القَبول كما لو أَتاها بالمُسَمَّى.
وعن هذا قال أبو حنيفة - رضي الله عنه - في القطع ثمّ القتل عمداً للوليِّ فعلُهما وخالفاه في الأَول.
ولا يضمن المثلي بالقيمة إلاّ يوم الخصومة، وقلنا: المنافعُ لا تُضْمَنُ بالإتلاف.
والقصاصُ لا يضمن بقتل القاتل.
الجزء 1 · صفحة 12
وملك النِّكاح لا يُضْمَنُ بالشَّهادةِ بالطَّلاق بعد الدُّخول.
ولا بُدّ للمأمور به من صفة الحسن ضرورة أن الآمر حكيمٌ، وهو إمّا أن يكون:
1.لعينه، وهو إمّا أن لا يقبل السُّقوط أو يقبله أو يكون ملحقاً بهذا القسم لكنّه مشابه لما حَسن لمعنى في غيرِه كالتصديق والصّلاة والزّكاة.
2.أو لغيره: وهو إمّا أن لا يتأدى بنفس المأمور به أو يتأدّى أو يكون حسناً لحسن في شرطه بعد ما كان حسناً لمعنى في نفسه أو ملحقاً به كالوضوء، والجهاد.
والقدرة التي يتمكَّن بها العبد من أداء ما لزمه وهي نوعان:
1.مطلق: وهو أدنى ما يتمكن به المأمور من أداء ما لزمه، وهو شرط في آداء كلّ أمر، والشرط توهمه لا حقيقته حتى إذا بلغ الصبي أو أسلم الكافر أو طهرت الحائض في آخر الوقت لزمه الصّلاة؛ لتوهم الامتداد في آخر الوقت بتوقف الشمس.
2.وكامل: وهو القدرة الميسرة للأداء ودوام هذه القدرة شرط لدوام الواجب حتى تبطل الزكاة والعشر والخراج بهلاك المال، بخلاف الأُولى حتى لا يسقط الحجّ وصدقة الفطر بهلاك المال.
وهل تثبت به صفة الجواز للمأمور به إذا أتى به، قال بعض المتكلمين: لا، والصحيح عند الفقهاء أنها تثبت به صفة الجواز وانتفاء الكراهة.
وإذا عدمت صفة الوجوب للمأمور به لا تبقى صفة الجواز عندنا خلافاً للشافعي - رضي الله عنه -.
والأمر نوعان:
1.مطلق عن الوقت: كالزّكاة وصدقة الفطر، وهو على التراخي خلافاً للكرخيّ؛ لئلا يعود على موضوعه بالنقص.
2.ومقيد به: وهو
إمّا أن يكون الوقتُ ظرفاً للمؤدّى، وشرطاً للأداء، وسبباً للوجوب كوقت الصلاة.
وهو إمّا أن يُضاف إلى الجزء الأوّل أو إلى ما يلي ابتداء الشروع أو إلى الجزء الناقص عند ضيق الوقت أو إلى الجملة؛ فلهذا لا يتأدّى عصر أَمسه في الوقت (ص4) الناقص، بخلاف عصر يومه.
ومن حكمه اشتراط نيّة التعيين، ولا يسقط بضيق الوقت، ولا يتعيّن بالتعيين إلا بالأداء كالحانث.
الجزء 1 · صفحة 13
أو يكون معياراً له وسبباً لوجوبه كشهر رمضان فيصير غيرُه منفياً، ولا يشترط نيّة التعيين، فيصاب بمطلق الاسم ومع الخطأ في الوصف إلاّ في المسافر ينوي واجباً آخر عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - بخلاف المريض، وفي النفل عنه روايتان.
أو يكون معياراً لا سبباً كقضاء رمضان، فيشترط فيه نيّة التعيين، ولا يحتمل الفوات بخلاف الأوليين.
أو يكون مشكلاً يشبه المعيار والظرف كالحجّ، ويتعيّن أشهر الحجّ من العام الأول عند أبي يوسف - رضي الله عنه - خلافاً لمحمّد - رضي الله عنه -، ويتأدّى بإطلاق النيّة لا بنيّة النفل.
والكفار يخاطبون بالأمر بالإيمان وبالمشروع من العقوبات وبالمعاملات وبالشرائع في حكم المؤاخذة في الآخرة بلا خلاف، وأمّا في وجوبِ الأداءِ في أحكام الدنيا فكذلك عند البعض، والصحيح أنهم لا يخاطبون بأداء ما يحتمل السقوط من العبادات.
ومنه النهي: وهو قول القائل لغيره على سبيل الاستعلاء: لا تفعل، وأنّه يقتضي صفة القبح للمنهي عنه ضرورة حكمة الناهي.
وإمّا أن يكون قبيحاً لعينه وذلك نوعان: وضعاً وشرعاً.
أو لغيره وذلك نوعان: وصفاً ومجاوراً كالكفر، وبيع الحر، وصوم يوم النحر، والبيع وقت النداء.
والنهي عن الأفعال الحسيّة يقع على القسم الأول.
وعن الأمور الشرعيّة على الذي اتصل به وصفاً؛ لأنّ القبحَ يثبت اقتضاء فلا يتحقَّق على وجه يبطل به المقتضى وهو النهي؛ ولهذا كان الربا وسائر البيوع الفاسدة وصوم يوم النحر مشروعاً بأصله غير مشروع بوصفه؛ لتعلُّق النهي بالوصف لا بالأصل، والنهي عن بيعِ الحرِّ والمضامين والملاقيح ونكاح المحارم مجاز عن النفي فكان نسخاً لعدم محلّه.
الجزء 1 · صفحة 14
وقال الشافعيّ - رضي الله عنه - في البابين ينصرف إلى القسم الأوّل قولاً بكمال القبح كما قلنا في الحسن في الأمر؛ لأن النهي في اقتضاء القبح حقيقة كالأمر في اقتضاء الحسن؛ ولأنّ المنهي عنه معصية فلا يكون مشروعاً لما بينهما من التضاد؛ ولهذا قال الشافعي - رضي الله عنه -: لا تثبت حرمة المصاهرة بالزِّنا ولا يفيد الغَصب الملك، ولا يكون سفر المعصية سبباً للرُّخصة ولا يملك الكافر مال المسلم بالاستيلاء.
وأمّا العامُّ فما يتناول أَفراداً متفقة الحدود على سبيل الشمول، وأنّه يوجب الحكم فيما يتناوله قطعاً حتى يجوز نسخ الخاصّ به: كحديث العرنيين نُسِخ بقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((استنزهوا عن البول)).
وإذا أوصى بالخاتم لإنسان ثمّ بالفصّ منه لآخر أن الحلقة للأوّل والفَصُّ بينهما نصفان.
ولا يجوز تخصيص قوله - جل جلاله -: {ولا تأكلوا ممَّا لم يذكر اسم (ص5) الله عليه} {ومَن دخله كان آمنا} بالقياس وخبر الواحد؛ لأنهما ليسا بمخصوصين.
فإن لحقه خصوص معلوم أو مجهول لا يبقى قطعيّاً، لكنّه لا يسقط الاحتجاج به عملاً بشبهة الاستثناء والنسخ فصار كما إذا باع عبدين بألف على أنه بالخيار في أحدِهما بعينه وسمّى ثمنه.
وقيل: أنه يسقط الاحتجاج به كالاستثناء المجهول؛ لأنّ كلَّ واحد منهما لبيان أنّه لم يدخل فصار كالبيع المضاف إلى حُرٍّ وعبد بثمن واحد.
وقيل: يبقى كما كان اعتباراً بالناسخ؛ لأنّ كلّ واحد منهما مستقلٌّ بنفسِهِ بخلاف الاستثناء فصار كما إذا باع عبدين وهلك أحدهما قبل التسليم.
والعموم إما أن يكون بالصيغة والمعنى أو بالمعنى لا غير كرجال وقوم، ومَن وما يحتملان العموم والخصوص، والأصل فيهما العموم، ومَن في ذوات مَن يعقل كما في ذوات ما لا يعقل، فإذا قال: مَن شاء من عبيدي العتق فهو حُرّ فشاؤوا عتقوا جميعاً، وإن قال لأمته: إن كان ما في بطنك غلاماً فأنت حرّة فولدت غلاماً وجارية لم تعتق.
الجزء 1 · صفحة 15
وما يجيء بمعنى: من، وتدخل: ما في صفات مَن يعقل أَيضاً.
وكلُّ للإحاطةِ على سبيلِ الإفراد، وهي تصحبُ الأسماء فتعمُّها، فإن دَخَلَت على المنكّر أَوجبت عموم أفراده، وإن دخلت على المعرّف أَوجبت عموم أَجزائه، حتى فرّقوا بين قولهم: كلّ رمان مأكول، وكلُّ الرُّمان مأكول بالصدق والكذب.
فإذا وُصِلَت بما أوجبت عموم الأفعال، ويثبت عموم الأسماء فيه ضمناً كعموم الأَفعال في كلّ.
وكلمة الجميع توجب عموم الاجتماع دون الانفراد، حتى إذا قال: جميع من دخل هذا الحصن أوّلاً فله من النفل كذا فدخل عشرة معاً أن لهم نفلاً واحداً بينهم جميعاً.
وفي كلمة: كل؛ يجب لكلّ رجل منهم النفل.
وفي كلمة: مَن؛ يبطل النفل.
والنكرة في موضع النفي تعم، وفي الاثبات تخصّ، لكنّها مطلقة، وعند الشافعي - رضي الله عنه - تعمّ حتى قال: بعموم الرقبة المذكورة في الظهار.
وإذا وصفت بصفة عامّة تعمّ: كقوله: والله لا أكلم أحداً إلا رجلاً كوفياً، والله لا أقربكما إلا يوماً أقربكما فيه؛ ولهذا قال علماؤنا: إذا قال أيُّ عبيدي ضربك فهو حَرّ فضربوه أنّهم يعتقون.
وكذا إذا دخلت لام المعرفة فيما لا يحتمل التعريف، بمعنى العهد أَوجبت العموم، حتى يسقط اعتبار الجمعية إذا دَخَلَت على الجمع عملاً بالدليلين، فيحنث بتزوّج امرأة إذا حَلَفَ لا يتزوّج النّساء.
والنَّكرةُ إذا أُعيدت معرفةً كانت الثانية عين الأُولى وإذا أُعيدت نكرةً كانت الثانية غير الأولى.
وما ينتهي إليه الخصوص نوعان: الواحد فيما هو فرد بصيغة أو ملحق به كالمرأة (ص6) والنساء والثلاثة فيما كان جمعاً صيغة ومعنى؛ لأن أَدنى الجمع ثلثة بإجماع أهل اللغة.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((الاثنان وما فوقهما جماعة)) محمول على المواريث والوصايا أو على سنة تقدّم الإمام.
وأَمّا المشتركُ فما يتناول أَفراداً مختلفة الحدود على سبيل البدل كالقرءِ للحيض والطهر.
الجزء 1 · صفحة 16
وحكمُه: التوقف فيه بشرط التأمل ليترجّح بعضِ وجوهه للعمل به، ولا عموم له.
وأمّا المؤول فما رَجُحَ من المشترك بعض وجوهه بغالب الرأي، وحكمُه العمل به على احتمال الغلط.
وأمّا الظّاهر فاسم لكلام ظَهَرَ المراد به للسَّامع بصيغتِه، وحكمُهُ وجوبُ العمل بالذي ظَهَرَ منه.
وأمّا النصُّ فما ازداد وضوحاً على الظّاهر بمعنى من المتكلِّم لا في نفسِ الصيغة، وحكمُهُ: وجوب العمل بما وضح على احتمال تأويل هو في حيز المجاز.
وأمّا المُفَسَّر فما ازداد وضوحاً على النصّ على وجه لا يبقى معه احتمال التأويل، وحكمُهُ: وجوبُ العمل به على احتمال النسخ.
وأمّا المُحْكَم فما أُحكم المرادُ به عن احتمال النسخ والتبديل، وحكمُهُ: وجوبُ العمل به من غير احتمال: كقوله - جل جلاله -: {وأَحل الله البيع وحرم الربا}، {فسجد الملائكة كلُّهم أجمعون}، {إن الله بكل شيء عليم}.
ويظهر التفاوت عند التعارض ليصير الأدنى متروكاً بالأَعلى حتى قلنا: أنّه إذا تزوَّج امرأةً إلى شهر أنه متعة لا نكاح.
وأَمّا الخَفِي فما خَفِي مرادُه بعارض غير الصيغة لا يُنال إلاّ بالطلب، وحكمه: النظرُ فيه ليعلم أنّ اختفائه لمزيّة أو لنقصان، فيظهر المرادُ به كآية السرقة في حَقّ الطَّرَّار والنباش.
وأَمّا المشكلُ فهو الداخل في إشكاله، وحكمه: اعتقاد الحقية فيما هو المراد ثم الإقبال على الطلب والتأمّل فيه إلى أن يَتَبَيَّن المراد.
وأَمّا المجمل فما ازدحمت فيه المعاني واشتبه المراد اشتباهاً لا يدركُ بنفس العبارة بل بالرُّجوع إلى الاستفسار، ثمّ الطلب ثمّ التأمّل، وحكمُه اعتقاد الحقيّة فيما هو المراد والتوقُّف فيه إلى أن يتبيَّن ببيان المجمل كالصلاة والزكاة.
وأمّا المتشابه فهو اسم لما انقطع رجاء معرفة المراد منه، وحكمُه اعتقاد الحقية قبل الإصابة، وهذا كالمقطعات في أَوائل السور.
الجزء 1 · صفحة 17
وأمّا الحقيقةُ فاسم لكلِّ لفظ أُريد به ما وُضِع له، وحكمُها: وجودُ ما وُضِع له خاصّاً كان أو عامّاً.
وأمّا المجاز فاسم لما أُريد به غير ما وضع له؛ لمناسبة بينهما، وحكمُه: وجود ما استعير له خاصّاً كان أو عامّا.
وقال الشافعيّ - رضي الله عنه -: لا عموم للمجاز؛ لأنه ضروريّ، وإنا نقول أنّ عمومَ الحقيقة لم يكن لكونه حقيقة بل لدلالة زائدة على ذلك، وكيف يقال: أنه ضروريّ وقد كَثُرَ في كتاب الله - جل جلاله -؛ ولهذا جعلنا لفظة الصاع في حديث ابن عمر - رضي الله عنهم - عاماً فيما يحلُّه.
والحقيقةُ لا تَسْقُطُ عن المُسمّى بخلاف المجاز، ومتى أَمكن العمل بها سَقَطَ (ص7) المجاز، فيكون العقد لما ينعقد دون العزم، والنكاح للوطء دون العقد.
ويستحيل اجتماعهما مرادين بلفظ واحد كما استحال أن يكون الثوب الواحد على اللابس ملكاً وعارية في زمان واحد حتى أنّ الوصيةَ للموالي لا يتناول موالي الموالي، وإذا كان له معتق واحد يستحقُّ النصف، ولا يُلْحَقُ غيرُ الخمر بالخمر، ولا يراد بنو بنية بالوصية لأبنائه، ولا يُراد المسّ باليد في قوله - جل جلاله -: {أو لامستم النساء}؛ لأنّ الحقيقةَ فيما سوى الأخير مراده، والمجاز فيه مراد فلم يبق الآخر مراداً.
وفي الاستئمان على الأبناء والموالي يدخل الفروع؛ لأنّ ظاهرَ الاسم صار شبهة في حَقْنِ الدم، بخلاف الاستئمان على الآباء والأُمّهات حيث لا يدخل الأجداد والجدّات؛ لأنّ هذا بطريق التبعيّة فيليق بالفروع دون الأصول.
وإنّما يقع على الملك والإجارة، والدخول حافياً ومتنعلاً فيما إذا حلف لا يضع قدمه في دار فلان باعتبار عموم المجاز وهو الدُّخول ونسبة السكنى.
الجزء 1 · صفحة 18
وإنّما يحنث إذا قَدِم ليلاً أو نهاراً، ففي قوله: عبدُه حُرّ يوم يقدم فلان؛ لأنّ المرادَ باليوم الوقت، وهو عام وإنّما أُريد النذر واليمين إذا قال: لله عليّ صوم رَجَب ونوى به اليمين؛ لأنه نذرٌ بصيغةٍ موجبة، فهو كشراءِ القريب، فإنّه تملُّك بصيغته تحريرٌ بموجبه.
وطريق الاستعارة الاتصال بين الشيئين صورة أو معنى، كما في تسمية الشجاع أَسد أو المطر سماء.
وفي الشرعيات الاتصال من حيث السببية والتعليل نظير الصورة، والاتصال في المعنى المشروع كيف شُرِع نظير المعنى، والأوّلُ على نوعين:
أحدهما: اتصال الحكم بالعلّة كاتصال الملك بالشراء، وأنّه يوجب الاستعارة من الطرفين حتى إذا قال: إن اشتريت عبداً فهو حُرّ، ونوى به الملك، أو قال: إن ملكت ونوى به الشراء يصدق فيهما ديانة.
والثاني: اتصال المسبب بالسبب كاتصال زوال ملك المتعة بزوال ملك الرقبة، فيصحّ استعارة السبب للحكم دون عكسه.
وإذا كانت الحقيقةُ متعذِّرة أو مهجورةٌ صير إلى المجاز بالإجماع، كما إذا حلف لا يأكل من هذه النخلة أو لا يضع قدمه في دار فلان والمهجور شرعاً كالمهجور عادةً حتى ينصرف التوكيل بالخصومة إلى الجواب مطلقاً.
وإذا حلف لا يُكلِّم هذا الصبيّ لم يتقيّد بزمان صباه.
وإذا كانت الحقيقة مستعملة فهي أولى عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - خلافاً لهما كما إذا حلف لا يأكل من هذه الحنطة أو لا يشرب من هذا الفرات، وهذا بناء على أنّ الخَلفيةَ في التكلُّم عنده وعندهما في الحكم.
ويظهر الخلاف في قوله لعبده ـ وهو أكبر سناً منه ـ: هذا ابني.
وقد يتعذَّر الحقيقة والمجاز معاً إذا كان الحكم ممتنعاً كما في قوله: لامرأته هذه بنتي، وهي معروفة النسب وتولد لمثله أو أَكبر سناً منه، حتى (ص 8) لا يقع الحرمة بذلك أبداً.
الجزء 1 · صفحة 19
والحقيقة تترك بدلالة العادة كالنذر بالصلاة والحجّ بدلالة اللفظ في نفسه، كما إذا حلف لا يأكل لحماً، وقوله: كلُّ مملوك لي حُرّ، وعكسُه الحلف بأكل الفاكهة وبدلالة سياق النظم كقوله: طلِّق امرأتي إن كنت رجلاً، وبدلالة معنى يرجع إلى المتكلِّم كما في يمين الفور، وبدلالة في محلّ الكلام كقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إنّما الأعمال بالنيات))، و ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)).
والتحريم المضاف إلى الأعيان كالمحارم والخمر حقيقة عندنا خلافاً للبعض.
ويتصل بما ذكرنا حروف المعاني:
فالواو لمطلق العطف من غير تعرض لمقارنة ولا ترتيب، وفي قوله لغير الموطوءة إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق وطالق، إنّما تطلق واحدة عند أبي حنيفة؛ لأنّ موجب هذا الكلام الافتراق فلا يتغيّر بالواو.
وقالا: موجب الاجتماع فلا يتغير بالواو.
وإذا قال لغير الموطوءة: أنت طالق وطالق وطالق إنّما تبين بواحدة؛ لأنّ الأوّل وقع قبل التكلّم بالثاني فسقطت ولايته؛ لفوات محلّ التصرفّ.
الجزء 1 · صفحة 20
***وإذا زوّج أَمتين من رجل بغير إذن موليهما وبغير إذن الزوج ثم قال المولى هذه حره وهذه متصلاً إنما بطل نكاح الثانية لأن عتق الأولى يبطل محلية الوقف في حق الثانية فيبطل الثاني قبل التكلم بعتقها وإذا زوج رجلا أختين في عقدين بغير إذن الزوج فبلغه فقال أجزت نكاح هذه وهذه بطلا كما إذا أجازهما معا وإنأجازهما متفرقا بطل الثاني لأن صدر الكلام يتوقف على آخره إذا كان في آخره ما يغير أوله كما في الشرط والاستثناء وقد تكون الواو للحال كقوله لعبده أدّ إلى ألفا وأنت حر حتى لا يعتق إلا بالأداء وقد تكون لعطف الجملة فلا تجب بها المشاركة في الخبر كقوله: هذه طالق ثلثا وهذه طالق وكذا في قولها طلقني ولك ألف حتى لا يجب شيء وقالا أنها للحال فيصير شرطا وبدلا فيجب الألف والفاء للوصل والتعقيب فيتراخى المعطوف عن المعطوف عليه بزمان وإن لطف فإذا فإذا قال إن دخلت هذه الدار فأنت طالق فالشرط أن تدخل الثانية بعد الأولى بلا تراخ وتستعمل في أحكام العلل كما إذا قال لآخر بعت منك هذا العبد بكذا وقال الآخرفهو حر أنه قبول للبيع وتدخل على العلل إذا كانت مما يدوم كقوله إد إلى ألفا فأنت حر أي لأنك حر فيعتق في الحال وتستعار بمعنى الواو في قوله له علي درهم فدرهم حتى لزمه درهمان وثم للتراخي بمنزلة ما لو سكت ثم استأنف وعندهما التراخي في الحكم مع الوصل في التكلم حتى إذا قال لغير المدخول بها أنت طالق ثم طالق ثم طالق إن دخلت الدار فعنده يقع الأول في الحال ويلغوا ما بعده ولو قدم الشرط تعلق الأول ووقع الثاني ولغا الثالث وقالا (ص 9) يتعلقن جميعا وينزلن على الترتيب وفي قوله عليه السلام فليكفر عن يمينه ثم ليأت بالذي هو خير استعير بمعنى الواو وعملا بالرواية الأخرى وإجراء للأمر على حقيقته وبل لإثبات ما بعده والأعراض عما قبله على سبيل التدارك فتطلق ثلثا إذا قال لأمراته الموطوءة أنت طالق واحدة بل ثنتين لأنه لم يملك إبطالالأول
الجزء 1 · صفحة 21
فتقعانبخلاف قولهله علي ألف درهم بل ألفانولكن للاستدراك بعد النفي خاصة غير أن العطف به إنما يصح عند اتساق الكلام وإلا فهو مستأنف كالامة إذا تزوجت بغير إذن موليها بمائة درهم فقال المولى لا أجيز النكاح ولكن أجيزه بمائة وخمسين إن هذا فسخ للنكاح وجعل لكن مبتدأ لان هذا نفى فعل وإثباته بعينه واو لأحد المذكورين وقوله هذا حر أو هذا كقوله أحدكما حر وهذا الكلام إنشاء يحتمل الخبر فأوجب التخيير على احتمال أنه بيان وجعل البيان إنشاء من وجه وإظهارا من وجه وإذا دخلت في الوكالة يصح بخلاف البيع والإجارة إلا ان يكون من له الخيار معلوما في اثنين أو ثلثة فيصح استحسانا وفي المهر كذلك عندهما إن صح التخييروفي النقدين يجب الأقل وعنده يجب مهر المثل وفي الكفارات يجب أحد الأشياءعندنا خلافا للبعض وفي قوله تعالى: (أن يقتلوا أو يصلبوا) للتخييرعند مالك وعندنا بمعنى بل أي بل يصلبوا إذا اتفقت المحاربة بقتل النفس وأخذ المالبل تقطع أيديهم إذا أخذوا المال فقط بل ينفوا من الأرض إذا خوفوا الطريق، وقالا: إذا قال لعبده ودابته هذا حر وهذا إنه باطل لأنه اسم لأحدهما غير عين وذلك غير محل للعتق وعنده هو كذلك لكن على احتمال التعيين حتى لزمه التعيين في مسألة العبدين والعمل بالمحتمل أولى من الإهدار فجعل ما وضع لحقيقته مجازا عما يحتمله وإن استحالت حقيقته وهما ينكران الاستعارة عند استحالة الحكم وتستعار للعموم فتصير بمعنى واو العطف لا عينه وذلك إذا كانت في موضع النفي أو في موضع الإباحة كقوله والله لا أكلم فلانا أو فلانا حتى إذا كلمأحدهما يحنث ولو كلمهما لم يحنث إلا مرة ولو حلف لا يكلم أحدا إلا فلانا إلا فلانا أو فلانافله أن يكلمهما وتستعار بمعنى حتى أو إلا أن إذا فسد العطف لاختلاف الكلام ويحتمل ضرب الغاية كقوله تعالى: (ليس ذلك من الأمر من شيء أو يتوب عليهم) وحتى للغاية كإلى وتستعمل للعطف مع قيام معنى الغاية كقولهم استنت
الجزء 1 · صفحة 22
الفصال حتى القرعى ومواضعها في الأفعال أن تجعل غاية بمعنى إلى أة غاية هي جملة مبتدأة وعلامة الغاية أن يحتمل (ص 10) الصدر الامتداد وأن يصلح الآخر دلالة على الانتهاء فإن لم يستقم فللمجازاة بمعنى لام كي فإن تعذر هذا جعل مستعارا للعطف المحض وبطل معنى الغاية وعلى هذا مسائل الزيادات كان لم أضربك حتى تصيح وإن لم آتك حتى تغديني وإن لم آتك حتى أتغدى عندك ومنها حروف الجر فالباء للإلصاق وتصحب الأثمان حتى لو قال اشتريت منك هذا العبد بكر من حنطة جيدة يكون الكر ثمنا فيصح الاستبدال به بخلاف ما إذا أضاف العقد إلى الكر ولو قال إن أخبرتني بقدوم فلان فعبدي حر يقع على الحق بخلاف ما إذا قال إن أخبرتني أن فلانا قدم ولو قال عن خرجت من الدار إلا بإذني يشترط تكرار الإذن بخلاف قوله إلا أن آذن لك وفي قوله أنت طالق بمشيئة الله تعالى بمعنى الشرط وقال الشافعي الباء في قوله تعالى: (وامسحوا برؤوسكم للتبعيض وقال مالك رحمه الله أنها صلة وليس كذلك بل هي للإلصاق لكنها إذا دخلت في آلة المسح كان الفعل متعديا إلى محله فيتناول كله وإذا دخلت في محل المسح بقي الفعل متعديا إلى الآلة فلا يقتضي استيعاب الرأس بالمسح وغنما يقتضي إلصاق الآلة بالمحل وذلك لا يستوعب الكل عادة فصار المراد به أكثر اليد فصار التبعيض مرادا بهذا الطريق وعلى الإلزام فقوله له علي ألف درهم يكون دينا إلا أن يصل به الوديعة فغن دخلت في المعاوضات المحضة كانت بمعنى الباء وكذا إذا استعملت في الطلاق عندهما وعند أبي حنيفة للشرط ومن للتبعيض فإذا قال من شئت من عبيدي عتقه فأعتقه له أن يعتقهم إلا واحدا منهم عند أبي حنيفة وإلى: لانتهاء الغاية فغن كانت الغاية قائمة بنفسها كقوله له من هذا الحائط إلى هذا الحائط لا يدخل الغايتان وإن لم تكن فإن كان أصل الكلام متناولا للغاية كان ذكرها لإخراج ما وراءها فتدخل كالمرافق وإن لم يتناولها أو كان فيه شك فذكرها لمد الحكم إليها
الجزء 1 · صفحة 23
فلا تدخل كالليل في الصوم وفي للظرف لكنهم اختلفوا فيحذفه وإثباته في ظروف الزمان وقالا: هما سواء وفرّق أبو حنيفة بينهما فيما إذا نوى آخر النهار وإذا أضيف إلى مكان يقع في الحال إلا أن يضمر الفعل فيصير بمعنى الشرط ومع: للمقارنة وقبل التقديم وبعد: للتأخير وحكمها في الطلاق ضد حكم قبل وإذا قيد كل واحد بالكناية كان صفة لما بعده وإن لم يقيد كان صفة لما قبله وعند: للحضرة فإذا قال لغيره ملك عندي ألف درهم كان وديعة لان الحضرة تدل على الحفظ دون اللزوم وغير تستعمل صفة للنكرة وتستعمل استثناء كقوله له علي ألف درهم غير دانق بالرفع (ص11) يلزمه درهم تام ولو قال بالنصب كان استثناء فيلزمه درهم إلا دانقاً وسوى مثل غير ومنها حروف الشرط فغن أصل فيها وغنما تدخل على أمر معدوم على خطر ليس بكائن لا محالة فإذا قال إن لم أطلقك فانت طالق ثلاثا لم تطلق حتى يموت أحدهما وإذا عند نحاة الكوفة تصلح للوقت والشرط على السواء فيجازى بها مرة وقد لا يجازى بها أخرى وإذا جوزي بها يسقط الوقت عنها كأنها حرف شرط وهو قول أبي حنيفة وعند نحاة البصرة هي للوقت وقد تستعمل للشرط من غير سقوط الوقت عنها مثل متى فغنها للوقت لا يسقط عنها ذلك بحال وهو قولهما حتى إذا قال لامرأته إذا لم أطلقك فانت طالق لا يقع الطلاق عنده ما لم يمت أحدهما، وقالا: يقع كما فرغ مثل متى لم أطلقك وروي عنهما إذا قال أنت طالق لو دخلت الدار أنه بمنزلة إن دخلت الدار وكيف سؤال عن الحال فإن استقام وإلا بطل ولذلك قال أبو حنيفة في قوله انت حر كيف شئت أنه إيقاع وفي الطلاق يقع الواحدة ويبقى الفضل في الوصف والقدر مفوضاً إليها بشرط نية الزوج وقالا ما لم يقبل الإشارة فحاله ووصفه بمنزلة أصله فيتعلق بالأصل بتعليقه وكم اسم للعدد الواقع فإذا قال أنت طالق كم شئت لم تطلق ما لم تشأ وحيث وأين: اسمان للمكان فإذا قال أنت طالق حيث شئت او أين شئت أنه لا يقع ما لم تشأ ويتوقف مشيئتها
الجزء 1 · صفحة 24
على المجلس بخلاف إذا ومتى الجمع المذكور بعلامة الذكور عندنا يتناول الذكور والإناث عند الاختلاط ولا يتناول الإناث المفردات وإن ذكر بعلامة التأنيث يتناول الإناث خاصة حتى قال في السير الكبير إذا قال آمنوني على بنيّ وله بنون وبنات إن الأمان يتناول الفريقين ولو قال آمنوني بناتي على لا يتناول الذكور من أولاده ولو قال على بني وليس له سوى البنات لا يثبت الأمان لهنّ وأما الصريح فما ظهر المراد به ظهورا بيّناً حقيقة كان أو مجازا كقوله أنت حر وأنت طالق وحكمه تعلق الحكم بعين الكلام وقيامه مقام معناه حى استغنى عن العزيمة وأما الكناية فما استتر المراد به ولا يفهم إلا بقرينة حقيقية كان أو مجازا مثل ألفاظ الضمير وحكمها أن لا يجب العمل بها إلا بالنية، وكنايات الطلاق سميت بها مجازا حتى كانت بوائن إلا اعتدي واستبرئي رحمك وأنت واحدة والأصل في الكلام الصريح وفي الكناية ضرب قصور وظهر هذا التفاوت فيما يندريء بالشبهات وأما الاستدلال بعبارة النص فهو العمل بظاهر ما سيق الكلام له وأما الاستدلال بإشارة النص فهو العمل بما ثبت بنظمه لغة لكنه غير مقصود ولا سيق له النص وليس (ص12) بظاهر من كل وجه وهذا كقوله تعالى: (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن) سيق لإثبات النفقة وفيه إشارة إلى أن النسب إلى الآباء وهما سواء في إيجاب الحكم إلا أن الأول أحق عند التعارض وللإشارة عموم كما للعبارة وأما الثابت بدلالة النص فما ثبت بمعنى النص لغة لا اجتهادا كالنهي عن التأفيف يوقف به على حرمة الضرب بدون الاجتهاد والثابت به كالثابت بالإشارة إلا عند التعارض ولهذا صح إثبات الحدود والكفارات بدلالة النص دون القياس والثابت به لا يحتمل التخصيص لأنه لا عموم له وأما الثابت باقتضاء النص فما لم يعمل النص إلا بشرط تقدم عليه فإن ذلك أمر اقتضاء النص لصحة ما يتناوله فصار هذا مضافا على النص بواسطة المقتضى فكان كالثابت بالنص وعلامته أن يصح به
الجزء 1 · صفحة 25
المذكور ولا يلغى عند ظهوره بخلاف المحذوف ومثاله الأمر بالتحرير للتكفير مقتض للملك ولم يذكره والثابت به كالثابت بدلالة النص إلا عند التعارض ولا عموم له عندنا حتى إذا قال عن أكلت فعبدي حر ونوى طعاما دون طعام لا يصدق عندنا حتى إذا قال إن أكلت فعبدي حر ونوى طعاما دون طعام لا يصدق عندنا وكذا إذا قال أنت طالق أو طلقتك ونوى الثلاث لا يصح بخلاف قوله طلقي نفسك وأنت بائن على اختلاف التخريج.
فصل:
الجزء 1 · صفحة 26
التنصيص على الشيء باسمه العلم يدل على الخصوص عند البعض كقوله عليه السلام: (الماء من الماء) فهم الانصارعدم وجوب الاغتسال بالإكسال لعدم الماء وعندنا لا يقتضيه سواء كان مقرونا بالعدد أو لم يكن لان النص لم يتناوله فكيف يوجب نفياً أو إثباتا والاستدلال منهم بحرف الاستغراق وعندنا هو كذلك فيما يتعلق بعين الماء غير أن الماء يثبت مرة عياناً و طورا دلالة والحكم إذا أضيف على مسمى بوصف خاص او علق بشرط كان دليلا على نفيه عند عدم الوصف أو الشرط عند الشافعي حتى لم يجوز نكاح الأمة عند طول الحرة ونكاح الأمة الكتابية لفوات الشرط والوصف المذكورين في النص وحاصله أنه الحقالوصف بالشرط واعتبر التعليق بالشرط عاملا في منع الحكم دون السبب حتى ابطل تعليق الطلاق والعتاق بالملك وجوز التكفير بالمال قبل الحنث وعندنا المعلق بالشرط لا ينعقد سببا لأن الإيجاب لا يوجد إلا بركنه ولا يثبت إلا في محله وههنا الشرط حال بينه وبي المحل فبقي غير مضاف إليه وبدون الاتصال إلى المحل لا ينعقد سببا والمطلق يحمل على المقيد وإن كانا في حادثتين عند الشافعي رحمه الله مثل كفارة القتل وسائر الكفارات لأن قيد الإيمان زيادة وصف يجري مجرى الشرط فيوجب (ص13) النفي عند عدمه في المنصوص وفي نظيره من الكفارات لانها جنس واحد والطعام في لايمين لم يثبت في القتل لأن التفاوت ثابت باسم العلم وهو لا يوجب إلا الوجود وعندنا لايحمل المطلق على المقيد وإن كانا في حادثة لإمكان العمل بهما إلا أن يكونا في حكم واحد مثل صوم كفارة اليمين لأن الحكم وهو الصوم لا يقبل وصفين متضادين فإذا ثبت تقييده بطل إطلاقه وفي صدقة الفطرورد النصان في السبب ولا مزاحمة في الأسباب فوجب الجمع ولا نسلم أن القيد بمعنى الشرط ولئن كان فلا نسلم أن يوجب النفي ولئن كان قائمايصح الاستدلال به على غيره إن لو صحت المماثلة وليس كذلك أما الأول فلأن السبب في المقيس عليه هو القتل أعظم
الجزء 1 · صفحة 27
الكبائروأما قيد الأسامة والعدالة فلم يوجب النفي لكنالسنة المعروفة في إبطال الزكاة عن العواملوالحوامل أوجبنسخ الإطلاق والأمربالتثبت في نبأ الفاسق أوجب نسخ الإطلاق وقيل أن القرآن في النظم يوجب القرآن في الحكم فلا يجب الزكاة على الصبيلاقترانها بالصلاة واعتبروا بالجملة الناقصة وقلنا أن عطف الجملة على الجملة لا يوجب الشركة لأن الشركة إنما وجبت في الجملة الناقصة لافتقارها إلى ما يتم به فإذا تم بنفسه لم يوجب الشركة إلا فيما يفتقر إليه والعام إذا خرج مخرج الجزاء أو مخرج الجواب ولم يزد عليه أو لم يستقل بنفسه يختص بسبه وإن زاد على قدر الجواب لا يختص بالسبب ويصير مبتدأ حتى لا تلغى الزيادة خلافا للبعض وقيل الكلام المذكور للمدح أو الذم لا عموم له وعندنا هذا فاسد وقيل الجمع المضاف إلى جماعة حكمه حقيقة الجماعة في حق كل فرد وعندنا يقتضي مقابلة الآحاد بالآحاد حتى إذا قال لامرأتيه غن ولدتما ولدين فأنتما طالقان فولدت كل واحدة منهما ولدا طلقتا، وقيلالأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده والنهي عن الشيء يكون أمراً بضده وعندنا الأمربالشيء يقتضس كراهة ضده والنهي عن الشيء يقتضي أن يكون ضده في معنى سنة واجبة، وفائدة هذا الأصل أن التحريم إذا لم يكن مقصودا لا يعتبر إلا من حيث يفوت الأمر فإذا لم يفوته كان مكروها كالأمر بالقيام ليس بنهي عن القعود قصدا حتى إذا قعد ثم قام لم يفسد صلاته بنفس القعود لكنه يكره ولهذا قلنا أن المحرم لما نهى عن لبس المخيط كان من السنة لبس الإزار والرداء ولهذا قال أبو يوسف أن من سجد على مكان بخس لم تفسد صلاته لأنه غير مقصود بالنهي إنما المأمور به فعل السجود على مكان طاهر فإذا أعادها على مكان طاهر جاز عنده وقالا: الساجد على النجس بمنزلة الحامل له والتطهير عن حمل النجاسة فرض دائم فيصير ضده مفوتا للفرض كما في الصوم (ص14).
فصل المشروعات على نوعين:
الجزء 1 · صفحة 28
عزيمة: وهو اسم لما هو أصل منها غير متعلق بالعوارض وهي أربعة أنواع فريضة وهي ما لا يحتمل زيادة ولانقصانا ثبت بدليل لا شبهة فيه كالإيمان والأركان الأربعة وحكمه اللزوم علما وتصديقا بالقلب وعملا بالبدن حتى يكفر جاحده ويفسق تاركه ولا عذر، وواجب وهو ما ثبت بدليل فيه شبهة كصدقة الفطر والأضحية وحكمه اللزوم عملا لا علما على اليقين حتى ل ايكفر جاحده ويفسق تاركه إذا استخف بأخبار الآحاد فأما متأولا فلا، وسنة: وهي الطريقة المسلوكة في الدين وحكمها أن يطالب المرء بإقامتها من غير افتراض ولاوجوب إلا أن السنة عند الإطلاق قد تقع على سنة النبي عليه السلام وغيره من الصحابة وقال السافعي مطلقها: طريقة النبي عليه السلام وهي نوعان سنة الهدى وتاركها يستوجب إساءة كالجماعة والآذان والإقامة وزوائد وتاركها لايستوجب إساءة كسير النبي عليه السلام في لباسه وقيامه وقعوده، ونفل: وهوما يثاب المرء على فعله ولا يعاقب على تركه والزائد على الركعتين للمسافر نفل لهذا وقال الشافعي لما شرع النفل على هذا الوصف وجب ان يبقى كذلك وقلنا أن ما أداه وجب صيانتهولا سبيل إليه إلا بإلزام الباقي وهو كالنذر صار لله تعالى تسمية لافعلا ثم لما وجب لصيانته ابيداء الفعل فلأن يجب لصيانة ابتداء الفعل بقاؤه أولى ورخصة وهي أربعة أنواع: نوعان من الحقيقة أحدهما أحق من الآخر ونوعان من المجاز أحدهما أتم من الىخر أما أحق نوعي الحقيقة فما استبيح مع قيام المحرم وقيام حكمه كالمكره على إجراء كلمة الكفر وإفطاره في رمضان وإتلافه مال الغير وترك الخائف على نفسه الأمر بالمعروف وجنايتهعلى الإحرام وتناول المضطرمال الغير وحكمه ان الأخذ بالعزيمة أولى حتى لو صبر وقتل شهيدا والثاني ما استبيح مع قيام السبب لكن الحكم تراخى عنه كالمسافر وحكمه أن الأخذ بالعزيمة أولى لكمال سببه وتردد في الرخصة فالعزيمة تتؤدي معنى الرخصة من وجه غلا أن يضعفه الصوم، وأما اتم نوعي المجاز
الجزء 1 · صفحة 29
فما وضع عنا من الإصر والأغلال فسمى ذلك رخصة مجازا لان الأصل لم يبق مشروعا والنوع الرابع ما سقط عن العباد مع كونه مشروعا في الجملة كقصر الصلاة في السفر، وسقوط حرمة الخمر والميتة في حق المضطر والمكره، وسقوط غسل الرجل في مدة المسح (ص15)
فصل (الأمر والنهي بأقسامهما):
لطلب الأحكام المشروعة ولها أسباب تضاف إليها من حدوث العالم والوقت وملك المال وأيام شهر رمضان والرأس الذي يمونه ويلي عليه والبيت والأرض النامية بالخارج تحقيقا أو تقديرا والصلاة وتعلق بقاء المقدور بالتعاطي للإيمان والصلاة والزكاة والصوم وصدقة الفطر والحج والعشر، والخراج، والطهارة، والمعاملات، وأسباب العقوبات، والحدود، والكفارات ما نسبت إليه من قتل وزنا وسرقة وأمر دائر بين الحظر والإباحة كالقتل خطأ والإفطار عمداً وإنما يعرف السبب بنسبة الحكم غليه وتعلقه به لأن الأصل في إضافة الشيء إلى الشيء أن يكون سببا له وإنما يضاف إلى الشرط مجازاً كصدقة الفطر وحجة الإسلام.