الغنية في الأصول
للإمام الأجل وفخر الأئمة أبو صالح منصور بن إسحق بن أحمد السجستاني
المتوفى سنة 290هـ
جارٍ تحميل الكتاب…
الغنية في الأصول
للإمام الأجل وفخر الأئمة أبو صالح منصور بن إسحق بن أحمد السجستاني
المتوفى سنة 290هـ
[المقدمة]
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة على رسوله المصطفى وآله الطاهرين.
وبعد،
فإني وجدت أمر الدين بعد التوحيد دائراً على علم الشريعة والسنة الرفيعة، وإنه بناء على تحديق النظر وإجالة الفكر، ويحتاج فيه الناظر الى معرفة الدلائل ورعاية الدرجات والمنازل في المقايسة والمناظرة كيلا يجاوز الحجج الموجبة للأحكام الدالة على بنائها، فرغبت في جمع جمل من الفصول تقع بها الهداية والكفاية لطلبة الأصول، وطرحت منها الحواشي والفضول ليسهل تناولها على الطالبين وتميل اليها قلوب الراغبين وسميتها:
«الغنية في الأصول»
وأسأل الله الثواب على ذلك في الآجل وجميل الذكر في العاجل، فإنه على ما يشاء قدير و بيده التوفيق التيسير.
[أنواع العلوم]
العلوم أنواع وأولاها بالتحصيل بعد علم ما افترض الله تعالى من أمور دينه ـ العلم بما شرع من الأحكام التي ابتلينا بها، ثم العلم بالحجج الموجبة للأحكام.
[الحجج الموجبة للأحكام]
وهى أنواع أربعة: الآية، والدليل، والعلة، والحال.
فالحجة اسم يعم الكل ويشتمل عليها. وإنها مشتقة من حج أى غلب، تقول حاجته فحججته أى غلبته، سميت الحجة حجة لأنها تجعلنا مغلوبين في المناظرة مع الله.
ويحتمل أنها سميت حجة لوجوب الرجوع اليها في العمل، ومنه قول الشاعر:
يحجون سب الزبرقان المزعفرا
أى يقصدونه و يرجعون اليه معظمين إياه
وكذا البرهان اسم يعم الحجج كلها.
[النوع الأول من الحجج] [الآية]
والآية: اسم لما يوجب العلم قطعاً عند التأمل.
وإنها في اللغة عبارة عن العلامة. قال:
وغير آيها العصر
أي علاماتها.
[النوع الثاني من الحجج] [الدليل]
أما الدليل، فأسم لحُجَّةِ مُنطق، وإنه فعيل بمعنى فاعل، فيكون اسماً لفاعل. الدلالة إلا أن كلامه يسمى باسمه مجازاً.
وإنما سمى الدخان دليلا وإن لم يكن له نطق لوجود النطق منه معني
[النوع الثالث من الحجج ـ العلة]
والعلة عبارة عما يحل بالمحل لا عن اختيار فيتغير به حال المحل من وصف الى وصف كالمرض يغير حال المحل من القوة الى العجز.
وإنها في الشريعة عبارة (عن المعانى المستنبطة من النصوص لتعدية الحكم الى موضع لا نص فيه بتلك المعاني». فكانت العلة قسماً خاصاً سوى الدليل والآية لأن أثرهما في إثبات أصل الحكم، وأثر العلة في تغييره من وصف الخصوص الى وصف العموم، وتسمى مقاييس لأنها تستنبط بالقياس.
وتسمى فقهاً لأن الفقه اسم للعلم بباطن الشيء بضرب تكلف.
ولهذا لا يسمى الخالق عزت قدرته فقيهاً لأنه يعلم بدون التكلف.
والعلة ـ عَلَمٌ - أوجبت العلم قطعاً أو بغالب الظن، لأن العمل بنوعى العلم واجب، وكذا الحجة والدليل على هذا.
[النوع الرابع من الحجج الحال]
أما الحال فعبارة عن (حكم ثابت بدليل من غير أن يتعرض لزواله ولا لبقائه ملتبس عليك حاله لجهلكم بالدليل المزيل دون علمك بالدليل المبقي).
وإنه يصلح حجة للدفع وإبقاء ما كان على ما كان دون الإثبات لأن دليل بقائه ليس بموجود.
[أنواع الحجج من حيث العقل والشرع]
ثم الحجج في الأصل نوعان
? - عقلى وهو ما يعرف بالعقل.
? - وشرعى وهو ما يعرف بالكتاب والسنة.
ولهذا لا نزاع فيه، فإن من بنى على السماع علمه ما اهتدى اليه حتى يحكم عقله لأن الخبر يحتمل الصدق والكذب، والقائل مثله، ولا يجوز له اتباع مثله ولا الحكم بقوله حتى تزول جهة الكذب عن قوله، ولن تزول جهة الكذب عن قوله ولن تزول جهة الكذب عن كلامه إلا بالمعجزة، ولا تعرف المعجزة إلا بالتأمل بالعقل.
ثم الحجج العقلية نوعان: موجبة ومجوزة.
وكذلك الحجج الشرعية نوعان: موجبة ومجوزة
القول في بيان الحجج الموجبة
[أولا: الحجج الشرعية]
الحجج التي توجب العلم قطعاً أربع كتاب الله، والخبر المسموع من في الرسول صلى الله عليه وسلم، والمتواتر، وإجماع الأمة.
القول في كتاب الله
كتاب الله: «ما كتب بين دفات المصاحف بقلم الوحي ونقل الينا نقلا متواتراً، لأن ما دون المتواتر لا يبلغ مرتبة العيان فلا يوجب الإيقان، وكتاب الله تعالى ما يوجب العلم اليقين لأنه أصل الدين، و به ثبتت الرسالة وقامت الحجة على الضلالة.
ولا يلزم على هذا التسمية حيث لا تجعل من القرآن وإن كتبت بين دفات المصاحف بقلم الوحى، لأنه وإن كتبت بين دفات المصاحف ولكن ما نقل الينا نقلاً متواتراً، لأن العلماء اختلفوا في كونه من القرآن واختلافهم يورث شبهة، والقرآن لا يثبت مع الشبهة.
ولهذا قلنا بأن قراءة التسمية لا تحرم على الجنب والحائض، لأن حرمة التلاوة حكم مختص بالقرآن.
القول فى البيان
الخبر المتواتر من رسول الله عليه السلام وكونه حجة موجبة للعلم قطعاً.
فالمتواتر: «ما تتابع نقله عن رسول الله عليه السلام، نقلته جماعة لكثرتهم لا يتصور تواطؤهم على الكذب، عن جماعة لا يتصور تواطؤهم على الكذب، هكذا الى النبي عليه السلام».
فإذا اتصل بك الخبر هكذا ضاهى المتصل بك المسموع من في رسول الله عليه السلام والمسموع من فيه عليه السلام حجة قاطعة، لأن الرسول معصوم عن الكذب، لأن كذبه يؤدي الى التباس الأمر على كافة الناس، وهذا لا يجوز.
القول في اجماع لهذه الأمة
إجماع هذه الأمة حجة موجبة للعلم قطعاً كرامة لهم، لا قياساً.
فإن اليهود قد اجمعوا على أشياء كانت، باطلة، وكذا النصارى، وكذا المجوس، عرف أن إجماع هذه الأمة صار حجة كرامة لهم على دينهم.
بيان أنه حجة
[الدليل الأول] قول الله تعالى: «وكذلك جعلناكم أمة وسطاً حجة لتكونوا شهداء على الناس» والوسط اسم لمن يُرتضى بقوله، قال الله تعالى: «قال أوسطهم»، أى أعدلهم قولا.
ومطلق الارتضاء في أن يكون مصيباً عند الله تعالى، لأنه إذا كان مصيباً عنده مخطئاً عند الله تعالى لا يكون مرضياً على الاطلاق، ولأن الخطأ ليس بمرضي عند الله تعالى وإن كان المجتهد يعذر في حق العمل و يؤجر على قدر ما طلب الحق بالدليل.
[الدليل الثاني]: وقال الله تعالى: «لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً).
جعل الله تعالى شهادتنا على الناس كشهادة الرسول علينا، ثم شهادة الرسول علينا تكون حقاً حقيقة فكذلك شهادة هذه الأمة على الناس.
ولا يلزم على كلامنا القياس وخبر الواحد، فإنه قد يكون حجة ومع هذا لا يوجب العلم قطعاً، فإنا نقول: خبر الرسول متى صح في نفسه أوجب العلم قطعاً، وقد تمكنت الشبهة في النقل عن رسول الله فلم يوجب العلم قطعاً، وكذا القياس إثارة المعنى من المنصوص عليه وتعدية الحكم الى غيره بذلك المعنى، والمجتهد قد يخطىء و يصيب، فلم يوجب العلم قطعاً، وإنما أوجب العلم بغالب الظن فجاز أن يعتبر لتوسعة محل الحكم.
القول في تحديد الاجماع
(الاجماع لعلماء كل عصر من أهل العدالة والاجتهاد»
ومن الناس من قال: لا اجماع إلا لصحابة الرسول عليه السلام أو التابعين، لأن النبي عليه السلام مدحهم وأثنى عليهم حيث قال: «خير الناس هو رهطى الذين بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب فيشهد الرجل قبل أن يستشهد»
ولكن الصحيح ما ذكرنا لأن الدليل الذي يوجب كون الاجماع حجة لا يفصل بين أهل عصر وعصر.
ولا يعتبر إجماع العوام لأنه لا رأى لهم في هذا الباب فكانوا كالمجانين في حق هذا الحكم. ولا عبرة بقول الفساق لأن شهادتهم لا تقبل في أحكام الدنيا، ففي حق احكام الدين أولى. ولا عبرة بقول أهل الأهواء فيما نسبوا فيه الى الهوى، لأنهم نسبوا الى الهوى لمخالفتهم دليلاً يوجب العلم، وإنما لا نكفر بهم لشبهة عدم الإجماع بمخالفتهم و يعتبر قولهم في غير ما نسبوا الى الهوى ما لم يغلوا في هواهم. وإذا وجد الغلو في الهوى بحيث يوجب التكفير لا يعتبر قولهم، لأن المعتبر اجماع المسلمين.
[أنواع الإجماع]
ثم الإجماع ينعقد بتنصيص الكل على الحكم مرة، و بتنصيص البعض وسكوت الباقين مرة أخرى، فسواء سبقهم مخالف فيما اجتمعوا عليه أو لا.
وقال الشافعي: لا ينعقد الإجماع إلا بتنصيص الكل
وقال بعض الناس: الإجماع لا ينعقد في حكم سبقهم مخالف فيما اجتمعوا عليه.
وجه قولهم:
وهو أن الواحد لو كان في الأحياء لم ينعقد الإجماع لحجته لا لحياته، وحجته باقية بعد الوفاة، ولهذا لا يجوز تضليله، ولو انعقد الإجماع مع الخلاف منه لوجب تضليله.
والجواب عنه أن يقال:
الإجماع قد وجد على الحد الذى بيَّنا فيوجب العلم، وقول ذلك الواحد لا يوجب العلم فلا يجوز رد الإجماع به.
أما قوله: لا يجوز تضليله
قلنا: إنما لا يجوز تضليله لأن الاجماع ما وجد حالة الخلاف منه، ولا خلاف منه حالة ما وجد الإجماع.
أما الكلام مع الشافعي رحمه الله فهو يقول: إن السكوت محتمل في نفسه، يحتمل أن يكون عن خوف أو لفكر، ألا ترى أن ابن عباس رضى الله عنهما خالف عمر رضى الله عنه في مسألة العول، فقيل له: هلا أظهرت حجتك على عمر؟ فقال: مهابة منه.
الجواب: قلنا الفتوى اذا صدر من أحد واشتهر بين العوام لا يجوز أن يخفى على: أقرانه، فإذا سكتوا عن الرد مدة تنقضى الحاجة الى التفكير فيها فيجب أن يحمل سكوتهم على ما يحل. وعلى ما تدل عليه عدالتهم، وما يحل هو السكوت عن الوفاق، فأما إذا كان الأمر بخلافه فلا يحل لهم السكوت.
أما حديث ابن عباس فلا يكاد يستقيم لأن عمر رضى الله عنه كان ألين لاستماع الحق من غيره و يقول: رحم الله امرءاً أهدى الى عيوبي، ولئن ثبت فمن الجائز أنه لم يُظهر لأنه علم أن عمر أفقه منه فلا يظهر رأيه في مقابلة رأيه، فلذلك لم يظهر.
ثم الإجماع على حكم سبقهم مخالف فيه لا يرفع خلافه عند أبى حنيفة رحمه الله، وعند محمد رحمه الله يرفع،، وعند محمد رحمه الله يرفع، حتى أن القاضي إذا قضى بجواز بيع أم الولد قيل بأنه يجوز عند أبي حنيفة رحمه الله لأن خلافه لم يرتفع، وعند محمد رحمه الله لا ينفذ قضاءه لما مرَّ أن الاجماع رفع ذلك الخلاف.
[ما يوجب العلم بغالب الظن]
أما ما يوجب العلم بغالب الظن فخبر الواحد والبينة وما أشبهها.
وخبر الواحد فإنه لا يوجب العلم و يوجب العمل تبركا بنسبته الى النبي عليه السلام، ولأن خبر المسلم العدل يحمل على الصدق مهما أمكن، لأن عقله ودينه يدل على انزجاره عن الكذب. فيفيد العلم بغالب الظن، والعلم بغالب الظن يوجب العمل في احكام الشرع.
أما إذا تلقته الأمة بالقبول فإنه يقرب من المتواتر حتى يجوز الزيادة على كتاب الله به و يعد من مشاهير الأخبار.
فصل [الأمر]
ثم للايجاب صيغة عند عامة العلماء.
وقال بعض الناس: ليس له صيغة.
والخلاف يظهر في الفعل هل يدل على الوجوب أو لا؟
قال بعضهم: يدل على الوجوب.
والصحيح أنه لا يدل على الوجوب، لأنه تحقيق الوجود في نفسه، فلا يدل على طلب ايجاده من غيره.
فأما الأمر فبحقيقته يكون الإيجاد عند عامة العلماء
وقال بعض الناس: حكمه التوقف حتى يقوم دليل الوجوب، لأنه قد يكون للندب، وقد يكون للإباحة والإطلاق، وقد يكون للوجوب، فيتوقف فيه حتى يقوم دليل الوجوب.
وقال بعضهم: يدل على الندب والاستحباب.
لأن الأمر لبيان أن المأمور به مما ينبغى أن يوجد، فأدنى أحواله أن يكون السعي اليه مندو باً لترجح جهة الوجود.
وعامة العلماء قالوا بأن الأمر طلب وجود الفعل، فإن السيد إذا طلب من عبده فعلاً يأمره بذلك و يقول: افعل كذا عرفت أنه طلب الوجود فينبغي أن يكون الوجود حقاً، وليس يكون الوجود حقاً إلا إذا كان الائتمار واجباً عليه ليحمله الوجوب على الوجود، فيحصل الوجود مضافاً الى الأمر السابق.
ولأن الائتمار حكم لازم للأمر تقول: أمرته فأتمر. كما تقول: كسرته فانكسر. فكان ينبغي أن يحصل الائتمار عقيب الأمر كالانكسار عقيب الكسر لكن المأمور مختار في الائتمار فيكون التراخي ضرورة كونه مختاراً فيه
أما الجواب عما قالوه فنقول:
حقيقة الأمر ما ذكرنا فلا يجوز ترك ما هو الأصل والحقيقة لتوهم المجاز.
القول في مطلق الأمر في حق التكرار
اختلف الناس فيه:
قال بعضهم: مطلق الأمر يقتضي التكرار ويحتمله، بدليل أوامر الله تعالى بالصلاة والصوم وما أشبهها.
وقال بعضهم:: لا يقتضيه ولكن يحتمله، بدليل أنه لما نزلت آية فرضية الحج قال الأقرع بن حابس للنبي عليه السلام: ألعامنا هذا أم للأبد!
قال عليه السلام للأبد. - ولو كان لعامنا لهذا ــ لوجب عليكم في كل عام، ولو وجب عليكم في كل عام لتركتم ولو تركتم لضللتم
ولو لم يكن اللفظ محتملاً للتكرار لما سأل رسول الله عليه السلام عن ذلك، فلما سأله ذلك تبين أنه عرف فيه احتمال التكرار.
وقال عامة العلماء: الأمر المطلق لا يحتمل التكرار ولا يقتضيه، لكن الأمر أبداً يكون بمأمور هو جنس تصرف فالتمام ذلك الجنس عدة فينصرف الى الأدنى عن الإطلاق، ويحتمل الكل حتى لو نوى الكل فإنه يصح، ولو نوى البعض أو لم ينو شيئاً ينصرف الى الأدنى، فأما تكرار الفعل فما لا يتصور، لأن تكرار الشيء إعادة نفسه، وإعادة نفس الفعل لا تتصور وإنما يتصور إعادة مثله، والشيء لا يتكرر بانضمام أمثاله إليه.
ولهذا نقول: إذا قال لامرأته: طلقى نفسك، ولم ينو شيئاً أو نوى واحدة أو اثنتين ينصرف الى واحدة، لأنها تصلح جنساً كاملاً، ونية العدد لغو، لأن اللفظ لا يتعرض للعدد بحال، ولو نوى الثلاث فإنه يصح لأنه نوى كل الجنس، ومن حيث إن الكل جنس واحد يكون الكل كمسمى واحد ومأمور واحد.
بخلاف ما إذا قال: طلقتك، ونوى الثلاث، حيث لا يقع الثلاث لأنه في اللغة إخبار عن فعل سابق فيقتضى طلاقاً سابقاً ليصح اللفظ فيتضمن وقوع الطلاق شرعاً ليصح اللفظ، والنية إنما تعمل في الملفوظ لا فيما يثبت ضمناً لتصحيح الكلام لأنه ثبت ضرورة لا أصلاً.
وكذلك قوله: أنت طالق، فإنه نعت فرد لا يحتمل العدة، وإنما يقع الطلاق به ضمناً لصحة اللفظ والتصحيح يحصل بواحدة فلا يقع الأكثر، بخلاف قوله: أنت الطلاق، لأنه اسم جنس يحتمل الكل من حيث إنه جنس واحد لمسمى واحد وبخلاف ما اذا قال أنت بائن ونوى الثلاث حيث يصح لأن البينونة نوعان: غليظة وهي لا تحصل إلا بثلاث طلقات وخقيقة وهى ما يحصل بواحدة، فإذا نوى الثلاث فقد نوى الغليظة، فتضمن هذا وقوع الثلاث، لأن وقوع الثلاث شرط لثبوت هذه البينونة، والشيء يتضمن شرطه.
ولا يلزم على كلامنا العبادات فإنا لا نقول: بأنها وجبت بالأمر بل الأمر لبيان السبب وهو الوقت فإذا تعدد السبب تعدد الحكم.
أما حديث أقرع بن حابس، قلنا لعله ظن أن الشرع علق وجوب الحج بشيء مكرر كما في سائر العبادات.
[فصل] القول في مطلق الأمر في حق صفة الحسن
الأمر في حق صفة الحسن أقسام أربعة:
[الاول]: حسن لمعنى في عينه بلا واسطة، كالتوحيد والصلاة، فإنه تعظيم الباري جلت قدرته.
[الثاني]: وقسم حسن لمعنى في عينه بواسطة، كالزكاة صارت حسنة بواسطة التمليك للفقراء، الذين هم خواص الرحمن. والصوم صار عبادة حسنة بواسطة قهر النفس الأمارة بالسوء.
[الثالث] وقسم حسن لمعنى في غيره كالجهاد وإقامة الحدود، فإنه يحصل بتخريب البنية وسفك الدماء فلا يكون حسناً لعينه، وإنما يكون حسناً لغيره بواسطة توجد من العبد وهى الكفر والجناية، فإذا انعدمت هذه الواسطة لا يبقى ذلك الفعل مشروعاً.
[الرابع]: وأما القسم الرابع كالوضوء والسعى الى الجمعة صار حسناً لغيره، وذلك الغير لا يحصل به وإنما يحصل بفعل مقصود، فكان هذا القسم دون هذه الاقسام.
فصل الأمر بالشيء هل يكون نهياً عن ضده؟
قال أبو بكر الجصاص: يكون نهياً عن ضده لأن الأمر للوجوب على ما مر، فإذا وجب الائتمار على الرجل صار منهياً عن الترك ضرورة.
والمختار عندنا أنه يدل على كراهة، ضده لأنا لو قلنا: ثبوت الحرمة به أصلاً لأثبتنا بالمقتضى ما ثبت بالصريح، وهذا لا وجه له، فعلمنا بأنه ما يجب عليه الائتمار ويحرم عليه الترك ضرورة أن الائتمار واجب عليه، فجعلنا الأمر دليلاً على كراهة ضده.
وما ذكره الجصاص أقرب الى الفهم خصوصاً عند من أخذ إخذه أى طريقة ـ هو أنه يحمل الأمر المطلق على الفور، فإذا وجب الائتمار حرم الاشتغال بضده.
[فصل] القول في مطلق النهى
ماذا حكمه؟
المختار عندنا أن موجبه وجوب الانتهاء، كما أن موجب الأمر وجوب الائتمار وإنه يدل على قبح المنهى عنه، لأن النهى لبيان أن المنهى عنه مما ينبغي أن يعدم فيجب أن يكون قبيحاً ليمتنع المرء عن إيجاده فيبقى على العدم الأصلى.
[فصل] القول في أقسام المنهى عنه
المنهى عنه في حق أوصاف القبح أنواع أربعة:
[الاول] قسم يكون قبيحاً لعينة وضعا كالكفر والشرك.
[الثاني]- قسم يكون قبيحاً لعينة شرعاً كبيع الحر والملاقيح والمضامين، لأن قيام البيع يكون بالأهل والمحل فإذا فات أحدهما يكون الكلام لغواً.
[الثالث] وقسم يكون قبيحاً لغيره، وذلك غير المتصل بالمنهى عنه، كالبيع بشرط الأجل الى الحصاد، فإنه قبيح لا لعينه، ولكنه بشرط مفسد قرن به، وكذلك صوم يوم النحر، ما قبح لعينه وإنما قبح لغيره وهو كون اليوم يوم العيد، فيكون الصوم مشروعاً لعينه محظوراً لغيره، فيوجب ذلك انعدام وصفه دون أصله لأنه اتصل به وصفاً لا أصلاً.
[الرابع]: وقسم آخر يكون منهياً عنه لغيره، وذلك الغير لا يكون متصلا بالمنهى عنه، كالنهي عن البيع وقت النداء، والصلاة في الأرض المغصوبة، صار منهياً عنها لمعنى مجاورها ولا يتصل بها لأن ترك السعى لا اتصال له بالبيع، وكذا شغل الأرض لا اتصال له بالصلاة، فيبقى المنهى بنه مشروعاً بأصله ووصفه.
وقال الشافعي رحمه الله: إذا كان المنهى عنه قبيحاً لغيره وذلك الغير متصل بالمنهى عنه لا يبقى المنهى عنه معتبراً شرعاً، لأنه لا يتصور أداء المشروع بدون ارتكاب المحرم فصارا كشيء واحد في حق الوجود والعدم، فمن ضرورة انتفاء أحدهما انتفاء الثاني، بخلاف الصلاة في الاوقات المكروهة لأن النهى ورد لمعنى متصل بالوقت لا بالصلاة.
ونحن نقول بأن انتفاء الشيء شرعاً يكون بوجود المنافى، وما ذكره الخصم لا يصلح منافياً، لأن ذلك الغير وإن كان متصلاً بالمنهى عنه فهو غيره، فلم يكن النهى لمعنى يرجع الى عين المنهى عنه فلا ينسخ به المنهى عنه، كالنهي عن الصلاة في الاوقات المكروهة، وعن الاصطياد بقوس الغير، والتوضيء بالمياه المغصوبة وما شاكله.
فصل [في دلالة النهى]
ثم النهى المطلق عن الفعل الحسي يحمل على ما إذا ورد لمعنى في عينه، كالنهي عن الزنا وشرب الخمر، لأن النهى يدل على قبح المنهى عنه، فيحمل على ما إذا كان قبيحاً لعينه حتى يقوم الدليل على أنه قبيح لغيره.
فأما النهى عن التصرفات الشرعية فمحمول على ما إذا ورد لمعنى في غيرها عندنا وعند الشافعى على ما إذا ورد لمعنى في عينها، لأن النهى يُحرم المنهى عنه، والحرام لا يجوز أن يكون مشروعاً، لأن أدنى الصفات التي تثبت للمشروع أن يكون مباحاً في نفسه.
ولنا ما أشار اليه محمد بن الحسن رحمه الله في كتابه وهو: أن النهي عما لا يتصور لغو من الكلام، وهو أن النهى طلب الانتهاء من العبد، كما أن الأمر طلب الائتمار منه، فينبغي أن ينتهى عنه ليبقى المنهى عنه على العدم الأصلي بانتهاء العبد عنه، وإنما يتصور الانتهاء عنه إذا كان مشروعاً، أما إذا لم يبق مشروعاً [فـ] لا يتصور الانتهاء عنه، فحملنا النهى على أنه ورد لمعنى في غير المنهى ورد لمعنى في غير المنهى عنه لنتصور انتهاء العبد عنه
فالخصم متى حمله على أنه ورد لمعنى في عين المنهي عنه فقد جعل النهى مجازاً عن النسخ، وهذا لا يجوز لأن النسخ رفع والنهى منع، والحمل على الحقيقة واجب إلا إذا تعذر.
ولا يلزم على كلامنا النهى عن بيع الحر وبيع الملاقيح والمضامين حيث لا يصح لأن الدليل قد قام على أن النهى مجاز عن النسخ لأن البيع لا صحة له بدون المحل ولم يوجد المحل، وهو المال المملوك المتقوم.
فصل في بيان الأسباب الشرعية
فنقول وبالله التوفيق:
الأسباب الشرعية أمارات تدل على ثبوت الحكم بها، كوقت الصلاة أمارة على وجوبها. وشهود الشهر أمارة على وجوب الصوم والكعبة أمارة على وجوب الحج.
ثم الخطاب يكون لأداء ما وجب بالسبب السابق، كالخطاب بإيفاء الثمن في باب البيع طلباً لايفاء ما وجب بالبيع السابق.
وعند الشافعي سبب وجوب الصوم والصلاة هو الخطاب، لأنه المؤثر في وجوب الحكم به، فمتى وجد الخطاب يترتب عليه الحكم.
ونحن نقول بأن الخطاب طلب لأداء ما وجب عليه بالسبب السابق، لأنا نعلم بوجوب الحكم على من لا يخاطب بالأداء في الحال، كوجوب الصوم على النائم والمغمى عليه والحائض والمسافر، ولا يخاطب بالأداء في الوقت لقيام العذر، فإذا زال العذر بعد ذهاب الوقت يؤمر بقضاء ما فاته، ولهذا يحتاج الى نية الفائت عن ذلك الوقت.
فعرفنا أن الخطاب لوجوب الأداء لا لعين الوجوب.
ألا ترى أن الحول اذا حال على المال يخاطب المالك بأداء الزكاة؟ وإنما يخاطب بناء على وجوبه بسبب المال بلا خلاف
وكان الفقه فيه: وهو أن الله تعالى ابتلى عباده بالعبادات ورعاية الحقوق فاحتاجوا الى العلم بما كلفهم به، وذلك إنما يحصل بالوقوف على السبب الموجب للحكم، فالشرع جعل في كل حكم أمارة يعرف بها تخفيفاً للأمر على عباده، وأمارات الشرع أسباب في حقنا كالبيع جعل أمارة على ثبوت الحكم والنصاب المعدّ للنماء جعل أمارة على وجوب الزكاة عند وجود الشرط، والقتل العمد أمارة على وجوب القصاص، وإن كنا عرفناه سبباً، بالخطاب لكن الخطاب لبيان السبب.
فكذلك سمعنا الشرع جعل الوقت أمارة على وجوب الصلاة فصار ذلك سبباً يدل عليه. والله أعلم.
القول في منازل الأمر
الأداء الذي يجب بحكم الأمر على مراتب أربع:
? -[الأولى] فريضة وهى ما تكون مفروضة محدودة بدليل لا شبهة فيه.
2 -[الثانية] وواجب وهو دون الفريضة في الدرجة وفوق السنة.
والوجوب في اللغة: عبارة عن السقوط، قال الله تعالى: «فإذا وجبت جنوبها» أى سقطت، فلعل هذا القسم سمي بهذا الاسم لأنه سقط على العبد بلا اختياره، ويحتمل أنه اشتق من قولهم: «وجب القلب» إذا اضطرب سمى الواجب واجباً لاضطراب القلب في حقيقته، وهو نحو الوتر عند أبي حنيفة - وصدقة الفطر والاضحية وما أشبهها.
3 - [الثالثة] وسنة وإنها في اللغة عبارة عن الطريقة المعتادة، يقال: (تنَحٌ عن سَنَن الدواب) أى عن طريقها.
وفي الشريعة عبارة عن الطريقة الحسنة.
وقال الشافعي: تنصرف الى سنة النبي عليه السلام عند الأطلاق، ولهذا يقال: سنة العُمرين، لا أن الأعم والأغلب ذلك.
4 - [الرابعة] ونافلة وهى في اللغة عبارة عن الزيادة. وكذا في الشريعة النافلة عبارة عن الزيادة على الفرائض وسنن الرواتب
[أحكام مراتب الأمر]
ثم حكم هذه الأشياء في حق الاعتقاد يختلف:
? - فمن حكم الفرض أن يكون الايمان به فرضاً، وجاحده يكون كافراً، لأنه ترك الإيمان به. ولو ترك العمل به يكون فاسقاً، لأن العمل بالبدن استسلام وتركه يكون عصياناً، ولا يفوت به الإيمان.
2 - ومن حكم الواجب أن يجب العمل به، وتركه لا يوجب الفسق، وجاحده لا يفسق لأنه ثبت بدليل لا يوجب العلم قطعاً. فالتحق بالفرائض في حق العمل دون العلم.
مثاله ما قلناه في قراءة الفاتحة في الصلاة فإنها واجبة لقوله عليه السلام: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»، فلو قرأ السورة وترك الفاتحة لا نحكم بفساد الصلاة، ولا يؤمر بالقضاء، لأنه من باب العلم، وخبر الواحد لا يوجب العلم.
وكذا إذا صلى المغرب قبل وقت العشاء الأخيرة بعدما دفع من عرفات يؤمر بالإعادة قبل طلوع الفجر، لأن وقت المغرب في حق الحاج بعد ما دخل وقت العشاء لحاجتهم الى الذهاب لمزدلفة، لكنه ثبت بخبر الواحد، وأنه لا يوجب العلم.
فلو أمر بالقضاء بعد طلوع الفجر يحكم بفساد ما أدّاه وإنه من باب العلم وذلك لا يحصل بخبر الواحد.
وحكم السنّة: أن يحق فعلها ويُدَّم تاركها على تركها، ولو استخف بها كفر بالله تعالى هكذا نقل عن المحققين من صحابنا رحمهم الله، لأنه استخف بواضعها ولا يجب القضاء بتفويتها.
ومن حكم النافلة: أن يثاب على فعلها ولا يلام على تركها، وإن شرع فيها يؤمر بإتمامها، لأن المؤدى قربة وطاعة، فإذا أبطلها يؤمر بالقضاء لأنه أبطل حق الله تعالى، فيضمن مثله.
فصل في القضاء والأداء
ثم ما وجب عليه أداؤه لو أداه في الوقت الذى وجب عليه يكون أداء
ولو اداه بعد ذهاب وقته يسمى قضاء عن الاول.
واختلف أصحابنا رحمهم الله في أن القضاء يجب بما وجب به الأداء أم بأمر آخر؟
قال بعضهم:: يجب بأمر جديد لأن العبادة عرفت عبادة في وقت معلوم، فإذا فات ذلك الوقت لا يعرف عبادة في وقت آخر الا بأمر جديد.
ألا ترى أن الأضحية متى فاتت عن وقتها لا تكون قربة في وقت آخر؟
وبعضهم قالوا: بأن القضاء يجب بالسبب الذي يجب به الأداء، لأن السبب أوجب الحكم في ذمته فلا يسقط عن الذمة إلا بالأداء، والأداء في الوقت الثاني كالأداء في وقته، لأن الأصل في التفويت أن يكون مضموناً بالمثل كما في حقوق العباد، وهذا الحق له مثل عند المفوت من النفل وإنه حقه فليزمه قضاء ما فوّته بالمثل من عند نفسه. وهو الأصح.
فصل في بيان العزيمة والرخصة
فنقول وبالله التوفيق
حكم الأمر والنهي نوعان: عزيمة ورخصة، والأصل هو العزيمة، وإنما يصار الى الرخصة بعارض العذر.
[العزيمة]:
وإنها في اللغة عبارة عن قصد بليغ متأكد، ولهذا قلنا بأنه إذا قال: والا انها عزمت أن أفعل كذا يكون ذلك يميناً. وإنها قسم واحد في الشريعة. وأما الرخصة فأنواع لأنها ثبتت باعتبار العذر والعذر يختلف باختلاف الحالات.
[الرخصة]
وإنها في اللغة عبارة عن السهولة، يقال رخص السعر إذا سهل ومعناها وجوده.
وفي الشرع عبارة عن: (استباحة المحظور مع السبب الداعى للحرمة لعذر يبدو لنا)
فنقول:
الرخصة نوعان: حقيقة ومجاز، وكل نوع يتنوع الى نوعين، أما الحقيقة أحدهما أحق وأقوى من الآخر وكذا المجاز.
[أنواع الرخصة الحقيقية]
[النوع الاول] فالحقيقة كإجراء كلمة الكفر على اللسان حالة الإكراه، واتلاف مال الغير وإفساد الصوم حالة الإكراه على ذلك. فإن هذه الاشياء محرمة على ذواتها لكن الشرع رخص له الاقدام على هذه الاشياء إذا خاف على نفسه التلف نظراً له ومرحمة عليه، لأن اجراء كلمة الكفر على اللسان لا يوجب خللاً فيما هو الركن، لأن بقاء الاسلام ببقاء العقيدة وإنها لا تفوت بهذا وكذا الصوم يمكنه التدارك بالقضاء، وكذا حق الغير يمكنه جبره بالمثل.
ومن حكمه أنه لو صبر حتى قتل يكون شهيداً، لأن هذه الأشياء بقيت محرمة في نفسها وإن رخص له الاقدام عليها، فيكون في ذلك مقيماً حقاً من حقوق الله تعالى.
وكذا إذا استقبله الأمر بالمعروف - وخشى أن لو أقدم عليه يقتل فإن أقدم عليه حتى قتل يكون شهيداً، لأنه أتى بذلك حقاً من حقوق الله تعالى وهو الامر بالمعروف فإن المسلم مأمور بذلك، وإنه يكون سبباً لكف الفجرة عن العصيان غالباً، بخلاف الواحد منا إذا دخل دار الحرب للحراب حيث لا يحل له ذلك - ولو قتل لا يكون مثاباً ـ لأن المقصود من الجهاد إعزاز دين الله تعالى وإعلاء كلمة الحق، وذلك لا يحصل بالواحد، فيكون فيه إلقاء نفسه في التهلكة من غير أن يقيم حقاً من حقوق الله تعالى.
[النوع الثاني من نوعى الرخصة الحقيقية]
والقسم الذى يكون دون الأول:: أن يكون السبب المحرم ثابتاً والحكم متأخراً لقيام العذر، فمن حيث إن السبب موجود يشبه الأول، ومن حيث إن الحكم غير ثابت في الحال يكون دونه، وإنه على مثال الصوم في حق المسافر فالسبب الداعى لحرمة الترك موجود وهو الشهر لكن الحكم متأخر الى وقت زوال العذر.
ومن حكمه أنه لو صبر على الصوم حتى مات جوعاً يكون آثماً، لأن الشرع نظر له وأخر حقه الى وقت القدرة على ذلك، فهو في الصبر على الصوم لا يقيم حقاً من حقوق الله تعالى لأن تركه ليس بمحرم عليه.
فصل [في نوعى الرخصة مجازاً]
أما المجاز فهو أن يكون موضوعاً عنا كالإصر والأغلال، فإنه وضع عن هذه الأمة ولم يوجد السبب في حقهم أصلا، فسمى رخصة مجازاً لا حقيقة.
ونوع آخر دونه في المجاز وأقرب الى الحقيقة وهو أن يكون السبب الداعي للحرمة ثابتاً والحكم ساقطاً أصلا كالسلم، فإن السبب الداعي لثبوت الحرمة موجود وهو بيع ما ليس عنده، لأن القدرة على التسليم شرط جواز العقد، وما لا يكون عنده لا يكون مقدور التسليم في حقه، لكن الشرع رخص في ذلك، وأقام الأجل مقام القدرة على التسليم.
وكذلك إذا أكره على أكل الميتة أو شرب الخمر، يباح له ذلك، لأن شرب الخمر كان مباحاً في الأصل، وإنما صار محرماً لحق العبد کيلا يزول، عقله، وكذلك الميتة صارت محرمة عليه كيلا يتعدى فسادها الى الطباع، أو لاحترام العبد وإكرامه على ما قال الله تعالى ويحرم عليهم الخبائث». فاذا خشي على نفسه ما هو الأهم صار ذلك مطلقاً له شرعاً. ولهذا قال الله تعالى (إلا ما اضطررتم اليه»، وحكم المستثنى يخالف حكم المستثنى منه أبداً.
ومن حكمه أنه لو صبر حتى قتل يكون مؤاخذاً بدمه لأنه لا يقيم حقاً بمنع النفس عنه وكذا القصر في باب السفر يسمى رخصة مجازاً لا حقيقة، لأن الحكم قد سقط أصلاً والصلاة عادت الى شطر واحد عندنا.
وعند الشافعي رحمه الله هو بالخيار إن شاء صلى أربعاً وإن شاء ركعتين، لأن السبب الداعي للتتميم موجود
ونحن نحتج بقوله عليه السلام: (إن الله تصدق عليكم بصدقة فاقبلوها»، والتصدق من الله تعالى علينا تمليك منه من غير أن يحتاج الى قبول منا، والدليل على أن الحكم سقط أصلاً لأنه لا يؤمر بالقضاء، وأمارة الواجب أنه لو تركه يلزمه القضاء، ولو ترك هذا الشطر لا يؤمر بالقضاء عرف أنه رخصة اسقاط.
فصل [أقسام الأمر والنهي]
فإذا عرفنا الأمر والنهى وأحكامها ونحتاج الى معرفة أقسامها، فنقول و بالله التوفيق:
الأمر والنهى أنواع أربعة:
العام والخاص، والمشترك، والمؤول.
[العام]
فالعام ما تناول جمعاً من المسميات، وإنه في اللغة عبارة عن الشمول يقال: مطر عام إذا عَمَّ الأماكن كلها.
[الخاص]
والخاص ما وضع لمعنى خاص أو لمسمى خاص. حتى إذا أردت خصوص الجنس قلت إنسان. وإذا أردت خصوص النوع من هذا الجنس قلت: رجل، وإذا أردت خصوص فرد من هذا الجنس قلت زيد.
فصل [حكم العام]
وحكم العام ثبوت موجبه فيما تناوله اللفظ قطعاً عندنا.
وعند الشافعي يثبت حكم اللفظ فيما تناوله اللفظ مع ضرب من الاحتمال كموجب القياس وخبر الواحد، حتى قال: يجوز تخصيص العام بالقياس وخبر الواحد.
احتج وقال: بأن العام قد يذكر غالباً و يراد به بعض ما تناوله اللفظ دون البعض، ولهذا يصح التخصيص بالنية، حتى لو حلف لا يأكل الطعام ونوى نوعاً دون نوع يدين فيما بينه و بين الله تعالى.
[حكم الخاص]
وأما الخاص فموجبٌ حُكْمَه فيما تناوله اللفظ قطعاً، لأن ذلك المخصص منصوص عليه فلا يحتمل غيره.
وبعض الناس قالوا بأن حكم العام الوقف الى أن يقوم دليل القول آخر، لأنه ما من جزء من أجزاء العام إلا ويحتمل أنه ليس بمراد من هذا اللفظ.
ولنا: أن واضع اللغة وضع للعام اسماً على حدة، ووضع للخاص اسماً على دليل الحنفية حدة، فمتى ذكر اللفظ تناول جمعاً من المسميات قطعاً، لأن جميع المسميات في حق اللفظة العامة كمسمى واحد، فيثبت الحكم في الكل قطعاً. ولهذا قلنا بأن تخصيص العام بالقياس لا يجوز، لأن حكم العام ثبت بدليل يوجب العلم، والقياس لم يوجب العلم وكذلك تخصيص العام بخبر الواحد لا يجوز عندنا لما مرّ أن خبر الواحد لا يوجب العلم وكذلك الخاص لا يقضى على العام عندنا.
وقال الشافعي رحمه الله: يقضى عليه لما مر من أصله أن العام بصيغته لا يوجب العلم بثبوت الحكم في كل جزء من أجزاء ما تناوله اللفظ. وعندنا الخاص لا يقضى على العام، كما أن العام لا يقضى على الخاص، لأن حكم العام ثابت في كل جزء من أجزاء ما تناوله كالخاص، فكما لا يجوز إبطال حكم الخاص بالعام لا يجوز ابطال حكم العام بالخاص.
ولهذا قال أصحابنا رحمهم الله: بأنه إذا أوصى لرجل بفص الخاتم، ثم أوصى للآخر بالخاتم، فالحلقة للموصى بالخاتم والفص مشترك بينهما، لأن اسم الخاتم يتناول الكل فثبت حكم الكل فيه.
ولهذا قال أبو حنيفة رحمه الله: العشر يجب في قليل النماء لقوله عليه السلام: «وما سقته السماء ففيه العشر»، وهذا عام بصيغته وأنه معمول به فلا يخصه بقوله عليه السلام: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة».
فلئن قال الخصم: أنا أجمع بينهما، فيقول: يجب العشر فيما وراء خمسة أوسق.
قلنا: هذا لا يكون عملاً بهما، لأن حكم ذلك النص ثبت فيما دون خمسة أوسق، وإنه نص مشهور مقبول عند نقله الحديث، فمتى رفع الحكم عنه بهذا المعنى، فقد نسخ العام في ذلك القدر، لأن رفع الحكم عن بعض الأعيان كرفعه في بعض الأزمان، ورفع الحكم في بعض الأزمان يكون نسخاً، فكذلك الرفع في بعض الأعيان فلا يجب المصير اليه إلا بخبر مشهور هو أشهر من الثاني حتى يترجح عليه، فأما إذا كان كلاهما مشهوراً والتاريخ معلوم [ف] ينسخ الاول بالثاني، وإن جهل التاريخ [ف] يصار الى الترجيح عندنا.
وعند الشافعى يجعل كأنهما وردا دفعة واحدة.
فصل [في بيان العام إذا خص منه شيء]
إذا قام الدليل على تخصيص العام يبقى الباقي حجة يجوز التمسك بها عندنا، سواء يكون المخصوص معلوماً أم مجهولاً، ولكنه يوجب العلم بغالب الظن ويجوز تخصيصه بالقياس
وقال بعض الناس: إن كان المخصوص معلوماً يبقى ما وراءه حجة قطعاً كما كان قبل التخصيص، وإن كان مجهولاً لا يعتبر هذا التخصيص، و يبقى العام معتبراً بعمومه.
وقال الشيخ أبو الحسن الكرخى: لا يبقى الباقى حجة بحال لأن المراد من اللفظ بعضه، وصار اللفظ مجازاً عن البعض وذلك البعض ليس بمعلوم.
ولنا: أن العام تناول جمعاً معلوماً من المسميات، وتخصيص البعض منه بمنزلة الاستثناء، ثم استثناء بعض ما تناوله الصدر لا يوجب بطلان الحكم فيما عداه معلوماً كان أو مجهولاً، حتى لو قال: لفلان علي ألف إلا مائة أو خمسين يلزمه تسعمائة، لأنه ثابت قطعاً، أما الخمسون ففى رواية تلزمه أيضاً لأن الشك وقع في أستخراجه عن الصدر، وهو الأصح من مذهب أبي حنيفة وأبى يوسف، وفي رواية ـ وهو قول محمد رحمه الله ـ يجب تسعمائة لا غير لأن الشك وقع في ثبوته.
فالحاصل وهو أن دليل الخصوص يشبه الاستثناء من حيث إنه يبين أن المراد من العام ما وراء المخصوص و يشبه الناسخ من حيث إنه أصل بنفسه ومستقل بذاته، فما يكون معلوماً يكون مستثنى عن العام، وما يكون مجهولاً يحتمل أن يكون مراداً بالدليل المخصص فبقى العام في حق ذلك القدر معتبراً في حق العمل دون العلم، فحينئذ يجوز تخصيص العام بالقياس لأن القياس مثله من حيث إنه يوجب العمل دون العلم.
وكذلك يجوز تخصيصه بخبر الواحد لأن خبر الواحد فوقه، لأن أصله يوجب العلم وهو كلام الرسول عليه السلام، لكن لما تمكنت الشبهة في النقل عنه لم يوجب العلم.
وكذا إذا كان المخصوص من العام معلوماً يجوز تخصيص الباقي بالقياس لاحتمال أن يكون المخصوص معلولاً بعلة توجد تلك العلة في بعض ما بقي فتمكنت شبهة إرادة الباقى بناء على ذلك التخصيص، فبقى معتبراً في حق العمل دون العلم القطعى فيجوز تخصيصه بالقياس، بخلاف ما قبل التخصيص حيث لا تعتبر ارادة التخصيص كما يقوله الشافعي رحمه الله، لأن العام أوجب العلم بظاهر الصيغة وشبهة التخصيص لا تستند الى دليل. فلا يعتبر هذا الاحتمال.
[فصل في ألفاظ العموم]
فإذا عرفنا حكم العام: فلابد من معرفة ألفاظه فنقول:
ألفاظ العام أنواع:
[النوع الأول] عام بصيغته ومعناه، كقولنا: «المسلمون، والمشركون».
فإن اللفظ وضع للجمع، وإنه جمع بصيغته، وواحده مسلم ومشرك. فإذا اقترن به لام التعريف نظر: إن كان هناك متعارف ينصرف اليه، لأن اللام للتعريف، وإن لم يكن هناك متعارف * يحمل على تعريف الجنس ويسقط اعتبار الجمع، لأن الجميع من الجنس أجزاء الجنس وجميع الجنس في كونه جنساً كشيء واحد، ثم الواحد من الجنس يصلح جنساً كاملاً، فإن الله تعالى لو لم يخلق من البشر إلا آدم عليه السلام [لـ] كان جنساً كاملاً، فمتى أطلق هذا الاسم يصرف الى الواحد لأنه جنس كامل وأنه مراد باللفظ على كل حال، وفيما عداه تردد واحتمال فإذا نوى بذلك كل الجنس فحينئذ ينصرف الى الكل.
ولهذا قلنا: إذا حلف أن لا يتزوج النساء فتزوج امرأة واحدة حنث في يمينه ولو نوى جميع النساء لا يحنث أبداً، لأنه نوى ما يحتمله اللفظ فصحت النية، فما لم يتزوج جميع نساء العالم لا يحنث، وذلك لا يتصور على ما عليه العادة.
ولو نوى في ذلك عدداً تكون النية لغواً، لأن اسم الجنس لا ينصرف للمتعدد، وهذا بخلاف ما إذا حلف أن لا يتزوج نساء فتزوج امرأة واحدة حيث لا يحنث حتى يتزوج ثلاثاً، لأن لإم الجنس ما دخل عليه فيبقى معتبراً بصيغته، وإنه اسم جمع، وأقل الجمع الصحيح هو الثلاث.
[النوع الثاني] وعام بمعناه دون صيغته، (كالجن والإنس»، فإن اللفظ لفظ الواحد، وكذلك القوم والرهط، ولهذه الالفاظ جمع بمعناها فرد بصيغتها فإذا دخلتها لام التعريف تكون للجنس.
ومن الحروف المبهمة ما يكون عاماً بمعناه دون صيغته: «كمن، وما، وكل، وكلما فإن من لمن يعقل، وما لما لا يعقل، وإنه يدخل على الجنس فيعمه، قال الله تعالى: «له ما في السموات وما في لأرض»
(وكل» يصحب الاسماء فيعمها، و «كلما» تصحب الافعال فتعمها.
وأما الخاص فقد مرّ أنه عبارة عن اسم قطع لمعنى مخصوص، أو اسم وضع لمسمى مخصوص، وإنه في اللغة عبارة عما يقطع الشركة. يقال: فلان اختص بكذا إذا انفرد به».
فصل [أقسام العام والخاص]
فإذا عرفنا الخاص والعام فنحتاج الى معرفة أقسامهما فنقول:
كل واحد منهما ينقسم الى أربعة أقسام: «الى ظاهر، ونص، ومفسر، ومحكم».
1 - فالظاهر ما ظهر مراده بنفس الكلام للسامع. كقوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء»
2 - أما النص فما ازداد ظهوراً على الظاهر بزيادة معنى في المتكلم لا يوجد ذلك المعنى في الظاهر. من قول العرب: نصصت البعير اذا استخرجت منه السير فوق سيره المعتاد بضرب تكلف، ومن ذلك عَرْشُ العروس منصة لأنه يزيد ظهوراً على سائر المجالس.
سمى النص نصاً لأنه يزيد ظهوراً و بياناً، كقوله تعالى: «مثنى وثلاث ورباع» فهو يزيد ظهوراً على قوله «فانكحوا ما طاب لكم من النساء»
وحكمه: أن يثبت الحكم في المنصوص عليه قطعاً ويقيناً، وكذلك الظاهر، إلا النص أن الظاهر والنص إذا تعارضا يكون النص أولى من الظاهر لما مر.
3 - والمفسر مازاد في كشفه و بيانه فيصير فوق النص في البيان، وهذا كقوله تعالى فسجد الملائكة كلهم أجمعون»، فصار مؤكداً بحيث لا يحتمل الخصوص، ولكن يحتمل الاستثناء كقوله إلا إبليس».
ـ أما المحكم فما أحكم بيانه.
ولهذه الاسماء، أضداد، وتتبين معانى هذه الاسماء بها، فضد الظاهر «الخفي»، وضد النص «المشكل»، وضد المفسر «المجمل»، وضد المحكم «المتشابه».
فالخفى اسم لما خفى مراده، بحيث لا يدرك إلا بالطلب.
والمشكل فوق الخفى، أشكل أى صار ذا إشكال كقوله: أحرم أي دخل في الاحرام وصار ذا حرمة.
والمجمل مأخوذ من الإجمال والجملة.
[والمتشابه اسم لما انقطع رجاء معرفة المراد منه لمن اشتبه فيه عليه كصفات الله تعالى وفواتح السور]
فحكم الخفى الطلب، وحكم المشكل التأمل بعد الطلب وحكم المجمل التوقف فيه حتى يظهر معناه [وحكم المتشابه اعتقاد الحقية والتسليم بترك الطلب والاشتغال بالوقوف على المراد منه]
ومن الأسماء ما يكون مشتركاً، يشترك فيه جمع من المسميات كاسم العين وغيره، لا يمكن العمل به حتى ينضم اليه ما يوجب رجحان نوع من المسميات إما بطريق الدلالة أو غيرها، فإذا جاء الرجحان حصل العلم بغالب الظن والرأى فيجب العمل به.
ومنها ما يكون مؤولاً وهو ما ترجّح بعض وجوهه بغالب المؤول الرأى، من أوّل الشيء إذا جعله يؤول الى ما حمله عليه، فيكون مفعول فعله حتى رجحه اليه بتأويله وغالب ظنه.
ولا كذلك إذا ثبت بدليل قاطع أو سماع من يجب تصديقه.
فصل [في أنواع استعمال الكلام]
واستعمال هذه الاشياء يكون على أربعة أوجه: «حقيقة، ومجاز، وصريح، وكتابة».
والاستدلال بكل واحد يكون على أربعة أوجه: «بعبارتها وإشارتها ودلالتها واقتضائها».
1 - فالحقيقة ما وضعه واضع اللغة لذلك الشيء وحق له ذلك الكلام.
? - والمجاز: ما نقل عن موضعه الى غير ما وضع له اللفظ استعارة، وطريق الاستعارة إنما يتمهد باتصال بين ما استعير له اللفظ و بين ما وضع له اللفظ.
والا تصال يكون بوجهين:
أحدهما: اتصال بينهما في المعنى الخاص. كالشجاع يسمى أسداً لمشابهة الأسد في المعنى الذي اختص به الأسد وهو القوة. وكذا البليد يسمى حماراً.
والآخر: اتصال بينهما من حيث السببية كالمطر يسمى سماء لأنه ينزل من السماء أى من قرب السماء. والنبت يسمى ندى لأن الندى بسبب من النبات.
وقد يكون أيضاً لا تصال بين الذاتين، کالغائط يکني به عن الحدث، وإنه عبارة عن المطمئن من الأرض.
وفي الشريعة يكون على وجهين أيضاً.
أحدهما: أن يكون بين اللفظين اتصال من حيث المعنى، والآخر: السببية، فإن اللفظ إذا كان بسبب من موجب لفظ آخر يستعار له، كالتمليك يستعار للنكاح عندنا، لأنه بسبب من موجب النكاح في الجملة، وهو ملك المتعة، فإن التمليك إذا صادف الجواري يفيد ملك الرقبة، وملك الرقبة يفيد ملك المتعة، فيكون ملك المتعة موجباً للتمليك السابق بواسطة ملك الرقبة، فجعلناه مجازاً عن النكاح لأنه يصلح ذريعة لتحصيل ملك المتعة كما مر.
ولا يجعل النكاح مجازاً عن البيع لأنه ليس بسبب من موجبه الأصلى وهو ملك الرقبة وعلى هذا الطلاق مع العتاق.
وعند الشافعي رحمه الله: لا ينعقد النكاح بلفظ الهبة ـ لا لأن الاستعارة لا تجوز ـ ولكن لأن موجب النكاح انضمام كل واحد من الزوجين الى صاحبه. والملك ثبت تحقيقا لذلك لا لأن كل موجب النكاح ذلك.
لكنا نقول: الازدواج بناء على ملك المتعة.
ثم اللفظ الواحد إذا صار مجازاً عن غيره لا يكون معتبراً بحقيقته، لما هل تجتمع مر أنه نقل عن موضعه الى موضع آخر، ولهذا كالثوب الواحد لا يتصور أن المجاز في يكون مستعاراً ومملوكاً لشخص واحد.
وإنه () أحد نوعى الكلام يصار اليه لإظهار الفصاحة وتوسعة الكلام، ولهذا تمثلوا بذلك، وكثر استعماله في كتاب الله تعالى.
3 - أما الصريح فما ظهر من نفس الكلام حقيقية كان أو مجازاً، من قولهم: (صَرَّح الحق عن محضه». وأبدى الصريح عن الرغوة».
اذا انكشف عنه الرغوة. مثال قول القائل لعبده: أنت حر. ولامرأته: أنت طالق.
4 - والكناية: ما استتر معناه ولا يعرف إلا بقرينة زائدة.
ولهذا سمى قولهم هو وهي، وأنتم، وما أشبهها كناية، لأن المراد منه مستتر لا يعرف إلا بزيادة على اللفظ.
ولهذا سميت الكنايات في كتاب الطلاق كنايات لما دخل منها في الابهام.
فصل [في أنواع الاستدلال]
? - ثم الاستدلال بعبارة النص جائز، لأن النص صار موجباً بعبارته
2 - أما الإشارة فما دخل في أثناء الكلام لا على سبيل القصد اليه بل الكلام سيق لغيره، ثم هو يظهر من ذلك الكلام، كقوله تعالى للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم»، فهذه الآية سيقت لبيان أن لهم نصيباً من الغنيمة، وفيه إشارة الى أن استيلاء الكافر على مال المسلم سبب لثبوت الملك، لأن الله تعالى سماهم فقراء، لأن المشركين تملكوا ديارهم وأموالهم بالاستيلاء، والآية ما سيقت لبيان أنهم فقراء.
وكذلك قوله تعالى فالآن باشروهن» الى أن قال: «وكلوا واشر بوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر»، وفيه إشارة الى أن من أصبح جنباً لا يفسد لأن الله صومه، تعالى أباح الجماع الى أن يطلع الفجر، فالاغتسال يقع بعد طلوع الفجر لا محالة.
عرفنا أن الجنابة لا تفسد الصوم إلا أن الآية ما سيقت له وإنما سيقت لبيان أن قضاء الشهوتين مباح الى طلوع الفجر.
3 - أما الدلالة كقوله تعالى (فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما) فالمنصوص عليه فعل التأفيف، ولكن أهل اللسان يعرفون أن أصل هذا الفعل يؤدّى الى الأذى، والنهى عنه نهى عن الايذاء كالنهي عن الضرب نهى عن الايلام بطريق الدلالة فكذلك ههنا، فالثابت بالنص حرمة التأفيف وغير ذلك صار محرماً بدلالة النص.
وكذا الأكل في نهار رمضان عمداً يوجب الكفارة، والنص ورد المواقعة، لكن المواقعة إنما صارت جناية موجبة للكفارة لأنها تبطل الصوم، والأعرابي خاف على نفسه الهلاك بذلك فكان ايجاب الكفارة بالمواقعة إيجاباً بالأكل بطريق الدلالة
4 ـ أما المقتضى فما ثبت شرطاً لصحة حكم شرعى» فننظر الى المسمى فإن لم يصح إلا بغيره يثبت ذلك الغير شرطاً لصحة ذلك اللفظ، كقوله تعالى (واسأل القرية التي كنا فيها» لما لم يصح السؤال عن القرية أدرجنا هناك شيئاً زائداً ليصح به اللفظ وهو الأهل.
ثم ما يثبت بمقتضى اللفظ لا عموم له عندنا، وعند الشافعي رحمه الله له عموم، فالشافعي يقول: بأن مقتضى اللفظ مطلوب منه لغة، يقال: اقتضيت الشيء اذا طلبته عرفت أنه مطلوب اللفظ فيكون حكمه مضافاً الى النص فيصير كأنه نص عليه، ولونص عليه يتعمم، فكذلك إذا لم ينص عليه وهو مطلوب بنص الكلام.
وقال الشافعي ولهذا قلت بأن الكافر لا يساوى المسلم في حق الأحكام نحو القصاص والدية وغيرهما لقوله تعالى «لا يستوى النار أصحاب وأصحاب الجنة» ولم يرد به المساواة في حق الوصف الحقيقي فكان المطلوب من اللفظ الحكم الشرعي اللفظ الحكم الشرعى، فكأنه قال عز ذكره: لا يستويان في الحكم. قال الشافعي ولهذا قلت: بأن الرجل، اذا قال لامرأته: أنت طالق ونوى به الثلاث يصح و يقع الثلاث لأنه يقتضى وقوع الطلاق، و يبتغيه وقوع الطلاق بهذا اللفظ حق له ومطلوب منه
عليه فيصير كالمنصوص
وأصحابنا رحمهم الله احتجوا وقالوا بأن المقتضى ليس بمذكور في واصحابنا رحمهم اللفظ، واللفظ ما وضع له، ولا يقتضى الثبوت باللفظ لغة أيضاً، إنما يثبت شرعاً ضرورة تصحيح الكلام، وجعل المعدوم الذي ليس بمذكور بمنزلة المذكور قلب الحقيقة، فيصار اليه لأجل الضرورة، وضرورة تصحيح اللفظ بالأدنى، فلا يثبت ما هو الأعم.
فإن قوله تعالى لا يستوى اصحاب النار وأصحاب الجنة» ينبيء عن انتفاء المساواة بينهما ولا يتعرض للحكم، وإنما صرفناه الى الحكم ضرورة تصحيح اللفظ.
وقول الزوج لزوجته: أنت طالق عبارة عن اتصافها بهذه الوصف، ولا يقتضى وقوع الطلاق بهذا اللفظ، كقولك: فلان مجروح. يقتضى اتصافه بهذا الوصف ولا يقتضى ثبوت الجرح بهذا اللفظ، ولكنا حكمنا بوقوع الطلاق في ضمنه ضرورة تصحيح اللفظ.
وهذا بخلاف ما اذا قال لآخر طلق امرأتي ونوى الثلاث، حيث يكون صحيحاً لأن هذا أمر بجنس تصرف وهو الطلاق، فقوله: طلق، كقوله: أوقع الطلاق عليها. فكان الطلاق مذكوراً لغة فيتعمم. فأما الطلاق ههنا فليس بمذكور لغة وإنما المذكور وصفها بهذا الوصف، وذلك لا يقع إلا اذا وقع الطلاق عليها فأثبتنا الطلاق شرعاً لصحة الكلام.
فصل [المخصوص بالذكر] [أو المفهوم]
ومن الناس من قال: بأن النصوص يعمل بمفهومها، وأراد بذلك أن التنصيص على الشيء يدل على نفى الحكم عما عداه، لأن الشارع إنما نص على بعض الأعيان دون البعض لتخصيصه بالحكم، ولو لم يجعل كذلك يكون التخصيص لغواً، وكلام الله تعالى وكلام الرسول ـ عليه السلام ـ منزه عن ذلك.
وهذا خطأ، لأن النص ورد لإثبات الحكم في المذكور لا لنفى عن غير المذكور، فلم يثبت الحكم في غير المنصوص عليه بصيغة اللفظ لأن اللفظ ما تناوله لا أن اللفظ يقتضى انتفاءه.
ولهذا جوزنا تعليل النصوص لتعدية الحكم الى موضع لا نص فيه.
ثم الشافعي رحمه الله زاد على هذا وقال: التنصيص على وصف من صفات المسمى يوجب تخصيص الحكم به. حتى قال: إن الحكم عند عدمه، فلا يعدى الحكم من هذا النص الى موضع لا نص بالتعليل، لأن إفراد الوصف بالذكر لا ينفك عن فائدة زائدة وهي تعليق الحكم به يوجد عند وجوده و ينعدم عند عدمه، ولهذا قلنا: بأن الزكاة لا تجب في غير السائمة من الإبل، لأن صاحب الشرع نص على وصف الإسامة، فيجب أن يكون له فائدة وهى تعليق الحكم بهذا الوصف.
ولهذا قال الشافعي: بأنه إذا عجز عن التزوج بالحرة لا يجوز له التزوج بالأمة الكتابية لأن الله تعالى نص على المؤمنة حيث قال: «من فتياتكم المؤمنات» وفائدة التنصيص على الوصف تعليق الحكم به.
واصحابنا رحمهم الله احتجوا وقالوا بأن الوصف المؤثر المذكور أقصى ما في اللباب أن يجعل علة لثبوت الحكم كقوله تعالى: «الزانية والزاني» و «السارق والسارقة»، ولكن تأثير كونه علة في ثبوت الحكم به في الموضع الذى وجدت العلة لا في انتفاء الحكم عن غيره، وانتفاء الحكم عن غيره يكون لفقد السبب، حتى لو وجد السبب ثبت الحكم به، فكذا تأثير وجود الوصف في ثبوت الحكم به. فأما انتفاء الحكم في غيره فيكون لعدم السبب الداعي لذلك.
ولا يلزم على هذا مسألة ذكرها في كتاب الدعوى وهي: أن الرجل إذا كانت له أمة فجاءت بثلاثة أولاد في بطون مختلفة، فادعى المولى نسب الأكبر، حيث لا يثبت نسب الأوسط والأصغر، قلنا: إنما لا يثب لأنه سكت في موضع الحاجة الى البيان، والسكوت في موضع الحاجة الى البيان يحمل على ما يحل فحملنا السكوت على النفي ليكون حلالاً، لا أنا نجعل التنصيص على الوصف دليلا على نفى الحكم عما عداه.
فصل في [تعليق الحكم بالشرط]
ومن هذا القبيل تعليق الحكم بالشرط، يوجب الوجود عند وجود الشرط، ولكنه لا يوجب انعدام الحكم عند عدم الشرط عندنا.
وعند الشافعي رحمه الله يوجب انتفاء الحكم عند عدم الشرط. وكذلك التعليق يكون سبباً للتملك قبل الشرط عنده، وتأثير عدم الشرط في تراخى الحكم الى وقت وجوده.
وعندنا: المعلق بالشرط لا يكون سبباً قبل وجوده.
[حجة الشافعي رحمه الله]
احتج وقال: بأن الشيء إذا علق بالشرط ينتفى بأصله قبل وجود ذلك الشرط لانعدام ذلك الشرط، لا لعدم الدليل، لأن الشيء الواحد إذا تعلق بالشرط لا يتصور وجوده قبله كالتعليق الحقيقي، فإن من علّق القنديل بالحبل ينتفى وجوده في غيره لكونه معلقاً بالشرط. ولهذا قال الشافعي رحمه الله: بأن طول الحرة يمنع نكاح الأمة لأن الله تعالى علق الجواز بعدم الاستطاعة، فمتى قلنا بالجواز قبلها يبطل التعليق الثابت بإثبات الشرع وهذا لا يجوز.
فأما تعليق الطلاق بالملك فيقول فيه: الطلاق يقع في المحل بهذا واللفظ " موجود ولكنه لا يعمل لمانع.
وأصحابنا احتجوا: وقالوا بأن المعلق بالشيء يكون عدماً قبل وجوده، لأن التصرف يقوم بالمتصرف والمحل، فإذا عُدم أحد هذين الوصفين لا يكون ذلك التصرف معتبراً شرعاً كبيع الحر.
فإذا قال الرجل لامرأته: طلقتك، أو أنت طالق. لا يتصل هذا اللفظ بالمحل حقيقة ولا يتأثر به المحل حقيقة، إلا أن الشرع حكم باتصاله بالمحل حكماً، وثبوت موجبه حكماً فإذا قال: «أنت طالق إن دخلت الدار فقد منعه من اتصاله بالمحل حكماً الى وقت وجود الشرط، واذا سقط اعتباره في حق المحل الى وقت وجود الشرط لا يعتبر سبباً قبله، لأن تأثير هذا الشرط في منعه من السببية لما مر أنه يصير سبباً باتصاله بالمحل شرعا.
وكذا اذا قدم الشرط فقال: إن دخلت الدار فأنت طالق فقد علق نفس اللفظ بالدخول حكماً، فقبله لا يعتبر شرعاً في حق المحل.
وهذا بخلاف خيار الشرط لأن الشرط دخل على الحكم بكونه مبيعاً، ولهذا لو قال: على أنى بالخيار الى مضى هذا اليوم أو مضى الغد يكون صحيحاً، ولو قال: بعت منك الى مضى هذا اليوم لا يكون صحيحاً لأنه دخل على نفس الفعل، وتعليق العقد بالشرط لا يجوز.
وهذا بخلاف التعليق الحقيقى لأن المعلق شيء موجود محسوس لا يتصور أن يكون في مكانين فأما اللفظ ههنا فلا يكون سبباً في يتصور الحال بل يكون عدماً حكماً في حق المحل، والعدم لا ينفى وجود العلة الداعية لثبوت الحكم.
ولهذا جوزنا التزوج بالأمة الكتابية لأن الأصل في النكاح هو الجواز لقوله تعالى وأحِلَّ لكم ما وراء ذلكم»، وتعليق جواز النكاح بالأمة المؤمنة لعدم طول الحرة يدل على جوازه عند وجود الشرط ولا يدل على انعدامه عند عدمه، وكذلك يجوز التزوج بالأمة مع القدرة على التزوج بالحرة لأن النص يدل على أن من لا يستطيع التزوج بالحرة يجوز له التزوج بالأمة وليس منه بيان أن من يستطيعه يجوز له التزوج بالأمة أم لا.
فصل [المطلق والمقيد]
ثم المطلق يُجرى على إطلاقه، والمقيد يُجرى على قيده عندنا وعند الشافعى المطلق يحمل على المقيد.
[حجة الشافعي رحمه الله]
هو يقول: بأن المطلق ساكت عن الوصف ولا يتعرض [له] ونحن نحتاج الى معرفة الوصف كما نحتاج الى معرفة الأصل فجعلنا البيان في أحد الموضعين بياناً في حق الثانى مثاله: كفارة اليمين مع القتل فإنه لو اعتق رقبة كافرة عن يمينه لا يتأدى به الكفارة، لأن النص ورد مطلقاً في كفارة اليمين ومقيداً في كفارة القتل، والكفارات كلها جنس واحد، فالشرع لما قيد الرقبة بوصف الإيمان في موضع لحكمة حميدة وهي التقرب الى الله تعالى بتخليص عبده المؤمن عن مذلة العبودية صار ذلك بياناً في سائر الكفارات فلئن قلتم بأنه يغير به المطلق عن سننه، نقول:: ليس كذلك لأن الوصف غير مستفاد بالمطلق لأنه ساكت عن الوصف فيكون هذا اثبات وصف زائد بنص آخر مع بقاء ما كان واجباً بالمطلق ومثل هذا يجوز
[حجة الحنفية]
ولنا في المسألة: أن صفة الإطلاق ثابتة بالنص، كما أن صفة التقييد ثابتة بنص آخر، فكما لا يجوز إبطال وصف التقييد بالمطلق، لا يجوز إبطال وصف الإطلاق بالقيد، لأن كل واحد منهما مقصود. فإن المقصود من الإطلاق توسعة الأمر وتسهيله على الناس، والمقصود من التقييد هو التشديد، ولهذا قلنا: بأنه لو أعتق رقبة كافرة عن كفارة يمينه يجوز، لأن الله تعالى نص على إعتاق رقبة، فإذا أعتق الكافرة فقد أتى بما هو المنصوص عليه، فالنص يقتضى خروجه عن العهدة، فمتى قلنا: بأنه لا يخرج أدى ذلك الى ابطال حكم ثبت بنص الكتاب وهذا لا يجوز.
فصل في الاستثناء
[تعريف الاستثناء عند الحنفية]
الاستثناء: «إخراج بعض ما تكلم به، وتكلم بالباقي بعد الثنيا».
وعند الشافعي:
استخراج بعض ما تُكلّم به في حق الحكم، فالصدر يقتضى الوجوب والثبوت إلا أن قدر المستثنى لا يثبت للمعارض، والمستثنى يعارض المستثنى منه بحكمته، فيمتنع حكمه.
وعندنا لا يعمل بطريق المعارضة، ولكن الكل يعتبر كلاماً واحداً فيثبت حكم الجملة على وفق ما تقتضيه الجملة.
[حجة الشافعي]
احتج الشافعى رحمه الله بقول أهل اللغة، فإن أهل اللغة قالوا: بأن الاستثناء من النفى اثبات ومن الاثبات نفى، وإنما يكون الاثبات من النفى أن لو كان الصدر كله نافياً، ثم الانتفاء لا يتحقق في قدر المستثنى بعارض الاستثناء.
[ارد الشافعي على تعريف الحنفية للاستثناء]
فأما متى قلنا: بأنه تكلم بالباقي بعد الثنيا فلا يتحقق الإثبات من النفي بل يكون هذا نفياً في حق غير المستثنى، وكذلك الإثبات على هذا، فأما متى قلنا بأن الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا فيكون هذا اثبات الحكم الى أن ينتهى الى المستثنى وقد قام الدليل على خلافه فإن كلمة الشهادة إيمان وإنه كلمة ثناء على الله تعالى، وإنما يكون ثناء على تعالى إذا كان نفياً للألوهية عن غير الله تعالى وإثبات الألوهية لله تعالى، فأما متى قلنا بأنه تكلم بالباقي بعد الثنيا يكون هذا نفى الألوهية عن غير الله تعالى من غير أن يثبت الألوهية الله تعالى، فلا يكون هذا نفى الألوهية عن غير الله تعالى من غير أن يثبت الألوهية الله تعالى، فلا يكون هذا ثناء على الله تعالى، وكذا قوله: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا على هذا كله مدح في حقه، وإنما يكون مدحاً إذا كان هذا لإثبات الفتوة لعلى ونفيها عن غيره.
قال الشافعي ولهذا قلت بأن بيع المطعوم بجنسه حرام إلا إذا باع مثلاً بمثل، لقوله عليه السلام لا تبيعوا البر بالبر إلا سواء بسواء»، فإن قوله لا تبيعوا البر بالبر» يوجب الحرمة على الإطلاق، وقوله: «إلا سواء بسواء هذا إثبات من النفي، فكانت المساواة مخلصاً للحكم الثابت بصدر الكلام، فما لم توجد المساواة في المعيار الشرعى لا يثبت الحل. قال: ولهذا قلت: إن بيع الحفنة بالحفنتين لا يجوز لما مر.
وحقيقة الفقه فيه وهو أن استخراج نفس الكلام لا يتصور بعد التلفظ به وإنما يتصور منع الحكم بما يعارض الصدر بحكمه، عُرف أن الاستثناء يعمل بطريق المعارضة مثاله قوله تعالى فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو»، فالصدر لبيان أنه إذا طلقها قبل الدخول بها يجب نصف المفروض، وقوله: (إلا) أن يعفون لبيان أنه يعارضه بحكمه. وكذلك قوله تعالى فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً الى قوله إلا الذين تابوا»، فالصدر يقتضى وجوب الحد ورد الشهادة والفسق ثم استثنى التائبين منهم، والمستثنى يعارض المستثنى منه بحكمه فيمتنع حكم الصدر فيه، ولهذا قلت: بأنه يكون مقبول الشهادة بعد التوبة - وكان ينبغي أن لا يجب الحد عليه إلا أن الحد حق العبد عندى فاعتبرت التوبة اليه فلوتاب اليه واعتذر وعفاه صاحب الحق يسقط أيضاً فيعتبر العفو من جهة من له الحق في التائبين جميعاً لتتحقق التوبة بمعناها
[رأى الحنفية وحجتهم]
وأصحابنا رحمهم الله احتجوا بقول أهل اللغة أيضاً وقالوا بأن الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا ـ وهذا منقول عنهم ونفس الكلام يدل عليه ـ فإن الرجل إذا قال: لفلان على الف إلا مائة فغرضه من هذا إظهار أن الواجب عليه تسعمائة إلا أنه يُعبّر بعبارتين: عبارة قصيرة وهي قوله تسعمائة وعبارة طويلة وهى قوله: ألف إلا مائة. يدل عليه قوله تعالى: «فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً» فالمراد بهذا النص بيان أنه لبث فيهم تسعمائة وخمسين عاماً.
وهذا الفقه، وهو أن قوله إلا مائة أو إلا كذا، لا يصلح أن يكون كلاماً معتبراً بنفسه، فنعتبره مع الصدر كلاماً واحداً نعتبر الحكم كما تقتضيه الجملة ولا يقال: بأن الصدر يوجب وهذا يعارضه فينتفى.
يدل عليه كلمة الشهادة فإن قولهم [بل قولنا وقولهم] «لا إله إلا الله كلمة التوحيد وإنما يكون هذا كلمة التوحيد إذا اعتبرت الكل كلاماً واحداً أو رتبت على الكل حكماً واحداً، فأما إذا جعلناه لنفى الألوهية لا يجوز التلفظ بذلك ابتداء
وأما قوله: بأن أهل اللغة يقولون بأن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات النفي. قلنا: إنما قالوا ذلك مجازاً لا حقيقة، لأن حكم الصدر ينتهى بالمستثنى فيكون ذلك غاية له، وإنما يكون غاية للصدر إذا كان حكمه على مضادة حكم الصدر فإذا انتفى به حكم الصدر تعين هو للثبوت فيكون إثباتاً معنى إذا اعتبر مع الصدر كلاماً واحداً.
وكذا نقول في قولهم بل قولنا وقولهم]: «لا إله إلا الله» فإنه نفى الألوهية عن غير الله تعالى على وجه ينتهى به وكذلك قولهم: لا عالم إلا زيد ولا فتى إلا على وهذا نفى الفتوة عن غيره على وجه ينتهى به وإنما ينتهى به اذا لم يدخل هو تحت النفي فتبقى الفتوة مثبتة ضرورة.
ولهذا قال أصحابنا رحمهم الله تعالى: بأن المعلق بالشرط لا يكون سبباً في الحال حتى جوزوا تعليق الطلاق بالملك، لأن قوله: «وإن تزوجتك أو دخلت الدار ليس بكلام مستقل بنفسه فنعتبره مع الصدر كلاماً واحداً، وإذا اعتبرنا هذا كلاماً واحداً لا يصلح سبباً للحال، لأن لهذه الجملة لا تستدعى وقوع الطلاق والسبب ما يستدعى الحكم في الحال وإن تأخر الحكم لمانع.
فإذا ثبت هذا فنقول: الاستثناء نوعان: متصل كما مر، ومنفصل، كقوله تعالى: «إننى براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين» فإنه استثناء منقطع لأنه ليس من جنس المستثنى منه، وإنما استخراج بعض الصدر إذا كان داخلا تحت الصدر، فإن الاستثناء الثني وهو عطف الشيء ورده، فكأن المتكلم يعطف أحد طرفي الكلام ويقصره، وهذا لا يتصور إلا إذا كان المستثنى داخلاً تحت الصدر، وهذا لم يدخل تحت الصدر، لأنهم كانوا لا يعبدون فاطر السموات جلت قدرته، فجعلنا كلمة إلا بمعنى لكن فيكون هذا منقطعاً عن الأول فلا يكون هذا استثناء بحقيقته.
وإذا جعلناه بمعنى لكنّ يصير كأنه قال: «لكن الذي فطرني فإنه سيهدين وكذلك قوله تعالى: لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما»
ثم إن كان منقطعاً فننظر إن كان حكمه على مضادة الأول، والثاني يكون متحققاً بينهما تعارض يعارض الأول بصدره وإلا فلا، فنقول: إذا قال لفلان علي الف درهم إلا ثوباً، يلزمه ألف درهم، والاستثناء لا يصح، لأنه لا يمكن أن يجعل استثناء بحقيقته، لأن الثوب ليس جنس ما ذكره، وكذلك اذا اعتبرناه منفصلاً كأنه قال: ولكن ليس على يصير ثوب وعدم وجوب الثوب لا ينافي وجوب الألف. فكذلك المحدود في القذف إذا تاب لا تقبل شهادته لأن قوله تعالى «إلا الذين تابوا» ليس باستثناء متصل لأن الاستثناء دخول المستثنى تحت حكم الصدر، يمنع والتائبون قد دخلوا تحت الصدر، لأن حكم الصدر لزم كل قاذف وهو الفسق، والأمر بأقامة الجلد عليه ورد شهادته، فيكون هذا استثناء منقطعاً، فكأن الله تعالى قال: لكنَّ الذين تابوا فإن الله غفور يغفر رحيم له ذنبه و يرحمه، وأن يصير الرجل مغفوراً لا ينافي كونه مردود الشهادة كالعبد المؤمن التقي مغفور ومع هذا لا تقبل شهادته، وكذلك لا يعارض الأمر بالجلد فإنه يجوز أن يكون مغفوراً و يقام عليه الجلد، والخصم يوافقنا فيه.
وكذلك قوله تعالى: «إلا أن يعفون) ليس باستثناء حقيقة، لأن حكم الصدر يثبت على العموم وهو وجوب نصف المهر المفروض، ثم السقوط يكون بسبب مسقط يتحقق من بعد وهو العفو. فكأنه تعالى قال: (لكن إن يعفون أو عفا الزوج فلا شيء عليكم»، وجعل العفو مسقطاً بعد تحقق الوجوب، وفي الاستثناء الحقيقي لا يتحقق الوجوب أصلا لما مر.
أما قوله عليه السلام لا تبيعوا البر بالبر إلا سواء بسواء» قلنا: صاحب الشرع ما أثبت حرمة مطلقة إنما أثبت حرمة تنتهى بالمساواة كيلاً، وجعلها غاية للحرمة، كقول القائل: لا تبع هذا الدقيق إلا كيلاً، لهذا إثبات حرمة ينتهى بالبيع كيلاً، فلا يستقيم إثباته إلا في فعل يقبل الكيل، حتى لو قال هذا في محل لا يقبل الكيل يكون لغواً.
فكذلك قول صاحب الشرع: لا تبيعوا البر بالبر إلا سواء بسواء» أى إلا كيلا بكيل، فيتناول محلاً يجرى فيه الكيل، ولأن المساواة حالة من الأحوال فإن البيع تارة يكون بطريق المفاضلة وتارة بطريق المجازفة وتارة بطريق المساواة، فصاحب الشرع استثنى هذه الحالة من الجملة، وهذا لا يستقيم إلا في محل له أحوال فما لم يقبل المساواة كيلاً أو وزناً بحال لا يدخل تحت النص، ولهذا قلنا: إن بيع الحفنة بالحفنتين جائز لأن النص ما تناوله لما مر أن الحرمة تثبت على وصف ينتهى بالمساواة كيلاً والكيل لا يجرى في هذه الأشياء على ما مر. والله اعلم.
فصل [هل الاقتران في النظم يوجب الاقتران في الحكم؟] [بالواو]
ومن الناس من ظن أن الواو توجب الاقتران في حق الحكم، واستدل بالجملة الناقصة وهي قولهم: جاء زيد وعمرو، فإن عمراً شارك في المجىء وعُرف ذلك بعطف هذا على ذا، وكذلك قول الرجل: عبده حر وامرأته طالق إن كان كذا لما صار أحدهما معطوفاً على الثاني اشتركا في الحكم وهو أن يكونا جزاء واحداً.
[رأى الحنفية وحجتهم]
وأصحابنا قالوا بأن الواو للنظم وتحسين الكلام، مثاله قوله تعالى: لنبينَ لكم ونقرُّ في الارحام ما نشاء الى أجل مسمى». فإن هذا الواو لابتداء الكلام ونظمه، وقوله تعالى: «فإن يشأ الله يختم على قلبك، الله ويمحو الله الباطل»» وقوله ويذهب غيظ قلوبهم، ويتوب على من يشاء». فإن الواو في هذه المواضع اسئناف.
والاشتراك في الحكم إنما يثبت بدليل آخر، وهو أن يكون الثاني جملة ناقصة فتحمل مع الأولى كشيء واحد، و يأتي بما يدل على أنه جعلهما جزاء واحداً.
ولهذا قال أصحابنا: إن المحدود في القذف لا تقبل شهادته لقوله تعالى: «ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً»، وقوله تعالى «واولئك هم الفاسقون» هذا كلام مبتدأ لأنه ليس من جنس الأول، لأنه إخبار وما قبله أمر ونهى، فلا يمكن اثبات الشركة بينهما في المعنى، فإذا صار منقطعًا عن الاول لا ينصرف الاستثناء المذكور عقب قوله: «واولئك هم الفاسقون) الى ما قبله.
ومن هذا القبيل الجمع إذا قوبل بالجمع ينقسم الآحاد على الآحاد عندنا، ولا يقتضى مقابلة الجمع بالأفراد، وعند زفر يقتضيه.
مثاله: إذا قال لامرأتيه: إن دخلتما هاتين الدارين فأنتما طالقان فإذا دخلت واحدة هذه الدار والأخرى الدار الثانية طلقتا جميعاً. وعند زفر لا تطلقان حتى تدخل كل واحدة منهما الدارين جميعاً، لأنه أضاف الجمع اليهما، فمتى قسم الآحاد على الآحاد بطل معنى الجمع.
ولكنا نقول: الجمع المقابل بالجمع تنقسم الآحاد على الآحاد منه أما العادة فمثل قوله تعالى: «يجعلون أصابعهم في عادة ومعنى آذانهم» وقوله تعالى واستغشوا ثيابهم». وكقول القائل: ركب القوم دوابهم. أى ركب كل واحد دابته.
وأما المعنى فلأنّ قضية المقابلة أن تكون هذه الجملة مقابلة بتلك الجملة سواء بسواء ومتى دخلت كل واحدة منهما داراً على حدة تحقق هذا المعنى.
فصل [العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب]
العام لا يخص بغرضه عند عامة العلماء.
وقال بعض الناس: يخص بغرضه.
وكذا لا يخص بسببه عند عامة العلماء.
وقال بعض الناس: يخصُّ بسببه.
ومثاله لو سئل النبي عليه السلام عن حادثة فقال: من فعل كذا فعليه كذا أو فله كذا.
قال بعض الناس يخص بذلك السبب الذي أجابه النبي عليه السلام. واحتجوا وقالوا بأن النبي عليه السلام لما أخر الجواب الى وقت السؤال دلنا ذلك على أن الحكم مقصور عليه، إذ لو كان عاماً لبينه، لأن الجواب ينصرف الى السؤال ويقتصر عليه.
والصحيح: ما قال عامة العلماء لأن النص يوجب الحكم بصيغته، والعام يثبت الحكم بصيغته، وصيغته ثبوت الحكم على الإطلاق. ولأن أكثر النصوص وردت في حوادث مخصوصة ثم الحكم ما اقتصر عليها، ألا ترى أن آية اللعان وردت في حق هلال بن أمية، ومع هذا لم يقتصر الحكم عليه. وكذلك آية الظهار وردت في حق سلمة بن صخر، ومع هذا لم يقتصر الحكم عليه، لأن النص عام بصيغته فأجريناه على عمومه.
فإن قال الخصم مطلق الجواب ينصرف الى السؤال لا غير. قلنا: يجوز أن ينصرف الى السؤال ويصير جواباً عنه و بياناً للحكم فيما وراء الجواب، وفيه فائدة زائدة. والله اعلم.
فصل [حكم العام اذا دخله التخصيص]
العام اذا دخله التخصيص يبقى الباقى حجة عندنا، وقد مرّ.
وروى عن الكرخى أنه قال: إن دخله بدليل متصل يبقى الباقي حجة - لأنه يكون بمنزلة الاستثناء - وإن دخله بدليل منفصل لا يبقى الباقى حجة ولا يجوز الاستدلال به، لأن الباقي صار مجملاً.
وأصحابنا قالوا: بأن النص المخصص • لا يجوز أن يتأخر عن العام، و به أخذ بعض المتكلمين منهم أبو على الجبائي وأبو الهذيل، فإنهم قالوا بأن الله تعالى اذا أسمعنا العام يعتقد كل واحد المسلمين حكمه بعمومه، فمتى عنى به البعض دون البعض أدى ذلك الى التلبيس واشتباه الأمر على الناس، والى أن تكون عقيدتهم بذلك الحكم جهلاً، وهذا لا وجه له، مثاله: الناسخ مع المنسوخ لا يجوز أن يسمعنا المنسوخ دون الناسخ.
فصل [ما تترك به الحقيقة]
ثم حقيقة اللفظ تترك بأشياء: بمعنى في المتكلم، وبمعنى في محل الكلام، وبعرف الناس.
أما عُرف الناس فمثل قولهم: والله لا آكل رأساً. فأكل رأس العصفور، لا يحنث. ولو حلف لا يأكل اللحم فأكل لحم السمك لا يحنث، لأنه لا ينصرف اليه عند الإطلاق في عُرف لسانهم.
أما دلالة حال المتكلم فمثل قوله تعالى واستفزز من استطعت منهم بصوتك» الآية. هذا أمر بحقيقته، ولكنا نعلم بأن الله تعالى حكيم لا يريد به تسليط عدوه على عباده يغو يهم، ولكنه على سبيل الامهال والخذلان والتهديد
ودلالة الكلام مثل قوله: «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» فإنه أمر بحقيقته لكنا عرفنا بسياق الآية أنه للتهديد لأنه قال: «إنا أعتدنا للظالمين ناراً»
وأما دلالة المحل فمثل قوله تعالى: (قل هل يستوى الاعمى والبصير أم هل تستوى الظلمات والنور فإنا متى نظرنا الى المحل علمنا أن المراد منه نفى المساواة من وجه دون وجه.
باب: الكلام في الحجج المجوزة
وهي أنواع أربعة: الآية المؤوّلة، والعام الذى خُص منه شيء، وخبر الواحد والقياس.
وقد ذكرنا تفسير المؤول: وهو ما يترجح على المشترك بعض وجوهه بغالب الرأى فيه، وكذلك بيّنا العام الذي دخله الخصوص، ونبين القياس في موضعه.
أما الكلام في خبر الواحد فنقول:
خبر الواحد ما نقله واحد عن واحد أو عن جماعة، أو جماعة عن واحد.
وقال بعضهم: لا يثبت الخبر إلا اذا بلغ عدد الراوى عدد الشهادة، وهو أن ينقله اثنان لأن حكم الشرع آكد من حقوق العباد.
وقال بعضهم: خبر الواحد ليس بحجة أصلاً لأنه لا يوجب العلم والعمل " بدون العلم لا يجوز.
وأصحاب الحديث قالوا بأن العمل بخبر الواحد واجب بلا خلاف بين الفقهاء، والعمل بدون العلم لا يجوز، عرفنا أنه يوجب العلم ـــ لأن العمل بدون العلم لا يجوز، ولأن خبر الواحد مقبول فيما لا عمل فيه كخبر السؤال في القبر، وعذاب القبر وما أشبه ذلك، وإنما اعتبر ذلك للعلم خاصة، فلولا أن خبر الواحد يوجب العلم لم يقبل الخبر أصلاً لأنه لا يفيد شيئاً.
وعامة العلماء قالوا بأن خبر الواحد يعتبر في حق العمل دون العلم، لأن خبر الواحد يوجب العلم بغالب الظن، لأن الأصل في كلام العاقل المتدين هو الصدق والعلم بغالب الظن يعتبر لوجوب العمل في حق أحكام الشرع كما في الشهادة وكما قلنا في الديانات، فإن قول الواحد مقبول في الديانات والمعاملات أيضاً كما في الوكالة والهبة والصدقة لما مر.
وأما الجواب عن قول أهل الحديث: قلنا: خبر الواحد محتمل في نفسه يحتمل أنه لم ينقل عن النبي عليه السلام ويحتمل أنه نقل، لما مر أنه لم ينقله جماعة لا يتصور تواطؤهم على الكذب، فلا يوجب العلم الحقيق، ولكن الأصل هو الصدق في كلام المخبر فأوجب علماً بغالب الظن
أما حديث عذاب القبر قلنا: وجب هناك نوع عمل وهو الاعتقاد بحقيته، وهذا عمل القلب وأنه معتبر، ولهذا ذم الله تعالى قوماً بتركه حيث قال: وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً»
ولهذا قال: بأن النسخ قبل العمل بعد العلم جائز لأنه وجد بعد العلم عمل القلب وهو الاعتقاد بحقيته وحصل اظهار العبودية، فأما النسخ قبل العلم لا يجوز لأنه يكون بداء والبداء على الله تعالى لا يجوز.
فصل في [أقسام المخبرين]
إذا ثبت أن الخبر الواحد حجة فنحتاج الى معرفة المخبرين وهم أنواع أربعة: العدل والفاسق والصبي والكافر.
أما العدل فخبره حجة يجب العمل به، حتى قال محمد: إذا أخبر بنجاسة الماء يجب التيمم مع وجود ذلك الماء.
أما الفاسق فلا يجب العمل بخبره ولكن جوز بعد التثبت، وكذلك مستور الحال قبل ما ظهرت عدالته. ولهذا قال: فإن الفاسق إذا أخبر بنجاسة الماء يريق الماء ثم يتيمم، لأنه يوجب العمل به بعد التثبت ولكن مع الشبهة.
أما الكافر فلا يجب العمل بخبره، ولا يكون قوله حجة لأنه لا ولاية له على المسلم.
ولهذا قلنا: بأنه إذا أخبر بنجاسة الماء لا يجب التيمم، ولكن الأولى أن يريق و يتيمم اذا وقع عنده أنه صادق.
وأما الصبى فقوله ليس بحجة لأنه لا ولاية له على غيره. و بعض اصحابنا الحقوا خبره بخبر الفاسق و بعضهم الحقوه بخبر الكافر.
فصل في [أقسام المخبر به]
فإذا عرفنا أقسام المخبرين فنحتاج الى معرفة أقسام المخبر به فنقول:
المخبر به أنواع أربعة:
[النوع الاول]- حقوق العباد كالبياعات والأشربة والأملاك، فإنها لا تثبت إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين.
[النوع الثاني]- وما يكون من باب الديانات كالحل والحرمة وطهارة الماء ونجاسته فإنه يثبت بقول الواحد العدل.
[النوع الثالث]- وما يكون من قبيل المعاملات كالوكالة والشركات وبعث الهدايا والصدقات الى غيرهم، فربما لا يجدون العدول، ثم ولو شرطنا العدالة فيهم يلحقهم بذلك حرج عظيم.
[والنوع الرابع] العزل والحجر عن التصرفات ونحو ذلك فإنه يشترط في ثبوته أحد الامرين: إما العدد أو العدالة عند الله. أبي حنيفة رحمه الله.
وعندهما لا يشترط هما يقولان بأن الاسقاط أسهل من الاثبات، ثم العدد أو العدالة لا يعتبر في الإثبات حتى لو جاء فاسق وقال: إن فلاناً قد وكلك عبده ببيع هذا أو أذن لك بالتصرف في هذا المال يجوز له التصرف، فكذلك اذا جاء وقال: عزلك عن هذا التصرف. لأبي حنيفة رحمه الله: هذا اسقاط من وجه وإلزام من وجه، أما الاسقاط فلأنه يسقط حق الموكل، وأما الالزام فلأنه يلزمه منع الغير عن التصرف و يبطل عليه جواز التصرف منه .. فمن حيث أنه أسقط حق الموكل يجب الموكل يجب أن يعتبر فيه شرائط الشهادة، فاعتبرنا منه أحد شرطى الشهادة إما العدد أو العدالة. حتى إن الفاسق لو أخبر الوكيل بالعزل لا ينعزل بقوله، ولو تصرف بعد ذلك يكون صحيحاً.
باب معرفة حال المخبرين
فنقول: المخبرون أنواع:
? ـ معروف كعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، والخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم.
? - وغير معروف کسليمان بن بشار وغيره ممن لم ينقل عن النبي عليه السلام إلا حديثاً أو حدثين.
وكل نوع ينقسم الى قسمين: فقيه وغير فقيه.
فالفقيه مثل العبادلة والخلفاء الراشدين، ومعاذ وأبى بن كعب وغير فقيه مثل: أبى هريرة وسلمان الفارسي و بلال.
ثم الفقيه إذا روى خبراً عن النبي عليه السلام يجب قبوله، و يقدم ذلك الخبر على القياس، لأن الرسول - وإن كان أفصح العرب ـ فمعاني کلام الرسول لا تخفى على الفقهاء فيجب تقديمه على القياس.
أما إذا لم يكن فقيهاً فننظر فإن كان الحديث الذي رواه موافقاً للقياس قبل قوله، وإن كان مخالفاً للقياس لا يترك القياس به ـ لا لطعن فيه ـ فإنهم كانوا عدولاً وقد اثنى عليهم الرسول فلا يجوز حمل كلامهم على الكذب، لكن القياس لا يترك به لأنهم كانوا ينقلون الحديث بالمعنى، كما كانوا ينقلون لفظاً ومعنى، فإذا لم يكن فقيهاً ربما بَدَّل لفظاً أو ترك لفظاً يتغير به المعنى، فلهذا لا يترك القياس لأجله.
ولهذا لم يترك عبد الله بن عباس القياس برواية أبي هريرة في الوضوء، فإن أبا هريرة عن النبي عليه السلام «الوضوء مما مسته النار» فقال ابن عباس ألسنا نتوضأ بالماء السخين؟، فقال أبو هريرة: إذا رويت لكم حديثاً فلا تضر بوا لي الأمثال.
ولهذا لم نترك القياس في الشاة المصراة بحديث أبي هريرة لأن الرسول عليه السلام أوتى جوامع الكلم فكان يذكر لفظاً وخبراً تحته معان كثيرة، فإذا لم يكن فقيهاً ربما لا ينقله بذلك اللفظ.
وكذلك حديث معقل بن يسار في مهر المثل فإنه علياً رضى الله عنه لم يترك قياسه بذلك وعبد الله بن مسعود قبله لأنه وافق قياسه ولهذا قلنا: بأن القاضي إذا لم يكن فقيهاً لا يجوز له نقل كلام الشهود
الى غيره إلا بعبارة الشهود، لأنه ربما يبدل لفظاً يتبدل به المعنى. أما غير المعروفين اذا روى خبراً فهو على التفصيل الذي ذكرنا.
فصل شرائط الراوي
وشرائط المخبرين أنواع أربعة:
[الأول]: العقل الكامل وذلك يعرف بالبلوغ.
[الثاني]: والضبط لأن النقل بدون الضبط لا يكون.
[الثالث] والاسلام وإنه نوعان ظاهر و باطن، فالظاهر أن يقر بوحدانية الله تعالى ونبوة النبي عليه السلام ورسالته الى كافة الناس.
والباطن أن يُستوصف فيصف الله تعالى، كما يقول الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا اذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن»، أراد به أن تستوصف وحدانية الله تعالى قال: «الله أعلم بإيمانهن»، ولأن الايمان هو الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان، ونحن وإن وقفنا على الإقرار باللسان فلا نقف على العقيدة.
[الرابع] والعدالة وإنها نوعان ظاهرة وباطنة، فإن الظاهرة ما يعرف بالعقل والإيمان فإن الظاهر من حال المسلم المتدين أن لا يرتكب محظور دينه.
والباطنة أن نتأمل في حاله فنراه محترزاً عن المعاصى والفواحش.
والعدالة تبطل بارتكاب الكبيرة، ولا تبطل بارتكاب الصغيرة، لأن كف النفس عن ارتكابها متعذر - وهذا إذا لم يُصر على الصغيرة ـ فأما إذا أصر عليها ولا يحترز عنها بحال، قيل بطلت عدالته لأنه لا ضرورة في ذلك فلا نتحمل عنه.
ثم إذا وجدت هذه الشرائط لا يمتنع بالرق والأنوثة، أما الرق فتأثيره في سلب الولاية لا في سلب ما يقتضيه الدين والنطق الصحيح، وهذا ليس من باب الولاية.
أما الأنوثة فإنها [ليست] دون الرق ولهذا لا تسلب الولاية، ثم الرق لا يُخل بهذا الأمر فالأنوثة، أولى، ألا ترى أن النبي عليه السلام قبل قول بريرة في الهبات والصدقات، فيقبل الهدية و يرد الصدقة.
وكذا الصحابة كانوا يقبلون قول عائشة رضى الله عنها و يرجعون اليها في الحوادث.
باب القول في الرواية والخط والكتابة
اولا] الكتابة أنواع: إما أن سمعه فكتبه، أو كتب غيره له، أو كان كتاباً إليه من راو روى له ذلك الحديث الذي في الكتاب، أو كانت رسالة أو إجازة.
أما إذا كانت كتابة عن سماع فنظر فيه وتذكر حلت له الرواية، لأن المقصود هو النقل والتبليغ وذلك يكون بالحفظ والضبط، والأصل فيه الضبط بالقلب والكتابة للتذكر بعد النسيان.
وكذلك إذا كان كتاب غيره، لأن المقصود هو التذكير بعد النسيان وقد حصل. فإن علمه بكتاب كتب اليه الراوى قال: إن كان كتبه على وجه الكتب مرسوماً برسمه من العنوان والتوقيع، وذكر فيه أخبرني عن فلان الى أن قال عن النبي عليه السلام فإذا وصل اليك الكتاب فحدّث بهذا الحديث عني، وثبت عنده أنه كتاب فلان. حلت له الرواية كما سمع منه، لأن الكتاب أحد اللسانين الاترى أن النبي عليه السلام كان مأموراً بالتبليغ، وهو بلّغ الى بعض الناس بالنطق والى البعض بالكتاب والرسالة؟ وكذلك اذا أرسل اليه رسولاً لما مر أن الرسالة والكتابة سواء لأن الرسول ينقل كلام المرسل.
أما الإجازة فعلى نوعين: إما أن يعلم المُجاز له ما في الكتاب، أو لم يعلم، فإن علم جاز له، إن قرأ عليه الراوى وقال: علمت ما قرأت عليك! قال: علمت. جاز له الرواية. أما إذا لم يعلمه ينظر: فإن كان الكتاب يحتمل الزيادة والنقصان لا يحل له الرواية، وإن كان لا يحتمل الزيادة والنقصان قال: ينبغي أن لا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وعند أبي يوسف والشافعى جاز.
ولهذا بناء على مسألة وهي: أن القاضي اذا كتب الى قاض آخر وأشهد على ذلك شهوداً وبعث الكتاب على يدى رجلين وشهدا على الكتاب عند المكتوب إليه ولا يعلمان بما في الكتاب لا يقبل عند. أبى حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف والشافعي يقبل.
وكذلك المُقِرُّ إذا أشهد على الصك والشاهد لا يعلم بما فيه على هذا الاختلاف. وإنما جاز عند أبي يوسف إذا كان الكتاب مختوماً لا يحتمل الزيادة والنقصان. ولأنه إذا كان لا يحتمل لا تتمكن فيه التهمة، و يكون كالمسموع من القاضي الأول ومن المقر.
هما يقولان: إن الكتاب دون النطق، ثم لو سمع النطق ولم يعلم لا يحل له الرواية لأنه لا يدرى أن ما يرويه يه مسموع أولا، فكذلك إذا أخبره بما في الكتاب ولم يعلم لا يحل له الرواية.
فإذا صح السماع والرواية على الوجه الذي بينا يقول في الكتابة اليه والرسالة: «أخبرنا» لأن الإخبار هو الإعلام. والحاصل بالكتابة والرسالة الإعلام.
[ثانيا] فأما الحديث فيكون بالمشافهة، فإن أجاز له الرواية فالعزيمة في أن يقول: أجاز لي فلان، ولا يجوز أن يترك العزيمة و يقول أخبرني فلان وكذلك لا يجوز أن يقول حدثنى لأن الإجازة خطاب من المخبر في حقه أما إذا قرأ المحدث له فهو في سعة منها إن شاء قال: حدثني، وإن شاء قال: أخبرني.
وكذلك إذا قرأ هو على المحدث.
وقال المحدثون: الاولى أن يقرأ المحدث عليه، لأنه لو قرأ بنفسه ربما يتغافل عنه المحدث.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: الأولى أن يقرأ هو على المحدث لأن المحدث وإن غفل عن شيء منه فهو لا يترك شيئاً مما كتب، فأما إذا قرأ المحدث عليه ربما يترك شيئاً منه. والله أعلم.
باب نقل الحديث بالمعنى
قال عامة العلماء:
يجوز نقل الحديث بالمعنى.
وقال بعض الناس:
لا يجوز إلا باللفظ الذى تلفظ به النبي عليه السلام لما روى عن النبي عليه السلام أنه قال: «نضر الله امرءاً سمع منى مقالة فوعاها كما سمعها فأداها الى من لم يسمعها فرُبّ حامل فقه الى غير فقيه ورب حامل فقه الى من هو أفقه منه». فيستنبط منه معنى زائدا.
وعامة العلماء قالوا:
? - بإجماع الصحابة فإنهم كانوا ينقلون الحديث بالمعنى وكانوا يقولون: نهى رسول الله عن كذا، وأمر بكذا. ولم ينقلوا اللفظ الذي تلفظ به.
? - ولأن الحكم تعلق بالمعنى دون اللفظ، فإذا كان ذلك المعنى لا يختلف باختلاف اللفظ لا تعتبر صيغة اللفظ، بخلاف القرآن حيث يعتبر نطقه ومعناه، لأنه تعلق بالصيغة معنى مقصود وهو الاعجاز. فالاعجاز متعلق بالنظم والمعنى جميعاً فلا يجوز تبديل النظم.
فإذا عرفنا جواز النقل بالمعنى نحتاج الى معرفة أقسام الخبر:
الأخبار أقسام أربعة:
محكم، وظاهر، ومشكل [أو مشترك]، ومجمل.
فالمحكم: يجوز نقله باللفظ ويجوز نقله بالمعنى دون اللفظ كقوله عليه السلام: «من دخل دار ابي سفيان فهو آمن» هذا محكم لا يحتمل غير ما يقتضيه اللفظ.
أما الظاهر: فيجوز نقله بالمعنى للفقيه المجتهد لأنه يقف على ما هو المراد منه ولا يجوز نقله على غير الفقيه المجتهد، لأن الظاهر إذا كان حقيقة يحتمل المجاز، ويحتمل التخصيص أيضاً، فإذا نقله غير الفقيه بالمعنى دون اللفظ ربما يأتى بلفظة لا تحتمل المجاز والتخصيص.
أما المشكل والمشترك: فلا يجوز نقله بالمعنى لأنه لا يمكن نقله بلفظ آخر مشكلاً أو مشتركاً.
أما المجمل فلا يتصور نقله بالمعنى لأنه لا يتصور الوقوف على المراد باللفظ. والله اعلم.
باب في انتقاد الاخبار
انتقاد خبر الواحد يتحقق بأحد الأ وجه الأربعة:
[الأول]- بالعرض على كتاب الله تعالى.
[الثاني]- وعلى الخبر المتواتر والمشهور.
[الثالث]- ثم العرض على الحادثة.
[الرابع]- ثم العرض على إجماع الصحابة رضى الله عنهم.
أما العرض على كتاب الله تعالى فواجب، لأن الكتاب أصل و به ثبتت الرسالة وقامت الحجة على الضلالة. فإذا عُرض عليه ووافقه يجب قبوله، وإن خالفه لا يقبل، لأن الكتاب هو الأصل وإنه ثابت بيقين، ولا يجوز تركه بخبر الواحد لأنه ثبت مع الشك والشبهة.
وكذا روى عن النبي عليه السلام أنه قال: «سيكثر الرواة بعدى، إذا روى لكم عنى حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافق فاقبلوه وإن خالف فردوه»
وكذلك السُّنَّة المتواترة لأنها بمنزلة الكتاب، ولهذا يجوز نسخ الكتاب بها، وأما المشهور فقريب من المتواتر. ونظير هذا ما روى عن النبي عليه السلام أنه قضى بشاهد ويمين»، فهذا ورد مخالفاً للحديث المشهور ويمين»، وهو قوله عليه السلام البيَّنة على المدعى واليمين على من أنكر».
وكذا ما روى عن النبي عليه السلام أنه سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال: «أوينقص إذا جف؟ فقيل: نعم. فقال: إذاً لا». هذا الحديث غريب وإنه مخالف للنص المشهور المستفيض وهو قوله عليه السلام: «التمر بالتمر مثل بمثل يد بيد». فلا يجوز تخصيصه به لما مر من قبل أن تخصيص العام نسخ في الحكم الذي يخص منه، فلا يصار اليه إلا بنص مشهور أيضاً.
وأما العرض على الحادثة فأن ينظر الى الحادثة التي ورد الخبر فيها، فإن كان ما تعم به البلوى والخبر لا يكون مشهوراً لا يقبل، لأن الحادثة إذا كانت مما تعم به البلوى يحتاج الى ذلك و يطلب فيه طريق التفسير فلما لم يشتهر الخبر في الصدر الأول مع كثرة اهتمامهم بأمر الدين دلنا ذلك على أنه لم يثبت عندهم، فلا يقبل.
مثاله: (حديث مس الذكر) هل ينقض الوضوء أم لا؟ لما لم يقبل الصحابة ولم يشتهر فيما بينهم دل على ضعف فيه.
وأما العرض على إجماع الصحابة والسلف رضوان الله عليهم ـ إن جرت المحاجة بينهم بذلك الحديث يقبل، وإن لم تجر لم يقبل.
مثاله:
ما روى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي عليه السلام أنه قال: «ابتغوا في أموال اليتامي خيراً كيلا تأكلها الزكاة».
ووجوب الزكاة في مال الصبى حكم مختلف فيه بين الصحابة ولم يحتج به البعض على البعض، ولو كان ثابتاً ومشتهراً بينهم لاحتج به البعض على البعض.
باب فيما يرد به الخبر
ما يرد به الخبر أنواع أربعة:
أحدهما: أن يعمل بخلاف ما رواه.
والثاني: أن يترك العمل بما رواه.
والثالث: أن ينكر الرواية أصلاً.
والرابع: أن لا يعلم أنه فعل على خلاف ما رواه قبل الرواية أو بعدها. أما إذا روى خبراً وقد فعل بخلاف ما رواه فإن كان بعد الرواية فلا تجوز الرواية لأنه لا يخلو إما أن فعل ذلك لأنه عرف نسخه، أو فعله وقد نسى الخبر الذى رواه، أو لم ينسه وقد فعل بخلاف ذلك.
فإن عرف نسخه فلا يجوز أن يروى لأن الرواية إنما تراد لأجل العمل بذلك الخبر، ولا يجوز العمل بالمنسوخ.
مثاله:
ما روى عن ابن عمر أ، ه رفع اليدين في الصلاة، ولم يرفع بعد ذلك فحمل ذلك على أنه عرف نسخه.
وكذلك قوله عليه السلام البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» فإن الصحابة تركوا النفى حين روى عن على أنه قال: «كفى بالنفى فتنة». وعن عمر أنه نفى رجلاً فلحق بالروم، فحلف أن لا ينفى أحداً بعد ذلك.
ولو لم يعرف نسخه لما حلف على ذلك.
ولو فعل الراوى خلاف ذلك ولم يعرف انتساخه فقد فسق ولا تجوز الرواية من الفاسق.
وإن فعل بعد ذلك لأنه نسيه يكون ذلك دليلاً على تغفله، ولا تجوز الرواية عن المغفل، لأن مبناها على الاحتياط. فلما أمكن رواية الحديث ممن يكون ضابطاً للأمر حافظاً لما سمعه لا تجوز الرواية عن غيره بذلك.
وهذا إذا كان الحديث لا يحتمل التأويل أما إذا كان النص يحتمل التأويل فلا يترك الخبر بذلك، ولكن تأويل الراوى لا يلزمه، فله أن يؤوله برأيه أيضاً.
أما إذا فعل ولم يُعرف انه فعل خلاف ذلك قبل السماع أو بعده فيحمل على أنه فعل قبل السماع، لأن أمر العاقل يحمل على الصدق مهما أمكن.
أما إذا أخبر بخبر وأسنده الى غيره وكذبه الراوى فيه: قال بعضهم: تجوز الرواية عنه، وقال بعضهم لا تجوز، وذكر الجصاص في أدب القاضي أن من ادعى عند القاضى أنه قضى له على رجل بكذا وهو ينكر فأقام البينة على ذلك لا تقبل هذه البينة عند أبي يوسف، وعند محمد تقبل. فقياس هذه المسألة أن لا تحل له الرواية عند أبي يوسف وعند محمد تحل.
[مثاله]
ما روى عن سليمان بن موسى عن الزهرى عن هشام عن النبي عليه السلام أنه قال: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل» عرض ذلك على الزهرى فأنكر، فلم يأخذ أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله به، وأخذ محمد رحمه الله به.
وجه قول من أجاز الرواية أن كلام كل واحد منهما يحمل على الصدق لاحتمال أنه رواه ثم نسيه، وهذا الراوى إذا كان يعلم أنه رواه حل له الرواية لأنه لم يشك في هذه الرواية، والذي يسنده إليه إذا نسيه ولم يتذكر بحال يجوز أن ينكر بناء على ذلك النسيان. كما في زوج المعتدة إذا قال: أخبرتنى أن عدتها قد انقضت. يجوز له التزوج بأختها وأربع سواها، وإن كانت المرأة تكذبه.
وجه قول من لم يجز الرواية عنه أنه لا يخلو إما أن ينكر ذلك الحديث مع النسيان أو يكون مع التذكير فإن كان مع التذكير فقد فسق بالانكار والرواية عن الفاسق لا تجوز، وإن كان عن نسيان فذلك دليل على شدة غفلته عن ذلك والرواية عن المغفل لا تجوز.
بخلاف مسألة العدّة لأن قول المرأة مقبول في انقضاء العدة، وإن كانت فاسقة أو غافلة.
فأما الحديث فمبناه على الاحتياط، فلما أمكن الرواية من العدل الذي يحفظ ما سمعه وينقله ولا ينساه فلا يروى عن الغافل الذي غلبه النسيان.
باب المعارضة
قال: المعارضة هي: المقابلة على سبيل المدافعة
وهذا إنما يكون من النصين لهما حكمان متضادان لا يتصور اجتماعهما في حالة واحدة في محل واحد، فإذا أحدهما نسخ الثاني.
فإذا وقع التعارض بينهما - ولا يعرف التاريخ - ينظر فإن وقع بين آيتين يصار الى السنة. وإن وقع بين السنتين يصار الى أقوال الصحابة. وإن وقع التعارض بين أقوال الصحابة يصار الى القياس. وإذا وقع التعارض بين القياسين يعمل بأحدهما إذ ليس وراء القياس حجة يصار اليها.
فصل في بيان المخلص عن المعارضة
وإذا وقع التعارض بين آيتين فإن أمكن الجمع بين حكميهما فلا تعارض بين النصين وإن لم يمكن يصار الى السنة على ما مر.
وأما إذا وقع التعارض بين القراءتين في آية واحدة كقوله تعالى: «ولا تقر بوهن حتى يظهرن» و يظهرن تحمل كل قراءة على حالة كيلا يؤدي الى التعطيل.
فيحمل قوله حتى يظهرن» على ما إذا كانت أيام حيضها عشرة.
ويحمل قوله حتى يظهرن على ما إذا كانت أقل من عشرة، فلا يجوز أن يقر بها حتى تغتسل.
وكذلك قوله تعالى ((وأرجُلَكُم» تحمل قراءة الخفض على حالة التخفف والنصب على غسل الرجل ويجعلها معطوفة على قوله تعالى فاغسلوا وجوهكم».
وإذا ورد النصان أحدهما محرم والآخر محلل، قال أصحابنا: يجعل المحرم ناسخاً للمحلل لأن الإباحة أصل فيجعل النص المحلل سابقاً ليكون مقرراً لما هو الأصل والمحرم عارضاً لئلا يؤدى الى تكثير النسخ.
ومن أصحابنا من يتخلص عن المعارضة بطريق آخر وهو أن يجعل المثبت أولى من النافى، هكذا حكى عن أبي الحسن الكرخي، وقال القاضي الإمام أبو زيد: الصحيح أن لا يقع به الترجيح (). وهكذا قال عيسى بن أبان.
يدل عليه ما روى عن محمد بن الحسن أن واحداً لو أخبر بطهارة الماء واثنان بنجاسته، أو أخبر واحد بنجاسته واثنان بطهارته نأخذ بقول الاثنين ولو استويا وتعارضا بقيت الطهارة الأصلية، إلا أن يكون أحد الفريقين حراً. فرجح محمد بالحرية وزيادة العدد، ولم يرجح بالإثبات والنفي.
وعن عمر وابن عباس أنهما سألا عن الفجر فاختلف فيه رجلان فقال أحدهما طلع، وقال الآخر: لم يطلع، فشر با ولم يرجحا بالاثبات والنفي.
فصل [هل يرجح بزيادة العدد]
إذا تعارض الخبران هل يرجح أحدهما على الثاني بزيادة عدد الرواة؟
اختلفوا فيه قال بعضهم، يرجح بزيادة العدد
وقال بعضهم: لا يرجح.
أما الذين قالوا بأن الخبر يتقوى بكثرة الرواة وكذلك يدخل في حد التواتر بكثرة الرواة أيضاً إذا صاروا بحيث لا يتصور تواطؤهم على الكذب.
وكذلك قول الواحد لا يكون حجة لإلزام الحق على الغير فإذا انضم اليه غيره يصير حجة ملزمة، والدليل عليه مسألة طهارة الماء، فإن محمداً رحمه الله رجح قول البعض بكثرة العدد.
ومن قال: لا يرجح بذلك احتج وقال: بأن قول الواحد حجة في هذا الباب بالاتفاق، فإن السلف كانوا يحتجون بخبر الواحد ولا يشتغلون بالوقوف على كثرة الرواة وقلتهم.
واذا ثبت أن قول الواحد [حجة فيكون] قول الثاني لا يفيد شيئاً لم يفده الأول فكان الثاني كالأول.
وهذا كما قلنا في الشهادة فإن الشهادة تتحقق بكلام اثنين فصاعداً ثم الترجيح لا يقع بزيادة العدد، حتى أن من أقام شاهدين والآخر أقام أربعة من الشهود لا يرجح أحدهما على الثاني بذلك.
وهذا بخلاف الخبر المشهور حيث يرجمح على خبر الواحد لأنه قرب من المتواتر وبما يشاهد عياناً، ولهذا المعنى رجحناه. وهذا اختيار القاضي الإمام أبي زيد ولم يذكر الجواب عن مسألة الاستحسان وهي مسألة طهارة الماء، ولعل جوابه عنه أن يقول: فإن هذا وإن كان يوجب الى اثبات حق الشرع لكنه يلزم العبد نوع حكم بقوله فيشبه الشهادة من وجه فجاز الترجيح بالعدد والحرية، فأما الحكم بخبر الواحد فمضاف الى قول الرسول عليه السلام والى الزامه لا الى الزام هذا المخبر والكل في النقل سواء، فهذا هو الفرق بينهما.
فصل في المراسيل
مراسيل كل عدل في كل عصر تكون حجة، وهو أقوى من المسانيد.
وقال الشافعي رحمه الله: لا يكون حجة ولا يترك به القياس إلا مراسيل سعيد بن المسيب فإنى تتبعتها فوجدتها مسندة.
[حجة الشافعي رحمه الله]
احتج الشافعي قال بأن الراوى مجهول الأصل والوصف، والراوى إذا كان مجهول الوصف لا يدرى أفاسق أم عدل لا تجوز الرواية عنه، فإذا كان مجهول الأصل والوصف كيف تجوز الرواية عنه؟
ولأن من الجائز أن الراوى ما أسنده اليه لأنه عرف أنه لو أسنده الى من رواه لا يقبل عنه. ولأن في الرواة كثرة منهم من يقبل قوله ومنهم من لا يقبل.
ألا ترى أن زيد بن عياش روى عن سعد بن أبي وقاص عن النبي عليه السلام أنه سُئل عن بيع الرطب بالتمر فقال: أو ينقص إذا جف؟ فقيل: نعم. فقال: إذن لا.
فأبو حنيفة رحمه الله رد هذا الحديث ولم يقبله، وكذا روى عنه أنه قال: ما رأيت أحداً أكثر حديثاً من جابر الجعفي ما ألقيت عليه مسألة إلا وقد قال حدثني، فإذا ثبت أن في الرواة كثرة بعضها صحيح
و بعضها لا، لا يجوز قبولها حتى يقوم الدليل على صحتها.
[حجة الحنفية]
وأصحابنا احتجوا بإجماع الصحابة، فإن الصحابة رضى الله عنهم كانوا يروون الحديث عن رسول الله عليه السلام و يرسلونه ولا يسندونه ولو لم يجز لما تجاسروا على ذلك.
وعن البراء بن عازب أنه قال: ما حدثناكم لم نسمع كلها من رسول الله عليه السلام بل بعضها منه و بعضها من البعض.
وكذلك روى عن أبى هريرة أنه قال: أنا سمعت فضل بن العباس. أخبر أنه لم يسمع من رسول الله عليه السلام، ومع هذا أرسله، ولأنا أجمعنا أن مراسيل الصحابة حجة، وإنما تكون حجة مقبولة لعد التهم، وعدالة غيرهم تكون معتبرة في الشهادة كعدالة الصحابة رضى الله عنهم، وكذلك مراسيل سعيد بن المسيب تكون لعد الته، والكلام بيننا وبينه في مراسيل العدول كعطاء الخراساني وعلقمة ونافع ومكحول الشامى، ولأن الظاهر من حال العدل أنه لا يروى إلا من العدل لأنه لا يحل له الرواية عن غير العدل.
فصل [تقديم خبر الواحد على القياس]
ثم خبر الواحد يقدم على القياس عند أصحابنا.
وقال مالك والشافعي: القياس يقدم على خبر الواحد، لأن خبر الواحد تمكنت فيه الشبهة من وجوه في عدالة الراوى وروايته ورواية غيره، والقياس مستنبط عن أصل صحيح فالتمسك به يكون * أولى.
[حجة الحنفية]
وأصحابنا احتجوا وقالوا بأن خبر الواحد لو ثبت لكان حجة قاطعة لأنه كلام الرسول عليه السلام، إلا أن الشبهة تمكنت في نقله، فكأن الشبهة راجعة الى طريقه لا الى أصله والقياس في نفسه محتمل، يحتمل الخطأ والصواب، ولأن القياس تارة يؤخذ من خبر الواحد وتارة يؤخذ من غيره، فخبر الواحد يصلح أن يكون أصلاً، والقياس لا يصلح أن يكون أصلاً بل يكون فرعاً أبداً فما يكون أصلاً للقياس لا يكون موازياً للقياس. والله اعلم.
باب القياس
القياس حجة من حجج الشرع يجوز الأخذ به في الحوادث التي لا نص فيها.
وقال داود الاصفهاني ومن تابعه من أصحاب الظواهر: لا يكون حجة.
[أدلة منكرى القياس]
واحتجوا وقالوا بأن الكتاب مبيّن لكل حكم، بدليل قوله تعالى ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين». وقال عز ذكره: ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء»
وإذا ثبت أن كل شيء يكون مبيناً في الكتاب فلا يصار الى القياس، لأن القياس في نفسه محتمل يحتمل الخطأ والصواب، فلا يجوز أن يجعل أصلاً لاثبات حكم الشرع ولأن حكم الشرع ما يكون ثابتاً قطعاً فيجب أن يكون مستنداً الى دليل يكون صحيحاً على سبيل الثبات.
وعامة العلماء احتجوا بالكتاب وإجماع الصحابة، وأخبار الرسول:
أما الكتاب فقوله تعالى: «ففهمناها سليمان». وكان هذا في حادثة أفتى داود فيها فعُرض فتواه على سليمان فلم يرده لكن قال: عندى ما هو أحسن منه وأفتى على خلاف ذلك بالرأى والقياس. والله تعالى قد أثنى عليه بذلك وقال: «ففهمناها سليمان»، ولو كان ثمّ نص قاطع لما اختلف فتواهما.
وكذلك الصحابة يختلفون في بعض المسائل مثل قول الرجل لامرأته: أنت على حرام بعضهم قالوا طلاق رجعي، و بعضهم قالوا: ثلاث. ثم خيروا المستفتى بين ذلك، لما روى عن النبي عليه السلام أنه قال: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم».
وكذلك روى عن النبي عليه السلام أنه قال ـ لما أراد أن يبعث معاذاً الى اليمن: قال: «بم تقضى؟ قال: بكتاب الله. قال عليه السلام: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسوله. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد فيه برأيي. فقال عليه السلام: «الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضي رسوله»
فلولا أنه أصاب فيما قال لما وجب الحمد على ذلك، فهذا كله يدل على أن القياس حجة يعمل بها. ولأن النص قد يكون معقول المعنى والحكم الذي يثبت بالنص قد يعلم أنه يثبت لمعنى حميد، فإذا وجد ذلك المعنى في موضع يعدى حكم النص اليه مثاله: قوله تعالى: «فلا تقل لهما أق ولا تنهرهما».
فالله تعالى نهى عن التأفيف ونحن نعلم أنه نهي لمعنى حميد وهو دفع الأذى عنهما لأنه إذا أظهر الكراهة عنهما فهما يتضرران بذلك، فلما حرم التأفيف دفعاً للأذى حرم الشتم الصريح بطريق الدلالة.
وكذلك العاقل يعلم أن صاحب الشرع رجم ماعزاً بجناية وجدت عنه وهي ارتكاب فاحشة مخصوصة فيجب أن يكون حكم الحادثة معلقاً بتلك الحادثة.
الرد على أدلة منكرى القياس]
أما قوله: بأن الله تعالى بيّن كل شيء. قلنا: بعضها مبين بطريق التنصيص عليه والبعض بطريق الدلالة والبعض بطريق المقتضى وما أشبهه. وما ثبت بطريق الدلالة لا يعرف إلا باستعمال الرأى فيه.
فصل [في معنى القياس وشرائطه]
القياس في اللغة عبارة عن رد الشيء الى نظيره، يقال: قست النعل بالنعل إذا حذوته على مثاله
[معنى القياس في الشريعة]
وفي الشريعة عبارة عن «المعنى المستنبط من النص لتعدية الحكم عن المنصوص عليه الى غيره فيقال هذا الحكم بذلك الحكم.
[شرائط القياس]
وشرائط القياس أربعة:
أحدها: أن لا يكون الحكم الثابت في الأصل مخصوصاً عن النص بنص آخر، لأنه إذا كان مخصوصاً عن النص بنص آخر فمتى عللت يبطل النص الآخر بالتعليل
والثاني: أن يكون الحكم في الأصل موافقاً للقياس حتى يعقل معناه، ويمكن أن يقاس عليه غيره.
والثالث: تعدية الحكم الى فرع هو نظيره ولا نص فيه، لأن الحكم إذا كان ثابتاً بالنص لا يجوز إثباته بالقياس في محل النص.
والرابع: أن يعدى الحكم من الأصل الى فرع على الوصف الذي ثبت في الأصل
لأنه إذا لم يكن على وفاقه وصفاً لا تكون تعدية الحكم الى الفرع كما ثبت في الأصل.
مثال للأول:
شهادة خزيمة خصت من بين سائر الشهادات بالقبول، فلو عللناه وزعمنا أن صاحب الشرع إنما قبل قوله لعدالته وعدينا هذا الحكم أدى ذلك " الى إبطال الحكم الثابت بالنص وهو قوله تعالى «فاستشهدوا شهيدين من رجالكم»، وقوله: «وأشهدوا ذوى عدل منكم».
أما الثاني:
فمثل بقاء الصوم مع الأكل والشرب ناسياً، فإن النسيان لا يعدم ذلك المنافي لما يناقض الركن وهو الأكل المفوت للكل، إلا أنا عرفنا بقاء الصوم مع المنافى بالنص دون القياس فلا يجوز أن يقاس عليه المكره، أو إذا سبق الماء حلقه، وهذا لأن فساد الصوم ثابت في هذه الفصول بنصوص أخر، إلا أن حالة النسيان صارت مستثناة عن الأصل فلا يجوز إبطال حكم عما وراء ذلك لأن التعليل مما يحتمل الخطأ والصواب والحكم الثابت بالنص لا يحتمل الخطأ فلا يجوز ابطاله بالتعليل.
وأما الثالث، وهو تعدية الحكم الى موضع لا نص فيه: فمثل تحرير الرقبة الكافرة عن كفارة اليمين فإنه يجوز عندنا، وعند الشافعي لا يجوز وهو تعطيل النص الذي قيد التحرير بكون الرقبة مؤمنة
ونحن نقول: جواز التحرير ثبت بنص آخر وهو قوله «فتحرير رقبة» من غير فصل بين الكافرة والمؤمنة، فلا يجوز ابطال الجواز الذي ثبت بالنص بهذا التعليل.
والرابع: تعدية الحكم الى محل لا نص فيه على الوصف الذي ثبت في الأصل.
مثاله:
سَلَّمُ الحال لا يجوز أن يقاس على السلم المؤجل، لأن الأصل في السلم أنه لا يجوز لأنه بيع ما ليس عنده، وصاحب الشرع نهي عن بيع ما ليس عنده ورخص في السلم المؤجل حيث قال: «من أسلم منكم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم الى أجل معلوم». جوّز هذا العقد بهذه الصفة لأن قوله: من اسلم منكم فليسلم في كذا فهذا البيان كيفية المشروع، فما يخالفه وصفاً لا يكون مشروعاً. كقول القائل: من دخل منكم دارى فليدخل غاضّ البصر، فهذا النص يبين أن من لم يغض بصره لا يحل له الدخول.
[التعليل]
وهذا الفقه وهو: ان القدرة على التسليم شرط لجواز العقد وإنها تكون بالملك، إلا أن الشارع أقام الأجل مقام الملك، ولأنه يتمكن من اكتساب المال بذلك فكان هذا رخصة نقل دون إسقاط، فإن الخصم متى جوز السلم حالاً فقد جعل هذه الرخصة رخصة إسقاط الى البدل وهو الأجل وهذا لا يجوز.
فصل [التعليل بالعلة القاصرة]
التعليل بالعلة القاصرة لا يجوز عندنا، وعند الشافعي رحمه الله يجوز.
[حجة الشافعي]
وهو يقول: بأن التعليل إنما يصار اليه لمعرفة تعلق الحكم به في المعنى، فقلنا: بأنه يجوز سواء أمكن تعديته الى محل آخر أو لا. وهذا لأن التعليل في المحل المنصوص عليه أصل والتعدية الى محل آخر فرع عليه، ولا يجوز إبطال ما هو الأصل لمعنى يرجع الى الفرع. فإن قلتم: بأنه لا فائدة فيه.
فنقول: هو مفيد لأن العلة إذا كانت معلومة لا يجوز أن يلحق غيرها بها إلا إذا كانت مثلها أصلاً ووصفاً.
[حجة الحنفية]
وأصحابنا رحمهم الله قالوا: بأن الحكم في الموضع الذي ورد فيه النص ثبت مضافاً الى النص دون القياس، لأن النص دليل قطعي والتعليل مما يحتمل الخطأ والزلل فلا يجوز أن يضاف اليه الحكم مع الدليل القطعى، وإنما يصار الى التعليل لتعدية الحكم الى موضع لا نص فيه، فاذا تعذر التعدية لا يصار اليه.
وأما قوله: بأنه مفيد وهو منع غيره من الالحاق به.
قلنا: التعليل إنما يراد لاثبات الحكم في محل لا نص فيه لا لإعدام الحكم، لأن الحكم ينعدم في غير المنصوص عليه لفقد الدليل لا لوجود التعليل.
فإن قيل: أنتم عللتم بمثل ذلك في مسألة الاستحلاف، فإن أبا حنيفه رحمه الله يقول: الاستحلاف في غير القسامة شرع للقضاء بالنكول، والنكول يصح بطريق البذل لا بطريق الإقرار، فيمنع الحاق الاشياء الستة بالموضع المتفق عليه.
قلنا نحن ما عللنا ابتداء، ولكن أبا يوسف ومحمداً عللا وعديا الحكم الى غير المنصوص عليه، فنحن ابطلنا ذلك التعليل.
وللمناظر كما يجوز له أن يعلل لإثبات مذهبه، يجوز أن يقيم الدليل على بطلان مذهب الخصم و بيان خطأ تعليله.
فصل [التعليل ابتداء لا يجوز]
قد مر أن الأصل في التعليل أن يصار اليه لتعدية الحكم من المنصوص عليه الى غيره على الوصف الذى ثبت في الأصل بالمعنى الذي ثبت الحكم لأجله.
فأما التعليل لاثبات الحكم ابتداء فيكون باطلا، لأن غير الرسول لا يجوز أن يكون ناصباً للحكم، وكذا التعليل لإثبات وصف زائد يكون باطلاً. لأن اثبات الوصف ابتداء بالقياس نصب للشريعة، وكذلك نصب الشروط بالقياس لا يجوز لما مر من الفقه.
ولهذا قال أصحابنا رحمهم الله: بأن شهادة رجل وامرأتين حجة في النكاح والطلاق، ولأن الشرع جعلهما من أهل الشهادة واعتبر كلامهما فمتى شرطنا وصف الذكورة للشهود فكنا قضينا من تلقاء أنفسنا بشريطة وهذا لا يجوز.
فصل [في الاحتجاج بلا دليل]
وإذا ثبت أن الوصف المؤثر حجة لتعدية الحكم الى غير المنصوص عليه فيحتاج الى معرفة أن عدم هذا الوصف هل يكون حجة أم لا؟
فنقول:
عدم لهذا الوصف لا يصلح حجة للرجل على خصمه.
وعند الشافعي رحمه الله يصلح على مادلت عليه مسائله
مثاله:
ما قاله محمد رحمه الله في الكتاب: الناس أحرار في حق الأحكام إلا في حق أربعة؛ الشهادة، والحدود، والقتل، والقصاص.
بيانه:
إذا شهد عند القاضى على رجل فزعم المشهود عليه أن الشاهد عبد، فيحتاج المدعى الى إقامة البينة على ذلك
وكذلك لو قذف إنساناً ثم زعم أنه عبد وعليه حد العبيد، وزعم المقذوف أنه حر، يحتاج الى اقامة الدليل على ذلك
وكذلك لوقتل رجلاً خطأ فادعى ولى القتيل على عاقلته، فزعم القاتل أنه عبد، يحتاج ولى القتيل الى اقامة الدليل على أنه حر، ولا يقال: بأن الأصل هو الحرية والرق عدم باعتبار النظر الى الأصل فنتمسك بالأصل لإلزام الخصم.
وكذلك إذا قطع رجل يد رجل وزعم المقطوع يده أنه حر، وزعم القاطع أنه عبد يحتاج المقطوع يده الى إقامة الحجة على أنه حر حتى يستوفى القصاص.
وعند الشافعي رحمه الله الحكم على خلاف ما ذكرنا. هو يقول: بأن النفى ثابت بدليل فيكون معتبراً لبناء الحكم عليه ما لم يقم الدليل على خلافه.
وقد ذكرنا بعض هذا في استصحاب الحال هل يصلح حجة أو لا؟
وقال الشافعي بأن المفقود لا يورث عنه وهو يرث لأن الأصل هو الحياة فيكون الممات منفياً عنه الى أن يقوم الدليل عليه.
وأصحابنا قالوا بأن الدليل الذي يوجب الحكم لا يوجب بقاء الحكم، فبقاء الحكم بعد الثبوت إنما يكون ضرورة عدم المزيل لا لوجود المبقى لما مر أنه بعد ما ثبت بالدليل وقع الفراغ عن الدليل، ووجوده في نفسه لا يوجب البقاء ولهذا يجوز النسخ من الله تعالى، وإنما يجوز ذلك إذا جعل الناسخ غاية للمنسوخ، فأما إذا جعلنا البقاء مضافاً الى الدليل الموجب وبقينا الدليل حكماً يكون النسخ بداء، لأنه يصير كأن الله قال: افعل. ثم قال من ساعته: لا تفعل. وهذا لا يجوز.
وإذا ثبت أن بقاء الحكم إنما يكون ضرورة عدم المزيل فنقول:
البقاء محتمل في نفسه يحتمل أنه بقى ويحتمل أنه بطل لوجود المبطل، فلا يجوز أن نجعل حالة البقاء الزاماً على الخصم.
ولهذا قلنا: بأن المفقود لا يرث ولا يورث عنه لأن الشك وقع في حياته فمن الجائز أنه بقى، ومن الجائز أنه فنى، فلا يترتب على حياته حكم حادث، بخلاف الشهادة حيث جعلت حجة، لأن دليل الصدق موجود حال ما يحكم بصحتها.
ولهذا إذا قال لعبده: إن لم أدخل الدار اليوم فأنت حر.
فمضى اليوم ولا ندرى أنه دخل أو لم يدخل، وقال السيد: دخلت، وقال العبد ما دخلت لا يعتق، لأن عدم الدخول محتمل فليس بثابت بدليل يدل عليه.
وقال زفر والشافعي رحمهما الله: يعتق لأن العدم ثابت بدليله فنحكم ببقائه حتى يقوم الدليل على زواله.
فصل في [أنواع الاعتراضات على العلة] [أو ما يسمى بقوادح القياس]
إذا ثبت أن القياس حجة والتعليل بالمعانى المؤثرة سائغ في الشرع لتعدية الحكم فنحتاج الى معرفة أنواع الاعتراضات على العلة فنقول:
الاعتراضات على العلة أنواع أربعة:
الممانعة، ثم القلب، ثم العكس، ثم المعارضة وأحسن وجوه المناظرة الممانعة للسائل و بيان منعه، فإن ثبت ما يدعيه الخصم لمعنى مؤثر نتجاوز عن المنع الى القول بموجب العلة إن أمكنه ذلك، وإلا فيشتغل بالقلب، ثم العكس، ثم بالمعارضة، فاذا آل الأمر الى المعارضة ضعف كلام السائل وسهل الأمر على المسئول.
كذا ذكر في بعض الأصول لأن المجيب أقام الدليل على معنى مؤثر فجاز تعليق الحكم به.
لكنا نقول: التمسك بالمعارضة أمر مستقيم لأن المعلل يقيم الدليل على إثبات مذهبه و بطلان مذهب الخصم فيحتاج الى التفصى عن المعارضة حتى يسلم له.
مثاله:
ما قال الشافعى رحمه الله في المسح إنه ركن من أركان الوضوء فيسن فيه التثليث.
فنقابله بمثله فنقول: هذا مسح فلا يسن فيه التثليث لأن التثليث يخل بالمسح.
فما لم يقم الدليل على إثبات مذهبه و بطلان مذهبنا لا يتمشى كلامه.
وإذا ثبت أن الأساس هو الممانعة فلابد من معرفتها فنقول:
ينبغي للسائل أن ينظر فيما ادعاه الخصم أهو حجة أو لا؟ لأن من الناس من يحتج بما ليس بحجة كاستصحاب الحال ـ فيطالب ببيان حجة أنه في نفسه. وكذلك ينظر في الوصف الذى يدعيه الخصم. كما يقول الشافعى في سلم الحال: أسلم في مقدور التسليم، فيطالب ببيان هذا الوصف.
وكذلك ينظر في شرائط القياس أموجودة أو لا على الوجه الذى تقدم.
فأما القلب في اللغة: فعبارة عن تحويل الشيء بجعل أسفله اعلاه أو جعل باطنه ظاهراً.
مثاله:
ما قال الشافعى في ظهار الذمى قال: يصح طلاقه فيصح ظهاره كالمسلم.
فنقلب عليه فنقول: بل يصح ظهار المسلم فيصح طلاقه، لأنه يصح ظهاره.
وكذلك يقول الخصم في الثيب اذا زنى وهو كافر يرجم لأن أبكارهم يجلدون.
فنقلب عليه فنقول: المسلم يجلد بكره لأنه يرجم ثيبه، لا أن نرجم ثيبه لأنه يجلد بكره.
وأما العكس فتفسيره لغة رد الشيء عن سننه، مأخوذ من عكس المرآة، فإنك إذا نظرت فيها يردّ صفاء المرآة نور عينيك على وجهك، فيقع نور عينيك على وجهك فترى وجهك بنور عينيك .. وكذلك نور الشمس اذا وقع في الماء وثم جدار يرد صفاء الماء نور الشمس على الجدار، فإذا نظرت في الماء ترى نور الشمس الذى رده صفاء الماء كأنه شمس أخرى في الماء.
مثاله:
ما قاله أصحابنا: ما يلزم بالنذر يلزم بالشروع كالحج، وعكسه الوضوء، وصلاة الجنازة لما لم تلزم بالنذر لا تلزم بالشروع.
فإذا انعكس الحكم بانعدام العلة كما اطرد باطرادها أوجب ذلك زيادة ترجيح.
[الاعتراضات الفاسدة على العلة المؤثرة]
أما المناقضة والفرق ووجود الحكم عند عدم العلة فباطل.
مثال المناقضة: ما قال أصحابنا في شهادة أحد الزوجين: لا يقبل لصاحبه لمكان التهمة.
فإن قال الخصم:: هذا ينتقض بشهادة الرجل لشريكه أو صديقه. فهذا نقض باطل، لإنّا وإياه أجمعنا على أن الشهادة ترد بالتهمة، فبعدما أقمنا الدليل على وجود التهمة لا يلزمنا النقض.
أما الفرق: فبأن يأتي بعلة مؤثرة في موضع النص لتعدية الحكم الى غيره، فيقول السائل الحكم عندي ثبت لا لهذا المعنى لكن لمعنى آخر.
فهذا منه باطل لأن الحكم يجوز أن يثبت بعلل شتى، كالقتل يجوز أن يحصل بجرحين. والخل يجوز أن يتنجس بشيئين. وكذلك وجود الحكم عند عدم العلة، لأن المعلل إنما علل ليثبت الحكم أينما وجدت العلة لا لينتفى الحكم متى عدمت العلة.
مثاله:
ما نقول في هبة المشاع الذى يحتمل القسمة أنه لا يجوز لأنه يؤدي الى ايجاب ضمان القسمة على الواهب وهو لم يتبرع به، فلا يثبت الملك.
فلئن قال الخصم: إذا وهب نصيبه من شريكه وجب أن يصح لأنه لا يلزمه ضرر القسمة ومع هذا لا يصح.
قلنا هذا من حيث النظر لا يلزمنا لأن ما ذكرناه دليل على وجود الحكم عند وجود العلة، فوجود الحكم عند عدم هذه العلة لا يضرنا، لأنه يجوز أن يثبت الحكم بعلة أخرى.
أما المناقضة على من يتمسك بالطرد والعكس ولا يتعرض للعلة المؤثرة فحسنة ليصير ملجأ الى إثبات الأثر.
مثاله:
ما يقوله الشافعى في الوضوء: إنه لا يصح بدون النية قياساً على التيمم، لما كان الوضوء مع التيمم طهارتين يشترط النية لهذا فيشترط لذا.
قيل له: لم قلت إن هذا الوصف مؤثر في استدعائه النية؟
فإن قال: هما سواء.
قلنا: ليس كذلك لأن هذا يؤدى بالماء وذا يؤدى بالتراب، وكذا هذا يؤدى بأربعة أعضاء وذا يؤدى بعضوين، وهذا مسح وذا غسل.
ثم هذا يبطل بطهارة الثوب وغيره فإنها طهارة، ومع هذا لا يشترط فيها النية فكذا هنا.
قال: التعليل بعلة مركبة أيضاً فاسد.
مثاله: لو قال واحد من أصحابنا: إن رهن المشاع باطل، لإنه لا يمنع الراهن عن الانتفاع بالمحل.
فهذا التعليل فاسد، لأن الخصم يقول: عندى لا يمنع الراهن من الانتفاع بالمحل في موضع ما، فكيف تقيم الحجة بهذا علي؟
وكذا كل علة مركبة عن نفى وعدم يكون فاسداً لأن النفي لا يصلح دليلاً لإثبات الحكم إلا إذا علل لنفى حكم يكون من لوازم السبب الذي نفاه من خصائصه، كما إذا علل لعدم وجوب القصاص بعدم القتل فيقول: لم يقتل فلا يجب عليه القصاص.
هذا يستقيم لأن وجوب القصاص حكم لا يثبت بدون القتل.
فأما من قال: بأن النكاح ليس بمال فلا ينعقد بشهادة رجل وامرأتين، فلا يستقيم لأن الكلام في أن شهادتها هل تقبل أم لا، فانتفاء صفة المال عن النكاح لا يدل على أن شهادتها لا تقبل.
باب [وجوه الانتقال]
فإذا انتهى الخصم الى هذا الموضع يحتاج أن ينتقل الى علة أخرى فنقول: الانتقال على أربعة أوجه:
[الوجه الاول] انتقال من العلة الى علة أخرى لإثبات تلك العلة مع ابقاء الحكم على حاله. وذلك حسن، لأنه يحتاج الى إثبات ما ادعاه من الدليل إذا منعه الخصم عليته.
[الوجه الثاني] وانتقال من الحكم الى حكم آخر. وذلك حسن. لأن الخصم إذا منع ذلك الحكم يحتاج الى إقامة دليل آخر عليه.
[الوجه الثالث] وانتقال من الحكم والعلة الى علة أخرى وحكم آخر. وذلك حسن أيضاً، لأن المعلل ظن أنه موضع الخلاف فإذا وافقه الخصم في ذلك يحتاج الى نصب الكلام في موضع آخر.
مثال الأول:
إذا قال المعلل في قتل المكرَه: القصاص لا يجب على المكره لأن القتل مضاف الى المكره بدليل وجوب القصاص عليه.
فإن قال السائل: عندى لا يجب القصاص على المكره لأني أذبّ عن زفر فيحتاج المعلل الى إقامة دليل آخر على أن القاتل هو المكره فيجب القصاص عليه.
[الوجه الرابع] انتقال من علة الى علة مبتدأة لاثبات الحكم. قال بعض الناس: هذا حسن أيضاً بدليل قصة الخليل صلوات الله عليه فإنه قال للعين: ربى الذي يحي ويميت» ثم انتقل الى علة أخرى فقال: «فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب»
والصحيح أنه ليس بصحيح، لأن اشتغاله بعلة مبتدأة دل على عجزه عن تصحيح ما ادعاه.
أما قصة الخليل عليه السلام فنقول: الاشتغال بالعلة الثانية إنما كان بعدما انقطع حجة خصمه، وكان يلبس الأمر عليهم. فألجأه الخليل عليه السلام الى ما يظهر عجزه للسامعين.
فصل [الاستحسان]
قد مر أن القياس حجة من حجج الشرع وأنه نوعان: ظاهر جلى وباطن خفى.
فالظاهر: يسمى قياساً.
والباطن: يسمى استحساناً.
ولا رجحان للظاهر بظهوره ولا للباطن ببطونه، وانما الرجحان لقوة الأثر في مضمونه. فما هو أقوى في حق المعنى المؤثر في الحكم فالأخذ به يكون أحسن.
والشافعي ينكر الاستحسان ويقول: الاستحسان ما يستحسنه الطبع وكم من مستحسن طبعاً يكون مقبحاً شرعاً.
لكنا نقول:
بأن العبرة للمعنى المؤثر، لأن السبب ما يكون مؤثراً في الحكم، فإذا كان المعنى المؤثر في الحكم أكمل كان أحسن.
ثم الاستحسان يتنوع الى أنواع منها ما يكون ثابتاً بنص الشرع كما الصوم مع الأكل ناسياً.
ومنها ما يكون ثابتاً بإجماع الأمة كجواز الاستصناع فيما ظهر تعامل الأمة به من غير نكير، والقياس يأبى ذلك لأنه بيع عين بعمله وهو معدوم إلا أن العمل بالإجماع أولى لأنه فوق القياس.
ومنها ما يكون ثابتاً لمكان الضرورة كجواز الإجارة والدخول في الحمام.
ومنها ما يكون ثابتاً لقوة الأثر في مضمونه ـ وهذا قياس خفى ـ- كالمتبايعين إذا اختلفا في الثمن قبل قبض السلعة، فالقياس يقتضى أن يكون القول قول المشترى - لأن البائع يدعى عليه زيادة الثمن ـــ وهو ينكر ذلك والقول قول المنكر مع يمينه - وفي الاستحسان القول قولهما: لأن المشترى يدعى على البائع من وجه آخر أيضاً، وهو استحقاق التسليم عند احضار ما تبقى من الثمن
باب القول في النسخ جوازاً وتفسيراً
قال: النسخ في اللغة عبارة عن التبديل والإبطال، تقول العرب: نسخت الشمس الظل إذا أبطلته، ونسخت الرياح الرسوم إذا بدلتها.
ومنه مذهب التناسخ وهو تبديل الجسم بالروح الأول.
وقد نطق القرآن بالنسخ حيث قال: «ما ننسخ من آية أوننسها نأت بخير منها» وسماه تبديلاً أيضاً فقال: «وإذا بدلنا آية مكان آية». فأراد به انتهاء الأول بالثاني.
وقالت اليهود: (النسخ) لا يجوز لأن الأمر إذا وُجد مطلقاً يتناول الأزمان كلها، وأمر الله ونهيه يكون باقياً الى قيام الساعة، ونسخ الأمر حال وجود الأمر لا يجوز، لأنه بداء، والبداء على الله لا يجوز.
بيان أنه بداء لما مر وهو: أن أمره يكون باقياً في كل ساعة، فإذا نسخه صار كأنه قال: افعل. ثم قال من ساعته موصولا بأمره لا تفعل. وذلك لا يجوز.
ونحن نحتج عليهم بالحكم والمعقول:
أما الحكم: فإن الله تعالى أباح نكاح حواء على آدم عليه السلام ورضى عنها وإنها كانت متولدة منه، ثم لا خلاف بيننا وبينهم أن نكاح المتولدة عن المرء لا يجوز كنكاح البنت.
أما المعقول: فلأن النسخ عندنا يجرى فيما يجوز أن يكون مشروعاً وأن لا يكون مشروعاً، ويجوز أن يكون وأن لا يكون، يجوز في بعض الأزمان دون البعض، كالمخلوقات لما جاز أن تكون وأن لا تكون جاز أن يخلقها الله ثم يفنيها، وهذا لأن ما يجوز أن يكون وأن لا يكون يجوز أن يكون مصلحة في بعض الأزمنة دون البعض كشرب الأدوية والأطعمة وما أشبهها، قد يكون مصلحة في وقت دون وقت وكذلك المشروعات.
فإن الله تعالى لما خلق الأمم على سير شتى يجوز أن يكون جواز بعض الاشياء وحِلُّها مصلحة في حق البعض على وجه لا يتمكن منه الفساد، ولا يكون مصلحة في حق أمة أخرى فلا يشرع ذلك في حق بعضهم.
وأما قولهم بأنه بداء ورفع الأمر حال قيامه، قلنا: لا نقول بأنه رفع وإبطال بل هو بيان أن الأمر الأول كان الى هذه الغاية، لأن الأمر الأول كان مطلقاً يحتمل أنه أراد به جميع الأزمان ويحتمل أنه أراد به بعض الزمان. حتى لو نص على الأبد لا يجوز نسخه بعد ذلك، فأما إذا لم ينص عليه ثم ينسخه بعد ذلك كان النص الناسخ دليلاً على أن الأول كان الى هذا الوقت فكأنه قال: افعلوا الى كذا، وهذا كما قلنا في الحياة فإن الحياة ثابتة على الاطلاق ثم اذا جاء الموت تبين أن الله تعالى حكم ببقاء الحياة الى هذا الوقت.
فصل [أنواع النسخ]
تم النسخ أنواع:
[النوع الأول] نسخ الحكم مع تلاوة نظمه كآية حد الزنا، فإن حد الزنا كان مقصوراً على الإيذاء والحبس في البيت على ما قال تعالى «فآذوهما». وقال في موضع آخر «فأمسكوهن في البيوت». وحكم هذه الآية قد انتسخ بآية الجلد.
[النوع الثاني] وقد يكون النسخ في حق التلاوة دون الحكم كقراءة ابن مسعود «ثلاثة أيام متتابعات»، فيعتبر حكم هذا النص واللفظ متروك.
[التعليل] وهذا لفقه وهو: أن الحكم مقصود بنفسه، وكذلك القراءة مقصودة بنفسها وتعلق بها فوائد وأحكام كالقراءة في الصلاة، وحصول الاعجاز بها، وحرمتها على الحائض والجنب، وكذلك نفس الحكم مقصود وأنه ثبت بالوحى المقروء كآية القرآن وبغيره كالأحكام التي أمر بإدامتها النبي عليه السلام بلفظ سوى آى القرآن، فلما كان كل واحد منهما مقصوداً بنفسه جاز انتساخ أحدهما دون الثاني. وهذا لأن الحكم لا يضاف الى السبب المثبت حالة البقاء وإنما يكون البقاء ضرورة عدم المزيل، على ما قدمنا بيانه.
[النوع الثالث] ومنها الزيادة على النص نسخ عندنا، وعند الشافعي بيان له، حتى جعل التكفير في باب اليمين بتحرير رقبة مؤمنة بالقياس، وجعل النفى مع الجلد حداً واحداً بخبر الواحد
[حجة الشافعي]
احتج وقال البيان عبارة عن إثبات وصف زائد للشيء يزداد به وضوحاً مع بقاء الأصل بحاله والزيادة على النص تكتسى لهذه الصفة، لأن المنصوص عليه مقرر على حاله ولكنه ضم اليه شيء زائد بدليل آخر، وضم الشيء الى الشيء لا يوجب تغيير المضموم اليه كضم درهم الى درهم في الحساب.
و بيان هذا تقرير الأصل وضم غيره اليه أن المنصوص عليه في كفارة اليمين تحرير رقبة والنص لا يتعرض للوصف بل هو مسكوت عنه، فضم صفة الإيمان اليه لا يوجب تغيير الرقبة، وكذلك الواجب بالكتاب في حد الزنا جلد مائة، والكتاب لا يتعرض للزيادة، فمتى ضممنا اليه شيئاً زائداً فقد قررنا المنصوص عليه، ولكنا زدنا عليه وصفاً زائداً آخر.
وأصحابنا رحمهم الله قالوا:
بأن الزيادة لا تخلو إما أن تكون في حق السبب أو في حق الحكم، وكلاهما نسخ من حيث المعنى، لأن الشيء إذا جعل سبباً للحكم لا يتجزأ في حق السببية، وكذلك الحكم من حيث إنه حكم لا يتجزأ فنقول:
الكتاب يقتضى جواز التكفير بتحرير أي رقبة كانت، فتقيد الجواز بتحرير رقبة مؤمنة يؤدى الى إبطال حكم ثبت بكتاب الله تعالى وهو جواز هذا التحرير عن التكفير ولأنا متى ضممنا وصفاً زائداً الى الأصل لجعلنا الوصف مع الأصل شيئاً واحداً في حق الحكم، فبطل الحكم الذي كان متعلقاً بالأصل المطلق، وكذلك النفى مع الجلد.
فإن الكتاب [أتى] ببيان حد الزنا وهو جلد مائة فالخصم متى اليه النفى فقد أبطل الحكم الثابت بالنص بخبر الواحد وهذا لا يجوز، وإشكاله ما مر وهو أنا أوجبنا شيئاً واحداً مع بقاء المنصوص عليه بحاله وهو جلد مائة فنقول:
متي جعلت جلد مائة مع النفى حداً واحداً لا يكون الجلد بدون النفى حكم الزنا لما مر أن حكم الشرع لا يتجزأ، فمتى فصلت النفى عن الجلد لا يكون الجلد حد الزنا ولا حكمه، ومتى جعلتهما حداً واحداً لا تكون هذه الجملة ثابتة بكتاب الله تعالى وما ثبت بكتاب الله تعالى يخرج من أن يكون حداً وحكماً للزنا.
ولهذا قال أصحابنا رحمهم الله:
بأن المحدود في القذف إذا أقيم عليه الجلدات إلا سوطاً واحداً ثم قدر على إقامة الشهود أو سقط إحصان المقذوف أو اعترض ما يمنع إقامة السوط الأخير لا يصير مردود الشهادة، لأن ما أقيم عليه ليس بحد فلا يصير مردود الشهادة
فصل فيما يجوز به النسخ
نسخ الكتاب بالكتاب جائز، ونسخ السنة بالسنة جائز بالاتفاق بين الفريقين. أما نسخ الكتاب بالسنة فعندنا يجوز وعند الشافعي لا يجوز.
[حجة الشافعي]
احتج بقوله تعالى «اتبع ما اوحي اليك من ربك» فالله تعالى أمر الرسول أن يتبع ما أنزل اليه فما انتسخ بقوله فقد ترك المتابعة، ولأنه يؤدى الى مخالفة الكتاب من حيث الظاهر، فيؤدي الى فتح باب الطعن في حقه، فقلنا: بأنه لا يجوز نسخ الكتاب بالسنة سداً لباب الطعن.
وكذلك لا يجوز نسخ السنة بالكتاب لأن الله تعالى قال: «ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء» فمتى قال الرسول قولاً ثم ورد الكتاب بخلاف ذلك تبياناً للحكم وإعلاماً بأن الحكم على خلاف ما قاله الرسول، وإن ما أجابه الرسول كان غلطاً منه، وهذا لا يجوز لأنه أمين الله تعالى، فقوله يكون حقاً، ولا يجوز أن يكون مخطئاً فيما يقول.
ولأن النص إذا ورد بخلافه يكون هذا أمراً بمخالفة الرسول عليه السلام فيما أمره من حيث الصورة فيؤدي الى فتح باب الطعن وهذا لا يجوز.
وأما نسخ الكتاب بالكتاب والسنة بالسنة فلا يؤدي الى فتح هذه المعانى والى مخالفة الكتاب أو السنة فقلنا: بأنه يجوز.
[قول الحنفية]
إلا أن الكل ضعيف.
والصحيح ما قاله أصحابنا رحمهم الله، لأنا قد بينا أن النسخ في الحقيقة بيان أن الحكم الأول كان مشروعاً الى هذا الوقت، لأن الله تعالى قد علم أنه لا يبقيه مشروعاً بعد هذه المدة، فصار المنسوخ بعد ورود الناسخ بمنزلة حكم مؤقت قد انتهى أوانه وزمانه.
وإذا ثبت هذا فنقول:
بأن السنة كالكتاب في كونها حجة صحيحة بلا شك وشبهة، لقيام الدليل على أن الرسول معصوم عن الخطأ والزلل.
فإذا ثبت أنهما سواء في الحجة، كانا سواء في بيان هذا المشروع، فإن المشروع إذا كان مطلقاً يحتمل أن يكون دائماً ويحتمل أن يكون مشروعاً الى غاية، لكنا لا نقف عليها، فإذا بينها الرسول عليه السلام زالت الشبهة.
[الرد على الشافعي]
أما قوله بأنه يؤدى الى مخالفة الكتاب، قلنا: ليس كذلك لأنه ـ قال ذلك ــ دلنا ذلك على أن الحكم مشروع الى ذلك الوقت، وأن الله تعالى أعثره على ذلك.
وكذلك الرسول إذا قال قولاً ونزل النص بعده على خلافه تبيَّن أن الله تعالى شرع ذلك الحكم الى ذلك الوقت، لأن الرسول لم يكن ينطق عن الهوى وإنما كان ينطق بأمر الله تعالى فصار قول النبي عليه السلام ككلام الله تعالى في حق أحكام الشرع. ثم يجوز نسخ كلام الله تعالى بكلامه، فكذلك نسخ قول الرسول بكلامه.
باب القول في أفعال النبي عليه السلام
[اولا]ـ إذا كان عن قصد أنواع أربعة:
1 - منها ما يكون زلة مقروناً بالبيان كقول موسى عليه السلام حين وكز القبطى: هذا من عمل الشيطان»، وكقوله تعالى ولولا أن تبتناك لقد كدت تركن اليهم شيئاً قليلاً»
ونعنى بالقصد قصد الفعل لا قصد المعصية
وإذا كان الزلل مقروناً بالبيان لا شك بأنه لا يتابع في ذلك الفعل.
? ـ ومنها ما يكون واجباً.
3ـ ومنها ما يكون مندوباً.
4ـ ومنها ما يكون مباحاً.
[ثانيا] أما اذا فعل فعلاً ولم يقم الدليل على أنه واجب أم لا، اختلفوا فيه:
قال بعضهم: يجب اتباعه
وقال بعضهم: يتوقف فيه.
وقال بعضهم: يعتقد أنه مباح ولا يزيد عليه حتى يقوم الدليل على الوجوب أو غيره و به قال أبو بكر الرازي، وهو اختيار أصحابنا رحمهم الله.
أما الذين قالوا بالوجوب فإنهم قالوا بأن الرسول عليه السلام قدوة لأمته في أقواله وأفعاله ولهذا قال تعالى (فليحذر الذين يخالفون عن أمره».
وأما الواقفون فقالوا: بأن أفعال الرسول عليه السلام أنواع: واجب ومندوب ومباح وما أشبه فلا يجوز اثبات وصف من هذه الصفات إلا بدليل.
ونحن نقول:
بأن الفعل ليس بأمر بصيغته ولا بمعناه، لأن الشروع في الشيء لا يكون أمراً لغيره بالشروع ولكنه يدل على كونه مباحاً في نفسه بإباحة ثابتة بلا شبهة ويمكن الشك في غيرها من الصفات، فلا يثبت إلا بدليل زائد.
كما قال أصحابنا: فيمن وكل إنساناً في امواله ـ فإنه يصير وكيلا بحفظ امواله، لأن الأمر بالحفظ ثابت مع كل تصرف ولكن الشك في غيره فلا يثبت بالشك والاحتمال و يثبت الامر بالحفظ لا غير. والله أعلم.
فصل في شرع الرسول من تلقاء نفسه
فيه [أقوال]
قال بعضهم: لا يجوز إلا بوحى.
وقال بعضهم: ليس له أن يشرع الحكم بالرأى ابتداء حتى ينقطع طمعه عن الوحى فيما ابتلى به فكان له العمل بالرأى بعد ذلك. وهو المختار لأصحابنا رحمهم الله.
[حجة القول الأول]
أما الأولون فقد احتجوا بقوله تعالى (قل ما يكون لى أن أبدله من تلقاء نفسى» والرأى يكون من تلقاء نفسه.
وقال تعالى (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى». فالله تعالى بيَّن أنه كان ينطق عن الوحى والفقه فيه: وهو أنه لو نطق بالرأى ربما يكون خطأ - لأن المجتهد قد يخطىء وقد يصيب ـ ولا يجوز أن يكون كلامه في حق الاحكام وتبيينها محتملا للخطأ لأنه أمين الله تعالى فيما يقول.
[حجة القول الثاني]
واصحابنا رحمهم الله قالوا بأن الأدلة قد قامت على أن الرسول عليه السلام كان يستشير أصحابه في بعض الأحكام، وكان يأخذ بقول البعض دون البعض، ولو كان ذلك الشيء مبيناً بالوحى لما استشارهم، ولأن العمل بالرأى ضرب اطلاق للشخص لينبنى الأجر عليه، فما ينبغى أن يحجر الرسول عليه السلام شرف الإطلاق.
غاية ما في الباب أن نقول: بأن فيه نوع احتمال.
قلنا الله تعالى يصرفه عن الخطأ و يهديه الى الصواب، إلا أنه يميل اليه إذا لم يوح اليه في حادثة وهو يحتاج الى تنفيذها في الحال، ولا يكون للتوقف فيه وجه فحينئذ يقول فيه بالرأى، فأما إذا كان له وحى بذلك فلا يحتاج اليه.
القول في شريعة من قبلنا
اختلف الناس في شريعة من قبلنا:
قال بعضهم: شريعة من قبلنا لا تلزمنا، لأن الرسول عليه السلام كان يأمرنا باتباعه ونهى عن اتباع غيره ولو وجب القول بشريعة غيره لما فعل ذلك
ولأنا لو جعلناها شريعة معتبرة في حق وجوب العمل يلزمه أن يتابع الرسول فيصير كواحد من أمتهم. والله تعالى أمرنا بأن نتابع الرسول عليه السلام لا أن نتابع غيره ألا ترى أنه روى أن عمر رضى الله عنه كانت في يده صحيفة ذات يوم فقال له رسول الله عليه السلام: ما هذه الصحيفة؟ فقال: التوراة. فغضب رسول الله عليك السلام وقال: «لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعى».
قال: والصحيح أن شريعة غيرنا تلزمنا ما لم يقم الدليل على انتساخها.
والدليل عليه النص والمعقول:
أما النص فقوله تعالى (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده» وقال تعالى «أن اتبع ملة ابراهيم حنيفاً»
والفقه ما مر من قبل وهو: أن الرسل كانوا يأمرون و ينهون بأمر الله تعالى ويحكمون بكتاب الله تعالى كالتوراة والانجيل وغيره، وأمر الله تعالى إذا كان مطلقاً فيبقى الى أن يقوم الدليل على انتساخه، وعلى انتهاء مدة المشروع، لأنه لا تخصيص له بزمان دون زمان.
إلا أن أهل الكتاب لما لبسوا الحق بالباطل وكتموه لم يبق قولهم حجة علينا، والله تعالى جعل ولاية البيان الى رسول الله حتى يبين الناسخ والمنسوخ، وجعل بيانه بمنزلة شرع الحكم ابتداء فوجب اتباعه بما يقول.
فصل في تقليد الصحابة
قال: اختلفوا فيه:
قال بعضهم: يقلد الصحابي ويترك القياس بقوله. لأن صاحب الشرع بيَّن أن كلامهم حجة حيث قال: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم»
فعرفت أن قول الصحابي حجة كرامة لصحابة الرسول عليه السلام. قال: والمختار أن يقال بأن قول الصحابي حجة إذا كان مخالفاً للقياس.
وإذا كان موافقاً فاختلف أصحابنا فيه: بعضهم قالوا: بأنه يترك قياسه بقياس الصحابي.
وقال أبو الحسن الكرخي لا يجوز تقليده إلا فيما لا يستدرك بالقياس لأنه إذا كان مما يستدرك بالقياس فالصحابي يتكلم بالقياس، والصحابى وغيره في القياس واستنباط المعاني سواء.
والمروى عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال: إذا اجتمعت الصحابة سلمنا لهم، واذا اجتمع التابعون زاحمناهم، وانما قال ذلك لأنه كان من التابعين فكان لا ينعقد اجماع التابعين بدونه.
أما إذا كان قولا لا يستدرك بالقياس فنقول: الظاهر أنه سمع رسول الله عليه السلام لأن عدالته تدل على أنه لا يخترعه من تلقاء نفسه لا يكون إفكاً، ومثل هذا لا يظن بالصحابي.
ولهذا تركنا القياس في شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن بقول عائشة رضي الله عنها
فصل في التقليد
[معنى التقليد]
قال التقليد عبارة عن اتباع الرجل غيره فيما سمعه منه، على تقدير أنه مُحِقِّ بلا نظر وتأمل فى الدليل. كأن هذا القائل قلده وجعل قوله قلادة في عنقه.
[حكم التقليد]
والقول بالتقليد باطل فيما يرجع الى أصل الدين، فلا يستدرك بالدلائل العقلية لأن قول القائل إذا كان محتملاً الخطأ والصواب لا يجوز اتباع قوله حتى يقوم الدليل على صدق ما يقوله.
ولهذا ذم الله تعالى الكفرة على ذلك بقوله: «إنا وجدنا آباءنا على أمة) الأية وإنما ذَمهم لأنهم اتبعوا مقالة آبائهم بغير دليل.
ولهذا قلنا بأن من ادعى النبوة يطالب بإقامة المعجزة عليها، ولا يكتفي بمجرد الدعوى. إذ لو جاز اتباع المدعى بنفس الدعوى لجاز اتباع مسيلمة الكذاب لعنه الله.
فإذا تمهد أصل الدين وقام الدليل على نبوة الرسول المبعوث من الله تعالى يجوز أن نقلده في كل ما يأمر به، لأن الدليل قد قام على أن الله تعالى لا يبين أحكامه على لسان من يخون في تبيينها لما فيه من التلبيس، فنعرف أن ما يقوله الرسول حق لا ريب فيه.
وكذلك يجوز أن يقلد علماء العصر لما مرّ أن اجماع العلماء حجة، فلا يحتاج الى قيام دليل على صحة ما أجمعوا عليه.
وكذلك يجوز أن يقلد [من] هو اعلم منه من المجتهدين، لأنا أقمنا الدليل على أن القياس حجة حال فقد الدلائل القاطعة، فاذا كان غيره أعلم. منه و يكون أهلاً للاجتهاد و يكون موسوماً بسمة العدالة فالظاهر من حاله أنه لا يقول إلا عن دليل، فيكون الظاهر من كلامه الصدق فيجوز العمل بقوله بناء على ذلك الظاهر
فصل [الالهام ليس بحجة]
الالهام ليس بحجة، ولا يجوز العمل به.
وقال بعض الناس: يجوز العمل به لأن الله تعالى شرح قلب المؤمن بالنور، يهتدى بذلك النور الى مصالح أموره، ولهذا قال النبي عليه السلام «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله».
ولهذا قال الله تعالى: «فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام»
ولأنه لما جاز أن يلهم النحل على ما قال الله تعالى وأوحى ربك الى النحل» أولى أن يجوز إلهام المؤمن ليهتدى الى ما هو الأمر له.
وعامة العلماء احتجوا بقول الله تعالى «تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم».
ذمهم على اتباع الأماني بدون الحجة لأن ما يميل القلب اليه ربما توسوس به نفسه وربما يوسوس به الشيطان على ما قال الله تعالى «الخناس الذي يوسوس»
وربما يكون حقاً، والحق لا يعرف من الباطل إلا بالتأمل في الدليل، ولأن الالهام لو كان موافقاً للشريعة فقد بينا أن شرط العمل بالقياس ماذا؟
وإن كان مخالفاً للشريعة فلا يجوز اتباعه. ولأنا متى جوزنا له اتباع ذلك يؤدى الى نصب الشريعة ابتداء، وهذا لا يجوز.
| باب] القول في صفة المجتهدين
اختلف العلماء في الاحكام التي يجوز الفتوى بها بغالب الرأى والقياس قال فريق من المتكلمين:
الحق في هذه الاحكام حقوق وكل مجتهد مصيب. أى للحق بعينه.
ثم إنهم افترقوا فقال بعضهم: الحق حقوق على التساوى.
وقال قوم: الواحد من الجملة أحق وسماه تقويم ذات الاجتهاد.
وقال أهل الفقه و بعض أهل الكلام الحق عند الله تعالى واحد.
ثم افترقوا فقال بعض أهل الفقه: إذا لم يصب المجتهد الحق عند الله تعالى يكون مخطئاً في القول والعمل جميعاً.
وقال بعضهم: يكون مخطئاً عند الله تعالى. ومصيباً في حق العمل شرعاً كأنه أصاب الحق عند الله تعالى. وهو قول اصحابنا رحمهم الله
أما الذين قالوا بأن الحق حقوق وكل مجتهد مصيب على الإطلاق، قالوا بأن الواجب على كل مجتهد منهم أن يعمل بغالب الرأى في موضع القياس، فإذا اجتهد فإنه يكون مجتهداً بأمر الله تعالى، والواجب عليه أن يعمل باجتهاده، فإن ساغ له القول والعمل بالقياس يكون قائلاً بإذن الشرع وعاملاً بأمر الشرع فيكون قوله وفعله حقاً في نفسه.
وبعضهم قالوا الواحد من الجملة أحق. لأن القياس يقتضى أن يكون الحق واحداً إلا أنا تركنا القياس لمكان الضرورة، لما مر ان المجتهد يلزمه أن يعمل باجتهاده و يفتى باجتهاده، فلو قلنا: بأن الحق واحد وهو لا يعرفه قطعاً فكيف يتكلم فيه بإذن الشرع!
والضرورة في اثبات الحقيقة دون التفصيل فقلنا: بأن واحداً من الجملة أحق من غيره، ألا ترى أنه روى أن مسروقاً وعلقمة سبقا بركعتين من المغرب فلما قاما الى القضاء صلى مسروق ركعة وقعد ثم صلى ركعة وقعد، وصلى علقمة ركعتين ثم قعد. فلما بلغ ابن مسعود رضى الله عنه قال: كلاهما قد أصاب ولكن فعل مسروق أحب الي.
وأصحابنا قالوا بالنص والمعقول:
[أدلة المخطئة]
أما النص فقوله عليه السلام: «المجتهد إن أصاب فله اجران وإن أخطأ فله أجر واحد».
وكذلك روى عن النبي عليه السلام أنه لما أراد أن يبعث معاذاً سأله فقال: «بم تقضى»؟ فقال بكتاب الله تعالى. فقال عليه الى اليمن السلام: «فإن لم تجد»؟ فقال: بسنة رسول الله. قال: «فإن لم تجد» قال اجتهد رأيي. فإن اصبت فمن الله وإن أخطأت فمن الشيطان. فقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله»
وقال ابن مسعود رضي الله عنه ـ فيمن تزوج امرأة ولم يسم لها مهراً: أجتهد رأيي فيه فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن ابن أم عبد
وأما المعقول: فلأن الشيء الواحد لا يجوز أن يكون مباحاً ومحظوراً في حالة واحدة، ألا ترى أن النص لو ورد بقول هذا وذا لجعل أحد النصين ناسخاً للثاني، وكذلك الواحد لا نسخ شريعة من قبلنا. لما مر أن الشيء الواحد لا يتصور أن يكون مشروعاً مباحاً وأن يكون محظوراً ولأنا متى جعلنا ههنا حقوقاً وكل مجتهد مصيب لجوّز للعوام أن يأخذوا بما يشتهون من قول هذا وذا، ولا يجوز التناظر بين الفقهاء وأن يدعو كل واحد منهم الى مذهبه، وهذا قبيح جدا.
فقلنا بأن الحق واحد ثم العوام يتأملون في حق من هو أكثر وأزهد وإن هذا - فيرجحون قوله ويتبعونه فى المجتهدات فيكون ذلك بناء الحكم على الدليل وهو العلم بغلبة الظن.
[الرد على أدلة المصوبة].
أما قول ابن مسعود كلاهما قد اصاب. فنحن نقول بأن الشيء الواحد قد يكون أحسن من غيره فيخير بين الشيء الحسن وبين ما هو احسن، كما خير الله تعالى في كثير من الاحكام كالكفارات وغيرها
فصل
ثم المجتهد إذا عمل باجتهاده فعمله يكون صحيحاً وإن كان مخطئاً عند الله تعالى، لأنه ليس في وسعه إصابة الحق حقيقة، فلا يكلف العمل به. فإنما يكلف العمل بما عنده. وإذا أتى بما عنده واتبع الدليل بأقصى ما يتصور تحقق العذر في حقه فيخرج عن العهدة.
و يبنى على هذا الأصل فصل آخر
وإن المجتهد اذا أخطأ هل يثاب؟
وقال بعض الناس: يعاقب لأنه مخطىء
وقال بعضهم: يؤجر ولا يعاقب لأنه اجتهد لإصابة الحق
والصواب أن نقول: إن كان الخطأ بيّناً يعاقب لتقصيره في التفحص عن الدليل ولا يضلل.
وإن كان خفياً فالمجتهد يؤجر أجراً واحداً، ولا يعاقب، لأن الخطأ إنما جاء لخفاء الدليل لا لتقصير وجد منه. والخفاء جاء من الله تعالى، فتكون الآراء بمنزلة العيون فإن أبصارها متفاوتة بحكم الخلقة فلا يجوز العتاب على مثل هذا والخفى مما لا يدركه كل فهيم وكل قلب.
فصل في مسائل شتى مما يحتاج اليه في المناظرة وغيرها
[المسألة الاولى]
إذا تمسك المحتج بعموم اللفظ فللسائل أن يعترض عليه من عشرة أوجه:
احدها: أن يطالبه ببيان أن المتنازع فيه دخل تحت العموم بأسمه وأن اذا أطلق ينصرف الى مسمى المتنازع فيه.
مثاله:
الشافعي إذا علل في مسألة النباش فقال: سرق نصاباً من الحرز فيقطع لعموم آية السرقة.
يقول السائل: لِمَ قلت إنه دخل تحت هذا الاسم وإن الاسم ينطلق عليه؟
فإن قال: هذا مثله في الصورة والمعنى فكذلك في حق التسمية.
قلنا: هذا إثبات الاسم بالمعنى وذلك مما لا يجوز كما إذا سميت اللبن ماء بعلة أنه مائع بحاصر.
والثاني: أنا سلمنا أنه سمى سارقاً باعتبار حاله، فلم قلتم بأن مطلق اسم السارق ينصرف اليه عرفاً؟
فإن الله تعالى سمى الشمس سراجاً، وهذا لا يدل أن اسم السراج ينصرف اليه عند الإطلاق.
[مثال آخر]
فإن الشافعي إذا قال في صلاة الجنازة: لا تصح الا بالفاتحة، لأن رسول الله عليه السلام قال: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»
يقال: لم قلت: بأن مطلق الاسم ينطلق عليه
وكذلك لو قال الحنيفي: تكره صلاة الجنازة وقت الزوال
والثالث: إذا سلم له الاسم مطلقاً، يطالبه ببيان عمومه فيقول له: لم قلت: بأنه يجرى على عمومه؟
فإن قال المعلل: لا تفصيل فيه. يتأمل السائل فإن كان ذلك النص ابتداء لبيان الحكم ثبت مذهب المجيب، فيحتاج الى بيان النسخ أو التخصيص.
وإن كان بناء على شيء يجب النظر الى ذلك الشيء، كما لو قال المعلل:
تجب الزكاة في مال الصبى لقوله تعالى: «وفي أموالهم حق للسائل» ولم يفصل فيقول السائل: هذه كناية فيجب النظر الى المكنى بها وهو المخاطب.
وكذلك الحنيفى لو قال في زكاة الخيل: الرسول عليه السلام قال لمعاذ: خذ الصدقات من أغنيائهم وردها في فقرائهم» من غير فصل. يقول السائل هذا بناء على ذكر الذهب والفضة والحبوب، ولا ذكر للخيل فيه
الرابع: أن يسأل عن كون الحكم مقصوداً باللفظ.
مثاله:
لو قال الحنيفي: العشر يجب في الرطاب، لقوله عليه السلام فيما أخرجت الأرض العشر أو نصف العشر»
فيقال له: هذا لبيان قدر الواجب لا لبيان ما يجب فيه العشر وكذلك الشافعى لو تمسك في حل الضب بقوله تعالى وكلوا واشر بوا» لا يستقيم، لأن النص [إنما سيق لبيان حكم الأكل والشرب لا] لبيان المأكول وإنه ليس بمطلق، لهذا فلا يستقيم الاحتجاج به.
فلو انتقل الى نص آخر فقد انقطع
والخامس:
أن يحتج المعلل بآية أو سنة في سبب، واللفظ أعم من السبب. فللسائل أن يقول: النص ورد في سبب بعينه فلم قلت بأنه يجرى على عمومه؟
مثاله: لو تمسك الداودى بقوله عليه السلام ليس من البر الصيام في السفر» فهذا دليل على أن صوم المسافر لا يصح.
يقال له: هذا وارد في حق شخص مخصوص أضعفه الصوم، فلم قلت بأنه يجرى على اطلاقه؟
وكذلك قوله تعالى: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا» الآية
هذا ورد في حق أهل قباء خاصة فلا يدل على أن كل ما يطعمه المرء لا يأثم.
والسادس:
إذا وقع التسليم بعموم اللفظ فليس الا المعارضة أو بيان النسخ. كما لو قال القائل في حد المستأمن لا [يقتل] لقوله تعالى (ثم أبلغه مأمنه» ومتى قتله حداً لا يبلغه مأمنه.
فيعارضه بآية أخرى وهى قوله تعالى «الزانية والزاني»
والسابع:
يخصصه بنص آخر ثم إذا قام الدليل على خصوصه، نحو التخصيص بالقياس وخبر الواحد.
والثامن:
اذا احتج لعموم هو ذكر بعض ما تناوله عام آخر بموافقته، فلا يخصه ولا ينفيه لأن التخصيص يقع بالمخالف
ومثاله:
قوله عليه السلام لا نكاح إلا بولى وشاهدى عدل» فيقول السائل: هذا بعض ما دخل تحت عام آخر وهو قوله عليه السلام: «لا نكاح الا بشهود» فهذا يقتضى أن يجوز النكاح وان كان الشاهد فاسقاً.
فيقام على جواز النكاح بالعدول دليلان و بالفسقة دليل واحد لما مرّ أن هذا النص يوافقه فلا يجوز نسخه بهذا.
[التعليل]
لأن قوله عليه السلام لا نكاح إلا بشهود» لبيان أن النكاح لا يصح بدون الشهود، وكذلك النص الثانى إلا أنه ذكر وصفاً زائداً.
والتاسع
أن يحتج المعلل بالمدح على الوجوب، أو بالذم على الفساد. فيقول له السائل المدح على الفعل يدل على أنه مشروع، والذم يدل على الكراهية وأنه مسيء ء فيه. ولكن كون الشخص مسيئاً في أمر لا يدل على أن ذلك الامر غير مشروع أصلا، كما إذا استام على سوم أخيه واشتراه فإنه يكون صحيحاً وإن كان مذموماً على ذلك.
والعاشر:
أن يحتج المجيب لعموم التلفيق وهو أن يجمع بين آيتين أو سنتين أو دليلين أو يعتمد عليهما.
فللسائل أن يقول: هذا الاحتجاج باطل لأن كل واحد منهما لا يصلح حجة لتصحيح المسألة إلا بانضمام غيره اليه. وهذا يقتضى أن يكون احد منهما بناء على الآخر، إما بناء اسم على اسم أو حكم على حكم أو اثبات اسم من جهة الشرع ولهذا لا يجوز.
مثاله:
لوقال الشافعى في الطواف: يشترط له الطهارة لقوله عليه السلام: (الطواف صلاة»
قيل له:
ادعيت أنه صلاة لتعلّق به حكم الصلاة وتمسكت بقوله عليه السلام، وهو لا يستقيم لأنه إثبات الاسم بقول الشارع والشارع ما بعث مبيناً للأسامى، ولكنه كان يرتب الحكم على الاسامي، فننظر هل يتعارف صلاة في اللغة أو فيما بين أهل الشرع؟
فنقول: ذلك طوافاً ولا يسمى صلاة.
فلا يستقيم هذا الاحتجاج.
وكذلك الحنيفي لو قال:
لا تجب الزكاة على المديون لأنه فقير، بدليل أنه يحل له الصدقة. هذا احتجاج بهذين الشيئين. فيقال له: لهذا لا يستقيم لأنه إثبات اسم الفقر بالحكم والحكم أبداً يتبع الاسم، فلم قلت: بأن المديون يسمى فقيراً حتى لا تجب عليه الزكاة؟
[المسألة الثانية] [ما يرد على احتجاج المجيب بخبر الواحد]
إذا احتج المجيب بخبر الواحد فللسائل أن يطالبه بتصحيح متنه، وتثبيت إسناده و يكلمه في قوته، وضعفه، لتهمة في رواية أو فسق في الراوى ويطالبه بإثباته في كتاب من تصانيف أهل الحديث ونقلة الأخبار مرضى عند الجملة، مقبول القول لدى الكل.
وهذا على أصل الشافعي مقبول جداً، لأن المراسيل عنده ليست بحجة وقد تقدم.
مسألة [ثالثة]
إذا احتج المجيب في المسألة بقوله: لم يشرع لهذا لو لم يقم الدليل على جوازه فإن كان في العقليات فهذا التعليل باطل، لأن العقليات تعرف بدلائل العقل، ويعرف سدادها من فسادها بالتأمل والنظر، فلا يستقيم ان يقول: لم يقم الدليل على جوازه.
وإن كان في المشروعات التي يجوز أن تكون ويجوز أن لا تكون: اختلف أهل الأصول فيه: فبعضهم قالوا ليس بحجة لأن المجيب نصب الكلام لإقامة الدليل المتنازع فيه والعدم لا يصلح دليلاً على شيء
و بعضهم قالوا يتأمل فيه السائل فإن وجد نصاً على وجود ذلك الحكم وثبوته يحتج عليه بذلك ويقيم الدليل على خلاف ما ذكره المجيب.
وإن لم يجد دليلاً على ذلك فقد قيل: بأن هذا التعليل صحيح، لأن الثبوت أمر عارض فمن ادعى اثباته يحتاج الى الدليل. والأول أقوى.
مسألة [رابعة]
المجيب إذا جعل وصفاً من الصفات علة لبناء الحكم، يعترض عليه السائل فيقول: لم قلتم إن هذا الوصف علة؟
فإن قال المجيب: الدليل عليه وهو أن الحكم يدور معه، يوجد عند وجوده وينعدم عند عدمه، وهذا أمارة كونه سبباً.
فالسائل يطالبه بالتأثير ويقول: لِمَ قلت بأنه يصلح أن يكون سبباً وأنه مؤثر في إفادة الحكم.
فإن كان يقول: بأنه عند عدمه. يوجد عند وجوده وينعدم عند عدمه
يقال له الحكم كما يدور مع السبب وجوداً وعدماً يدور مع الشرط وجوداً وعدماً كالاحصان لما جعل شرطاً لاحكام لا يتصور وجودها بدونه، والملك لما جعل شرطاً لنفاذ التصرف يدور نفاذ التصرف معه. ومع هذا لا يدل على أن الملك سبب لنفاذ التصرف.
والله أعلم