السنة المتواترة عند الفقهاء ....
...... وتطبيقاتها عند الحنفية
جارٍ تحميل الكتاب…
السنة المتواترة عند الفقهاء ....
...... وتطبيقاتها عند الحنفية
الطبعة الأولى
1441هـ ـ 2020م
السنة المتواترة عند الفقهاء
وتطبيقاتها عند الحنفية
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
* نشر مجلة الجامعة الاسلامية في غزة.
خلاصة البحث:
أظهرتُ في هذا البحث تقسيماً خُماسياً للمتواتر غير متداول بين أَهل العلم يُساعدُ على إعطاء صورة دقيقة للمتواتر ودرجته وحكمه عملاً واعتقاداً، وبه نتمكن من فهم عبارة المتواتر في كتب الفقه وأصوله وأدلّته، وهذا التقسيم مذكورٌ في طيّات عبارات السابقين كالطحاويّ والكاسانيّ، وصرَّح به الكشميريّ، وكلُّ قسم منه عَرَّفته وبَيّنت حكمَه وأَمثلتَه التطبيقية في كتبِ السادة الحنفية باستقراءِ في كتب الطحاوي وغيره.
فالأوّلُ منه المتواترُ اللفظيُّ وهو الإسناديّ المشهورُ عند المُحَدِّثين، وأَفرادُه نادرةٌ لصعوبةِ تحقق شروطه، والثاني المُتواترُ المعنوي بأن تتفقَ الأحاديث على معنى ما بينها، وأَفرادُه كثيرةٌ جداً، وهذا القسم موجود عند المحدثين أيضاً، والثالث: المتواتر الطبقي بلا اعتماد على إسناد كنقل القرآن ونقل المدارس الفقهية كالكوفة والمدينة كمدرسة الكوفة أو المدينة، وهو أكثرُها أثراً في الفقه الحنفيّ والمالكيّ؛ لأنها فقه متوارث عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم -، والرابع: المتواتر العمليّ، بأن يعمل كبارُ الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين بالأثر ويَقبلوه فيما بينهم، فهذه الأقسام الأربعة ترفع الحديث من درجته إلى أعلى درجات العمل في إثباته للأركان
والشروط وتخصيص القرآن والزيادة عليه عند الحنفية، وأمّا الخامس فذكرته استطراداً وتتميماً للفائدة وإن لم يكن حقيقة من أَقسام المتواتر وهو اللغوي، والمقصودُ به مجردُ تتابع الرِّوايات وتظافرها مما يُرَجِّحُها على غيرِها، وقد استخدمه الطحاويّ كثيراً، فكان لا بدّ من فهمه.
* * *
Research Summary:
I have shown in this paper a five-part division of tawatur (multiple-chain transmission) that will help give a precise depiction of mutawatir. This division exists embedded within the writings of early scholars such as Imams Tahawi and Kasani. I have defined every part of the division and have clarified its practical examples mentioned in the books of Hanafi law.
The first is mutawatir by wording, which is relayed by a chain of narrators (isnad); its examples are rare due to its stringent conditions. The second is mutawatir by meaning: for several hadiths to confer a particular shared meaning; this type has many examples. The third is mutawatir by generation, such as with the transmission of the Qur'an and of legal schools like those of Kufa and
Medina; this type greatly effects the Hanafi and Maliki schools since it represents inherited law of the Prophet - صلى الله عليه وسلم - and his Companions - رضي الله عنهم -. The fourth type is mutawatir by practice, namely, for the greatest Companions - رضي الله عنهم - and Followers to act upon a narration. According to the Hanafis, a hadith of these four types can establish pillars and conditions, and can specify or add onto [rulings derived from] the Qur'an.
As for the fifth type, I have mentioned it for the sake of consistency and to provide full benefit. It is merely the succession of narrations that leads to strengthening them. Imam Tahawi has used this type extensively, so it is important to understand.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير البشرية محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:
إنّ هذا البحثَ يُناقش قضية المتواتر في تعامل فقهاء الحنفيّة؛ لبيان الطريقة التي سَلَكها أئمتهم في تقعيد المسائل الفقهية والتثبت في الوصول لما كانت عليه الحضرة النبوية من الهدي المبارك، فوجدت أنّ لديهم تقسيماً لطيفاً في ذلك حريٌّ بالدراسة والانتفاع به لا سيما في فهم فقههم العظيم الذي ملأ الأرض وطبق في دول الإسلام المتعاقبة، بما يعيد الثقةَ التامّةَ بهذه المدارس الفقهيّة التي تمثل الإسلام العمليّ.
لا سيما أنه لم يسبق بحث هذا الموضوع بطريقة تفصيلية وإنما ورد في طيات الكتب، إلا ما كتب الزركشيّ والسيوطي (ت911) في «الفوائد المتكاثر في الأخبار المتواترة» واختصره في «الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة» وابن طالون الحنفي (ت953هـ) في «اللالئ المتناثرة
في الأحاديث المتواترة» ومحمد مرتضى الزبيدي الحنفي (1250هـ) في «لقط اللالئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة» والقنوجي في «الحرز المكنون من لفظ المعصوم المأمون» والكتاني في «نظم المتناثر في الحديث المتواتر».
وتحقيقاً للغايةِ المنشودةِ من هذا البحث رأيت أقسمه إلى تمهيد ومبحثين:
المبحث الأول: السنة المتواترة عند الفقهاء.
المبحث الثاني: أقسام المتواتر عند الحنفية وتطبيقاتها في كتبهم.
لأتمكن بذلك من عرضِ الصورةِ الحقيقيةِ للمتواتر عند السادة الحنفية من الناحية النظريّة والعملية في كتبهم، وليكون مرجعاً فيما ذكروه من المتواتر وأكثروا الاستدلال به، واللهُ الموفق.
* * *
تمهيد:
اعتدنا في دراستنا المتنوعة وقراءتنا المختلفة أن نسمعَ بأن المتواتر على نوعين: تواتر لفظي ومعنوي، لكن عند البحث والتنقيب نجد أنّ هذه القسمةَ تتغيّر وتختلف؛ إذ يوجد أَقسام أُخرى يغفلُ عنها المتخصصون.
وعدم معرفتها يجعل الدارس للفقه في حيرةٍ كبيرةٍ بخصوصِ كثيرٍ من المسائل التي اشتهر العمل بها واتفق الفقهاء عليها رغم عدم وجود دليل مثله يرتقي بها إلى هذا الحدّ.
وفي الحقيقةِ للفقهاء مدرسةٌ كاملةٌ لها معالُمها وضوابُطها الخاصّة بها في تحريرِ طريقِ الوصول إلى سنةِ المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وتمييزِ صحيحِها من سقيمِها، وآحادِها من مشهورِها ومتواترِها تختلف فيه بصورةٍ إجماليةٍ عن مدرسةِ المُحدّثين في تمحيص الأحاديث وتنقيتها.
فالمُحدِّثون جلُّ اشتغالهم بالأسانيد ورجالها إجمالاً في تحقيق ما وصل إلينا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والفقهاءُ يشتغلون بالمعاني والأصول والقواعد التي دارت عليها السنّة في معرفةِ ما توافق منها وما اختلف عنها؛ لأنها شريعة واحدة لا تناقض فيها في نفس الأمر، وإنّما مرجعُ
التعارض إلى السَّهو والخطأ الحاصل من الرَّواة لبشريتهم وإن كانوا ثقاةً، فالحديث الذي يُخالف صَريحاً عامّة النصوص الشرعيّة في مفادِه أَحرى بالتأويل أو الردّ من بقيّة النصوصِ المتواترةِ في معناها، لا سيما إذا لم يكن ثبوتُه بطريقٍ قويٍّ يرتقي إلى أن يُعمل به استحساناً؛ لعدم القدرة على رَدِّه.
والطريقُ الأُخرى التي راعاها الفقهاءُ هي تلقي الحديث بالقَبول والعَمل بين الفقهاء من الطبقات الأولى من الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين مع شدّة تحريهم في قَبول السنة عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - دالٌ على وقوفِهم على ما يَردُّ الحديث بنسخٍ أو تخصيصٍ أو تأويلٍ وما أشبه ذلك إن لم يقبلوه أو يعملوا به، فالثقةُ بهؤلاء الأئمةِ الأعلامِ من سلفِ هذه الأمةِ في نصرةِ دين الله - جل جلاله - والحفاظ على شريعته تقتضي هذا.
فالأمرُ الذي جَعَل عدالةَ الرّاوي وضبطَه سبباً لتصحيحِ الحديث الذي يَرويه لهو أَظهر في طريقِ الفقهاء بقبولهم لما يعتبره ويردّه كبار الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - من حديث النبيّ - صلى الله عليه وسلم -؛ لعدم التهمة في حَقِّهم؛ ولأنّ العدالةَ والضبطَ المعتبرة عند المحدِّثين من المُسلَّمات لديهم بل فاقوها بدرجاتٍ في العلم والإمامة والصدارة والصحبة والتابعية.
وهذا الطريقُ الذي يسلكه الفقهاءُ يرون أنّه أدقُّ وأحكمُ من غيرِه؛ لأنّ الرّاوي الثقة يُمكن أن يقعَ منه الخطأُ والغفلةُ لبشريّته، في حين أنّ
الأُصولَ المحكمة الموجودةَ في سائر النصوص بعيدٌ عنها هذا، وكذلك العملُ والقبولُ للحديث من سائر الفقهاء يضعف فيه هذا الاحتمال الوارد في غير سبيل الفقهاء.
وهذه النظرةُ للفقهاء هي التي أظهرت التقسيم المختلف للمتواتر عن المحدِّثين، وهو المعمول به عندهم، ومعلوم أن مردّ الأمر لهم في التأصيل والتفريع؛ لأنهم يتحاكمون إلى أصولهم لا إلى أصول غيرهم؛ لذلك سعيت سعياً حثيثاً في تقرير وتحرير طريقتهم ومسلكهم ليكون بصيرةً للمتبصِّرين ورفعاً لشأن الدين في حراسة الفقهاء له وحفاظهم عليهم ودفعاً لسوء الظنّ ممَّن لم يطلع على طريقة القوم، فلا ينزلهم منزلتهم فإنهم أئمة أعلام.
وطالما أنّ هذا البحثَ يتعلق بالمتواترِ فيَحسن بنا أن نعرضَه بما يُبَيِّنُ جانبين: أحدُهما نظريّ، والآخرُ عمليّ، فالنظريّ يوضح تأصيل المتواتر عند الفقهاء وبيان اختلاف طريقهم عن المحدثين، والتطبيقيُّ العمليُّ للمتواتر في كتب الحنفية بعرض أمثلة عديدة من الأحاديث التي أدرجوها في المتواتر، واحتجوا بها، وعرض لطرفٍ من مناقشاتهم فيها باختصار.
* * *
المبحث الأول
السنة المتواترة عند الفقهاء
إنّ للحنفيّة تقسيماً مختلفاً عن غيرِهم في قوَّةِ ورودِ السنةِ إلينا وثبوتِها عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، يُراعي الجانب العملي الذي يهتمون به في فقههم؛ لاهتمامهم بمراعاةِ مراتبِ الأدلة في الثبوت والدلالةِ لإعطاء الحكم قوّته من الفرضيةِ والوجوبِ والسنيةِ والحرمةِ والكراهيّة، فلا يَقبلون في إثباتِ الأَركان مثلاً إلاّ دَليلاً قَطعياً كما في الوضوءِ والصلاةِ والحَجِّ وغيرِها.
وبسببِ تأخيرهم للدليل الأدنى رتبةً عن الأَعلى، فلا يُقدِّمون الآحاد على القرآن، ولا على المُتواتر، ولا على المَشهور؛ ليتمكَّنوا من الترجيحِ بين الأدلّة إذا تَعارضت؛ لذلك اهتموا جلياً بقوّة الثبوتِ عن الحضرةِ النبويةِ - صلى الله عليه وسلم - فكان لهم تقسيماً بديعاً في هذا الباب يبيِّن لنا مراتب الاتصال بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وهي:
1. اتصالٌ كامل بلا شبهة: أي لا صورة ولا معنى، وهو المتواتر، بأن يكون نُقِل بطرقٍ يستحيل الكذب فيها، فصار مقبولاً عند الأمّة؛ لعدم الشكّ فيه.
2. اتصالٌ فيه ضربُ شبهة صورة، وهو المشهور، بأن يكون نُقِل بطريق آحاد في عهد الصحابة - رضي الله عنهم -، ولكن تلقي الأمّة له بالقبول رفع هذه الشبهة التي حصلت في إسناده في الطبقة الأُولى؛ لعدم توافق العلماء على الخطأ، وعصمة الأمّة عن ذلك.
3. اتصالٌ فيه شبهةٌ صورةً ومعنى، وهو الآحاد (¬1)، أمّا ثبوتُ الشبهة فيه صورةً؛ فلأنّ الاتصالَ بالرَّسول - صلى الله عليه وسلم - لم يثبت قطعاً، وأَمّا معنى فلأنّ الأمّةَ ما تلقته بالقبول (¬2).
فتَحَصَّل أنّ الخبرَ على ثلاثةِ أقسام: المتواتر: وهو المروي عن جماعة يستحيل اجتماعهم على الكذب، ويكون هذا الحال في القرون الثلاثة، والمشهور: هو الذي يكون خبر الواحد في القرن الأول واشتهر بعده، وخبر الواحد الذي يكون آحاداً في القرون الثلاثة (¬3).
¬
(¬1) النسفي، كشف الأسرار 2: 3، والبزدوي، الأصول 2: 360.
(¬2) ينظر: البخاري، كشف الأسرار 2: 370، وابن ملك، أنوار الحلك ص619.
(¬3) ينظر: الكشميري، العرف الشذي 1: 44.
فمراعاتُهم لجانبِ المعنى في الاتصالِ والقبولِ والتصحيحِ جَعَلَت عندهم قسماً مستقلاً لم يوجد عند المحدِّثين وهو المشهور، فعند المُحدِّثين المتواتر لا يختلف حاله عن المتواتر عند الحنفية، ولكن المشهور من أَقسام الآحاد عند المحدثين؛ إذ يقسمون الآحاد إلى ثلاثة أقسام: المشهور (المستفيض): وهو ما تكون له طرق محصورة بأكثر من اثنين، والعزيز: وهو أن يرويه اثنان، والغريب: وهو ما يتفرّدُ بروايته شخص واحد (¬1).
ومَن أمعن النظر وأغار بالفكر رأى رُجحان ما ذهب إليه الأُصوليون في هذا التقسيم المتفق مع علمهم بالمعاني والأصول، وهذا ما شَهِد به مُحدّث العصر مُحمد أنور شاه الكشميري صاحب «فيض الباري شرح صحيح البخاري» و «العرف الشذي شرح الترمذي» حيث قال (¬2): «ما ذكَرَه المحدِّثون في تعريفات أقسام الحديث من المتواتر وخبر الآحاد والمشهور ليس بجيدٍ، والأحسنُ ما ذَكَرَهُ الحسامِيُّ، كأنّه روحُ الكلام ومُخُّه، فراجعه».
والمقصود بالحساميِّ ما ذكره الأصوليون من الحنفية؛ لأنّ الحساميّ أحدُ المتون المشهورة في أصول الحنفية، واسمه المنتخب لحسام الدين
¬
(¬1) ينظر: اللكنوي، ظفر الأماني ص67ـ69.
(¬2) في: الكشميري، فيض الباري 7267.
الاخسيكثي؛ إذ جعل تقسيمه في روعته بَلَغَ أن يكون روح الكلام ومخه، ولله درّه.
وهذا لا ينقص أبداً من قدرِ المحدِّثين فتقسيمهم متلائمٌ مع فنِّهم واشتغالهم بالرّجال واعتمادهم عليهم في النقل لا على المعاني والأُصول والقَبول للأمّة، وكلُّ علم له اصطلاحاتُه وتقسيماتُه المتناسبةُ معه، والخطأُ في محاكمةِ علمٍ إلى علمٍ آخر بإنزالِ اصطلاحاته وتقديراته على غيره، ومحاسبته بذلك.
وهذه هي الورطة الظلماء التي وقع فيها كثيرون إذ حاسبوا الفقهاءَ والأصوليين بمصطلح أهل الحديث وعلمهم وثقافتهم، فزعزعوا الثقة بالفقه وشككوا في أصله وسَعَوا في هدم بنائه، وغفلوا عن أنّ لهذا العلم قواعد وأصولاً واصطلاحات بُنِي عليها وسار بها على مدارِ القرون بحيث لم يخدم علمٌ من علوم الدنيا كما خُدِم؛ لأنه الإسلامُ العمليُّ التطبيقيُّ المعاشُ بين الأفرادِ والجماعاتِ والدولِ، فهيات هيات أن يكون بناؤه هشّاً، وهو بهذه الصورة العظيمة التي نُفاخر به أُمم الأرض أَجْمَع، وما بين أَيدينا جانب من اصطلاحاتهم وأُصولهم يُظهر لنا دقَّتَهم وضبطَهم وصحّةَ علمهم وحسنَ طريقهم.
وعلى كلٍّ فالمتواترُ أَعلى الأنواع درجةً ورفعةً وإثباتاً وثبوتاً، ومعناه اللغوي يفيد ذلك: فالتواتر التتابع، يُقال: تواترت الخيل إذا جاءت يتبع بعضها بعضاً (¬1). والخبرُ إذا تتابع المخبرون به تحقَّق فيه التواتر لغة.
وأمّا اصطلاحاً، فسيكون على حسب الأقسام الآتي ذكرها.
وسبق أن ذكرنا أنه يوجد أقسامٌ أُخرى للمتواتر غير شائعة كشيوع التواتر اللفظي والمعنوي، وهذا الأمرُ مَحَلُّ اجتهادٍ ونظرٍ من أهل الشأن لفهم تاريخ علوم الأمة وأُصولها التي مشت عليها، وبيانُ الأصول للأئمة المجتهدين المستقلين في كتب أُصول الفقه إنّما استخرجت بمحاولاتٍ من العلماءِ المجتهدين في المذاهب الفقهية لتوضيح دليل المسائل التي رُويت عن أئمتهم لا سيما في المذهب الحنفي؛ ولذلك تجد اختلافاً بيّناً بين الأصوليين في تقريرِ الأصلِ التي بُنيت عليه مجموعةٌ من فروعِ رُويت عن الإمام.
وكلّما كان الأَصلُ المستخرجُ أَقدر على تفسير العلاقة بين فروع الإمام وأدلّة الشرع بحيث يُقَدِّمُ لنا جواباً عن سبب أَخذ الإمام لهذا وتركه لغيره وطريقة بنائه عليها كان هذا الأصل أَجدر بالصحّة.
¬
(¬1) ينظر: الفيومي، المصباح المنير، ص647، والمطرّزي، المغرب، ص476.
فهذا القبولُ الذي ناله هؤلاء الأئمة المجتهدون من الله - جل جلاله - وممَّن جاء بعدهم من علماء الدين، فكان بفقههم وعلمهم حفظ الإسلام مصداقاً لقوله - جل جلاله -: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلاً} [الإنسان:23]، يجعلنا على ثقةٍ كاملةٍ فيما وَرَدَ عنهم من فروعٍ بأنّها مبنيّةٌ على أدلةٍ قويةٍ بأصولٍ محكمةٍ، والمشكلةُ إنّما تكون في جهلنا بها لا بالمسائل المرويّة عنهم؛ لأنها لو لم يكن لها تأصيل معتبر لما استحقّ أصحابها أن يكونوا أئمة للدين، فحاشاهم أن يتكلموا بشيء بغير بصيرة وحجة ودليل.
فإذا عُلِم هذا تَبَيَّن لنا أنّ هذا التقسيم للمتواتر من بعضِ العلماءِ تفسيرٌ وتوجيهٌ لطيفٌ جديرٌ بالاهتمام في فهمِ دليلِ كثيرٍ من الفروعِ المرويّة عن أئمةِ المذهبِ الحنفي، والدليلُ أنّ هذا التقسيمات اجتهادٌ من العلماء أنّ العلامة الكشميريّ عند ذكره لتقسيم المتواتر قال (¬1): «والتواتر عندي على أربعة أقسام»، فهو في تصنيفِهِ للأدلّة التي اعتمد عليها الفقهاء وَجَدَ أنّهم يجعلون المتواتر على هذه الأقسام في تطبيقهم وعملهم، وسنرى صدق هذا فيما يلي من الجانب التطبيقي للبحث.
وهذه الأربعة التي ذكرها الكشميري لم يكن هو أوّل مَن قال بها، بل اثنان منها مُسلَّم بهما عند كافة العلماء، وهما: تواتر الإسناد للفظ
¬
(¬1) في العرف الشذي1: 40.
الواحد للحديث، وتواتر المعنى بألفاظ مختلفة في أحاديث متعددة تتفق على قضية ما.
وأما الثالث: فهو تواتر النقل طبقة عن طبقة بدون ذكر للأسانيد كما هو الحاصل في القرآن، وهي طريقة مشهورة جداً عند الفقهاء، تُسمَّى عند الحنفية بالنقل المتوارث، وعند المالكية بإجماع أهل المدينة كما سيأتي.
وأمّا الرّابعة: فهي تواتر العمل من الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - في مسألة ما، وهي ظاهرةٌ في فهم سلف الأمّة فيما يَعتمدون ويَعتبرون، وقد نَصَّ عليها الطّحاويّ، وصَرَّح بحقيقتِها الكاسانيُّ كما سيأتي.
وبهذا يَتَبَيَّن أنّ هذا التقسيمَ جديدٌ بذكره مجموعاً كاصطلاح عند المعاصرين وهو قديم بأصله وحقيقته عند السابقين، وبه يفهم التواتر لأحكام عديدة في الدين، بخلاف التقسيم المشهور عند المحدِّثين؛ إذ حصل نزاع في الأفراد التي يشملها ولا سيما اللفظي منه؛ لصعوبة الحصول على أحاديث تتوفَّر فيها الشروط العديدة التي ذكروها فيه كما سبق، وبهذا أَصبح بحث المتواتر بحثّاً نظريّاً أو شبيهاً بالنظريِّ لعدم الفائدةِ الكبيرة المبنيّة عليه لندرة الأمثلة له، فذكروا أنّ حديث: (مَن كذب عليَّ متعمداً .... ) أفضل مثال له، ومع ذلك نازعَ البعضُ في تحقيقِ الشروطِ الآتية ذكرها فيه لصعوبتها، بخلاف متواتر المعنى فقد كان
نصيبُه أَوفر، والفائدةُ به أَكبر، ولكن لا ترتقي إلى الفائدة التامّة لتفسير الورود المتواتر المعتمد عليه عند الفقهاء.
وهذا ما بَيَّنه العلامة الكشميري بقوله (¬1): «ثم إن التواترَ يزعمه بعض الناس قليلاً، كما نقله الحافظُ في «شرح نُخْبَةِ الفِكر»: أنّ بعضَهم أنكروا مِثاله، وبعضهم ادّعوا العِزَّة فيه، ولم يأتوا إلا بمثال أو مثالين، وهو على ما قلت ـ أي بالتقسيم الرباعي ـ كثيرٌ في شريعتنا، بحيث يفوت عنه الحصر، ويعجزُ الإنسان أن يُفهرِسَه، ولكن رُبّما يذهلُ الإنسانُ عن التفاته، فإذا التفتَ إليه رآه متواتراً كالبديهي، وهذا ممّا ينبغي أن يُنَبَّه عليه».
* * *
¬
(¬1) في: الكشميري، فيض الباري ر8.
المبحث الثاني
أقسامُ المتواتر
وتطبيقاتُها عند الحنفية
وبعد هذا يُمكننا أن نَطَّلع على كلِّ قسمٍ من هذه الأقسامِ الأربعة بصورةٍ مُجملةٍ مع ذكرِ بعضِ أَمثلته بما يرفع اللثام عنه مع قسم خامس وهو المتواتر اللغوي، على النحو التالي:
المطلب الأول: تواتر الإسناد (اللفظي):
ولقبه العلامة الكشميري (¬1) بأنه تواترُ المحدثين.
أولاً: تعريفه:
فهذا هو التواترُ المشهور في كتب المصطلح والأصول، وإذا أُطلق التواترُ فهو المقصود بصورة عامّة، وله تعاريفات عديدةٌ تتفاوت في
¬
(¬1) في العرف الشذي1: 40.
الدلالة على المقصود، ومنها: ما بلغت رُواتُه في الكثرة مبلغاً أحالت العادة تواطؤهم (¬1) على الكذب، ويدوم هذا فيكون أَوّله كآخِرِه ووسَطُه كطرفَيْه (¬2)، أو كانت الرُّواة في كلِّ قرنٍ قوماً لا يجوز العقل تواطؤهم على الكذب عادةً (¬3)، أو خبرٌ (¬4) جماعة يُفيد بنفسه العلم بصدقه (¬5).
وخرج به خبرُ جماعةٍ أَفادَ العلم بالقرائن الزائدة على الخبر: كشقِّ الجُيُوب والتفجُّع في الخبر بموت والده (¬6).
ومن تعريفاته أيضاً: وهو الخبر الذي رواه قومٌ لا يحصى عددهم ولا يتوهم تواطؤهم على الكذب، ويدوم هذا الحد فيكون آخره كأوله، وأوله كآخره وأوسطه كطرفيه (¬7)، أو ما يرويه قوم لا يُحصى عددهم ولا
¬
(¬1) وهو أن يتفق قوم على اختراع شيء معيّن بعد المشاورة والتقرير، بأن لا يقول أحد خلاف ما يقوله الآخر، وأما التوافق: حصول هذا من غير مشاورة بينهم ولا اتفاق. ينظر: اللكنوي، ظفر الأماني ص36.
(¬2) ينظر: الجرجاني، مختصر الشريف الجرجاني في المصطلح ص30.
(¬3) ينظر: ملا خسرو، مرقاة الوصول 2: 8.
(¬4) الخبر: هو ما يحتمل الصدق والكذب، بخلاف الإنشاء فلا يحتملهما. ينظر: اللكنوي، ظفر الأماني ص37.
(¬5) ينظر: الكراماستي، الوجيز ص144.
(¬6) ينظر: ابن ملك، أنوار الحلك 2: 616.
(¬7) ينظر: النسفي، المنار 2: 616.
يتوهَّم تواطؤهم على الكذب لكثرتهم وعدالتهم وتباين أماكنهم، ويدوم هذا الحدُّ فيكون آخرُه كأوَّلِه، وأوسطه كطرفيه (¬1).
وعلامة المتواتر حصول العلم الضروري، فوجود المتواتر ليس موقوفاً على رواية عددٍ دون عدد، إنّما العبرةُ بحصول العلم الضروري، فكلّ ما يحصل به هذا العلم يُحكم بكونه متواتراً (¬2).
وبيان هذه التعريفات من خلال الشروط الآتية بعد أسطر، ولكن هناك مؤخذات في بعض هذه التعريفات ليست محلّ اعتبار، وهي:
1.إن اشتراط أن لا يحصى عددهم في التعريفين الأخيرين غيرُ معتمدٍ على التحقيق، قال ابن عابدين (¬3): «فسَّره ـ أي ما يحصى عددهم ـ في «التلويح» بما لا يدخل تحت الضبط، وفسَّره الهندي بما لا يحصى عددهم عادةً إلا أنه لا يُمكن إحصاؤه، فإنّه ليس بشرطٍ، كذا في ابن نجيم: يعني اتفاقاً، والجمهور إنه ليس بشرط، بل المعتبر عندهم أن يرويه قوم يحصل العلم بخبرهم، قال ابنُ نُجيم: فإن الحجّاجَ أو أهل جامع إذا أخبروا عن واقعةٍ منعتهم عن إقامةِ الحجِّ أو الصلاةِ يحصل
¬
(¬1) ينظر: صدر الشريعة، التوضيح 2: 4، والبزدوي، الأصول 2: 361.
(¬2) ينظر: اللكنوي، ظفر الأماني ص41.
(¬3) في نسمات الأسحار، ص177
العلم بخبرهم مع كونهم محصورين، كذا في «التقرير»، قال في «التحرير»: وهو الحقّ».
2. إن اشتراط العدالة في التعريف الأخير محلُّ نظر؛ لأنّ العدالةَ ليست بشرطٍ في التواترِ كما صَرَّح به في «التلويح»، لكن ذكر في «التقرير»: أنّ اشتراط العدالة وكذا الإسلام قال به قوم، واختاره فخرُ الإسلام؛ لأنّ الكفرَ والفسقَ مظنّةُ الكذبِ والمُجازفة (¬1).
3.إن تباينَ المكان في التعريف غيرُ معتبر؛ لأنّ أهل قسطنطينية لو أخبروا بقتل ملكهم يحصل العلم بخبرهم وإن كانوا كفاراً (¬2).
ومما سبق يظهر أن شروط الخبر المتواتر في الإسناد هي:
1. أنه لا يشترط له عددٌ معيّن، إنما العبرة بحصول العلم القطعي، فإن رواه جمّ غفير ولم يحصل القطع به لا يكون متواتراً، وإن رَواه جمع قليلٌ وحصل العلم الضروريّ يكون متواتراً ألبتة ... فمدارُ التواتر حصول العلم الضروري بنفس الخبر، سواء كان عددُه محصوراً أو غير محصور، ولا يشترط عدم الحصر.
2. أن يكون عدد رواته بحيث تحيل العادة تواطؤهم على الكذب.
¬
(¬1) ينظر: ابن عابدين، نسمات الأسحار، ص117.
(¬2) ينظر: ابن ملك، أنوار الحلك 2: 616.
3. أن يرويه عدد عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء.
4. أن يكون ذلك الخبرُ مُستنداً انتهاؤه إلى الحسِّ من مُشاهدة أو سَماع، فإن ما لا يكون كذلك يجوز دخول الغلط فيه، حتى لو اتفق أهل إقليم على مسألة عقلية لا يحصل لنا اليقين حتى يقوم لنا البُرهان، فلو أن أهل مصر أخبروا بحدوث العالم أو بوجود الصانع، لا يكون هذا الخبر متواتراً (¬1).
ثانياً: حكم المتواتر اللفظي:
المعتمدُ الذي عليه جمهور الأصوليين والمُحدِّثين هو أنّ العلم الحاصل به علم اليقين كالعيان الذي يوجبه الحس من البصر والسمع، فإنّا نجد المعرفة بآبائنا بالخبر مثل المعرفة بأولادنا عياناً، وهذا العلم المستفاد ضروريّ لا يحتاج إلى تجشم الاستدلال: أي لا يحتاج إلى نظر وفكر، بل يقع في القلب بمجرد سماعه، ومثاله: نقل القرآن، وأعداد الصلوات، وعدد الركعات، ومقادير الزكاة، وأروش الجنايات، وأعداد الطواف، والوقوف بعرفات، ونحو ذلك.
¬
(¬1) ينظر: اللكنوي، ظفر الأماني، ص34 - 37، الرهاوي، الحاشية 2: 615، الأسمندي، بذل المجهود في الأصول ص377، الشاشي، الأصول ص80 - 81، بركت الله، أحسن الحواشي على أصول الشاشي ص74.
وجواز ترتيب المقدمات لا ينافي ذلك كما في بعض البديهيات، وذلك لأنّ العلم بالمتواتر حاصل لمَن ليست له أهلية النظر كالعامي؛ إذ النظر ملاحظة المعقول لتحصيل المجهول، فمن البين لكلِّ عاقل أن علمه بوجود مكة ومحمد - صلى الله عليه وسلم - أظهر من علمه بصحة تلك الاستدلالات، والتمسك بالدليل الخفي مع وجود الدليل الظاهر غير جائز، فيكون العلم به ضروري.
وبهذا ظهر الفرق بين العلم الضروري والنظري، فالضروري يفيد العلم بلا استدلال، والنظري يفيده معه، وأيضاً الضروري يحصل لكلّ سامع حتى البُلْه والصبيان، والنظري لا يحصل إلا لمن له أهلية النظر (¬1).
ومنكر ما يثبت بهذا النوع من الأمور الشرعية يكفر (¬2)؛ لأنه منكرٌ للقطعيِّ كالعيان، وهو علم ضروري.
ثالثاً: أمثلة اللفظي:
وسبق أنّ صعوبةَ تحقق شروط هذا القسم جعلت أمثلته نادرة، وما سأذكره مثالاً مجرد اجتهاد؛ لذلك لا يكون حكم المنكر لها كافراً كما
¬
(¬1) ينظر: اللكنوي، ظفر الأماني ص39، والنسفي، المنار 2: 617، والبخاري، كشف الأسرار 2: 361 - 363، وابن ملك، أنوار الحلك 2: 617، والرهاوي، الحاشية 2: 617، والحصني، إفاضة الأنوار ص177.
(¬2) ينظر: الكشميري، العرف الشذي 1: 41.
سبق في حكم هذا القسم.
1. حديث قصة عبد الله بن زيد في بدء الأذان، قال ابن عبد البر: روى قصة عبد الله بن زيد هذه في بدء الأذان جماعةٌ من الصحابة - رضي الله عنهم - بألفاظ مختلفة ومعان متقاربة والأسانيد في ذلك متواترة، وهي من وجوه حسان (¬1).
2. أحاديث التشهد: (التحيات لله الصلوات الطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)، قال الطحاويُّ (¬2): «قد تواترت بذلك عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الرِّوايات فلم يُخالفها شيءٌ فلا ينبغي خلافها، ولا الأخذ بغيرها، ولا الزِّيادة على شيء ممّا فيها إلا أن في حديث ابن عباس - رضي الله عنهم - حرفا يزيد على غيره وهو المباركات».
3. حديث: (الولد للفراش وللعاهر الحجر) (¬3).
¬
(¬1) ينظر: اللكنوي، نظم المتناثر ص71.
(¬2) في شرح معاني الآثار1: 266.
(¬3) ينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص162.
المطلب الثاني: تواتر القدر المشترك (المعنوي):
أولاً: تعريفه:
وهو أن يكون مضمون ما مذكوراً في كثيرٍ من الآحاد، كتواترِ المعجزة، فإن مفرداتها وإن كانت آحاداً، لكن القدر المشترك متواتر قطعاً (¬1)، كسخاء حاتم، فإن أَخباره وإن كانت آحاداً، إلا أن سخاءه معلومٌ متواتراً (¬2).
ثانياً: حكم متواتر المعنى:
قال الكشميري (¬3): «إن كان ضرورياً فيكفر جاحدُه، وإن كان نظرياً فلا». وهذا مناسب؛ لأنّ ما ثبت بحيث كان ممَّا يعلم في الدين ضرورة فلا شكّ بكفر جاحده، وما لم يصل هذا إلى هذا الحدّ بحيث فيه اختلاف واستدلال ونظر فلا يصل بمَن يقوله إلى حدّ الضرورة.
وعامّةُ فروعِهِ لا تفيدُ العلم الضروريّ، فمن الأمثلةِ الآتية يُفيدُ علماً ضروريّاً أحاديث حرمة الخمر، فأَصلُها في القرآن ولكن الأحاديث جعلت دلالةَ اللفظ قطعيّةً على الحرمة، ويُمكن لأحاديث عذاب القبر أن تفيد علماً ضرورياً، ولكنّ الأمرَ مُتَردِّدٌ في ذلك، فالأَوْلَى اجتنابُ
¬
(¬1) ينظر: الكشميري، العرف الشذي1: 41.
(¬2) ينظر: الكشميري، فيض الباري،8.
(¬3) في العرف الشذي1: 41.
التكفير به، وما عداهما ممَّا سيأتي يُفيدُ علماً نظريّاً، وبذلك يظهر أنّ إفادتَه للكفرِ نادرةٌ وبعيدةٌ إلا بقرائن عديدة.
لكن بقي لها حكمٌ عمليٌّ أنفع للمسلمين من التكفير، وهو قوَّتها الظاهرة في إثباتِ كثيرٍ من الأحكامِ ولو كانت حدوداً، وكذا تخصيصُها وزيادتُها على القرآن وغيرها من الأحكام التي تستفادُ من المتواترِ اللفظيِّ.
ثالثاً: أمثلة المعنوي:
1. حديث: (المسح على الخفين) رواه ثمانون صحابياً، وصرح بتواتره الكرخي وابن عبد البر وابن الهمام وابن حجر والزرقاني وغيرهم (¬1)، وعن الإمام أبي حنيفة أنه قال: «ما قلت بالمسح على الخفين حتى وردت فيه آثار أضوءُ من الشمس»، وقال: «أخاف الكفر على من لم يرَ المسح على الخفين» (¬2).
2. أحاديث: لا يصلح للمرأة أن تسافر إلا ومعها محرم، قال الطحاوي (¬3): «فإن الحجةَ عليهم في ذلك ما قد تواترت به الآثار التي قد ذكرناها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهي حجة على كل من خالفها».
¬
(¬1) ينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص62،السيوطي، تدريب الراوي2: 179، وقد أخرجه العيني في البناية 1: 554، وشرح معاني الآثار عن سبعة وستين صحابياً.
(¬2) ينظر: القاري، فتح باب العناية 1: 183.
(¬3) في شرح معاني الآثار2: 116.
3. أحاديث حرمة إتيان النساء في أدبارهن، قال الطحاوي (¬1): «جاءت الآثار متواترة بالنهي عن إتيان النساء في أدبارهنّ».
4. أحاديث النهي عن الطيرة، قال الطحاوي (¬2): «أما الطيرة فقد رفعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجاءت الآثار بذلك مجيئاً متواتراً».
5. أحاديث النهي عن لبس خاتم الذهب، قال الطحاوي (¬3): «روى في النهي من خاتم الذهب ... آثار متواترة جاءت مجيئاً صحيحاً».
6. أحاديث حرمة نكاح المتعة: قال الجصاص (¬4): «لو كانت الإباحة باقية لورد النقل بها مستفيضاً متواتراً لعموم الحاجة إليه ولعرفتها الكافة كما عرفتها بدياً، ولَمَا اجتمعت الصحابةُ - رضي الله عنهم - على تحريمها لو كانت الإباحة باقية, فلما وجدنا الصحابة - رضي الله عنهم - منكرين لإباحتها موجبين لحظرها مع علمهم بدياً بإباحتها دَلّ ذلك على حظرها بعد الإباحة، ألا ترى أن النكاح لما كان مباحاً لم يختلفوا في إباحته؟ ومعلوم أن بلواهم بالمتعة لو كانت مباحةً كبلواهم بالنكاح، فالواجب إذاً أن يكون ورود النقل في بقاء إباحتها من طريق الاستفاضة، ولا نعلم أحداً من الصحابة - رضي الله عنهم - روي عنه تجريد القول في إباحة المتعة غير ابن عباس، وقد رجع عنه حين
¬
(¬1) في شرح معاني الآثار3: 43، وينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص148.
(¬2) في شرح معاني الآثار4: 312، وينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص181.
(¬3) في شرح معاني الآثار4: 269.
(¬4) في أحكام القرآن2: 216.
استقرّ عنده تحريمها بتواتر الأخبار من جهة الصحابة - رضي الله عنهم - ; وهذا كقوله في الصرف وإباحته الدرهم بالدرهمين يداً بيد, فلما استقرَّ عنده تحريم النبي - صلى الله عليه وسلم - إيّاه، وتواترت عنده الأخبار فيه من كلِّ ناحيةٍ رَجَع عن قوله وصار إلى قولِ الجماعة, فكذلك كان سبيلُه في المتعة، ويدلُّ على أنّ الصحابة - رضي الله عنهم - قد عرفت نسخ إباحة المتعة)).
7. أحاديث الإمساك عن الأكل والشرب بطلوع الفجر، قال الطحاوي (¬1): «فلا يجب ترك آية من كتاب الله تعالى نصاً، وأحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متواترة قد قبلتها الأمة وعملت بها من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليوم إلى حديث قد يجوز أن يكون منسوخاً بما ذكرناه في هذا الباب».
8. أحاديث: (غسل الرجلين) رواه أربعة وثلاثون صحابياً، وصرح بتواترها ابن الهمام وابن أمير الحاج والشيرازي وابن الجوزي (¬2)، قال الطحاوي (¬3): «فهذه الآثار قد تواترت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه غسل قدميه في وضوئه للصلاة».
9. حديث: (ويل للأعقاب من النار)، رُوي عن اثني عشر صحابياً، وصرَّح بتواتره المناوي وصاحب شرح مسلم الثبوت (¬4).
¬
(¬1) في شرح معاني الآثار2: 55.
(¬2) ينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص58.
(¬3) في: الطحاوي، شرح معاني الآثار1: 37.
(¬4) ينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص58.
10. أحاديث صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - المغرب إذا توارت الشمس بالحجاب، قال الطحاوي (¬1): «وقد تواترت الآثار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يصلي المغرب إذا تواترت الشمس بالحجاب».
11. أحاديث ستر المسلم ودرء الحدّ، قال البابرتي (¬2): «القدر المشترك فيما نقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في الستر والدرء متواتر في المعنى فجازت الزيادة به» على القرآن.
12. أحاديث تردد الاجتهاد بين الصواب والخطأ: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد)، قال شيخ الإسلام التفتازاني (¬3): «وأما السنة والأثر فالأحاديث والآثار الدالة على ترديد الاجتهاد بين الصواب والخطأ، وهي وإن كانت من قبيل الآحاد إلا أنها متواترة من جهة المعنى، وإلا لم تصلح للاستدلال على الأصول».
13. حديث: (العَجْماءُ جُبَار) (¬4)، قال الكوثري (¬5): «يكادُ أن يكونَ مُتواتراً بالنَّظَر إلى كثرة رواته في جميع الطبقات، كما تَوَسَّعَ البدرُ العينيُّ في بيان مُخرِّجيه في «شرح البخاري»».
¬
(¬1) في شرح معاني الآثار1: 154، وينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص74.
(¬2) في العناية 6: 367.
(¬3) في التلويح 2: 239.
(¬4) في صحيح البخاري5: 545.
(¬5) في النكت الطريفة ص417.
14. أحاديث الدعاء بعد الصلاة، قال الكشميري (¬1): «الأدعية بعد الفريضة ثابتة كثيراً بلا رفع اليدين وبدون الاجتماع وثبوتها متواتر، وثبت الدعاء مجتمعاً مع رفع اليدين بعد النافلة في واقعتين».
15. حديث: (من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه) (¬2).
16. أحاديث حرمة الخمر، قال البابرتي (¬3): «جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الخمر أحاديث كلّها تدلّ على حرمة الخمر, وكلُّ واحد منها إن لم يبلغ حد التواتر فالقدر المشترك منها متواتر, كشجاعة علي - رضي الله عنه - وجود حاتم, ويسمى هذا التواتر بالمعنى».
17. حديث: (مَن قُتِل دون ماله فهو شهيد) (¬4).
18. أحاديث فرضية الاستماع والأنصات للخطيب، قال الطّحاوي (¬5): «تواترت الروايات عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن من قال لصاحبه: أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغا».
¬
(¬1) في العرف الشذي1: 346.
(¬2) ينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص145.
(¬3) في العناية10: 95.
(¬4) ينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص146.
(¬5) في شرح معاني الآثار1: 367.
19. أحاديث الفخذ عورة، قال الطحاوي (¬1): «فهذا أصل هذا الحديث ليس فيه ذكر كشف الفخذين أصلاً، وقد جاءت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آثار متواترة صحاح فيها أنّ الفخذ من العورة».
20. أحاديث عدم حلّ السؤال إلا بالفقر، قال الطحاويّ (¬2): «أنّ المسألةَ إنّما تَحِلُّ بالفقر وقد جاءت الآثار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك متواترة».
21. أحاديث إباحة لحم صيد صاده حلال لمحرم لم يأمره ولم يعاونه، قال الطحاوي (¬3): «قد رويت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحاديث جاءت مجيئاً متواتراً في إباحة لحم الصيد الذي قد صاده الحلال للمحرم إذا لم يكن صاده بأمره ولا بمعونته إياه عليه».
22. حديث: (المُسلِمون تتكافأُ دِماؤُهم) (¬4)، قال الكوثري (¬5): «يكادُ أن يكونَ متواتراً، فلا يُهدَرُ دَمُ العبد المسلم إذا كان قاتلُه غيرَ مالِكِ رقبته».
23. أحاديث ثبوت ... عذاب القبر، قال الطحاوي (¬6): «وقد رويت عن
¬
(¬1) في شرح معاني الآثار1: 475، وينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص76.
(¬2) في شرح معاني الآثار2: 20.
(¬3) في شرح معاني الآثار2: 172.
(¬4) في الحاكم، المستدرك، 2: 153، وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأبو داود، السنن، 3: 180، والنسائي، السنن، 4: 217، والطبراني، المعجم الأوسط، 6: 153، وغيرها.
(¬5) في النكت الطريفة ص243.
(¬6) في مشكل الآثار.4507.
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آثار باستعاذته منه متواترة»، قال الكشميري (¬1): «عذابُ القبر ثَبَتَ متواتراً، متواتر القدر المشترك، وقال به أهل السنة والجماعة قاطبة، ومنكر التواتر هذا لا ريب في تبديعه، ومنكرُ التواتر بالقدر المشترك كافر إن كان التواتر بديهياً، وفاسق مبتدع إن كان نظرياً، ونسب إلى المعتزلة أنهم يُنكرون عذاب القبر، ويرد عليه أن المعتزلة المختار عدم إكفارهم، وإذا كانوا أنكروا عذاب القبر فكيف يكونوا أهل القبلة؟ أقول: يقال أولاً: لعلّ التواتر نظري، وثانياً: أنه لم يُنكر أحدٌ منهم إلا ضرار بن عمرو وبشر المريسي، وإنّي في هذا أيضاً مترددٌ ما لم ير عبارتهما. ثم لأهل السنة قولان؛ قيل: إن العذاب للروح فقط، وقيل: للروح والجسد والمشهور الثاني، اختاره أكثر شارحي «الهداية» وهو المختار، وإن صار البدن ذرة ذرة في الدنيا، فإن الشعور لكل شيء عند جمهور الأمة».
24. أحاديث حرمة بيع الجنس بالجنس إلا متساوياً، قال الطحاوي (¬2): «الآثار قد جاءت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متواترة بالنهي عن بيع الثمر بالتمر».
25. أحاديث صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بنعليه وخلعهما للنجاسة، قال الطحاوي (¬3): «جاءت الآثار متواترة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما قد ذكرنا عنه من صلاته في
¬
(¬1) في العرف الشذي2: 349.
(¬2) في شرح معاني الآثار4: 32.
(¬3) في شرح معاني الآثار1: 511، وينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص99.
«نعليه ومن خلعه إياهما في وقت ما خلعهما للنجاسة التي كانت فيهما، ومن إباحةِ النّاس الصلاة في النعال».
26. أحاديث حرمة الصدقة على بني هاشم، قال الطحاوي (¬1): «قد جاءت بعد هذه الآثار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متواترة بتحريم الصدقة على بنى هاشم».
27. أحاديث حرمة لحوم الحمر الأهلية، رواه اثنا عشر صحابياً، قال الطحاوي (¬2): «وقد جاءت الآثار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مجيئاً متواتراً في نهيه عن أكل لحوم الحمر الأهلية ... وما قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذلك فهو مستثنى من الآية على هذا ينبغي أن يُحمل ما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا المجئ المتواتر في الشيء المقصود إليه بعينه مما قد أنزل الله - عز وجل - في كتابه آية مطلقة على ذلك الجنس، فيجعل ما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذلك مستثنى من تلك الآية غير مخالف لها حتى لا يضاد القرآن السنة ولا السنة القرآن، فهذا حكم لحوم الحمر الأهلية من طريق تصحيح معاني الآثار، ولو كان إلى النظر لكان لحوم الحمر الأهلية حلالاً، وكان ذلك كلحم الحمر الوحشية؛ لأنّ كلَّ صنف قد حرم إذا كان أهلياً مما قد أجمع على تحريمه فقد حَرُمَ إذا كان وحشياً، ألا ترى أن لحم الخنزير الوحشي كلحم الخنزير الأهلي، فكان النظر على ذلك أيضاً إذا كان الحمار الوحشي
¬
(¬1) في شرح معاني الآثار2: 7، وينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص127.
(¬2) في شرح معاني الآثار4: 204ـ210، وينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص151.
لحمه أن يكون حلالاً أن يكون كذلك الحمار الأهلي، ولكن ما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولى ما أتبع».
28. أحاديث كراهة لبس الحرير، قال الطحاوي (¬1): «فكرهوا لبس الحرير للرجال واحتجوا في ذلك بالآثار المتواترة المروية في النهي عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ... ففي هذه الآثار المتواترة النهي عن لبس الحرير، فاحتمل أن يكون نسخت ما فيه الإباحة للبسه، واحتمل أن يكون ما فيه الإباحة هو الناسخ، فنظرنا في ذلك لنعلم الناسخ من ذلك من المنسوخ»، وقال الجصاص (¬2): «الأخبار الواردة في إباحته للنساء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة - رضي الله عنهم - أظهر وأشهر من أخبار الحظر, ودلالة الآية أيضاً ظاهرة في إباحته للنساء, وقد استفاض لبس الحليّ للنساء منذ لدن النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة - رضي الله عنهم - إلى يومنا هذا من غير نكير من أحد عليهن, ومثل ذلك لا يعترض عليه بإخبار الآحاد».
29. أحاديث قصر النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفره، قال الطحاوي (¬3): «وقد جاءت الآثار متواترة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتقصيره في أسفاره كلها».
¬
(¬1) في شرح معاني الآثار4: 244 ـ248، وينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص150.
(¬2) في أحكام القرآن 3: 575.
(¬3) في شرح معاني الآثار1: 416، وينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص 109.
30. أحاديث إكمال عدة شهر رمضان وشعبان عند إغمائه، قال الطحاوي (¬1): «وقد جاء ما استشهدنا به من حكم الإغماء في شعبان وشهر رمضان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - متواتراً».
31. حديث: (أيما إيهاب دبغ فقد طهر)، ذكر المناوي: أنه متواتر (¬2)، قال الطحاوي (¬3): «قد جاءت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آثار متواترة صحيحة المجيء مفسرة المعنى تخبر عن طهارة ذلك الدباغ».
32. أحاديث النهي عن أكل ذي ناب من السباع، قال الطحاوي (¬4): «قامت الحجة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنهيه عن أكل كلِّ ذي ناب من السباع، وتواترت بذلك الآثار عنه فلا يجوز أن يخرج من ذلك الضبع إذا كانت ذات ناب من السباع إلا بما يقوم علينا به الحجة بإخراجها من ذلك»، وقال الجصاص (¬5): «فهذه آثار مستفيضة في تحريم ذي الناب من السباع وذي المخلب من الطير, والثعلب والهر والنسر والرخم داخلة في ذلك, فلا معنى لاستثناء شيء منها إلا بدليل يوجب تخصيصه».
¬
(¬1) في شرح معاني الآثار1: 436، وينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص129.
(¬2) ينظر: نظم المتناثر ص50.
(¬3) في شرح معاني الآثار1: 470.
(¬4) في شرح معاني الآثار4: 191، وينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص151.
(¬5) في أحكام القرآن3: 29.
33. أحاديثُ النهي عن الصلاةِ بعد صلاةِ الفجرِ والعصر، قال الطحاويُّ (¬1): «فقد جاءت الآثار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متواترةٌ بالنهي عن الصلاةِ بعد العصرِ حتى تغرب الشمس، وعَمِل بذلك أَصحابه من بعده، فلا ينبغي لأحدٍ أن يُخالف ذلك».
34. أحاديث النهي عن الصّلاةِ عند طلوعِ الشّمس، قال الطحاويُّ (¬2): «وتواترت عنه الآثار بنهيه ـ أي عن الصلاة ـ عند طلوع الشمس».
35. أحاديث عدم قطع المار الصلاة، قال الطحاوي (¬3): «فقد تواترت هذه الآثار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما يدلّ على أن بنى آدم لا يقطعون الصلاة».
36. أحاديثُ صحّة الصيام مع وجود الجنابة، قال الطحاوي (¬4): «فلَمّا تواترت الآثار بما ذكرنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يجز لنا خلاف ذلك الى غيره».
37. أحاديث إباحة الطيب عند الإحرام، قال الطحاوي (¬5): «فقد تواترت هذه الآثار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإباحته الطيب عند الإحرام، وأنه قد كان يبقى في مفارقه بعد الإحرام».
¬
(¬1) في شرح معاني الآثار1: 305، وينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص100، والكوثري، النكت الطريفة، ص256.
(¬2) في شرح معاني الآثار1: 400، وينظر: والكوثري، النكت الطريفة، ص256.
(¬3) في شرح معاني الآثار1: 463، وينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص99.
(¬4) في شرح معاني الآثار2: 106، وينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص130.
(¬5) في شرح معاني الآثار2: 132.
38. أحاديث حجّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قارناً، رواه سبعة عشر صحابياً، قال الطحاوي (¬1): «قد تواترت الروايات بعد ذلك عن أنس - رضي الله عنه - بدخول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهما جميعاً».
39. أحاديث وجوب الوضوء فيمن خرج منه المذي، قال الطحاوي (¬2): «وقد جاءت الآثار متواترة».
40. أحاديث توقيت المسح للمسافر والمقيم، رويت عن عشرين صحابياً، قال الطحاوي (¬3): «جاءت الآثار المتواترة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك بتوقيت المسح للمسافر والمقيم».
41. أحاديث التكبير في الخفض والرفع، قال الطحاوي (¬4): «تواترت بالخفض والرفع الآثار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -».
42. حديث: (مر - صلى الله عليه وسلم - بقبرين يعذبان فقال: أنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة)، قال الكتاني (¬5): «ورد من طرق كثيرة مشهورة في الصحاح وغيرها عن
¬
(¬1) في شرح معاني الآثار2: 153، وينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص135.
(¬2) في شرح معاني الآثار1: 46.
(¬3) في شرح معاني الآثار1: 82، وينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص63.
(¬4) في شرح معاني الآثار1: 221
(¬5) في نظم المتناثر ص50.
جماعة من الصحابة ... ويشبه من أجل ذلك أن يعد في الأحاديث المتواترة ولم أر الآن من عده منها».
43. حديث: (أمر الجنب بالوضوء إذا أراد النوم)، قال الطحاوي (¬1): «فقد تواترت الآثار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجنب إذا أراد النوم بما ذكرنا قال بذلك نفر من الصحابة - رضي الله عنهم -».
44. حديث: (رمي الجمار في الحجّ بسبعين حصاة)، صَرّح بتواتره الرافعيُّ وابنُ حجر (¬2).
45. حديث: (لا يقبل اللهُ صلاةً بغير طهور ولا صدقةً من غلول)، رواه أربعة عشر صحابياً (¬3).
46. حديث: (إن الله زادكم صلاة هي خير لكم من حمر النعم وهي الوتر) (¬4).
47. حديث: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) (¬5).
48. حديث: (الولاء لمَن أعتق) (¬6).
49. أحاديث التسمية عند الذكاة (¬7).
¬
(¬1) في شرح معاني الآثار1: 128، وينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص70.
(¬2) ينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص137.
(¬3) ينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص51.
(¬4) ينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص104.
(¬5) ينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص199.
(¬6) ينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص166.
(¬7) ينظر: الكتاني، نظم المتناثر 140.
50. حديث: (الغسل يوم الجمعة) رواة ستة من الصحابة - رضي الله عنهم - (¬1).
51. حديث: (شيطان يتبع شيطانة) (¬2).
52. أحاديث: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) (¬3).
المطلب الثالث: التواترُ الطبقي (التوارث المدرسي):
أولاً: تعريفه:
وهو أن يأخذَ طبقةٌ عن طبقةٍ بلا إسناد، والقرآنُ متواترٌ بهذا التواتر (¬4)؛ لأنه تواترٌ على البسيطة شرقاً وغرباً، درساً وتلاوةً، حفظاً وقراءةً، وتلقاه الكافّةُ عن الكافّة، طبقة عن طبقة، فهذا لا يحتاجُ إلى إسنادٍ مُعيّن، يكون عن فلانٍ عن فلان (¬5).
ويصدق عليه التوارث المدرسيِّ للعلم؛ ولذلك لقبه الكشميريّ (¬6) «بتواترِ الفقهاء». وسبق أن كتبت بحثاً خاصّاً فيه سميته: «الاعتماد على
¬
(¬1) ينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص110.
(¬2) ينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص186.
(¬3) ينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص59.
(¬4) ينظر: الكشميري، العرف الشذي1: 41.
(¬5) ينظر: الكشميري، فيض الباري.8.
(¬6) في: الكشميري، العرف الشذي1: 41.
النقل المتوارث في مدرسة الكوفة» (¬1)، وخلاصة ما فيه: اقتضت الحاجة من الصحابة - رضي الله عنهم - في تعليم الإسلام أن ينتقل المجتهدون منهم إلى البلاد المفتوحة؛ ليعلموا الإسلام وينشروه بالهيئة التي تلقوه بها، فكان أبو الدرداء ومعاذ بن جبل - رضي الله عنهم - في الشام، وأبو موسى الأشعري - رضي الله عنه - في البصرة، وابنُ عَبّاس - رضي الله عنه - في مكة، وزيد بن ثابت وعائشة وابن عمر وأبو هريرة - رضي الله عنهم - في المدينة، وابن مسعود وعلي - رضي الله عنهم - في الكوفة، وهكذا، ومنهم تكوَّنت نواة المذاهب الفقهية في نقل الجانب العملي للإسلامي لمَن بعده.
وطالما بحثنا عن أصول الحنفية، فنبيَّن مثال هذا القسم عندهم؛ إذ بعد فتح الكوفة على يدِ سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - سنة (17هـ)، بعثَ عمرُ - رضي الله عنه - لها عمار بن ياسر - رضي الله عنه - أَميراً، وابنَ مسعود - رضي الله عنه - قاضياً؛ لأنه من أكابر المجتهدين من الصحابة - رضي الله عنهم -، فهو خامس مَن أسلم (¬2)، وقال عنه - صلى الله عليه وسلم -: (رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد) (¬3)، و (تمسّكوا بعهد ابن أم عبد) (¬4)، و (خذوا القرآن عن أَربعة ... وذكر منهم ابن أم عبد) (¬5)، وقال
¬
(¬1) نشر في مجلة دراسات إسلامية بجامعة صاقريا، تركيا، سنة 2009م.
(¬2) في: الأصبهاني، حلية الأولياء 1: 126، الحاكم، المستدرك 3: 313، وصححه، ووافقه الذهبي، قال الشيخ شعيب: وهو كما قالا. ينظر: الذهبي، هامش السير 1: 464.
(¬3) في: الطبراني، المعجم الأوسط 7: 70، البزار، البحر الزخار 5: 354.
(¬4) في ابن أبي شيبة، المصنف 7: 433، والتميمي، صحيح ابن حبان 15: 328، والحاكم، المستدرك 3: 79، والترمذي، الجامع 5: 668، والشيباني، السنة 2: 580، وغيرها.
(¬5) في مسلم، الصحيح 4: 1913، واللفظ له، والبخاري، الصحيح 3: 1385، وغيرهما.
عنه عمر - رضي الله عنه -: «كنيف مليء فقهاً» (¬1)، ووصفه حذيفة - رضي الله عنه - بأنه أشبه الصحابة - رضي الله عنهم - بهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وسمته وسلوكه (¬2)، وكان يظنّ أبو موسى الأشعرى - رضي الله عنه - عندما جاء مسلماً إلى المدينة أنه من بعض أهل النبي - صلى الله عليه وسلم - لكثرةِ دخوله عليه (¬3).
فهذا الصحبة المديدة والملازمة العجيبة لا بُدَّ أن تجعله مُدركاً وضابطاً لهدي النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وفاهماً لمقاصد الشرع وحافظاً لما ورد منه، ومثلُه أهلٌ بأن يأتي بمذهبٍ يُبيّن فيه حقيقة الإسلام الذي تلقاه من الحضرة النبويّة، وقد تجسّد هذا في المذهب الحنفيّ، فهو مذهب ابن مسعود - رضي الله عنه -؛ إذ أنه الركيزةُ الأساسيةُ في بنائه وتأسيسه.
فقد نقل عن ابن مسعود - رضي الله عنه - كلَّ ما تعلمه من النبي - صلى الله عليه وسلم - واجتهد به كبارُ التابعين في الكوفة؛ إذ بقي في الكوفة ما يَقْرُب من خمس عشرة سنة يُربي ويُعلم، فيَقول ابن مسعود - رضي الله عنه - عن علقمة النخعي - رضي الله عنه - الذي صحبه عشر سنين (¬4): «لا أَعلم شيئاً إلا وعلقمة يعلمه» (¬5)، وهذه شهادة عظيمةٌ
¬
(¬1) في ابن أبي شيبة، المصنف 6: 384، والطبراني، المعجم الكبير 9: 85، والهيثمي، مجمع الزوائد 9: 291: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
(¬2) في الترمذي، الجامع 5: 673، وقال: حديث حسن صحيح.
(¬3) في النسائي، السنن الكبرى 5: 103، البخاري، الصحيح 3: 1373، وغيرها.
(¬4) في الطبراني، المعجم الكبير، 9: 123.
(¬5) ينظر: الكوثري، مقدمة نصب الراية ص304ـ305.
يتضح من خلالها كمال النقل لهدي النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بطريق المدرسة، وشهد بذلك الطبري فقال: «لم يكن أحدٌ له أصحاب معروفون، حرَّروا فتياه ومذاهبه في الفقه غير ابن مسعود - رضي الله عنه -، وكان يترك مذهبه وقوله لقول عمر - رضي الله عنه -، وكان لا يكاد يخالفه في شيء من مذاهبه، ويرجع من قوله إلى قوله» (¬1)، فحُفِظ وضُبِط بهذا الطريق كلُّ ما قاله ابن مسعود - رضي الله عنه - من نقلٍ واجتهادٍ.
وهذا الأمر الذي جعل عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - يُؤثر الكوفة في أن تكون مكاناً لخلافته بدلاً عن المدينة رغم أنّها مهبط الوحي؛ لما امتاز أهلُها عن غيرهم من المعرفة الصحيحة للإسلام والفهم العميق، قال عليّ - رضي الله عنه -: «رحم الله ابن أم عبد قد ملأ هذه القرية علماً»، وقال سعيد بن جبير - رضي الله عنه -: «كان أصحاب ابن مسعود - رضي الله عنه - سرج هذه القرية» (¬2).
فإذا أضيف إلى تعليم ابن مسعود - رضي الله عنه - تعليمَ عليٍّ - رضي الله عنه - لأهل الكوفة ببقائه فيهم أربع سنوات وهو خليفةٌ للمسلمين، وكلُّ همساته وحركاته وسكناته معلومة بينهم لمكانته، وعليٌّ - رضي الله عنه - أقرب الناس في حفظِ حالِ
¬
(¬1) ينظر: الكوثري، مقدمة نصب الراية ص305، عبد الستار، ابن مسعود - رضي الله عنه - ص279، قال علي بن المديني: «لم يكن من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أحد له أصحاب يقولون بقوله في الفقه إلا ثلاثة: عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس - رضي الله عنهم -»، ينظر: عبد الستار، ابن مسعود - رضي الله عنه - ص279.
(¬2) ينظر: الشيرازي، الطبقات ص81، ابن سعد، الطبقات الكبرى 6: 10، وغيرها.
النبيّ - رضي الله عنه - لتربيته له قبل الإسلام وتزويجه ابنته وقرابته منه وذكائه الشديد، وهذه المدةُ كافية أن ينقل سلوك النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل الكوفة، فهو الشخصية الثانية من الصحابة - رضي الله عنهم - الأكثر تأثيراً في بناء المذهب الحنفي.
وهذا يكفي للطمأنينة بوجود الإسلام بتمامه في الكوفة زمن الصحابة - رضي الله عنهم -، فكيف إذا كان ابنُ مسعود - رضي الله عنه - يترك قوله لقول عمر - رضي الله عنه -، ويُخبر الناس بكلِّ ما يُفتي به عمر - رضي الله عنه -، وكيف إذا وُجد في الكوفة سبعين بدرياً وألف وخمسمئة صحابيّاً كما شهد بذلك العجليّ (¬1).
وقد تلقى عن هؤلاء أئمة التابعين مثل: 1) علقمة النخعي (ت63هـ) الذي رحل إلى أبي الدرداء وعمر وعائشة - رضي الله عنهم -، 2) ومسروق الهمداني (ت63هـ) الأعلم بالفتوى بشهادة الشعبي، 3) والحارث الهمداني (ت65هـ) المُقَدَّم بالعلم في الكوفة بشهادة ابن سيرين، 4) وعبيدة السلمي (ت72هـ) المقدَّم بعلم الفريضة، 5) وعمرو الأودي (ت74هـ) من أصحاب معاذ - رضي الله عنه -، 6) وعبد الله السلمي (ت74هـ) عمدة القراء وقد تلقى عنه السبطان، وأخذ عنه عاصم قراءته المشهورة، 7) والأسود النخعي (ت74هـ) الذي قالت عنه عائشة رضي الله عنها: «ما مات رجل بالعراق أكرم عليّ من الأسود»، 8) والقاضي شريح
¬
(¬1) ينظر: الكوثري، مقدمة نصب الراية ص304، وقال قتادة: ((دخل الكوفة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ألف وخمسون منهم ثلاثون بدريون))، ينظر: الخليلي، الإرشاد 2: 533.
المشهور (ت80هـ) الذي استمر في قضاء الكوفة اثنين وستين سنة وقد ولاه عمر - رضي الله عنه -، وغيرهم من العظام الذين يطول الكلام بذكرهم.
وقد أخذ عن هذه الطبقة سعيدُ بن جبير (95هـ)، والشعبيُّ (ت104هـ) الذي يقول عنه ابن عمر - رضي الله عنهم -: «لهو أحفظ للمغازي مني، وإن كنت قد شهدتها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -»، وإبراهيم النخعي (ت95هـ)، الذي يعتبر من أَبرز الشخصيات الفقهية التي بُنِي عليها المذهب الحنفي بعد ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال الأعمش: «ما عرضت على إبراهيم حديثاً قط إلا وجدت عنده منه شيئاً، وكان صيرفيّ الحديث، فكنت إذا سمعت الحديث من بعض أَصحابنا عرضته عليه» (¬1).
وعنه أخذ أبو حنيفة ولكن جلَّ أخذه كان على حماد بن أبي سليمان الذي كان له ملازمة تامّةٌ لإبراهيم حتى في أُمور حياته العادية، وأبو حنيفة لازم أيضاً حماداً ملازمة لم يلازم أحدٌ أحداً مثلها كما قال.
فانظر كيف أنّ ابنَ مسعود - رضي الله عنه - لازم النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وتلقّى عنه الدين بقرآنه وأحاديثه مع تطبيقها وفهمها، ولازم علقمةُ النخعيُّ ابنَ مسعود - رضي الله عنهم - ملازمةً حمل فيها الإسلام بكماله وتمامه، ونشأ إبراهيمُ النخعيّ في أُسرة فقهيّة عريقة كما شهد الشعبيّ، فالأسودُ النخعيُّ خاله، ثم صحبه حمادٌ صحبةً تامّة، وصَحِب حمادَ أبو حنيفة وتلقّى عنه هذا الفهم الناضج
¬
(¬1) ينظر: توثيق كل ما سبق: أبو الحاج، المدخل إلى دراسة الفقه ص89ـ91.
لأحكام الدين من هؤلاء العظام، وكان في كلِّ طبقةٍ رجالٌ غير هؤلاء زادوا في هذا الخير كما سَبَق.
وهذا الطريق مشهورٌ عند المالكية بإجماع أهل المدينة وهم يُقدِّمونه على حديث الآحاد؛ لأنه عبارةٌ عن نقلِ طبقةٍ عن طبقةٍ من أئمةِ الاجتهادِ من الصحابةِ والتابعين - رضي الله عنهم -؛ لذلك يقول فقيه المدينة وشيخ مالك ربيعة الرأي: «ألف عن ألف خير من واحد عن واحد» (¬1).
وعند السادة الحنفية مشهورٌ بالمتوارث، فهم يحتجَّون به في كثيرٍ من المسائل، ويَرون أنّ لديهم نقلاً بطريق مدرسة الكوفة أَقوى من النقل بطريق مدرسة المدينة، وفي ذلك يقول القدوري (¬2) (ت428هـ) على احتجاج المالكية بعمل أهل المدينة: «وقولهم: إن أهل المدينة يفعلون وينقلون لا يصحّ؛ لأنّ أهل الكوفة يفعلون وينقلون، ومَن انتقل إلى الكوفة من الأئمة أكثر ممَّن بقي بالمدينة».
ويُقرِّر هذا النقل المدرسي الذهبيّ فيقول (¬3): «أفقه أهل الكوفة علي وابن مسعود - رضي الله عنهم -، وأفقه أصحابهما علقمة، وأفقه أصحابه إبراهيم، وأفقه أصحاب إبراهيم حماد، وأفقه أصحاب حماد أبو حنيفة، وأفقه أصحابه
¬
(¬1) ينظر: الحجوي، الفكر السامي2: 458.
(¬2) في التجريد 1: 411.
(¬3) في سير أعلام النبلاء 5: 236.
أبو يوسف، وانتشر أصحاب أبي يوسف في الآفاق، وأفقههم محمد، وأفقه أصحاب محمد أبو عبد الله الشافعيّ».
ثانياً: حكم المتواتر الطبقي:
قال الكشميري (¬1): «أنه يكفر جاحده»، وبَنَى عليه، فقال (¬2): «وعلى هذا نقول: إنّ الصلاةَ فريضةٌ، واعتقادُ فريضتها فرضٌ، وتحصيلُ علمها فرضٌ، وجحدُها كفرٌ، وكذا جهلُهَا».
وينبغي أن يصحَّ كلامه على أحد نوعي هذا القسم، وهو ما كان تواتره ظاهراً من طبقة إلى طبقة بدون اعتماد على إسناد بحيث صار معلوماً من الدين بالضرورة كالقرآن والتحريمة والقراءة والركوع والسجود وعدد الركعات والقعدة الأخيرة ومقادير الزكاة وأمثالها.
وأمّا النّوع الثاني وهو اعتماد كلّ مدرسة على نقل الجانب العملي لحياة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من خلال الطبقات الموصلة إليه، فلا يصلح أن يثبت به علماً ضرورياً يكفر جاحدُه؛ لأنه قائمٌ على الاستدلال، وإنّما يفيدنا اعتماد كلَّ مدرسة طريقاً خاصّاً تتثبت به وتعرفه حقّ المعرفة وتَثِق بحاله وتعلم خبايا دقائقه بحيث يوصلُها إلى ما كان عليه النبيّ - صلى الله عليه وسلم -.
¬
(¬1) في العرف الشذي1: 41.
(¬2) في فيض الباري.8.
فهو طريقٌ بطبقاتٍ في النقلِ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ومنهجٌ في الفهمِ والاجتهادِ والتأصيلِ والتقعيدِ والتفريعِ يتفق أَصحابُه في عامّة ما يُنقل عنهم، قال الدكتور قلعه جي (¬1): «طالما أنّ المنهجَ الذي اتبعاه هو منهجٌ واحد، ولقد أخذت عينةً مؤلَّفةً من مئةِ مسألةِ فرعيّة من فقه إبراهيم النخعي، فوجدت أنّ أبا حنيفة يوافقه في أربع وثمانين مسألةً منها ويُخالفه في ست عشرة مسألة».
فبطريق النقل فإنه له درجة عالية في الثبوت يقدمونه فيها على الآحاد، ويخصصون به القرآن، ويزيدون به عليه، فيأخذ حكم المتواتر اللفظي والمعنوى، والله أعلم.
ثالثاً: أمثلة المتواتر الطبقي:
1. أحاديث: (أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر)، صرح بتواتره السيوطي والمناوي (¬2)، قال الطحاوي (¬3): «وقد رويت عن عمر - رضي الله عنه - آثار متواترة تدل على أنه قد كان ينصرف من صلاته مسفراً».
¬
(¬1) في موسوعة فقه إبراهيم النخعي ص135ـ136.
(¬2) ينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص 81.
(¬3) في: الطحاوي، شرح معاني الآثار1: 180.
2. أحاديث: (فعل الأذان للصلوات الخمس والجمعة دون ما عداهما)، صرَّح به صاحب «الهداية» (¬1).
3. أحاديث: (إذا اشتدّ الحرّ أبردوا بالصَّلاة) رواه سبعة عشر صحابياً، صرح بتواتره السيوطي (¬2).
4. أحاديث تأخير العصر والشمس بيضاء نقيّة، قال الطحاوي (¬3): «تصلى والشمس بيضاء في وقت يبقى بعده من وقتها مدة قبل تغيب الشمس، ولو خلينا والنظر لكان تعجيل الصلوات كلها في أوائل أوقاتها أفضل، ولكن اتباع ما روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما تواترت به الآثار أولى، وقد روي عن أصحابه من بعده ما يدلّ على ذلك أيضاً».
5. أحاديث الإقامة مثنى مثنى، قال الطحاوي (¬4): «فتصحيح معاني هذه الآثار يوجب أن يكون الإقامة مثل الأذان سواء على ما ذكرنا لأن بلالاً اختلف فيما أمر به من ذلك ثم ثبت هو من بعد على التثنية في الإقامة بتواتر الآثار في ذلك، فعُلِم أن ذلك هو ما أمر به».
6. أحاديث تلبية النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد عرفة إلى جمرة العقبة، قال الطحاوي (¬5): «وقد
¬
(¬1) ينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص71.
(¬2) ينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص81.
(¬3) في شرح معاني الآثار1: 194.
(¬4) في شرح معاني الآثار1: 136
(¬5) في شرح معاني الآثار2: 224، وينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص137.
جاءت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آثار متواترة بتلبيته بعد عرفة الى أن رمى جمرة العقبة».
المطلبُ الرّابع: التواترُ العمليُّ:
أولاً: تعريفه:
وهو أن يتواتر العمل على أمرٍ ما بحيث يستحيل تكذيبهم، أو تواترُ العمل على شيءٍ من لَدَنِ صاحبِ الشريعة إلى يومنا هذا: كالسِّواك (¬1).
وأوضحه الكاساني - رضي الله عنه - فقال (¬2): «تواترٌ من حيث ظهور العمل به قرناً فقرناً من غيرِ ظهور المنع والنكير عليهم في العمل به، إلا أنَّهم ما رووه على التواتر; لأنّ ظهورَ العمل به أَغناهم عن روايته, وقد ظَهَرَ العملُ بهذا مع ظهورِ القولِ أيضاً من الأئمةِ بالفتوى به بلا تنازع منهم».
وهذا القسم له شبه بما سبق من القسم الثاني والثالث، ففي شبهه بالمعنوي يقول الكشميري (¬3): «وهذا التواترُ قريبٌ من تواتر المعنى،
¬
(¬1) ينظر: الكشميري، العرف الشذي1: 41، وفيض الباري.8.
(¬2) في البدائع7: 331.
(¬3) في العرف الشذي1: 41.
ومثاله: العمل برفع اليدين عند الركوع وتركه، فإنه عمل به غيرُ واحد في القرون الثلاثة».
وأيضاً له شبه بالطبقي، بكون العمل المتوارث في طبقاتِ مدرسةٍ متوارثاً في طبقات سائر المدارس، كالصلوات الخمس وأعداد الركعات ومقادير الزكوات (¬1).
وهذا التمثيل أولى هنا من ذكره في الطبقي، وغير ممتنع أن يوجد المثال في أكثر من قسم، قال الكشميري (¬2): «وقد يجتمعُ أقسامٌ منها في شيء واحد».
ووجه افتراقه عن المعنوي أنه عملي تطبيقي من الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين لما شاهدوه من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، بخلاف المعنوي فهو يجمع المعنى المتفق فيما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في روايات مختلفة من فعله - صلى الله عليه وسلم - أو قوله، والله أعلم.
ووجه افتراقه عن الطبقي أنه عمليٌّ عام في جميع الطبقات من جميع المدارس بصورة مجملة بخلاف الطبقي فهو متعلقٌ بنقل طبقات المدرسة سواء كان ذلك النقل قولاً أو تطبيقياً، والله أعلم.
¬
(¬1) ينظر: البخاري، كشف الأسرار،2: 362.
(¬2) في فيض الباري،8.
ويُمكن القول إنّ هذين القسمين عند الحنفية هما من أَفراد المشهور؛ لأنهما اعتمدوا على العمل والقبول من الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - في ترقي الحديث إلى درجةٍ يكون بها مُعتبراً مُحتجّاً به في إثبات الرُّكن والشرط والزيادة على القرآن وتخصيصه، وهذا هو الحال بصورةٍ إجماليةٍ في المشهور، والله أعلم.
ثانياً: حكم العملي:
التواتر العملي يوجب العمل قطعاً, فيجوز نسخ الكتاب العزيز به كما يجوز بالمتواتر في الرِّواية إلا أنّهما يَفترقان من وجهٍ, وهو أن جاحدَ المتواتر في الرِّواية ـ أي الإسناد ـ يكفرُ، وجاحدُ المتواتر في ظهورِ العملِ لا يكفر، هذا ما صَرَّحَ به الكاسانيّ (¬1)، بخلاف الكشميري فإنه قال (¬2) بكفر جاحد هذا القسم، وبَنَى عليه كفر مَن يجحد سنية السِّواك، فقال (¬3): «وعلى هذا نقول: إن السِّوَاكَ سنةٌ، واعتقادُ سنيته فرضٌ؛ لأنه ثَبَتَ مُتواتراً بأنحاء التواتر وتحصيل علمه سنةٌ، وجُحودُهُ كفرٌ، وجهلُه حِرمانٌ، وتركُه عتابٌ أو عِقَاب».
وأَعتقد رجحان الكلام بعدم الكفر؛ لبقاء الشبهة في نقله وإن
¬
(¬1) في البدائع7: 331.
(¬2) في العرف الشذي1: 41.
(¬3) في فيض الباري.8.
كانت ضعيفة، ومثلها تمنع من التكفير، وهذا أقرب لقواعد الفقه بعدم تكفير مسلم إلا بما هو معلوم من الدين بالضرورة، فما يكون مختلفاً فيه لا يَحِقّ التكفيرُ به، وحكم هذا القسم كما رأيت مختلف فيه فلا يجوز التكفير بشيء من أفراده؛ لأنّ التكفيرَ أمرٌ عظيمٌ لا يصح إلا في قطعيّ لا شبهة فيه.
ثانياً: أمثلة العملي:
1. أحاديث النهي عن الاكتحال للمعتدة ولو لضرورة ثم نسخه، قال الطحاويّ (¬1): «ففي هذه الآثار نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المعتدة من وفاة زوجها أن تكحل عينها في عدتها مع خوفها على عينها إن لم تفعل ذلك بهما. فقال قائل: كيف تقبلون هذا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهل العلم جميعاً على خلافه وعلى إباحة الكحل لمثلها للضرورة الداعية بها إلى ذلك؟ فكان جوابنا له في ذلك، وبالله التوفيق: إنّ هذا الحديث قد جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متواتراً من هذه الوجوه الصحاح التي تقبلها العلماء، وفي تركها لما فيه بعد تناهيه إليهم واستعمالهم خلافه ما قد دل على نسخه؛ لأنهم مأمونون على نسخه كما هم مأمونون على ما رووه، ولما كانوا كذلك كان تركهم لما رووه من هذه الوجوه المحمودة عندهم على أنهم تركوا ذلك لما يوجب لهم تركه وصاروا إلى ما هو أولى بهم منه مما قد نسخه، ولولا أن ذلك
¬
(¬1) في: الطحاوي، مشكل الآثار،963
كذلك لكان قد سقط عدلهم وفي سقوط عدلهم سقوط رواياتهم، وحاش لله - جل جلاله - أن تكون حقيقة أمورهم كذلك».
2. حديث: (سئل عن البحر فقال: هو الطهور ماؤه الحل ميتته) رواه اثنا عشر صحابياً، قال الزرقانيّ: وهذا الحديث أصل من أصول الإسلام، تلقته الأئمة بالقبول وتداولته فقهاء الأمصار في سائر الأعصار في جميع الأقطار (¬1).
3. حديث: (لا زكاة في المال حتى يحول عليه الحول)، قال الجصاص (¬2): «وهذا الخبر في الحول وإن كان من أخبار الآحاد، فإن الفقهاء قد تلقته بالقبول واستعملوه فصار في حيز المتواتر الموجب للعلم».
4. أحاديث: (فعل السواك والحث عليه في الوضوء وغيره)، رويت عن جماعة كثيرة من الصحابة - رضي الله عنهم - (¬3).
5. أحاديث: (صفة وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيها كلها فعل المضمضة والاستنشاق وفي أكثرها غسل اليدين أولا ثلاثاً) ذكر الزيلعي في تخريج أحاديث الهداية: أنها واردة عن عشرين نفراً من الصحابة - رضي الله عنهم - (¬4).
¬
(¬1) ينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص51.
(¬2) في الجصاص، أحكام القرآن3: 218، وينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص127.
(¬3) ينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص53.
(¬4) ينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص54.
6. أحاديث إجزاء الجزور والبقرة عن سبعة، قال الطحاوي (¬1): «نحر أصحابه - رضي الله عنهم - معه - صلى الله عليه وسلم - الجزور عن سبعة والبقرة عن سبعة، وكان ذلك عند أصحابه على التوقيف منه لهم على أنّ البقرةَ والبدنةَ لا تجزئ واحدة منهما عن أكثر مما ذبحت عنه يومئذٍ، وتواترت عنهم الروايات بذلك».
7. أحاديث في الرّكاز الخمس، قال الطحاوي (¬2): «الركاز الذي جعل الله فيه على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - الخمس، وتواترت بذلك الآثار عنه - صلى الله عليه وسلم -».
8. أحاديث: (وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة) (¬3).
9. أحاديث عدم الجهر بالبسملة في الصلاة، قال الطحاوي (¬4): «وقد جاءت الآثار متواترة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن أبي بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - أنهم كانوا لا يجهرون بها في الصلاة».
10. أحاديث: (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها) (¬5).
11. أحاديث: (مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم) (¬6).
¬
(¬1) في: الطحاوي، شرح معاني الآثار4: 179.
(¬2) في شرح معاني الآثار3: 276.
(¬3) ينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص86.
(¬4) في شرح معاني الآثار1: 202، وينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص87.
(¬5) ينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص82.
(¬6) ينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص84.
12. أحاديث: (وضع اليدين على الركبتين في الركوع) (¬1).
13. حديث: (تسليمتان في الصلاة) رواه أربعة عشر صحابياً (¬2).
المطلب الخامس: التواتر اللغوي:
أولاً: تعريفه:
وهو أن تتظافر الرِّوايات في أمر ما بحيث تفيد قوّة لم تحصل فيما عداها أو غلبة ظنّ في صحة النقل، والتواترُ هنا بمعنى الترجيح في هذا الجانب لتحقُّق صحّة غالبة في النقل وإن لم يتوفر به المعنى الاصطلاحي السابق، ولعلّ هذا بسبب عدم تقعيد مصطلح المتواتر كما هو عند المتأخرين.
ولما سعيت في بحثي إلى استقصاء كلِّ ما نَصّ عليه الطحاوي أنه متواتر، حتى تكتمل فيه المنفعة للباحثين لا سيما في الفقه الحنفي، لزم عليَّ أن أذكر هذا القسم ليكون فيها بياناً لبعض ما ذكر عن الطحاوي من المتواتر؛ لأنّ مَن جاء بعده اعتمد عليه في اعتبار المتواتر من غيره، وأُبين أنّ بعض ما قال فيه الطحاوي إنه متواتر يُمكن أن لا يَتَجاوز التواتر اللغوي.
¬
(¬1) ينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص91.
(¬2) ينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص97.
ثانياً: حكم التواتر اللغوي:
لا شكّ في انتفاء الكفر عمَّن ينكره، ولا يصلح إلى إثبات ركن أو شرط كما هو الحال في باقي أنواع التواتر، وإنما يصلح مرجحاً بين أخبار الآحاد، والله أعلم.
ثالثاً: أمثلة التواتر اللغوي:
1. أحاديث مسح الأذنين بماء الرأس، قال الطحاوي (¬1): «ففي هذه الآثار أنّ حكم الأذنين ما أقبل منهما وما أدبر من الرأس، وقد تواترت الآثار بذلك ما لم تتواتر بما خالفه، فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار».
2. حديث أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ابن عمر - رضي الله عنهم - بمراجعة زوجته التي طلقها في حيضها، قال الطحاوي (¬2): «رأينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما سأله عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن طلاق عبد الله امرأته وهي حائض أمره بمراجعتها وتواترت عنه بذلك الآثار».
3. حديث مَن عض ذراع رجل فسقط ثناياه بنزع ذراع لا دية عليه، قال الطحاوي (¬3): «وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الذي عضّ ذراعه رجل
¬
(¬1) في شرح معاني الآثار1: 34.
(¬2) في شرح معاني الآثار3: 56.
(¬3) في شرح معاني الآثار3: 223.
فانتزع ذراعه فسقطت ثنيتا العاض أنه أبطل ذلك وتواترت عنه الآثار في ذلك».
4. أحاديث إباحة ركوب البغال (¬1)، قال الطحاوي (¬2): «فقد تواترت الآثار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإباحة ركوب البغال».
5. أحاديث البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، قال الطحاوي (¬3): «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثبت عنه أنه قال: البيعان بالخيار ما لم يتفرّقا وتواترت عنه الآثار بذلك».
6. حديث بيع العرايا والمحاقلة والمزابنة (¬4)، قال الطحاوي (¬5): «فقد جاءت هذه الآثار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتواترت في الرخصة في بيع العرايا، وقبلها أهل العلم جميعاً ولم يختلفوا في صحةِ مجيئها وتنازعوا في تأويلها ... عن أبي حنيفة قال: معنى ذلك عندنا أن يعرى الرجل الرجل ثمر نخلة من نخلة فلا يسلم ذلك إليه حتى يبدو له فرخص له أن يحبس ذلك ويعطيه مكانه خرصه تمراً ... وعن أبي هريرة قال: (نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المحاقلة والمزابنة، قال: والمحاقلة الشرط في الزرع والمزابنة التمر بالتمر في النخل)، فهذه الآثار قد تواترت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالنهي عن بيع
¬
(¬1) ينظر: نظم المتناثر ص142.
(¬2) في شرح معاني الآثار3: 273.
(¬3) في شرح معاني الآثار4: 10.
(¬4) ينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص157.
(¬5) في شرح معاني الآثار4: 32ـ34.
الكيل من الثمر بالثمر في رؤوس النخل، فإن حمل تأويل العرايا على ما ذهب إليه أبو حنيفة كان النهي على عمومه ولم يبطل منه شيء».
7. أحاديث إباحة أكل لحوم الخيل، قال الطحاوي (¬1): «فذهب قوم إلى هذه الآثار فأجازوا أكل لحوم الخيل، وممن ذهب إلى ذلك أبو يوسف ومحمد - رضي الله عنهم - واحتجوا بذلك بتواتر الآثار في ذلك وتظاهرها».
8. أحاديث توارث أولي الأرحام من بعضهم البعض، قال الطحاوي (¬2): «فعن المقدام بن معد يكرب - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (الله ورسوله مولى من لا مولى له يرث ماله ويفك عنوه والخال وارث من لا وارث له يرث ماله ويفك عنوه)، فهذه آثار متصلة قد تواترت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -».
9. أحاديث صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الكعبة، قال الطحاوي (¬3): «وقد رويت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آثار متواترة أنه صلى في الكعبة ... وان كان هذا الباب يؤخذ من طريق تصحيح تواتر الآثار، فان الآثار قد تواترت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد صلى في الكعبة ما لم تتواتر بمثله أنه لم يصل».
¬
(¬1) في شرح معاني الآثار4: 212.
(¬2) في: شرح معاني الآثار4: 399.
(¬3) في شرح معاني الآثار1: 390ـ392، وينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص75.
10. أحاديث الإشارة في الصلاة لا تبطلها، قال الطحاوي (¬1): «ففي هذه الآثار ما قد دلّ أنّ الإشارةَ لا تقطع الصلاة، وقد جاءت مجيئاً متواتراً غير مجيء الحديث الذي خالفها فهى أولى منه».
11. أحاديث صوم يوم وإفطار يوم من الدهر، قال الطحاوي (¬2): «أباح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذه الآثار المتواترة صوم يوم وإفطار يوم من سائر الدهر دلّ ذلك أنّ صومَ ما بعد النصف من شعبان مما قد دخل في إباحة النبيّ - صلى الله عليه وسلم -».
12. أحاديث إباحة القُبلة للصائم، قال الطحاوي (¬3): «وقد جاءت الآثار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متواترة بأنه كان يقبل وهو صائم».
13. أحاديث عدم تعيين في الخمر حدّاً من النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال الطحاوي (¬4): «وقد جاءت الآثار متواترة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يقصد في حد الشارب إلى عدد من الضرب معلوم حتى لقد بين في بعض ما روي عنه نفي ذلك مثل ما رويناه عن عليّ - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مات ولم يسن فيه حداً».
¬
(¬1) في شرح معاني الآثار1: 455.
(¬2) في شرح معاني الآثار2: 88.
(¬3) في شرح معاني الآثار2: 91، وينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص131.
(¬4) في شرح معاني الآثار3: 156.
14. أحاديث خيار الرؤية للمشتري لا للبائع، قال الطحاوي (¬1): «والآثار في ذلك قد جاءت متواترة وإن كان أكثرها منقطعاً فإنه منقطع لم يضاده متصل».
15. أحاديث بطلان شرط العمرى (¬2)، قال الطحاوي (¬3): «وكانت الشروط في العمرى قد وقفنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بطلانها في آثار قد جاءت عنه مجيئاً متواتراً».
16. أحاديث إباحة قص الظفر والشعر لغير المحرم في عشر ذي الحجة، قال الطحاوي (¬4): «عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كنت أفتل قلائد هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيبعث بها ثم يقيم فينا حلالاً لا يجتنب شيئاً مما يجتنبه المحرم حتى يرجع الناس) ففي ذلك دليلٌ على إباحة ما قد حظره الحديث الأول ـ أم سلمة ـ ومجيء حديث عائشة رضي الله عنها أحسنُ من مجيء حديث أم سلمة رضي الله عنها؛ لأنه جاء مجيئاً متواتراً، وحديث أم سلمة رضي الله عنها فلم يجئ كذلك، بل قد طعن في إسناد حديث مالك فقيل: إنه موقوفٌ على أم سلمة رضي الله عنها».
¬
(¬1) في شرح معاني الآثار4: 11.
(¬2) لأن معنى العمرى، هو التمليك للحال، واشتراط الاسترداد بعد موت المعمر له فصح التمليك وبطل الشرط; لأن الهبة لا تبطل بالشروط الفاسدة، ينظر: الزيلعي، التبيين5: 93.
(¬3) في شرح معاني الآثار4: 91.
(¬4) في شرح معاني الآثار4: 182.
17. أحاديث إباحة قول الشعر (¬1)، قال الطحاوي (¬2): «لما جاءت هذه الآثار متواترة بإباحة قول الشعر ثبت أن ما نهى عنه في الآثار الأول ليس لأن الشعر مكروه، ولكن لمعنى كان في خاص من الشعر قصد بذلك النهي إليه».
18. أحاديث صلاة العصر هي الصلاة الوسطى، قال الطحاوي (¬3): «فهذه آثار قد تواترت وجاءت مجيئاً صحيحاً عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الصلاةَ الوسطى هي العصر، وقد قال بذلك أيضاً جلة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -».
19. أحاديث النهي عن التكني بكنية النبي - صلى الله عليه وسلم - لا التسمي باسمه (¬4)، قال الطحاوي (¬5): «فقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يتكنى بكنيته، وأباح أن يتسمّى باسمه، وجاء ذلك عنه مجيئاً ظاهراً متواتراً فدل ذلك على خصوصية ما خالفه ... وأما وجهه من طريق النظر فقد رأينا الملائكة لا بأس أن يتسموا بأسمائهم وكذلك سائر أنبياء الله عليهم السلام غير نبينا - صلى الله عليه وسلم - فلا بأس أن يتسمى بأسمائهم ويكنى بكناهم، ويجمع بين اسم كل واحد
¬
(¬1) مثل حديث: (إن لفي الشعر لحكمة) ينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص181.
(¬2) في شرح معاني الآثار4: 301.
(¬3) في شرح معاني الآثار1: 175، وينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص 74.
(¬4) ينظر: الكتاني، نظم المتناثر ص 140.
(¬5) في شرح معاني الآثار4: 338ـ340.
منهم وكنيته، فهذا نبينا - صلى الله عليه وسلم - لا بأس أن يتسمى باسمه فالنظر على ذلك أن لا بأس أن يتكنى بكنيته وأن لا بأس أن يجمع بين اسمه وكنيته، فهذا هو النظر على ذلك أن لا بأس أن يتكنى بكنيته وأن لا بأس أن يجمع بين اسمه وكنيته، فهذا هو النظر في هذا الباب غير أن اتّباع ما قد ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولى».
20. حديث: (من اطلع في دار قوم بغير إذنهم ففقئوا عينه فلا دية ولا قصاص) .. قال الطحاوي (¬1): «وهذه الروايات قد جاءت بما فيها من ما ذكرناه مجيئاً متواتراً يشد بعضه بعضاً، ولم نجد استعمال فقهاء الأمصار لها كذلك، وكان قطع نظر المطلع إلى بيت غيره بغير أمره عن نظره إلى ما في بيته من ما قد يقدر عليه بالزجر باللسان، والوعيد بالأقوال، فاحتمل أن يكون تارك ذلك ومتجاوزه إلى فقء عين الناظر يوجب الضمان عليه في فقئه إياها، فنظرنا في ذلك فوجدنا جهاد العدو واجباً علينا، فكنا إذا فعلناه بدعاء منا العدو إلى ما نقاتلهم عليه متقدماً لقتالنا إياهم كان حسناً، ولو قاتلناهم بغير دعاء منا إليهم إلى ذلك لعلمنا أنهم قد علموا ما ندعوهم إليه، وما نقاتلهم عليه كنا غير ملومين في ذلك وغير ضامنين لما نصيبه منهم فيه من أنفسهم، ومن أموالهم، ومن أولادهم، فكان مثل ذلك عندنا، والله أعلم».
¬
(¬1) في مشكل الآثار، ر787.
الخاتمة:
ونخلص من هذا البحث لما يلي:
أولاً: يتميزُ الفقهاءُ بطريقةٍ خاصةٍ في اعتمادِ الأحاديث مدارُها على مراعاة المعاني والقواعد والأصول التي دارت عليها السنة والتلقي بالقبول والعمل بين فقهاء الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين للخروج من مشكلةِ خطأ ووهم الراوي الثقة والرواية بالمعنى.
ثانياً: قَسَمَ الفقهاءُ المتواترََ إلى أربعةِ أقسام، وهي قسمةٌ عمليةٌ يندرجُ تحتها أمثلةٌ عديدةٌ تُبيِّنُ حقيقة الاستدلال الذي سار عليه الفقهاء في كثيرٍ من أحكامهم بخلاف قسمة المحدِّثين.
ثالثاً: أقسام المتواتر، هي:
1. اللفظي، وهو المشهور عند المحدثين مما يرويه جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب، وأفراده نادرة.
2. المعنوي، وهو أن تشتمل مجموعة أحاديث على مضمون معين، وأفراده عديدة.
3. الطبقي، وهو لا يحتاج إلى إسناد، وإنما ترويه طبقة عن طبقة كالقرآن، ومشهور عند الفقهاء بالنقل المتوارث في كل مدرسة فقهية؛ إذا ينقلون به الجانبي العملي التطبيقي من سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - جيلاً بعد جيل من كبار أئمة الدين في تلك المدرسة إلى إمام المذهب وأفراده لا تحصى.
4. العملي، بأن يتواتر العمل على أمر بين جميع العلماء من غير ظهور نكير، وأفراده كثيرة.
5. اللغوي، بأن تتظافر الرواية في أمر أكثر مما خالفها، بحيث تترجح عليها، وهو ليس من أفراد المتواتر حقيقة، وإنما يوافق من حيث اللغة فحسب.
* * *
المراجع:
1. ابن أبي شيبة، عبد الله بن محمد. (1409هـ) المصنف في الآحاديث والآثار، الطبعة الأولى، مكتبة الرشيد، الرياض.
2. ابن عابدين، محمد امين بن عمر، (1979م)، نسمات الأسحار على شرح إفاضة الأنوار على المنار لمحمَّد علاء الدِّين الحصني الحَنَفِي، الطبعة الثانية مطبعة مصطفى البابي.
3. ابن ملك، محمد بن ابراهيم الحلبي. (1315هـ) أنوار الحلك على شرح المنار، مطبعة عثمانية. در سعادت.
4. أبو الحاج، صلاح محمد، (2004م)، المدخل إلى دراسة الفقه الإسلامي. الطبعة الأولى، دار الجنان، عمان.
5. الأسمندي، محمد بن عبد الحميد، (1992م) بذل المجهود في الأصول، الطبعة الأولى، ت: د. محمد زكي، مكتبة دار التراث، القاهرة.
6. الأصبهاني، أبي نعيم أحمد بن عبدالله. (1403هـ) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت.
7. البابرتي، أكمل الدين محمد بن محمدالرومي، العناية على الهداية. دار إحياء التراث العربي. بيروت.
8. البخاري، عبد العزيز بن أحمد، كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، دار الكتاب الإسلامي.
9. البخاري، محمد بن اسماعيل الجعفي. (1407هـ) صحيح البخاري، الطبعة الثالثة، دارابن كثير واليمامة، بيروت.
10. بركت الله، محمد، (1347هـ)، أحسن الحواشي على أصول الشاشي. المطبع المجتبائي. دهلي.
11. البزّار، أحمد بن عمرو، (1409هـ) البحر الزخار، الطبعة الأولى، مكتبة العلوم والحكم، بيروت.
12. البزدوي، علي بن محمد بن محمد. أصول البزدوي، دار الكتاب الإسلامي.
13. البصري، محمد بن سعد بن منبع، الطبقات الكبرى، دار صادر. بيروت
14. البيهقي، أحمد بن الحسين، (1414هـ) سنن البيهقي الكبير، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة.
15. الترمذي، محمد بن عيسى، جامع الترمذي، ت: أحمد شاكر. دار إحياء التراث العربي. بيروت.
16. التفتازاني، سعد الدين. (1324هـ) التلويح في حل غوامض التنقيح، الطبعة الاولى، المطبعة الخيرية، مصر.
17. التميمي، محمد بن حبّان. (1414هـ) صحيح ابن حبَّان بترتيب ابن بلبان، الطبعة الثانية، ... مؤسسة الرسالة، بيروت.
18. أبو الحاج، د. صلاح محمد، (2009)، الاعتماد على النقل المتوارث في مدرسة الكوفة الفقهية، مجلة دراسات إسلامية، جامعة صاقريا، تركيا.
19. الجرجاني، الشريف، (1416هـ) مختصر الشريف الجرجاني، الطبعة الثالثة مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب.
20. الحصني، محمد علاء الدين، (1399هـ)، إفاضة الأنوار على متن أصول المنار، ط2،. مطبعة مصطفى البابي الحلبي. مصر.
21. الخليلي، الخليل بن عبد الله، (1409هـ)، الإرشاد في معرفة علوم الحديث، الطبعة ... الاولى. ت: د. محمد سعيد. مكتبة الرشد. الرياض.
22. الذهبي، شمس الدين، سير أعلام النبلاء، ط11، مؤسسة الرسالة.
23. الرهاوي، يحيى، (1315هـ)، حاشية الرهاوي على شرح المنار مطبعة عثمانية. در سعادت.
24. الزيلعي، عثمان بن علي فخر الدين، (1313هـ)، تبيين الحقائق شرح كَنْز الدقائق، الطبعة الاولى المطبعة الأميرية بمصر.
25. السيوطي، تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي. تحقيق: صلاح عويضة. دار الكتب العلمية.
26. الشاشي، أحمد بن محمد، (1402هـ)، أصول الشاشي. دار الكتاب العربي. بيروت.
27. الشيباني، عبد الله بن أحمد بن حنبل، (1406هـ)، السنة، الطبعة الأولى، ت: د. محمد القحطاني. دار ابن القيم. الدمام.
28. الشيخ، عبد الستار، (1410هـ)،عبد الله بن مسعود عميد حملة القرآن وكبير فقهاء الإسلام، الطبعة الثانية،. دار القلم. دمشق.
29. الشيرازي، أبي اسحاق، طبقات الفقهاء. ت: خليل الميس. دار القلم. بيروت. بدون تاريخ طبع.
30. صدر الشريعة، عبيد الله بن مسعود، 1327هـ، التوضيح شرح التنقيح، دار الكتب العربية الكبرى.
31. الطبراني، سليمان بن أحمد. (1404هـ) المعجم الكبير، الطبعة الثانية، مكتبة العلوم والحكم، الموصل
32. الطبراني، سليمان بن أحمد. (1415هـ) المعجم الأوسط، دار الحرمين، القاهرة.
33. الطحاوي، محمد بن سلامة، (1333هـ)، مشكل الآثار، الطبعة الأولى. مجلس دائرة النظامية. الهند. حيدر آباد. ط1.
34. الطحاوي، محمد بن سلامة، (1399هـ)، شرح معاني الآثار، الطبعة الأولى، ت: محمد زهري النجار. دار الكتب العلمية. بيروت.
35. العيني، بدر الدين محمود بن احمد، (1980م)، البناية في شرح الهداية، الطبعة الأولى، دار الفكر.
36. الفاسي الحجوي، محمد الحسن، (1416هـ)، الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، ط1. دار الكتب العلمية.
37. الفيومي، أحمد بن علي. (1909م) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، ط3، المطبعة الأميرية.
38. القاري، علي بن سلطان محمد، (1418هـ)، فتح باب العناية بشرح النقاية، ط1،. ت: محمد نزار وهيثم نزار. دار الأرقم.
39. القدوري، أحمد بن محمد القدوري، (2006م)، التجريد، دار السلام، مصر، ط1.
40. قلعة جي، محمد رواس، 1399هـ، موسوعة فقه إبراهيم النخعي، ط1،. طباعة جامعة الملك عبد العزيز.
41. الكاساني، أبي بكربن مسعود، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، دار الكتب العلمية، بيروت.
42. الكتاني، محمد بن جعفر، نظم المتناثر من الحديث المتواتر، الطبعة الثانية، دار الكتب السلفية، مصر
43. الكراماستي، يوسف بن حسين. (1984م) الوجيز في أصول الفقه، دار الهدى، القاهرة.
44. الكشميري، محمد أنور شاه، العرف الشذي شرح الترمذي، الطبعة الأولى، ت: محمود شاكر، مؤسسة ضحى.
45. الكشميري، محمد أنور شاة، (1357هـ)، فيض الباري شرح صحيح البخاري، مطبعة حجازي
46. الكوثري، محمد زاهد بن الحسن، (1997م)، مقدمة نصب الراية، الطبعة الاولى، دار الثريا. دمشق، ضمن مقدمات الكوثري.
47. الكوثري، محمد زاهد بن الحسن، النكت الطريفة في التحدث عن ردود ابن أبي شيبة على أبي حنيفة، مخطوطة الشيخ حمزة البكري المعدة للطبع.
48. اللكنوي، عبد الحي. (1416هـ) ظفر الأماني بشرح مختصر الشريف الجرجاني، الطبعة الثالثة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب.
49. المطرّزي، ناصر بن عبد السيد. المغرب في ترتيب المعرب، دار الكتاب العربي.
50. ملاخسرو، محمد بن فراموز. (1291هـ) مرقاة الوصول، مطبعة الحاج محرم أفندي البوسنوي. مع مرآة الأصول.
51. النسائي، أحمد بن شعيب. (1411هـ) سنن النسائي الكبرى، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت.
52. النسفي، حافط الدين عبدالله بن أحمد. (1326هـ) المنار في أصول الفقه، در سعادات.
53. النسفي، عبد الله بن أحمد، (1316هـ)، كشف الأسرار شرح المنار، ط1، المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق. مصر.
54. النيسابوري، مسلم بن الحجاج القشيري، صحيح مسلم. ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
55. الهيثمي، علي بن أبي بكر، (1407هـ) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، دار الريان للتراث ودار الكتاب العربي. بيروت.
* * *