الحديث المشهور .......
..... الإمام السرخسي
جارٍ تحميل الكتاب…
الحديث المشهور .......
..... الإمام السرخسي
الطبعة الأولى
1445هـ ـ 2023م
الحديث المشهور
عند الإمام السرخسي
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
* نشر في المؤتمر الدول حول الإمام السرخسي في جامعة باموك قلعة، تركيا 2023م.
ملخص البحث:
يتناول هذا البحث معالجة الخطأ الشائع في كتب أصول الحنفية في تعريف الحديث المشهور بسبب الإيهام الوارد في عبارة «أصول البزدوي»، بحيث تعاملوا أن مداره على النقل وليس على القبول والعمل، فكانت عبارة الإمام السرخسي في «أصوله» صريحة في ذلك، حيث أوضحت المقصود، وبينت حقيقة الشهرة عند الحنفية أنها راجعة للقبول للعمل، وذكرت تطبيقات عديدة للإمام السرخسي في «مبسوطه» و «أصوله» مستندة إلى هذه الحقيقة في الحكم على الحديث.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.
وأما بعد:
كنت عملت بحثاً في سبق عن مصطلح الحديث المشهور أو السنة المشهورة عند الحنفية، وحققت فيه أنها حديث الآحاد الذي تلقاه السلف بالقبول، وهذا يُبيِّن أنّ السنة المشهورة هي أبرزُ قواعد الحنفية التي اعتمدوا عليها في التأصيل الأصولي للمسائل، فمَرّة يقدِّمونها على حديثٍ وإن كان مَروياً في الصحاح، ومَرّةً ينسخون بها القرآن، ومَرّةً يزيدون بها على القرآن، ومَرّةً يُخصصون بها القرآن، ومَرّةً يَتركون بها القياس، ومَرّة يقبلونها فيما تعمّ به البلوى، فصفحات كتبهم تطفح بالاستدلال بها.
وفي هذا البحث توجهت إلى رفع اللثام عن الاختلاط الحاصل في كتب الأصول عند الحنفية في تعريف السنة المشهورة بحيث ألحقوا النقاش فيها فيما يتعلق بالرجال، كما هو الحال في الآحاد.
وهذا يتطلب كشف منشأ هذا الخطأ، بحيث يُمكن معالجته والتنبيه عليه، حتى لا يقع الطلبة والباحثون في هذا المزلق الخطير، الذي يُسبب انحرافاً كبيراً في كيفية فهم الاستدلال لعامّة أُمهات مسائل الحنفية الذين يعتمدون على الحديث المشهور.
وأهمية الموضوع: تكمن في رفع الإشكال الواقع في عامّة كتب أصول الحنفية التي أوهم تعريفها للسنة المشهورة أنّ لها تعلق بالرجال، ولا يرجع للقبول والعمل، وتطبيق هذا في كتب فروع الحنفية يؤدي إلى إسقاط الاستدلال بالأحاديث المشهورة؛ لأننا إذا بحثناها من جهة الرجال، فستكون عامة الأحاديث المشهورة من الضعيفة سنداً؛ لكونها معتمدة على العمل والقبول لا السند، وبالتالي يضعف الاستدلال لأمهات مسائل الحنفية، فيقع الطالب والقارئ في الشك بمذهب الحنفية، وهذا في غاية الخطورة.
ومشكلةُ الدراسة: تظهر في إجابة الباحث سؤال رئيسي: من هو منشأ الخطأ لتعريف الحديث المشهور في كتب أصول الحنفية؟ ويتفرَّع عليه الأسئلة الآتية؟
1. ما هو تعريف الحديث المشهور عند المحدثين؟
2. ما هو التعريف الشائع للحديث المشهور عند الحنفية؟
3. ما هو تعريف الحديث المشهور عند السرخسي؟
4. ماذا يفيد الحديث المشهورعند السرخسي؟
وبهذا يتبيَّن أنَّ البحث سيعرض لقضايا ذات أهمية في علم الفقه وأصوله، ويجيب عن إشكاليات كبيرة تعرض للباحثين والدارسين وطلبة العلم.
الدراسات السابقة:
من خلال تتبعي ودراستي للموضوع ومطالعتي للكتب التي تعرَّضت لمسائل متناثرة فيه، لم أقف على أي دراسة خاصة به، سوى «الحديث المشهور عند الحنفية وأثره في اختلافهم مع الفقهاء» لعامر أحمد جاسم النداوي، ولم أتمكن من الاطلاع عليه رغم وجود اسمه على النت، وبحث «السُّنّة المشهورة حكمها ودورها في استنباط الأحكام الشرعية عند الأحناف» لسميرة الفارسي، واقتصرت فيه على التعريف بالسنة المشهورة وبيان حكمها، بخلاف بحثنا فإنه يبحث في مصدر الخطأ في تعريف المشهور عند الحنفية، ويبين الأدلة المتعددة في إثبات حقيقة المشهور عند الحنفية، و «السنة المشهورة عند الحنفية وتطبيقاتها في كتبهم» للباحث حققت في معنى المشهور عند الحنفية، بخلاف هذا
البحث بيَّنتُ منشأ الانحراف في تعريف السنة في كتب أصول الحنفية، وأوضحت ذلك من خلال كلام الإمام السرخسي.
ومنهجيّة البحث: التي اعتمدتها هي المنهج الاستقرائيّ والتحليليّ والتطبيقيّ، بحيث يتمّ استقراء قدر كبير من الأحاديث المشهورة من «المبسوط» و «أصول البزدوي» واستخراج استخداماته له، ومن ثم استنباط المبادئ والقواعد والأسسس التي سار عليها في بنائه الفقهي.
وقسمتُ خطّةَ البحث لتحقيق ذلك إلى مبحثين:
المبحث الأول الحديث المشهور عند السرخسي، وفيه مطالب:
المطلب الأول: الحديث المشهور عند المحدثين.
المطلب الثاني: التعريف الشائع للحديث المشهور عند الحنفية.
المطلب الثالث: تعريف الحديث المشهور عند السرخسي.
المطلب الرابع: اختيار السرخسي لإفادة المشهور لعلم الطمأنينة.
المبحث الثاني: تطبيقات على الأحاديث المشهورة عند السرخسي.
* * *
المبحث الأول
الحديث المشهور بين السرخسي والبزدوي
المطلب الأول: الحديث المشهور عند المحدثين:
معلوم أن مصطلح السنة المشهورة خاص بالحنفية، وهو ناتج عن الأصول التي اتبعوها وساروا عليها؛ لتقدم الزمان لإمام المذهب أبي حنيفة حيث لم يكن قبل رجال سوى الصحابة وكبار التابعين وأواسطهم، بحيث كان بينه وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجل أو رجلين أو ثلاثة رجال، وهؤلاء الرجال هم شيوخه أو شيوخ شيوخه، وبالتالي يكون له بهم معرفة كبيرة، فلم يحتج إلى دراسة الرجال، وإنما توجه لطريقة أخرى في الحكم على الأحاديث وهي القبول والعمل.
وعلماء المذهب بعد الإمام أبي حنيفة يأخذون الفقه عنه، فكان عملهم بالرجال على نطاق ضيق، وكان للحنفية مدرسة خاصة متكاملة في الحكم على الأحاديث، مختلفة تماماً عن مدرسة المحدثين المعتمدة على الرجال لتأخرها زماناً، وحاجتها للبحث في أسانيد الأحاديث للوصول لما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - أو فعل.
قال ابنُ أبان: «إنّ لنا أصلاً في قبول الأخبار وشرائط نعتبرها فيه، متى خرج الخبر عنها لم نقبله» (¬1).
وقال الجصاصُ (¬2): «لا نعلم أحداً من الفقهاء رجع إليهم في قبول الأخبار وردها، ولا اعتبر أصولهم فيها».
لذلك نجد السنة عند المحدثين على قسمين: متواتر وآحاد.
والآحاد: غريب وعزيز ومشهور.
فالمشهور من أفراد الآحاد إذ يرويه عدد محصور يزيد على اثنين بخلاف العزيز الذي يرويه اثنان والغريب الذي يرويه واحد (¬3)، فتقسيمهم مردُّه إلى الرجال الرُّواة والنظر إلى عددهم فحسب.
إذن المشهور عند المحدثين من الآحاد، واعتباره مشهوراً مرجعه إلى الرجال، بحيث أن من يرويه أكثر من اثنين من الرواة، ولم يصل إلى حدّ التواتر.
ويلاحظ أن تقسيم الحديث عندهم إلى قسمين لا غير، بخلاف الحنفية فإن تقسيم الحديث عند إلى ثلاثة أقسام.
¬
(¬1) ينظر: الفصول في علم الأصول1: 42، لأحمد بن علي الرازي الجصاص (305 - 370هـ)، الطبعة الثانية لوزارة الأوقاف الكويتية.
(¬2) في شرح مختصر الطحاوي4: 244، لأبي بكر الجصاص (ت370هـ)، ت: د. سائد بكداش وآخرون، طبعة دار البشائر، ط1، 2010هـ.
(¬3) ينظر: ظفر الأماني بشرح مختصر الشريف الجرجاني، ص67ـ69، لعبد الحي اللكنوي حلب، مكتب المطبوعات الإسلامية، 1416هـ، وقواعد في علوم الحديث ص32، لظفر أحمد العثماني التهانوي (ت1394هـ)، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب، ط5، الرياض.
قال الرّهاوي (¬1): «اعلم أنَّه ليس المراد بالمشهور هنا باصطلاح المحدثين: وهو ما رواه ثلاثة فصاعداً؛ لأنَّ ذلك عندنا لا يُسمَّى مشهوراً ... ».
وهذا التقسيم الثلاثي يقتضي أن يكون عند الحنفية اعتبار لغير الرجال؛ لأنّ اعتبار الرجال يقتضي أن يكون الحديث على قسمين، فإمّا أن يكون متواتراً، وهو لا يُلتفت فيه للرِّجال؛ لأنّ الرواةَ فيه لا يحصون في كلِّ طبقةٍ، حتى أفاد خبرهم اليقين، وإمّا أن يكون ممن يُحصى فلم يَصِل خبرهم لليقين، بل الظنّ، فكان خبرهم آحاداً؛ لاعتبار وجود الرواة فيه ممن يتقدَّر عددهم ولم يُفِد خبرُهم علماً.
المطلب الثاني: التعريف الشائع للمشهور عند الحنفية:
عرف المشهور عامة كتب أصول الحنفية: ما كان من الآحاد في الأصل، ثُمَّ انتشر فصار ينقلُه قومٌ لا يتوهم تواطؤهم على الكذب، وهم القرن الثاني بعد الصحابة - رضي الله عنهم -، ومَن بعدهم (¬2).
¬
(¬1) في حاشية الرهاوي على شرح المنار، ج2، ص619، ليحيى الرهاوي، در سعادات، مطبعة عثمانية، 1315هـ.
(¬2) ينظر: أصول البزدوي، ج2، ص368، لعلي بن محمد بن محمد البزدوي (ت: 482هـ)، دار الكتاب الإسلامي، والمنار في أصول الفقه، ج2، ص618، لحافط الدين عبد الله بن أحمد النسفي (ت: 701هـ) در سعادات، 1326هـ، وكشف الأسرار شرح المنار2: 7، لأبي البركات عبد الله بن أحمد النَّسَفِي حافظ الدين (ت701هـ)، المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق، مصر، ط1، 1316هـ، وأيضاً: طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1986م. وشرح ابن ملك ص207، لعبد اللطيف بن عبد العزيز الكرماني ابن ملك (ت801هـ)، المطبعة العثمانية في دار الخلافة، 1316هـ، وفصول البدائع2: 215، لمحمد بن حمزة الفناري، مطبعة يحيى أفندي، 1289هـ، وشرح ابن العيني ص207، لعبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد (837 - 893هـ)، المطبعة العثمانية في دار الخلافة، بهامش شرح المنار، 1316هـ. والتبيين2: 352، لأمير كاتب بن أمير عمر الإتقاني (ت758هـ)، تحقيق: عبد الكريم يحيى بن أحمد، إشراف: أ. د: عبد القادر العاني، رسالة ماجستير، جامعة بغداد، ونور الأنوار2: 6 - 7، لأحمد بن أبي سعيد الصديقي الميهوي الحنفي المعروف بـ (ملا جيون) (ت1130هـ)، المطبعة الأميرية ببولاق، مصر، 1316هـ، وفتح الغفار2: 76، لإبراهيم ابن نجيم المصري زين الدين (ت970هـ)، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط1، 1355هـ، وأحسن الحواشي على أصول الشاشي ص74، لمحمد بركت الله، المطبع المجتبائي، دهلي، 1347هـ، وحاشية عزمي زاده على شرح المنار 2: 615، لمصطفى بن بير علي عزمي زاده (ت1040هـ)، مطبعة عثمانية، در سعادت، 1315هـ، وفصول الحواشي لأصول الشاشي ص275، المطبع المجتبائي. دهلي. 1345هـ، وأنوار الحلك على شرح المنار لابن ملك 2: 615، لمحمد بن إبراهيم ابن الحلبي (ت971هـ)، مطبعة عثمانية، در سعادت، 1315هـ، و قمر الأقمار على كشف الأسرار على المنار 2: 6، لمحمَّد عبد الحليم اللَّكْنَوِيّ (ت1285هـ)، المطبعة الأميرية ببولاق، 1316هـ. وغيرها.
وسُمي بذلك لوضوحه، ويُسمّى المستفيض، يقال: استفاض: أي شاع، وخبر مستفيض: أي منتشر بين الناس؛ لاشتهاره، من فاض الماء يفيض فيضاً (¬1).
وإنَّما كان الاعتبار للاشتهار في القرن الثاني والثالث، ولا عبرة للاشتهار في القرون التي بعد القرون الثلاثة؛ لأنَّ عامّة أَخبار الآحاد اشتهرت بعد القرن الثالث، ولا تُسمّى بسبب ذلك مشهورة، فلا يجوز
¬
(¬1) ينظر: حاشية الرهاوي، 2: 618.
بها الزيادة على الكتاب، مثل: خبر الفاتحة والتسمية في الوضوء وغيرهما (¬1).
فالظاهر من هذا التعريف للمشهور مرده للرجال، حيث أنه في الطبقة الأولى كان آحاداً، ثم تواتر نقله من جهة الرجال في الطبقات الأخرى.
ولو اعتبرنا هذا الفهم الذي يفيده ظاهر عبارة كتب أصول الحنفية، لم يسلم لهم حديث مما يذكرون أنه مشهورٌ في كتب الفروع والأصول؛ لأن هذا شرط يكاد أن يكون مستحيلاً تطبيقه من جهة نقل الرجال، ولم تُعرف كتبٌ اشتغلت بأن تجمع الحديث المشهور على هذا الوصف.
وبالتالي هذه التعريف للمشهور على هذا نحو ليس واقع يطبق فيه، من كتب الأصول أو الفروع أو الحديث، وإنما بقي كلاماً نظرياً لا يؤيده شيء عمليّ في الواقع.
ولم يقتصر الأمر على هذا في هذا الزمان بسبب كثرة الاشتغال بالحديث، والاحتجاج به، حيث أثر عدم فهم فكرة المشهور عند الحنفية، لأضعفت الاستدلال عند الحنفية، فلم نعد نحتج لمسائلهم بطريقتهم، في التعامل مع الحديث؛ لعدم القدرة على فهمها، وصارت الطريقة المعتمدة في الحكم على الحديث هي طريق المحدثين، مما جعل أدلة الحنفية
¬
(¬1) ينظر: كشف الأسرار شرح أصول البزدوي،2: 368، لعبد العزيز بن أحمد البخاري (ت:730هـ)، دار الكتاب الإسلامي، وإفاضة الأنوار على متن أصول المنار، ص178، لمحمد علاء الدين الحصني (ت: 1088هـ)، مصر، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، 1399هـ، (ط1)، وأنوار الحلك 2: 618 - 619.
في عامّة مسائلهم ضعيفة، ليس لضعفها في حقيقة الأمر، إنما لاستخدام أصول غيرهم في الحكم على مسائلهم.
والناظر لأصل الخلل في تعريف المشهور عند الحنفية، فإنه يجده جاء من كتاب «أصول البزدوي»، الذي يُعدّ العمدة في كتب أصول الحنفية، وكل ما جاء بعده تبع له في الأصول، حيث انكب العلماء على شرح كتاب واختصاره؛ لذلك كان مدار الأصول عند الحنفي مرجعه له.
وكان هذا التعريف الموهم المنقول في كتب الأصول هو الذي عرف به، وصاروا ينقله عامة كتب الأصول ويفهمونه بطريقة مخلوطة من جعل الحديث المشهور المرد فيه لنقل الرجال.
وإن كان في ظنّي أن مقام البزدوي أكبر من أن يكون الفهم عنده هكذا، لكن عبارته كانت موهمة لذلك؛ لذلك كان الواجب تأويل عبارة: «ثم انتشر فصار ينقله قوم لا يتوهم تواطؤهم على الكذب وهم القرن الثاني بعد الصحابة» (¬1) على النحو الآتي:
بمعنى قبولهم له وعملهم به فشاعت روايته بينهم؛ لأن البحث في المشهور مداره على العمل والقبول، وليس على الرواية.
وهذا يبين لنا سبب اختلاف الحنفية عن المحدثين في تقسيم الحديث إلى ثلاثة أقسام:
1. المتواتر، ولم يكن النظر فيه للرجال لكثرة عددهم، وإنما إفادة الخبر لليقين.
¬
(¬1) ينظر: أصول البزدوي1: 152، لعلي بن محمد بن حسين البزدوي (400 - 482هـ)، دار الكتاب الإسلامي، مطبوع مع شرحه كشف الأسرار.
2. المشهور، ولم يكن الاهتمام فيه برجال، وإنما بالعمل والقبول؛ لأن رواته آحاد، لكن تلقي العلماء له بالقبول رفع من رتبته فصر في حيز التواتر.
3. الآحاد، وكان الالتفات له للرجل من النقل والثبوت والصحة.
وبالتالي اهتمام الحنفية بالعمل والقبول من السلف من الصحابة والتابعين هو الذي أنتج عندهم قسماً جديداً اعتمدوا في أمهات مسائل وقواعدهم وأبوابهم عليهم.
وهذا متوافق مع مسلك الحنفية من اعتبار العمل من الصحابة وكبار التابعين في بناء مذهبهم كاملاً وفي تقرير أصولهم؛ لأنه يُعَدُّ مذهباً صُنِع من عمل وقول الصحابة - رضي الله عنهم - بنقل مدرسة الكوفة مذهباً فقهياً، ومن لم يلتفت لهذه النكة لن يكون قادراً على فهم مذهب الحنفية وأدلتهم.
المطلب الثالث: تعريف المشهور عند السرخسي:
عرفه السَّرخسي (¬1): «كل حديث نقله عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عدد يتوهم اجتماعهم على الكذب، ولكن تلقته العلماء بالقبول والعمل به فباعتبار الأصل هو من الآحاد وباعتبار الفرع هو متواتر».
فهذا التعريف من السَّرخسي صريحٌ جداً في اعتبار العمل والقبول، ونفي اعتبار الرواية والرجال، ولو كان الاعتماد من كتب أصول الحنفية
¬
(¬1) في أصول السرخسي1: 291، لمحمد بن أحمد السرخسي (ت 590هـ)، تحقيق: أبو الوفاء الأفغاني، دار المعرفة، بيروت. 1342هـ.
على أصول السرخسي لم يقعوا في هذه المشكلة، ولم يفهموا هذا الفهم الخاطئ لمعنى المشهور.
وهذا هو المقصد الأساسي من البحث تصويب الفهم المخلوط للمشهور من كلام السرخسي.
وللسرخسي عبارات عديدة تدلّ على أن الحديث يعدّ من المشاهير بعمل السلف وقبولهم للحديث سنذكرها في المبحث التطبيقي، ونقتصر هاهنا على ثلاثة عبارات منها:
1. قال السرخسي (¬1): «وهذا الحديث يرويه رجلان من الصحابة - رضي الله عنهم - ابن عباس وجابر - رضي الله عنهم -، وهو مشهور بلغة العلماء بالمقبول، والعمل به، ومثله حجة يجوز به الزيادة على كتاب الله تعالى عندنا».
2. قال السرخسي (¬2): «وهذا حديث طويل بدأ ببعضه كتاب النكاح، وببعضه كتاب الإجارات، وهو مشهور تلقته العلماء بالقبول وبالعمل به».
3. قال السرخسي (¬3): «وهذا حديث مشهور تلقته العلماء بالقبول والعمل به، ونسخ الكتاب جائز بمثله عندنا؛ لأن ما تلقته العلماء بالقبول والعمل به كالمسموع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولو سمعناه يقول لا تعملوا بهذه الآية، فإن حكمها منسوخ لم يجز العمل بها، ولأجل شهرة هذا الحديث بدأ الكتاب به».
¬
(¬1) في المبسوط4: 195، لأبي بكر محمد بن أبي سهل السرخسي توفى بحدود (500هـ)، 1406هـ، دار المعرفة، بيروت.
(¬2) في المبسوط15: 75.
(¬3) في المبسوط27: 143.
المطلب الرابع: اختيار السرخسي لإفادة المشهور لعلم الطمأنية:
وهناك اعتبارات أخرى تُستفاد من كلام السَّرَخْسي، وهو ترجيحُه لقول ابن أبان من إفادة المشهور لعلم الطمأنينة لا لعلم اليقين كما قال الجصاص، قال السرخسي:
«اختلف مشايخنا فيما هو متواتر الفرع آحاد الأصل من الأخبار، وهو الذي تسميه الفقهاء في حيز التواتر، والمشهور من الأخبار، فكان أبو بكر الرازي يقول: هذا أحد قسمي المتواتر على معنى أنه يثبت به علم اليقين، ولكنه علم اكتساب، كما قال أصحاب الشافعي في القسم الآخر.
وكان عيسى بن أبان يقول: لا يكون المتواتر إلا ما يوجب العلم ضرورياً، فأما النوع الثاني، فهو مشهور وليس بمتواتر، وهو الصحيح عندنا ...
وذلك نحو خبر المسح على الخُفّين، وخبر تحريم المتعة بعد الإباحة، وخبر تحريم نكاح المرأة على عمّتها وعلى خالتها، وخبر حرمة التفاضل في الأشياء الستة، وما أشبه ذلك.
أما أبو بكر الرازي كان يقول لما تواتر نقل هذا الخبر إلينا من قوم لا يتوهم اجتماعهم على الكذب فقد أوجب لنا ذلك علم اليقين، وانقطع به توهم الاتفاق في الصدر الأول؛ لأن الذين تلقوه بالقبول والعمل به لا يتوهم اتفاقهم على القبول إلا بجامع جمعهم على ذلك، وليس ذلك إلا تعين جانب الصدق في الذين كانوا أهلاً من رواته، ولكن إنما عرفنا هذا بالاستدلال فلهذا سمينا العلم الثابت به مكتسباً، وإن كان مقطوعاً به بمنزلة العلم بمعرفة الصانع، ألا ترى أن النسخ يثبت بمثل هذه
الأخبار، فإنه يثبت بها الزيادة على كتاب الله تعالى، والزيادة على النص نسخ، ولا يثبت نسخ ما يوجب علم اليقين إلا بمثل ما يوجب علم اليقين.
وجه قول عيسى: أن ما يكون موجباً علم اليقين، فإنه يكفر جاحده كما في المتواتر الذي يوجب العلم ضرورة، وبالاتفاق لا يكفر جاحد المشهور من الأخبار.
فعرفنا أن الثابت به علم طمأنينة القلب لا علم اليقين؛ وهذا لأنه وإن تواتر نقله من الفريق الثاني والثالث، فقد بقي فيه شبهة توهم الكذب عادة باعتبار الأصل، فإن رواته عدد يسير وعلم اليقين إنما يثبت إذا اتصل بمن هو معصوم عن الكذب على وجه لا يبقى فيه شبهة الانفصال، وقد بقي هنا شبهة الانفصال باعتبار الأصل، فيمنع ثبوت علم اليقين به.
يقرره أن العلم الواقع لنا بمثل هذا النقل إنما يكون قبل التأمل في شبهة الانفصال، فأما عند التأمل في هذه الشبهة يتمكن نقصان فيه.
فعرفنا أنه علم طمأنينة فأما العلم الواقع بما هو متواتر بأصله وفرعه، فهو يزداد قوة بالتأمل فيه، ثم قد بينا أن التفاوت يظهر عند المقابلة، فإذا لم يكن وراء القسم الأول حدّ آخر عرفنا أن الثابت به علم ضرورة، ولما كان وراء القسم الثاني حد آخر عرفنا أن الثابت به علم طمأنينة» (¬1).
¬
(¬1) ينظر: أصول السرخسي1: 291 - 293.
وهذا صريحٌ من السَّرخسي أن جاحدَه لا يكفر بالاتفاق، وعلى هذا لا يظهر أثر الخلاف في الأحكام على الصحيح (¬1)، بخلاف ما ذكر أبو اليسر البَزدويّ أن ثمرةَ الخلاف تظهر في إكفار جاحده.
¬
(¬1) ينظر: البخاري، كشف الأسرار 2: 369، والرهاوي، الحاشية، ج2، ص 619، ومصطفى بن بير علي عزمي زاده، حاشية عزمي زاده على شرح المنار، در سعادات، مطبعة عثمانية، 1315هـ، ج2، ص619، وأحمد بن علي بن تغلب بن الساعاتي (ت: 694هـ)، نهاية الوصول إلى علم الأصول المعروف ببديع النظام الجامع بين كتاب البزدوي والأحكام، ت: سعد السلمي، السعودية، أم القرى، 1418هـ، ج1، ص 390 - 394، وخواجه محمد أوليا أفندي النقشبندي القسطموني، خلاصة الأفكار على مختصر المنار، بدون مطبعة أو تاريخ طبع، ص 47 - 56.
المبحث الثاني
تطبيقات على الأحاديث المشهورة عند الإمام السرخسي
بَيَّن الإمام السَّرخسيُّ حكم العدد من الأحاديث في «مبسوطه» و «أصوله»، وذكر أنها مشهورةٌ، وهذا حكم منه على الحديث يرتقي به لأن يعامل معاملة المتواتر من جهة العمل، ومن هذه الأحاديث:
1. حديث الأسلع: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علمه التيمم ضربتين ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين».
قال السرخسي (¬1): «وهو مشهور يثبت بمثله التقييد، فإذا صار مقيداً لا يبقى ذلك الحكم بعينه مطلقاً».
2. حديث: «إن امرأةَ رفاعة جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: إن رفاعة طلقني فبت طلاقي فتزوجت بعبد الرحمن بن الزبير فلم أجد معه إلا مثل هذه، وأشارت إلى هدبة ثوبها كانت تتهمه بالعنة، فقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة، فقالت: نعم، فقال: لا حتى تذوقي من عسيلته ويذوق من عسيلتك».
قال السَّرخسي (¬2): «حديث مشهور».
¬
(¬1) في أصول السَّرخسي1: 270.
(¬2) أصول السَّرخسي1: 131.
3. حديث قيس بن سعد - رضي الله عنه -، قال قلت لأبي بكر محمد بن عمرو بن حزم - رضي الله عنه - أخرج لي: «كتاب الصدقات الذي كتبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن حزم فأخرج كتاباً في ورقة، وفيه إذا زادت الإبل على مائة وعشرين استؤنفت الفريضة فما كان أقل من خمس وعشرين ففيها الغنم في كل خمس ذود شاة».
قال السرخسي (¬1): «وروي بطريق شاذ: «إذا زادت الإبل على مائة وعشرين فليس في الزيادة شيء حتى تكون خمساً، فإذا كانت مائة وخمساً وعشرين ففيها حقتان وشاة»، وهذا نص، ولكنه شاذ، والقول باستقبال الفريضة بعد مائة وعشرين مشهور عن علي وابن مسعود - رضي الله عنهم -، ثم نقول وجوب الحقتين في مائة وعشرين ثابت باتفاق الآثار وإجماع الأمة فلا يجوز إسقاطه إلا بمثله وبعد مائة وعشرين اختلفت الآثار، فلا يجوز إسقاط ذلك الواجب عند اختلاف الآثار، بل يؤخذ بحديث عمرو بن حزم - رضي الله عنه -».
4.حديث الخثعمية: قالت «يا رسول الله إن فريضة الله الحج أدركت أبى شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة أفيجزئني أن أحج عنه فقال صلوات الله تعالى عليه أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان يقبل منك؟ قالت: نعم، فقال - صلى الله عليه وسلم -: الله أحق أن يقبل».
قال السَّرَخسي (¬2): «حديث مشهور ... فدل أن أصل الحج يقع عن المحجوج عنه».
¬
(¬1) في المبسوط2: 153.
(¬2) في المبسوط4: 148.
5.حديث ابن عباس وجابر - رضي الله عنهم -: «لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها، ولا على بنت أخيها، ولا على بنت أختها، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئ ما في صحفتها فإن الله تعالى هو رازقها».
قال السرخسي (¬1): «وهذا الحديث يرويه رجلان من الصحابة - رضي الله عنهم - ابن عباس وجابر - رضي الله عنهم -، وهو مشهور بلغة العلماء بالمقبول، والعمل به ومثله حجة يجوز به الزيادة على كتاب الله تعالى عندنا، وفيه دليل على حرمة نكاح المرأة على عمتها وخالتها؛ لأن هذا النهي بصيغة الخبر».
6. أثر ابن عبد العزيز: «كتب به عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري - رضي الله عنهم - ما بال الخلفاء الراشدين تركوا أهل الذمة، وما هم عليه من نكاح المحارم، واقتناء الخمور والخنازير، فكتب إليه إنما بذلوا الجزية؛ ليتركوا، وما يعتقدون، وإنما أنت متبع ولست بمبتدع، والسلام».
قال السَّرَخسي (¬2): «مشهور، ولأن الولاة والقضاة من ذلك الوقت إلى يومنا هذا لم يشتغل أحد منهم بذلك مع علمهم أنهم يباشرون ذلك»، ونفى شهرة: «أثر عمر - رضي الله عنه - كتب إلى عماله أن فرقوا بين المجوس وبين محارمهم، وامنعوهم من الرمرمة إذا أكلوا، ولكنا نقول: هذا غير مشهور».
8. حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان يصغي لها الإناء فتشرب منه».
قال السرخسي (¬3): «وهو مشهور عنه - صلى الله عليه وسلم -».
¬
(¬1) في المبسوط4: 195.
(¬2) في المبسوط5: 39.
(¬3) في المبسوط11: 235.
9. حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الذهب بالذهب مثلاً بمثل يداً بيد، والفضل ربا، والفضة بالفضة مثلاً بمثل يداً بيد، والفضل ربا، والحنطة بالحنطة مثلاً بمثل يداً بيد، والفضل ربا، والملح بالملح مثلاً بمثل يداً بيد، والفضل ربا، والشعير بالشعير مثلاً بمثل يداً بيد، والفضل ربا، والتمر بالتمر مثلاً بمثل يداً بيد، والفضل ربا».
قال السرخسي (¬1): «وهذا حديث مشهور تلقته العلماء بالقبول والعمل به، ولشهرته بدأ محمد ببعضه كتاب البيوع، وببعضه كتاب الإجارات، وببعضه كتاب الصرف، ومثله حجة في الأحكام تجوز به الزيادة على الكتاب عندنا، ودار هذا الحديث على أربعة من الصحابة - رضي الله عنهم -: عمر بن الخطاب وعبادة بن الصامت وأبي سعيد الخدري ومعاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنهم -».
10. حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله عنه -: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع وشرط ... ».
قال السرخسي (¬2): «حديث مشهور، ومطلق النهي يوجب فساد المنهي عنه».
11. حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا اختلف المتبايعان تحالفا وترادا».
قال السرخسي (¬3): «الحديث صحيح مشهور، فيترك كل قياس بمقابلته».
¬
(¬1) في المبسوط12: 110.
(¬2) في المبسوط13: 14.
(¬3) المبسوط13: 30.
12. حديث أبي هريرة وأبي سعيد - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يستام الرجل على سوم أخيه، ولا ينكح على خطبته، وقال: لا تناجشوا ولا تبيعوا بإلقاء الحجر ومن استأجر أجيرا فليعلمه أجره».
قال السرخسي (¬1): «وهذا حديث طويل، بدأ ببعضه كتاب النكاح، وببعضه كتاب الإجارات، وهو مشهور تلقته العلماء بالقبول وبالعمل به، وفيه دليل على أنه لا يحل الاستيام على سوم الغير».
13. حديث: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتي بشارب خمر، وعنده أربعون رجلا، فأمرهم أن يضربوه، فضربوه، كل رجل منهم بنعليه، فلما كان زمان عمر - رضي الله عنه - جعل ذلك ثمانين سوطاً».
قال السرخسي (¬2): «والخبر وإن كان من أخبار الآحاد، فهو مشهور، وقد تأكد باتفاق الصحابة - رضي الله عنهم -، إنما العمل به في زمن عمر - رضي الله عنه -، فإنه جعل حد الشرب ثمانين سوطاً من هذا الحديث؛ لأنه لما ضربه كلّ رجل منهم بنعليه كان الكلّ في معنى ثمانين جلدة، والإجماع حجة موجبة للعلم، فيجوز إثبات الحد به».
14. حديث: «من قتل دون ماله، فهو شهيد».
قال السرخسي (¬3): «وهذا حديث مشهور».
15. حديث: «إن الله أعطى كلّ ذي حقّ حقّه ألا لا وصية لوارث».
قال السرخسي (¬4): «وهذا حديث مشهور تلقته العلماء بالقبول والعمل به ونسخ الكتاب جائز بمثله عندنا؛ لأنّ ما تلقته العلماء بالقبول
¬
(¬1) في المبسوط15: 75.
(¬2) في المبسوط24: 30.
(¬3) في المبسوط24: 139.
(¬4) في المبسوط27: 143.
والعمل به كالمسموع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولو سمعناه يقول: لا تعملوا بهذه الآية، فإن حكمها منسوخ لم يجز العمل بها، ولأجل شهرة هذا الحديث بدأ الكتاب به».
16. حديث: «توضأ ثلاثاً ثلاثاً، ثمّ قال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي».
قال السرخسي (¬1): «الحديث المشهور».
17. حديث: «لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن: عند افتتاح الصلاة، وعند القنوت في الوتر، وفي العيدين، وعند استلام الحجر، وعلى الصفا والمروة وبعرفات، وبجمع عند المقامين عند الجمرتين».
قال السَّرخسي (¬2): «الحديث مشهور»، وقال في موضع آخر (¬3): «أن الآثار لما اختلفت في فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتحاكم إلى قوله - صلى الله عليه وسلم -، وهو الحديث المشهور ... ».
18. حديث: «كان إذا سجد أبدى ضبعيه أو أبد ضبعيه».
قال السرخسي (¬4): «الحديث مشهور ... والإبداء والتبديد كل واحد منهما لغة».
19. حديث عبد بن زيد - رضي الله عنه - في صفة أذان النبي - صلى الله عليه وسلم -.
¬
(¬1) في المبسوط 1: 7.
(¬2) في المبسوط4: 23.
(¬3) في المبسوط1: 14.
(¬4) في المبسوط1: 22.
قال السرخسي (¬1): «إن آخر الآذان لا إله إلا الله، وعلى قول أهل المدينة لا إله إلا الله والله أكبر فاعتبروا آخره بأوله، ويروون فيه حديثاً، ولكنه شاذ فيما تعمّ به البلوى، والاعتماد في مثله على المشهور، وهو حديث عبد الله بن زيد - رضي الله عنه - على ما توارثه الناس إلى يومنا هذا».
20. حديث: «لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة وما كان بين الخليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية».
قال السرخسي (¬2): «الحديث مشهور».
21. حديث: «نهى عن صوم ستة أيام».
قال السرخسي (¬3): «الحديث مشهور».
22. حديث: «لا نكاح إلا بولي».
قال السرخسي (¬4): «الحديث مشهور».
23. حديث: «أن بنت حمزة – - رضي الله عنهم - أعتقت مملوكاً فمات، وترك بنتاً فأعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنته النصف وبنت حمزة - رضي الله عنهم - النصف».
قال السرخسي (¬5): «الحديث مشهور ... فبهذا تبين أن المرأة تكون عصبة لمعتقها».
24. حديث: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن ضالة الغنم فقال: هي لك أو لأخيك أو للذئب، فلما سئل عن ضالة الإبل غضب حتى احمرت
¬
(¬1) في المبسوط1: 129.
(¬2) في المبسوط2: 154.
(¬3) في المبسوط3: 81.
(¬4) في المبسوط5: 11.
(¬5) في المبسوط8: 84.
وجنتاه، قال مالك: ولها معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وترعي الشجر حتى يلقاها ربها».
قال السرخسي (¬1): «الحديث مشهور ... وتأويله عندنا أنه كان في الابتداء فإن الغلبة في ذلك الوقت كان لأهل الصلاح والخير لا تصل إليها يد خائنة إذا تركها واجدها، فأما في زماننا لا يأمن واجدها وصول يد خائنة إليها بعده، ففي أخذها إحياؤها وحفظها على صاحبها، فهو أولى من تضييعها».
25. حديث: «ذكاة الجنين ذكاة أمه».
قال السرخسي (¬2): «مشهور ... معناه ذكاة الأم نائبة عن ذكاة الجنين كما يقال: لسان الوزير لسان الأمير».
26. حديث: «لا تحل الصدقة لغني إلا بخمسة، وذكر من جملتها: رجلاً تصدق بصدقة، ثم مات المتصدق عليه فورث تلك الصدقة».
قال السرخسي (¬3): «مشهور».
27. حديث: «النهي عن قفيز الطحان».
قال السرخسي (¬4): «الحديث مشهور ... وقد بيَّنا أن معنى النهي أنه لو جاز صار شريكاً، فذلك دليل على أن تقدم الشركة في المحل يمنع صحة الإجارة، وهذا؛ لأن العقد يلاقي العمل وهو عامل لنفسه».
¬
(¬1) في المبسوط11: 10.
(¬2) في المبسوط12: 6.
(¬3) في المبسوط12: 92.
(¬4) في المبسوط16: 36.
28. حديث: «السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه».
قال السرخسي (¬1): «الحديث مشهور».
ومن خلال الأمثلة السابقة نلاحظ أموراً منها:
1. تقديم المشهور على غيره عند التعارض، قال السرخسي (¬2): «المشهور من السنة، فإنه أقوى من الغريب؛ لكونه أبعد عن موضع الشبهة؛ ولهذا جاز النسخ بالمشهور دون الغريب، فالضعيف لا يظهر في مقابلة القوي».
2. المشهور ينسخ به ويزاد به على القرآن؛ لقوته، قال السرخسي (¬3): «ونحن أثبتنا التتابع بقراءة ابن مسعود - رضي الله عنه -، فإنها كانت مشهورة إلى زمن أبي حنيفة - رضي الله عنه - حتى كان سليمان الأعمش يقرأ ختما على حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -، وختما من مصحف عثمان - رضي الله عنه -، والزيادة عندنا تثبت بالخبر المشهور».
وهذا بخلاف ما لم يشتهر من الأحاديث فلا يزاد به على القرآن، قال السرخسي (¬4): «قال تعالى: {فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم} [البقرة: 196]، والذي روي في قراءة أبي بن كعب فصيام ثلاثة أيام متتابعة في الحج شاذ غير مشهور، والزيادة على النص بمثله لا تثبت».
¬
(¬1) في المبسوط30: 282.
(¬2) في أصول السرخسي1: 366.
(¬3) المبسوط3: 75.
(¬4) المبسوط3: 82.
3. الحديث المشهور يترك به القياس؛ لتقديمه عليه، بخلاف ما لم يشتهر من الأحاديث، قال السرخسي (¬1): «حديث الشعبي ذكره في الكتاب أن رجلاً من جعفي زوج ابنته من عبيد الله بن الحر، ثم مات ولحق عبيد الله بمعاوية - رضي الله عنه -، فزوج الجارية إخوتها فجاء ابن الحر، فخاصم زوجها إلى علي - رضي الله عنه -، فقال علي - رضي الله عنه -: أما إنك الممالي علينا عدوانا، فقال: أيمنعني ذلك من عدلك، فقال: لا، فقضى بالمرأة له، وقضى بالولد للزوج الآخر» إلا أن أبا حنيفة، قال: الحديث غير مشهور فلا يترك به القياس الظاهر، ولو ثبت وجب القول به».
¬
(¬1) المبسوط17: 162.
الخاتمة:
توصل الباحث مما سبق لما يلي:
1. اختلاف المصطلح للحديث المشهور بين الحنفية وغيرهم، وهذا يرجع لاختلاف شروط مدرسة الحنفية في الحديث المعتمدة على القبول والعمل لا على الرجال.
2. منشأ الخلط في الحديث المشهور عند الحنفية بدأ من أصول البزدوي، حيث تبعه عامةُ كتب الأصول في تعريفه الموهم تعلّق الحديث المشهور بالرجال، في حين أن يتعلّق بالقبول والعمل.
3. وضوح ودقة الإمام السرخسي في أصوله أثناء تعريف الحديث المشهور، حيث بين أنه يعتمد على القبول العمل، وصرح بهذا في عبارات عديدة من «أصوله» و «مبسوطه».
4. اعتماد الإمام السرخسي للحكم على العديد من الأحاديث بأنها مشهور، وبالتالي نالت درجة ومكانة ألحقتها بالمتواتر، فكانت في حيزه، فرجحت على أحاديث الآحاد، كما لا حظنا هذا في المبحث التطبيقي