الجزء 1 · صفحة 1
جامعة العلوم الإسلامية العالمية ... كلية الدراسات العليا ... قسم الفقه الحنفي وأصوله
"التوضيح في حل غوامض التنقيح"
من بداية الكتاب إلى فصل الإتيان بالمأمور به أداء وقضاء
للإمام صدر الشريعة عبيدالله بن مسعود المحبوبي
"دراسة وتحقيق وتعليق"
" Al- Tawdih fi Hall Ghawamid Al - Tanqih" Starting From The Beginning of the Section of Performing Obligatory Acts Either Adaa and Qadaa to the End of Al-Ijmaa By Al-Imam Sadr al-Shari'a Ubayd-Allah bin Mas'ud Al-Mahbubi "Studying, Text Editing and Commenting"
إعداد
رامي جرادات
إشراف
الأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
قدمت هذه الرسالة استكمالا لمتطلبات درجة الماجستير في تخصص
الفقه الحنفي وأصوله في جامعة العلوم الإسلامية العالمية
الجزء 1 · صفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدِّمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمّان الأكملان على خاتم الأنباء والمرسلين، محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد؛
فإن أحكام الشريعة الغراء هي سبب سعادة العباد في الدارين الدنيا والآخرة، لما فيها من استقامة أحوال العباد على قانون واحد، مبناه الرحمة والحكمة والعدل، ولما فيها من الفوز بالثواب، واجتناب التعرض للعقاب، ولمّا كانت هذه الأحكام مستفادة من الأدلّة الشرعية الموصِلة لها، وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس؛ وجَب وجود نسبة بين تلك الأحكام وأدلتها، تكون بمثابة المقدمة الكبرى في الدليل المستدل به على حكم المسألة الفقهية المعيَّنة، فإن قولنا: الصلاة فرض في حقِّ البالغ، لأمر الله سبحانه وتعالى بها، دليل قاصر غير مكتمل لا يصلح حجة في الإثبات، فكان لا بدّ من وجود نسبة بين الدليل والحكم، وهي قولنا: الأمر يفيد الوجوب، والدليل إذا كان قطعي الدلالة والثبوت يثبت به الفرض، والبالغ أهلٌ للمخاطبة بالأحكام الشرعيّة وهو محكوم عليه. وهذه النسبة بين الدليل والحكم تسمى علم أصول الفقه، وهو أصلٌ للفقه من حيث أنه علمٌ موصِلٌ إلى الأحكام الشرعية، ومسائل هذا العلم مستعملة في الاستدلال على أحكام أفعال العباد إلى جانب الأدلة الشرعية.
وإنّ كتاب «التوضيح في حلِّ غوامض التنقيح» للإمام الفقيه الأصولي الحبر صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود بن تاج الشريعة المحبوبي من الكتب المؤلفة في أصول الفقه على الطريقة الجامعة بين مدرسة المتكلمين ومدرسة الفقهاء؛ حيث قصد المؤلف من خلال تأليفه لهذا الكتاب إلى تأسيس كتاب «أصول الفقه» لفخر الإسلام البزدوي الحنفي وتقسيمه على قواعد علم الميزان والمنطق، وتهذيبه، وترتيبه، مع إيراد زبدة مباحث «المحصول» لفخر الدين الرازي الشافعي، وزبدة مباحث «أصول» ابن الحاجب المالكي.
وقد هدفت رسالتي إلى الدراسة والتحقيق والتعليق على الثلث الأول من هذا الكتاب، من بدايته وحتى بداية «فصل المأمور به نوعان: أداءٌ وقضاء»، وقد قمت خلال هذه الرسالة بدراسة وافية لسيرة الإمام
الجزء 1 · صفحة 6
المحبوبي بما يبيِّن نشأته ومكانته العلمية ومساهماته في العلوم، إضافة إلى دراستي لصحة نسبة كتابه «التوضيح» إليه وبيان مكانته العلمية بين كتب الأصول واعتناء العلماء به.
وكذلك قمت بدراسة وافية للجزء الموكلِّ إلي تحقيقه؛ حيث قمت بتحقيق النص معتمدًا على خمس من المخطوطات إضافةً إلى مخطوطتين مساندتين لتبيين الصحيح والأصح من نُسخ الكتاب، كما قُمت بخدمة النصِّ بتفقيره وعنونته وتشكيله وترقيمه بعلامات الترقيم مرفقًا معه فهرسًا يسهِّل الوصول إلى عناوينه.
كما وأنّني لم أتوانَ عن بيان المفردات الغريبة الواردة في الكتاب، وتوثيق الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة، وآثار الصحابة الجليلة، وأقوال العلماء ومذاهبهم الواردة في الكتاب في معرض الاستشهاد، إضافة إلى التعريف بأسماء الأعلام والبلدان وذكر نبذة يسيرة عن كل واحد، والتعريف بأسماء الكتب والمراجع المذكورة في النصِّ.
إضافة إلى ما سبق، قمت بدارسة وافية لمسائل الكتاب معتمِدًا على المراجع الأصولية المعتبرة سواء في مدرسة الفقهاء أو مدرسة المتكلمين، كما وأننّي لم أتوانَ عن بيان المصطلحات الأصولية والفقهية والمنطقية واللغوية الواردة في الكتاب، ولم آلو جهدًا في بيان المسائل اللغوية والمنطقية والكلامية والعقدية والفقهية التي أوردها المصنّف في كتابه.
وبالإضافة إلى ذلك، قُمت باستقصاء جملة من المواضع التي أثرى بها الإمام المحبوبي من خلال تفرّداته واختياراته فيها علم أصول الفقه، وجمعتها في مبحثٍ خاص في فصل الدراسة في الكتاب.
وقد وقفت خلال دراساتي في هذا الكتاب المبارك على جملة من المسامحات للإمام التي أوردها خلال كتابه، واقتضى التنبيه عليها، وقد جمعت ذلك كلِّه في مبحثٍ خاص في فصل الدراسة في الكتاب.
علاوة على ذلك، قُمت بإعداد جملة من الخرائط الشجرية والرسوم التوضيحية والجداول التي تبين العديد من مسائل الكتاب.
الجزء 1 · صفحة 7
وخلال دراستي في هذا الكتاب المبارك، استفدت العديد من الاستنتاجات والدروس من العملية البحثية التي خضتها خلال الشهور الماضية، وقد تمحضت عن هذه الاستنتاجات والدروس جملة من التوصيات، أوردتها في موضعها من رسالتي هذه.
هذه أبرز الأعمال التي قدّمتها رسالتي هذه، وتوضيح كلِّ ذلك على وجه التفصيل والتمام يأتي في فصل الدراسة عن الكتاب.
مشكلة البحث:
يعتبر كتاب (التوضيح في حل غوامض التنقيح) من الكتب المهمة ذات المكانة الرفيعة في علم أصول الفقه لدى مدرسة الأصول الحنفية، وقد توارثه علماء المذهب الحنفي وطلابه جيلا بعد جيل، إلا أنه من خلال البحث والتحري وجد الباحث أن هناك جوانب لا بد من بيانها والإجابة عليها وإعادتها بشكل وعرض جديدين، ومن هنا جاءت مشكلة البحث وفق الأسئلة الآتية:
1 - ما ترجمة العالم الشخصية والعلمية: عصره، أقرانه، شيوخه، مؤلفاته، درجته في الاجتهاد؟
2 - ما الدراسة السليمة للمخطوط من حيث التعليق والتحشية والتعليقات النافعة؟
3 - ما النص الصحيح و الأكمل والأفضل للمخطوط؟
أهمية البحث:
تكمن أهمية التحقيق لهذا الكتاب في:
1 - حاجة طلاب العلم والدراسين للمذهب الحنفي خاصة والمتخصصين في العلوم الإسلامية عامة لمثل هذا الكتاب الفريد من نوعه في أصول المذهب الحنفي، ببيانه وتوضيحه وعرضه بشكل مناسب.
الجزء 1 · صفحة 8
2 - عدم استغناء الفقه الإسلامية عامة، والفقه الحنفي خاصة عن علم أصول الفقه الذي هو أصل الفقه وقاعدته، وكون هذا الكتاب من أهم كتب الأصول في المدرسة الأصولية الحنفية.
3 - حاجة الباحثين لمعرفة أصول المذهب الحنفي من حيث التأصيل وبناء المسائل والاستنباطات.
4 - حاجة طلاب العلم لهذا الكتاب مخدوما خدمة منهجية صحيحة معتمدة على المذهب الحنفي بشكل أساسي في التحشية والتعليقات الخادمة للمخطوط، للاعتماد عليها وفك غوامضها؛ بما يجعل دراسة الكتاب دراسة علمية متخصصة في المذهب الحنفي بعيدة عن التشتيت وعدم الانضباط.
أهداف البحث:
يهدف الباحث من خلال البحث إلى الآتي:
1 - التعريف بشخصية العالم ومكانته العلمية: عصره، أقرانه، شيوخه، مؤلفاته، درجته في الاجتهاد.
2 - بيان الدراسة السليمة لصاحب المخطوط من حيث التعليق والتحشية والتعليقات النافعة.
3 - إثبات النص الصحيح والأكمل والأفضل للمخطوط، وإثبات فروقه وتصحيحه والإشارة إليه.
4 - تحقيق المخطوط وتقديمه بصورة حديثة مناسبة للمكتبة الإسلامية، مظهرًا الفروع الفقهية والمسائل الأصولية بصورة أكثر وضوحًا تتلاءم والمنهج الحديث.
الدراسات السابقة:
الجزء 1 · صفحة 9
لقد وجدت بعض النسخ المطبوعة لهذا المخطوط، إلا أنني لم اطلع على أي من هذه النسخ التي من الممكن أن تعتبر دراسة علمية معمّقة للمخطوط، إذ أي منها لم تتناول المخطوط بالتعليق وتوثيق النسبة والصحة للأقوال، أو اتباع المنهج الجدلي في المناقشة، وتوضيح المسائل الأصولية والفقهية واستكمال فروعها ومعانيها من مصادرها بطريقة علمية منهجية صحيحة تراعي التأطير المدرسي والتخصُّصي للمخطوط؛ ما دفعني لتحقيق هذا المخطوط. وهذه الطبعات هي:
الأولى: طبعة دار الأرقم بن أبي الأرقم في بيروت:
مكونة من جزأين: الأول مكون من 480 صفحة، والثاني مكون من 439 صفحة، تاريخ الطباعة: 1998 م، عليها حاشية التلويح لسعد الدين التفتازاني، وحاشية فيها تخريج الآيات والأحاديث والأعلام، إلا أنها خلت عن توضيح المسائل الأصولية من المصادر المعتمدة في المدرسة الأصولية الحنفية، وعن بيان المسائل الفقهية وغريب المفردات، والاصطلاحات العلمية، كما وأنّها لم تفَّقر لفقرات مناسبة للنص.
الثانية: طبعة دار الكتب العلمية في بيروت:
ضبط وتخريج آيات وأحاديث: الشيخ زكريا العميرات، مكونة من جزأين: الأول مكون من 430 صفحة، والثاني 432 صفحة، عليها حاشية التلويح لسعد الدين التفتازاني، وحاشية فيها تخريج الآيات والأحاديث، إلا أنها خلت عن تخريج الأعلام وعن توضيح المسائل الأصولية من المصادر المعتمدة في المدرسة الأصولية الحنفية، فضلًا عن بيان المسائل الفقهية وعللها وأدلتها، أو بيان المفردات الغريبة، أو المصطلحات العلمية الدقيقة كمصطلحات الأصول والفقه واللغة والمنطق.
الثالثة: طبعة مكتبة صبيح في مصر:
مكونة من جزأين كل منهما يقع على 403 صفحة، وعليها حاشية التلويح لسعد الدين التفتازاني، وقد خلت عن تخريج الآيات والأحاديث والأعلام وعن توضيح المسائل الأصولية من المصادر المعتمدة في
الجزء 1 · صفحة 10
المدرسة الأصولية الحنفية، فضلًا عن المسائل الفقهية، وبيان المصطلحات العلمية، والمفردات الغريبة الواردة في الكتاب.
الرابعة: طبعة المكتبة العصرية:
مكونة من 423 صفحة، وعليها حاشية «التلويح» لسعد الدين التفتازاني، وحاشية فيها تخريج الآيات والأحاديث وبعض الفوائد، إلا أنها خلت عن توضيح المسائل الأصولية من المصادر المعتمدة في المدرسة الأصولية الحنفية فضلًا عن المسائل الفقهية وبيان الغريب من المفردات.
مبرِّرات إعادة التحقيق والدراسة للمخطوط:
اقتضى إعادة تحقيق الكتاب الأسباب التالية:
1 - بيان المسائل الأصولية بالاعتماد على المدرسة الأصولية الحنفية أصالةً، فضلًا عن بيان المصطلحات الأصولية والفقهية والمنطقية واللغوية، وتوثيق نسبة المذاهب إلى أصحابها.
2 - ترجمة الأعلام والبلدان، و تخريج الآيات والأحاديث، وتوضيح المسائل الفقهية من المصادر المعتمدة في المذهب الحنفي، وبيان الارتباط بين مسائل مدرسة الفقهاء الأصولية ومسائل الفقه الحنفي.
3 - بيان معتمد المسائل من عدم المعتمد، وإثراء الكتاب بالمناقشات العلمية واستكمال المسائل وتوضيحها بترابط مع الفقه الحنفي وأصوله.
4 - مقابلة الكتاب على عدد من النسخ المقبولة والمعتمدة للكتاب للتأكد من صحة النص التاريخي كلمة بكلمة وحرف بحرف.
5 - الخدمة العلمية المتكاملة للكتاب، وهي: إخراج الكتاب مخدومًا خدمة علمية موسعة مع المقابلة على خمس نسخ مختلفة وبيان نتائج المقابلة بين النسخ في هوامش الكتاب، إضافة إلى تخريج الآيات والأحاديث والأعلام والبلدان والكتب، إضافة إلى بيان المسائل الفقهية المذكورة في الكتاب مع نسبة الأقوال لقائليها وتحقيق صحة النسبة بدقة، وبيان المسائل الأصولية ومعتمدات المذهب فيها ومنهج المؤلف رحمه الله في التأليف والاختيار، مع المناقشات العلمية التي تثري النص والكتاب، إضافة إلى
الجزء 1 · صفحة 11
التفقير المناسب للكتاب، وعلامات الترقيم، والتشكيل المناسب، وبيان المصطلحات العلمية الدقيقة سواء الأصولية او الفقهية أو اللغوية او المنطقية، وبيان غريب المفردات.
منهج الباحث في إثراء الكتاب وخدمة المخطوط:
أولًا: المناهج المتبعة في البحث:
1 - المنهج الاستقرائي ويكون في:
أ استقراء دراسة الشخصية وترجمتها.
ب التعليق والتحشية: وذلك باستقراء المسائل الأصولية والفقهية من مظانها والتأكد من نسبتها وصحتها، وما يكون من بيانها واستكمال لفروعها، وما قد يرد عليها من تأملات.
2 - المنهج التحليلي وذلك في تحليل المعلومات المستخلصة من مصادرها من حيث الأهمية والفائدة وما يكون فيها صالحا للبيان، وما يكون استكمالا للمسائل، وما يكون من اعتراض.
3 - المنهج الاستنباطي في استنباط المفيد من الأقوال والمعلومات والتعليقات المستخلصة من مصادرها لإثباتها في التعليق.
4 - المنهج التاريخي (الاستردادي) في تحقيق المخطوط من تصحيح وضبط ومقابلة؛ تيسيرا لفهمه.
5 - المنهج الجدلي في مناقشة المؤلف في اختياراته واعتمادها.
ثانيًا: منهجية العمل في التحقيق:
منهج عمل الباحث في التحقيق كالآتي:
أولًا: المنهج في المقابلة والتعليق:
1 - بيان النسخ التي اعتمدت للتحقيق ووصفها، وتحديد مكانها، وعدد الأوراق، وتاريخ كتابتها، وعدد أسطرها، وغيرها من الأمور التي لها شأن في توضيح المخطوط وتوثيق مصدره، بالإضافة إلى صورة الورقة الأولى والأخيرة لكل نسخة و إثباتها عند الوصف.
الجزء 1 · صفحة 12
2 - توضيح المسائل الغامضة في المخطوطة ذات الخفاء، أو الإلغاز لشدة اختصارها، لإزالة الإبهام عن العبارات، وشرحها وتوضيحها من الكتب الفقهية المعتبرة؛ وصول الأسهل عبارة، وتثبت بالحاشية مع مراجعها.
3 - بيان وتوضيح المسائل الأصولية في الكتاب معتمدا في ذلك على كتب أصول الفقه في المذهب وحواشي الكتاب، بما يكمل المعنى ويسهله على الدارس. مع البيان لمسائل الفقه الواردة في الكتاب من مصادرها.
4 - إثبات النص الأصلح والأصح في الأعلى، وذكر الفروق الأخرى في الحاشية، فلا يتجاوز الباحث في مرحلة تمحيص المخطوط كلمة كلمة إلا بالاقتناع أنها هي الصحيحة؛ من خلال الترجيح بين النسخ واختيار الأصح، لا الاعتماد على النسخة الأم في التحقيق في الأعلى، وما سواه نثبته في الحاشية.
5 - بيان الروايات الضعيفة التي نقلها صاحب المخطوط بدون التنبيه عليها، نتيجة اعتماده على كتاب غير معتمد، مع التعليق في الحاشية بما يثبت ضعفها وعدم اعتمادها.
6 - التنبيه على عبارات التساهل في الإطلاق في المخطوط، حيث تركيب العبارة من الجانب العلمي غير صحيح؛ لكنه ليس من قبيل الخطأ؛ ولكن من قبيل التساهل في العبارات.
7 - بيان المعنى الاصطلاحي للمفردات من مصاردها الأصلية عند الحنفية؛ للوصول إلى مراد الحنفية من هذا المصطلح، وعدم الاقتصار على معرفة المعنى في اللغة، وكذا عند المدارس الفقهية الأخرى عند الحاجة.
8 - ذكر مصطلحات المؤلف في المخطوط ضمن قائمة منفردة؛ لتكون مفتاحا للقارئ في فهم المخطوط.
9 - تخريج أسماء الكتب التي ذكرها المؤلف في المخطوط؛ لأنها مصادره، سواء كانت بالواسطة أو مباشرة بكتابة اسم الكتاب، ومؤلفه، وطباعته، ومكان المخطوط إن لم يكن مطبوعا ومحققا.
10 - تخريج الأحاديث بذكر رواته من الصحابة، والكتب التي خرَّجته، وذكر الحكم من حيث الصِّحة والضَّعف من قبل كبار المُحَدِّثين، والإتيان له بالشواهد التي تقويه إن كان فيه ضعف،
الجزء 1 · صفحة 13
وتثبيت لفظ الحديث المذكور في كتب السنة إن ذكره الشارح بمعناه، واكتفيت بذكر الجزء والصفحة بدل الكتاب والباب خوف التطويل؛ لأنَّ غالبية الأحاديث غير مذكورة في الصحاح، فاحتاج إلى ذكر عدد كبير من كتب السنة الوارد فيها، فلو ذكرت الكتاب، والباب، لاستغرق تخريج كثير منها أكثر من صفحة.
11 - عنونة النصّ بالعنواين المناسبة، مع وضع العنواين المضافة من قبل الباحث بين معكوفتين لتتميز العناوين المضافة من قبل الباحث عن النص التاريخي.
ثانيًا: المنهج في التوثيق كالآتي:
1 - القيام بترميز نسخ المخطوطات بحرف، مثلا: << أ >>، << ب >>، << ج >>، ويمكن أن يكون الرمز مشيرا إلى مصدر النسخة مثل: تركيا << ت >>
2 - توثيق كل الأقوال الواردة في المخطوط لأصحابها، ويستثنى من ذلك قول الإمام أبي حنيفة وصاحبيه الإمامين: أبي يوسف، و محمد بن الحسن، وزفر بن هذيل، والحسن بن زياد؛ لأن كتب الفقه في المذهب وضعت من أقوالهم، فهي مظانها، إلا في حالة اضطراب الرأي في مسألة ما، فيتم التحري للتأكد من نسبة القول من أجل التصحيح.
3 - توثيق أقوال أئمة المذاهب: الإمام مالك بن أنس، أو الإمام الشافعي محمد بن إدريس، أو الإمام أحمد بن حنبل، فيتم توثيقه من الكتب المعتمدة لصاحب المذهب؛ للتأكد من نسبة القول وصحته وإنه معتمد مذهبه، وإن ظهر غير ذلك يتم التنبيه في الحاشية.
4 - توثيق النقل عن علماء التفسير أو الحديث أو اللغة من كتبهم، فإن كان مفقودا يوثق ممن نقل عنه؛ بشرط أن يكون متقدم على مؤلف المخطوط.
5 - وضع علامة التنصيص <<>> لكل نص في المخطوط نقل بحروفه من كتاب آخر، أو مختصرا، والتنبيه على ذلك بالقول: إنه ملخص، فيجعل في نهاية النقل ويذكر في الحاشية: انتهى من كتاب كذا، أو انتهى ملخصا من كتاب كذا، وإن كان في نهاية النص في المخطوط لفظ انتهى، يكتب في الحاشية، من كتاب كذا.
الجزء 1 · صفحة 14
6 - إذا كان الاختلاف في كلمة واحدة نضع ((علامة الحاشية)) عليها بدون وضعها بين معكوفيته هكذا: ((زيد))، وإن كان الاختلاف في كلمتين فأكثر وضعنا ((علامة الحاشية)) على معكوفتين هكذا: [].
7 - إذا سقطت كلمة أو كلمات من نسخة أو نسخ، يثبت في الحاشية ساقطة من ب، أو ساقطة من أ، ب، أو يمكن أن يعبر: زيادة في د.
8 - إذا كان الاختلاف في تركيب كلمة أو كلمات، أثبت الصحيح في الأعلى، وذكر الصور المرجوحة في الأسفل، وقال: (في. ج، د كذا)، فإذا كان الاختلاف على أكثر من صورتين أثبت الصور المرجوحة في الأسفل وقال: (في ج: كذا) وفي (د: كذا)
9 - توثيق الآيات في الأعلى ببيان اسم السورة ورقم الآية، بحيث تكون الآية بالرسم العثماني بين قوسين مزهرين، والتوثيق بين معكوفين مربعين [].
10 - تثبيت الفروق ما عدا الاختلاف في صيغ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وصيغ الترحم على العلماء والصحابة؛ لأنها في الدرجة الأولى من النساخ لا من المؤلف، بسبب التفاوت الكبير فيها بين ذكرها وحذفها. لذا سأقوم بتثبيت شكل الصلاة كالآتي (- صلى الله عليه وسلم -)، وكذا اختلاف النسخ بصيغة الترحم والترضي على من يذكر من العلماء وعدمه بذكر شكل الترضي (- رضي الله عنه -) بدون الإشارة إلى ذلك.
ثالثًا: المنهج في ترجمة شخصية المؤلف والشخصيات والأماكن:
1 - التأكد من اسمه، ونسبه، ولقبه، وكنيته، والتفريق بينه وبين الأسماء المشابهة له.
2 - التثبت من تاريخ مولده ووفاته، ونشأته، وعائلته، ورحلاته، والوظائف التي تقلدها، ومكانته العلمية، والثناء عليه.
3 - تحقيق عنوان المخطوط، وصحة نسبة المؤَلف إليه، والسبب الداعي لتأليفه.
4 - معرفة شيوخه، وتلاميذه، والطبقات التي تتلمذ عليها، والطبقات التي علماها وأخذت عنه.
الجزء 1 · صفحة 15
5 - بيان منهج المؤلف في المخطوط، وتسجيل الملاحظات وبيان صحتاها ومواءمتها لقواعد المذهب.
6 - ترجمة لجميع الأعلام التي تذكر في المخطوط، بذكر الاسم واللقب والوفاة والكتب التي ألفها كذكر ثلاث كتب على الأقل، ونسبته إليه مع توثيق رقم الصفحة والكتاب الذي اقتبس منه، مع نبذة لا تتجاوز الثلاث أسطر عن كل عالم علم من مصادر قديمة وحديثه.
7 - ترجمة الأماكن التي تذكر وقد توهم على القارئ، بالإضافة لترجمة المذاهب والفرق ببيان مذهبها، ومكانتها في الفقه أو الاعتقاد أو اللغة أو في فنها وصنعتها.
رابعًا: المنهج في التعامل مع النص:
1 - انتقاء نسخة المخطوط الأفضل والأكمل والأوضح من النسخ لتوضيح وتثبيت الفروق.
2 - تقسيم المخطوط لفقرات تتناسب مع المواضيع والمعاني.
3 - وضع علامات الترقيم والرسم الإملائي المناسب.
4 - شكل الكلمات التي تشكل على القارئ.
5 - الاعتناء بمواضع الهمزات، والشدّات المناسبة، وفق المدارس الإملائية والنحوية في مدارس اللغة العربية.
6 - توضيح بعض الكلمات التي تحتاج إلى توضيح لغوي من المعاجم؛ لكشف خفائها.
* * *
الجزء 1 · صفحة 16
الفصل الأول: دراسة المؤلف والكتاب:
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: دراسة المؤلف.
المبحث الثاني: الدراسة عن الكتاب.
الجزء 1 · صفحة 17
المبحث الأول: دراسة سيرة المؤلف:
ويشتمل على المطالب الآتية:
المطلب الأول: اسم المؤلف، ونسبه، ولقبه، وكنيته، وتمييزه عن غيره من العلماء، ووفاته ومرقده.
المطلب الثاني: الحقبة الزمنية التي عاش بها المؤلف، ومكان إقامته وسكنه.
المطلب الثالث: أسرته وشيوخه ومن تفقه عليهم وحاله في طلب العلم.
المطلب الرابع: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه.
المطلب الخامس: منهجه في التدريس والتفقيه وتلامذته.
المطلب السادس: مصنّفاته وأثره في العلوم.
الجزء 1 · صفحة 18
المطلب الأول: اسم المؤلف، ونسبه، ولقبه، وكنيته، وتمييزه، ووفاته ومرقده:
أولًا: اسمه:
ذكر صدر الشريعة اسمه في ديباجة الكتاب الذي نحن بصدده، وهو: عبيد الله بن مسعود بن تاج الشريعة، حيث قال: «فإنَّ العَبد المُتوسِّل إلى اللَّهِ تعالى بِأقوى الذَّريعة عُبَيد اللَّه بن مَسعود بن تاجِ الشَّريعة ... »، وكذا في ديباجة شرح «الوقاية» بنفس الصيغة (¬1).
وتاج الشريعة المذكور في نسبه هو: عمر بن صدر الشريعة الأكبر (¬2)، وهو غير مؤلف «الوقاية» الذي هو برهان الشريعة محمود، وقد وقع في اسم تاج الشريعة اختلافًا كبيرًا بين العلماء فمنهم من يسميه محمود ومنهم من يسميه عمر، والصواب: أنّ اسم تاج الشريعة هو عمر وهو شارح كتاب «الهداية»، وهو أخو برهان الشريعة محمود الذي هو مؤلف «الوقاية»، وقد ألّف برهان الشريعة «متن الوقاية» لابن ابن أخيه كما ذكر في مقدّمته وسماه ولده الذي هو صدر الشريعة عبيد الله، والمؤلف لمّا شرح «الوقاية» سمى برهان
¬
(¬1) ينظر: شرح الوقاية ج 2 ص 3.
(¬2) وقد سبق للدكتور صلاح أبو الحاج تحقيق ودراسة اسم تاج الشريعة دراسة مستفيضة ووافية في مقدماته على تحقيقه لـ «شرح الوقاية»، وقرّر ذات ما قرّرته هنا، مبرزًا الأدلة القاطعة على أن برهان الشريعة غير تاج الشريعة، وأن تاج الشريعة هو عمر، وبرهان الشريعة هو محمود. ينظر: شرح الوقاية ج 1 ص 29.
الجزء 1 · صفحة 19
الشريعة محمود جدّه، بعد أن ذكر أن اسمه هو عبيد الله بن مسعود بن تاج الشريعة، فكان ذكره لاسمه على هذا النحو قرب تسميته برهان الشريعة محمود جدّه إشارة إلى أن برهان الشريعة غير تاج الشريعة، إلا أنّ بعض أصحاب التراجم توهموا أن برهان الشريعة محمود هو الجد الصحيح لصدر الشريعة، والصواب: أنّ برهان الشريعة هو أخو تاج الشريعة وليس هو ذاته، وأن برهان الشريعة هو جدّ صدر الشريعة الأصغر لأمه، وتاج الشريعة جدّه لأبيه. ثمَّ إن كلٍّ من برهان الشريعة محمود وتاج الشريعة عمر هما ابنا صدر الشريعة الأكبر أحمد بن عبيد الله (¬1).
ثانيًا: نسبه:
يمتّد نسب صدر الشريعة إلى الصحابي الجليل عبادة بن الصامت، وتاليًا نسبه، وهو:
صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود بن تاج الشريعة عمر بن صدر الشريعة الأكبر أحمد بن عبيد الله بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز بن محمد بن جعفر بن هارون بن محمد بن أحمد بن محبوب بن الوليد بن عبادة بن الصامت، رضي الله عنه (¬2).
ثالثًا: لقبه:
إن الإمام المحبوبي كان قد غلب عليه لقب صدر الشريعة وبه عرف في كتب التراجم والأصول والفقه وغيرها من كتب العلوم، وهذا يظهر لكل متتبع للقبه واسمه (¬3).
وإن لقب صدر الشريعة من الألقاب التي كانت منتشرة في بلاد ما وراء النهر في ذاك العصر، وإن لم يكن عرف به سوى المؤلف وجده صدر الشريعة الأكبر، والباعث وراء إطلاق هذه الألقاب كما أشار إليه أصحاب كتب التراجم (¬4) أن أهل خراسان وبلاد ما وراء النهر قد كثر فيهم المبالغة في الترفع على غيرهم في الألقاب، كفخر الإسلام، وشمس الأئمة، وصدر الإسلام، وصدر جهان، وبرهان الشريعة، وصدر الشريعة،
¬
(¬1) ينظر: الفوائد البهية ص 109 وما بعدها، جامع الرموز في شرح النقاية ج 1 ص 10، كشف الظنون ج 2 ص 2020، سلم الوصول إلى طبقات الفحول ج 2 ص 324، وشرح الوقاية ج 2 ص 3 - 4.
(¬2) ينظر: الطبقات السنية ص 112.
(¬3) ينظر: الفوائد البهية ص 109، وكتائب أعلام الأخيار ق 292.
(¬4) ينظر: الفوائد البهية ص 239.
الجزء 1 · صفحة 20
وتاج الشريعة، وغير ذلك من الألقاب التي تظهر شأن العالم وترفعه، بخلاف مشايخ العراق الذين غلب عليهم البساطة في الألقاب ومجرد الانتساب إلى صنعة أو حرفة أو بلدة أو قرية أو قبيلة كالقدوري والحصيري والصيرمي والكرخي، وهذا في الأزمنة المتأخرة، أمّا أهل الزمان المتقدم فلم يكونوا يتخذون تلك الألقاب سواء مشايخ العراق أو مشايخ ما وراء النهر (¬1).
رابعًا: كنيته:
لم أقف في شيء من كتب التراجم على كنية له -رحمه الله تعالى-، إلاّ أنّه ذكر ابنًا له في شرحه على الوقاية باسم محمود كان قد بالغ في تأليف شرحٍ لـ «لوقاية»، فشرع الإمام في تأليف شرحه إلا أن الله تعالى توفاه قبل إتمام الإمام للشرح، ولسنا نعلم إن كان هذا الولد هو نجله أو غيره (¬2).
خامسًا: تمييزه عن غيره من العلماء (¬3):
لقب صدر الشريعة ليس من الألقاب التي اختصّ بها المؤلف دون غيره من العلماء، فلذلك لا ينبغي الاعتماد عليه وحده في تمييز المؤلف، وإن كان عند الإطلاق في كتب الحنفية يُراد به المؤلف، وربما أطلقوا عليه لقب «صدر الشريعة الأصغر» أحيانًا تمييزًا له عن أبي جده «صدر الشريعة الأكبر».
وربما أطلِق عليه أحيانًا «صاحب شرح الوقاية» أو «صاحب التوضيح»؛ لأن هذين الكتابين يعدّان من أهمّ مؤلفاته التي انتشرت في مجال الفقه وأصوله، وربما أطلِق عليه «صدر الشريعة المحبوبي» أحيانًا، فهذه جملة الألقاب التي تكون مظنّة لإرادة المؤلف رحمه الله بها.
وأمّا لقب «المحبوبي»، فلا ينبغي الاعتماد عليه في تمييزه عن غيره من العلماء إلا إذا أطلق في كتب الحنفية سواء الأصولية أو الفقهية، فغالبًا يراد به المؤلف.
سادسًا: وفاته ومرقده:
¬
(¬1) وقد سبق الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج للإشارة لهذا المعنى في مقدماته على تحقيقه لـ «شرح الوقاية». ينظر: شرح الوقاية ج 1 ص 27.
(¬2) ينظر: شرح الوقاية ج 2 ص 5.
(¬3) مجموع ما كتبته في هذا الموضع استفدته من استقراء عدد من كتب التراجم والفقه والأصول، كما سبق فضيلة الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج للإشارة لهذا المعنى. ينظر: شرح الوقاية ج 1 ص 27.
الجزء 1 · صفحة 21
ذكر اللكنوي (¬1) والكفوي (¬2) والزركلي (¬3) أنّه توفي في سنة سبعمئة وسبع وأربعين هجرية (747 هـ) (¬4)، قال اللكنوي (¬5): «مات سنة سبع وأربعين وسبعمائة ومرقده ومرقد والديه وأولاده وأجداد والديه كلها في شرع آباد ببخارا وأما جده أبو أبيه تاج الشريعة وأبو والدته برهان الدين فإنهما ماتا في كرمان ودفنا فيها».
* * *
المطلب الثاني: الحقبة الزمنية التي عاش بها المؤلف، ومكان إقامته وسكنه:
لقد عاصر المؤلف الحقبة الزمنية التي احتلّ فيها المغول بلاد ما وراء النهر وأفسدوا فيها ودمّروها، ولا سيما بخارا، إذ خرّبها جنكيز خان عام 616 هـ، قال ابن بطوطة (¬6) عنها: «كانت بخارا قاعدة ما وراء نهر جيحون من البلاد التي خربها جنكيز التتري، فمساجدها الآن ومدارسها وأسواقها خربة إلا القليل، وأهلها أذلاء، وشهادتهم لا تقبل بخوارزم وغيرها؛ لاشتهارهم بالتعصب ودعوى الباطل وإنكار الحق، وليس بها اليوم من يعلم الناس شيئا من العلم ولا من له عناية به».
وقد أعاد أوكيدي خان، وهو الابن الثالث لجنكيز خان وولي عهده، بناء بخارا، بعد أن جلس على العرش بعد أبيه سنة 624 هـ، وفي سنة 636 هـ حصلت ثورة من الشعب على المغول وطبقة الملاك، إلا أن هذه الثورة ما لبثت أن أخمِدت، وفي سنة 671 هـ احتلّ مغول فارس بخارا وأباحوا فيها لأنفسهم أعمال النهب والسلب سبعة أيام بلياليها متواصلة فانتشر فيها الخراب والدمار وساء أحوال أهلها، وقد تمّ تخريبها ثانية بعد ذلك بثلاثة أعوام على يدي الأميرين جوبه وقان، وهما من الأتراك الجغاتي، وظلت بخارا على هذا الحال من
¬
(¬1) في الفوائد البهية ص 110.
(¬2) في كتائب أعلام الأخيار ق 292.
(¬3) في الأعلام ج 4 ص 197.
(¬4) وهذا ما قرّره فضيلة الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج في مقدمات تحقيقه لـ «شرح الوقاية». ينظر: شرح الوقاية ج 1 ص 55.
(¬5) في الفوائد البهية ص 110.
(¬6) في رحلة ابن بطوطة ج 1 ص 237.
الجزء 1 · صفحة 22
الدمار والخراب سبعة أعوام لا تدبّ فيها نسمة، وفي عام 682 هـ أعاد تعميرها الأمير قيدومسعود بك وأرجع إليها سكانها الأصليين، وفي عام 716 هـ أغار عليها مغول الفرس مرة أخرى وأخرجوا معظم سكّانها منها مرغمين ووطّنوهم في إقليم جيحون (¬1).
هذا التزعزع الأمني الذي مرّت به بخارا، والاضطراب الذي عايشه سكان بخارا كما وصف ابن بطوطة جعل عائلة المحبوبي مضطّرين لمغادرة بخارا إلى كرمان التي توفي بها جدّا صدر الشريعة؛ برهان الشريعة جّده لأمه، وتاج الشريعة جدّه لأبيه، وعليه يكون المؤلف قد نشأ في كرمان. والله أعلم.
وقد دلّ كلام ابن بطوطة في «رحلته» على أن صدر الشريعة قد أقام في هرات، إلّا أنّه بقي على اتصال ببخارا فيرحل إليها أحيانًا إذا هي موطن الآباء والأجداد، وكانت وفاته فيها كما مرَّ في الكلام على وفاته، قال ابن بطوطة (¬2): «ولقيت بها ـ أي بخارا ـ الفقيه العالم الفاضل صدر الشريعة، وكان قد قدم من هرات، وهو من الصلحاء الفضلاء»
وهرات في القرن الثامن على ما قال ابن بطوطة: «أكبر المدن العامرة بخراسان، ومدن خراسان العظيمة أربع: ثنتان عامرتان، وهما: هرات ونيسابور، وثنتان خربتان وهما: بلخ ومرو، ومدينة هرات كبيرة عظيمة كثيرة العمارة ولأهلها صلاح وعفاف وديانة، وهم على مذهب الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وبلدهم طاهر من الفساد» (¬3).
أما هرات الآن: فهي المحافظة الثالثة في أفغانستان، وتقع هرات إلى الغرب من أفغانستان، وتبعد عن كابل (1042 كم)، ومنطقتها خضراء يانعة خلابة تروى من نهر هريرود اربوس (¬4).
وأما بخارا الآن: فقد قسمت بلدة بخارا عام (1924 مـ) بين جمهورية طاجيكستان وعاصمتها دوشنبة، وجمهورية أوزبيكستان وعاصتها طشقند، وجمهورية تركمانستان وعاصمتها عشقاباد، وهذه الجمهوريات
¬
(¬1) ينظر: مقدمة تاريخ بخارا ص 11، وعلماء النظاميات ص 115 - 116.
(¬2) في رحلة ابن بطوطة ج 1 ص 238.
(¬3) في رحلة ابن بطوطة ج 1 ص 245.
(¬4) ينظر: هرات تاريخها آثارها ص 9.
الجزء 1 · صفحة 23
الثلاث وقعت تحت سيطرة الاتحاد السوفيتي سابقًا، ومدينة بخارا إحدى المدن الهامة في جمهورية أوزبيكستان (¬1). (¬2)
* * *
المطلب الثالث: أسرته وشيوخه ومن تفقه عليهم وحاله في طلب العلم:
لقد ترعرع الإمام صدر الشريعة المحبوبي في أسرة علمية مرموقة عريقة النسب والمكانة، وقد وجد المؤلف عناية كبيرة منهم في تنشئته وتعليمه، لا سيما جدّه من أمّه الذي ألف «الوقاية» لكي يحفظها مختصرًا فيها مسائل «الهداية» ومخليًا لها عن الأدلة، فقد صرّح برهان الشريعة محمود أنّه ألّف الوقاية من أجل صدر الشريعة الأصغر حتى يحفظها، بعد أنّ أتمّ دراسة بعض العلوم الأخرى، ثمّ أراد أن يتّجه إلى علم الفقه، فقال في ديباجتها (¬3): «إن الولد الأعز عبيد الله صرف الله أيامه بما يحبه ويرضاه، لما فرغ من حفظ الكتب الأدبية، وتحقيق لطائف الفضل، ونكت العربية، أحببت أن يحفظ في علم الأحكام كتابا رائعًا، ولعيون مسائل الفقه راعيًا، مقبول الترتيب والنظام، مستحسنًا عند الخواص والعوام، وما ألفيت في المختصرات ما هذا شأنه، فألفت في رواية كتاب «الهداية» وهو كتاب فاخر، وبحر مواج زاخر، كتاب جليل القدر عظيم الشأن، زاهر الخطر، باهر البرهان، قد تمت حسناته، وعمت بركاته، وبهرت آياته ـ مختصرا جامعا لجميع مسائله، خاليا عن دلائله، حاويا لما هو أصح الأقاويل والاختيارات، وزوائد فوائد الفتاوى والواقعات، وما يحتاج إليه من نظم الخلافيات، موجزا ألفاظه نهاية الإيجاز، ظاهرا في ضبط معانيه، مخايل السحر ودلائل الاعجاز، موسوما بـ «وقاية الرواية بمسائل الهداية» والله المسؤول أن ينفع حافظيه والراغبين فيه عامة، والولد الأعز عبيد الله
¬
(¬1) ينظر: مقدمة تاريخ بخارا ص 14.
(¬2) ينظر في جميع ما سبق في هذا المطلب: شرح الوقاية بتحقيق الدكتور صلاح أبو الحاج ج 1 ص 25 وما بعدها.
(¬3) في شرح الوقاية ج 2 ص 4.
الجزء 1 · صفحة 24
خاصة»، وبمثل هذا صرّح صدر الشريعة في كتاب «شرح الوقاية»، بأنّ جدّه لأمه قام بتأليف متن الوقاية من أجله ليحفظه (¬1).
وقد وجدنا الإمام صدر الشريعة المحبوبي غير مقتصرًا على حفظ مسائل الفقه وحسب، بل كان ذا اهتمام كبير في تعلم دقائق العلوم وفرائده، والغوص إلى النكات الدقيقة التي لا يُبصِرها إلا من كثُر اشتغاله بالعلم وصرف نظره إليه، وقد استفاد في ذلك من جدّه، حتى قال الكفوي (¬2) عنه: «كان ذا عناية بتقييد نفائس جّده وجمع فوائده».
قال الكفوي (¬3) عن نشأته العلمية: «نشأ في حجر الفضل ونال العلى، وحمل على أكتاف فحول الفقهاء وأسود العلماء، كفل به ورباه جده، وعلمه في صباه، سعد جده وأنجح جده حتى حاز قصب السبق في الفروع والأصول، وكان فارس ميدانه في المعقول والمنقول، أخذ العلم عن جده الإمام الفاضل».
وقال أبو الحسنات اللكنوي (¬4): «غذي بالعلم والأدب وورث المجد عن أب فأب، أخذ العلم عن جده الإمام تاج الشريعة محمود بن صدر الشريعة عن أبيه صدر الشريعة عن أبيه جمال الدين المحبوبى عن الشيخ الإمام المفتى إمام زاده عن عماد الدين عن أبيه شمس الأئمة الزرنجري عن السرخسى عن الحلواني عن أبي على النسفي عن محمد بن الفضل عن السبذمونى عن أبى عبد الله بن أبى حفص الكبير عن أبيه عن محمد وكان ذا عناية بتقييد نفائس جده».
* * *
¬
(¬1) ينظر: شرح الوقاية ج 2 ص 5.
(¬2) في كتائب أعلام الأخيار ق 292.
(¬3) في كتائب أعلام الأخيار ق 292.
(¬4) في الفوائد البهية ص 109.
الجزء 1 · صفحة 25
المطلب الرابع: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه:
أولًا: مكانته العلمية:
يعدّ الإمام صدر الشريعة المحبوبي مفخرة عظيمة من مفاخر الأحناف خاصة، ومن مفاخر أهل السنّة عامّة، ومن مفاخر المسلمين على وجه أكثر عمومًا، إذ أنّ هذا الإمام قد جمَع بين تحقيق العلوم والغوص في دقائقها وعدم الاكتفاء بالظواهر من المسائل، وبين التبحّر في علوم شتّى، فقد ألفّ في الفقه كتابًا يعدّ من معتمدات المذهب الحنفي في الفقه وهو «شرح الوقاية»، وقد ألفّ في الأصول كتابًا اهتمّ به العلماء اهتمامًا كبيرًا في وضع الحواشي عليه وتدريسه وتعليمه، وقد كان من أوائل من فتحوا الطريق للتأليف على الطريقة الجامعة بين طريقة الفقهاء في التأليف في الأصول وطريقة المتكلمين، وهو كتاب «التوضيح في حلِّ غوامض التنقيح» الذي هو موضوع دراستنا وبحثنا، وقد ألفّ كتاب «الوشاح» في المعاني والبيان والذي شرح من خلاله كتاب «مفتاح العلوم» للسكاكي.
فعلى هذا يكون قد جمع الإمام بين جملة من العلوم وهي اللغة والفقه والأصول، ومن يقرأ كتابه «التوضيح» يتّضح له كم لهذا الإمام من غوصٍ عميق وفهمٍ دقيق في علم الميزان والمنطق، على أن الإمام قد أفرد علم المنطق والميزان بالتأليف ضمن كتاب سماه «تعديل العلوم»، وقد ألف في النحو «شرح الفصول الخمسين».
الجزء 1 · صفحة 26
وعلى الجملة من يقرأ أي من مؤلفات الإمام يتضّح له جليًّا أن هذا الإمام له في كلِّ فنٍّ ذراعًا إن لم يكن باعًا (¬1).
ثانيًا: ثناء العلماء عليه.
إن الناظر في كتب من ترجم للإمام ومن تكلّم عنه من العلماء ليجد العلماء متسابقين للثناء عليه وإنزاله منزلته العلمية الصحيحة، وإلقاء عبارات المدح والإطراء على ما قدّمه هذا الإمام من تدقيقات وتحقيقات غامضة بديعة لم يسبقه إليها أحد في شتّى العلوم.
قال اللكنوي (¬2): «هو الإمام المتفق عليه، والعلامة المختلف إليه، حافظ قوانين الشريعة، ملخص مشكلات الأصل والفرع، شيخ الفروع والأصول، عالم المعقول والمنقول، فقيه أصولي، خلافي جدلي، محدث مفسر نحوى، لغوى أديب نظار، متكلم منطقي عظيم القدر، جليل المحل».
وقال عنه التفتازاني (¬3): «الإمام المحقق والنحرير المدقق علم الهداية وعالم الدراية معدل ميزان المعقول، والمنقول، ومنقح أغصان الفروع والأصول صدر الشريعة والإسلام، أعلى الله درجته في دار السلام».
وقال الكفوي (¬4): «هو الإمام المتفق عليه، والعلامة المختلف إليه، حافظ قوانين الشريعة، ملخص مشكلات الفرع والأصل، شيخ الفروع والأصول، عالم المعقول والمنقول، فقيه أصولي، خلافي جدلي، محدث مفسر، نحوي لغوي، أديب نظار متكلم منطقي، عظيم القدر جليل المحل، كثير العلم يضرب به المثل، غذي بالعلم والأدب، وارث المجد عن أب فأب».
¬
(¬1) وسيأتي الحديث على مصنفاته في مطلب مستقل.
(¬2) في الفوائد البهية ص 109.
(¬3) في التلويح ج 1 ص 15.
(¬4) في كتائب أعلام الأخيار ق 292.
الجزء 1 · صفحة 27
وقال طاشكبري زاده (¬1): «كان رحمه الله بحرا زاخرا لا يدرك له قرار، وطودا شامخا لا يرتقي إلى قنته ولا يصار، ولقد كان آية كبرى في الفضل والتدقيق، وعروة وثقى في الإتقان والتحقيق، روح الله روحه، وزاد في غرف الجنان فتوحه».
وقال القاري (¬2): «عمدة العلماء وزبدة الفضلاء الجامع بين معرفة الفروع والأصول والحاوي بين طريقة المنقول والمعقول».
* * *
المطلب الخامس: منهجه في التدريس والتفقيه وتلامذته:
أولًا: منهجه في التدريس:
إن ممّا يميّز الإمام صدر الشريعة المحبوبي في التدريس أنّه يأتي للطلاب بنكات باهرة، ولطائف بديعة، وتحقيقات وتدقيقات لم يسبق إليها أحدٌ من المحققين، فإنّه لا يكتفي بظواهر المسائل، ولا بما قاله السابقون له، فلا يمرُّ عن مسألة حتّى يصِل إلى منتهى العلم بها، وغاية التحقيق لها، ولهذا نجده ينفرِد كثيرًا بتحقيقات فريدة وتدقيقات غامضة بديعة لا يسبقه إليها أحدٌ من فرسان العلوم، وتجده وقّافًا على فروق دقيقة يعجزُ أحيانًا عن حلِّها من لم يغص في دقائق العلوم، ولهذا نجد الكثير من المناقشات العلمية والأبحاث الدقيقة بينه وبين من جاء بعده من العلماء كما يظهر في الحواشي الموضوعة على «التوضيح». ويكفيك بالكتاب الذي نحن بصدده مثالًا؛ فإن العلامة التفتازاني وضع حاشيته عليه، فلم يقف أحدٌ من فرسان العلم إلا وطار إليها يبتغي التحشية والتعليق عليها وشرحها وتدريسها (¬3).
¬
(¬1) في مفتاح السعادة ج 2 ص 162.
(¬2) في فتح باب العناية ج 1 ص 34.
(¬3) ينظر: شرح الوقاية بتحقيق الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ج 1 ص 42.
الجزء 1 · صفحة 28
ولهذا فإن مصنّفاته في العلوم وإن كانت قليلة إلّا أنّ لكلٍ منها أثرًا بالغًا في العلم الذي صُنِّفت فيه، إن لم يكُن بعضها صار من معتمدات الفنون التي ألفت بها كـ «شرحه على الوقاية» و «توضيح التنقيح».
وقد وضّح منهج المؤلف في التدريس والتفقيه طاشكبري زاده فيما حكاه عن تدريسه لكتاب «الإشارات» لابن سينا، حيث حكى قصّة تبيّن كيف أن هذا الإمام حبرٌ مدقق ونحرير محقّق، لا يسلِّم إلا لما يظهر فيه جانب الصواب، ويتضّح فيه سبيل الحق، فقد حكى أن العلامة قطب الدين الرازي أراد أن يجتمع مع صدر الشريعة ويتباحث معه، فأرسل إليه بالبداية واحدًا من تلامذته وهو مبارك شاه، وقد كان من غلمان الرازي الذي ربّاه صغيرًا وعلمّه كبيرًا، وتبنّاه، فصار مشهورًا في الآفاق، ليتعرف حال صدر الشريعة وعلمه وتدريسه، فحضر مبارك شاه درس صدر الشريعة وهو يومئذٍ بهرات، والرازي بالريّ، فوجده يدرِّس كتاب «الإشارات» لابن سينا، فلا يتابع فيه المصنّف ولا واحدًا من شارحيه: لا الإمام ولا الطوسي، فكتب مبارك شاه إلى قطب الدين الرازي: أنّ الرجل نارٌ وقّادة، والإقدام ربما يورِث الملام، فعمل قطب الدين الرازي برأيه وقبل نصحه ولم يتجاسر على ما قصده (¬1).
وسيأتي في مبحث الدراسة لهذا الكتاب، بيان لمواضع تفرّد بها الإمام بتحقيقات بديعة وتدقيقات غامضة ونكات لطيفة، وفروقات لم يشر إليها من قبل سوى هذا الإمام النحرير.
ثانيًا: تلامذته:
إن الواضح من القصة التي حكاها طاشكبري زاده أن الإمام كان يشتغل بالتدريس والتفقيه، وأن له من الطلبة والتلامذة من كان يجتمع إلى مجلسه ويدرس على يديه في هرات، إلا أنّ المصادر التاريخية لم تسعفني في تسمية الكثير من تلامذته.
وإن مِمَّن ذُكِر أنّه أخذ عن صدر الشريعة وأجيز منه، أبو طاهر محمد بن محمد بن الحسن بن علي الطاهري، قال عنه اللكنوي (¬2): «كان زبدة أرباب الفتوى، وبقية أعلام الهدى، عارف أسرار الطريقة، كاشف رموز الحقيقة، فقيهًا، مناظرًا، أصوليًا، محدثًا، مفسرًا، أخذ عن صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود بن تاج
¬
(¬1) ينظر: مفتاح السعادة ج 2 ص 171.
(¬2) في الفوائد البهية ص 186 - 187.
الجزء 1 · صفحة 29
الشريعة المحبوبي وهو على جده تاج الشريعة ... وقع له الإجازة من صدر الشريعة في ذي القعدة سنة خمس وأربعين وسبعمائة في بخارا».
* * *
المطلب السادس: مصنّفاته وأثره في العلوم:
قد أشرت سابقًا في الحديث عن مكانته العلمية، أن ممَّا ميَّز الإمام صدر الشريعة المحبوبي أنّه جمَع عددًا من الفنون في آن واحد، وجمع مع هذا التدقيق والتحقيق في كلِّ علمٍ يسلكه، فمصنّفاته في كلِّ علمٍ مقبولة إن لم تكن من معتمدات تلك العلوم. يقول اللكنوي (¬1): «كل تصانيف صدر الشريعة مقبولة عند العلماء، معتبرة عند الفقهاء».
وهذه الميزة التي استطاع صدر الشريعة إحرازها عزّت على كثيرٍ من الخلق، فإن من العلماء من يجمع العلم في فنونٍ شتَّى إلا أنّه يبرز في علمٍ واحدٍ من العلوم، أمّا مثل هذا الإمام الذي تجده أصوليًا مبرَّزًا وفقيهًا محقِّقًا، ونحويًا مدقِّقًا، وكلاميًا وجدليًا ومنطقيًا وبيانيًا. فهذا عزّ في الخلق أمثاله، وقلَّ في الناس أنداده.
ومؤلفاته هي:
الأول: تعديل العلوم:
¬
(¬1) في الفوائد البهية ص112.
الجزء 1 · صفحة 30
وهو كتاب قد أراد مصنّفه من خلاله تعديل مباحث علوم زمانه، فبدأ بتعديل علم الميزان أي: المنطق، ثم ذهب يعدّل في علم الكلام، ثم ذهب إلى مباحث علم الأخلاق ومدارج السالكين، ثم ذهب إلى علم الهيئة والأفلاك، وقد ناقش -رحمه الله- في هذا الكتاب أساطين هذه الفنون كابن سينا، والفخر الرازي، والنصير الطوسي، وشمس الدين الحكيم السمرقندي وغيرهم، وله فيه انفرادات لم تمسّها من قبل عقولهم، وكشف غوامض طالما تحيّر فيها عقول الأقدمين، وأبرز قواعد لم يهتد إليها أحد من المتأخرين (¬1).
وقد نسبه إليه من ترجم له (¬2) بهذا الاسم، وقال طاشكبري زاده (¬3) في وصفه: ««تعديل العلوم» في أقسام العلوم العقلية كلها، ثم شرح هذا الكتاب بجميع أقسامه، ولقد أبدع فيها، بحيث أورد تحقيقات عجز عنها الأوائل، ولا سيما في المنطق والكلام، ويشهد بما ذكرناه من طالع ذلك الكتاب».
وقال أيضًا (¬4): «إن أردت بلوغ الغاية في المنطق فعليك بتعديل الميزان، وهو أحد أقسام «تعديل العلوم» للإمام الهمام، والحبر القمقام، فخر العلماء الأعلام، ونتيجة أسلاف الكرام، وسلالة أجداده العظام، الإمام صدر الشريعة، أكرمه الله في الدرجات الرفيعة، وهو رحمه الله كشف في هذا الكتاب عن غوامض طالما تحير فيها عقول الأقدمين، وأبرز قواعد لم يهتد إليها أحد من الأوحدين، ومع هذا فهو للعلوم الشرعية أبو عذرها وابن نجدتها».
وقال أيضًا (¬5): ««تعديل الكلام» للمولى العلام الرباني والحبر الصمداني، صدر الشريعة، أكرمه الله في الدرجات الرفيعة، وهو رحمه الله كتب كتابا سماه «تعديل العلوم»، بدأ فيه بالمنطق، ثم بالكلام، ثم أقسام الحكمة على التمام، ولعمري لقد أتى فيه بمباحث عجز عن حلها الأوائل والأواخر، تحقيقا لما قيل: كم ترك الأول للآخر».
¬
(¬1) ينظر: دار النور المبين للدراسات والنشر، نبذة الناشر عن الكتاب، في موقع neelwafurat.com، الرابط: https://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=lbb383420 - 380519&search=books، تم الوصول إلى الموقع بتاريخ: 27\7\2023.
(¬2) مثل: الفوائد البهية ص110، ومفتاح السعادة ج2 ص170، وكتائب أعلام الأخيار ق292.
(¬3) في مفتاح السعادة ج2 ص170.
(¬4) في مفتاح السعادة ج1 ص279.
(¬5) في مفتاح السعادة ج2 ص162.
الجزء 1 · صفحة 31
وقال حاجي خليفة (¬1) في وصفه: «جعله على قسمين: الأول: في الميزان: أي المنطق،
والثاني: في الكلام، ثم شرحه شرحا ممزوجا، وكشف فيه عن غوامض المباحث التي تحير فيها عقول الفحول، ورتب الكلام على سبع تعديلات بعدد آيات فاتحة الكتاب».
والصواب: أنّ الكتاب لا يشتمل فقط على القسمين اللذين ذكرهما حاجي خليفة، بل فيه تعديل علوم أخر غير علمي المنطق والكلام، ففيه تعديل علم الهيئة والفلك وعلم الأخلاق ومدارج السالكين، فإن الكتاب قد طبع حديثًا.
الثاني: شرح الفصول الخمسين:
وهو كتاب شرح المؤلف من خلاله جملة من قواعد علم النحو المذكورة في كتاب «الفصول الخمسين»، وقد نسبه إليه حاجي خليفة (¬2)، وعمر كحالة (¬3)، قال حاجي خليفة (¬4): «قال في أوله: هذه فصول ـ هذه فوائد في «شرح فصول خمسين» حررتها للولد الأعز محمود». وقال: «وهو كتاب مشتمل على مهمات هذا الفن رتبه ترتيبا بديعًا لا يتوقف فيه سابق الأبحاث على لاحقها إلا نادرًا».
و «الفصول الخمسون» في النحو ليحيى بن عبد المعطي بن عبد النور الزواوي (¬5).
الثالث: شرح الوقاية:
وهو كتاب شرح فيه المؤلف متن الوقاية الذي ألّفه له جدّه لأمه برهان الشريعة محمود، وهو من معتمدات المذهب الحنفي في الفقه، نسبه المصنّف له في ديباجته، ونسبه له من ترجم له (¬6).
¬
(¬1) في كشف الظنون ج1 ص419.
(¬2) في كشف الظنون ج2 ص1270.
(¬3) في معجم المؤلفين ج2 ص355.
(¬4) في كشف الظنون ج2 ص1270.
(¬5) ينظر: كشف الظنون ج2 ص1269.
(¬6) مثل: الجواهر المضية ج2 ص365، تاج التراجم ص203، مفتاح السعادة ج2 ص170، وكتائب أعلام الأخيار ق292، والفوائد البهية ص112.
الجزء 1 · صفحة 32
قال المؤلف في ديباجته (¬1): «فيقول العبد المتوسل إلى الله تعالى بأقوى الذريعة عبيد الله بن مسعود بن تاج الشريعة، سعد جده، وأنجح جده: هذا حل المواضع المغلقة من «وقاية الرواية في مسائل الهداية» التي ألفها جدي وأستاذي مولانا الأعظم، أستاذ علماء العالم، برهان الشريعة والحق والدين، محمود بن صدر الشريعة، جزاه الله عني وعن جميع المسلمين خير الجزاء».
الرابع: مختصر الوقاية المسمى بـ «النقاية»:
وهو مختصر لمتن «الوقاية»، حيث اختصر فيه المؤلف متن «الوقاية» الذي ألّفه جدّه لمّا رأى من قصور همم بعض طلبة العلم عن حفظ الوقاية، وهو مشهور في المذهب الحنفي باسم «النقاية»، وإن لم نكن نقف على كلام من المؤلف بتسميته بهذا الاسم.
نسبه لنفسه في ديباجة الكتاب، ونسبه له من ترجم له (¬2).
قال في ديباجة الكتاب في سبب تأليفه: «ألف جدي برهان الشريعة لأجل حفظي كتاب «وقاية الرواية في مسائل الهداية»، وهو كتاب لم يكتحل عين الزمان بثانيه في وجازة ألفاظه مع ضبط معانيه، ثم إني لما وجدت قصور همم بعض المحصلين عن حفظ «الوقاية»، اتخذت منه هذا «المختصر» مشتملًا على ما لا بد منه لطالب العلم عن حفظها، فكل من أحب استحضار مسائل «الهداية» فعليه حفظ «الوقاية» ومن أعجله الوقت فليصرف إلى حفظ هذا «المختصر» عنان العناية، إنه ولي «الهداية»» (¬3).
الخامس: الوشاح في حلِّ معاقد المفتاح
وهو كتاب في علم المعاني والبيان ألفّه المصّنف وشرح فيه كتاب «مفتاح العلوم» للسكاكي، وقد شرحه زين الدين عبد الرحمن بن أبي بكر المعروف بابن العيني في كتاب سماه «حل الوشاح في ضبط معاقد المفتاح».
¬
(¬1) في شرح الوقاية ج2 ص3-4.
(¬2) مثل: مفتاح السعادة ج2 ص170، الفوائد البهية ص110، كتائب أعلام الأخيار ق292، البدور المضية ج12 ص214، تاج التراجم ج1 ص203.
(¬3) من النقاية ص3-4.
الجزء 1 · صفحة 33
نسبه للمصنِّف كل من حاجي خليفة (¬1) وشارح الكتاب ابن العيني (¬2) وعمر كحالة (¬3) والزركلي (¬4).
السادس: «تنقيح الأصول» المشهور بالتنقيح أو متن التنقيح:
وهو متن في أصول الفقه في المدرسة الأصولية الحنفية، وهو من الكتب التي ألِّفت على الطريقة الجامعة بين مدرسة الفقهاء والمتكلمين في التأليف في أصول الفقه، فراعى فيه المصنّف قواعد علم المعقول مع عدم إخلائه عن الفروع الفقهية التي تبين المسائل الأصولية، إضافةً إلى إيراده الخلافات الأصولية مع مذهب الشافعي وما يترتب على تلك الخلافات من خلافات في الفروع، نسبه لنفسه بهذا الاسم في ديباجته، وفي ديباجة شرحه له «التوضيح في حلِّ غوامض التنقيح»، ونسبه إليه من ترجم له (¬5).
قال في ديباجة كتابه في سبب تأليفه ووصفه: «لما رأيت فحول العلماء مكبين في كل عهد وزمان على مباحثة «أصول الفقه» للشيخ الإمام مقتدى الأئمة العظام فخر الإسلام علي البزدوي بوأه الله تعالى دار السلام، وهو كتاب جليل الشأن، باهر البرهان، مركوز كنوز معانيه في صخور عباراته، ومرموز غوامض نكته في دقائق إشاراته، ووجدت بعضهم طاعنين على ظواهر ألفاظه؛ لقصور نظرهم عن مواقع ألحاظه، أردت تنقيحه وتنظيمه، وحاولت تبيين مراده وتفهيمه، وعلى قواعد المعقول تأسيسه وتقسيمه، موردا فيه زبدة مباحث «المحصول» وأصول الإمام المدقق جمال العرب ابن الحاجب، مع تحقيقات بديعة، وتدقيقات غامضة منيعة، تخلو الكتب عنها، سالكا فيه مسلك الضبط والإيجاز، متشبثا بأهداب السحر، متمسكا بعروة الإعجاز»
السابع: كتاب «التوضيح في حلِّ غوامض التنقيح»:
وسيأتي الحديث عليه مفصلًا في مبحث الدراسة عن الكتاب.
الثامن: الشروط والمحاضر:
¬
(¬1) في كشف الظنون ج2 ص2011.
(¬2) ينظر: حل الوشاح ص3+5.
(¬3) في معجم المؤلفين ج2 ص355.
(¬4) في الأعلام ج4 ص197.
(¬5) مثل: الجواهر المضية ج2 ص365، تاج التراجم ص203، مفتاح السعادة ج2 ص170، وكتائب أعلام الأخيار ق292، والفوائد البهية ص112.
الجزء 1 · صفحة 34
نسبها إليه اللكنوي (¬1) والكفوي (¬2) باسم «الشروط والمحاضر»، ونسبها إليه حاجي خليفة (¬3) باسم «شروط صدر الشريعة».
وعلم الشروط والسجلات كما وصفه طاشكبري زاده (¬4): «هو علم يبحث في كيفيّة سوق الأحكام الشرعية المتعلقة بالمعاملات في الرقاع والدفاتر ليحتجّ بها عن الحاجة إليها. وهذا باعتبار لفظه من فروع علم الإنشاء وباعتبار مضمونه وفحواه من فروع علم الفقه».
* * *
المبحث الثاني: الدراسة عن الكتاب:
ويشتمل على المطالب الآتية:
المطلب الأول: اسم كتاب «التنقيح» وصحّة نسبته للمؤلف وسبب تأليفه له.
المطلب الثاني: اسم كتاب «التوضيح»، وصحة نسبته للمؤلف، وسبب تأليفه له.
المطلب الثالث: مكانة كتاب «التوضيح بشرح التنقيح» العلمية.
المطلب الرابع: عناية العلماء بكتاب «التوضيح».
المطلب الخامس: في منهج المؤلف في تأليف «التنقيح» و «التوضيح».
المطلب السادس: ما نسبه المصنف في كتابه إلى نفسه.
¬
(¬1) في الفوائد البهية ص 110.
(¬2) في كتائب أعلام الأخيار ق 292.
(¬3) في كشف الظنون ج 2 ص 1047.
(¬4) في مفتاح السعادة ج 2 ص 557.
الجزء 1 · صفحة 35
المطلب السابع: مسامحات المصنّف.
المطلب الثامن: المصادر التي اعتمد عليها المؤلف في تأليف الكتاب.
المطلب التاسع: النسخ التي تمّ الاعتماد عليها في تحقيق الكتاب.
المطلب العاشر: نماذج من النسخ المعتمدة والمساندة.
المطلب الأول: اسم كتاب «التنقيح» وصحّة نسبته للمؤلف وسبب تأليفه له:
نسب المؤلف كتاب «تنقيح الأصول» إلى نفسه في ديباجة كتابه باسم «تنقيح الأصول»، حيث قال في ديباجة كتابه في سبب تأليفه ووصفه: «لما رأيت فحول العلماء مكبين في كل عهد وزمان على مباحثة «أصول الفقه» للشيخ الإمام مقتدى الأئمة العظام فخر الإسلام علي البزدوي بوأه الله تعالى دار السلام، وهو كتاب جليل الشأن، باهر البرهان، مركوز كنوز معانيه في صخور عباراته، ومرموز غوامض نكته في دقائق إشاراته، ووجدت بعضهم طاعنين على ظواهر ألفاظه؛ لقصور نظرهم عن مواقع ألحاظه، أردت تنقيحه وتنظيمه، وحاولت تبيين مراده وتفهيمه، وعلى قواعد المعقول تأسيسه وتقسيمه، موردًا فيه زبدة مباحث «المحصول» وأصول الإمام المدقق جمال العرب ابن الحاجب، مع تحقيقات بديعة، وتدقيقات غامضة منيعة، تخلو الكتب عنها، سالكًا فيه مسلك الضبط والإيجاز، متشبثًا بأهداب السحر، متمسكًا بعروة الإعجاز، وسمَّيته بـ «تنقيح الأصول»».
الجزء 1 · صفحة 36
وكذلك قد نسبه له جملة ممن ترجموا له (¬1)، ونسبة الكتاب إلى المؤلف ممّا استفاض العلم به ولم ينكره أحد، فإن عامة الشروح والحواشي التي وضعت عليه قد نسبوه له كما سيأتي في ذكر الحواشي التي وُضعت عليه، ولم نقف على أي اختلاف في نسبة هذا الكتاب إلى مؤلفه، فهو في نظري كباحث من جملة ما استفاض العلم به.
وبهذا يظهر صحّة تسمية الكتاب بـ «تنقيح الأصول»، وصحّة نسبته إلى المؤلف، وأنّ المؤلف ألّفه من أجل: تنقيح كتاب «أصول الفقه» للإمام البزدوي، وتنظيمه، وتبيين مراده وتفهيمه للطلبة، وتأسيسه على قواعد علم المنطق، وتقسيمه بتقسيمات فريدة بديعة لم يسبقه إليها أحد، مع ما أراد من إضافته من تحقيقات بديعة وتدقيقات غامضة لم يسبقه إليها أحد على علم أصول الفقه عامّة وأصول الفقه الحنفي خاصّةً (¬2).
المطلب الثاني: اسم كتاب «التوضيح»، وصحة نسبته للمؤلف، وسبب تأليفه له:
نسب المؤلف هذا الكتاب إلى نفسه باسم «التوضيح في حلِّ غوامض التنقيح»، حيث قال في ديباجة كتابه في سبب تأليفه ووصفه: «لما وفقني الله بتأليف «تنقيح الأصول» أردتُ أن أشرح مشكلاته، وأفتح مغلقاته، معرضًا عن شرح المواضع التي من لم يحلها بغير إطناب لا يحل له النظر في ذلك الكتاب، واعلم أني لما سودت كتاب «التنقيح»، وسارع بعض الأصحاب إلى انتساخه ومباحثته، وانتشر النسخ في بعض الأطراف، ثم بعد ذلك وقع فيه قليل من التغييرات، وشيء من المحو والإثبات، فكتبت في هذا الشرح عبارة المتن على النمط الذي تقرر عندي؛ لتغيير النسخ المكتوبة قبل التغييرات إلى هذا النمط، ثم لما تيسر إتمامه وفض بالاختتام ختامه مشتملا على تعريفات، وحجج مؤسسة على قواعد المعقول وتفريعات، مرصصة بعد ضبط الأصول، وترتيب أنيق لم يسبقني على مثله أحد، مع تدقيقات غامضة لم يبلغ فرسان هذا العلم إلى هذا الأمد ... وسمَّيت هذا الكتاب بـ «التَّوضيح في حلِّ غوامِض التَّنقيح»، واللَّه تعالى مسؤول أن يَعصِم عن الخَطأ والخَلل كلامنا وعن السَّهو والزَّلل أقلامنا وأقدامنا».
¬
(¬1) مثل: صاحب الجواهر المضية ج2 ص365، تاج التراجم ص203، مفتاح السعادة ج2 ص170، وكتائب أعلام الأخيار ق292، والفوائد البهية ص112.
(¬2) وسيأتي في هذا الفصل من دراسة الكتاب جملة من هذه التحقيقات التي تفرّد الإمام المحبوبي بإيرادها في كتابه ولم يسبقه إليها أحدٌ ممّن سبقوه في التأليف في هذا العلم.
الجزء 1 · صفحة 37
وكذلك قد نسبه له جملة ممن ترجموا له (¬1)، ونسبة الكتاب إلى المؤلف ممّا استفاض العلم به ولم ينكره أحد، فإن عامة الشروح والحواشي التي وضعت عليه قد نسبوه له كما سيأتي في ذكر الحواشي التي وُضعت عليه، ولم نقف على أي اختلاف في نسبة هذا الكتاب إلى مؤلفه، فهو في نظري كباحث من جملة ما استفاض العلم به.
وبهذا يظهر صحّة تسمية الكتاب بـ «التوضيح في حلِّ غوامض التنقيح»، وصحّة نسبته إلى المؤلف، وأنّ المؤلف ألّفه من أجل: شرح مشكلات (¬2) كتابه «تنقيح الأصول» وفتح مغلقاته.
* * *
المطلب الثالث: مكانة كتاب «التوضيح بشرح التنقيح» العلمية:
إن كتاب «التوضيح في حلِّ غوامض التنقيح» يُعدُّ من أوائل الكتب في أصول الفقه الحنفي التي ألِّفت على الطريقة الجامعة بين طريقة الفقهاء في التأليف في الأصول وطريقة المتكلمين، وقد كان سبق المصنّفَ بهذه الطريقة مظفرُ الدين ابن الساعاتي، حيث ألّف كتابه المعروف بـ «بديع النظام»، الذي جمع فيه بين كتابي «أصول الفقه» البزدوي و «الإحكام» للآمدي، ومصنّفنا -رحمه الله- قام بالجمع في كتابه بين «أصول الفقه» للبزدوي وكتاب «المحصول» للرازي وكتاب «منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل» المعروف بمختصر ابن الحاجب (¬3).
وممّا يدلنا على مكانة هذا الكتاب العلميّة عدد الحواشي والشروح التي اعتنت بهذا الكتاب، ومدى اهتمام العلماء به وتعويلهم عليه، قال المرجاني في وصفه: «إن كتاب «التنقيح» وشرحه «التوضيح» هو المعوّل عند الطلبة عليه والرجوع في الأصول إليه» (¬4).
¬
(¬1) مثل: صاحب الجواهر المضية ج2 ص365، تاج التراجم ص203، مفتاح السعادة ج2 ص170، وكتائب أعلام الأخيار ق292، والفوائد البهية ص112.
(¬2) أي: ما يُشكل.
(¬3) ينظر: كشف الظنون ج2 ص235.
(¬4) ينظر: حزامة الحواشي ج1 ص2.
الجزء 1 · صفحة 38
وقد قال التفتازاني (¬1) في وصف هذا الكتاب: «كتاب شامل لخلاصة كل مبسوط وافٍ، ونصاب كامل من خزانة كل منتخب كافٍ، وبحر محيط بمستصفى كل مديد وبسيط، وكنز مغن عما سواه من كل وجيز ووسيط، فيه كفاية لتقديم ميزان الأصول وتهذيب أغصانها، وهو نهاية في تحصيل مباني الفروع وتعديل أركانها، نعم قد سلك منهاجا بديعا في كشف أسرار التحقيق، واستولى على الأمد الأقصى من رفع منار التدقيق، مع شريف زيادات ما مستها أيدي الأفكار، ولطيف ما فتق بها رتق آذانهم أولو الأبصار، ولهذا طار كالأمطار في الأقطار، وصار كالأمثال في الأمصار، ونال في الآفاق حظا من الاشتهار، ولا اشتهار الشمس في نصف النهار.
وقد صادفت مجتازي ما وراء النهر لكثير من فضلاء الدهر أفئدة تهوى إليه وأكبادا هائمة عليه، وعقولا جاثية بين يديه، ورغبات مستوقفة المطايا لديه، معتصمين في كشف أستاره بالحواشي والأطراف، قانعين في بحار أسراره على اللآلئ بالأصداف لا تحل أنامل الأنظار عقد معضلاته ولا يفتح بنان البيان أبواب مغلقاته فلطائفه بعد تحت حجب الألفاظ مستورة وخرائده في خيام الأستار مقصورة ترى حواليها هممًا مستشرفة الأعناق، ودون الوصول إليها أعينًا ساهرة الأحداق».
* * *
¬
(¬1) في التلويح ج1 ص15-16.
الجزء 1 · صفحة 39
المطلب الرابع: عناية العلماء بكتاب «التوضيح»:
لقد أولى العلماء في كلِّ عصرٍ وزمان تلا زمان التأليف هذا الكتاب عناية فائقة بالشرح والتعليق والتحشية، لما احتوى عليه هذا الكتاب من تحقيقات غامضة وتدقيقات بديعة ولطائف لا يُدرِكها بمجرد النظر إلا متبحرٌ في علوم الفقه وأصوله، وقد أشار مصنّفه إلى هذا المعنى، وصرّح بصرف نظر المبتدئين في العلوم عن الاطلاع على كتابه أو النظر فيه، فقال: «لمَّا وفَّقنيَ اللَّه تعالى بِتأليف «تنقيح الأصول» أردتُ أن أشرَح مُشكِلاتِه وأفتَح مُغلَقاتِه مُعرِضًا عن شرح بعض المَواضِع الَّتي مَن لَم يَحُلُّها بِغير إطنابٍ لا يحِلُّ لَه النَّظر في ذلِك الكِتاب».
ولهذا اشرأبت أعناق الطلاب لحلِّ غوامض هذا الكتاب وكشف حقيقة تنقيحاته ودقائق مسائله، فأجاب هذه الرغبة جملة من العلماء بالتحشية والتعليق على هذا الكتاب ومن جملة هذه الحواشي والتعليقات التي تزين بها الكتاب:
1. حاشية عبد القادر بن أبي القاسم الأنصاري (ت نحو 820هـ)
الجزء 1 · صفحة 40
2. حزامة الحواشي لإزاحة الغواشي للمرجاني أجاب فيها على الكثير من اعتراضات التفتازاني على صدر الشريعة، ونصر صدر الشريعة فيها، وأعرض كثيرًا عمّا رآه بعيدًا عن الفقه وأصوله.
3. التلويح في كشف حقائق التنقيح للتفتازاني، وهو وإن كان اسمه دالًا على أنه شرح على «التنقيح»، لكنه في الحقيقة شرح على «التوضيح».
قال حاجي خليفة عنه: «لما كان هذا الشرح كالمتن علّقوا عليه شروحا وحواشي، أعظمها وأولاها شرح التفتازاني» (¬1). وقد ارتبط «التوضيح» و «التلويح» ارتباطًا وثيقًا فأكثر العلماء من التحشية والتعليق عليهما من ذلك:
1 - حاشية القاضي برهان الدين أحمد السيواسي المسماة بـ «الترجيج».
2 - حاشية العلامة السيد الشريف علي بن محمد الجرجاني.
3 - حاشية الشيخ علاء الدين علي بن محمد الشهير بمصنفك.
4 - حاشية المحقق المولى حسن بن محمد شاه الفناري.
5 - حاشية الملا علاء الدين علي الطوسي.
6 - حاشية المولى الفاضل محمد بن فراموز الشهير بملا خسرو.
7 - حاشية الملوي علاء الدين علي بن محمد القوشي.
8 - حاشية مصلح الدين مصطفى بن يوسف، الشهير بخواجه زاده البرسوي.
9 - حاشية محيي الدين محمد بن حسن السامسوني.
10 - حاشية الشيخ مصلح الدين مصطفى بن شعبان الشهير بالسروري.
11 - حاشية ابن البردعي.
12 - حاشية المولى الفاضل مصلح الدين مصطفى الشهير بحسام زاده العتيق.
¬
(¬1) من كشف الظنون ج1 ص496.
الجزء 1 · صفحة 41
13 - حاشية العلامة الفاضل أبي بكر بن أبي القاسم السمرقندي.
14 - حاشية الفاضل معين الدين التوني، وهي على أوائله.
15 - حاشية العلامة مولانا زاده عثمان الخطابي.
16 - تعليقة مولانا خضر شاه المتشوي.
17 - تعليقة المولى عبد الكريم، وهي على أوائله.
18 - تعليقة العلامة ابن كمال باشا.
19 - تعليقة المولى شمس الدين أحمد بن محمود المعروف بقاضي زاده المفتي.
20 - تعليقة على مباحث قصر العام من التلويح للمولى الفاضل أبي السعود بن محمد العمادي.
21 - تعليقة المولى هداية الله العلائي.
22 - تعليقة المولى يوسف بالي بن المولى يكان على أوائله.
23 - تعليقة محمد بن يوسف بالي الرومي.
24 - حاشية عبد الصمد الحسيني الطالشي.
25 - حاشسة عبد الحكيم بن محمد السيالكوتي.
26 - حاشية مصطفى بن حسين بن محمد، حسام زاده.
27 - أحمد عبد الأول القزويني السعيدي.
28 - حاشية نور محمد اللاهوري، ملا نور.
29 - حاشية العصام الاسفراييني، إبراهيم بن محمد بن عرب شاه. (¬1)
* * *
¬
(¬1) ينظر: كشف الظنون ج1 ص496، وخزانة التراث ج81 ص399 + ج15 ص618 + ج44 ص186+190 + ج24 ص793.
الجزء 1 · صفحة 42
المطلب الخامس: منهج المؤلف في تأليف «التنقيح» و «التوضيح»:
إنّ من أبرز السمات البارزة التي يمكن ملاحظتها في هذا الكتاب، هي:
1. الإيجاز في عبارة المتن: قصد المؤلف في كتابه «التنقيح» إلى تأليف متن أصولي موجز العبارة مختصر الإشارة، معرضًا عن الخوض في دقائق المسائل، وإن كان يشير إلى أدلتها، ولكن بعبارة شديدة الإيجاز والاختصار، بحيث أن غير المتبحِّر في علوم أصول الفقه لا يفهم ما يريده من عبارته، فضلًا عن غير المتخصِّص أصلًا، فكانت عبارته في «التنقيح» غاية في الإيجاز والاختصار، كما في ص227، ص137.
2. التطويل والشرح والتوضيح في عبارة «التوضيح»، دون الخوض في بديهيات العلوم: ففي كتابه «التوضيح» فإنّه كما قد أشار في مقدِّمته يشرح فيه المشكلات ويفتح فيه المغلقات، إلّا انّه يُعرِض عن شرح المصطلحات الأصولية أو الفقهية أو المنطقية أو اللغوية، التي يَفترِض الإمام المحبوبي معرفتها من كلِّ طالبٍ في مجال العلوم الشرعية، فلهذا نجد كثيرًا من المصطلحات المنطقية أو اللغوية أو
الجزء 1 · صفحة 43
الأصولية، التي يُعرِض المصنِّف عن شرحها، وقد أشار -رحمه الله- في مقدمّة كتابه إلى إعراضه عن حلِّ تلك المواضع حيث قال: « ... معرضًا عن شرح المواضع التي من لم يحلها بغير إطناب لا يحل له النظر في ذلك الكتاب»، بما يشعِر أن الإمام لم يضع كتابه لصغار طلبة العلم أو مبتدئيهم، بل وضعه للمتقدمين المجتازين لبدايات الطلب كما في ص139، ص229.
3. ترتيب الأبواب على ما يقارب ترتيب «أصول» البزدوي، فإنّه يظهر جليًّا للناظر في «أصول» فخر الإسلام البزدوي وكتاب «التوضيح»، مدى التقارب بينهما في ترتيب الفصول والمباحث والمسائل، إلّا أنّ صاحب «التوضيح» ربما أعرض عن بعض المسائل أو قدم بعضها أو أخر، أو أضاف بعض لمساته الخاصة، مع استخدامه عبارته الخاصّة في جلِّ الكتاب إن لم يكُن كلُّه في شرح مسائل الأصول وما يتفرّع عليها من آثار في الفروع الفقهية.
4. اعتداد المؤلف -رحمه الله تعالى- بنفسه، وإشارته إلى تفرّدات لم يسبقه إليها أحد، وهذا يظهر جليًّا في مسائل ربما يخالف فيها المصنّف فروق من سبقوه، ويستحدث فيها فروق جديدة، هي من وجهة نظره أكثر دقة وتمييزًا للمسائل (¬1).
5. تسامح الإمام في نسبة بعض المذاهب إلى بعض العلماء، لا سيما الإمام الشافعي، حيث يكثر النقل عنه في معرض المناقشات الأصولية بين مدرسة الأحناف الأصولية ومدرسة الأصول الشافعية (¬2).
6. قوّة تمكّنه من اللغة والمصطلحات سواء الأصولية أو الفقهية أو المنطقية، وهذا في الحقيقة ما أسعفه في تأليف «التنقيح»، فهو يشير إلى أدلة المسألة بأوجز عبارة من دون إخلالٍ بالمعنى، إلّا أن الغافل عن ملاحظة عبارته يظنّ أنّ العبارة لا تفي بالمقصود من الاستدلال، إلّا أنّه بعد التدقيق والنظر يلاحِظ كيف أن تلك العبارات الموجزة تدلّ أتمّ الدلالة على المقصود، ولكن لمن كان يفهم المعاني الكاملة للاصطلاحات والعبارات التي يستخدمها المصنّف.
¬
(¬1) وسيأتي هذا في مبحث ما نسبة المؤلف إلى نفسه.
(¬2) وقد اشرت إلى هذه المواضع من هذا الكتاب، وبينت ما صحّ نسبته إلى الإمام الشافعي، ممّا لم يصِح.
الجزء 1 · صفحة 44
7. عدم التسليم لمن سبقوه من العلماء فيما يقرِّروه من فروق أصولية أو فقهية، بل دائمًا يظهر على المؤلف نفس الباحث المدقق المحقق الذي يتأكد من كل مسألة ومن كل دقيقة، ويظهر جليَّا كيف يأتي بالنكات اللطيفة واللفتات الفريدة التي تثري العلم كما في ص183، ص335.
8. كثرة التقاسيم والتفريعات المضبوطة والدقيقة، فإن المصنّف كما أشار في مقدّمة الكتاب، أراد ان يؤسس كتاب البزدوي على قواعد علم المنطق، فلهذا نجد في كتابه هذا الكثير من التقسيمات والتفريعات التي توضح وبدقة حدود كل تقسيم من التقاسيم، كما في ص135، ص156، ص191، ص215، ص247، ص274
9. اهتمامه بالتعريفات الدقيقة الجامعة المانعة، وإن كان يُهملها أحيانًا، في ص87، ص90 - 100.
10. إطالة النفس في مناقشة المسائل المنطقية التي تم الاعتراض فيها على تعريفات الحنفية، مثل نفيه لزوم الدور من تعريف القرآن بالمكتوب في المصاحف، في ص125 - 127.
11. إطالته النفس في مسائل علم المنطق بشكل عام، كما في ص87، ص138.
12. الإكثار من مناقشة الاعتراضات الحقيقية والافتراضية، فلذلك نجده يكثر جدًا من قوله: فإن قيل، ثمَّ يجيب بعد ذلك على الاعتراض، كما في ص152، ص181، ص202.
13. الاهتمام الظاهر من المؤلف في مناقشة مدرسة المتكلمين الأصولية، وبيان مواضع الخلاف بين المدرستين، ومناقشة أدلة الفريقين، كما في ص218، ص235.
14. بيان ثمرات الخلاف في المسائل الأصولية وتوضيحها، من خلال إبراز الفروع الفقهية التي تتبع الأصول الفقهية، كما في ص218، ص322.
* * *
الجزء 1 · صفحة 45
المطلب السادس: ما نسبه المصنف في كتابه إلى نفسه:
أشار الإمام صدر الشريعة المحبوبي في بداية كتابه إلى تفرّده بطريقة ترتيبه للكتاب، وكونه أضاف إلى علم أصول الفقه في كتابه هذا الكثير من المسائل الدقيقة الخفية التي لم يسبقه إليها أحد، حيث قال: «وترتيبٍ أنيقٍ لم يسبِقني على مِثله أحَدٌ، مع تدقيقاتٍ غامضةٍ لم يبلُغ فُرسان هذا العِلم إلى هذا الأمَد».
وقد وقفت في الجزء الموكل إلي تحقيقه والتعليق عليه (¬1) على جملة من هذه التدقيقات الغامضة والتحقيقات البديعة واللطائف الدقيقة ممّا تفرّد الإمام بالسبق إليها في كتابه، وهي كالآتي:
أولًا: الجواب على الشافعية باعتبار بعض الطهر طهرٌ بأن لو كان هذا صحيحًا للزم أن تنقضي عدّة المرأة ببعض طهر من الطهر الثالث (¬2)، وهو مخالف للإجماع، حتى إنها إن طلّقت طاهرًا تعتد بما بقي من الطهر الأول ثم بطهر ثانٍ ثم ببرهة من الطهر الأخير، وقد صرّح المحبوبي بتفرده بهذا الجواب عليهم.
قال: «(على أنَّ بعض الطُّهر ليس بطُهر، وإلَّا لكان الثَّالِث كذلِك) جَوابٌ عَن سُؤالٍ مُقدَّرٍ، وهُو أن يُقال: لِمَ قُلتُم إنَّه إذا احتُسِب يَكون الواجِب طُهرَينِ وبَعضًا، بل الواجِب ثَلاثَةٌ؛ لِأنَّ بَعضَ الطُّهرِ طُهرٌ فإنَّ الطُّهرَ أدنى ما يُطلَق عَليه لَفظَ الطُّهرِ وهو طُهرُ ساعةٍ مثلًا؟
¬
(¬1) من بداية الكتاب وحتى بداية فصل «الإتيان بالمأمور به نوعان أداء وقضاء».
(¬2) وهذا الموضع موجود في صفحة 139.
الجزء 1 · صفحة 46
فنَقول في جَوابِه: إنَّ بَعضَ الطُّهرِ لَيس بِطُهرٍ؛ لِأنَّه لَو كان كذلك لا يَكون بَين الأَوَّل والثَّالِث فَرقٌ؛ فيَكفي في الثَالِثِ بَعضُ طُهرٍ؛ فيَنبَغي أنَّه إذا مَضى مِن الثَّالث شَيءٌ يَحِلُّ لها التَّزَوُّج وهو خِلافُ الإجماع، وهذا الجواب قاطِعٌ لِشُبهَة الشَّافِعيِّ -رحمه الله-، وقد تفرَّدتُ بهذا».
ثانيًا: التنبيه على عدم صحة إطلاق القول بأن «العام المخصوص بمستقل دليل فيه شبهة» (¬1)، فلا بدّ من استثناء المخصوصات بالعقل من هذه القاعدة، لأن كثيرًا من خطابات الشرع الواردة في الفرائض مخصوص منها الصبي بحكم العقل، ولا يقال أنَّ فيها شبهة حتى يكفر جاحدها، وقد صرّح المحبوبي بتفرده بهذا الفرق.
قال: «فإنَّ العُلماء قالوا: كلُّ عامٍّ خُصَّ بمُستقِلٍّ فإنَّه دليل فيه شُبهة، ولم يُفرِّقوا في هذا الحكم بين أن يكون المُخصِّص كلامًا أو غَيره.
(لكن يَجِب هُناك فَرق وهُو أنَّ المَخصوص بالعَقل يَنبغي أن يَكون قَطعيًّا؛ لأنَّه في حُكم الاستِثناء لكنَّه حَذَفَ الاستثناء معتمِدًا على العَقل على أنَّه مَفروغ عنه؛ حتَّى لا نَقول أنَّ قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} [المائدة: 6] ونظائِره دَليل فيه شبهة).
وهذا فرق تفرَّدت بذِكره، وهُو واجِب الذِّكر؛ حتَّى لا يُتوهَّم أنَّ خِطابات الشَّارع الّتي خُصَّ مِنها الصَّبيُّ والمَجنون بالعَقل دَليلٌ فيه شُبهة، كالخِطابات الوارِدة بالفرائِض؛ فإنَّه يَكفُر جاحِدها إجماعًا مع كونها مخصُوصةً عقلًا، فإنَّ التَّخصيص بالعَقل لا يُورِث شُبهة، فإنَّ كلَّ ما يُوجِب العَقل تخصيصه يُخصُّ، وما لا فلا».
ثالثًا: فرق جديد بين «أيُّ عبيدي ضربك فهو حُرٌّ» و «أيُّ عبيدي ضربته فهو حرٌّ» (¬2) من حيث إنّه في الأول لو ضربوه كلهم عتقوا، وفي الثاني لا يعتق إلا واحدًا ولو ضربوه كلهم، وقد فرّق بينهما المشايخ بأن في الأول وصف «أيّ» بالضرب، وفي الثاني قطع الوصف عنها، وقد استشكل المحبوبي هذا الفرق
¬
(¬1) وهذا الموضع موجود في صفحة 157.
(¬2) وهذا الموضع موجود في صفحة 183.
الجزء 1 · صفحة 47
وقرّر فرقًا آخر، وهو أن في الأول لا يوجد فاعلٌ يمكن التخيير منه وليس بعضهم أولى من البعض الآخر فيعتقون كلّهم، بينما في الثاني وجد فاعل يمكن التخيير منه، وقد صرّح المحبوبي بتفرده بهذا الفرق.
قال: «(وهُنا فرق آخر، وهو: أنَّ «أيًّا» لا يتَناول إلَّا الواحِد المنكَّر، ففي الأوَّل:) أي: في قوله: «أيُّ عبيدي ضرَبك فهُو حرٌّ» (لما كان عِتقه) أي: عِتق الواحِد المُنَكَّر (مُعلَّقًا بضَربه مع قَطع النَّظَر عَن الغَير فيَعتِق كُلُّ واحِدٍ باعتِبار أنَّه مُنفرِد فحينئذٍ لا تَبطُل الوِحدة، ولو لم يثبُت هذا) أي: عِتق كلِّ واحِد. (وليس البَعض أولى من البَعض، يبطُل) أي: الكلام (بالكُلِّيَّة.
وفي الثَّاني:) وهو قوله: «أيُّ عبيدي ضرَبتَه» (يثبُت الواحِد، ويتَخَيَّر فيه الفاعِل) إذ هُنا يُمكِن التَّخيير مِن الفاعِل المُخاطَب بخِلاف الأوَّل.
(ونحو: «أيُّما إهاب دُبِغ فقَد طهُر») هذا نظير الأوَّل؛ فإنَّ طهارَته مُتَعلِّقة بدِباغَته مِن غير أن يكون له فاعِل مُعيَّن يُمكِن مِنه التَّخيير فيدلُّ على العموم.
(ونحو: «كُل أيَّ خُبزٍ تُرِيد») هذا نظير الثَّاني فإنّ التَّخيير من الفاعِل المُخاطَب مُمكِن هاهُنا، فلا يتَمكَّن مِن أكل كُلِّ واحِد، بل أكل واحِد، لكِن يتَخيَر [فيه المخاطَب]، ومِثل هذا الكَلام للتَّخيير في العُرف».
وقال: «وهذا الفرق والفرق الأخير في «أيّ» ممّا تفرّدت بذكره».
رابعًا: تفريقه بين «مَن شاء مِن عبيدي عِتقه فهو حرٌّ» و «مَن شئت مِن عبيدي عِتقه فاعتقه» (¬1)، من حيث إنّ في الأول يعتق كل واحد إن شاءوا جميعهم العتق، وفي الثاني له أن يعتقهم كلُّهم إلا واحدًا على مذهب الإمام خلافًا للصاحبين.
والفرق: أنّ في كِلا المسألتين يجب مراعاة عموم «مَن» والتبعيض في «مِن»؛ ففي المسألة الأولى كُلُّ واحِدٍ منهم بعضٌ بالنسبة للآخرين فالتبعيض متحقِّقٌ ولو شاءوا جميعًا، وفي المسألة الثانية التبعيض متعلِّقٌ بمشيئة المُعتِق، فلو شاءهم كُلُّهم انتفى التبعيض، وقد صرّح المحبوبي بتفرده بهذا الفرق.
¬
(¬1) وهذا الموضع موجود في صفحة 185.
الجزء 1 · صفحة 48
قال: «لِأنَّ «مِن» للتَّبعيض إذا دخل على ذي أبعاض، كما في «كُل مِن هذا الخُبز»، ولأنَّه مُتَيَقَّن) أي: البَعض متيقّن؛ لأنَّ «مِن» إذا كان للتَّبعيض فظاهِرٌ، وإن كان للبَيان فالبَعض مُرادٌ، فإرادة البَعض مُتَيَقَّنة وإرادة الكُلِّ مُحتَمَلة، (فوَجَب رِعاية العُموم والتَّبعيض.
وفي المَسألة الأولى: هذا مُراعى؛ لأنَّ عِتق كُلٍّ مُعلَّق بمشيئته مع قطع النَّظر عَن غيرِه فكلُّ واحِدٍ بهذا الاعتِبار بعضٌ) أي: كلُّ واحِدٍ مَع قَطع النَّظر عن غيره بعضٌ [في المجموع]، فيَعتِق كُلُّ واحِدٍ مع رِعاية التَّبعيض، بخِلاف «مَن شئت» فإنَّ المُخاطب إن شاء الكُلَّ فمشيئة الكُلِّ مُجتَمِعة فيه فيَبطُل التَّبعيض، وهذا الفرق والفرق الأخير في «أيّ» ممَّا تفرَّدتُ به».
خامسًا: التفريق بين «من دخل هذا الحصن أوّلًا» و «كلّ من دخل هذا الحصن أولًا» بفرق جديد لم يسبقه إليه أحد (¬1)، وهو أن: «من دخل هذا الحصن أوّلًا» عموم على سبيل البدل فيصحّ فيه إرادة الواحد، ولكن لمّا دخل عليه «كلّ» اقتضى عمومًا آخر، أي كأنه صار «كلّ أولٍ له نفل كذا»، فاقتضى ذلك تعدد الأوائل.
قال: «(فإن قال: كُلُّ مَن دخَل هذا الحِصن أوَّلًا فله كذا، فدخَل عشرة معًا يستَحِقُّ كُلُّ واحدٍ [نفلًا تامًا]؛ إذ في كُلِّ فردٍ قطْعُ النَّظر عن غيره، فكُلُّ [واحِدٍ] أوَّل بالنِّسبة إلى المُتَخلِّف بخِلاف «مَن دخَل أوَّلًا»، وهاهُنا فرقٌ آخر، وهُو: أنَّ «مَن دخَل أوَّلًا» عامٌّ على سبيل البَدل فإذا أضاف الـ «كُلَّ» إليه اقتَضى عُمومًا آخَر لئلّا يلغو، فيقتَضي العَموم في الأوَّل فيتَعدَّد الأوَّل).
وهذا الفرق قد تفرَّدتُ به أيضًا، وتحقيقه: أنَّ الأوَّل: عِبارة عن الفَرد السَّابِق بالنِّسبة إلى كلِّ واحِد مِمَّن هُو غيره، ففي قوله: «مَن دخَل هذا الحِصن أوّلًا» يُمكن حَمل الأوَّل على هذا المعنى، وهو مَعناه الحَقيقيُّ أمَّا في قوله: «كُلُّ مَن دخَل أوَّلًا» فلَفظ «كُلُّ» دخَل على قوله: «مَن دخَل أوَّلًا» فاقتضى التَّعدُّد في المُضاف إليه وهو «مَن دخَل أوَّلًا» فلا يُمكِن حَمل الأوَّل على معناه الحَقيقيِّ؛ لأنَّ الأوَّل الحَقيقيَّ لا يكون مُتعَدِّدًا، فيُراد معناه المجازيُّ، وهو: السَّابق بالنِّسبة إلى المُتخَلِّف».
¬
(¬1) وهذا الموضع موجود في صفحة 186 - 187.
الجزء 1 · صفحة 49
سادِسًا: الردّ على استدلال مجوزي استعمال المشترك في معنييه في آن واحِد بقوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب: 56] (¬1)، وقد ردّ عليهم: بأنّ الصلاة يُراد بها معنى واحِد وهو الدعاء، وأن تفسير المفسرين للازم هذا الدعاء لكل مذكورٍ بالآية بحسب مقامه.
قال: «والجواب الصَّحيح لنا: أنَّ في الآية لم يُوجَد استِعمال اسم المُشتَرك في أكثر مِن معنى واحِد؛ لأنَّ سِياق الآية لإيجاب اقتِداء المُؤمنين باللَّه تعالى، وملائكته في الصَّلاة على النَّبيِّ -عليه السّلام- فلا بُدَّ مِن اتِّحاد معنى الصَّلاة مِن الجَميع؛ لأنَّه لو قيل: إنَّ اللَّه تعالى يَرحم النَّبيَّ والملائكة يستَغفِرون له يا أيَّها الَّذين آمنوا ادعوا له، لكان هذا الكَلام في غاية الرَّكاكة، فعُلم أنَّه لا بُدَّ مِن اتِّحاد معنى الصَّلاة سواء كان معنى حقيقيًّا أو معنى مجازيًّا، أمَّا الحَقيقيُّ فهو الدُّعاء.
فالمُراد -واللَّه أعلَم-: أنَّ اللَّه تعالى يدعو ذاتَه بإيصال الخَير إلى النَّبيِّ -عليه السَّلام-، ثمَّ مِن لوازِم هذا الدُّعاء الرَّحمة، فالَّذي قال: إنَّ الصَّلاة مِن اللَّه تعالى الرَحمة فقد أراد هذا المعنى لا أنَّ الصَّلاة وُضِعَت للرَّحمة كما ذُكر في قوله تعالى: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] أنّ المحبَّة مِن اللَّه إيصال الثَّواب، ومن العَبد الطاعة، ليس المراد أنَّ المحبَّة مُشتَركة من حيث الوَضع، بل المُراد أنَّه أراد بالمحبَّة لازِمها، واللَّازِم مِن اللَّه تعالى ذلك، ومن العَبد الطَّاعة.
وأمَّا المَجازيَّ فكإرادة الخَير ونحوها ممَّا يليق بهذا المَقام ثُمَّ إن اختَلَف ذلك المعنى لأجل اختِلاف المَوصوف فلا بأس بِه، فلا يكون هذا من باب الاشتِراك بحَسب أصل الوَضع، ولمَّا بيَّنوا اختِلاف المعنى باعتِبار اختِلاف المُسنَد إليه يُفهَم مِنه أنَّ معناه واحِد، لكنَّه يَختَلِف بحَسَب اختِلاف المَوصوف لا أنَّ معناه مُختَلِف وضعًا، وهذا جواب حسَنٌ تفرَّدتُ به».
سابعًا: الاستدلال بوجهين لكون حمل قول الإنسان «هذا حرٌ أو هذا وهذا» لعبيده الثلاثة على عتق الأخير والتخيير في الأولين كأنه قال: «أحد هذين حرٌّ وهذا حرّ» أولى من حمله على التخيير بين الأول والأخيرين كأنه قال: «هذا حرٌ أو هذان» (¬2).
¬
(¬1) وهذا الموضع موجود في صفحة 202 - 204.
(¬2) وهذا الموضع موجود في صفحة 283 - 284.
الجزء 1 · صفحة 50
قال -رحمه الله-: «ولو قال لعبيده الثَّلاثة: «هذا حُرٌّ أو هذا وهذا» يعتِق الثَّالِث ويُخَيَّر في الأوَّلَين، كأنَّه قال: «أحدُهُما حُرٌّ وهذا») يُمكِن أن يكون معناه: «هذا حُرٌّ أو هذان» فيُخَيَّر بَين الأوَّل والأخيرين، لكِن حملُه على قولِنا «أحدُهُما حُرٌّ وهذا» أولى لوَجهَين:
الأوَّل: أنَّه حينئذٍ يكون تقديره «أحدُهُما حُرٌّ وهذا حُرٌّ»، وعلى ذلِك الوَجه يكون تقديره «هذا حُرٌّ أو هذان حُرَّان»، ولَفظ «حُرٌّ» مذكور في المَعطوف علَيه لا لفظ «حُرَّان» فالأولى أن يُضمَر في المَعطوف ما هُو مذكور في المَعطوف علَيه.
والثَّاني: أنَّ قولَه «أو هذا» مُغَيِّر لمَعنى قَولِه «هذا حُرٌّ» ثُمَّ قوله «وهذا» غَير مُغَيِّر لِما قَبله؛ لأنَّ الوَاو للتَّشريك فيَقتَضي وُجود الأوَّل فيَتَوَقَّف أوَّل الكَلام على المُغَيِّر لا على ما لَيس بِمُغَيِّر فيثبُت التَّخيير بَين الأوَّل والثَّاني بِلا توَقُّف على الثَّالِث، فصار معناه: «أحدُهُما حُرٌّ» ثُمَّ قَولُه: «وهذا» يكون عطفًا على أحدِهِما، وهذان الوَجهان تفرَّد بِهِما خاطري».
ثامنًا: بيان علاقة الجزئية بين المباح والواجب، وكيف أن لكل واحدٍ منهما جزأين، وأن أحد جزأي المباح هو ذاته أحد جزءي الواجب، وهو: جواز الفعل، وأنّك إذا أردت هذا الجزء في الواجب دون الجزء الآخر الذي هو حرمة الترك، تكون قد أردت المباح، من حيث أنّ جزأي المباح هما جواز الترك مع جواز الفعل، فأنت عندما أردت من الواجب جواز الفعل فقط، يثبت ضمنًا جواز الترك، لا أنّك قصدته من الواجب؛ لأن الواجب منافٍ لجواز الترك، فبيانه لعلاقة الجزئية هذه لم يمسّه إلا خاطره كما وصفه.
قال-رحمه الله-: «(والأصَحُّ الثَّاني) وهو إطلاق اسم الكُلِّ على الجُزءِ؛ لِأنَّا سلَّمنا أنَّ الإباحة مُبايِنةً لِلوُجوب، فإنَّ معنى الإباحة: جَواز الفِعل وجواز التَّرك، ومعنى الوُجوب: جَواز الفِعل مع حُرمة التَّرك.
لكِنَّ معنى قولِنا «أنَّ الأمر للإباحة» هو أنَّ الأمر يدُلُّ على جُزءٍ واحِدٍ مِن الإباحة وهو جَواز الفِعل فقَط، لا أنَّه يدُلُّ على كِلا جُزأيه؛ لِأنَّ الأمر لا دلالة له على جواز التَّرك أصلًا، بل إنَّما يثبُت جَواز التَّرك بِناءً على أنَّ هذا الأمر لا يدُلُّ على حُرمة التَّرك الَّتي هي جُزءٌ آخَرُ لِلوُجوب فيَثبُت جَواز التَّرك بِناءً على هذا الأصل، لا بِلَفظ الأمر.
الجزء 1 · صفحة 51
فجَواز الفِعل الَّذي يثبُت بِالأمر جُزءٌ لِلوُجوب فيَكون إطلاق لفظ الكُلِّ على الجُزء، وهذا معنى قوله: (لأنّ الأمر دلّ على جواز الفعل الّذي هو جزؤهما، لا على جواز التّرك الّذي به المباينة، لكن يثبت ذا لعدم الدّليل على حرمة التّرك الّتي هي جزء آخر للوجوب). وهذا بحثٌ دقيقٌ ما مسَّه إلَّا خاطِري».
* * *
المطلب السابع: مسامحات المصنّف:
إن الله سبحانه وتعالى قد أبى أن يكون الكمال إلّا له، فتفرّد سبحانه بصفات الكمال والجلال، وتنزّه عن النقصان، وقد أبى سبحانه في جميع ما عداه من مخلوقاته أن يتَّصِفوا بالكمال، وقد عصَم أنبياءه الكرام -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- عن الذنوب والمعاصي، وعن سوء التبليغ للرسالات صونًا منه سبحانه وتعالى لرسالاته عن أنّ تبلّغ لعباده على غير الوجه الذي يريده، والعلماء ورثة الأنبياء، إلّا أنَّ خطأ عالم هنا أو هناك ليس بضائرٍ هذا الدين، فلم يكُن العلماء على قلب رجلٍ واحدٍ في إصابة الحق والصواب، بل كان منهم من يقع في الأخطاء والزلات والغلطات فلم يكُن أحدٌ منهم إلّا يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (¬1)، وإنّنا إذا نحسِّن الظنّ في الإمام صدر الشريعة المحبوبي -أسكنه الله فسيح جناته وتغمده سبحانه بواسع رحماته- لنلتمس له العذر والمسامحة على بعض المواضع التي هي موضع نظر وبحث.
أولًا: بناء مسألة فقهية:
¬
(¬1) روى الطبراني في المعجم الكبير ج11 ص339 عن ابن عباس رضي الله عنه قال: «ليس أحد إلا يؤخذ من قوله ويدع غير النبي صلى الله عليه وسلم».
الجزء 1 · صفحة 52
ذكر المصنّف أنَّ أقل المهر كان تقديره بطريق الرأي والقياس على نصاب السرقة (¬1)، قال المصنّف -رحمه الله-: «ولمَّا لم يُبيِّن ذلِك المَفروض، قدَّرناه بطَريق الرَّأي والقِياس بشيءٍ هو مُعتبرٌ شرعًا في مِثل هذا الباب، أي: كَونه عِوضًا لبَعض أعضاء الإنسان وهو عَشرة دراهِم؛ فإنَّه يَتعلَّق بها وجُوب قَطع اليد».
وهذا القياس على نصاب السرقة موضع بحث، ولا أقصد أنّ ذات القياس موضع بحث، بل أقصد أن استعمال القياس في إثبات أقلّ المهر موضع بحث، فإن كُلًّا من الإمام الكاساني وحسام الدين الرَّازي والجصاص لما استدلَوا على وجوب تقدير أقل المهر وساقوا ما فيه من الآثار عن الصحابة -رضوان الله عليهم- قرَّروا أن مقدار المهر مما لا مساغ فيه للاجتهاد والرأي وأن ما كان هذا حاله فأقوال الصحابة فيه محمولة على الرفع إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم-، قال الرازي: «وهذا لا يعرف إلا توقيفًا، فصار كالمسموع» (¬2)، وقال الكاساني: «والظاهر أنهم قالوا ذلك توقيفًا؛ لأنه باب لا يوصل إليه بالاجتهاد والقياس» (¬3)، وقال الجصاص تعليقًا على الأثر المروي عن علي في ذلك: «ولا سبيل إلى معرفة هذا الضرب من المقادير التي هي حقوق الله تعالى من طريق الاجتهاد والرأي، وإنما طريقها التوقيف أو الاتفاق؛ وتقديره العشرة مهرا دون ما هو أقل منها يدل على أنه قاله توقيفا» (¬4).
على أن عبارة المرغيناني تدلّ على تقديره بعشرة دراهم بطريق القياس، قال في «الهداية» (¬5): «فيتقدّر بما له خطر وهو العشرة استدلالًا بنصاب السرقة»، وقال في «المبسوط» (¬6): «وعلى هذا نصاب السرقة يدخله التقدير بالاتفاق؛ لأنه يستباح به ما لا يستباح بالبدل فكذلك الصداق».
أما عبارة «المبسوط» فيُمكن حملُها على أنَّ القياس في أصل التقدير لا في تقديره بالعشرة دراهم، بمعنى أن علّة دخول التقدير في نصاب السرقة هو أنه مالٌ بدل عن النفوس، وكذلك الصداق مثله من حيث إنّه بدلٌ عن النفس وكذلك هو مثل الدية والزكاة من حيث إنه مال مفروض من قبل الشارع، فلذلك وجب أن
¬
(¬1) وهذا الموضع موجود في صفحة 142 من هذا الكتاب.
(¬2) انتهى من خلاصة الدلائل ج 3 ص 58.
(¬3) انتهى من بدائع الصنائع ج 2 ص 276.
(¬4) انتهى من أحكام القرآن ج 2 ص 177.
(¬5) ج 1 ص 199.
(¬6) ج 26 ص 81.
الجزء 1 · صفحة 53
يكون مقدّرًا، فيكون تقدير عبارة المَبسوط: «فكذلك الصَداق يدخله التقدير»، وليس تقديره: «فكذلك الصداق مقدّرٌ بعشرة دراهم».
بينما يفهم من عبارة الهداية: أن شرف المحل يُوجب أن يكون بدله مقدرًا بمالٍ له خطر يصلح أن يكون بدلًا في النفوس، وقد وجدنا العشرة دراهم مقابِلة لعضو محترم من أعضاء الإنسان، فلمَّا وجدناه له خطر من حيث إنه قابل عضوًا محترمًا؛ جعلنا مثله مقابِلًا للبضع لا أقل منه، وقد شرح هذا القياس ابن الهمام في «فتح القدير» تعليقًا على عبارة «الهداية»، فقال: «وتقرير المصنف في تقدير المهر قياس حاصله أن المهر حق الشرع بالآية، وسببه إظهار الخطر للبضع على ما تقدم، ومطلق المال لا يستلزم الخطر كحبة حنطة وكسرة، وقد عهد في الشرع تقدير ما يستباح به العضو بما له خطر وذلك عشرة دراهم في حد السرقة فيقدر به في استباحة البضع» (¬1)، ثمّ استدرك عليه، فقال: «وهذا من رد المختلف فيه إلى المختلف فيه، فإن حكم الأصل ممنوع؛ فإنهم لا يقدرون نصاب السرقة بعشرة، وأيضًا المقدر في الأصل عشرة مسكوكة أو ما يساويها، ولا يشترط في المهر ذلك، فلو سمى عشرة تبر تساوي تسعة مسكوكة جاز» (¬2)، ثمّ وجّه عبارة «الهداية»، فقال: «اللهم إلا أن يجعل استدلالًا على أنَّه مقدّر خلافًا للشافعي في نفيه» (¬3)، وهذه الطريقة في توجيه عبارة الهداية -إن صحّت- تجعل العبارة موافقة لعبارة «المبسوط» وما ذكره كلٌّ من الكاساني والرازي والجصاص من عدم دخول الرأي والقياس في تقدير المهر.
ثمَّ إن الجصاص عقِب ما قرّر أن تقدير المهر مما لا يدخله القياس أشار إلى تقديره بالقياس من بعض مشايخ المذهب، فقال: «وقد احتج بعض أصحابنا لاعتبار العشرة أن البضع عضو لا تجوز استباحته إلا بمال فأشبه القطع في السرقة، فلما كانت اليد عضوا لا تجوز استباحته إلا بمال وكان المقدار الذي يستباح به عشرة على أصلهم، فكذلك المهر يعتبر به» (¬4)، ونسبة هذا القياس إلى بعض المشايخ من الجصاص دون أن يقرره ويتبناه تشير إلى ما ذكرت من أنه موضع بحث، فليتأمل.
¬
(¬1) انتهى من فتح القدير ج4 ص320.
(¬2) انتهى من فتح القدير ج4 ص320.
(¬3) انتهى من فتح القدير ج4 ص320.
(¬4) انتهى من «أحكام القرآن» ج2 ص177.
الجزء 1 · صفحة 54
وحاصل المسألة: أنّي أردتُ أنّ أبيِّن لك أن هذا القياس موضع نظر وبحث، فتنبَّه له (¬1).
وليعلم: أنّه يتفرع على كون القياس في ذاته صحيحًا، وإن كان مثل هذا الباب لا يدخله القياس، أنّ هذا القياس يصلح للتأكيد، وإن لم يكن يصلح للتأسيس.
ثانيًا: تفسير آية:
لم يستبعد المصنّف -رحمه الله- أن يكون معنى السجود المذكور في قوله تعالى: {َألَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ} [الحج: 18]، هو السجود المعهود الذي هو وضع الجبهة على الأرض (¬2)، حتى يكون مضافًا إلى الجمادات، ولم يستبعد أن تكون هذه الجمادات تضع جباهها على الأرض تعظيمًا لله تعالى، بل وشدّد النكير على من يحكم باستحالة هذا المعنى من الجمادات وجعله من جملة المنكرين لخوارق العادات، حيث قال -رحمه الله-:
«وتمسَّكوا أيضًا بقوله تعالى: {َألَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ} [الحج: 18] الآية حيث نَسَب السُّجود إلى العُقلاء وغيرِهِم كالشَّجر والدَّوابِّ، فما نُسِب إلى غير العُقلاء يُراد بِه الانقياد لا وضع الجبهة على الأرض، وما نُسِب إلى العُقلاء يُراد بِه وضع الجَبهة على الأرض؛ فإنَّ قوله تعالى: {وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ} [الحج: 18] يدُلُّ على أنَّ المُراد بالسُّجود المَنسوب إلى الإنسان هو وضع الجبهة على الأرض، إذ لو كان المُراد الانقياد لما قال: {وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ} [الحج: 18] لأنَّ الانقياد شامِل لجميع النَّاس.
أقول: تمسُّكهم بهذه الآية لا يتِمُّ إذ يُمكِن أن يُراد بالسُّجود الانقياد في الجَميع، وما ذكروا أنَّ الانقياد شامِلٌ لجميع النَّاس باطِلٌ؛ لأنَّ الكُفَّار لا سِيَّما المتَّكبِرين مِنهم لم يمسُّهم الانقياد أصلًا، وأيضًا لا يَبعُد أن يُراد بالسُّجود، وضع الرَّأس على الأرض في الجميع، ولا يحكم باستِحالتِه مِن الجَمادات إلَّا مَن يحكُم باستِحالة التَّسبيح مِن الجَمادات، والشَّهادة مِن الجَوارح والأعضاء يوم القيامة، مع أنَّ مُحكَم التَّنزيل ناطِق بهذا.
وقد صحَّ أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- سمِع تسبيح الحَصا، وقوله تعالى: {وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44] يُحقِّق أنَّ المُراد هو حقيقة التَّسبيح لا الدَّلالة على وحدانيَّة اللَّه تعالى؛ فإنَّ قولَه تعالى: {وَلَكِن لَّا
¬
(¬1) ينظر: البناية شرح الهداية ج 9 ص 133.
(¬2) وهذا الموضع موجود في صفحة 204 - 206 من هذا الكتاب.
الجزء 1 · صفحة 55
تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44] لا يليق بِهذا، فعُلِم أنَّ وَضع الرَّأس خضوعًا للَّه تعالى غير مُمتَنِع مِن الجمادات، بل هو كائنٌ لا يُنكِره إلَّا مُنكِر خوارِق العادات».
وتفسيره سجود الجمادات بوضع الرأس خضوعًا لله تعالى بعيد خارجٌ عن المشاهد المحسوس، فإنّ ربنا سبحانه وتعالى يقول {َألَمْ تَرَ} [الحج: 18] ولا أحد منّا رأى شجرًا أو حجارة تضع جباهها على الأرض فضلًا عن أن يكون لهذه الجمادات رؤوسًا أو جباه، والمفسرين منهم من فسّر سجود الجمادات بظلالها كما قال تعالى: {يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِّلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ} [النحل: 48]، ومنهم من وكَل علمه إلى الله وقال إنّه سجود لا نقف عليه وعلى هذا التفسير يكون معنى الرؤية المذكور في الآية في قوله تعالى {َألَمْ تَرَ} [الحج: 18] رؤية القلب والعقل لا رؤية العين، ومنهم من فسّر سجود الجمادات بخضوعها لإرادة التكوين والتسخير، فتشديد المصنّف -رحمه الله- الخطاب على من يُنكر وضع المذكورات رؤوسًا على الأرض وعدّه من منكري خوارق العادات فيها مسامحة منه، سيما أن المذكورات لا رؤوس لها، وقد نبّه لهذا المعنى الذي ذكرت التفتازاني في حاشيته (¬1).
ثالثًا: البناء الأصولي للمسائل:
1. في سياق استعراض المصنّف للأسباب الداعية إلى استخدام المجاز، ذكر من جملة الأسباب أن في المجاز زيادةً للبيان عن الحقيقة (¬2)، من حيث إنّ ذكر الملزوم في الاستعارة بيّنة على وجود اللازم، وعلى هذا قرّر أنّ استعمال المجاز يكون دعوى الشيء بالبينة، واستعمال الحقيقة دعوى بغير بينة، قال -رحمه الله-:
«(أو زيادة البيان) أي: اختِصاص مَعنى المَجاز بزيادة البَيان فإنَّ قولَك: «رأيتُ أسدًا يرمي» أبيَنُ في الدَّلالة على الشَّجاعة مِن قولِك: «رأيت شُجاعًا» (فإنَّ ذِكر المَلزوم بيِّنةٌ على وُجود اللَّازِم)، وفي المَجاز أُطلِق اسم المَلزوم على اللَّازِم، فاستِعمال المَجاز يكون دعوى الشَيءِ بالبَيِّنة، واستِعمال الحَقيقة يكون دعوى بِلا بيِّنة».
¬
(¬1) ينظر: تفسير الطبري ج16 ص487، تفسير القرطبي ج12 ص24، تفسير النسفي ج2 ص432، التلويح ج1 ص160.
(¬2) وهذا الموضع موجود في صفحة 255 من هذا الكتاب.
الجزء 1 · صفحة 56
وكون الدعوى بصورة المجاز بيّنة دون الحقيقة غير صحيح، فإن اللفظ في الحقيقة ملزوم لمعناه، والمعنى لازِم من لوازم اللفظ، فينبغي أن يكون ذكر اللفظ في الحقيقة بيّنة على المعنى أيضًا، أمّا كون المجاز فيه زيادة تأكيد للمعنى من قبل المتكلّم فهو صحيح (¬1).
2. تكلّف الإمام المحبوبي في بيان سبب دخول فاء التعقيب على العلل، مع كونها ينبغي أن تدخل على المتأخر وهو المعلول، لا المتقدم وهو العلة (¬2)، فمثلًا: إتيان الغوث علّة للإبشار، والإبشار معلول بإتيان الغوث، وكون الفاء للتعقيب ينبغي أن تدخل على المعلول -وهو الإبشار-، لأنه هو الذي يقع بعد العلة، حتى تقول «أتاك الغوث فأبشر»، فالمصنِّف أراد أن يبيِّن وجه دخول الفاء على العلة مع كونها متقدمة على المعلول، فقرّر أن المعلول -وهو الإبشار- إذا كان مقصودًا من العلة -وهو إتيان الغوث- يكون علّة غائية -أي المعلول وهو الإبشار- للعلة -أي: إتيان الغوث-، فيصير المعلول -وهو الإبشار- علّة غائية، وتصير العلة -وهي إتيان الغوث- معلولًا، فعلى هذا صحّ أن تدخل الفاء عليها فتقول: «أبشر فقد أتاك الغوث»، قال -رحمه الله-:
«اعلَم أنَّ أصل الفاء أن تدخُل على المَعلول؛ لأنَّها للتَّعقيب والمَعلول يَعقُب العِلَّة، وإنَّما تدخُل على العِلَل؛ لأنَّ المَعلول إذا كان مقصودًا مِن العِلَّة يكون عِلَّة غائيَّةً للعِلَّة فتَصير العِلَّة معلولًا، فلهذا تدخُل على العِلَّة باعتِبار أنَّها معلول، مِن ذلِك قولِه تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197]، وقَول الشَّاعر:
إذا ملِكٌ لم يكُن ذا هِبة ... فدَعه فدَولتُه ذاهِبة».
واعترضه التفتازاني: بأن الإبشار علّة غائية للإخبار بإتيان الغوث، وليس لنفس إتيان الغوث، وكذلك ترك الملك البخيل ليس علّة غائية لذهاب دولته، وإنّما الإخبار بأن دولته ذاهبة والعلم بذلك علّة غائية لتركه، أي أنّ المخبر أخبرك بذهاب دولته حتى تتركه، وليس ذهاب دولته حصل من أجل أن تتركه، وكلام التفتازاني متوجهٌ صحيح (¬3).
¬
(¬1) ينظر: حاشية الفناري ج1 ص344.
(¬2) وهذا الموضع موجود في صفحة 271 من هذا الكتاب.
(¬3) ينظر: التلويح ج1 ص232.
الجزء 1 · صفحة 57
3. عندما عدّد المصنّف مذاهب النحويين في «إلى»، أشار إلى توافقه مع المذهب الرابع من مذاهب النحويين، وأن خلافه مع هذا المذهب بالعبارة فقط (¬1)، قال -رحمه الله-:
«(والدُّخول إن كان ما بعدها مِن جِنس ما قبلَها وعَدَمه إن لم يكُن) هذا هُو المَذهب الرَّابِع.
(وما ذكَرنا في «اللَّيل») وهُو أنَّ صدر الكَلام لمَّا لم يتَناول الغاية لا تدخُل تحت حُكم المُغَيَّا (والمَرافِق) وهُو أنَّ صدر الكَلام لمَّا تناول الغاية تدخُل تحت حُكم المُغَيَّا (يُناسِب هذا الرَّابِع) أي: معنى ما ذكَرنا ومَعنى ما ذكَره النَّحوِيُّون في المَذهب الرَّابِع شَيءٌ واحِدٌ.
وإنَّما الاختِلاف في العِبارة فقَط؛ فإنَّ قَول النَّحَويِّين إنَّ الغاية إن كانت مِن جِنس المُغَيَّا، معناه: أنَّ لفظ المُغَيَّا إن كان مُتناوِلًا لِلغاية».
إلا أنّ مذهبه الذي قرّره في «إلى» ليس عين مذهب النحاة، وثمرة الخلاف بين صدر الشريعة والمذهب الرابع من مذاهب النحاة المذكور يظهر في مسألة السمكة، فعند صدر الشريعة: لا يدخل الرأس في قول الرجل «أكلت السمكة إلى رأسها»؛ لأن الرأس غاية تنتهي إليها السمكة وهي غاية قبل التكلّم بالكلام، فلا تدخل في المغيّا عنده وإن كانت من جنس المغيّا، وعندهم: لم يفرِّقوا بكون الغاية غاية في الأصل قبل التكلّم أو لا، بل فرّقوا بمجرد كون الغاية من جنس المغيّا أو لا، فهذه مسامحة لصدر الشريعة، حيث قال: إن خلافه مع النحاة في العبارة فقط، بل لخلافه معهم أثر كما في مسألة السمكة كما وضّحته (¬2).
رابعًا: المسامحة في نقل الإجماع:
ذكر المصنّف -رحمه الله- الإجماع على أنّ الوطء مرادٌ بقوله تعالى {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43] (¬3) في معرض التفريع على مسألة منع الجمع بين الحقيقة والمجاز للاستدلال على أن اللمس باليد لا يجوز أن يكون مرادًا بالآية لمّا كان الوطء قد أُجمِع على إرادته بها منعًا منه للجمع بين الحقيقة والمجاز، فقال -رحمه الله-:
¬
(¬1) وهذا الموضع موجود في صفحة 294 من هذا الكتاب.
(¬2) ينظر: التلويح ج1 ص257+258.
(¬3) وهذا الموضع موجود في صفحة 237 من هذا الكتاب.
الجزء 1 · صفحة 58
«ولا المسَّ باليَد بقوله تعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43] لأنَّ الوَطء -وهُو المجاز- مُرادٌ إجماعًا».
وهذا الإجماع موضع نظر وبحث، فإنّه روي عن ابن مسعود والحكم وحمّاد أنهم قد خالفوا فيه، وقالوا إن الملامسة اللمس دون الجماع، وكذا روى الشافعي عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر أنه قال: «قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة فمن قبل امرأته أو جسها بيده فعليه الوضوء»، وبه قال الشافعي، وقد أكد الشافعي أن الملامسة في الآية عنده غير الجنابة، قال في «الأم»: «فذكر الله عز وجل الوضوء على من قام إلى الصلاة وأشبه أن يكون من قام من مضجع النوم، وذكر طهارة الجنب -أي بقوله {وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6]-، ثم قال بعد ذكر طهارة الجنب {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6] فأشبه أن يكون أوجب الوضوء من الغائط وأوجبه من الملامسة وإنما ذكرها موصولة بالغائط بعد ذكر الجنابة فأشبهت الملامسة أن تكون اللمس باليد والقبلة غير الجنابة»، فهذا يدلّك على أن الشافعي لم يجمع بين الحقيقة والمجاز في قوله تعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43]، وأن الجنابة ليست مرادة عنده في الملامسة، وهذا عين ما يقرِّره الماوردي من الشافعية، حيث يقرِّر أنّه الملامسة حقيقتها اللمس، ومجازها الجماع، وأن اللفظ عنده محمول على حقيقته دون مجازه، فلم يقل بالجمع بين الحقيقة والمجاز، حيث قال في «الحاوي الكبير» (¬1): «أن اسم الملامسة اسم له حقيقة ومجاز، وقد يستعمل في الجماع والمسيس فلم يجز أن يكون حقيقة فيهما، ولا أن يكون حقيقة في الجماع لأنه بالمسيس أخص وأشهر فصار مجازا في الجماع حقيقة في المسيس، والحكم المعلق بالاسم يجب أن يكون إطلاقه محمولا على حقيقته دون مجازه».
وما نُقِل عن الشافعي أنه قال: «أحمله على اللمس باليد حقيقة وعلى الجماع مجازًا»، فإن قول الشافعي في عبارته السابقة: «غير الجنابة» يدلّ على ما ذكرت من عدم قوله بإرادة الجماع في «لامستم»، وقد ذكر الزركشي في «البحر المحيط» عن القرطبي أن في هذا النقل عن الشافعي خلل، وإلى هذا أشار التفتازاني في
¬
(¬1) ج1 ص185.
الجزء 1 · صفحة 59
«التلويح» (¬1) بقوله: «لأن منهم -أي من الأئمة الأربعة- من حمله على اللمس باليد وجوز تيمم الجنب بدليل آخر».
وكذا ابن العربي من المالكية نفى أن يكون المراد بالملامسة في الآية الجماع، حيث قال: «ولو كان المراد باللمس الجماع لكان تكرارًا، وكلام الحكيم يتنزه عنه» اهـ (¬2).
فالحاصل: أنّ نقل المصنّف الإجماع على أن الجماع مرادٌ بقوله تعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43] موضع بحثٍ ونظر، ولم يسبقه إلى نقل هذا الإجماع أحدٌ، بل ثمّة أقوال عن مجتهدين تخالف هذا الإجماع (¬3).
خامسًا: المسامحة في نسبة المذاهب إلى العلماء:
في طيّات الكتاب نسب الإمام العديد من الأقوال إلى جملةٍ من العلماء، لا سيما الإمام الشافعي، في مَعرِض مناقشته لمدرسة الأصول الشافعية، وتأثير خلاف الأصول على الفروع الفقهية، وفي هذه النسبة في بعض الأحيان نظرٌ وبحثٌ، حيث ربما ناقش الإمام الشافعي في القديم من مذهبه، أو ربما نسب إليه قولًا لا تصِّح نسبته إليه، وإنما نُسِب إلى بعض مشايخ المذهب الشافعي (¬4).
* * *
¬
(¬1) من التلويح ج1 ص29.
(¬2) من أحكام القرآن ج1 ص564.
(¬3) ينظر: تفسير الطبري ج7 ص66+69+71، الأم ج1 ص29، التلويح ج1 ص199، البحر المحيط ج2 ص391، وأحكام القرآن لابن العربي ج1 ص564.
(¬4) وقد أشرت إلى ذلك كلّه في موضعه من الكتاب، حيث حققّت نسبة المذاهب والأقوال إلى قائليها.
الجزء 1 · صفحة 60
المطلب الثامن: المصادر التي اعتمد عليها المؤلف في تأليف الكتاب:
* * *
المطلب التاسع: النسخ التي تمّ الاعتماد عليها في تحقيق الكتاب:
النسخ المعتمدة للتحقيق:
لقد اعتمدت في تحقيق للمخطوط على خمسة نسخ من المخطوطات وهي كالآتي:
النسخة الأولى (أ):
الجزء 1 · صفحة 61
نسخة مكتبة الملك فيصل للدراسات والبحوث الإسلامية تحت رقم حفظ (ج/39/ 01/13)، وقد أشرت لها خلال التحقيق بالرمز أ، وتتصف بما يلي:
1 - كمال النسخة عدا لوحة واحدة.
2 - عدد لوحاتها 355 لوحة، يشمل القسم الموكل إلي بالتحقيق فيها من بداية الكتاب وحتى نهاية باب الأمر المطلق ويقع في (110) لوحة.
3 - نوع الخط: نسخي.
4 - عدد الأوراق: 355. عدد الأسطر: 13 سطرا.
5 - الآفات: آثار أرضة وحروف.
6 - تاريخ النسخ: القرن 13هـ.
النسخة الثانية (ب):
نسخة مكتبة الملك فيصل للدرسات والبحوث الإسلامية تحت رقم حفظ (ج/30/ 03/05)، وقد أشرت لها خلال التحقيق بالرمز ب، وتتصف بما يلي:
1 - كمال النسخة.
2 - عدد لوحاتها 140 لوحة، يشمل القسم الموكل إلي بالتحقيق فيها من بداية الكتاب وحتى نهاية باب الأمر المطلق ويقع في (47) لوحة.
3 - نوع الخط: نسخي
4 - تاريخ النسخ 1119هـ.
5 - عدد الأوراق: 140. عدد الأسطر: 23 سطر.
6 - الآفات: رطوبه وبلل وتبقعات لم تؤثر على النص كثيرا.
النسخة الثالثة (ج):
الجزء 1 · صفحة 62
نسخة مكتبة الملك فيصل للدراسات والبحوث الإسلامية تحت رقم حفظ (ب /26/ 02/26)، وقد أشرت لها خلال التحقيق بالرمز ج، وتتصف بما يلي:
1 - كمال النسخة.
2 - عدد لوحاتها 231 لوحة، يشمل القسم الموكل إلي بالتحقيق فيها من بداية الكتاب وحتى نهاية باب الأمر المطلق ويقع في (84) لوحة.
3 - نوع الخط: نستعليق.
4 - تاريخ النسخ: 1068هـ.
5 - عدد الأوراق: 231. عدد الأسطر:17.
النسخة الرابعة (د):
نسخة مكتبة الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية تحت رقم حفظ (ب /02/ 02/08)، وقد أشرت لها خلال التحقيق بالرمز د، وتتصف بما يلي:
1 - النسخة غير كاملة حيث حصل بها بعض السقوطات بما يقدّر بالعشر لوحات، ولكن السقوطات لم تؤثر على التحقيق نظرًا للاعتماد على خمس نسخ إضافة إلى المساندتين.
2 - عدد لوحاتها 232 لوحة، يشمل القسم الموكل إلي بالتحقيق فيها من بداية الكتاب وحتى نهاية باب الأمر المطلق ويقع في (72) لوحة.
3 - نوع الخط: نسخي. وهو واضح جدا.
4 - الحواشي والتعليقات من طلبة العلم وقراء الكتاب في هذه النسخة قليلة مقارنة بباقي النسخ.
5 - تاريخ النسخ: 1139هـ.
6 - عدد الأوراق: 232. عدد الأسطر: 21.
7 - الآفات: أرضه لم تؤثر على قراءة النص.
النسخة الخامسة (هـ):
الجزء 1 · صفحة 63
نسخة مكتبة الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية تحت رقم حفظ (ب /14/ 04/10)، وقد أشرت لها خلال التحقيق بالرمز هـ، وتتصف بما يلي:
1. أقدم النسخ الخطية التي تمّ تحصيلها للمخطوط، حيث يعود تاريخ النسخ لسنة 756هـ، ما يعني قرب عهدها من المصنّف.
2. نوع الخط: نستعليق ورقاع.
3. عدد الأسطر: 17.
4. الخط في النسخة ليس واضح تمامًا كباقي النسخ، ولكن تمّ الاعتماد عليها نظرًا لقدمها، وقرب نسخها بعد التأليف، حيث أنّ المصنّف توفي سنة 747هـ، وهذه النسخة تمّ نسخها سنة 756هـ.
5. النسخة غير كاملة، حيث حصل بها من السقوط بما يقدّر بخمسة لوحات.
6. عدد لوحاتها 186 لوحة، يشمل القسم الموكل إلي بالتحقيق فيها من بداية الكتاب وحتى نهاية باب الأمر المطلق ويقع في (66) لوحة.
7. يوجد تملك للنسخة باسم عبد الغفور.
8. الآفات: أرضة أثرت على قراءة النصّ في بعض الصفحات.
9. لم تخلُ النسخة من التعليقات الكثيرة من الدارسين لها في هوامشها.
10. فُصِل بين الشرح والمتن بحرف مكتوب باللون الأحمر؛ فيدلُّ على بداية المتن حرف م، ويدلُّ على بداية الشرح حرف ش.
النسخ المساندة في التحقيق:
لم تخلُ عمليّة التحقيق من سقوطات قليلة في بعض النُسخ، وبهدف استكمال عملية تحقيق المخطوط على أكمل وجه قمت بالاستعانة بنسختين مساندتين للمقابلة والتحقيق لكلِّ موضع مُشكِل أو يحتاج إلى زيادة التأكد، أو لأي سببٍ من الأسباب الموجبة لمراجعة غير النسخ المعتمدة أصالة في التحقيق، وقد ظهر رجوعي لهذه النسخ في التحقيق جليّا للمطالع لعملي في هذا المخطوط، وهذه النُسخ كانت كالآتي:
النسخة المساندة (ز)
الجزء 1 · صفحة 64
نسخة مكتبة السليمانية في اسطنبول، تحت رقم (1272)، وقد أشرت لها خلال التحقيق بالرمز ز، وتتصف النسخة بما يلي:
1 - كمال الكتاب على صفحاتها.
2 - عدد لوحاتها 207 لوحة من الحجم المتوسط، يشمل القسم الموكل إلي بالتحقيق فيها من بداية الكتاب وحتى نهاية باب الأمر المطلق ويقع في (83) لوحة.
3 - عدد الأسطر في الصفحة 21 سطرًا.
4 - عدد الكلمات في السطر 12 - 14 كلمة تقريبًا.
5 - الخط مكتوب باللون الأسود، والفصول مكتوبة باللون الأحمر.
النسخة المساندة (ط):
نسخة مكتبة الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية تحت رقم حفظ (ب /09/ 04/06)، وقد أشرت لها خلال التحقيق بالرمز ط، وتتصف بما يلي:
1. كمال النسخة.
2. عدد لوحاتها 189 لوحة من الحجم المتوسط، يشمل القسم الموكل إليّ بالتحقيق فيها من بداية الكتاب وحتى نهاية باب الأمر المطلق ويقع في (62) لوحة.
3. تاريخ النسخ: القرن 12هـ.
4. عدد الأسطر: 23 سطر في الصفحة.
5. الآفات: رطوبة لم تؤثر على قراءة النص.
6. وُضع فوق المتن خط لتمييزه عن الشرح.
وقد وجد لهذا الكتاب المبارك المئات من النسخ الأخرى، ومنها الآتي:
1 - نسخ مكتبة المصغرات الفيلميه بقسم المخطوطات بالجامعه الاسلاميه/ المدينة المنورة، تحت أرقام الحفظ:
الجزء 1 · صفحة 65
4470/ 5،8171/ 1،4396/ 2،8530/ 1،4417/ 3،4597/ 2،4416/ 12،6787/ 1،484،503،4416/ 3،7479،5147
2 - نسخة في مكتبة عبد الله بن عباس في الطائف تحت رقم الحفظ: 5/ 20.
3 - نسخة مركز البحث العلمي واحياء التراث الاسلامي في مكة المكرمة، تحت رقم الحفظ: 81 عن المكتبة العثمانيه بحلب برقم 615.
4 - نسخ مكتبة كليه الآداب والمخطوطات في الكويت تحت أرقام الحفظ: 220، 149، 1118 مج 1، 309، 531.
5 - نسختان مكتبة الاوقاف في حلب-سوريا تحت أرقام الحفظ: 3367/ 1827
6 - نسخة معهد المخطوطات العربية في باكو-أذربيجان تحت رقم الحفظ: 2008 - 390 - b رقمه بمركز جمعه الماجد بدبي 584.
7 - نسخة معهد المخطوطات العربية في الكويت تحت رقم الحفظ:1787 عن شستربيتي 4202.
8 - نسخة جامعه ليبزج في مدينة ليزج ألمانيا تحت رقم الحقظ:343.
9 - نسخة جامعة أبسالا في السويد تحت رقم الحفظ: 164/ 2.
10 - نسختين في المكتبة الوطنية بباريس في فرنسا تحت رقم الحفظ:6345/ 6، 6386.
11 - نسخة مكتبة برنستون (مجموعه جاريت) في الولايات المتحدة الأمريكية برنستون تحت رقم الحفظ: هـ1 447، هـ2 813/ 4.
12 - نسخة مكتبة المتحف الاسيوي في مدينة بطرسبورج في روسيا تحت رقم الحفظ: 927.
13 - نسخة مكتبة يني جامعة فر تركيا استانبول تحت رقم الحفظ 317.
14 - نسخة مكتبة آيا صوفيا في تركيا اسطنبول تحت رقم الحفظ: 934/ 9.
15 - نسخة مكتبة راغب باشا في تركيا استانبول تحت رقم الحفظ: 372/ 3.
16 - نسخة مكتبة نور عثانية في تركيا استانبول تحت رقم الحفظ: 1303/ 10.
17 - نسخة دار الكتب المصريه في القاهرة تحت رقم الحفظ: 1/ 381.
18 - نسخة دار العلوم الاسلاميه في باكستان بشاور تحت رقم الحفظ 55.
الجزء 1 · صفحة 66
19 - نسخة الجامعه الاسلاميه في الهند-عليكره تحت رقم الحفظ: 1085
20 - نسخة المكتبة الوطنية في الجزائر تحت رقم الحفظ: 937
21 - نسخ مكتبة الاوقاف في الموصل-العراق تحت أرقام الحفظ: 24/ 26، 61/ 164، 93/ 7، 121/ 4، 167/ 38، 208/ 19، 226/ 17 (8).
22 - نسخة دار الكتب الوطنيه في تونس تحت رقم الحفظ: 2439.
* * *
المطلب العاشر: نماذج من النسخ المعتمدة والمساندة:
نماذج من النسخة المعتمدة (أ):
الصفحة الأولى من النسخة (أ).
الجزء 1 · صفحة 67
الصفحة الأخيرة من النسخة (أ)
نماذج من النسخة المعتمدة (ب):
الصفحة الأولى من النسخة (ب).
الصفحة الأخيرة من النسخة (ب).
نماذج من النسخة المعتمدة (ج):
الصفحة الأولى من النسخة (ج).
الصفحة الأخيرة من النسخة (ج).
نماذج من النسخة المعتمدة (د):
الصفحة الأولى من النسخة (د).
الصفحة الأخيرة من النسخة (د).
نماذج من النسخة المعتمدة (هـ):
الصفحة الأولى من النسخة (هـ).
الصفحة الأخيرة من النسخة (هـ).
نماذج من النسخة المساندة (ز).
الصفحة الأولى من النسخة (ز).
الصفحة الأخيرة من النسخة (ز).
نماذج من النسخة المساندة (ط):
الجزء 1 · صفحة 68
الصفحة الأولى من النسخة (ط).
الصفحة الأخيرة من النسخة (ط).
الفصل الثاني: النصُّ المحقَّق:
تاليًا النصِّ المحقَّق ...
الجزء 1 · صفحة 69
[مُقدِّمة التَّوضيح]
بسم اللَّه الرَّحمَن الرَّحيم، [وبه نستَعين] (¬1) حامِدًا (¬2) للَّه تعالى أوَّلًا وثانيًا، ولعَنان الثَّناء إليه ثانيًا (¬3) وعلى أفضَلِ رُسُلِه (¬4) وآلِه (¬5) مُصلِّيًا، وفي حلبَة (¬6) الصَّلواتِ مُجلِّيًا ومُصلِّيًا (¬7).
وبعدُ؛
فإنَّ العبد المُتوسِّل إلى اللَّهِ تعالى بِأقوى الذَّريعة، عُبَيد اللَّه بن مسعود بن تاجِ الشَّريعة، سعِد جدُّه (¬8) [وأُنجِح جِدُّه (¬9)] (¬10) يقول:
¬
(¬1) ساقطة من أ و ج.
(¬2) إن العلماء رحمهم الله تعالى قد استحبوا البداءة بالحمد لحديث «كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه بالحمد أقطع» كما في «سنن ابن ماجه» ج 3 ص 90، وكذا ورد حديث بلفظ «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع» كما في «الجامع الكبير» ج 6 ص 393، عن الرهاوي في الأربعين، فالمصنف جمع بين التسمية والحمد بجعل الحمد حالًا للتسمية فصار كأنه قال: بسم الله ابتدئ الكتاب حامدًا، ولعله أراد بذلك التوفيق بين الحديثين فابتدأ بالتسمية حقيقةً تأسيًا بالكتاب العزيز، وجعل الحمد حالًا مراعاة للحديث الشريف فصار كأنه ابتدأ به أيضًا في ذات الوقت، على أنه ورد حديثٌ بلفظ «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله أقطع» كما في «سنن الدارقطني» ج 1 ص 428. ينظر: التلويح ج 1 ص 17، وحزامة الحواشي لإزاحة الغواشي ج 1 ص 7، وحاشية محمد عصمتي ق 5.
(¬3) أي: صارفًا الثناء إلى الله. ينظر: التلويح ج 1 ص 18.
(¬4) في ج زيادة: محمد.
(¬5) ساقطة من أ.
(¬6) الحلبة: ميدان سباق الخيل أو الخيل المجتمعة للسباق كلاهما يسمى حلبة، شبّه التنافس في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بسباق الخيل، وشبه المتنافسين في ذلك بالحلبة -أي: الخيل المتسابقة-. ينظر: المعجم الوسيط ج 1 ص 191.
(¬7) المجلي: السابق الأول من الخيل في السباق، والمصلي: السابق الثاني. ينظر: تهذيب اللغة ج 12 ص 167.
(¬8) الجدّ بفتح الجيم يطلق على الحظّ والبخت والغنى ومنه قوله تعالى: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا} [الجن:3] الآية، ويطلق على أب الأب. ينظر: التلويح ج 1 ص 19، وغريب الحديث ج 1 ص 325، ولسان العرب ج 3 ص 107.
(¬9) الجدّ بكسر الجيم ضد الهزل ويراد به أيضا الاجتهاد في الأمر. ينظر: مختار الصحاح ص 54.
(¬10) ساقطة من ب.
الجزء 1 · صفحة 70
لمَّا وفَّقنيَ اللَّهُ تعالى بتأليف «تنقيح الأصول» أردتُ أن أشرَح مُشكِلاته (¬1) وأفتَح مُغلَقاته، مُعرِضًا عن شرح بعض (¬2) المَواضِع الَّتي مَن (¬3) لم (¬4) يحُلُّها بِغير إطنابٍ (¬5) لا يحِلُّ له النَّظر في ذلِك الكِتاب، واعلَم أنِّي لمَّا سوَّدتُ كِتاب «التنقيح»، سارَع بعض الأصحاب إلى انتِساخه ومُباحثَتِه [وانتَشرَت (¬6) النُّسَخ في بعض الأطراف] (¬7)، ثُمَّ بعد ذلك وقَع فيه قليلٌ (¬8) من التَّغيِيرات (¬9) وشيءٌ مِن المَحو والإثبات، فكَتَبتُ في هذا الشَّرح عِبارة المَتن [على النَّمط الَّذي تقرَّر] (¬10) لِتُغيَّر النُّسَخ المَكتوبة قبل ذلِك التَّغَيُّر (¬11) إلى هذا النَّمط.
¬
(¬1) في أ: لمشكلاته.
(¬2) ساقطة من ب.
(¬3) ساقطة من د.
(¬4) ساقطة من أ.
(¬5) الإطناب: هو المبالغة والاجتهاد في الأمر، وفاعله مُطنِب، وفي العبارة نوع غموض في المعنى، والذي يظهر أن المراد: أن من يقرأ هذا الكتاب إما أن يحُلَّ تلك المواضع أو لا، فإن لم يمكنه حلُّ تلك المواضع فلا يحِلُّ له النظر في الكتاب أصلا، ومن حلها فلا يخلو أن يحلها بإطناب أو بدونه، فإن احتاج للإطناب في حلّ المواضع فأيضًا لا يحِلُّ له النظر في الكتاب، ومن يحِلّ له النظر في الكتاب هو الذي يحل تلك المواضع بديهة بدون حاجة للإطناب. والمراد: أنه أعرض عن شرح المواضع التي يعلمها كل متعلم في أصول الفقه بديهة ولا يحتاج للإطناب في حلها، فإن وقف القارئ على موضع غير مشروح ووجد نفسه محتاجا لبعض إطناب حتى يفهمه، فالمصنف يقوله له: لا يحل لك النظر في كتابي هذا. ينظر: حزامة الحواشي ج 1 ص 10، والزاهر في معاني كلمات الناس ج 1 ص 502 ولسان العرب ج 1 ص 562.
(¬6) في أ: انتشرت، وفي ج: انتشر.
(¬7) ساقطة من هـ.
(¬8) في أ: نوع.
(¬9) في أ و هـ: التغيرات.
(¬10) ساقطة من هـ.
(¬11) في ب: التغيير.
الجزء 1 · صفحة 71
ثمَّ لمَّا تيسَّر إتمامُه، وفُضَّ بالاختِتام خِتامُه (¬1)، مُشتمِلًا على تعريفات وحُجَج مُؤسَّسة على قواعِد المَعقول (¬2)، وتفريعاتٍ مُرصَّصَةٍ (¬3) بعدَ ضبط الأصول، وترتيبٍ أنيقٍ (¬4) لم يسبِقني على مِثله أحَدٌ (¬5)، [مع تدقيقاتٍ غامضةٍ] (¬6) لم يبلُغ [أحدٌ مِن] (¬7) فُرسان هذا (¬8) العِلم إلى هذا الأمَد (¬9).
¬
(¬1) أي: أنَّ الكتاب قبل انتهاء المصنف من كتابته كان كأنه مختومًا بختام حيث لم يكن أحد يطّلع عليه، ولما انتهى منه فضّ ذلك الختام المعنوي بانتهائه من تأليفه فصار متاحا لقراءة الطالبين له. ينظر: التلويح ج 1 ص 19.
(¬2) أي أنه راعى في تأليف الكتاب -من حيث وضع التعريفات واستخدام الحجج- قواعد علم المنطق، وهذا دليل على كون صدر الشريعة المحبوبي أراد في كتابه أن يراعي طريقة المتكلمين في التأليف في أصول الفقه. ينظر: التلويح ج 1 ص 19.
(¬3) الرصّ أصله في البناء إحكامه وسدّ الفراغات فيه، ومنه البنيان المرصوص، ولعل مراده أن تفريعات الكتاب الفقهية جاءت محكمة الضبط، نتيجة الضبط التام في الأصول. وهذا دليل على مراعاة المصنف لطريقة الفقهاء في التأليف في الأصول، فصار الكتاب مؤلفا على طريقة جامعة لطريقة المتكلمين والفقهاء. ينظر: جمهرة اللغة ج 1 ص 196.
(¬4) الشيء الأنيق هو الحسن المعجب. ينظر: لسان العرب ج 10 ص 10، والتلويح ج 1 ص 19.
(¬5) ترتيب الكتاب لم يسِر فيه المصنف على ترتيب كتاب أصولي سابق، بل تصرف المصنف بتقديم وتأخير في الأبواب والمباحث بما لم يسبقه إليه أحد، وكما لا يخفى أن هذا الكتاب يعتبر من أوائل كتب الأصول المصنفة على طريقة الجمع بين طريقة المتكلمين والفقهاء. ينظر: التلويح ج 1 ص 19.
(¬6) ساقطة من هـ.
(¬7) زيادة من أ و د.
(¬8) ساقطة من ج.
(¬9) الأمد: الغاية. ينظر: مجمل اللغة ص 103.
الجزء 1 · صفحة 72
[إهداء الكتاب] (¬1)
جعلتُه عُراضةً (¬2) (¬3)، بل بضاعةً مُزجاة (¬4)، لحَضرة (¬5) من حُقَّ أن يوشَّح (¬6) (¬7) بذِكره صدور الكُتُب والأسفَار (¬8)، ويُستغاثُ (¬9) باسمهِ العالي (¬10) في الأحضَار (¬11) والأسفَار (¬12)، أعني حضرة ملِك مُلوك الإسلام (¬13) المُشرَّف بالجِهاد في سبيل اللَّه وزِيارة بيته (¬14) الحرام، الذي تضَعضَع بصَدمته مبانيَ الهرَمان (¬15)، واهتزَّ بحُسن شعائِره (¬16) المشاعِر (¬17) والحرَمان (¬18)، رافِع لواء الشَّريعة الغرَّاء، مُحيي مراسِم (¬19) المِلَّة (¬20) الحَنيفية النَّقيَّة البَيضاء.
¬
(¬1) وفي ثبوت هذا الإهداء نظر، فإنه ليس ثابت في النسخة هـ ولا المساندتين ز و ط.
(¬2) في أ: غراضة.
(¬3) العُراضة هي الهدية. ينظر: لسان العرب ج 7 ص 177.
(¬4) البضاعة المزجاة القليلة، وأصلها الفعل الثلاثي زجى، ومعناه الدفع وعلى هذا هي البضاعة القليلة التي تدافع بها الأيام أو البضاعة المدفوعة الغير مقبولة. وقد نقل في تفسيرها أنها البضاعة الرديئة أو الكاسدة أو القليلة أو الناقصة وغير ذلك، ولعل مراده التواضع لمن يُهديه هذا الكتاب. ينظر: تفسير الطبري ج 13 ص 316، ومفاتيح الغيب ج 18 ص 503، ومقاييس اللغة ج 3 ص 48، وتاج العروس ج 38 ص 212.
(¬5) في د: حضرة.
(¬6) في ب: يتوشح.
(¬7) الوِشاح شيء من حلي النساء، والتوشح به أن يوضع على العاتق إلى الخصر الآخر فإن ابتدأ من العاتق الأيسر انتهى بالخصر الأيمن كما الاضطباع في الإحرام وكما حمائل السيف للرجل، وقد يوضع على الخصر. ينظر: تهذيب اللغة ج 5 ص 95، ولسان العرب ج 10 ص 324.
(¬8) في أ: الأصفار، الأسفار: جمع سفر بالكسر وهو الكتاب، وفي التنزيل: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة:5]. ينظر: مختار الصحاح ص 148.
(¬9) في ب: وبه مستغاث.
(¬10) في ج: الغالي.
(¬11) في ب: الأحصار.
(¬12) يظهر هنا استخدام المصنف للجِناس وهو اتفاق اللفظين في النطق مع اختلافهما في المعنى، فالأسفار الأولى جمع سِفر وهو الكتاب، والثانية جمع سَفَر وهو الضرب في الأرض. ينظر: اللباب ص 184.
(¬13) وإنني لم أتبين من هو هذا الملك المراد في المدائح المذكورة.
(¬14) في أ و د: بيت
(¬15) في أ: الحرمان، ولعل مراده بالهرمان أهرامات مصر، فإنَّ أعظم الأهرامات المصرية هرمان عظيمان مشهوران. ينظر: مفاتيح العلوم ص 144، وتاج العروس ج 34 ص 83
(¬16) في ج: شعاره، والشعائر: أعمال الحج. ينظر: العين ج 1 ص 251.
(¬17) المشاعر: مواضع المناسك. ينظر: مختار الصحاح ص 165.
(¬18) الحرَمان: مكة والمدينة. ينظر: المحيط في اللغة ج 1 ص 225.
(¬19) لم أقف في معاجم اللغة على معنى هذه الكلمة نصًا، وإنما يتضح مما وقفت عليه أنها بمعنى شعائر الإسلام وعلاماته الظاهرة كأنواع العبادات الظاهرة وأحكام الإسلام. ينظر: التعريفات للجرجاني ص 141، وأساس البلاغة ج 1 ص 15، ومجمع بحار الأنوار ج 5 ص 484.
(¬20) زيادة من ج و د
الجزء 1 · صفحة 73
غِياث (¬1) الحقِّ والدُنيا والدين، شمس الإسلام والمسلمين، المؤَيد بالأيدِ (¬2) المتين في إعلاء كلِمة الدين المُبين، أعزّ الله الإسلام والمسلمين (¬3) بدوام دولته وبقائه، وشدَّ بأوتاد (¬4) الخلود أطناب (¬5) عزِّه وعلائه (¬6)، فهو (¬7) الذي قام بتقويَّة الدِّين في زمان ضعفه وفُتوره، واستقل (¬8) بكِماله (¬9) بِرَفع (¬10) قُصور الشَّرع في أوان قُصوره (¬11)، وأوقدَ بعد الخمود لاشتعال نور الحقِّ نارًا، وأظهر بعد الانمِحاء في طريق (¬12) الدِّين القويم سُلَّمًا (¬13) ومنارًا.
فاختِصَاصُه بهذه الكرامات الدِّينية أوجَبَني التّوجُّه إلى جنابه، وتزيين (¬14) ديباجة (¬15) هذا الكتاب الشريف (¬16) بشرائف ألقابه، وإلا (¬17) فإني بمَعزلٍ عن الالتِفات إلى أبناء الدُنيا ومزخرَفاتهم، فضلًا عن (¬18) أن أذكُر في كُتُب الشَّريعة شيئًا مِن أسمَائهم وصِفاتِهم. (¬19)
[وسمَّيت (¬20) هذا الكتاب] (¬21) بـ «التَّوضيح في حلِّ غوامِض التَّنقيح»، واللَّه تعالى مسؤول أن يعصِم عن الخَطأ والخَلل (¬22) كلامنا، وعن السَّهو والزَّلل أقلامنا وأقدامنا.
¬
(¬1) غياث من الغوث، ومنه قولنا: «اللهم أغثنا»، ومنه الاستغاثة.
(¬2) في د: الأيدي، والأيد: القوة، ومنه قوله تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ} [ص:17]. ينظر: المحكم والمحيط الأعظم ج 9 ص 449.
(¬3) ساقطة من ب و د.
(¬4) الأوتاد: جمع وتد وهو ما يثبّت في الارض وتشّد به أطناب الخيام. ينظر: المعجم الوسيط ج 2 ص 1009.
(¬5) في أ وأطناب، والأطناب جمع طنب وهو الحبل الذي يشدّ إلى الوتد. ينظر: جمهرة اللغة ج 1 ص 361.
(¬6) في أ: واعلائه، والعلاء: الرفعة والشرف. ينظر: العين ج 2 ص 245.
(¬7) في ب و د: وهو.
(¬8) في ب: اشتغل.
(¬9) في أ: بكمالاته.
(¬10) في ج: ترفع، وفي أ و ب: برقع.
(¬11) هنا جِناس أيضًا، حيث القصور الأولى جمع قصر وهو البناء المعروف، والثانية من القِصَر بكسر القاف وفتح الصاد.
(¬12) في ج: طرق.
(¬13) السُلَّم: السبب والمرقاة. ينظر: العين، ج 7 ص 266.
(¬14) في أ: تزين، وفي ج: تزيير.
(¬15) ديباجة الكتاب: فاتحته وبدايته. ينظر: المعجم الوسيط، ج 1 ص 269.
(¬16) زيادة من ب، وهي في ج: النزيف.
(¬17) زيادة من أ.
(¬18) زيادة من ج و د.
(¬19) من قوله «جعلته عراضة» وحتى هذا الموضع ساقط من هـ والمساندتين ز و ط.
(¬20) في ب و د: سميت.
(¬21) في هـ: سميته.
(¬22) في أ و ج و د: الخطل، وهو الحمق أو الكلام والمنطق الفاسد، وأصله من السرعة والخفة، وما أثبتُّه أقرب للسياق وهو موافق لكلتا النسختين المساندتين في التحقيق ز وط. ينظر: لسان العرب ج 11 ص 209، والقاموس المحيط ص 993، ومختار الصحاح ص 93.
الجزء 1 · صفحة 74
[مُقدِّمة التَّنقيح]
[بِسم اللَّه الرحمن الرحيم] (¬1) ({إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ}) [فاطر:10]. افتَتح بالضَّمير قبل الذِّكر ليدُلَّ على حُضوره في الذِّهن (¬2)، [فإنَّ ذكر اللَّه تعالى كيف لا يكون في الذِّهن سيَّما (¬3)] (¬4) عِند افتِتاح الكَلام كقَولِه تعالى: {وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} [الإسراء:105]، وكَقولِه (¬5) تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيم} (¬6) [الواقعة:77].
وقوله: «الطَّيِّب» صِفَة الكَلِم (¬7)، والكَلِم إن كان جمعًا فكُلُّ جمعٍ يُفرَّق بينَه وبين واحِده بالتَّاء يجوز [في وصفه التذكير والتأنيث] (¬8) نحو: {نَخْلٍ خَاوِيَة} [الحاقة:7] و {نَخْلٍ مُّنقَعِر} [القمر:20] (¬9).
(مِن محامِد لِأصولها مِن مشارِع (¬10) الشَّرع ماء، ولِفُروعِها مِن قبول القَبول نماء) (¬11) القَبول الأوَّل ريح الصَّبا (¬12) (على أن جعَل أصول الشَّريعة مُمَهَّدة المَباني (¬13)، وفُروعها رقيقة الحواشي) أي: لطيفة
¬
(¬1) زيادة من ب.
(¬2) وفي ذلك إشارة إلى أن الله تعالى وحده المستحق لتوجيه المحامد إليه ولا يفتقر للتصريح بذكره، وفيه إيماء إلى أن المشتغل بالعلوم الإسلامية ينبغي أن يكون مطمح نظره ومقصد همّته جناب الحق سبحانه. ينظر: التلويح ج 1 ص 20.
(¬3) زيادة من أ.
(¬4) ساقطة من هـ.
(¬5) المثبت من أ، وفي باقي النسخ: وقوله.
(¬6) أي: أن قوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ} [فاطر:10] يشبه قوله تعالى: {وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ} [الإسراء:105] وقوله: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيم} [الواقعة:77]. وذلك من حيث أن كل الآيات قد استغني عن التصريح بذكر ما يعود عليه الضمير لحضوره في ذهن السامع.
(¬7) في أ: للكلم.
(¬8) في أ: تذكيره وتأنيثه.
(¬9) اختُلِف في الكلِم أهو جمع كلمة أم أنه لفظ مفرد؟ فذهب جماعة من أهل اللغة إلى أنه جمع كلمة وأنه لا يطلق على أقل من ثلاث كلمات كنبقة ونبق، وإذا اعتبر جمعًا يوضّح لنا المصنف وجه وصفه بالطيب على صيغة التذكير أن كل جمع يفرق بينه وبين مفرده بالتاء يجوز فيه التذكير والتأنيث، بينما يقرّر التفتازني في «التلويح»
أنه لفظ مفرد ليس من أبنية الجمع إلا أنه اسم جمع، وأنه إنما يسمى جمعًا نظرًا إلى المعنى الجنسي، ولاعتبار جانبي اللفظ والمعنى جاز فيه التذكير والتأنيث. ينظر: التلويح ج 1 ص 21، وتاج العروس ج 9 ص 178، ولسان العرب ج 12 ص 523، ومختار الصحاح ص 272.
(¬10) مشارع جمع مشرعة الماء، وهي مورد الشاربة. ينظر: التلويح ج 1 ص 21.
(¬11) في كلامه إشارة إلى أن الحمد له أصول وهي الاعتقادات السليمة، وأن له فروع وهي الأعمال الصالحة، كما قال تعالى: {مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء} [إبراهيم:24]، وقد يستنبط منه معنى آخر وهو أن أصول هذه المحامد هي النهل من مشارع ماء الشرع وهي الكتاب والسنة وغيرها، وفروعها الطاعات والأعمال الصالحة، وشبهها هنا بالأشجار المثمرة التي يحصل لها النماء من هبوب ريح الصبا. ينظر: التلويح ج 1 ص 21، وحزامة الحواشي ج 1 ص 15.
(¬12) ريح الصبا: هي الريح التي تهبّ وقت طلوع الشمس وتقابلها الدبور وهي تلك التي تهب مغرب الشمس، وإنما سميت القبول لأنها تقابل الدبور، أو لأنها تقابل باب الكعبة، أو لأن النفس تقبلها. وهي في اصطلاح السالكين النفحات الرحمانية التي تأتي من جهة الشرق ينظر: القاموس المحيط ص 1045، ودستور العلماء ج 3 ص 41، والإبانة في اللغة العربية ج 3 ص 379، وكشاف اصطلاحات الفنون والعلوم ج 1 ص 306.
(¬13) يرجِّح المرجاني في «حزامة الحواشي» أن مراد المصنف بأصول الشريعة هو العقائد وروؤس المسائل الفرعية التي يشترك في فهمها العالم والعاميّ، وتمهيد مبانيها بأنها مقبولة للعقول السليمة محكمة متقنة مصونة عن ركاكة المعنى وفساد التركيب. بينما يبّين التفتازاني في «التلويح» أن المراد بأصول الشريعة هنا هي أدلتها الكلية وأن في تعليق الحمد عليها تنبيه على جلالة قدر العلم الذي حصل التصنيف فيه وهو علم أصول الفقه، بينما مباني الأصول هي علم العقائد. وتمهيدها هو تسويتها بحيث تكون على وفق الحق ونهج الصواب وهذا عبارة عن بنائها على أربعة أركان كما يفصح عنه فيما يأتي. ينظر: التلويح ج 1 ص 22 وحزامة الحواشي ج 1 ص 15، وحاشية محمد عصمتي ق 13.
الجزء 1 · صفحة 75
الأطراف والجَوانب (¬1) (دقيقة (¬2) المَعاني (¬3)، بنَى على أربَعة أركان (¬4) قصر الأحكام (¬5)، وأحكَمَه بالمُحكَمات غايَة الإحكام وجعَل المُتَشابِهات (¬6) مقصوراتِ خِيام الاستِتار (¬7) ابتِلاءً لقُلوب الرَّاسخين) فإنَّ إنزال المُتشابِهات على مذهَبنا، وهو: الوقف اللَّازم على قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ} [آل عمران:7]،لابتِلاء الرَّاسخين في العِلم بِكَبح (¬8) عنان (¬9) ذِهنهم عن التَّفكُّر فيها، والوصول إلى ما يشتاقون إلَيه من العِلم بالأسرار الَّتي أودعها فيها، ولم يُظهِر (¬10) أحدًا مِن خلقه عليها.
¬
(¬1) رقة أطرفها بكونها معضلة التفاريع متشعبة الجزئيات. كما في حزامة الحواشي ج 1 ص 15.
(¬2) في أ: دقيق.
(¬3) دقة المعاني: كون العلل الجزئية لكل مسألة غامضة لطيفة لا يصل إليها كل أحد، وبذلك تظهر مزيّة العلماء وترتفع درجاتهم. ينظر: التلويح ج 1 ص 22، وحاشية محمد عصمتي ق 13.
(¬4) قوله: «بنى على أربعة أركان ... إلخ» بيان لكيف أن الله سبحانه وتعالى جعل أصول الشريعة ممهدة المباني. ينظر: حاشية محمد عصمتي ق 13.
(¬5) في هذا تشبيه للأحكام الشرعية بقصر أسسه الشارع الحكيم، وهذا القصر مبني على أربعة أركان هي القرآن والسنة والإجماع والقياس، إذ هي الأصول التي ترجع إليها الأحكام الشرعية.
(¬6) المتشابه من النصوص: هو ما خفي المراد منه لنفسه ولم يُدرك عقلًا ولا نقلًا. كذا تعريفه عند صدر الشريعة كما يظهر من تقسيمه كما سيأتي في مراتب الخفاء.
وعرّفه صاحب «المنار» بأنّه: اسم لما انقطع رجاء معرفة المراد منه.
ومنه: المقطعات في أوائل السور واليد والوجه والعين وغيرها من الصفات التي دلّت ظواهر النصوص على إثباتها للخالق سبحانه، مع القطع بامتناع ثبوت معانيها الظاهرة له -سبحانه وتعالى-، لتنزهه عن الجسمية والمحدودية والتبعض والتحيز في مكان أو جهة، لأن كل هذه صفات المخلوق لا الخالق، فإنه سبحانه كان ولا مكان، والمحدودية صفة المعدودات، والتبعض صفة المركب، والتركيب آية المخلوق.
وحكمه: اعتقاد حقيَّته وإن كنّا لا نعلم معناه.
ينظر: نور الأنوار ص 169.
(¬7) إشارة إلى أن الشارع الحكيم جعل من أقسام الكتاب ما هو مستتر مخفي، ومقصورات خيام: محبوسات في الخيام، وهو تشبيه للمتشابهات التي غاب علمها عن الخلق بما يضرب عليه الخيام ليبقى مستترًا مخفيا عن الناس وفي ذلك إشارة إلى حور الجنة وقوله تعالى: {حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَام} [الرحمن:72]. ينظر: التلويح ج 1 ص 23.
(¬8) كبح الدابة باللجام، أي: ردّها. ينظر: جمهرة اللغة ج 1 ص 282.
(¬9) العنان: يأتي جمعًا لعنانة وهي السحابة، تقول: عنان السماء. ويأتي بمعنى عنان اللجام وهو السير الذي تمسك به الدابة وجمعه أعنة، والأظهر أنه المراد، فكأنه شبه الذهن بحصان جامح يُكبح عنانه عن التفكر في المتشابهات. ينظر: لسان العرب ج 13 ص 291+294.
(¬10) في أ: يظفر.
الجزء 1 · صفحة 76
(والنُّصوص منصَّة عرائس (¬1) أبكار أفكار (¬2) المتفكِّرين) مَنصَّة العروس: مكان يُرفع (¬3) عليه العروس (¬4) للجَلوة (¬5) (وكَشَفَ القناع عن جمال مجمَلات (¬6) كتابه بسُنَّة نبيِّه المُصطفى وفَصل خِطابه (¬7)) أي: الخِطاب (¬8) الفاصِل بين الحقِّ والبَاطل (صلَّى اللَّه عليه وعلى آلِه وأصحابه ما رفَع أعلام (¬9) الدّين بإجماع المُجتهدين (¬10)، ووَضَع معالِم (¬11) العلم على مسالِك المعتَبِرين).
أراد «بمعالِم العلم» العِلل الَّتي يعلم القائس بها الحُكم في المقيس، وأراد «بالمعتَبِرين» بكسر الباء (¬12) القائسين، ومسالكَهم هي مواقِع سلوكهم بأقدام الفِكر من موارد النُّصوص إلى الأحكام الثَّابِتة في الفُروع، فمَبدأ (¬13) سُلوكهم هو لفظ النَّصِّ فيَعبرون مِنه إلى معانيه اللُّغويَّة الظَّاهرة، ثمَّ مِنها إلى معانيه الشَّرعِيَّة الباطِنة، فيجِدون فيها علاماتٍ وأماراتٍ وضَعها (¬14) الشَّارِع ليهتَدوا بِها إلى مقاصِدهم (¬15).
¬
(¬1) في ج: عراس.
(¬2) أبكار الأفكار: نتائج الأفكار. ينظر: التلويح ج 1 ص 24.
(¬3) في أ و هـ: ترفع.
(¬4) العروس تطلق على المذكر والمؤنث على حدٍّ سواء، وجمعها نسوة عرائس، ورجال أعراس أو عُرُس. ينظر: لسان العرب ج 12 ص 135.
(¬5) وفي ذلك تشبيه للنصوص الشرعية بالمنصة، ونتائج أفكار المجتهدين وهي المعاني الاستنباطية والأحكام الفكرية الغامضة يظهرها أهل الاجتهاد على النصوص كما يظهر العروس على المنصة. ينظر: حزامة الحواشي ج 1 ص 16.
(¬6) المجملات جمع للمجمل: وهو ما ازدحمت فيه المعاني واشتبه المراد اشتباها لا يدرك بنفس العبارة بل بالرجوع إلى المُجمِل بالاستفسار ثم الطلب ثم التأمل. أو ما لا يدرك لغة لمعنى زائد ثبت شرعا أو لانسداد باب الترجيح لغة فوجب الرجوع فيه إلى بيان المجمِل. ينظر: كشف الأسرار ج 1 ص 43+54.
(¬7) وفصل خطاب النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان من جملة السنة، إلا أنه عُطِف عليه من قبيل عطف الخاص وهو هنا فصل خطاب النبي، على العام وهو هنا سنة النبي بيانًا على عظم أمره وجلالة منزلته، وهو الموضوع لبيان الشريعة، وتعظيم أمره على باقي أقسام السنة لأسباب، الأول: أن القول موضوع للبيان بخلاف الفعل، والثاني: أن أكثر الأحكام مبنية عليه بخلاف الفعل، والثالث: أنه متفق على حجيته بخلاف الفعل. ينظر: التلويح ج 1 ص 24، وحاشية ملاخسرو ج 1 ص 49.
(¬8) في هـ: خطابه.
(¬9) جمع علَم وهو الراية، أي: أن رايات مراسم الدين مرفوعة بإجماع المجتهدين. ينظر: التلويح ج 1 ص 24 وحاشية محمد عصمتي ق 14.
(¬10) فإنَّ الحكم المجمع عليه مرفوع لا يوضع ومنصوب لا يخفض، وإن كان يجوز نسخه إن كان ظنيًا عند الجمهور، ولو كان قطعيًا عند فخر الإسلام، فإنه نادر الوقوع، وعلى هذا بُني الكلام.
والمجتهد: هو الذي يمارس عمليّة الاجتهاد للتوصل إلى الأحكام الشرعية، والاجتهاد: لغةً: من الجهد، وفي الاصطلاح: استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظنٍّ بحكمٍ شرعي، ومعنى استفراغ الوسع: بذل تمام الطاقة بحيث يحس من نفسه العجز عن المزيد عليه.
ينظر: التلويح ج 1 ص 24 + ج 2 ص 259، وحاشية الفناري ج 1 ص 49، وكشف الأسرار ج 3 ص 262.
(¬11) جمع معلَم بفتح اللام، وهو: الأثر الذي يستدل به على الطريق. ينظر: حاشية عصمتي ق 14.
(¬12) في د: الياء.
(¬13) في أ: ومبدأ.
(¬14) في د: نصبها.
(¬15) حاصل الكلام: ذكر عمليات القياس المتسلسلة على سبيل الإجمال. ينظر: حاشية عصمتي ق 15.
الجزء 1 · صفحة 77
ولمَّا قال: «بنى على أربعةِ أركانٍ قصرَ الأحكام»، ذكَر الأركانَ الأربَعَة وهي الكِتابُ والسُّنَّةُ والإجماعُ والقِياسُ على الوَجهِ الّذي بنى الشَّارِع قصرَ الأحكامِ عليها. (¬1)
(وبعد؛
فإنَّ العبدَ المتوسِّلَ إلى اللَّهِ تعالى بأقوى الذَّريعة (¬2) عُبَيد اللّه بن مسعود بن تاج الشَّريعة جدَّ (¬3) سعده (¬4) وسعِد جدُّه (¬5) يقول: لمَّا رأيتُ فُحول (¬6) العلماء مُكبِّين) أي: مُقبِلينَ علَيها، مِن «أكبَّ على وجهِهِ»: سقَط َعليه، فإنَّ مَن أقبَلَ على الشَّيء غاية الإقبال فكأنَّه أكبَّ علَيه.
(في كُلِّ عهد وزمان على مُباحَثة (¬7) أصول الفِقه (¬8) للشَّيخ الإمام (¬9) مُقتَدى الأئمَّة العِظام فخر الإسلام عليٌّ البزدويُّ (¬10) -بوَّأه اللَّه تعالى دار السلام (¬11) - وهو كِتاب جليل الشَّأن، باهِر البُرهان (¬12)، مركوز كُنوز
¬
(¬1) أي: أن المصنِّف أشار للأركان الأربعة على الترتيب المتقرر في أصول الفقه؛ فابتدأ بالإشارة للكتاب العزيز بذكر الآيات المحكمات والمتشابهات، ثم ذكر سنة النبي صلى الله عليه وسلم صريحا في معرض بيان علاقتها بالكتاب، ثم ذكر الإجماع ومن بعد القياس في معرض صلاته على الرسول الكريم. ينظر: حاشية عصمتي ق 15.
(¬2) الذريعة هي ما يدني الإنسان إلى مقصده، وأصلها: أن الصياد كان إذا أراد صيد وحشٍ أرسل إليه بعيرًا يرعى معه حتى يألف كل منهما صاحبه، ثم يستتر الصياد بالبعير حتى إذا حاذى الوحش رماه فصاده، وهذا البعير يسمى ذريعة. ينظر: الزاهر في معاني كلمات الناس ج 1 ص 501.
(¬3) أي: عظم أو صار جديدًا. ينظر: حاشية عصمتي ق 15.
(¬4) السعد اليُمن وهو خلاف النحس، تقول: سعُد يومنا ويوم سعد. ينظر: مختار الصحاح ص 148، ولسان العرب ج 3 ص 213.
(¬5) يدعو لجدّه بالسعادة أو أنه يدعو لبخته بالسعد، وقد سبق بيانه.
(¬6) هذه استعارة لمن كمُل علمه وقدِر على استخراج المطالب العلمية. كما في حاشية عصمتي ق 15.
(¬7) في هـ: مباحث.
(¬8) في ب و د و هـ: الأصول.
(¬9) زيادة من أ.
(¬10) في د و هـ: اليزدوي، والإمام فخر الإسلام البزدوي: أبو الحسن علي بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم البزدوي، لقبه: الشهيد أبو العسر، قال عنه الذهبي: «شيخ الحنفية في زمانه، وكان يضرب به المثل في حفظ المذهب، وتوفي سنة أربعمئة واثنين وثمانين هجرية» اهـ، وله كتاب أصول الفقه الذي شرحه البخاري في كشف الأسرار، وهو الكتاب المراد في كلام المصنف. ينظر: سير أعلام النبلاء ج 18 ص 602، والجواهر المضية ج 1 ص 372، وكشف الأسرار، ج 1 ص 81.
(¬11) في أ: الإسلام.
(¬12) أي: أن مكانة الكتاب عظيمة وحجته غالبة تبهر غيرها من الحجج وتفوقها، وأصله قمر باهر، أي: يغلب ضوءه ضوء الكواكب وذلك ليلة البدر، ويقال: بهر فلانٌ فلانًا إذا علاه وغلبه. ينظر: التلويح ج 1 ص 25، وتهذيب اللغة ج 6 ص 155، والمحيط في اللغة ج 1 ص 307.
الجزء 1 · صفحة 78
معانيه في صُخور (¬1) عِباراته (¬2)، مرموز غوامِض نُكَته في دقائقِ إشاراته (¬3)، ووجدتُ (¬4) بعضهم طاعنين على ظواهِر ألفَاظِه؛ لقُصور نظرهم عن مواقِع ألحاظِه) أي: لا يُدرِكون بإمعان النَّظر ما يُدرِكه (¬5) هو بِألحاظ (¬6) عينه مِن غير أن ينظُر إليه قصدًا.
(أرَدتُ تنقيحَه (¬7) وتنظيمَه (¬8)، وحاولتُ) [أي: طلبتُ] (¬9) (تبيينَ مُراده وتفهيمَه، وعلى قواعد المعقول (¬10) تأسيسَه وتَقسيمَه (¬11)، مورِدًا فيه زُبدة مباحثِ «المَحصول» (¬12) وأصولِ الإمامِ (¬13) المدقِّقِ جمَالِ العربِ (¬14) ابنِ الحاجبِ (¬15)، مع تحقيقاتٍ بديعةٍ وتَدقيقاتٍ غامِضةٍ منيعةٍ، تخلو الكتُب عنها سالِكًا فيه مسلَك الضَّبطِ والإيجاز، مُتشبّثًا بأهدابِ السِّحر، متمسِّكا بِعُروة الإعجاز).
¬
(¬1) في د: ضجور.
(¬2) مركوز، أي: مدفون، والكنوز جمع كنز وهو المال المدفون أو المحرز في وعاء، شبه المعاني التي في كتاب فخر الإسلام بالكنوز الثمينة المدفونة في العبارات التي شبهها بالصخور لصعوبتها وجزالتها في التوصل إلى نفائس المعاني. ينظر: لسان العرب ج 5 ص 356+401، والتلويح ج 1 ص 25.
(¬3) الرمز: الإشارة بتحريك الحاجب أو الشفتين، والنكتة: هي النقطة ومنه النكت في الأرض بنحو الأصبع، ثم أطلقت على المسألة اللطيفة التي أخرجت بدقة نظر وإمعان، وقيل: هي الجملة المنقحة المحذوفة الفضول، وقيل: هي اللطيفة المؤثرة في القلب. ومناسبة تسميتها: أن من تأمل وأخرج معنى دقيقًا نكت في الأرض عادة، والمراد أنه أومأ إلى المسائل الخفية اللطيفة في أثناء إشارته الدقيقة. ينظر: العين ج 7 ص 366، والتعريفات ص 246، والمصباح المنير ج 2 ص 624 والكليات ص 907، وحاشية عصمتي ق 15، والتلويح ج 1 ص 25.
(¬4) في أ: ورأيت.
(¬5) في ج: يدرك.
(¬6) وهي جمع لحاظ، على خلافٍ في اللام بالكسر أو الفتح، وهو مؤخر العين ومنه الملاحظة ورجلٌ لحَّاظ، واللّحظ: النظر للشيء بمؤخر العين. ينظر: تاج العروس ج 20 ص 268+270، والتلويح ج 1 ص 25.
(¬7) تنقيح الجذع تشذيبه وإصلاحه وتنقيح الشعر تهذيبه. ينظر: الصحاح تاج اللغة ج 1 ص 413، وتاج العروس ج 3 ص 108.
(¬8) في ج: تنظمه.
(¬9) ساقطة من د.
(¬10) قواعد علم الميزان وهو المنطق. ينظر: التلويح ج 1 ص 25.
(¬11) قد يُفهم من هذا الكلام: أن كتاب فخر الإسلام لم يخلُ من زوائد احتاجت إلى التَّنقيح، ولا شتائت احتاجت للتَّنظيم، ولا غوامِض احتاجت للتَّبيين والتَّفهيم، وأنّ الكتاب محتاج للتأسيس على قواعد علم المنطق من حيث مراعاة شروط التعريفات والحجج والتقسيمات. ينظر: التلويح ج 1 ص 25، وحاشية الفناري ج 1 ص 50.
(¬12) المراد: محصول فخر الإسلام الرازي للإمام أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرَّازي خطيب الري (تـ 606 هـ)؛ فإنَّه كثيرًا ما يتعرّض له في الكِتاب كما سترى.
(¬13) في أ: الإسلام، والمراد كتاب منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل لابن الحاجب، وقد اختصره ابن الحاجب بما عرف بمختصر ابن الحاجب. ينظر: كشف الظُّنون، ج 2 ص 1852.
(¬14) في ج و د: الدِّين.
(¬15) ابن الحاجب عثمان بن عمر بن أبي بكر الكردي المالكي (تـ 646 هـ)، وهو مقرئ وأصولي ونحوي وفقيه، وله في الفقه مختصرًا وفي الأصول مختصرًا وفي النحو «الكافية» وشرحها و «الأمالي»، وفي الصرف «الشافية» وشرحها. ينظر: سير أعلام النبلاء ج 23 ص 264، والمنهل الصافي ج 7 ص 421، وغاية النهاية في طبقات القراء ج 1 ص 508، وبغية الوعاة في
طبقات اللغويين والنحاة ج 2 ص 134 وما بعدها.
الجزء 1 · صفحة 79
اختار في الإعجاز العُروة وفي السِّحر الأهداب؛ لأنَّ الإعجاز أقوى وأوثَق من السِّحر (¬1)، واختار في العُروة لفظ الواحد وفي الأهداب لفظ الجَمع؛ لِأنَّ الإعجاز في الكَلام أن يؤدَّى المعنى بِطريق هو أبلغ مِن جميع ما عداه من الطّرُق، ولا يكون هذا (¬2) إلَّا واحدًا، فأمَّا السِّحر في الكلام فهو دونَ الإعجاز وطُرُقه (¬3) فوق الواحِد فأورَد فيه لفظَ الجَمع.
(وسمَّيته بـ «تنقيح الأصول»، [واللَّه تعالى مسؤول] (¬4) أن يُمتِّعَ بِه مؤلّفَه، وكاتِبَه، وقارِئَه، وطالِبَه، ويجعلَه خالصًا لوجهِهِ الكريم، إنَّه هو البرُّ الرَّحيم.)
[تعريف أصول الفقه]
(أصولُ الفقه) أي: هذا أصول الفِقه، أو أصولُ الفِقه ما هي؟ فنعرِّفُها (¬5) أوَّلًا: باعتِبارِ الإضَافة، وثانيًا: باعتِبارِ أنّه لقَبٌ لعِلمٍ مخصوصٍ.
[تعريف أصول الفقه باعتباره مركّب]
أمَّا تعريفها باعتِبارِ الإضافة فيَحتاج (¬6) أوَّلًا (¬7) إلى تعريفِ المُضافِ والمُضافِ إليه (¬8).
¬
(¬1) عروة الدلو والكوز ونحوه: مقبضه، وهدب الثوب، وهدبته، وهدابه: طرف الثوب، مما يلي طرَّته -أي: حاشيته-، ولما كانت العروة أقوى من الأهداب ناسبت الإعجاز وناسب السحر الأهداب. ينظر: لسان العرب ج 15 ص 45+ج 1 ص 780 والمحكم والمحيط الأعظم ج 9 ص 125.
(¬2) ساقطة من أ و د.
(¬3) في ب و ج: فطرقه.
(¬4) في أ و ب: وأسأل الله تعالى.
(¬5) في أ: فيعرفها.
(¬6) في ج: فمحتاج.
(¬7) زيادة من ج و د.
(¬8) المضاف: الأصول، والمضاف إليه: الفقه.
الجزء 1 · صفحة 80
[تعريف الأصل]
فقال: (الأصلُ: ما يُبتَنى عليهِ غيرُه) (¬1) فالابتِناء (¬2) شامِلٌ للابتِناء الحِسّيِّ (¬3) وهو ظاهرٌ، والابتناءِ العقليِّ وهو ترتُّب الحُكمِ على دليلِه (¬4). (وتعريفُه بِـ «المُحتاج إليه» لا يطَّرِدُ (¬5)) وقَد عرَّفه (¬6) في «المَحصول» (¬7) بِهذا.
واعلَم أنَّ التَّعريف: إمَّا حقيقيٌّ كتعريف الماهِيَّات الحقيقيّة، وإمَّا اسميٌّ كتَعريف الماهِيَّات الاعتِباريَّة، كما إذا ركَّبنا شيئًا مِن أمورٍ هي أجزاؤه باعتِبار تركيبنا، ثُمَّ وضَعنا لِهذا المُركَّب اسمًا كلَفظ (¬8) «الأصل» و «الفِقه» و «الجِنس» (¬9) و «النَّوع» (¬10) ونحوِها، فالتَّعريف الاسميُّ هو (¬11) تبيين أنَّ هذا الاسم (¬12) لأيِّ شيءٍ وُضِع. (¬13)
¬
(¬1) بذات التعريف عرفّه الفناري وقد ذكر البخاري أنه يطلق على ما يبتنى عليه غيره وعلى ما لا يفتقر إلى غيره. ينظر: فصول البدائع في أصول الشرائع ج 1 ص 11، وكشف الأسرار ج 3 ص 301.
(¬2) في هـ: والابتناء.
(¬3) الابتناء الحسيُّ: الذي يكون كلا طرفيه محسوسين، كابتناء السقف على الجدران. ينظر: حاشية ملا خسرو ج 1 ص 61 وتغيير التنقيح ص 3.
(¬4) في أ و ج: علّته، والذي يظهر بعد التأمل أن مراد المصنف ليس تعريف الابتناء العقلي وحصره بترتب الحكم على دليله؛ فإن ابتناء المجاز على الحقيقة والأحكام الجزئية على القواعد الكلية والمعلولات على عللها والأفعال على المصادر ابتناء عقلي، ولا شيء منها ابتناء للحكم على دليله، وإنما مراده بيان موضع الابتناء العقلي في هذا الموضع وهو ابتناء الفقه على أصوله، فصار كأنه قال: وهو هاهنا ابتناء الحكم على دليله. ينظر: حاشية ملا خسرو ج 1 ص 61 - 62.
(¬5) شرط الحدّ أو التعريف الطرد والعكس، وهو ما يُسَمَّى بالجامع المانع، فالجامعية يقابلها العكس من حيث أن جميع الأفراد التي يتناولها المعرَّف يتناولها التعريف؛ فيكون التعريف جامعًا لجميع الأفراد التي يتناولها المعرَّف. والمانعية يقابها الطرد، من حيث أن جميع الأفراد التي يتناولها التعريف يتناولها المعرَّف وبهذا يكون التعريف مانعًا من دخول غير الأفراد التي يتناولها المعرَّف، فلِهذا كان تعريف الفخر الرازي غير مطّرد؛ لأن ليس كل محتاج إليه يسمى أصلًا، وبهذا كان التعريف غير مانع. ينظر: شرح الأخضري على السلم المرونق ص 78.
(¬6) في ب: عرف.
(¬7) محصول فخر الإسلام الرازي، حيث قال: «أما الأصل فهو المحتاج إليه». ينظر: المحصول ج 1 ص 78.
(¬8)» لفظ» زيادة من ب، في باقي النسخ: كالأصل.
(¬9) والجنس هو المقول على كثرة مختلفة الحقيقة في جواب ما هو، كالحيوان مثلًا فإنه يصدق على الناطق والصاهل وغيرهما. ينظر: شرح الخبيصي على تهذيب المنطق ص 19.
(¬10) النوع: هو المقول على كثرة متفقة الحقيقة في جواب ما هو، نحو الإنسان والفرس. ينظر: شرح الخبيصي على تهذيب المنطق ص 20.
(¬11) زيادة من ب و د.
(¬12) في ب: اللفظ.
(¬13) حاصل الكلام: أن الماهيات إما أن تكون اعتبارية، أي: لا وجود لها في الخارج إلا بوضع واضع أو فرض فارض أو اعتبار معتبر، وإما أن تكون حقيقية في الواقع الخارجي، أي: لها حقيقة ثابتة في نفس الأمر. فتعريف الماهيات الحقيقية مثل تعريف الإنسان يسمى تعريفًا حقيقيًا، وتعريف الأمور الاعتبارية مثل تعريف الكرامة يسمى تعريفًا اسميًا. ينظر: التلويح ج 1 ص 28، وحاشية عصمتي ق 18، وحاشية القونوي على مرآة الأصول ج 1 ق 43.
الجزء 1 · صفحة 81
وشُرِط (¬1) لِكِلا (¬2) التَّعريفين:
1 - الطَّرد أي: كلُّ ما صدُق عليه الحدُّ (¬3) صدُق عليه المَحدود (¬4).
2 - والعكس، أي: كلُّ ما صدُق عليه المحدود صدُق عليه الحدُّ.
¬
(¬1) في أ: ويشترط.
(¬2) في أ: في كلا.
(¬3) الحدّ: هو المعرِّف الحقيقي المتكون من الجنس والفصل مثل قولك في تعريف الإنسان: حيوان ناطق، وسيأتي معنى الجنس والفصل والفرق بينهما قريبًا. ينظر: شرح الأخضري على السلم المنورق ص 74 - 75.
(¬4) المحدود: هو الشيء الذي نقوم بتعريفه باستخدام الجنس والفصل، أي: المعرَّف.
الجزء 1 · صفحة 82
فإذا قيل في تعريف الإنسان: أنّه (¬1) حيوانٌ ماشٍ؛ لا يطَّرد. ولو قيل: أنه (¬2) حيَوانٌ كاتِبٌ بالفعل؛ لا ينعكس. (¬3) ولا شكَّ أنَّ تعريف الأصل تعريفٌ اسميٌّ، أي: (¬4) بيان أنَّ لفظ الأصلِ لأيّ شيءٍ وُضِع، فالتَّعريف الّذي ذُكِر (¬5) في «المَحصول» لا يطَّرِد؛ (لِأنَّه) أي: الأصل (لا يُطلق على الفاعِل) أي: العلَّة الفاعليَّة
¬
(¬1) زيادة من أ و د.
(¬2) زيادة من د.
(¬3) تاليُا مثالين يوضحان الطرد والعكس والجامعية والمانعية:
/
(¬4) ساقطة من ب.
(¬5) في أ: ذكره.
الجزء 1 · صفحة 83
(والصُّورة) أي: العلَّة الصُّوَرِيَّة (والغاية (¬1)) أي: العلَّة الغائية (والشُّروط (¬2)) كأدَوات الصِّناعة (¬3) مثلًا؛ فعُلِم أن هذا التَّعريف صادِقٌ على هذه الأشياء لِكونها مُحتاجًا إليها (¬4)، والمَحدود (¬5) لا يصدُق عليها؛ لِأنَّ شيئًا من هذه (¬6) الأشياء لا يسمَّى أصلًا؛ فلا يصحُّ هذا التَّعريف الاسميُّ.
[تعريف الفقه]
(والفِقهُ (¬7): معرِفة النَّفس ما لها وما عليها، ويُزاد عملًا ليَخرُج [الاعتَقاديَّات والوجدانيَّات فيَخرج الكلام والتَّصوف]، ومن لم يزِد أرادَ الشّمول) هذا التَّعريف منقول عن أبي حنيفة -رحمه الله-.
فالمعرفة: [عبارة عن] (¬8) إدراكُ الجُزئيَّات عن دليل؛ فخَرج التَّقليد.
وقولُه: «ما لها وما عليها» يُمكن [أن يُراد به (¬9)] (¬10): ما تنتفع بِه النَّفس وما تتضرَّر بِه النَّفس (¬11) في الآخِرة، كما في قوله تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة:286]، فإن أُريد بِهما الثَّواب والعِقاب، فاعلم
¬
(¬1) في ج: الغائية.
(¬2) في أ: الشرط.
(¬3) في هـ: الصناعات.
(¬4) المراد: أنّ كل مخلوقٍ متوقِّف على علّة، وهذه العلة تنقسم إلى: أ- علة الماهية: وهي ما تقوم به ماهية الشيء من اجزائها. وهي إما أن تكون 1- علة مادية: وهي التي لا يجب بها وجود المعلول بالفعل بل بالقوة مثل الخشب للسرير، وهذه العلة فقط يُطلق عليها الأصل فيقال: أصل السرير الخشب. 2- علة صورية: وهي التي يجب بها وجوده كهيئة السرير المتصورة في الذهن. ب- علة الوجود: وهي ما يتوقف عليه اتصاف الماهية المتقومة بأجزائها بالوجود الخارجي. وهي إما أن تكون: 1- علة فاعلية: وهي التي تؤثر في المعلول وتوجده كالنجار. 2- العلة غير الموجدة للمعلول وهي: 1.العلة الغائية: وهي التي يكون المعلول لأجلها ولا تُوجِد المعلول، كالجلوس علّة غائيّة للسرير. 2.والشرط: كأدوات الصناعة للسرير. 3.وانتفاء الموانع. ينظر: التعريفات ص154.
(¬5) وهو الأصل.
(¬6) ساقطة من د.
(¬7) الفقه في أصل اللغة: الفهم. ينظر: الصحاح تاج اللغة ج6 ص2243.
(¬8) زيادة من أ و ج.
(¬9) زيادة من ب.
(¬10) في د: أي.
(¬11) زيادة من أ.