الأصول التي انفرد بها الصاحبان عن الإمام أبي حنيفة في الحقيقة والمجاز
الباحث: الدكتور حسني مبروك فرج الضلاعين
محاضر متفرغ
جامعة العلوم الإسلامية العالمية - الأردن
الرتبة الأكاديمية: محاضر في كلية الفقه الحنفي
hmdlain@yahoo.com
جارٍ تحميل الكتاب…
الأصول التي انفرد بها الصاحبان عن الإمام أبي حنيفة في الحقيقة والمجاز
الباحث: الدكتور حسني مبروك فرج الضلاعين
محاضر متفرغ
جامعة العلوم الإسلامية العالمية - الأردن
الرتبة الأكاديمية: محاضر في كلية الفقه الحنفي
hmdlain@yahoo.com
المستخلص
تعد مدرسة المذهب الحنفي مدرسة الرأي نموذجا يقتدى به في الاجتهاد والأصول، ولا غرو في ذلك؛ لما تتميز به من تعدد في المجتهدين الذين شُهد لهم بالاجتهاد المطلق، واعتبر خلافهم في أعلى مرتبة من مراتب المجتهدين أصحاب المذاهب، فكانت لهم أصولهم التي انفردوا بها عن سائر غيرهم حتى عُدُّوا مجتهدين مستقلين، فكان أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني قد شهد لهم القاصي والداني بالاجتهاد المطلق، إلا أنهم بقوا منتسبين لمدرسة إمامهم أبي حنيفة تأدبا واتباعا؛ مما كان له الأثر العظيم بإثراء المذهب الحنفي من عدة مشارب لا يقل بعضها عن بعض في الفهم، والفقه، والأصول؛ فانعكس على فروع المذهب وتقعيده وتقنينه إلى يومنا هذا، مستوعبا التطورات، ومرنا مع المتغيرات.
وقد جاء هذا البحث مبينا الأصول التي انفرد بها الصاحبان عن الإمام في استعمال الحقيقة والمجاز، موضحا نقاط الخلاف الأصولية في البدلية، والخلفية، والاستعمال، ومتى يحمل اللفظ على حقيقته ومتى يستعار لغيره، وبيان الأثر المترتب في استعمال الحقيقة المستعملة أو المجاز المتعارف، كما بين الباحث خلافهم في البدلية حال كونها يشترط فيها صحة الحكم أو تمام التكلم، فمن نتائج الدراسة أن الصاحبين قدما المجاز المتعارف على الحقيقة التي أمكن استعمالها خلافا للإمام أبي حنيفة، وأيضا في جعل المجاز خلفا عن الحقيقة في الحكم في حين جعلها الإمام خلفا للتكلم، وغيرها من النتائج والأصول التي لا مجال لحصرها هنا.
كما جاء في البحث الأثر المترتب على الخلاف بين الصاحبين والإمام في أحرف المعاني، والأثر المترتب على ذلك الأثر من حروف العطف، والجر، وأسماء الشرط والاستفهام، موضحا الفروق، والأثر المترتب على ذلك في حال استخدامها في معناها الحقيقي أو استعارتها لمعنى آخر تحتمله، فمثلا: عند الإمام في حرف العطف (ثم) يكون التراخي الكامل في التكلم والحكم جميعا، وعند صاحبيه يكون التراخي في الحكم مع الوصل في التكلم، وبين الباحث في موضعه النتائج المترتبة عن هذا الخلاف الأصولي في اختصار غير مخل ولا إطناب ممل، والله ولي التوفيق.
الكلمات المفتاحية: الحقيقة، المجاز، أصول الفقه، الفقه الإسلامي، الشريعة
Abstract
The principles that are unique to the Companions of the Imam in Truth and Metaphor.
The Hanafi doctrine school of opinion is a model to follow in Diligence and principles and no wonder; Because of its plurality of absolute hardworking who were witnessed absolute diligence, Their disagreement was regarded as the highest rank of independent diligence, They had their own principles, which were unique to others, until they were considered independent diligence, Abu Yusuf and Muhammad ibn al-Hasan al-Shaibani had vouch for them everybody with the utmost diligence, but they remained affiliated to the school of their Imam Abu Hanifa Discipline and following, which had a great impact by enriching the Hanafi doctrine school From several sources of not less than each other in understanding, jurisprudence and principles, reflected on the branches of the doctrine and framing and codification to this day accommodating developments and flexible with variables.
This research came out indicating the principles that the companions were unique from the imam in the use of truth and the metaphor, indicating the points of principles differences in the compensation and use, and when he wanted the pronunciation for what it is and when he wanted to metaphor, To indicate the impact on the use of the truth used or known metaphor, As the researcher showed their disagreement in the compensation if it is required by the validity of the ruling or fully speaking.
The research also stated the impact of the dispute between the companions and the Imam in the letters meanings, and the impact of that effect of conjunctions and traction and the names of the condition and questioning explaining the differences, and the impact on it if used in its real meaning or borrowed for another meaning tolerable, and between the researcher in its place The consequences of this fundamentalist dispute in the abbreviation abbreviated nor boring redundancy.
God grants success.
Keywords: Truth, Metaphor, Origins of Jurisprudence, Islamic Jurisprudence, shri'ah (Islamic Law)
المقدمة
يعتبر مبحث الحقيقة والمجاز في أصول الفقه من أكثر المباحث بحثا طولا وإسهابا ونقاشا لما له علاقة وطيدة في تفسير النصوص، فهو من جانب المتكلم الذي يستعمل العبارات المناسبة في كتابته أو حديثه، فهو يمثل لبنة رئيسة من أجزاء النظم الذي يرجع فيه لتفسير النص الشرعي أو حتى اللغوي، لذلك كان من الأهمية بمكان بأن أفرد له الأصوليون صفحات؛ مبينين الأصول التي تبنى عليه الفروع بناء على تلك القواعد، وقد اختلف الصاحبان رضوان الله عليهما مع إمامهما أبي حنيفة -رضي الله عنه- في بعض القواعد الأصولية في استعمال الحقيقة والمجاز اختلافا ظهر أثره في الفروع، كما خالف الصاحبان الإمام -رضي الله عنهم أجمعين- في استعمال حروف المعاني واستعارتها في معان أخرى، فكانت لهما أصول انفردا بها عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
وقد جاء البحث مبينا معنى الحقيقة والمجاز، ومفسرا الخلاف بين أهل اللغة و الأصوليين في معنى الاستعارة والمجاز، والعلاقة بينهما من حيث الخصوص والعموم؛ مبينا الفرق والأثر المترتب عليه، ثم موضحا الخلاف الأصولي بين الإمام -رضي الله عنه- والصاحبين -رضي الله عنهما- في الأصول والخلفية في الاستعمال، ثم باحثا عن الأثر المترتب والناتج عن استعمال حروف المعاني في الحقيقة والاستعارة في معان تحتملها.
مشكلة البحث
يعتبر المذهب الحنفي من أثرى المذاهب تنوعا؛ لوجود أئمة كبار لا يقل أحدهما عن الآخر في الأصول والنظر، وقد خالف الصاحبان الإمام في بعض الأصول، وسيقوم الباحث في بحثه بالإجابة عن السؤال الرئيس والمتمثل بـ
ما الأصول التي انفرد بها الصاحبان عن إمامهم أبي حنيفة في استعمال الحقيقة والجاز؟
ويلزم لذلك الإجابة عما يلي:
1 - ما الفرق بين الأصوليين وأهل اللغة في الاستعارة؟
2 - ما الأصول التي خالف بها الصاحبان -رضي الله عنهما- الإمام أبا حنيفة –رضي الله عنه- في استعمال الحقيقة والمجاز؟
3 - ما الأصول التي خالف بها الصاحبان -رضي الله عنهما- الإمام أبا حنيفة –رضي الله عنه- في حروف المعاني؟
4 - ما الأصول التي خالف بها الصاحبان -رضي الله عنهما- الإمام أبا حنيفة –رضي الله عنه- في أدوات الشرط والاستفهام؟
أهمية البحث
تكمن أهمية البحث في حاجة الباحثين لمعرفة الأصول التي انفرد بها الصاحبان -رضي الله عنهما- عن الإمام أبي حنيفة –رضي الله عنه- فعُدّا مجتهدين مطلقين منتسبين في المذهب الحنفي، فلهما الاعتبار في الخلاف مع أقرانهما من الأئمة الأعلام أيضا كالإمام مالك والشافعي وابن حنبل، ولمعرفة أثر الاختلاف في الأصول، وانعكاسه على الفروع في المذهب الحنفي، وتخريج المسائل عليه.
أهداف البحث: يهدف البحث إلى:
يهدف البحث إلى معرفة الأصول التي انفرد بها الصاحبان – رضي الله عنهما – عن إمامهما أبي حنيفة – رضي الله عنه- وبيان الأثر المترتب عن ذلك وفق الأهداف الآتية:
1 - بيان الفرق بين الاستعارة و المجاز في الاستعمال بين أهل اللغة والأصوليين.
2 - معرفة الأصول التي تفرد بها الصاحبان- رضي الله عنهما- عن إمامهما أبي حنيفة -رضي الله عنه- في الحقيقة والمجاز.
3 - إظهار الفروق بين الإمام وصاحبيه في استعمال حروف المعاني: مجازا و حقيقة.
محددات البحث
- سيكون البحث مقتصرا على بيان الفرق في استعمال مصطلح الاستعارة بين أهل اللغة والأصوليين بحسب المذهب الحنفي.
- مناقشة مواضع الخلاف بين الإمام وصاحبيه -رضي الله عنهم- في الحقيقة والمجاز وترك مواضع الاتفاق.
- بحث الخلاف بين الإمام وصاحبيه- رحمهم الله - دون غيرهما من أئمة المذهب: أمثال الإمام زفر أو الشافعي رحمهما الله.
الدراسات السابقة:
- الدبوسي، أبو زيد عبيدالله عمر الحنفي، تأسيس النظر، تحقيق مصطفى محمد القباني الدمشقي، مكتبة الأزهر الأثرية، حيث يعتبر هذا الكتاب للإمام الدبوسي مرجعا رئيسا لبيان الخلاف بين الإمام وصحبيه وغيرهم رضوان عليهم، لكن لم يتم بيان الفروق الأصولية في المجاز والحقيقة كشخصية منفردة وإنما عني ببيان الفروع والقواعد العامة التي كانت سببا في الخلاف
- لم أجد دراسة مختصة أو بحثا في بيان الفروق الأصولية بين الإمام وصاحبيه في المجاز إلا في كتب الحنفية الأصولية التي ناقشت الأمر كمبحث من مباحثها، ولم أقف على دراسة حديثة تبين ذلك مفصلا.
منهج البحث
أولا: المنهج الوصفي: من خلال البحث في مفهوم المجاز والحقيقة، وبيان ماهيته ومفرداته وتعريفه بشكل واضح؛ لبناء التصور السليم
ثانيا: المنهج التحليلي: تحليل النصوص التي تم جمعها في مرحلة الوصف، وتبويبها، وتحليلها بشكل منهجي سليم.
ثالثا: المنهج المقارن: من خلال مقارنة النصوص والأصول واستنباط النتائج والفروق.
هيكلية البحث
المبحث الأول: الفرق في الاستعارة بين أهل اللغة والأصوليين
المطلب الأول: المجاز عند أهل اللغة.
المطلب الثاني: المجاز عند الأصوليين.
المطلب الثالث: الفرق بين الحقيقة والمجاز بين أهل اللغة والأصوليين.
المبحث الثاني: القواعد الأصولية التي انفرد بها الصاحبان عن الإمام في المجاز
المطلب الأول: مخالفة الصاحبين الإمام في تقديمهما المجاز المتعارف على الحقيقة المستعملة.
الفرع الأول: تحرير محل النزاع
الفرع الثاني: وجه الاستدلال
الفرع الثالث: أثر اختلاف الأصول على الفروع
المطلب الثاني: مخالفة الصاحبين الإمام في الخلفية في المجاز.
الفرع الأول: تحرير محل النزاع
الفرع الثاني: وجه الاستدلال
الفرع الثالث: أثر اختلاف الأصول على الفروع
المبحث الثالث: مخالفة الصاحبين الإمام الاستعارة لمبحث أحرف المعاني
المطلب الأول: مخالفة الصاحبين الإمام في استعارة أحرف العطف.
الفرع الأول: مخالفة الصاحبين الإمام في استعارة حرف العطف (الواو) في حمل موجبها على الاجتماع او الافتراق.
الفرع الثاني: مخالفة الصاحبين الإمام في استعارة حرف العطف (الواو) في حمل موجبها على الحال.
الفرع الثالث: مخالفة الصاحبين الإمام في استعارة حرف العطف (أو).
الفرع الرابع: مخالفة الصاحبين الإمام في في استعارة حرف العطف (ثم).
المطلب الثاني: مخالفة الصاحبين الإمام في استعارة أحرف الجر
الفرع الأول: مخالفة الصاحبين الإمام في استعارة حرف الجر (على).
الفرع الثاني: مخالفة الصاحبين الإمام في استعارة حرف الجر (من).
الفرع الثالث: مخالفة الصاحبين الإمام في استعارة حرف الجر (في).
المبحث الرابع: مخالفة الصاحبين الإمام في استعارة أسماء الشرط والاستفهام
المطلب الأول: مخالفة الصاحبين الإمام في استعارة أسم الشرط (إذا).
المطلب الثاني: مخالفة الصاحبين الإمام في استعارة اسم الاستفهام (كيف).
النتائج والتوصيات:
المبحث الإول
الفرق في الاستعارة بين أهل اللغة والأصوليين
الناظر لأهل اللغة والبيان في استعمال الحقيقة والمجاز يجد أن الأصوليين يستخدمون لفظ الاستعارة للفظ بدل قولهم يحمل على المجاز، بينما تجد أهل البلاغة يفرقون بين الاستعارة بحيث تعد قسما من المجاز لا قسيما له، وفي هذا المبحث نجلي الأمر ونبين الفرق إن شاء الله، فنبين أولا المعنى عند البلاغيين ثم عند أهل الأصول ثم الفرق بينهما
المطلب الأول: المجاز عند أهل البلاغة
الحقيقة لغة: هو الشيء الثابت قطعًا ويقينًا، يقال: حق الشيء، إذا ثبت، وهو اسم للشيء المستقر في محله، فإذا أطلق يراد به ذات الشيء
الذي وضعه واضع اللغة في الأصل .. فالحقيقة: هي الكلمة المستعملة فيما وضعت له في اصطلاح به التخاطب (¬1).
وأما المجاز: اسم لما أريد به غير ما وضع له لمناسبة بينهما .. سمي به لأنه متعدٍّ من محل الحقيقة إلى محل المجاز، وقوله: "لمناسبة بينهما" احترز به عما استعمل في غير ما وضع له لا لمناسبة؛ فإن ذلك لا يسمى مجازًا؛ بل كان مرتجلًا أو خطأ .. والمجاز: ما جاوز وتعدى عن محله الموضوع له إلى غيره؛ لمناسبة بينهما؛ إما من حيث الصورة، أو من حيث المعنى اللازم المشهور، أو من حيث القرب والمجاورة .. والمجاز اللغوي: هو الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له بالتحقيق في اصطلاح به التخاطب، مع قرينة مانعة عن إرادته، أي إرادة معناها في ذلك الاصطلاح (¬2).
ومن هنا يعلم أنه لا بد للمجاز من علاقة ينتقل بها الذهن من المعنى الأول إلى المعنى الثاني، وأن تكون هناك مناسبة خاصة بين المعنيين: المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، كعلاقة المشابهة: مثل قولك رأيت سحبان يخطب تريد رجلا فصيحا، وكعلاقة السببية بالمسببية في المجاز المرسل نحو قولك: رعت الماشية الغيث، تريد النبات (¬3).
ومن هنا لا نحصر المجاز في كل لفظ وضع لغير ما استعمل له، بل لا بد من وجود مناسبة بين المعنيين وعلاقة مانعة تمنع المعنى الحقيقي، وذلك احترازا عن الغلط، كمن ينادى على ابنه زيد بلفظ عمرو، واحترازا عن النقل في ما اصطلح عليه أهل الاختصاص من ألفاظ في صنعتهم، كالألفاظ الشرعية مثل الصلاة: إذا استعملها المتكلم بعرف الشرع في الأركان المخصوصة، فليست بمجاز لعدم استعمالها في غير ما وضعت له في اصطلاح التخاطب وهو الشرع.
وتقسم العلاقة بين المعنى الحقيقي والمجازي عند أهل اللغة إلى قسمين:
1 - القسم الأول المشابهة: كمن يقول رأيت قمرا في السرير، فهناك علاقة بين المعنى الحقيقي القمر، والمعنى العارض الذي استعمل فيه لفظ القمر من حيث الوضاءة والجمال، فلا يلتبس عليك المعنى، لأن القمر الحقيقي لا يتصور وجوده في السرير، فكلمة السرير قرينة مانعة لإرادة المعنى الحقيقي وبيان لإرادة المعنى العارض، فهذه العلاقة تسمى المشابهة، وانبثق عنها نوعي الاستعارة اللغوية؛ فالاستعارة عبارة عن تشبيه حذف أحد طرفيه، فعلاقته المشابهة وهي قسمان: التصريحية وهي التي صرح بها بالمشبه به، ومكنية وهي ما حذف فيها المشبه به ورمز له بشيء من لوازمه (¬4).
2 - القسم الثاني: المجاز المرسل، أو العلاقة العقلية: هي الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له لعلاقة غير المشابهة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي، كعلاقة السببية والمسببية، واللازمية والملزومية، والكلية، والجزئية، وغيرها من علاقات ليس المقام هنا لتفصيلها وذكرها (¬5).
والحاصل أن الاستعارة والتي علاقتها المشابهة هي قسم من المجاز وليست مرادفا له، فهي إحدى نوعي المجاز؛ لوجود نوع آخر وهو المجاز المرسل الذي لا تعتبر فيه علاقة المشابهة كما بينا.
¬
(¬1) الجرجاني، التعريفات (ج1/ ص89 - 90).
(¬2) الجرجاني، التعريفات (ج1/ 202 – 203)؛ انظر: الجارم، أمين، البلاغة الواضحة (ص66).
(¬3) انظر: عوني، المنهاج الواضح للبلاغة (ج3/ 211 - 213)
(¬4) الجارم، أمين، البلاغة الواضحة (ص 66 - 71)
(¬5) عوني، المنهاج الواضح للبلاغة (ج3/ 294 - 305)
المطلب الثاني: المجاز عند الأصوليين
وقبل تعريف المجاز لا بد من بيان الحقيقة أولا عند الأصوليين، فما الحقيقة وما المجاز في عرفهم؟
فالحقيقة: اسم لكل لفظ أريد به ما وضع له؛ فكونها (لفظ) فهي من عوارض الألفاظ لا المعاني فهو جنس في التعريف، وأما (أريد به ما وضع له)، فهو فصل في التعريف، خرج به المهمل والمجاز، وأما المراد (بوضع اللفظ) فهو تعيينه للمعنى بحيث يدل عليه من غير قرينة، فإن كان من جهة واضع اللغة؛ فوضع لغوي، وإن كان من جهة الشرع؛ فوضع شرعي، وإن كان من قوم مخصوص؛ فوضع عرفي. وحكم الحقيقة هو وجود ما وضع له خاصا كان أو عاما (¬1)؛ فالحقيقة ما يكون مستقرا في موضوعه مستعملا فيه، والمجاز ما يكون متجاوزا عن موضوعه مستعملا في غيره (¬2).
والمجاز: اسم لكل لفظ أريد به غير ما وضع له لمناسبة بينهما، فاحترز به عن الغلط باستعمال لفظ الأرض في السماء، فإنه لا مناسبة بينهما وإنما قيلت على سبيل الغلط، واحتراز به عن الهزل، فمع كونه أريد به غير ما وضع له؛ لكن لا مناسبة بينهما، وحكم المجاز هو وجود ما استعير له خاصا كان أو عاما (¬3).
والحاصل أن المجاز حتى يكون مجازا لا بد من توفر شرطين:
الشرط الأول: أن تكون بينه وبين الحقيقة مناسبة وصلة.
والشرط الثاني: لا بد من قرينة تمنع المعنى الحقيقي ويصار من خلالها إلى المجاز.
ومن هنا فاللفظ في غير ما وضع له له ثلاث حالات: إما ان يكون خطأ ليس بمجاز: كمن ينادي على زيد بعمرو، وإما ان يكون نقلا: كالاصطلاحات الشرعية العرفية وهذا ليس بمجاز وإنما حقيقة عرفية، أو ان يكون مجازا: أطلق اللفظ واريد به معنى وأردت به معنى آخر لكن يرتبط بهذا المعنى، وهذا يسمى مجازا.
فطريق معرفة الحقيقة هو التوقيف؛ أي التنصيص من الواضع؛ فلا يوقف عليها إلا بالنقل عن واضع اللغة بمنزلة النصوص في الشرع؛ فإنها لا تثبت حججا إلا بعد السماع من صاحب الشرع والنقل عنه، قال صاحب الفصول: (والأصل في ألفاظ المجاز أن طريقها السمع وما ورد منها في اللغة، وليس يجوز لنا أن نتعدى بها مواضعها التي تكلمت العرب بها) (¬4). و إن طريق معرفة المجاز لا يتوقف على السماع بل يتوقف على معرفة طريقه الذي سلكه أهل اللسان في استعماله، وهو رعاية الاتصال بين محل الحقيقة والمجاز، قال الجصاص: (فلا يستعمل المجاز إلا في موضع يقوم الدليل عليه، وإلا فحكم اللفظ أن يكون محمولا على الحقيقة أبدا حتى تقوم دلالة المجاز) (¬5).
¬
(¬1) ابن الملك، شرح منار الأنوار (ص 107 - 108)؛ انظر الجصاص، الفصول في الأصول (ج1/ 361) .. وغيره
(¬2) البخاري، كشف الأسرار (ج2/ 68)
(¬3) ابن الملك، شرح منار الأنوار (ص 107 – 108)
(¬4) الجصاص، الفصول في الأصول (ج1/ 367)
(¬5) المصدر السابق (ج1/ 368)
والملاحظ أن كلاهما: الحقيقة و المجاز يوجبان إثبات الحكم، وإيجاب العمل به، إلا عند التعارض؛ فتكون الحقيقة أولى في إثبات الحكم والعمل بها؛ لأنها أصل والمجاز عارض، كما إنهما متساويان من حيث العموم والخصوص، لكنهما يفترقان في اللزوم والبقاء؛ فإن الحقيقة لازمة باقية، حتى لم يصح نفيها عن موضوعها (¬1).
ومن هنا يظهر لنا وجه الوفاق بين أهل اللغة والأصوليين:
أولا: المجاز عند أهل اللغة و المجاز عند الأصوليين يتشابهان في التعريف والقيود العامة من حيث الماهية والخلفية؛ فالمجاز خلف عن الحقيقة.
ثانيا: كلاهما يوجبان وجود الاتصال بين الحقيقية والمجاز ليصار إليه، وإنه لا بد من قرينة مانعة لإرادة المعنى الحقيقي حتى يصار إلى المجاز.
ويظهر محل النزاع بين أهل اللغة من البلاغيين والأصوليين من الحنفية في علاقات المجاز والاستعارة، فهل كلا الفريقين لهما نفس العلاقات أم يختلفان؟
ولتحرير محل النزاع يجب بيان الفرق وهو ما سيناقش في المطلب التالي.
المطلب الثالث: الفرق بين الحقيقة والمجاز بين أهل اللغة والأصوليين
وقبل البدء في معرفة الفرق بين الحقيقة والمجاز لا بد من تصوير المسألة وتحرير محل النزاع:
أولا: الأصوليون من الحنفية وإن اتفقوا بالمعنى العام مع أهل اللغة إلا إنهم غير ملزمين بجميع العلاقات التي نص عليها أهل اللغة والبلاغة، فليس كون المجاز عاما أنه يعم جميع أنواع علاقاته جملة في لفظ؛ بحيث يذكر اللفظ به حاله ومحله، وما كان عليه وما يؤول إليه، وغيرها من علاقات المجاز المرسلة أو العقلية عند أهل اللغة، بل المراد أن يعم أفراد نوع واحد، كما يراد بالصاع جميع ما يحل فيه.
ثانيا: إن لفظ (استعير) الذي استعمله الفقهاء من الحنفية ليس هو المراد بالاستعارة المتعارف عليها عند أهل اللغة، فالاستعارة عند أهل اللغة هي نوع من أنواع المجاز، وعند الأصوليين ترادف المجاز، فأهل البيان قسموا العلاقة إلى قسمين:
الأول: علاقته المشابهة كما مر معنا ويشمل الاستعارة بأقسامها
والثاني: المجاز المرسل أو العقلي الذي ليس فيه مشابهة: كإطلاق اسم السبب على المسبب مثل: إطلاق الغيث على النبات، وكإطلاق اسم الكل على الجزء كالأصابع على الأنامل، وغيرها من العلاقات الخمس وعشرين (¬2).
وأما الاستعارة عند الأصوليين فهي الاتصال بين المعنى الحقيقي والمجازي، وهذا الاتصال إما أن يكون صورة، أو أن يكون معنى، فالاستعارة عند الاصوليين بمعنى المجاز عند علماء البلاغة.
والحاصل إن علاقة المجاز أو الاستعارة عند الحنفية لها طريقان:
الطريق الأول: نظير المعنى والعلاقة المشابهة؛ كأن تستعمل عقدا وتريد به عقدا آخر لمشابهة بين العقدين، ومثاله: مَن تَصدق على غني بمال ونوى به الهبة؛ فالصدقة عقد والهبة عقد آخر، فالصدقة عقد لا يباح الرجوع به، بينما الهبة عقد يصح الرجوع به، فالظاهر صدقة
¬
(¬1) البخاري، كشف الأسرار (ج2/ 59 - 63)
(¬2) عوني، المنهاج الواضح للبلاغة (ج3/ 294 - 305)؛ البخاري، كشف الأسرار (ج2/ 87)
والحقيقة هبة، فلو أراد المتصدق على الغني الرجوع في صدقته صح ذلك، و أما لو وهب فقيرا مبلغا من المال ونوى به الصدقة، فليس له الرجوع بها، لأن الظاهر هبة والحقيقة صدقة، والصدقة لا رجوع فيها (¬1).
والحاصل إن الصدقة على الغني تقع هبة لأنه يملك استرجاعها، بينما الهبة للفقير صدقة فلا يملك الرجوع بها، واستُعمل عقد وأريدَ به عقدٌ آخر، وأما المشابهة بين العقدين فكلاهما تبرعٌ لا يقابله عوض من المعطى له، فاستُعمل أحد العقدين في عقد آخر.
وأيضا نظير المعنى والمشابهة الاتصال بين الحوالة والوكالة؛ فإن معنى الحوالة نقل الدين من ذمة إلى ذمة، ومعنى الوكالة نقل ولاية التصرف، وكذا الكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة، والحوالة بشرط مطالبة الأصيل كفالة لتشابههما في المعنى (¬2).
والطريق الثاني: نظير الصورة والعلاقة المجاورة، كالاتصال بين السبب والمسبب، والعلة والمعلول، والمجاورة حال كل منهما يفضي إلى الحكم، فكأن هناك طريق أوله العلة وآخره المعلول، أو بدايته السبب وآخره المسبب، فإن المسبب يتصل بالسبب ويجاوره صورة، وكذا المعلول يتصل بالعلة ويجاورها (¬3).
ومثاله: اتصال المعلول (الحكم) بالعلة كاتصال الملك (المعلول) بالشراء (العلة)؛ فإنه يوجب الاستعارة بين الطرفين، فيجوز أن تذكر العلة ويراد الحكم، وأن يذكر الحكم وتراد العلة؛ لأن الحكم يحتاج إلى العلة من حيث الثبوت، والعلة محتاجة إلى الحكم من حيث الشرعية، فمن قال: (إن اشتريت عبدا فهو حر) ونوى به الملك (المعلول)، أو قال: (إن ملكت عبدا فهو حر) ونوى به الشراء (العلة)، يصدق ديانة (¬4).
وأما اتصال السبب بالمسبب، فإنه يجوز ذكر السبب ويراد به المسبب لا العكس، فيصح استعارة السبب للحكم دون عكسه، فيجوز أن يقول لزوجته (أنت حرة) ويريد الطلاق، ولا يجوز أن يقول لأمته أنت طالق ويريد به الحرية، لأن المسبب محتاج إلى السبب من حيث الثبوت، والسبب لا يحتاج إلى المسبب من حيث الشرعية، فالسبب أصل، والمسبب فرع، وتفصيل ذلك وأمثلته بالمطولات لا سبيل لذكره هنا (¬5).
ومن خلال تصوير المسألة وتحرير محل النزاع في هذا المبحث نخلص إلى:
أولا: وضحنا الفرق بين الأصوليين وأهل البلاغة في استعمال لفظ الاستعارة؛ فعند الأصوليين هي مرادفة للمجاز، و عند أهل اللغة والبيان هي قسم من أقسام المجاز.
الثاني: ليس كون المجاز عاما أنه يعم جميع أنواع العلاقات من المجازات المرسلة أو العقلية كما هو عند أهل اللغة، بل المراد أن يعم أفراد نوع واحد، كما يراد بالصاع جميع ما يحل فيه.
الثالث: بيان علاقة المجاز عند أصولي الحنفية من حيث الصورة والمعنى مع التمثيل لها.
ومن خلال هذا العرض والتمهيد عند السادة الحنفية ننتقل إلى الإجابة في المبحث التالي عن القواعد الأصولية التي خالف بها الصاحبان الإمام في الخلفية والبدلية في المجاز.
¬
(¬1) ملاجيون، نور الأنوار شرح رسالة المنار (ص292 – 302)
(¬2) البزدوي، كشف الأسرار (ج2/ 91 - 92)
(¬3) ملاجيون، نور الأنوار (ص292 – 302)
(¬4) المصدر السابق
(¬5) المصدر السابق
المبحث الثاني
القواعد الأصولية التي انفرد بها الصاحبان عن الإمام في المجاز
وقبل أن نشرع في هذا المطلب لا بد من معرفة أن ثمت أصول قد اتفق عليها الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد رضي الله عنهم وأرضاهم، وهناك أصول قد تفرد بها الصاحبان عن إمامهم أبي حنيفة، فلم يكونا مقلدين لإمامهم، وهذا فيه دلالة على أن الصاحبين باستقلالهم ببعض الأصول قد بلغوا مرتبة الاجتهاد المستقل، إلا إنهم تأدبا مع إمامهم بقوا تحت كنفه، ينتسبون إليه، ولو أراد كل واحد منهم أن يستقل بمذهب مستقل لكان له ذلك (¬1).
وأما فيما يتعلق بالمجاز فقد اتفق الأئمة الثلاث على أن المجاز خلف عن الحقيقة، ولا يصار إلى المجاز إلا إذا تعذرت الحقيقة أو هجرت عرفا أو شرعا (¬2). فلا خلاف بين الإمام وصاحبيه في خلفية المجاز عند تعذر الحقيقة فلا تثبت إلا عند فوات المعنى الحقيقي وتعذر العمل به، لهذا افتقر المجاز إلى القرينة في حين استغنى المعنى الحقيقي عنها، فإذا إذا تعذرت الحقيقة أو تعسر الوصول إليها إلا بمشقة، أو كانت مهجورة شرعا أو عرفا فإنه يصار إلى المجاز اتفاقا بين الأئمة الثلاث
ويكمن محل النزاع في الخلاف الأصولي بين الإمام وصاحبيه في حال إذا كانت الحقيقة مستعملة والمجاز متعارفا، فهل يصار إلى تقديم الحقيقة المستعملة ولا يصار إلى المجاز، أم يقدم المجاز المتعارف على الحقيقة المستعملة؟ وهذا ما سيناقش في المطلب التالي.
المطلب الأول: مخالفة الصاحبين الإمام في تقديمهما المجاز المتعارف على الحقيقة المستعملة
الحقيقة المستعملة هي ما أمكن استخدامها ولم تهجر بالكلية مع قلة استعمال الناس لها، أما المجاز المتعارف عليه فهو الغالب في تعامل الناس؛ أي أن استعماله في عرف الناس أكثر من استعمال الحقيقة، فهو المتبادر إلى الذهن والأفهام (¬3).
الفرع الأول: تحرير محل النزاع:
يكمن محل النزاع في حال إذا كانت الحقيقة مستعملة والمجاز متعارف عليه، فإلى أي معنى يصار إليه، حيث انبثق عن ذلك وجهان:
الوجه الأول: ذهب الإمامُ أبو حنيفة رضي الله عنه إلى تقديم الحقيقة المستعملة على المجاز المتعارف؛ فإذا كانت الحقيقة مستعملة والمجاز متعارفا فالعمل بالحقيقة المستعملة مقدم على المجاز المتعارف.
الوجه الثاني: انفرد الصاحبان عن إمامهم أبي حنيفة في هذا الأصل؛ فقدما المجاز المتعارف على الحقيقة المستعملة.
¬
(¬1) فقد ذكر صاحب الجواهر المضية: (غير أنهم لحسن تعظيمهم للأستاذ، وفرط إجلالهم لمحله، ورعايتهم لحقه، تشمروا على تنويه شأنه، وتوغلوا في انتصاره والاحتجاج لأقواله، وروايتها للناس، ونقلها لهم وردهم إليها، والإفتاء عند وقوع الحوادث بها، وتجرّدا لتحقيق فروعها وأصولها، وتعيين أبوابها وفصولها ... والأخذ بقوله أوثق للمفتي وأرفق للمستفتي، على ما قال مسعر بن كدام: من جعل أبا حنيفة بينه وبين الله تعالى رجوت أن لا يُخاف عليه، ولم يكن مفرطا على نفسه في الاحتياط)؛ القرشي، الجواهر المضية في طبقات الحنفية (ج1/ 155)
ذكر المرجاني في ناظورة الحق: (فشأن الأئمة الثلاث: أبي يوسف ومحمد بن الحسن وزفر أرفع وأجل من أن لا يعرفوا بالاجتهاد المطلق، فحالهم في الفقه إن لم يكن ارفع من مالك والشافعي وأمثالهم، فليسوا دونهما، فالمجتهد المطلق: هو صاحب الملكة الكاملة في الفقه، والنباهة، وفرط البصيرة، والتمكن من الاستنباط المستقل به من أدلته، كأبي حنفية، وأبي يوسف، ومحمد، وزفر، ومالك، والشافعي، وأحمد، والثوري، والأوزاعي)؛ المرجاني، ناظورة الحق في فرضية العشاء وإن لم يغب الشفق (ص189 - 193)
(¬2) ملاجيون، نور الأنوار شرح رسالة المنار (ص302 – 304)
(¬3) ابن عابدين، حاشية نسمات الأسحار على شرح إفاضة الأنوار على متن أصول المنار (ص112)
الفرع الثاني: أوجه الاستدلال:
أولا: وجه قول الإمام أبي حنيفة:
إن المجاز خلف عن الحقيقة، ولا يصار إليه إلا عند تعذر الحقيقة أو تعسر الوصول إليها أو هجرانها شرعا أو عرفا، وهنا أمكن استعمال الحقيقة في موضعها، فلا يصار إلى المجاز، فالمستعار لا يزاحم الأصل، فترجحت الحقيقة لعدم المزاحمة و لإمكان استعمال الأصل عند الإمام رحمه الله (¬1).
ثانيا: وجه قول الصاحبين:
ذهب الصاحبان إلى تقديم المجاز المتعارف على الحقيقة المستعملة؛ فإذا كانت الحقيقةُ مستعملةً والمجازُ متعارفًا قُدّمَ المجاز المتعارف على الحقيقة المستعملة؛ لأنه المتبادر إلى الأفهام والأذهان، ولأن المجاز المتعارف عليه هو الغالب في تعامل الناس؛ أي أن استعماله في عرف الناس أكثر من استعمال الحقيقة (¬2)، فكان لهذا الاستعمال والتبادر في الأذهان الأثر عند الصاحبين في ترجيحه على الحقيقة المستعملة، وفي رواية يقدم عموم المجاز، فتدخل الحقيقة لا كحقيقة وإنما كفرد من أفراد المعنى المجازي (¬3).
الفرع الثالث: اثر الاختلاف في الأصول على الفروع
نتج عن هذا الخلاف في الأصول بين الإمام وصاحبيه خلافا ظهر بالفروع؛ ومثاله:
المثال الأول:
من حلف (أن لا يأكل من هذه الحنطة) ولم تكن له نية، فعند الإمام رحمه الله يحنث بالأكل من عين الحنطة لا الخبز؛ لإمكان استعمال الحنطة في القضم والقلي، وليست متعذرة أو متعسرة أو مهجورة شرعا أو عادة، فلا يصار إلى المجاز (الخبز)، فلو أكل خبزا لا يحنث عند الإمام؛ لإمكان استعمال الحقيقة (¬4).
وأما الصاحبان فقد ذهبا إلى أنه يحنث بأكل الخبز؛ لأنه المتبادر إلى الأذهان، ولأن غالب الاستعمال بالخبز لا بغيره، وإن كانت الحقيقة ممكن العمل بها، فلا يحنث بأكل عينها في رواية، وفي رواية يحنث بأكل عين الحنطة ويحنث أيضا بالخبز، لكن ليس من باب الجمع بين الحقيقة والمجاز، فهو متعذر عند الحنفية - فلا يجمع بين الحقيقة والمجاز مرادين بلفظ واحد (¬5) - وإنما من حيث عموم المجاز، فيكون
¬
(¬1) الشاشي، أصول الشاشي (ص 53 - 58)؛ ابن الملك، شرح منار الأنوار في أصول الفقه (ص124)؛ ملاجيون، نور الأنوار شرح رسالة المنار (ص302 – 304)
(¬2) ابن عابدين، حاشية نسمات الأسحار على شرح إفاضة الأنوار على متن أصول المنار (ص112)
(¬3) الشاشي، أصول الشاشي (ص 53 - 58)؛ ملاجيون، نور الأنوار شرح رسالة المنار (ص302 – 304)؛ ابن أمير حاج، التقرير والتحبير (ج2/ 49)
(¬4) الجصاص، الفصول في الأصول (ج1/ 46)؛ التفتازاني، التلويح على التوضح (ج1/ 79)
(¬5) (قال أبو بكر (الجصاص): ومتى تناول اللفظ معنيين هو في أحدهما مجاز وفي الآخر حقيقة فالواجب حمله على الحقيقة، ولا يصرف إلى المجاز إلا بدلالة؛ لأن الأظهر من الأسماء أن كل شيء منها فهو مستعمل في موضعه، ولا يعقل منه العدول به عن موضعه إلا بدلالة، والحقيقة هي اللفظ المستعمل في موضعه الموضوع له في اللغة، والمجاز هو المعدول به عن حقيقته والمستعمل في غير موضعه الموضوع له في أصل اللغة، ولا يجوز أن يعدل به عن جهته وموضعه إلا بدلالة)؛ الجصاص، الفصول في الأصول (ج1/ 46)
المعنى الحقيقي ليس مرادا كونه حقيقة بل باعتباره فردا من أفراد المجاز، فالمراد المعنى المجازي والحقيقة جزء من هذا المعنى لا لكونها حقيقة، فيحنث بالأكل من عينها وبأكل الخبز منها (¬1)
المثال الثاني:
فيما لو حلف أن لا يشرب من الفرات، فعند الإمام أبي حنيفة رحمه الله لا يحنث إلا إذا شرب كرعا- والكرع لغة: كرع في الماء شرب بفيه من موضعه، فإن شرب بكفيه أو بشيء آخر فليس بكرع (¬2) - لأنه المعنى الحقيقي وعادة أهل البوادي فعله، فلو شرب بإناء أو بالاغتراف لا يحنث، لأن المعنى الحقيقي أمكن استعماله فلا يصار إلى المجاز.
وذهب الصاحبين رضي الله عنهما يحنث بالكرع مباشرة بالشرب من النهر وبالاغتراف جميعا؛ لعموم المجاز لا باعتبار الحقيقة، فالمراد هو المعنى المتعارف بين الناس المتبادر إلى الأذهان، وإن كانت الحقيقة ممكنة في العمل، فحنثه بالكرع باعتبار أنها فرد من أفراد المجاز (¬3).
والحاصل:
أن هذا الأصل انفرد به الصاحبان: أبو يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني رضي الله عنهما، عن الإمام أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه؛ فنتج عنه خلاف في الفروع، فخالف الصاحبان إمامهما في هذا الأصل، وهذا ما يثبت ويدلل أن الصاحبين لم يكونا مقلدين لإمامهما بالكلية في الأصول، وإنما وافقاه في أصول وخالفاه في أصول أخرى، فعد الصاحبان مجتهدان مستقلان منتسبان لمدرسة إمامهم.
إلا إن هذا الخلاف مبني على أصل آخر ما بين الصاحبين والإمام، وهو أن المجاز خلف للحقيقة في التكلم أم للحكم؟ وهذا ما سيناقش في المطلب التالي.
المطلب الثاني: مخالفة الصاحبين الإمام في الخلفية في المجاز
الفرع الأول: تحرير محل النزاع:
اتفق الإمام والصاحبان على أنه لا يصار إلى المجاز ألا عند تعذر الحقيقة أو هجرانها عادة أو شرعا، واختلف الإمام وصاحبيه في الحقيقة المستعملة والمجاز المتعارف أيهما يقدم عند اجتماعهما، فقدم الإمام الحقيقة المستعملة، فيما قدم الصاحبان المجاز المتعارف، فالخلاف المذكور مبني على أصل أخر مختلف فيما بينهم، وهو أن المجاز هل هو خلف للحقيقة في التكلم، أم هو خلف للحقيقة في الحكم.
ولبسط الخلاف وتجلية الأمر فإن المجاز خلف عن الحقيقة بالاتفاق، ولا بد في الخلف أن يتصور وجود الأصل ولم يوجد العارض، وهذا بالاتفاق أيضا لكنهم اختلفوا في جهة الخلفية:
الاتجاه الأول: ذهب الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه إلى أن المجاز خلف عن الحقيقة في التكلم (¬4).
الاتجاه الثاني: ذهب الصاحبان – أبو يوسف ومحمد - إلى أن المجاز خلف عن الحقيقة في الحكم (¬5).
¬
(¬1) البخاري، كشف الأسرار (ج2/ 82 - 86)؛ ملاجيون، نور الأنوار (ص 305)، الجصاص، الفصول في الأصول (ج1/ 78)
(¬2) الفيومي، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير (ج2/ 531)
(¬3) الشاشي، أصول الشاشي (ص 53 - 58)، ابن أمير حاج، التقرير والتحبير (ج2/ 49)
(¬4) التفتازاني، التلويح على التوضيح (ج1/ 154 - 155)؛ ابن الملك، شرح منار الأنوار في أصول الفقه (ص125)؛ ملا جيون، نور الأنوار (ج1/ 309)
(¬5) التفتازاني، التلويح على التوضيح (ج1/ 156 - 157)؛ ملاجيوان، نور الأنوار (ج1/ 309)؛ ابن أمير حاج، التقرير والتحبير (ج2/ 50)
الفرع الثاني: أوجه الاستدلال
أولا: وجه الاستدلال عند الإمام في اشتراطه صحة التكلم بالحقيقة من حيثُ العربيةُ حتى يصار إلى المجاز؛ فلا بد لصحة المجاز من استقامة الأصل من حيث اللغة وإن لم يستقم المعنى الحقيقي، فيصار إلى المعنى المجازي (¬1).
ثانيا: وجه الاستدلال عند الصاحبين قولهم أنه ينبغي أن يستقيم الحكم الحقيقي؛ أي انتقال الذهن في المجاز من الموضوع له إلى لازمه الثاني؛ أي اللازم موقوف على الأول الموضوع له، فيكون اللازم خلفا وفرعا للموضوع له، وهذا هو المراد بالخلفية في حق الحكم فلا بد من إمكانه؛ أي إمكان الأول وهو المعنى الموضوع له؛ لتوقف المعنى المجازي عليه (¬2).
والحاصل:
إن الإمام أبا حنيفة يرى أن الحقيقة والمجاز من أوصاف اللفظ بإجماع أهل اللغة، فجعل المجاز خلفا عن الحقيقة في التكلم الذي هو استخراج اللفظ أولى؛ لأن الحقيقة والمجاز لا يجريان في المعاني، لأن الاستعارة نقل، ولا يتصور النقل في المعاني؛ لأن المعنى هو ماهية المستعار عنه، ولا يقبل النقل إلى المستعار له بحيث يصير عينه عينه، كما الصفات لا تقبل الانتقال؛ لأن صفة الشيء هي القائمة به فكيف تقبل النقل عنه، وإنما يتصور الانتقال في الالفاظ (¬3)، فبناء على قول الإمام يكفي صحة الكلام من حيث العربية فقط ككونه مبتدأ وخبرا سواء صح معناه أو لا، ثم يثبت الحكم بناء على صحة التكلم بطريق الابتداء لا خلفا عن حكمه الحقيقي (¬4).
وللصاحبين أن المجاز خلف عن الحقيقة في الحكم؛ لأن الحكم هو المقصود لا نفس العبارة، فاعتبار الخلفية والأصالة فيما هو المقصود أولى من اعتبارهما فيما هو وسيلة وهي العبارة، فلا بد لثبوت الخلف من تصور الأصل فيشترط أن يكون الأصل في مخرجه صحيحا موجبا للحكم حتى يصار إلى المجاز، وإلّا اعتبر الكلام لغو (¬5).
الفرع الثالث: اثر الاختلاف في الأصول على الفروع.
وتظهر ثمرة الخلاف بين الإمام والصاحبين في أنه يشترط لثبوت المجاز إمكان الحقيقة في نفسها عندهما حتى لو لم تكن ممكنة لا يصار إلى المجاز وصار الكلام لغوا، وعند الإمام يصار إلى المجاز وإن لم تكن الحقيقة ممكنة في نفسها، ويظهر أثر هذا الخلاف الأصولي في بناء الفروع ومثاله:
فيمن قال لعبده الأكبر منه سنا: (هذا ابني)، فلا يصار إلى المجاز عند الصاحبين لاستحالة الحقيقة، وعنده يصار إلى المجاز فيعتق العبد، فلأبي حنيفة بحسب أصله أن النظر إلى التكلم من حيث اللغة لا من حيث صحة الحكم، فقوله هذا ابني مرادا به الحرية خلفا عن هذا ابني مرادا به البنوة، فيعتق العبد عند الإمام؛ لأنه جاء بما يصح الاستعارة بهذا الكلام، وهو استقامة الأصل من حيث العربية؛ لأن هذا الكلام
¬
(¬1) ملاجيوان، نور الأنوار (ج1/ 309)
(¬2) المرجع السابق
(¬3) البخاري، كشف الأسرار (ج2/ص114)
(¬4) ابن عابدين، حاشية نسمات الأسحار على شرح إفاضة الأنوار (ص112)
(¬5) البخاري، كشف الأسرار (ج2/ 114 – 115)
صحيح بعبارته من حيث كونه مبتدأ وخبرا موضوعا لإثبات الحكم، وقد تعذر العمل بحقيقته لاستحالة أن يكون الولد أكبر من والده فتعين المجاز، فيراد به العتق بطريق ذكر الملزوم وإرادة اللازم؛ لئلا يلغو الكلام وهو العتق (¬1).
وللصاحبين؛ المجاز خلف عن الحقيقة في الحكم؛ أي في صحة الحكم ابتداءً قبل المصير للمجاز، ففي هذا ابني مرادا به الحرية خلف عن حكم مرادا به البنوة؛ فينبغي أن يكون الأصل في موضعه صحيحا موجبا للحكم على الاحتمال، ولكن تعذر به لعارض؛ فيكون الكلام لغوا فلا يعتق العبد؛ لأن إمكان المعنى الحقيقي الذي هو شرط لصحة المجاز لا يوجد في هذا الكلام؛ لأن الأكبر سنا لا يمكن أن يكون ابنا للأصغر؛ فلا يحمل على المجاز الذي هو العتق، فلا بد لثبوت الخلف من تصور الأصل فيشترط أن يكون الأصل في مخرجه صحيحا موجبا للحكم على الاحتمال، ولكن يتعذر العمل به بعارض فيخلفه المجاز في إثبات الحكم، لكن الكلام في نفسه غير منعقد لإيجاب الحكم أصلا فلا يمكن أن يجعل المجاز خلفا عنه فيكون الكلام الصادر من قوله للعبد الذي هو أكبر منه سنا: (هذا ابني) لغوا ولا ينبي عليه حكم ولا أثر (¬2).
ولم يكتف ملاجيون في تفسيره صحة الكلام بعبارته عند الإمام أبي حنيفة كونه صحيحا بعبارته من حيث كونه مبتدأ وخبرا وموضوعا لإثبات الحكم فحسب كما نص عليه العلماء، بل لا بد مع استقامة المعنى بعبارته أن تستقيم الترجمة المفهومة منه لغة أيضا، ولم يمتنع عقلا؛ فقوله (هذا ابني) صحيح من حيث العربية والترجمة وكان المعنى الحقيقي محالا بالنظر إلى الخارج، صير إلى المجاز؛ لئلا يلغو الكلام وهو العتق من حين ملكه؛ لأن الابن يكون حرا على الأب دائما؛ والشاهد عند ملاجيون أنه عند الإمام أبي حنفية لو قال الرجل لعبده (أعتقتك قبل أن تخلق أو أخلق) أنه باطل لا يصح تكلمه مع أنه بحسب العربية صحيح إلا أن الترجمة المفهومة لا تستقيم منه لغة، لذلك نص ملاجيون بقوله: (وليس معنى كونه صحيحا استقامة العربية فقط كما ظنه علماؤنا)؛ فلا بد من استقامة الترجمة المفهومة لغة (¬3).
والحاصل من هذا المطلب بيان أصل من الأصول التي انفرد به الصاحبان رضي الله عنهما عن إمامهما أبي حنيفة رضي الله عنه في الخلفية للمجاز والصيرورة إليها، فقد شرط الصاحبان أن يستقيم الحكم ابتداء حتى يصار إلى المجاز في حين اعتبر الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه صحة التكلم لا الحكم، فعند تعذر العمل بالحقيقة صير إلى المجاز وإن لم يصح الحكم.
المبحث الثالث
مخالفة الصاحبين الإمام في استعارة أحرف المعاني
لا شك أن أحرف المعاني هي من أقسام الكلمة، حيث تقسم الكلمة إلى اسم وفعل وحرف، فالاسم هو ما دل على معنى في نفسه، والفعل ما دل على معنى في نفسه مع ارتباطه بزمن ماض أو حاضر أو مستقبل، والحرف هو ما دل على معنى في غيره، فالحرف بنفسه لا يدل على معنى تام، وأحرف المعاني جعلت روابط للجمل والكلمات يتمم فهم معنى الخطاب، ولها معان أصيلة في نفسها من حيث الوضع، ولها معان أخرى مجازية تحمل عليها بحسب استعمالها في معناها التي وضعت له.
وكان للصاحبين رضوان الله عليهما أصولهما التي انفردا بها عن إمامهما أبي حنيفة رضي الله عنه، حيث ستناقش المطلبين هذا الخلاف الأصولي، مبين أصل كل منهما في البناء وحمل الألفاظ، مظهرة أصول الصاحبين المستقلة في النظر باعتبارهما مجتهدين مستقلين.
¬
(¬1) ابن الملك، شرح منار الأنوار (ص124 - 125)؛ ملاجيون، نور الأنوار (ج2/ 306 – 310)
(¬2) البخاري، كشف الأسرار (ج2/ 114 – 115)؛ ابن الملك، شرح منار الأنوار (ص 124 - 125)؛ ملاجيون، نور الأنوار (ج2/ 306 – 310)
(¬3) الحقاني، النامي شرح منتخب الحسامي (ص46)؛ ملاجيون، نور الأنوار (ج1/ 308 - 309)
المطلب الأول: مخالفة الصاحبين الإمام في استعارة أحرف العطف
تعتبر أحرف العطف من حروف المعاني التي تقوم بربط الجمل والمفردات بعضها ببعض، وكان للأئمة رضوان الله عليهم نظرهم وأصولهم الخاصة كعادتهم في النظر والتأمل وبناء الأصول ووضع الضوابط التي تترك بها المعاني الأصيلة وتستعار لغيرها، وكان للصاحبين رضي الله عنهما أصول انفردا بها عن إمامهما رضي الله عنه في هذا الباب نوردها بالفروع الآتية:
الفرع الأول: مخالفة الصاحبين الإمام في استعارة حرف العطف (الواو) في حمل موجب الكلام
يعد حرف الواو من حروف العطف الذي يفيد في حقيقته مطلق الاشتراك والجمع (¬1) من غير تعرض لمقارنة ولا ترتيب، فهو لمطلق الشركة، فإن كان في عطفه المفرد على المفرد فالشركة ثابتة في المحكوم عليه، وإن كان في الجمل فمجرد الثبوت لا الاشتراك في الحكم (¬2)، ومن هنا يظهر إن المعنى الحقيقي للواو هو مطلق الشركة في الحكم في حال كون المعطوف والمعطوف عليه مفردا.
المسألة الأولى: تحرير محل النزاع
يرد هنا خلاف أصولي بين الإمام وصاحبيه في موجب الكلام، هل يقع موجب الكلام على الافتراق أم الاجتماع عند عطف المفرد على المفرد فيمن قال لغير الموطوءة: "إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق وطالق"؟ فقد ذهب الإئمة إلى اتجاهين اثنين:
الاتجاه الأول: ذهب الإمام أبو حنيفة إلى وقوع طلقة واحدة فقط
الاتجاه الثاني: ذهب الصاحبان إلى وقوع ثلاث طلقات.
فيظهر للناظر أن الواو وقعت للترتيب عند الإمام، بينما وقعت عند الصاحبين للمقارنة، وهذان المعنيان خلاف معناهما الحقيقي الذي يقتضي مطلق الشركة فقط من غير ترتيب ولا مقارنة (¬3).
ويجاب على ذلك:
بأن الواو ليست للترتيب ولا المقارنة، وإنما تقتضي الشركة فقط، فالحنفية لم يخرجوا عن أصولهم في ذلك، وإنما الخلاف في اعتبار الطلاق الواقع طلقة واحدة أو ثلاث لغير الموطوءة، وهذا الخلاف مبناه يعود لأصل انفرد به الصاحبان عن إمامهم، حيث موجب الكلام عند الإمام على الافتراق، بينما موجب الكلام عند الصاحبين على الاجتماع.
¬
(¬1) عباس حسن، النحو الوافي (ج3/ 557)
(¬2) انظر: ملاجيون، نور الأنوار (ص324) ()
(¬3) نقل عن مالك ونسب إلى أبي يوسف ومحمد رضي الله عنهم أن من معاني الواو الاجتماع، وزعم بعض أصحاب الشافعي وادعاه بعض الأصحاب بناء على أصل أبي حنيفة أنها تفيد الترتيب، ويجيب الرهاوي في شرحه على المنار، أن لنا ما نقله أبوعلي الفارسي من إجماع أهل البلدين على أنها لمطلق الجمع، وكذا ذكره سيبويه في سبعة عشر موضعا في كتابه، وكفى بمثل هذا النقل حجة في المباحث اللغوية فلا يلتفت معه إلى عداه من الأدلة فإنها مزيفة لا يثبت بمثلها المطلوب. انظر: الرهاوي، شرح المنار وحواشيه (ص432 - 433).
المسألة الثانية: أوجه الاستدلال
وبناء على ما ذكر فإن كلا من الفريقين كان له وجه في الاستدلال كالآتي:
أولا: وجه كلام الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه:
إن الترتيب لم ينشأ من الواو؛ بل نشأ من ذكر الطلقات متعاقبة على وجه يتصل الأول بالشرط بلا واسطة، والثاني بواسطة؛ لأن الجملة الناقصة مفتقرة إلى الكاملة فتعلق الثاني بعد تعلق الأول، والثالث بواسطتين، فإذا تعلقن على هذا النحو بهذا الترتيب نزلن كذلك عند وجود الشرط، فلما نزل الأول قبل الثاني والثالث لم يبق محل للثاني والثالث، لأن غير الموطوءة ليس لها عدة، وبعد الطلقة الأولى لم تعد محلا للطلاق، فأصبحت الثانية والثالثة لغوا؛ يعني أن الكلام وهو أنت طالق هو كلام تام صدر من أهله مضاف إلى محله فلا يتوقف على آخره لعدم اتصاله بما يوجب توقفه، فينزل به الطلاق في المحل القابل قبل التلفظ بما بعده ويرتفع المحلية لعدم العدة، فلا يلحقها شيء (¬1).
ثانيا: وأما وجه كلام الصاحبين رضي الله عنهما:
إن موجب الكلام عندهما الاجتماع، فتقع الطلقات مجتمعة؛ لأنه لو لم يكن كذلك لما علق الثلاث كلها بشرط واحد؛ فصار كأنه كرر الشرط بأن قال: "إن دخلت الدار فأنت طالق" "وإن دخلت الدار فأنت طالق" " وإن دخلت الدار فأنت طالق"، فإذا وجد الشرط وقعن جملة واحدة (¬2)، قال ابن الملك: (الاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه المتعلقين بالشرط بلا واسطة؛ وذلك لأن قول وطالق جملة ناقصة، جزاء بغير شرط؛ فيصير ما يتم به الأولى وهو الشرط شرطا للثانية، ولما ساوت الثانية والثالثة الأولى في التعليق بالشرط يقعن جملة، إذ ليس بين الأجزئة ما يوجب صفة الترتيب) (¬3)، هذا ومال فخر الإسلام وصاحب التقويم إلى قولهما (¬4).
والحاصل:
أولا: انفراد الصاحبين -رضي الله عنهما- عن إمامهما أبي حنيفة -رضي الله عنه- في موجب الكلام عند تقدم الشرط فيما ذكرنا، مما يظهر لنا بأن الصاحبين كان لهما أصول انفردا بهما عن شيخهم، فكانا مجتهدين مطلقين منتسبين.
ثانيا: إن الواو عند الأئمة الثلاث بالاتفاق ليست للترتيب ولا المقارنة، وإنما البحث في التكلم اللساني، لذلك اتفقوا جميعا على من قال لزوجته
¬
(¬1) انظر ابن الملك، منار الأنوار مع حواشيه (ص 423)؛ الزهاوي، حاشية الزهاوي على ابن الملك (432 – 435)؛ ملا جيون، نور الأنوار (ص426)
(¬2) ((السنبلي، حاشية السنبلي على ملاجيون (ص326 – 327)؛ انظر: ابن الحلبي، أنوار الحلك على حاشية ابن الملك (ص 433 - 434)؛ عزمي زاده، حاشية عزمي زاده على ابن الملك (ص433 – 434).
(¬3) ابن الملك، منار الأنوار وحواشيه (ص433)
(¬4) ابن الملك، المصدر السابق (ص433)، البخاري، كشف الأسرار (ج1/ 166 – 168)؛ ابن عابدين، حاشية نسمات الأسحار على شرح إفاضة الأنوار (ص117)
هذا و يورد على كلام الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه أن المعلق ليس بطلاق في الحال؛ بل له صلاحية أن يقع طلاقا عند وجود الشرط، فما لم يكن طلاقا في الحال لا يقبل وصف الترتيب؛ لأن الوصف لا يسبق الموصوف فكان العبرة بحال الوقوع ولم يوجد فيه ما يوجب تفرق أزمنة الوقوع. انظر: ابن الملك، منار الأنوار وحواشيه (ص434).
غير الموطوءة: " أنت طالق وطالق وطالق" إنما تبين بواحدة، لأن وقوع الطلقة الأولى في محلها قد جعل الثانية والثالثة من غير محل، فأصبحت لغوا لأنها لم تصادف محلها، وهذا ليس لدلالة الواو على الترتيب وإنما جاء من التكلم اللساني؛ لأن الإنسان لا يقدر أن يتكلم بثلاث كلمات دفعة واحدة، فإذا تكلم بالأول ووقع الفراغ عنه لم يبق المحل للثاني والثالث، بدليل أنه لو قال بلا واو:" أنت طالق طالق طالق" لغير الموطوءة تبين بالأولى بالاتفاق، فعلم أنه لا مدخل للواو فيه (¬1).
الفرع الثاني: مخالفة الصاحبين الإمام في استعارة حرف العطف (الواو) في حمل موجبها على الحال
وتستعار الواو بمعنى الحال بحيث تكون شرطا وقيدا، فتحمل من معناها الحقيقي وهو مطلق الشركة والجمع إلى معنى آخر وهو الحال، وقد خالف الصاحبان الإمام في الاستعارة وعدمها في العطف كما سيعرض تاليا:
المسألة الأولى: تحرير محل النزاع:
خالف الصاحبان رضي الله عنهما الإمام في حمل الواو على الحال؛ أي في استعارتها للحال؛ بحيث يكون الحال شرطا أو قيدا، كمن قال لعبده: "أدّ إلي ألفا وأنت حر"؛ فكأنه قال له: " أنت حر إن أديتَ إليّ الفا"، فحملت الواو على معناها المجازي وليس الحقيقي الذي هو مطلق العطف، إلى معنى آخر فيه معنى الشرطية والقيد (¬2)، إذ لا يحسن العطف ها هنا؛ لأن الجملة الأولى فعلية طلبية، والجملة الثانية اسمية خبرية، وهذا مانع من حسن العطف إذ لا بد من حسنه من نوع اتصال بين الجملتين، فلذلك جعلت للحال، والاحوال شروط لكونها مقيدة. وظهر خلاف بين الإمام والصاحبين فيمن قالت لزوجها: " طلقني ولك ألف درهم " فقد انقسم الإمام وصاحبيه إلى اتجاهين (¬3):
الاتجاه الأول: ذهب الإمام أبو حنيفة فيمن قالت لزوجها: "طلقني ولك ألف درهم" بأن لا يجب لها شيءٌ.
الاتجاه الثاني: وذهب الصاحبان بوجوب الألف عليها، ووجه قول الإمام رضي الله عنه.
المسألة الثانية: أوجه الاستدلال:
أولا: وجه الاستدلال عند الإمام أبي حنيفة: إن قول الزوجة " ولك ألف" معطوف على ما سبق، وليس للحال، فقد حمل الإمام رضي الله عنه الواو على معناها الحقيقي وهو مطلق العطف، ولم يحملها على معناها المجازي للحالية، فلم يعتبر قولها " ولك علي ألف " قيدا أو شرطا؛ لأن الأصل في الطلاق أن يكون بلا مال، فبذكره المال يسمى خُلُعا، ويصير يمينا من جانب الزوج والأيمان لا تقبل الرجوع؛ لأن الزوج يصبح معلقا للطلاق على قبولها المال، والتعليق بالشرط يمين (¬4).
وليس أيضا من صيغ الوعد أو النذر حتى يلزم وفاءه؛ بأن قالت مثلا: "طلقني أودي لك الف درهم" أو تقول: " طلقني وعلي لك الف درهم"،
¬
(¬1) ملاجيون، نور الأنوار (ص327 – 328)؛ انظر: الموصلي، الاختيار لتعليل المختار (ج3/ 131)
(¬2) المصدر السابق (ص 334).
(¬3) البخاري، كشف الأسرار (ج2/ 182)
(¬4) ملاجيون، نور الأنوار مع حاشيتي السنبلي وقمر الأقمار (ص334).
فكان لغوا، وأصبح كلامها بعد الواو " ولك الف درههم" كلاما مستقلا لا دخل له بمن قبله (¬1). قال ابن الملك في شرحه: (الواو للعطف حقيقة والحمل عليها متعين حتى يقوم دليل يعارضها، ومعنى المعاوضة لا يصلح أن يكون دليلا؛ لأن معنى المعاوضة في الطلاق زائد حتى كان الكرام يمتنعون عن العوض في الطلاق) (¬2).
ثانيا: أوجه الاستدلال عند الصحابين: إن الواو في قولها: "طلقني ولك ألف درهم " للحال، فاعتبرت شرطا وبدلا؛ فيجب الألف، فكأنها قالت: " طلقني" والحال أن لك الفا عليّ، فلما قال:" طلّقتُ " كان تقديره طلقتُكِ بذلك الشرط، فكان عِوضا بمعنى الخلع، فيجب عليه الألف، ويكون الطلاق بائنا (¬3).
ومن هنا نرى الفرق الأصولي بين الإمام والصاحبين رضي الله عنهم أجمعين في حمل الواو واستعمالها في معناها الحقيقي أو المجازي، وما ينبني عليه من أثر في الفروع وبناء الأحكام.
الفرع الثالث: مخالفة الصاحبين الإمام في استعارة حرف العطف (أو)
ومن مظاهر الخلاف الأصولي بين الإمام وصاحبيه ما انسحب على أحرف العطف، من حيث الخلفيةُ في المجاز وبناء الأحكام الفقهية عليه، حيث إن حروف العطف من حروف المعاني التي تدل على معنى في غيرها لا في نفسها، ولأحرف النحو معان حقيقة وأخرى مجازية، ولما كانت هذه الأحرف تستعمل تارة في معناها الحقيقي وتارة في معناها المجازي انسحب ذلك على الخلاف بين الإمام رحمه الله والصاحبين رضي الله عنهما في بناء الأحكام، ويظهر ذلك في استعمال حرف العطف (أو) الذي يستعمل في حقيقته للتخيير (¬4)، ولتحرير محل النزاع بين الفريقين سنبين الخلاف من ثم أوجه الاستدلال للفريقين:
المسألة الأولى: تحرير محل النزاع:
يظهر الخلاف فيمن قال لعبده ودابته: (هذا حر أو هذا)، فذهب كل من الفريقين إلى اتجاه:
¬
(¬1) المصدر السابق.
(¬2) ابن الملك، نور الأنوار مع حواشيه (ص442)؛ انظر: البخاري، كشف الأسرار (ج2/ 185)، انظر: الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (ج3/ 152)
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (3/ 152)
(وجه قولهما أن هذه الواو واو حال فيقتضي أن وجوب الألف حال وقوع الطلاق، والعتاق؛ ولأن هذه اللفظة تستعمل في الإبدال فإن من قال لآخر: احمل هذا الشيء إلى مكان كذا، ولك درهم فحمل يستحق الأجرة كما لو قال له: احمل بدرهم،، ولأبي حنيفة أن كل واحدة من الكلامين كلام تام بنفسه أعني: قوله: أنت طالق وقوله: وعليك ألف درهم؛ لأن كل واحد منهما مبتدأ، وخبر، فلا يجعل الثاني متصلا بالأول إلا لضرورة، والضرورة فيما كان الغالب فيه أن يكون بعوض كما في قوله احمل هذا إلى بيتي، ولك ألف، ولا ضرورة في الطلاق، والعتاق؛ لأن الغالب وجودهما بغير عوض، فلا يجعل الثاني متصلا بالأول من غير ضرورة. وأما قولهما الواو واو حال فممنوع بل واو عطف في الإخبار معناه أنك طالق، وأخبرك أن عليك ألف درهم). انظر: الكاساني، بدائع الصنائع (3/ 152 - 153)
(¬3) ملاجيون، نور الأنوار (ص334).
(¬4) عباس حسن، النحو الوافي (ج3/ 603)
الاتجاه الأول: ذهب الإمام أبو حنيفة إلى إعمال الكلام وحمله على المجاز فيعتق العبد
الاتجاه الثاني: ذهب الصاحبان إلى اعتبار الكلام لغوا، ولا يصار إلى المجاز
المسألة الثانية: أوجه الاستدلال:
أولا: وجه الاستدلال عند الإمام أبي حنيفة: سار الإمام أبو حنيفة على أصله؛ وهو أن الخلفية في الحقيقة والمجاز عند الإمام بعد التكلم بحيث يصح لغة لا حكما، فعدم صحة الكلام حكما أو استحالته لا يمنع من المصير إلى المجاز بناء على أصله فيمن قال للأكبر منه سنا: هذا ابني، فيجعله مجازا عما يحتمله بعد استحالة الحقيقة، بينما الصاحبين ينكران الاستعارة بعد استحالة الحكم (¬1)، فعند الإمام أبي حنيفة رحمه الله العمل بالمجاز المحتمل أولى من الإهدار صونا لكلام العاقل عن اللغو (¬2)
ثانيا: وجه الاستدلال عند الصاحبين:
ذهب الصاحبان بناءً على أصلهما إلى اشتراط سلامة الحكم للانتقال إلى المجاز؛ لأن حقيقة كلمة (أو) أن يردد بين شيئين يكون كل واحد منهما صالحا لذلك الحكم على سبيل البدل حتى يعين المتكلم بعد ذلك أحدهما، وهنا الدابة لا تصلح أن تكون محلا للعتق؛ فاستحال الحكم الحقيقي فبطل الكلام لعدم وجود التخيير، لأن الخلفية عند الصاحبين كما مر سابقا ليصار إلى المجاز صحة الحكم ولم يصح هنا لعدم صحة المحل في الدابة فاعتبر الكلام لغو، ولم يبن عليه حكم، ولم يعتق العبد (¬3).
وقد بينا في المبحث الثاني هذا الأصل الذي انفرد به الصاحبان عن أمامهما بإسهاب وتفصيل يرجع إليه لعدم الإطناب والإطالة.
الفرع الرابع: مخالفة الصاحبين الإمام في حرف العطف (ثم)
حرف العطف (ثم) من أحرف العطف التي تفيد في معناها الترتيب مع عدم التعقيب؛ أي مع التراخي (¬4)، فهو بمنزلة لو تكلم ثم استأنف، وظهر خلاف أصولي بين الإمام وصاحبيه في حال كون التراخي في التكلم والحكم جميعا، أم في الحكم دون التكلم؟.
المسألة الأولى: تحرير محل النزاع:
ولبيان أوجه الخلاف نذكر الاتجاهين بين الإمام وصاحبيه على التفصيل الآتي:
الاتجاه الأول: ذهب الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه يكون التراخي الكامل في التكلم والحكم جميعا.
الاتجاه الثاني: ذهب الصاحبان أن التراخي في الحكم مع الوصل في التكلم عملا بالظهر.
¬
(¬1). انظر: ملاجيون، نور الأنوار (ص357 - 359) ()
(¬2) انظر: الزهاوي، شرح منار الإنوار (ص466). ()
(¬3). انظر: ملاجيون، نور الأنوار (ص357 - 359) ()
(¬4) عباس حسن، النحو الوافي (ج3/ 576).
المسألة الثاني: أوجه الاستدلال:
أولا: وجه الاستدلال عند الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه: إن التراخي في الحكم مع الوصل في التكلم ممتنع في الإنشاءات، فلما كان الحكم متراخيا كان التكلم متراخيا تقديرا (¬1).
ثانيا: وجه الاستدلال عند الصاحبين رضي الله عنهما: يكون التراخي في الحكم مع الوصل في التكلم عملا بالظاهر؛ لأن ظاهر اللفظ موصول مع الأول، والعطف لا يصح مع الانفصال فكان الأولى هو التراخي في الحكم دون التكلم (¬2).
وذهب الزهاوي في شرحه على ابن الملك أن ما قاله الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه أولى؛ لأن التراخي من حيث التكلم يستلزم التراخي من حيث الحكم دون العكس؛ لأن التراخي في الحكم مع عدم التراخي في التكلم ممنوع كما في الإنشاءات (¬3)، وذكر البخاري في كشفه أن قول الإمام أبي حنيفة يظهر أثره في الحكم والتكلم جميعا قولا بكمال التراخي؛ يعني أن الكلمة وضعت لمطلق التراخي فيدل على كماله، إذ المطلق ينصرف إلى الكامل وذلك بأن يثبت التراخي في التكلم والحكم جميعا، إذ لو كان التراخي في الوجود دون التكلم كان ثابتا من وجه دون وجه، ثم ذكر صاحب الكشف ما ذهب إليه الصاحبان بأن التراخي راجع إلى الوجود؛ أي يوجد ما دل اللفظ عليه متراخيا كما في كلمة بعد، لا في التكلم؛ لأنه متصل حقيقة، وكيف يجعل التكلم منفصلا والعطف لا يصح مع الانفصال، فيبقى الاتصال حكما مراعاة لحق العطف (¬4).
المسألة الثالثة: أمثلة على انعكاس الخلاف على الفروع:
وتظهر ثمرة الخلاف فيمن قال لزوجته غير المدخول بها: " أنت طالق ثم طالق ثم طالق إن دخلت الدار"، فيقع الأول في الحال عند الإمام لعدم تعلقه بالشرط، فكأنه قال: " أنت طالق" وسكت ثم قال: " أنت طالق " لأن التراخي عنده في التكلم، ويلغو ما بعده لعدم المحل، ولو قدم الشرط بأن قال: " إن دخلت الدار أنت طالق ثم طالق ثم طالق" تعلق الأول بالشرط، ووقع الثاني بالحال لعدم تعلقه بالشرط، ولغا الثالث لعدم المحل. أما في قول الصاحبين رضوان الله عليهما: يقعن جميعا؛ أي يتعلق الكل في المدخول بها، وفي غير المدخول بها فيما قدم الشرط أو أخر وينزلن على الترتيب عند وجود الشرط لوجود معنى التراخي، إلا إنه إذا كان مدخولا بها تطلق ثلاثا، وإن لم يكن مدخولا بها تقع واحدة (¬5).
فهذا وجه آخر من خلاف الصاحبين الأصولي مع إمامهما أبي حنيفة رضي الله عنه في اصل انفردا به عنه، وبني عليه أثرٌ في تفريع الأحكام عليه.
¬
(¬1) ملاجيون، منار الأنوار (ص339).
(¬2) المصدر السابق.
(¬3) الزهاوي، حاشية الزهاوي على ابن الملك (ص499)
(¬4) البخاري، كشف الأسرار (ج2/ 196)؛ ابن عابدين، حاشية نسمات الأسحار (ص121).
(¬5) ابن الملك، نور الأنوار (ص138)؛ انظر: الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (ج3/ 138 - 140)
عند الإمام رضي الله عنه: إن كان غير مدخول بها فقد علم حالها، وان كان مدخولا بها، فإن قدم الشرط تعلق الأول، ووقع الثاني والثالث، وإن أخر الشرط؛ وقع الأول والثاني وتعلق الثالث بالشرط. انظر: ملاجيون، منار الأنوار (ص341)
المطلب الثاني: مخالفة الصاحبين الإمام في أحرف الجر
تعتبر أحرف الجر من أحرف المعاني التي تدل على معنى في غيرها، ولها معان أصيلة وأخرى مستعارة استعملها أهل اللغة في البلاغة لإظهار معان جديدة، وكما مر معنا سابقا في الخلاف بين الإمام وصاحبيه رضي الله عنهم في أحرف العطف، أيضا انسحب هذا الخلاف على أحرف الجر كما سيعرض معنا هنا.
الفرع الأول: مخالفة الصاحبين الإمام في حرف الجر (على)
وقبل البدء بمعرفة الخلاف لا بد من معرفة معنى حرف الجر (على) في اللغة؛ فالحرف (على) حرف جر يقتصر على معنى حقيقي واحد، هو: الاستعلاء، فإذا قلنا: " الكتاب فوق الطاولة" فهمنا هذا المعنى الحقيقي الدال على أن شيئا معينا فوق آخر (¬1).
والاستعلاء قد يكون حقيقة كما ذكرنا، وقد يكون حكما بأن يلزم على ذمته، مثل: " له علي ألف درهم" والدين يستعلي من يلزمه؛ فكأنه يعلوه ويركبه. إذن فهي حقيقة في الاستعلاء والإلزام فصار موضوعا لهما (¬2).
وقد تستعار للباء كما إذا دخلت في المعاوضات كقولك: " بعت هذا على ألف درهم" فكانه قال: " بعت هذا بألف درهم" والباء للإلصاق وعلى للإلزام، وكلاهما مناسب للآخر من حيث اللزوم، فإن الشيء إذا لزم الشيء كان ملتصقا به لا محالة، وأيضا تستعمل على بمعنى الشرط باعتبار أن الجزاء يتعلق بالشرط فيكون لازما عند وجوده فكان استعمالها بمعنى الشرط بمعنى الحقيقة (¬3).
وقد خالف الصاحبان الإمام في حمل حرف الجر (على) على الحقيقة أو المجاز، كما سنبينه تاليا ونحرر محله.
المسألة الأولى: تحرير محل النزاع:
فقد حدث خلاف فيمن قالت لزوجها: "طلقني ثلاثا على ألف درهم"، فهل تلزمها الألف أم لا؟ فكان هناك أتجاهان:
الاتجاه الأول: ذهب الإمام رحمه الله أذا استعملت (على) في الطلاق كانت بمعناها الحقيقي وهو الشرط.
الاتجاه الثاني: ذهب الصاحبان رضي الله عنهما إلى حملها على معناها المجازي بمعنى المعاوضة.
المسألة الثانية: أوجه الاستدلال لكلا الاتجاهين:
أولا: وجه الاستدلال عند الصاحبين على غير طريقة اللف والنشر:
حمل الصاحبان رضي الله عنهما اللفظ فيمن قالت لزوجها: "طلقني ثلاثا على ألف درهم" على معناه المجازي، حيث حمل حرف الجر (على) على معنى (الباء) فكأنها قالت: " طلقني ثلاثا بألف درهم" كما في البيع؛ لأن الطلاق إذا دخله عوض صار بمعنى المعاوضة، فإن طلقها الزوج واحدة يجب عليه ثلث الألف؛ لأن أجزاء العوض تنقسم على أجزاء المعوض (¬4).
¬
(¬1) عباس حسن، النحو الوافي (ج2/ 539)
(¬2) ابن الملك، نور الأنوار (ص154)؛ ملاجيون، منار الأنوار (ص378 – 379)؛ البخاري، كشف الأسرار (ج2/ 259)
(¬3) المصدر السابق
(¬4) ملاجيون، منار الأنوار (379 - 380)؛ انظر: الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (ج3/ 153)
(وجه) قولهما أن كلمة (على) في المعاملات، وحرف الباء سواء يقال بعت عنك بألف، وبعت منك على ألف، ويفهم من كل واحدة منهما كون الألف بدلا. وكذا قول الرجل لغيره احمل هذا الشيء إلى بيتي على درهم وقوله: بدرهم سواء حتى يستحق البدل فيهما جميعا، والأصل أن أجزاء البدل تنقسم على أجزاء المبدل إذا كان متعددا في نفسه فتنقسم الألف على الثلاث فيقع واحدة بثلث الألف كما لو ذكرت بحرف الباء فكانت بائنة؛ لأنها طلاق بعوض، ولأبي حنيفة أن كلمة على كلمة شرط فكان وجود الطلقات الثلاث شرطا لوجوب الألف فكانت الطلقة الواحدة بعض الشرط، والحكم لا يثبت بوجود بعض الشرط فلما لم يطلقها ثلاثا لا يستحق شيئا من الألف بخلاف حرف الباء فإنه حرف مبادلة فيقتضي انقسام البدل على المبدل فتنقسم الألف على التطليقات الثلاث فكان بمقابلة كل واحدة ثلث الألف. انظر: الكاساني، بدائع الصنائع (ج3/ 153)
ثانيا: وجه الاستدلال عند الإمام رحمه الله:
ذهب الإمام رحمه الله إلى أن حرف الجر (على) استعمل للشرط؛ لأن الطلاق لم يكن معاوضة في الأصل، والعوض فيه عارض، فلم يلحق بها، فكأنها قالت: " طلقني على شرط ألف ردهم"، وعلى حقيقة في الشرط؛ لأن الجزاء لازم للشرط فيكون أقرب لمعنى الحقيقة، ولا يصار إلى المجاز ما أمكنة الحقيقة؛ فإن طلقها واحدة لا يجب شيء؛ لأن أجزاء الشرط لا تنقسم على أجزاء المشروط (¬1).
والحاصل:
إن عند الإمام رحمه الله أذا استعملت (على) في الطلاق كانت بمعنى الشرط، بينما عندهما كانت بمعنى المعاوضة، قال صاحب الكشف: (إن ما ثبت بطريق المقابلة يثبت بطريق المقارنة .. كالعوض مع المعوض .. وما ثبت بطريق المعاقبة يكون متأخرا عن صاحبه، وصاحبه مقدما عليه، كالمشروط مع الشرط؛ لأن المشروط متوقف على الشرط فلا بد أن يثبت أولا ثم يتعقبه المشروط، ثم إن أجزاء العوض تتوزع على أجزاء المعوض بالاتفاق؛ لأن ثبوتهما بطريق المقابلة، فيقابل كل جزء من العوض جزءا من المعوض، وأجزاء الشرط لا تتوزع على أجزاء المشروط بالاتفاق؛ لأن ثبوت المشروط والشرط بطريق المعاقبة، فلو ثبت الانقسام لزم تقدم جزء من المشروط على الشرط ... وعلى هذا قلنا إذا قالت لزوجها طلقني على ألف درهم تحتمل (على) الشرط عند أبي حنيفة رحمه الله، حتى لو طلقها واحدة لا يلزمها شيء وكان الطلاق رجعيا، وعندهما تحتمل (على) الباء حتى لو طلقها واحدة يجل عليها ثلث الألف وكان طلاقا بائنا .. لأن الطلاق على مال معاوضة من جانب المرأة .. فعند الإمام كلمة (على) للزوم وليس بين الواقع وهو الطلاق وبين ما لزمها وهو الألف مقابلة لينعقد معاوضة فتحمل على الباء، بل بينهما معاقبة .. وذلك أي التعاقب معنى الشرط والجزاء لا معنى المعاوضة .. فكان الحمل عليه لكونه أقرب إلى التحقيق أولى من الحمل على (الباء) وقد أمكن العمل به) (¬2) وكما مر معنا بأنه لا يصار إلى المعنى المجازي ما أمكن العمل بالمعنى الحقيقي، وهنا أمكن العمل بالحقيقة أو الأقرب لها فلا يصار إلى معناها المجازي.
الفرع الثاني: مخالفة الصاحبين الإمام في استعارة حرف الجر (من)
¬
(¬1) ملاجيون، منار الأنوار (379 - 380)؛ انظر: الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (ج3/ 153)
(¬2) البخاري، كشف الأسرار (ص260 - 261)؛ انظر: الزهاوي، حاشية ابن الملك (ص490 – 492)
وحرف الجر (من) في اللغة هو للتبعيض في أصل الوضع، وتستعمل أيضا مجازا في البيان وغيرها من المعاني (¬1)، قال صاحب الكشف: (بعض الفقهاء لما وجدها أكثر استعمالا في التبعيض جعلوها فيه أصيلا وفيما سواه دخيلا، وإليه مال الشيخ ها هنا؛ فقال هو أصلها ومعناه الذي وضعت له لما قلنا أن الاشتراك خلاف الأصل فجعلناها للتبعيض ليكون له معنى يخصه. ورأيت في بعض نسخ أصول الفقه: أنها للتبعيض وابتداء الغاية جميعا عند الفقهاء، وكل في موضعه حقيقة) (¬2).
وظهر خلاف بين الإمام وصحابيه: أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني في مراعاة حملها على الاستعارة أو عدمها فيمن قال: " مَن شئت مِن عبيدي عتقه فأعتقه" فعند الإمام رحمه الله يعتقهم كلهم إلا واحدا منهم، مراعاة لمعنى (مَن) التي تفيد العموم و (مِن) التي تفيد التبعيض، فمراعاة لحقيقة اللفظين يجب أن يحمل على بعض العام ليستقيم العمل بهما، وعند الصاحبين رضي الله عنهما هي لبيان الجنس، وهي من معاني من التي تحمل عليها وتستعار لها، فله أن يعتقهم جميعا، فإن شاء الكل عتقوا جميعا (¬3).
فمرجع الخلاف إلى (مِن) فإنها للتبعيض عند الإمام أبي حنفية رضي الله عنه؛ وذلك بناء على أصله الذي مر معنا في تقديمه الحقيقة المستعملة، وقد أمكن العمل بها فلا يصار إلى المعنى المجازي، وعندهما هي مجاز متعارف متبادر للذهن فيقدم المجاز المتعارف على الحقيقة المستعملة (¬4).
الفرع الثالث: مخالفة الصاحبين الإمام في استعارة حرف الجر (في)
حرف الجر في يفيد الظرفية (¬5)، وقد اتفق الأئمة على هذا المعنى في هذا القدر، ولكنهم اختلفوا في حذفه وإثباته في ظرف الزمان؛ أي في حال كون ما بعده يكون معيارا لما قبل غير فاضل عنه، أو كونه ظرفا فاضلا عنه، فقال الصاحبان رضي الله عنهما: هما سواء في أنه يستوعب جميع ما بعده، وفرق الإمام رضي الله عنه بينهما (¬6).
ويظهر أثر هذا الخلاف فيمن قال: " أنت طالق غدا أو في غد" ولم ينو يقع الطلاق إذ لا مزاحم لأول النهار، وإن نوى أخر النهار يصدق فيهما ديانة لا قضاء؛ أي في حذف (في) وإثباتها ديانة؛ لأنه نوى محتمل كلامه؛ لأنه خلاف الظاهر، فإن المراد بالغد كله، فإذا نوى آخر
¬
(¬1) عباس حسن، النحو الوافي (ج2/ 458)
من: حرف يجر لظاهر والمضمر ويقع أصليا وزائدا ويتردد بين أحد عشر معنى: التبعيض، بيان الجنس، ابتداء الغاية .... انظر المصدر السابق
وأما الأصل في وضعها أنها للتبعيض عند أكثر الفقهاء والبواقي مجازا هذا ما نص عليه ملاجيون في منار الأنوار، وأورد صاحب حاشية قمر الأقمار: إن جمهور أهل اللغة على أن (من) في الأصل لابتداء الغاية المكانية أو الزمانية، وقال بعض: إن (من) في الأصل للتبيين: انظر: ملاجيون، نور الأنوار (ص381)
(¬2) البخاري، كشف الأسرار (ج2/ 264)
(¬3) ابن الملك، نور الأنوار (ص155)؛ ملاجيون، منار الأنوار (ص381)
(¬4) انظر: الزهاوي، حاشية ابن الملك (ص492)؛ الشاشي، أصول الشاشي (ص 53 - 58)؛ ابن الملك، منار الأنوار (ص124)؛ ملاجيون، نور الأنوار (ص302 – 304)
(¬5) عباس حسن، النحو الوافي (ج2/ 507)
(¬6) ملاجيون، نور الأنوار (ص385 – 386)
النهار فقد نوى تخصيص البعض وهو خلاف الظاهر، وهذا مصداق قوله لا قضاء، فإن الأصل فيه أن يستوعب الطلاق جميع الغد، سواء كان بذكر (في) أو بحذفه (¬1).
أما الإمام رضي الله عنه فقد فرق بينهما فيما إذا نوى أخر النهار، فإن قال " أنت طالق غدا" ولم ينو يقع في أول النهار؛ إذ لا مزاحم لأول النهار، وإن نوى أخر النهار يصدق ديانة لا قضاء؛ لأنه نوى محتمل كلامه ديانة وأما قضاء؛ لأنه يغير موجب كلامه وهو الاستيعاب إلى ما هو تخفيف عليه، فصار متهما، وإن قال: " أنت طالق في غد" يقع في أول النهار إن لم ينو، وإن نوى أخره يصدق ديانة لا قضاء؛ لأن ذكر (في) لا يقتضي الاستيعاب عنده، يعني أنه عند حذف (في) اتصل المظروف بالظرف بلا واسطة، فصار الظرف مفعولا به من حيث صار إنه معمولا للفعل منصوبا به، وهو يقتضي الاستيعاب، وأم عند ذكر (في) فالظرف يبقى على حكم الظرف وهو ما وقع في جزء منه الفعل، فلا يلزم الاستيعاب (¬2).
المبحث الرابع
مخالفة الصاحبين الإمام في أسماء الشرط والاستفهام
وقد ذكرت أسماء الاستفهام والشرط في مباحث الأصول تحت مبحث أحرف المعاني للتغليب، حيث أسماء الشرط والاستفهام ليست أحرفا في الغالب، وإن كان هناك حروف للشرط والاستفهما ليست بأسماء لكن الغالب الأسماء في الشرط والاستفهام، ولكن درج النظم على إدراجها مع حروف المعاني، ونحن هنا أفردنا لها مبحثا منفصلا عن حروف المعاني، ولا مشاحة في الترتيب والتبويب.
المطلب الأول: مخالفة الصاحبين الإمام في استعارة اسم الشرط (إذا)
تنقسم أدوات الشرط إلى أسماء وأحرف، ولكل منهما معان متعددة يستعار اللفظ لها، ومعان حقيقية لا يصار إلى غيرها إلا بقرينة، وبناء على حمل اللفظ على أحد معانيه سواء الأصلية او المستعارة له ينبني عليه أحكام مختلفة، وسنعرض هنا الخلاف بين الصاحبين رضي الله عنهما والإمام رحمه الله في حمل المعاني وما بني عليه من أحكام انبثقت عن هذا الخلاف الأصولي، والله الموفق.
و (إذا): هي ظرف للمستقبل في أكثر استعمالاتها، وتكون للماضي بقرينة، والغالب في استعمالها أن تتضمن مع الظرفية معنى الشرط بغير أن تجزم، وتحتاج بعدها إلى جملتين: تحتوي الأولى فعل الشرط، والثانية جواب الشرط (¬3)، وإذا عند نحاة الكوفة تصلح للوقت والشرط على السواء؛ يعني من غير ترجيح لأحد الاستعمالين على الآخر، فيجازى بها مرة ولا يجازى بها أخرى (¬4)، فهي مشتركة بين الظرف والشرط،
¬
(¬1) انظر: ملاجيون، حاشيتي السنبلي وقمر الأقمار (ص385 - 386)
(إن نوى الوقوع وقت العصر (في الثاني) أي في غد (يصدق) قضاء (أيضا) أي كما يصدق ديانة عند الإمام؛ لأنه حقيقة كلامه؛ لأن الظرف لا يوجب استيعاب المظروف وإنما يتعين الجزء الأول عند عدم النية؛ لعدم المزاحمة (خلافا لهما) فإن عندهما هو والأول سواء؛ لأن المراد منهما الظرفية فإن نصب غدا على الظرفية فلا فرق وجوابه أن قوله غدا للاستيعاب؛ لأنه شابه المفعول به ونظيره قوله لا أكلمك شهرا، وفي الشهر ودهرا، وفي الدهر وإن كان للاستيعاب فإذا نوى البعض فقد نوى التخصيص وهو خلاف الظاهر كما بيناه أما إذا عين آخر النهار فكان التعيين القصدي أولى من الضروري). انظر: شيخي زاده، ملتقى الأنهر في مجمع الأبحر (ج1/ 392)
(¬2) ملاجيون، حاشيتي السنبلي وقمر الأقمار (ص385 - 386)
(¬3) عباس حسن، النحو الوافي (ج2/ 378)
(¬4) ملاجيون، نور الأنوار (ص393)
فتستعمل تارة بجعل الأول سببا والثاني مسببا بجزم المضارع بعدها ودخول (الفاء) في جزائها، وتارة تستعمل ظرفا في الوقت من غير جزم ودخول (فاء) ما بعدها (¬1).
وعند البصريين هي للوقت حقيقة فقط، وقد تستعمل للشرط من غير سقوط الوقت عنها على سبيل المجاز مثل "متى" فإنها للوقت لا يسقط عنها ذلك بحال، فإذا لم يسقط عن "متى" مع لزوم المجازاة لها في غير موضع الاستفهام، فالأولى أن لا يسقط عن إذا مع عدم لزوم المجازاة لها؛ فإنه إنما يجازى بها إذا أريد بها الشرط (¬2).
ومن هنا ظهر خلاف بين الإمام في حال المجازاة كما سنحرره تاليا:
الفرع الأول: تحرير محل النزاع:
ذهب الخلاف إلى اتجاهين:
الاتجاه الأول: ذهب الإمام رحمه الله إلى سقوط الوقت، فلا تدل (إذا) على الوقت مطابقة ولا تضمنا، فكانت لمحض الشرط بمعنى حرف الشرط (إن).
الاتجاه الثاني: ذهب الصاحبان رضي الله عنهما إلى ما ذهب إليه البصريون في أنها حقيقة في الوقت، وقد تستعمل للشرط من غير سقوط الوقت عنها
الفرع الثاني: أوجه الاستدلال
أولا: وجه الاستدلال عند الإمام أبي حنيفة أنه لمّا كانت مشتركة بين الشرط والظرف، ولا عموم للمشترك، فتعيين إرادة أحد المعنيين بطلان الآخر ضرورة (¬3).
ثانيا: وجه الاستدلال عند الصاحبين: فقد ذهب الصاحبان رضي الله عنهما إلى ما ذهب إليه البصريون في أنها حقيقة في الوقت، وقد تستعمل للشرط من غير سقوط الوقت عنها (¬4).
قال الزهاوي في شرحه على ابن الملك: (الأولى أن يقال بل هي موضوعة للوقت وقد تستعمل مجازا للشرط من غير سقوط معناه عنها، إلا أنهم لم يجعلوها لكامل الشرط، ولهذا لم يجزموا بها المضارع لفوات معنى الإبهام اللازم للشرط منها، فحينئذ لا جمع بين الحقيقة والمجاز، بل جمع بين معنى أصلي ومعنى ضمني؛ لأنها إنما استعملت في معنى الظرف متضمنة لمعنى الشرط باعتبار إفادة الكلام معها تقييد حصول مضمون جملة المضمون جملة أخرى) (¬5).
¬
(¬1) الزهاوي، حاشية ابن الملك (ص501)؛ ابن الملك، منار الأنوار (ص159)
(¬2) ملاجيون، نور الأنوار (ص394)
(¬3) المصدر السابق
(¬4) المصدر السابق
(¬5) الزهاوي، حاشية ابن الملك (ص503)
الفرع الثالث: انعكاس الخلاف في الأصول على الفروع
ويظهر الخلاف فيمن قال لامرأته ولم ينو شيئا: " إذا لم أطلقك فأنت طالق" لا يقع الطلاق عند الإمام رحمه الله ما لم يمت أحدهما، لأنه بمنزلة حرف الشرط (إن)، وسقط معنى الوقت، فصار كأنه قال: " إن لم أطلقك فأنت طالق" فلا يقع الطلاق ما لم يمت أحدهما. وعند الصاحبين رضي الله عنهما يقع الطلاق، فكأنه قال: " متى لم أطلقك فأنت طالق" لأن معنى الوقت لا يسقط عندهما، فصار المعنى في زمان لم أطلقك فأنت طالق، فإذا فرغ من الكلام وجد زمان لم يطلقها فيه فيقع في الحال كما في (متى)، وهذا كله إذا لم ينو شيئا، أما إذا نوى الوقت أو الشرط فهو على ما نوى (¬1).
المطلب الثاني: مخالفة الصاحبين الإمام في استعارة اسم الاستفهام (كيف)
وكيف في اللغة: هي اسم مبهم للاستفهام عن الأحوال، والأحول هنا بمعني الصفات، فأنت تقول: " كيف زيد" أي أصحيح أم سقيم، فإن استقام السؤال عن الحال فبها، وإلا بطل لفظ كيف، والمعنى بالاستقامة للفظ بحيث يصلح ذلك الشيء المسؤول عنه أن يكون صالحا للكيفية؛ أي صالحا للأوصاف، كما في الطلاق، فإنه يصلح أن يكون ذا كيفية بوصفه بالبائن أو الرجعي، ولا تصلح كيف أن تكون وصفا للسؤال عن العتاق؛ لأنه لا وصف له (¬2).
وظهر خلاف بين الإمام وصاحبيه فيمن قال لعبده: " أنت حر كيف شئت" هل هو أيقاع في الحال أم تعليق بالمشيئة؟
الفرع الأول: تحرير محل النزاع:
الاتجاه الأول: فقد ذهب الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه فيمن قال لعبده: " أنت حر كيف شئت" أنه إيقاع في الحال.
الاتجاه الثاني: وقال الصاحبان رحمها الله تعالى: ما يقبل الإشارة فحاله ووصفه بمنزلة أصله فيتعلق بالمشيئة الأصل بتعلقه.
الفرع الثاني: أوجه الاستدلال:
أولا: وجه الاستدلال عند الإمام رضي الله عنه فيمن قال لعبده: " أنت حر كيف شئت" أنه إيقاع في الحال؛ لأن العتق ليس بمحل للوصف؛ فبطل معنى كيف، وأما كونه مدبرا أو مكاتبا وعلى مال وغير مال عوارض للعتق، فهو بنفسه وأصله ليس له أوصاف، إنما تثبت الأوصاف بعد وقوع الأصل. ومن قال لزوجته غير المدخول بها: " أنت طالق كيف شئت " فإن الطلاق يصلح بأن يكون محلا للحال في كونه رجعيا أو بائنا خفيفة أو غليظة، على مال أو غير مال، فيقع الطلاق بمجرد التكلم، وتكون الأوصاف الباقية مفوضة إليها باعتبار الحال الذي هو مدلول كيف (¬3).
¬
(¬1) البخاري، كشف الأسرار (ج2/ 291 – 292)؛ علاء الدين الحصني، شرح إفاضة الأنوار على متن أصول المنار (ص136)؛ ملاجيون، نور الأنوار (ص395)؛ ابن الهمام، فتح القدير (ج4/ 34 - 35)
(¬2) انظر: البخاري، كشف الأسرار (ج2/ص301)؛ ابن الملك، منار الأنوار (ص161)؛ ملاجيون، نور الأنوار (ص397)
(¬3) ملاجيون، نور الأنوار (ص397 – 400)؛ الزهاوي، حاشية ابن الملك (ص505 – 506)؛ شيخي زاده، مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (1/ 459 - 460)
ثانيا: وجه الاستدلال عند الصاحبين رحمها الله تعالى فيمن قال لعبده: " أنت حر كيف شئت" أنه إيقاع في الحال؛ لأن ما يقبل الإشارة فحاله ووصفه بمنزلة أصله فيتعلق بالمشيئة الأصل بتعلقه؛ أي بالوصف، فكل ما كان من الأمور الشرعية غير المحسوسة كالطلاق والعتاق ونحوهما فالحال والأصل بمنزلة واحدة، إذ الحال لما لم يكن محسوسا كان معروف وجوده بآثاره وأوصافه، فافتقرت معرفة ثبوت الأصل إلى معرفة أثره ووصفه، كثبوت الملك في البيع وثبوت الحل في النكاح، والوصف أيضا مفتقر إلى الأصل، فاستويا، فلا معنى لجعل أحدهما واقعا والآخر موقوفا، بل يعلق الأصل بالمشيئة كما تعلق الوصف بها، فلا يقع الطلاق ما لم تشأ، إلا أن الإمام يرى من ذلك لزوم اتباع الأصل للوصف وهو خلاف القياس (¬1).
ومن هنا يظهر لنا مجموعة من الأصول التي خالف بها الصاحبان – رضي الله عنهما – الإمام أبا حنيفة – رضي الله عنه- ذكرناها على عدة مباحث، مستخلصا إلى النتائج التالية:
النتائج:
من خلال بحثي توصلت إلى النتائج التالية:
1 - أن الاستعارة عند أهل اللغة والتي علاقتها المشابهة هي قسم من المجاز وليست مرادفا له، وإنها أحد نوعي المجاز لوجود نوع آخر وهو المجاز المرسل الذي لا تعتبر فيه علاقة المشابهة.
2 - أن الاستعارة عند الأصوليين هي مرادفة للمجاز وليست قسما منه، فأينما أطلق لفظ الاستعارة أريد به المجاز والعكس صحيح.
3 - علاقة المجاز أو الاستعارة عند الحنفية لها طريقان:
الأول: نظير المعنى والعلاقة المشابهة؛ كأن تستعمل عقدا وتريد به عقدا آخر لمشابهة بين العقدين، والثاني: نظير الصورة والعلاقة المجاورة، كالاتصال بين السبب والمسبب، والعلة والمعلول.
4 - إذا كانت الحقيقةُ مستعملةً والمجازُ متعارفًا فعند الصاحبين رضي الله عنهما قُدّمَ المجاز المتعارف على الحقيقة المستعملة؛ في حين قدم الإمام رحمه الله الحقيقة المستعملة على المجاز المتعارف.
5 - وذهب الصاحبان رضي الله عنهما إلى أن المجاز خلف عن الحقيقة في الحكم، فينبغي أن يستقيم الحكم الحقيقي ليصار إلى المجاز، وإلا اعتبر الكلام لغوا، بينهما شرط الإمام رحمه الله صحة التكلم من حيث اللغة فقط وإن لم يصح الحكم ليصار إلى المجاز.
6 - الخلاف في العطف في حرف (الواو) إن قدم الشرط فموجب الكلام عند الإمام رحمه الله على الافتراق، بينما موجب الكلام عند الصاحبين رحمهما الله على الاجتماع.
7 - الخلاف في حرف العطف الواو لمن قالت لزوجها: " طلقني ولك ألف درهم " فعند الإمام رحمه الله لا يجب لها شيءٌ، وعند الصاحبين رضي الله عنهما يجب عليها الألف، ووجه قول الإمام رضي الله عنه أن قول الزوجة " ولك ألف" معطوف على ما سبق، وليس للحال، والصاحبان حملاها على معناها المجازي بمعنى الشرط والبدل حيت تستعار (الواو) في معنى الحال، والأحوال شروط.
8 - الخلاف في حرف العطف (ثم) فعند الإمام رضي الله عنه يكون التراخي الكامل في التكلم والحكم جميعا، وعند الصاحبين رضي الله عنهما يكون التراخي في الحكم مع الوصل في التكلم.
¬
(¬1) ملاجيون، نور الأنوار مع حاشيتي السنبلي وقمر الأقمار (ص399)؛ البخاري، كشف الأسرار (ج2/ 300 – 302)
9 - الخلاف في حرف الجر (على) فعند الإمام رحمه الله أذا استعملت (على) في الطلاق كانت بمعنى الأقرب للحقيقة وهو الشطر، بينما عندهما رضي الله عنهما كانت بمعنى المعاوضة.
10 - الخلاف في حرف الجر (من) فيمن قال: " مَن شئت مِن عبيدي عتقه فأعتقه"، فعند الإمام رحمه الله يعتق له عتق الجميع إلا واحدا مراعاة للفظي العموم والتبعيض، وعند الصاحبين رضي الله عنهما له أن يعتق الجميع لاعتبار من بمعناها المجازي باعتبارها بيانية.
11 - الخلاف في حرف الجر (في) يفيد الظرفية، ولكنهم اختلفوا في حذفه وإثباته في ظرف الزمان؛ أي في حال كون ما بعده يكون معيارا لما قبل غير فاضل عنه، أو كونه ظرفا فاضلا عنه، فقال الصاحبان رضي الله عنهما: هما سواء في أنه يستوعب جميع ما بعده، وفرق الإمام رضي الله عنه بينهما.
12 - الخلاف في اسم الشرط (إذا) وظهر خلاف بين الإمام والصاحبين في حال المجازاة؛ فعند الإمام رحمه الله يسقط الوقت، فلا تدل (إذا) على الوقت مطابقة ولا تضمنا، فكانت لمحض الشرط بمعنى حرف الشرط (إن)، في حين ذهب الصاحبان رضي الله عنهما إلى ما ذهب في أنها حقيقة في الشرط، وقد تستعمل للشرط من غير سقوط الوقت عنها.
13 - الخلاف في اسم الاستفهام (كيف)، فمن قال لعبده: " أنت حر كيف شئت" أنه إيقاع في الحال؛ لأن المحل لا يقبل الوصف، وعند الصاحبين رضي الله عنهما، الوصف مفتقر إلى الأصل فاستويا.
التوصيات:
1 - ان تتم هناك دراسات لبحث الفروع التي انبثقت عن الخلافات الأصولية والتفصيل فيها.
2 - أن تتم دراسة المباحث الأخرى غير المجاز والتي انفرد بها الصاحبان عن الإمام.
3 - أن يتم ربط الفروع بالأصول في الدراسات لبيان القواعد التي بني عليها الخلاف.
المراجع:
- القرآن الكريم
- ابن أمير حاج (1996)، التقرير والتحبير في علم الأصول، دار الفكر، بيروت.
- البخاري، عبدالعزيز بن أحمد (1997)، كشف الأسرار عن أصول البزدوي، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت.
- التفتازاني، سعدالدين بن عمر (793ه)، شرح التلويح على التوضيح، بدون طبعة، مكتبة صبيح، مصر
- الجارم، علي، أمين، مصطفى، البلاغة الواضحة، المكتبة العلمية، بيروت، لبنان
- الجصاص، أحمد بن علي (2007)، الفصول في الأصول، تحقيق عجيل جاسم النشمي، ط3، مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت
- الجرجاني، علي بن محمد بن علي الزين الشريف (1983)، التعريفات، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان
- الحقاني، محمد عبدالحق (1335هـ)، النامي على منتخب الحسامي، ط2، مكتبة البشرى، كراتشي
- شيخي زاده، عبدالرحمن بن محمد بن سليمان (1078ه)، ملتقى الأنهر في شرح ملتقى الأبحر، دار إحياء التراث العربي، بدون طبعة
- القرشي، عبدالقادر بن محمد بن نصر أبو محمد محي الدين الحنفي (775ه)، الجواهر المضية في طبقات الحنفية، الناشر: مير محمد كتب خانه، كراتشي
- ابن الحلبي (978 ه)، أنوار الحلك على ابن الملك، دار الركابي للنشر، القاهرة
- الزهاوي، يحيى المصري، حاشية الزهاوي على ابن الملك، دار ركابي للنشر، القاهرة
- الشاشي، نظام الدين أبو علي أحمد بن محمد بن إسحاق (344 ه)، أصول الشاشي، دار الكتاب العربي بيروت
- ابن عابدين، محمد أمين بن عمر (1979م)، حاشية نسمات الأسحار على شرح إفاضة الأنوار على متن أصول المنار، شركة مكتبة مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر
- ابن عابدين، محمد أمين بن عمر (1992)، رد المحتار على الدر المختار، ط2، دار الفكر بيروت
- عباس حسن، النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة في الحياة اللغوية المتجددة، بدون طبعة
- عزمي زاده (1040 ه)، حاشية عزمي زاده على ابن الملك، دار الركابي للنشر، القاهرة
- عوني، حامد (2012م)، المنهاج الواضح للبلاغة، ط1، المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة
- ابن فارس، أحمد بن فارس (1999م)، معجم مقاييس اللغة، ط1، دار الكتب العملية، بيروت
- الفيومي، أحمد بن محمد بن علي الفيومي ثم الحموي، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، المكتبة العلمية، بيروت
- الكاساني، علاء الدين، أبو بكر بن مسعود بن أحمد الحنفي (1986)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، دار الكتب العلمية، بيروت.
- المحلاوي، محمد عبدالرحمن (2010م)، تسهيل الوصول إلى علم الأصول، تحقيق محمد إبراهيم الحفناوي، دار الحديث، القاهرة
- المرجاني، شهاب الدين هارون بن بهاء الدين (2012م)، ناظورة الحق في فرضية العشاء وإن لم يغب الشفق، تحقيق أورخان بن إدريس أنجقار، عبدالقادر بن سلجوق يليماز، ط1، دار الفتح، دار الحكمة باسطنبول
- ملاجيون، الشيخ أحمد الصديقي (2011م)، نور الأنوار شرح رسالة المنار، مع حاشيتي قمر الأقمار وحاشية السنبلي، ط4، مكتبة البشرى، كراتشي
- ابن الملك، عبداللطيف (2004م)، شرح منار الأنوار في أصول الفقه، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان
- الموصلي، عبدالله بن محمود بن مودود أبو الفضل الحنفي (1937)، الاختيار لتعليل المختار، بدون طبعة، مطبعة الحلبي، القاهرة
- ابن الهمام، كمال الدين محمد بن عبدالواحد السيواسي، فتح القدير، بدون طبعة، دار الفكر للنشر