أصول البزدوي
جارٍ تحميل الكتاب…
جارٍ تحميل الكتاب…
أصول البزدوي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله خالق النسم ورازق القسم مبدع البدايع وشارع الشرايع دينا رضيا ونورا مضيا وذكرا للأنام ومطية إلى دار السلام أحمده على الوسع والإمكان وأستعينه على طلب الرضوان ونيل أسباب الغفران وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وأصلي عليه وعلى آله وأصحابه وعلى الأنبياء والمرسلين وأصحابهم أجمعين
قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد أبو الحسن على بن محمد البزدوي رحمه الله العلم نوعان علم التوحيد والصفات وعلم الشرايع والأحكام والأصل في النوع الأول هو التمسك بالكتاب والسنة ومجانبة الهوى والبدعة ولزوم طريق السنة والجماعة الذي كان عليه الصحابة والتابعون ومضى عليه الصالحون وهو الذي كان عليه أدركنا مشايخنا وكان على ذلك سلفنا أعني أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمد أو عامة أصحابهم رحمهم الله وقد صنف أبو حنيفة رضي الله عنه في ذلك كتاب الفقه الأكبر وذكر فيه إثبات الصفات وإثبات تقدير الخير والشر من الله وأن ذلك كله بمشيئته وأثبت الاستطاعة مع الفعل وأن أفعال العباد مخلوقة بخلق الله تعالى إياها كلها ورد القول بالأصلح وصنف كتاب العالم والمتعلم وكتاب الرسالة وقال فيه لا يكفر أحد بذنب ولا يخرج به من الإيمان ويترحم له وكان في علم الأصول إماما صادقا وقد صح عن أبي يوسف أنه قال ناظرت أبا حنيفة في مسألة خلق القرآن
ستة أشهر فاتفق رأي ورأيه على أن من قال بخلق القرآن فهو كافر وصح هذا القول عن محمد رحمه الله ودلت المسائل المتفرقة عن أصحابنا في المبسوط وغير المبسوط على أنهم لم يميلوا إلى شيء من مذاهب الاعتزال وإلى سائر الأهواء وأنهم قالوا بحقية رؤية الله تعالى بالأبصار في دار الآخرة وبحقية عذاب القبر لمن شاء وحقية خلق الجنة والنار اليوم حتى قال أبو حنيفة لجهم اخرج عني يا كافر وقالوا بحقية سائر أحكام الآخرة على ما نطق به الكتاب والسنة وهذا فصل يطول تعداده والنوع الثاني علم الفروع وهو الفقه وهو ثلاثة أقسام علم المشروع بنفسه والقسم الثاني إتقان المعرفة به وهو معرفة النصوص بمعانيها وضبط الأصول بفروعها والقسم الثالث هو العمل به حتى لا يصير نفس العلم مقصودا فإذا تمت هذه الأوجه كان فقيها وقد دل على هذا المعنى أن الله تعالى سمى علم الشريعة حكمة فقال يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وقد فسر ابن عباس رضي الله عنه الحكمة في القرآن بعلم الحلال والحرام وقال ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة أي بالفقه والشريعة والحكمة في اللغة هو العلم والعمل فكذلك موضع اشتقاق هذا الاسم وهو الفقه دليل عليه وهو العلم بصفة الإتقان مع اتصال العمل به قال الشاعر ... أرسلت فيها قرماذا اقحام ... طبا فقيها بذوات الابلام ...
سماه فقيها لعلمه بما يصلح وبما لا يصلح والعمل به فمن حوى هذه الجملة كان فقيها مطلقا وإلا فهو فقيه من وجه دون وجه وقد ندب الله تعالى إليه بقوله فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم وصفهم بالإنذار وهو الدعوة إلى العلم والعمل به وقال النبي صلى الله عليه و سلم خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا وقال إذا أراد الله بعبد خيرا يفقهه في الدين وأصحابنا هم السابقون في هذا الباب ولهم الرتبة العليا
والدرجة القصوى في علم الشريعة وهم الربانيون في علم الكتاب والسنة وملازمة القدوة وهما أصحاب الحديث والمعاني أما المعاني فقد سلم لهم العلماء حتى سموهم أصحاب الرأي والرأي اسم للفقه الذي ذكرنا وهم أولى بالحديث أيضا ألا ترى أنهم جوزوا نسخ الكتاب بالسنة لقوة منزلة السنة عندهم وعملوا بالمراسيل تمسكا بالسنة والحديث ورأوا العمل به مع الإرسال أولى من الرأي ومن رد المراسيل فقد رد كثيرا من السنة وعمل بالفرع بتعطيل الأصل وقدموا رواية المجهول على القياس وقدموا قول الصحابي على القياس وقال محمد رحمه الله تعالى في كتاب أدب القاضي لا يستقيم الحديث إلا بالرأي ولا يستقيم الرأي إلا بالحديث حتى أن من لا يحسن الحديث أو علم الحديث ولا يحسن الرأي فلا يصلح للقضاء والفتوى وقد ملأ كتبه من الحديث ومن استراح بظاهر الحديث عن بحث المعاني ونكل عن ترتيب الفروع على الأصول انتسب إلى ظاهر الحديث وهذا الكتاب لبيان النصوص بمعانيها وتعريف الأصول بفروعها على شرط الإيجاز والاختصار إن شاء الله تعالى وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب حسبنا الله ونعم الوكيل أعلم أن أصول الشرع ثلاثة الكتاب والسنة والإجماع والأصل الرابع القياس بالمعنى المستنبط من هذه الأصول أما الكتاب فالقرآن المنزل على رسول الله المكتوب في المصاحف المنقول عن النبي عليه السلام نقلا متواترا بلا شبهة وهو النظم والمعنى جميعا في قول عامة العلماء وهو الصحيح من قول أبي حنيفة عندنا إلا أنه لم يجعل النظم ركنا لازما في حق جواز الصلاة خاصة على ما يعرف في موضعه وجعل المعنى ركنا لازما والنظم ركنا يحتمل السقوط رخصة بمنزلة التصديق في الإيمان أنه ركن أصلي والإقرار ركن زائد على ما يعرف في موضعه إن شاء الله تعالى وإنما يعرف أحكام الشرع بمعرفة أقسام النظم والمعنى وذلك أربعة أقسام فيما يرجع
إلى معرفة أحكام القسم الأول في وجوه النظم صيغة ولغة والثاني في وجوه البيان بذلك النظم والثالث في وجوه استعمال ذلك النظم وجريانه في باب البيان والرابع في معرفة وجوه الوقوف على المراد والمعاني على حسب الوسع والإمكان وإصابة التوفيق أما القسم الأول فأربعة أوجه الخاص والعام والمشترك والمأول والقسم الثاني أربعة أوجه أيضا الظاهر والنص والمفسر والمحكم وإنما يتحقق معرفة هذه الأقسام بأربعة أخرى في مقابلتها وهي الخفي والمشكل والمجمل والمتشابه والقسم الثالث أربعة أوجه أيضا الحقيقة والمجاز والصريح والكناية والقسم الرابع أربعة أوجه أيضا الاستدلال بعبارته وبإشارته وبدلالته وباقتضائه وبعد معرفة هذه الأقسام قسم خامس وهو وجوه أربعة أيضا معرفة مواضعها وأصل الشرع الكتاب والسنة فلا يحل لأحد أن يقصر في هذا الأصل بل يلزمه محافظة النظم ومعرفة أقسامه ومعانيه مفتقرا إلى الله تعالى مستعينا به راجيا أن يوفقه بفضله أما الخاص فكل لفظ وضع لمعنى واحد على الانفراد وانقطاع المشاركة وكل اسم وضع لمسمى معلوم على الانفراد وهو مأخوذ من قولهم اختص فلان بكذا أي انفرد به وفلان خاص فلان أي منفرد به والخاصة اسم للحالة الموجبة للانفراد عن المال وعن أسباب نيل المال فصار الخصوص عبارة عما يوجب الانفراد ويقطع الشركة فإذا أريد خصوص الجنس قيل إنسان لأنه خاص من بين سائر الأجناس وإذا أريد خصوص النوع قيل رجل وإذا أريد خصوص العين قيل زيد وعمرو فهذا بيان اللغة والمعنى ثم العام بعده وهو كل لفظ ينتظم جمعا من الأسماء لفظا أو معنى ومعنى قولنا من الأسماء المسميات هنا ومعنى قولنا لفظا أو معنى هو تفسير للانتظام يعني أن ذلك اللفظ إنما ينتظم الأسماء مرة لفظا مثل قولنا زيدون ونحوه أو معنى مثل قولنا من وما ونحوهما والعموم
في اللغة هو الشمول يقال مطر عام أي شمل الأمكنة كلها وخصب عام أي عم الأعيان ووسع البلاد ونخلة عميمة أي طويلة والقرابة إذا توسعت انتهت إلى صفة العمومة وهو كالشيء اسم عام يتناول كل موجود عندنا ولا يتناول المعدوم خلافا للمعتزلة وإن كان كل موجود ينفرد باسمه الخاص وذكر الجصاص رحمه الله أن العام ما ينتظم جمعا من الأسماء أو المعاني وقوله أو المعاني سهو منه أو مأول لأن المعاني لا يتعدد إلا عند اختلافها وتغايرها وعند اختلافها وتغايرها لا ينتظمها لفظ واحد بل يحتمل كل واحد منها على الانفراد وهذا يسمى مشتركا وقد ذكر بعد هذا أن المشترك لا عموم له فثبت أنه سهوا ومأول وتأويله أن المعنى الواحد لما تعدد محله يسمى معاني مجاز الاجتماع محاله لكن كان ينبغي أن يقول والمعاني والصحيح أنه سهو وأما المشترك فكل لفظ احتمل معنى من المعاني المختلفة أو اسما من الأسماء على اختلاف المعاني على وجه لا يثبت إلا واحد من الجملة مراد به مثل العين اسم لعين الناظر وعين الشمس وعين الميزان وعين الركبة وعين الماء وغير ذلك ومثل المولى والقرء من الأسماء وهو مأخوذ من الاشتراك ولا عموم لهذا اللفظ وهو مثل الصريم اسم لليل والصبح جميعا على الاحتمال لا على العموم وهذا يفارق المجمل لأن المشترك يحتمل الإدراك بالتأمل في معنى الكلام لغة برجحان بعض الوجوه على البعض فقبل ظهور الرجحان سمي مشتركا فأما المجمل فما لا يدرك لغة لمعنى زائد ثبت شرعا أو لانسداد باب الترجيح لغة فوجب الرجوع فيه إلى بيان المجمل على ما نبين إن شاء الله تعالى وأما المأول فما ترجح من المشترك بعض وجوهه بغالب الرأي وهو مأخوذ من آل يؤل إذا رجع وأولته إذا رجعته وصرفته لأنك لما تأملت في موضوع اللفظ فصرفت اللفظ إلى بعض المعاني خاصة فقد أولته إليه وصار ذلك عاقبة الاحتمال
بواسطة الرأي قال الله تعالى هل ينظرون إلا تأويله أي عاقبته وليس هذا كالمجمل إذا عرفت بعض وجوهه ببيان المجمل فإن يسمى مفسرا لأنه عرف بدليل قاطع فسمي مفسرا أي مكشوفا كشفا بلا شبهة مأخوذ من قولهم أسفر الصبح إذا أضاء إضاءة لا شبهة فيه وسفرت المرأة عن وجهها إذا كشفت النقاب فيكون هذا اللفظ مقلوبا من التفسير وهذا معنى قول النبي عليه السلام من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار أي قضى تأويله واجتهاد على أنه مراد الله تعالى لأنه نصب نفسه صاحب وحي وفي هذا إبطال قول المعتزلة في أن كل مجتهد مصيب لأنه يصير الثابت بالاجتهاد تفسيرا وقطعا على حقيته مرادا وهذا باطل وأما القسم الثاني فإن الظاهر اسم لكل كلام ظهر المراد به للسامع بصيغته مثل قوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء فإنه ظاهر في الإطلاق وقوله تعالى وأحل الله البيع هذا ظاهر في الاحلال وأما النص فما ازداد وضوحا على الظاهر بمعنى من المتكلم لا في نفس الصيغة مأخوذ من قولهم نصصت الدابة إذا استخرجت بتكلفك منها سيرا فوق سيرها المعتاد وسمى مجلس العروس منصة لأنه ازداد ظهورا على ساير المجالس بفضل تكلف اتصل به من جهة الواضع ومثاله قوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن هذا ظاهر في الإطلاق نص في بيان العدد لأنه سيق الكلام للعدد وقصد به فازداد ظهورا على الأول بأن قصد به وسيق له ومثله قوله تعالى وأحل البيع وحرم الربا فانه ظاهر للتحليل والتحريم نص للفصل بين البيع والربا لانه سيق الكلام لاجله فازداد وضوحا بمعنى من المتكلم لا بمعنى في صيغته واما المفسر فما ازداد وضوحا على النص سواء كان بمعنى في النص أو بغيره بأن كان مجملا نلحقه بيان قاطع فأسند به التأويل أو كان عاما نلحقه ما انسد به باب التخصيص مأخوذا مما ذكرنا وذلك مثل قوله تعالى فسجد الملائكة كلهم اجمعون فان الملائكة جمع عام محتمل للتخصيص
فانسد باب التخصيص بذكر الكل وذكر الكل احتمل تأويل التفرق فقطعه بقوله اجمعون فصار مفسرا وحكمه الإيجاب قطعا بلا احتمال تخصيص ولا تأويل إلا أن يحتمل النسخ والتبديل فإذا ازداد قوة واحكم المراد به عن احتمال النسخ والتبديل سمى محكما من احكام البناء قال الله تعالى منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات وذلك مثل قوله تعالى أن الله بكل شيء عليم واما الأربعة التي تقابل هذه الوجوه فالخفي اسم لكل ما اشتبه معناه وخفي مراده بعارض غير الصيغة لا ينال إلا بالطلب وذلك مأخوذ من قولهم اختفى فلان أي استتر في مصره بحيلة عارضة من غير تبديل في نفسه فصار لا يدرك إلا بالطلب وذلك مثل النباش والطراد وهذه في مقابلة الظاهر ثم المشكل وهو الداخل في أشكاله وامثاله مثل قولهم احرم أي دخل في الحرم واشتى أي دخل في الشتاء وهذا فوق الأول لا ينال بالطلب بل بالتامل بعد الطلب ليتميز عن اشكاله وهذا لغموض في المعنى أو لاستعارة بديعة وذلك يسمى غريبا مثل رجل اغترب عن وطنه فاختلط بأشكاله من الناس فصار خفيا بمعنى زائد على الأول ثم المجمل وهو ما ازدحمت فيه المعاني واشتبه المراد اشتباها لا يدرك بنفس العبارة بل بالرجوع إلى الاستفسار ثم الطلب ثم التأمل و ذلك مثل قوله تعالى وحرم الربا فإنه لا يدرك بمعاني اللغة بحال وكذلك الصلوة والزكوة وهو مأخوذ من الجملة وهو كرجل اغترب عن وطنه بوجه انقطع به اثره والمشكل يقابل النص والمجمل يقابل المفسر فإذا صار المراد مشتبها على وجه لا طريق لدركه حتى سقط طلبه ووجب اعتقاد الحقيه فيه سمى متشابها بخلاف المجمل فان طريق دركه متوهم وطريق درك المشكل قائم فأما المتشابه فلا طريق لدركه إلا التسليم فيقتضي اعتقاد الحقية قبل الاصابة وهذا معنى قوله وأخر متشابهات وعندنا أن لا حظ للراسخين
في العلم من المتشابه لا التسليم على اعتقاد حقية المراد عند الله تعالى وان الوقف على قوله وما يعلم تأويله إلا الله واجب واهل الإيمان على طبقتين في العلم منهم من يطالب بالامعان في السير لكونه مبتلى بضرب من الجهل ومنهم من يطالب بالوقف لكونه مكرما بضرب من العلم فانزل المتشابه تحقيقا للابتداء وهذا اعظم الوجهين بلوى واعمهما نفعا وجدوى وهذا يقابل المحكم ومثاله المقطعات في اوائل السور ومثاله إثبات رؤية الله تعالى بالابصار حقا في الاخرة بنص القرآن بقوله وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة لانه موجود بصفة الكمال وان يكون مرئيا لنفسه ولغيره من صفات الكمال والمؤمن لاكرامه بذلك اهل لكن إثبات الجهة ممتنع فصار بوصفه متشابها فوجب تسليم المتشابه على اعتقاد الحقية فيه وكذلك إثبات اليد والوجه حق عندنا معلوم بأصله متشابه بوصفه وان يجوز ابطال الأصل بالعجز عن درك الوصف و إنما ضلت المعتزلة من هذا الوجه فانهم ردوا الاصول لجهلهم بالصفات فصاروا معطلة وتفسير القسم الثالث أن الحقيقة اسم لكل لفظ أريد به ما وضع له مأخوذ من حق الشيء يحق حقا فهو حق وحاق وحقيق والمجاز اسم لما أريد به غير ما وضع له مفعل من جاز يجوز بمعنى فاعل أي متعد عن اصله ولا ينال الحقيقة إلا بالسماع ولا تسقط عن المسمى ابدا والمجاز ينال بالتأمل في طريق ليعتبر به ويحتذى بمثاله ومثال المجاز من الحقيقة مثال القياس من النص واما الصريح فما ظهر المراد به ظهورا بينا زائدا أو منه سمى القصر صرحا لارتفاعه عن سائر الأبنية والصريح الخالص من كل شيء وذلك مثل قوله انت طالق والكناية خلاف الصريح وهو ما استتر المراد به مثل هاء المغايبة وسائر الفاظ الضمير اخذت من قولهم كنيت وكنوت ومنه قول الشاعر ... وانى لاكنو عن قذور بغيرها ... واعرب احيانا بها فاصارح ...
وهذه جملة يأتي تفسيرها في باب بيان الحكم وتفسير القسم الرابع
أن الاستدلال بعبارة النص هو العمل بظاهر ما سيق الكلام له والاستدلال باشارته هو العمل بما ثبت بنظمه لغة لكنه غير مقصود ولا سيق له النص وليس بظاهر من كل وجه فسميناه إشارة كرجل ينظر ببصره إلى شيء ويدرك مع ذلك غيره بإشارة لحظاته ونظيره قوله تعالى للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم إنما سيق النص لاستحقاق سهم من الغنيمة على سبيل الترجمة لما سبق واسم الفقراء إشارة إلى زوال ملكهم عما خلفوا في دار الحرب وقوله وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن سيق لإثبات النفقة وأشار بقوله تعالى وعلى المولود له إلى أن النسب إلى الآباء وإلى قوله عليه السلام أنت ومالك لأبيك وقوله وحمله وفصاله ثلاثون شهرا سيق لإثبات منة الوالدة على الولد وفيه إشارة إلى أن أقل مدة الحمل ستة أشهر إذا رفعت مدة الرضاع وهذا القسم هو الثابت بعينه وأما الثابت بدلالة النص فما ثبت بمعنى النص لغة لا اجتهادا ولا استنباطا مثل قوله تعالى فلا تقل لهما أف هذا قول معلوم بظاهره معلوم بمعناه وهو الأذى وهذا معنى يفهم منه لغة حتى شارك فيه غير الفقهاء أهل الرأي والاجتهاد كمعنى الإيلام من الضرب ثم يتعدى حكمه إلى الضرب والشتم بذلك المعنى فمن حيث أنه كان معنى لا عبارة لم نسمعه نصا ومن حيث أنه ثبت به لغة لا إستنباطا يسمى دلالة وأنه يعمل عمل النص وأما الثابت باقتضاء النص فما لم يعمل إلا بشرط تقدم عليه فإن ذلك أمر اقتضاء النص لصحة ما تناوله فصار هذا مضافا إلى النص بواسطة المقتضى وكان كالثابت بالنص وعلامته أن يصح به المذكور ولا يلغى عند ظهوره ويصلح لما أريد به فأما قوله تعالى وسأل القرية فإن الأهل غير مقتضى لأنه إذا ثبت لم يتحقق في القرية ما أضيف إليه بل هذا من باب الإضمار لأن صحة المقتضى إنما يكون لصحة المقتضى ومثاله الأمر بالتحرير
للتكفير مقتض للملك ولم يذكر هذا البيان معرفة تفسير هذه الأصول لغة وتفسير معانيها وبيان ترتيبها والفصل الرابع في بيان أحكامها والله أعلم بالصواب باب معرفة أحكام الخصوص
اللفظ الخاص يتناول المخصوص قطعا ويقينا بلا شبهة لما أريد به الحكم ولا يخلو الخاص عن هذا في أصل الوضع وإن احتمل التغير عن أصل وضعه لكن لا يحتمل التصرف فيه بطريق البيان لكونه بينا لما وضع له من ذلك أن الله تعالى قال والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء قلنا المراد به الحيض لأنا إذا حملنا على الإطهار انتقص العدد عن الثلاثة فصارت العدة قرئين وبعض الثالث وإذا حملنا على الحيض كانت ثلاثة كاملة والثلاثة اسم خاص لعدد معلوم لا يحتمل غيره كالفرد لا يحتمل العدد والواحد لا يحتمل الاثنين فكان هذا بمعنى الرد والإبطال ومن ذلك قوله تعالى واركعوا مع الراكعين والركوع اسم لفعل معلوم وهو الميلان عن الاستواء بما يقطع اسم الاستواء فلا يكون إلحاق التعديل به على سبيل الفرض حتى تفسد الصلاة بتركه بيانا صحيحا لأنه بين بنفسه بل يكون رفعا لحكم الكتاب بخبر الواحد لكنه ملحق به إلحاق الفرع بالأصل ليصير واجبا ملحقا بالفرض كما هو منزلة خبر الواحد من الكتاب ومن ذلك قوله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق وهذا فعل خاص وضع لمعنى خاص وهو الدوران حول البيت فلا يكون وقفه على الطهارة عن الحدث حتى لا ينعقد إلا بها عملا بالكتاب ولا بيانا بل نسخا محضا فلا يصح بخبر الواحد لكنه يزاد عليه واجبا ملحقا بالفرض كما هو منزلة خبر الواحد من الكتاب ليثبت الحكم بقدر دليله ومن ذلك قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم فإنما الوضوء
غسل ومسح وهما لفظان خاصان لمعنى معلوم في أصل الوضع فلا يكون شرط النية في ذلك عملا به ولا بيانا له وهو بين لما وضع له بل يجب أن يلحق به على الوصف الذي ذكرنا وبطل شرط الولاء والترتيب والتسمية كما ذكرنا وصار مذهب المخالف في هذا الأصل غلطا من وجهين أحدهما أنه حط منزلة الخاص من الكتاب عن رتبته والثاني أنه رفع حكم الخبر الواحد فوق منزلته ومن ذلك قوله تعالى فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره قال محمد والشافعي رحمهما الله قوله حتى تنكح كلمة وضعت لمعنى خاص وهو الغاية والنهاية فمن جعله محدثا حلا جديدا لم يكن ذلك عملا بهذه الكلمة ولا بيانا لأنها ظاهرة فيما وضعت له بل كان إبطالا ولكنها تكون غاية ونهاية والغاية والنهاية بمنزلة البعض لما وصف بها وبعض الشيء لا ينفصل عن كله فيلغوا قبل وجود الأصل والجواب أن النكاح يذكر ويراد به الوطوء وهو أصله ويحتمل العقد على ما يأتي في موضعه وقد أريد أن العقد هنا بدلالة إضافته إلى المرأة لأنها في فعل مباشرة العقد مثل الرجل فصحت الإضافة إليها وأما فعل الوطوء فلا يضاف إليها مباشرته أبدا لأنها لا يحتمل ذلك وإنما ثبت الدخول بالسنة على ما روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال لامرأة رفاعة وقد طلقها ثلثا ثم نكحت بعبد الرحمن بن الزبير ثم جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم تتهمه بالعنة وقالت ما وجدته إلا كهدبة ثوبي هذا فقال صلى الله عليه و سلم أتريدين أن تعودي إلى رفاعة فقالت نعم فقال النبي صلى الله عليه و سلم لا حتى تذوقي من عسيلته ويذوق من عسيلتك وفي ذكر العود دون الانتهاء إشارة إلى التحليل وفي حديث آخر لعن الله المحلل والمحلل له فثبت الدخول زيادة بخبر مشهور يحتمل الزيادة بمثله وما ثبت الدخول بدليله إلا بصفة التحليل وثبت شرط الدخول بالإجماع ومن صفته التحليل وأنتم أبطلتم هذا الوصف عن دليله عملا بما هو ساكت
وهو نص الكتاب عن هذا الحكم أعني الدخول بأصله ووصفه جميعا ومن ذلك قوله تعالى الطلاق مرتان الآية فالله تعالى ذكر الطلاق مرة ومرتين وأعقبهما بذكر الرجعة ثم أعقب ذلك الخلع بالمال بقوله تعالى فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به فإنما بدأ بفعل الزوج وهو الطلاق ثم زاد فعل المرأة وهو الافتداء وتحت الأفراد تخصيص المرأة به وتقرير فعل الزوج على ما سبق فإثبات فعل الفسخ من الزوج بطريق الخلع لا يكون عملا به بل يكون رفعا ومن ذلك قوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا وقال الشافعي رحمه الله القطع لفظ خاص لمعنى مخصوص فأنى يكون إبطال عصمة المال عملا به فقد وقعتم في الذي أبيتم ومن ذلك قوله تعالى أن تبتغوا بأموالكم محصنين فإنما أحل الابتغاء بالمال والابتغاء لفظ خاص وضع لمعنى مخصوص وهو الطلب والطلب بالعقد يقع فمن جوز تراخي البدل عن الطلب الصحيح إلى المطلوب وهو فعل الوطىء كان ذلك منه إبطالا فبطل به مذهب الخصم في مسألة المفوضة ومثله قوله تعالى قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم والفرض لفظ خاص وضع لمعنى مخصوص وهو التقدير فمن لم يجعل المهر مقدارا شرعا كان مبطلا وكذلك الكناية في قوله تعالى ما فرضنا لفظ خاص يراد به نفس المتكلم فدل ذلك على أن صاحب الشرع هو المتولي للإيجاب والتقدير وأن تقدير العبد امتثال به فمن جعل إلى العبد اختيار الإيجاب والترك في المهر والتقدير فيه كان إبطالا لموجب هذا اللفظ الخاص لا عملا به ولا بيانا لأنه بين ومن ذلك قوله تعالى بعد هذا فإن طلقها فلا تحل له من بعد والفاء حرف خاص لمعنى مخصوص وهو الوصل والتعقيب وإنما وصل الطلاق بالافتداء بالمال فأوجب صحته بعد الخلع فمن وصله بالرجعى وأبطل وقوعه بعد الخلع لم يكن عملا به
ولا بيانا والجواب أن ذلك ثبت بنص مقرون به عندنا وهو قوله تعالى جزاء بما كسبا لأن الجزاء المطلق اسم لما يجب لله تعالى على مقابلة فعل العبد وأن يجب لله تعالى يدل على خلوص الجناية الداعية إلى الجزاء واقعة على حقه ومن ضرورته تحول العصمة إليه ولأن الجزاء يدل على كمال المشروع لما شرع له مأخوذ من جزى أي قضى وجزاء بالهمزة أي كفى وكماله يستدعي كمال الجناية ولا كمال مع قيام حق العبد في العصمة لأنه يكون حراما لمعنى يكون في غيره ولا يلزم أن الملك لا يبطل لأن محل الجناية العصمة وهي الحفظ ولا عصمة إلا بكونه مملوكا فأما تعين المالك فشرط ليصير خصمه متعينا لا لعينه حتى إذا وجد الخصم بلا ملك كان كافيا كالمكاتب والمتولي الوقف ونحوهما فلذلك تحولت العصمة دون الملك ألا ترى أن الجناية يقع على المال والعصمة صفة للمال مثل كونه مملوكا فأما الملك الذي هو صفة للمالك كيف يكون محلا للجناية لينتقل وكيف ينتقل الملك وهو غير مشروع فأما نقل العصمة فمشروع كما في الخمر والله أعلم ومن هذا الأصل باب الأمر
فإن المراد بالأمر يختص بصيغة لازمة عندنا ومن الناس من قال ليس للمراد بالأمر صيغة لازمة وحاصل ذلك أن أفعال النبي صلى الله عليه و سلم عندهم موجبة كالأمر وهو قول بعض أصحاب مالك والشافعي رحمهما الله واحتجوا بقوله تعالى وما أمر فرعون برشيد أي فعله ولو لم يكن الأمر مستفادا بالفعل لما سمي به وقال عليه السلام صلوا كما رأيتموني أصلي فجعلوا المتابعة لازمة واحتج أصحابنا رحمهم الله بأن العبارات إنما وضعت دلالات على المعاني المقصودة ولا يجوز قصور العبارات عن المقاصد والمعاني
وقد وجدنا كل مقاصد الفعل مثل الماضي والحال والاستقبال مختصة بعبارات وضعت لها فالمقصود بالأمر كذلك يجب أن يكون مختصا بالعبارة وهذا المقصود أعظم المقاصد فهو بذلك أولى وإذا ثبت أصل الموضوع كان حقيقة فيكون لازمة إلا بدليل ألا ترى أن أسماء الحقايق لا يسقط عن مسمياتها أبدا وأما المجاز فيصح نفيه يقال للأب الأقرب أب لا ينفى عنه بحال ويسمى الجد أبا ويصح نفيه ثم ههنا صح أن يقال أن فلانا لم يأمر اليوم بشيء مع كثرة أفعاله وإذا تكلم بعبارة الأمر لم يستقم نفيه وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم حين خلع نعليه فخلع الناس نعالهم منكرا عليهم ما لكم خلعتم نعالكم وأنكر عليهم الموافقة في وصال الصوم فقال إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني فثبت أن صيغة الأمر لازمة ولا ننكر تسميته مجازا لأن الفعل يجب به فسمي به مجازا والنبي عليه السلام دعا إلى الموافقة بلفظ الأمر بقوله صلوا كما رأيتموني أصلي فدل أن الصيغة لازمة ومن ذلك باب موجب الأمر
وإذا ثبت خصوص الصيغة ثبت خصوص المراد في أصل الوضع وهو قول عامة الفقهاء ومن الناس من قال أنه مجمل في حق الحكم لا يجب به حكم إلا بدليل زائد واحتجوا بأن صيغة الأمر استعملت في معان مختلفة للإيجاب مثل قوله تعالى أقيموا الصلاة وللندب مثل قوله وابتغوا من فضل الله وللإباحة مثل قوله وإذا حللتم فاصطادوا وللتقريع مثل قوله تعالى واستفزز من استطعت منهم وللتوبيخ مثل قوله تعالى فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وإذا اختلفت وجوهه لم يجب العمل به إلا بدليل ولعامة العلماء أن صيغة الأمر لفظ خاص من تصاريف
الفعل وكما أن العبارات لا تقصر عن المعاني فكذلك العبارات في أصل الوضع مختصة بالمراد ولا يثبت الاشتراك إلا بعارض فكذلك صيغة الأمر لمعنى خاص ثم الاشتراك إنما يثبت بضرب من الدليل المغير كسائر ألفاظ الخصوص ثم الفقهاء سوى الواقفية اختلفوا في حكم الأمر قال بعضهم حكمه الإباحة وقال بعضهم الندب وقال عامة العلماء حكمه الوجوب أما الذين قالوا بالإباحة قالوا إن ما ثبت أمرا كان مقتضيا لموجبه فيثبت أدناه وهو الإباحة والذين قالوا بالندب قالوا لا بد مما يوجب ترجيح جانب الوجود وأدنى ذلك معنى الندب إلا أن هذا فاسد لأنه إذا ثبت أنه موضوع لمعناه المخصوص به كان الكمال أصلا فيه فثبت أعلاه على احتمال الأدنى إذ لا قصور في الصيغة ولا في ولاية المتكلم والحجة لعامة العلماء الكتاب والإجماع والدليل المعقول أما الكتاب قوله تعالى إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون وهذا عندنا على أنه أريد به ذكر الأمر بهذه الكلمة والتكلم بها على الحقيقة لا مجازا عن الإيجاد بل كلام بحقيقته من غير تشبيه ولا تعطيل وقد أجرى سنته في الإيجاد بعبارة الأمر ولو لم يكن الوجود مقصود بالأمر لما استقام قرينة للإيجاد بعبارة الأمر وقال ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره فقد نسب وأضاف القيام إلى الأمر وذلك دليل على حقية الوجود مقصودا بالأمر وقال الله تعالى فليحذر الذين يخالفون عن أمره وكذلك دلالة الإجماع حجة لأن من أراد طلب فعل لم يكن في وسعه أن يطلبه إلا بلفظ الأمر والدليل المعقول أن تصاريف الأفعال وضعت لمعان على المخصوص كساير العبارات فصار معنى المضي للماضي حقا لازما إلا بدليل وكذلك الحال واحتمال أن يكون من الاستقبال لا يخرجه عن موضوعه فكذلك صيغة الأمر لطلب المأمور به فيكون حقا لازما به على أصل الوضع ألا ترى أن
الأمر فعل متعد لازمه ايتمر ولا وجود للمتعدي إلا أن يثبت لازمه كالكسر لا يتحقق إلا بالانكسار فقضية الأمر لغة أن لا يثبت إلا بالامتثال إلا أن ذلك لو ثبت بالأمر نفسه لسقط الاختيار من المأمور أصلا وللمأمور عندنا ضرب من الاختيار وإن كان ضروريا فنقل حكم الوجود إلى الوجوب حقا لازما بالأمر لا يتوقف على اختيار المأمور وتوقف الوجود على اختيار المأمور صيانة واحترازا عن الجبر فلذلك صار الأمر للإيجاب ولو وجب التوقف في حكم الأمر لوجب في النهي فيصير حكمهما واحدا وهو باطل وما اعتبره الواقفية من الاحتمال تبطل الحقايق كلها وذلك محال ألا ترى أنا لم ندع أنه محكم وإذا أريد بالأمر الإباحة أو الندب فقد زعم بعضهم أنه حقيقة وقال الكرخي والجصاص بل هو مجاز لأن اسم الحقيقة لا يتردد بين النفي والإثبات فلما جاز أن يقال إني غير مأمور بالنقل دل أنه مجاز لأنه جاز أصله وتعداه ووجه القول الآخر أن معنى الإباحة أو الندب من الوجوب بعضه في التقدير كأنه قاصر لا مغاير لأن الوجوب ينتظمه وهذا صح ويتصل بهذا الأصل أن الأمر بعد الخطر لا يتعلق بالندب والاباحة لا محالة بل هو للايجاب عندنا إلا بدليل استدلالا بأصله وصيغته ومنهم من قال بالندب والاباحة لقوله تعالى وإذا حللتم فاصطادوا ولكن ذلك عندنا بقوله تعالى أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين لا بصيغته ومن هذا الأصل الاختلاف في الموجب باب موجب الأمر
في معنى العموم والتكرار قال بعضهم صيغة الأمر يوجب العموم والتكرار وقال بعضهم لا بل يحتمله وهو قول الشافعي وقال بعض مشايخنا لا يوجبه ولا يحتمله إلا أن يكون معلقا بشرط أو مخصوصا بوصف وقال عامة مشايخنا لا يوجبه ولا يحتمله بكل حال غير أن الأمر بالفعل يقع على اقل
جنسه ويحتمل كله بدليله مثال هذا الأصل رجل قال لامرأته طلقي نفسك أو قال ذلك لاجنبي فإن ذلك واقع على الثلاث عند بعضهم وعند الشافعي يحتمل الثلاث والمثنى وعندنا يقع على الواحدة إلا أن ينوي الكل وجه القول الأول أن لفظ الأمر مختصر من طلب الفعل بالمصدر الذي هو إسم لجنس الفعل والمختصر من الكلام والمطول سواء واسم الفعل اسم عام لجنسه فوجب العمل بعمومه كسائر الفاظ العموم ووجه قول الشافعي هو ما ذكرنا غير أن المصدر اسم نكرة في موضع الاثبات فأوجب الخصوص على احتمال العموم إلا ترى أن نية الثلاث صحيحة وهو عدد لا محالة فكذلك المثنى إلا ترى إلى قول اقرع بن حابس في السؤال عن الحج العامنا هذا ام للأبد ووجه القول الثالث الاستدلال بالنصوص الواردة من الكتاب والسنة مثل قوله تعالى اقم الصلاة لدلوك الشمس وإن كنتم جنبا فاطهروا واحتج من ادعى التكرار بحديث الاقرع بن حابس حين قال في الحج العامنا هذا يا رسول الله ام للابد فقال عليه السلام بل للابد فلو لم يحتمل اللفظ لما اشكل عليه ولنا أن لفظ الأمر صيغة اختصرت لمعناها من طلب الفعل لكن لفظ الفعل فرد وكذلك ساير الاسماء المفردة والمصادر مثل قول الرجل طلقي أي أوقعي طلاقا أو افعلي تطليقا أو التطليق وهما اسمان فردان ليسا بصيغتي جمع ولا عدد وبين الفرد والعدد تناف وكما لا يحتمل العدد معنى الفرد لم يحتمل الفرد معنى العدد ايضا وكذلك الامر بسائر الافعال كقولك اضرب اى اكتسب ضربا او الضرب وهو فرد بمنزلة زيد وعمر وبكر فلا يحتمل العدد الا انه اسم جنس له كل وبعض فالبعض منه الذى هو اقله فرد حقيقة وحكما واما الطلقات الثلث فليست بفرد حقيقه بل هى اجزآء متعددة ولكنها فرد حكما لانها جنس واحد فصارت من طريق الجنس واحدا الا ترى انك اذا عددت الاجناس كان هذا باجزائه واحدا فصار واحدا من حيث هو جنس وله ابعاض كالانسان فرد من حيث هو آدمى ولكنه ذو أجزاء
متعددة فصار هذا الاسم الفرد واقعا على الكل بصفة أنه واحد لكن الاقل فرد حقيقة وحكما من كل وجه وكان اولى بالاسم الفرد عند اطلاقه والآخر محتملا فأما ما بين الاقل والكل فعدد محض ليس بفرد حقيقة ولا صورة ولا معنى فلم يحتمله الفرد وكذلك سائر أسماء الاجناس إذا كانت فردا صيغة أو دلالة اما الفرد صيغة فمثل قول الرجل والله لا اشرب ماء أو الماء أنه يقع على الاقل ويحتمل الكل فأما قدرا من الاقدار المتخللة بين الحدين فلا فكذلك لا آكل طعاما أو ما يشبهه واما الفرد دلالة فمثل قول الرجل والله لا اتزوج النساء ولا اشتري العبيد ولا اكلم بني آدم ولا اشتري الثياب أن ذلك يقع على الاقل ويحتمل الكل لان هذا جمع صار مجازا عن اسم الجنس لانا إذا بقينا جمعا لغا حرف العهد اصلا وإذا جعلناه جنسا بقى اللام لتعريف الجنس وبقى معنى الجمع من وجه في الجنس و كان الجنس اولى قال الله تعالى لا يحل لك النساء وذلك لا يختص بالجمع فصار هذا وساير اسماء الجنس سواء وانما اشكل على الاقرع لانه اعتبر ذلك بسائر العبادات وعلى هذا يخرج أن كل اسم فاعل دل على المصدر لغة مثل قوله تعالى والسارق والسارقة لم يحتمل العدد حتى قلنا لا يجوز أن اراد بالاية إلا الإيمان لان كل السرقات غير مراد بالإجماع فصار الواحد مرادا وبالفعل الواحد لا يقطع إلا واحد وموجب الأمر مر على ما فسرنا يتنوع نوعين وهذا تنويع في صفة الحكم باب
يلقب بيان صفة حكم الأمر وذلك نوعان اداء وقضاء والاداء ثلثه انواع اداء كامل محض واداء قاصر محض وما هو شبيه بالقضاء والقضاء انواع ثلثة نوع بمثل معقول ونوع بمثل غير معقول ونوع بمعنى الاداء وهذه
الأقسام تدخل في حقوق الله تعالى وتدخل في حقوق العباد ايضا و الاداء اسم لتسليم نفس الواجب بالأمر والقضاء اسم لتسليم مثل الواجب به كمن غصب شيئا لزمه تسليم عينه ورده فيصير به مؤديا وإذا هلك لزمه ضمانه فيصير به قاضيا وقد يدخل في الاداء قسم اخر وهو النفل على قول من جعل الأمر حقيقة في الاباحة والندب فأما القضاء فلا يحتمل هذا الوصف قال الله تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى اهلها وقد يدخل احدى العبارتين في قسم العبارة الأخرى فسمى الاداء قضاء لان القضاء لفظ متسع وقد يستعمل الاداء في القضاء مقيدا لان الاداء خصوصا بتسليم نفس الواجب وعينه لان مرجع العبارة إلى الاستقصاء وشدة الرعاية كما قيل في الثلاثي منه ( ع ) الذئب يأدو للغزال يأكله أي يحتال ويتكلف فيختله واما القضاء فاحكام الشيء نفسه لا ينبىء عن شدة لرعاية واختلف المشايخ في القضاء ايجب بنص مقصود ام بالسبب الذي يوجب الاداء فقال بعضهم بنص مقصود لان القربة عرفت قربة بوقتها وإذا فاتت عن وقتها ولا يعرف لها مثل إلا بالنص كيف يكون لها مثل بالقياس وقد ذهب وصف فضل الوقت وقال عامتهم يجب بذلك السبب وبيان ذلك أن الله تعالى اوجب القضاء في الصوم بالنص فقال فعدة من ايام اخر وجاءت السنة بالقضاء في الصلاة قال النبي عليه السلام من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فان ذلك وقتها فقلنا نحن وجب القضاء في هذا بالنص وهو معقول فإن الاداء كان فرضا فإذا فات فات مضمونا وهو قادر على تسليم مثله من عنده لكون النفل مشروعا له من جنسه أمر بصرف ما له إلى ما عليه وسقط فضل الوقت إلى غير مثل والى غير ضمان إلا بالاثم إن كان عامدا للعجز فإذا عقل هذا اوجب القياس به
في قضاء المنذورات المتعينة من الصلوة والصيام والاعتكاف وهذا اقيس واشبه بمسائل اصحابنا ولهذا قلنا في صلوة فاتت عن ايام التشريق وجب قضاؤها بلا تكبير لانه لا تكبير عنده في ساير الايام ثم لم يسقط ما قدر عليه بهذا العذر ويتفرع من هذا الأصل مسألة النذر بالاعتكاف في شهر رمضان إذا صامه ولم يعتكف أنه يقضي اعتكافه ولا يجري في رمضان اخر قالوا أن القضاء إنما وجب بالتفويت ابتداء لا بالنذر والتفويت سبب مطلق عن الوقت فصار كالنذر المطلق لكنا نقول إنما وجب القضاء في هذا بالقياس على ما قلنا لا بنص مقصود في هذا الباب وإذا ثبت هذا لم يكن بد من اضافته إلى السبب الأول لا ترى أنه يجب بالفوات مرة وبالتفويت أخرى إلا أن الاعتكاف الواجب مطلقا يقتضي صوما للاعتكاف اثر في ايجابه وانما جاء هذا النقصان في مسألة شهر رمضان بعارض شرف الوقت وما ثبت بشرف الوقت فقد فات بحيث لا يتمكن من اكتساب مثله إلا بالحيوة إلى رمضان آخر وهو وقت مديد يستوي فيه الحيوة والموت فلم يثبت القدرة فسقط فبقى مضمونا باطلاقه وكان هذا احوط الوجهين لان ما ثبت بشرف الوقت من الزيادة احتمل السقوط فالنقصان والرخصة الواقعة بالشرف لان يحتلم السقوط والعود إلى الكمال اولى وإذا عاد لم يتاد في الرمضان الثاني والاداء في العبادات يكون في الموقتة في الوقت وفي غير الموقتة أبدا على ما نبين انشاء الله تعالى والمحض ما يوديه الانسان بوصفه على ما شرع مثل الصلوة بالجماعة فأما فعل الفرد فأداء فيه قصور الا ترى أن الجهر عن المنفرد ساقط والشارع مع الإمام في الجماعة مؤد اداء محضا والمسبوق بعض الصلوة مؤد ايضا لكنه منفرد فكان قاصرا ومن نام خلف الإمام او احدث فذهب يتوضأ ثم عاد بعد فراغ الإمام فهذا مؤد اداء يشبه القضاء ألا ترى انهم قالوا في مسافر اقتدى بمسافر في الوقت ثم سبقه الحدث أو نام حتى فرغ
الإمام ثم سبقه الحدث فدخل مصره للوضوء أو نوى الإقامة وهو في غير مصره والوقت باق أن يصلي ركعتين ولو تكلم صلى اربعا ولو كان الإمام لم يفرغ أو كان هذا الرجل مسبوقا صلى اربعا كما في المسألة الأولى واصل هذا أن هذا مؤد باعتبار الوقت لكنه قاض باعتبار فراغ الإمام لانه كأنه خلف الأمام لا انه في الحقيقة خلفه فصار قاضيا لما انعقد له احرام الإمام بمثله والمثل بطريق القضاء إنما يجب بالسبب الذي اوجب الأصل فما لم يتغير الأصل لم يتغير المثل فإذا لم يفرغ الإمام حتى وجد من المقتدي ما يوجب اكمال صلوته تمت صلوته بنية اقامته أو بدخول مصره لانه مؤد في الوقت فأما إذا فرغ الإمام ثم وجد ما ذكرنا فإنما اعترض هذا على القضاء دون الاداء فإذا لم يتغير الاداء لم يتغير القضاء كما إذا صار قضاء محضا بالفوات عن الوقت ثم وجد المغير وإذا تكلم فقد بطل معنى القضاء وعاد الأمر إلى الاداء فتغير بالمغير لقيام الوقت بخلاف المسبوق ايضا لأنه مؤد ولهذا قلنا في اللاحق لا يقرأ ولا يسجد للسهو بخلاف المسبوق لما بينا أنه قاض لما انعقد له احرام الجماعة واما القضاء فنوعان إما بمثل معقول كما ذكرنا واما بمثل غير معقول فمثل الفدية في الصوم وثواب النفقة في الحج باحجاج النائب لانا لا نعقل المماثلة بين الصوم والفدية لا صورة ولا معنى فلم يكن مثلا قياسا واما الصوم فمثل صورة ومعنى وكذلك ليس بين افعال الحج ونفقة الاحجاج مماثلة بوجه لكنا جوزناه بالنص قال الله تعالى وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين أي لا يطيقونه وهذا مختصر بالإجماع وثبت في الحج بحديث الخثعمية انها قالت يا رسول الله أن أبي ادركه الحج وهو شيخ كبير لا يستمسك على الراحلة أفيجزئني أن احج عنه فقال عليه السلام ارايت لو كان على ابيك دين فقضيته اكان يقبل منك فقالت نعم قال فدين الله احق ولهذا قلنا أن ما لا يعقل مثله
يسقط كمن نقص صلوته في اركانها بتغيير ولهذا قال أبو حنيفة وابو يوسف رضي الله عنهما فيمن أدى في الزكاة خمسة دراهم زيوفا عن خمسة جياد انه يجوز ولا يضمن شيئا لان الجودة لا يستقيم اداؤها بمثلها صورة ولا بمثلها قيمة لانها غير متقومة فسقط اصلا واحتاط محمد رحمه الله في ذلك الباب فأوجب قيمة الجودة من الدراهم والدنانير ولهذا قلنا أن رمى الجمار لا يقضى والوقوف بعرفات والاضحية كذلك فإن قيل فإذا ثبت هذا بنص غير معقول فلم اوجبتم الفدية في الصلاة بلا نص قياسا على الصوم من غير تعليل قلنا لأن ما ثبت من حكم الفدية عن الصوم يحتمل أن يكون معلولا والصلاة نظير الصوم بل أهم منه لكنا لم نعقل واحتمل أن لا يكون معلولا وما لا ندركه لا يلزمنا العمل به لكنه لما احتمل الوجهين أمرناه بالفدية احتياطا فلئن كان مشروعا فقد تأدى وإلا فليس به بأس ثم لم نحكم بجوازه مثل حكمنا به في الصوم قطعا ورجونا القبول من الله تعالى في الصلاة فضلا وقال محمد رحمه الله في الزيادات في هذا يجزيه إنشاء الله كما إذا تطوع به الوارث في الصوم فإن قيل فالأضحية لا مثل لها وقد أوجبتم بعد فوات وقتها التصدق بالعين أو القيمة قلنا لأن التضحية ثبتت قربة بالنص واحتمل أن يكون التصدق بعين الشاة أو قيمتها أصلا لأنه هو المشروع في باب المال كما في سائر الصدقات إلا أن الشرع نقل من الأصل إلى التضحية وهو نقصان في المالية بإراقة الدم عند محمد وبإراقة الدم وإزالة التمول عن الباقي عند أبي يوسف على ما نبين في مسألة التضحية أيمنع الرجوع في الهبة أم لا فنقل إلى هذا تطييبا للطعام وتحقيقا لمعنى العيد بالضيافة إلا أنه يحتمل أن يكون التضحية أصلا فلم نعتبر هذا الموهوم في معارضة المنصوص المتيقن فإذا فات هذا المتيقن بفوت وقته وجب العمل بالموهوم مع الاحتمال
احتياطا أيضا والدليل على أنه كان بهذا الطريق لا أنه مثل الأضحية أنه إذا جاء العام القابل لم ينتقل الحكم إلى الأضحية وهذا وقت يقدر فيه على أداء مثل الأصل فيجب الخلف كما في الفدية إلا أنه لما ثبت أصلا من الوجه الذي بينا ووقع الحكم به لم ينقض بالشك أيضا أما القضاء الذي بمعنى الأداء فمثل رجل أدرك الإمام في العيد راكعا كبر في ركوعه وهذا قد فات موضعه فكان قضاء وهو غير قادر على مثل من عنده قربة فكان ينبغي أن لا يقضي إلا أنه قضاء يشبه الأداء لأن الركوع يشبه القيام وهذا الحكم قد ثبت بالشبهة ألا ترى أن تكبير الركوع يحتسب منها وليس في حال محض القيام فاحتمل أن يلحق به نظائره فوجب عليه التكبير اعتبارا بشبهة الأداء احتياطا وكذلك السورة إذا فاتت عن الأوليين وجب في الآخريين لأن موضع القراءة جملة الصلوة إلا أن الشفع الأول يعين بخبر الواحد الذي يوجب العمل وقد بقي للشفع الثاني شبهة كونه محلا وهو من هذا الوجه ليس بفائت فوجب أداؤها اعتبارا لهذه الشبهة وإن كان قضاء في الحقيقة ولهذا لو ترك الفاتحة سقطت لأن المشروع من الفاتحة في الآخريين إنما شرع احتياطا فلم يستقم صرفها إلى ما عليه ولم يستقم اعتبار معنى الأداء لأنه مشروع أداء فيتكرر فلذلك قيل يسقط والسورة لم يجب قضاء لأنه ليس عنده في الآخريين قراءة سورة يصرفها إلى ما عليه وإنما وجب لاعتبار الأداء وأما حقوق العباد فهي تنقسم على هذا الوجه أما الأداء الكامل فهو رد العين في الغصب والبيع وأداء الدين والقاصر مثل أن يغصب عبدا فارغا ثم يرده مشغولا بالجناية أو يسلم المبيع مشغولا بالجناية أو الدين أو ما أشبه ذلك حتى إذا هلك في ذلك الوجه انتقض التسليم عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعندهما هذا تسليم كامل لأن العيب لا يمنع تمام التسليم وهو عيب عندهما
وأداء الزيوف في الدين إذا لم يعلم به صاحب الحق أداء بأصله لأنه جنس حقه وليس بأداء بوصفه لعدمه فصار قاصرا ولهذا قال أبو حنيفة ومحمد رضي الله عنهما أنها إذا هلكت عند القابض بطل حقه أصلا لأنه لما كان أداء بأصله صار مستوفيا وبطل الوصف لأنه لا مثل له صورة ولا معنى ولم يجز أبطال الأصل للوصف إذ الإنسان لا يضمن لنفسه واستحسن أبو يوسف وأوجب مثل المقبوض إحياء لحقه في الوصف والأداء الذي هو في معنى القضاء مثل أن يتزوج رجل امرأة على أبيها وهو عبد فاستحق وجبت قيمته فإن لم يقض بقيمته حتى ملك الزوج الأب بوجه من الوجوه لزمه تسليمه إلى المرأة لأنه عين حقها في المسمى إلا أنه في معنى القضاء لأن تبدل الملك أوجب تبدلا في العين حكما فكان هذا عين حقها في المسمى لكن بمعنى المثل ولهذا قلنا أن الزوج إذا ملكه لا يملك أن يمنعها إياه لأنه عين حقها ولهذا قلنا أنه لا يعتق حتى يسلمه إليها أو يقضي به لها لأنه مثل من وجه وعليه قيمته فلا تملك إلا بالتسليم ولهذا قلنا إذا أعتقه الزوج أو كاتبه أو باعه قبل التسليم صح لأنه مثل من وجه وعليه قيمته ولهذا قلنا إذا قضى بقيمته على الزوج ثم ملكه الزوج أن حقها لا يعود إليه وهذه الجملة في نكاح كتاب الجامع مذكور ويتصل بهذا الأصل أن من غصب طعاما فأطعمه المالك من غير أن يعلمه لم يبرأ عند الشافعي لأنه ليس بأداء مأمور به لأنه غرور إذ المرء لا يتحامى في العادات عن مال غيره في موضع الإباحة والشرع لم يأمر بالغرور فبطل الأداء نفيا للغرور فصار معنى الأداء لغوا ردا للغرور قلنا نحن هذا أداء حقيقة لأنه عين ماله وصل إلى يده ولو كان قاصرا لتم بالهلاك فكيف لا يتم وهو في الأصل كامل فأما الخلل الذي ادعاه فإنما وقع لجهله والجهل لا يبطله وكفى بالجهل عارا فكيف يكون عذرا في تبديل إقامة الفرض اللازم والعادة المخالفة للديانة الصحيحة على ما زعم لغو لأن عين ماله وصل
إلى يده أما القضاء بمثل معقول فنوعان كامل وقاصر أما الكامل فالمثل صورة ومعنى وهو الأصل في ضمان العدوان وفي باب القروض تحقيقا للجبر حتى كان بمنزلة الأصل من كل وجه وكان سابقا أما المثل القاصر فالقيمة فيما له مثل إذا انقطع مثله وفيما لا مثل له لأن حق المستحق في الصورة والمعنى إلا أن الحق في الصورة وقد فات للعجز عن القضاء به فبقي المعنى ولهذا قال أبو حنيفة رضي الله عنه فيمن قطع يد رجل ثم قتله عمدا أنه يقطع ثم يقتل إن شاء الولي لأنه مثل كامل وأما القتل المنفرد فمثل قاصر وقالا بل يقتله ولا يقطعه لأن القتل بعد القطع تحقيق لموجب القطع فصار أمر الجناية يؤل إلى القتل وقلنا هذا هكذا من طريق المعنى فأما من طريق الصورة في باب جزاء الفعل فلا ألا ترى أن القتل قد يصلح ما حيا أثر القطع كما يصلح محققا لأنه علة مبتدأة صالحة للحكم فوق الأول فخيرناه بين الوجهين ولهذا لا يضمن المثلى بالقيمة إذا انقطع المثل إلا يوم الخصومة عند أبي حنيفة رضي الله عنه لأن المثل القاصر لا يصير مشروعا مع احتمال الأصل ولا ينقطع الاحتمال إلا بالقضاء ولهذا لا يضمن منافع الأعيان بالإتلاف بطريق التعدي لأن العين ليس بمثل لها صورة ولا معنى أما الصورة فلا شك فيها وأما المعنى فلأن المنافع إذا وجدت كانت أعراضا لا تبقى زمانين وليس لما تبقى زمانين صفة التقوم لأن التقوم لا يسبق الوجود وبعد الوجود التقوم لا يسبق الاحراز والاقتناء والأعراض لا يقبل هذه الأوصاف إلا أن يثبت احرازها بولاية العقد حكما شرعيا بناء على جواز العقد فلا يثبت فى غير موضع العقد بل يثبت التقوم فى حكم العقد خاصة ولأن التقوم في حكم العقد ثبت لقيام العين مقامها وهذا أصح ألا ترى أن ضمان العقد فاسدا كان أو جايزا يجب بالتراضي فوجب بناء التقوم على التراضي وضمان العدوان يعتمد أوصاف العين والرجوع
إليها يمنع التقوم على ما عرف ولأن التفاوت بين ما يبقى وتقوم العرض به وبين العرض القائم به تفاوت فاحش فلم يصلح مثلا له معنى بحكم الشرع في العدوان بخلاف ضمان العقود لأن العقود مشروعة فبنيت على الوسع والتراضي باعتبار الحاجة إليها وسقط اعتبار هذا التفاوت ألا ترى أن اعتبار هذا التفاوت في ضمان العقود يبطلها أصلا واعتباره في ضمان العدوان لا يبطله أصلا بل يؤخره إلى دار الجزاء لأنه بطل حكما لعجزنا به لا لعدمه في نفسه وإهدار التفاوت بوجب ضرر لازما للغاصب في الدنيا والآخرة ولم يحصل التمييز بين الجايز والفاسد لأن ذلك يؤدي إلى الحرج فلم يعتبر فيما شرع ضرورة وأما القضاء بمثل غير معقول فهو كغير المال المتقوم إذا ضمن بالمال المتقوم كان مثلا غير معقول مثل النفس تضمن بالمال لأن المال ليس بمثل للنفس لا صورة ولا معنى لأن الآدمي مالك والمال مملوك فلا يتشابهان بوجه ولهذا قلنا أن المال غير مشروع مثلا عند احتمال القصاص لأن القصاص مثل الأول صورة ومعنى وهو إلى الأحياء الذي هو المقصود أقرب فلم يجز أن يزاحمه ما ليس بمثل صورة ولا معنى وإنما شرع عند عدم المثل صيانة للدم عن الهدر ومنة على القاتل بأن سلمت له نفسه وللقتيل بأن لم يهدر حقه ولهذا قلنا نحن خلافا للشافعي أن القصاص لا يضمن لوليه بالشهادة الباطلة على العفو أو بقتل القاتل لأن القصاص ليس بمتقوم فلم يكن له مثل صورة ومعنى وإنما شرعت الدية صيانة للدم عن الهدر والعفو عن القصاص مندوب إليه فكان جائزا أن يهدر بل حسنا ولهذا قلنا أن ملك النكاح لا يضمن بالشهادة بالطلاق بعد الدخول وبقتل المنكوحة وبردتها لأنه ليس بمال متقوم وإنما يقوم بالمال بضع المرأة تعظيما لخطره وإنما الخطر للمملوك فأما الملك الوارد عليه فلا حتى صح إبطاله بغير شهود ولا ولى ولهذا
لم يجعل له حكم التقوم عند الزوال لا أنه ليس بتعرض له بالاستيلاء بل إطلاق له ولا يلزم الشهادة بالطلاق قبل الدخول فإنها عند الرجوع يوجب ضمان نصف المهر لأن ذلك لم يجب قيمة للبضع ألا ترى أنه لم يجب مهر المثل تاما كما قال الشافعي لكن المسمى الواجب بالعقد لا يستحق تسليمه عند سقوط تسليم البضع فلما أوجبوا عليه تسليم النصف مع فوات تسليم البضع كان قصرا ليده عن ذلك المال فاشبه الغصب فأما القضاء الذي في حكم الأداء فمثل رجل تزوج امرأة على عبد بغير عينه أنه إذا أدى القيمة أجبرت على القبول وقيمة الشيء قضاء له لا محالة إنما يصار إليها عند العجز عن تسليم الأصل وهذا الأصل لما كان مجهولا من وجه ومعلوما من وجه صح تسليمه من وجه واحتمل العجز فإن أدى صح وإن اختار جانب العجز وجبت قيمته ولما كان الأصل لا يتحقق أداؤه إلا بتعيينه و لا تعيين إلا بالتقوم صار التقويم أصلا من هذا الوجه فصارت القيمة مزاحمة للمسمى بخلاف العبد المعين لأنه معلوم بدون التقويم فصارت قيمته قضاء محضا فلم يعتبر عند القدرة والله أعلم ومن قضية الشرع في هذا الباب أن حكم الأمر موصوف بالحسن عرف ذلك بكونه مأمورا به لا بالعقل نفسه إذ العقل غير موجب بحال وهذا الباب لتقسيمه والله الموفق باب بيان صفة الحسن للمأمور به
المأمور به نوعان في هذا الباب حسن لمعنى في نفسه وحسن لمعنى في غيره فالحسن لمعنى في نفسه ثلاثة أضرب ضرب لا يقبل سقوط هذا الوصف بحال وضرب يقبله وضرب منه ملحق بهذا القسم لكنه مشابه لما حسن لمعنى في غيره والذي حسن لمعنى في غيره ثلاثة أضرب أيضا
فضرب منه ما حسن لغيره وذلك الغير قايم بنفسه مقصودا لا يتأدي بالذي قبله بحال وضرب منه ما حسن لمعنى في غيره لكنه يتأدي بنفس المأمور به فكان شبيها بالذي حسن لمعنى في نفسه وضرب منه حسن لحسن في شرطه بعد ما كان حسنا لمعنى في نفسه أو ملحقا به وهذا القسم سمى جامعا أما الضرب الأول من القسم الأول فنحو الإيمان بالله تعالى و صفاته حسن لعينه غير أنه نوعان تصديق هو ركن لا يحتمل السقوط بحال حتى انه متى تبدل بضده كان كفرا واقرار هو ركن ملحق به لكنه يحتمل السقوط بحال حتى انه متى تبدل بضده بعذر الاكراه لم يعد كفرا لان اللسان ليس معدن التصديق لكن ترك البيان من غير عذر يدل على فوات التصديق فكان ركنا دون الأول فمن صدق بقلبه وترك البيان من غير عذر لم يكن مؤمنا ومن لم يصادف وقتا يتمكن فيه من البيان وكان مختارا في التصديق كان مؤمنا إن تحقق ذلك وكالصلوة حسنت لمعنى في نفسها من التعظيم لله تعالى إلا إنها دون التصديق وهى نظير الإقرار حتى سقطت بأعذار كثيرة إلا أنها ليست بركن في الإيمان بخلاف الإقرار لان في الإقرار وجودا وعدما دلالة على التصديق والقسم الثالث الزكوة والصوم والحج فان الصوم صار حسنا لمعنى قهر النفس والزكوة لمعنى حاجة الفقير والحج لمعنى شرف المكان إلا أن هذه الوسايط غير مستحق لانفسها لان النفس ليست بجانية في صفتها والفقير ليس بمستحق لنفسه فصار هذا كالقسم الثاني عبادة خالصة لله حتى شرطنا لها اهلية كاملة أما الضرب الأول من القسم الثانى فمثل السعى الى الجمعة ليس بفرض مقصود انما حسن لاقامة الجمعة لان العبد يتمكن به من اقامة الجمعة وقد لا يتأدى به الجمعة وكذلك الوضوء عندنا من حيث هو فعل يفيد الطهارة للبدن ليس بعادة مقصودة لانه في نفسه تبرد وتطهر لكن إنما حسن لانه يراد به اقامة الصلوة
ولا تتأدي به الصلوة بحال ويسقط بسقوطها وتستغني عن صفة القربة في الوضوء حتى يصبح بغير نية عندنا ومن حيث جعل الوضوء في الشرع قربة يراد بها ثواب الاخرة كساير القرب لا يتأدي بغير نية إلا أن الصلوة تستغني عن هذا الوصف في الوضوء والضرب الثاني الجهاد وصلوة الجنازة إنما صارا حسنين لمعنى كفر الكافر واسلام الميت وذلك معنى منفصل عن الجهاد والصلوة حتى أن الكفار ان اسلموا لم يبق الجهاد مشروعا أن تصور لكنه خلاف الخبر وإذا سار حق المسلم مقضيا بصلوة البعض سقط عن الباقين ولما كان المقصود يتأدى بالمأمور به بعينه كان شبيها بالقسم الأول وإما الضرب الثالث فنختص بالأداء دون القضاء وذلك عبارة عن القدرة التي يتمكن بها العبد من اداء ما لزمه وذلك شرط الأداء دون الوجوب واصل ذلك قول الله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وهو نوعان مطلق وكامل فأما المطلق منه فأدنى ما يتمكن به المأمور من اداء ما لزمه بدنيا كان أو ماليا وهذا فضل ومنة من الله تعالى عندنا وهذا شرط في اداء حكم كل أمر حتى اجمعوا أن الطهارة بالماء لا يجب على العاجز عنها ببدنه وعلى من عجز عن استعماله بنقصان يحل به أو بماء له في الزيادة على ثمن مثله وفي مرض يزداد به وكذلك الصلوة لا يجب أداؤها إلا بهذه القدرة والحج لا يجب اداؤه إلا بالزاد والراحلة لان تمكن السفر المخصوص به لا يحصل بدونهما في الغالب ولا يجب الزكوة إلا بقدرة مالية حتى إذا هلك النصاب بعد الحول قبل التمكن سقط الواجب بالإجماع ولهذا قال زفر في المرأة تطهر من حيضها أو نفاسها أو الكافر يسلم أو الصبي يبلغ في اخر الوقت أن لا صلوة عليهم إلا أن يدركوا وقتا صالحا للأداء لما قلنا لكن اصحابنا استحسنوا بعد تمام الحيض أو دلالة انقطاعه قبل تمامة بادراك وقت الغسل إنها تجب بادراك جزء يسير من الوقت يصلح للاحرام بها
وكذلك في سائر الفصول لانا نحتاج إلى سبب الوجوب وذلك جزء من الوقت و نحتاج لوجوب الاداء إلى احتمال وجود القدرة لا إلى تحقق القدرة وجودا لان ذلك شرط حقيقة الاداء فأما سابقا عليه فلا لأنها لا تسبق الفعل إلا في الأسباب والآلات لكن توهم القدرة يكفى لوجوب الأصل مشروعا ثم العجز الحال دليل النقل إلى البدل المشروع عند فوات الأصل وقد وجد احتمال القدرة باحتمال امتداد الوقت عن الجزء الأخير بوقف الشمس كما كان لسليمان صلوات الله عليه وذلك نظير مس السماء فصار مشروعا ثم وبه النقل للعجز الحالي كمن هجم عليه وقت الصلوات وهو في السفر إن خطاب الأصل عليه يتوجب لاحتمال وجود الماء ثم بالعجز الحالي وينتقل إلى التراب والأمر المطلق في اقتضاء صفة الحسن يتناول الضرب الأول من القسم الأول لأن كمال الأمر يقتضي كمال صفة المأمور به وكذلك كونه عبادة يقتضي هذا المعنى ويحتمل الضرب الثاني بدليل وعلى هذا قال الشافعي رحمه الله وهو قول زفر لما تناول الأمر بعد الزوال يوم الجمعة بالجمعة دل ذلك على صفة حسنة وعلى أنه هو المشروع دون غيره حتى قالا لا يصح اداء الظهر من المقيم ما لم تفت الجمعة وقالا لما لم يخاطب المريض والعبد و المسافر بالجمعة بل بالظهر صار الظهر حسنا مشروعا في حقهم فإذا أدوها لم تنتقض بالجمعة من بعد وقلنا نحن لا خلاف في هذا الأصل لكن الشان في معرفته كيفية الأمر بالجمعة وليس ذلك على نسخ الظهر كما قلتم إلا ترى ان بعد فوات الجمعة يقضي الظهر ولا يصلح قضاء للجمعة ولا تفضي الجمعة بالإجماع فثبت انه عود إلى الأصل وثبت أن قضية الأمر اداء الظهر بالجمعة فصار ذلك مقرر إلا ناسخا فصح الأداء وأمر بنقضه بالجمعة كما أمر باسقاطه بالجمعة وانما وضع عن المعذور اداء الظهر بالجمعة رخصة فلم يبطل به العزيمة وانما قلنا أن الضرب الثالث من هذا القسم يختص
بالأداء دون القضاء أما إذا فات الاداء بحال القدرة بتقصير المخاطب فقد بقى تحت عهدته وجعل الشرط بمنزلة القائم حكما لتقصيره واما إذا فات لا بتقصيره فكذلك لأن هذه القدرة كانت شرطا لوجوب الأداء فضلا من الله تعالى فلم يشترط لبقاء الواجب ولهذا قلنا لا يسقط بالموت في أحكام الآخرة ولهذا قلنا إذا ملك الزاد والراحلة فلم يحج حتى هلك المال لم يبطل عنه الحج وكذلك صدقة الفطر لا يسقط بهلاك المال لما ذكرنا وأما الكامل من هذا القسم فالقدرة الميسرة وهذه زايدة على الأولى بدرجة كرامة من الله تعالى وفرق ما بين الأمرين أن القدرة الأولى للتمكن من الفعل فلم يتغير بها الواجب فبقي شرطا محضا فلم يشترط دوامها البقاء الواجب وهذه لما كانت ميسرة غيرت صفة الواجب فجعلته سمحا سهلا لينا فيشترط بقاء هذه القدرة لبقاء الواجب لا لمعنى أنها شرط لكن لمعنى تبدل صفة الواجب بها فإذا انقطعت هذه القدرة بطل ذلك الوصف فيبطل الحق لأنه غير مشروع بدون ذلك الوصف ولهذا قلنا الزكاة تسقط بهلاك النصاب لأن الشرع علق الوجوب بقدرة ميسرة ألا ترى أن القدرة على الأداء تحصل بمال مطلق ثم شرط النماء في المال ليكون المؤدي جزأ منه فيكون في غاية التيسير فلو قلنا ببقاء الواجب بدون النصاب لا نقلب غرامة محضة فيتبدل الواجب فلذلك سقط بهلاك المال ولا يلزم أن النصاب شرط الابتداء الوجوب ولا يشترط لبقائه فإن كل جزء من الباقي يبقى بقسطه لأن شرط النصاب لا يغير صفة الواجب ألا ترى أن تيسير أداء الخمسة من المأتين وتيسير أداء الدرهم من الأربعين سواء لا يختلف لأنه ربع عشر بكل حال لكن الغنى وصف لا بد منه ليصير الموصوف به أهلا للإغناء إذ الإغناء من غير الغنى لا يتحقق كالتمليك من غير المالك والغنى بكثرة المال وليس للكثرة حد تعرف به وأحوال
الناس فيه شتى فقدر الشرع بحد واحد فصار ذلك شرطا للوجوب لما كان أمرا زائدا على الأهلية بالعقل والبلوغ الأصلية وشرط الوجوب لا يشترط دوامه إذ الوجوب في واجب واحد لا يتكرر فأما قيام المال بصفة النماء فميسر للأداء فتغير به صفة الواجب فشرطنا دوامه وهذا بخلاف استهلاك النصاب فإنه لا يسقط الحق وقد صار غرما لأن النصاب صار في حق الواجب حقا لصاحب الحق فيصير المستهلك متعديا على صاحب الحق فعد قائما في حق صاحب الحق فصار الواجب على هذا التقدير غير متبدل ولهذا قلنا أن الموسر إذا حنث في اليمين ثم إذا عسر وذهب ماله انه يكفر بالصوم لأن الوجوب متعلق بالقدرة الميسرة الدليل عليه أن الشرع خيره عند قيام القدرة بالمال والتخير تيسير ولأنه نقل إلى الصوم لقيام العجز عند أداء الصوم مع توهم القدرة فيما يستقبل ولم يعتبر ما يعتبر في عدم سائر الأفعال وهو العدم في العمر كله لكنه اعتبر العدم الحالي ألا ترى انه قال فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام وتقدير العجز بالعمر يبطل أداء الصوم فعلم انه أراد به العجز الحالي وكذلك في طعام الظهار وسائر الكفارات فثبت أن القدرة ميسرة فكانت من قبيل الزكاة إلا أن المال ههنا غير عين فأي مال أصابه من بعد دامت به القدرة ولهذا ساوى الاستهلاك الهلاك ههنا لأن الحق لما كان مطلقا عن الوقت ولم يكن متعينا لم يكن الاستهلاك تعديا وصارت هذه القدرة على هذا التقدير نظير استطاعة الفعل التي لا تسبق الفعل ولهذا قلنا بطل وجوب الزكاة بالدين لأنه ينافي الغناء واليسر ولا يلزم أن الدين لا يمنع وجوب الكفارة وهو ينافي اليسر لأنه قال في كتاب الأيمان رجل له ألف درهم وعليه دين أكثر من ألف فكفر بالصوم بعد ما يقضي دينه بماله قال يجزئه ولم يذكر أنه إذا لم يصرف إلى دينه ما جوابه فقال بعض مشايخنا يجزيه التكفير
بالصوم لما قلنا من فوات صفة اليسر به فيجعل المال كالمعدوم وقال بعضهم بل يجب بالمال ولا يجزئه الصوم بخلاف الزكاة والفرق أن الزكاة وجبت بصفة اليسر وبشرط القدرة وبغنى الإغناء يقول النبي صلى الله عليه و سلم أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم وبقوله لا صدقة إلا عن ظهر غنى فهذا الإغناء وجب عبادة شكر النعمة الغنى فشرط الكمال في سببه ليستحق شكره فيكون الواجب شطرا من الكامل والدين يسقط الكمال ولا يعدم أصله ولهذا أحلت له الصدقة فلم يجب عليه الاغناء ولهذا لا يتأدى الزكاة إلا بعين متقومة واما الكفارة فلا تستغني عن شرط القدرة وعن قيام صفة اليسر في تلك القدرة إلا إنها لم تشرع للاغناء ألا ترى انها شرعت ساترة أو زاجرة لا امرا أصليا للفقير إغناء له ألا ترى انه يتأدى بالتحرير وبالصوم ولا اغناء فيهما لكن المقصود به نيل الثواب ليقابل بموجب الجناية وما يقع به كفاية الفقير في باب الكفارة يصلح سببا للثواب ولذلك يتأدى بالإباحة ولا اغناء يحصل بها فإذا لم يكن الاغناء مقصودا لم يشترط صفة الغنى في المخاطب بها بل القدرة واليسر بها شرط وذلك لا ينعدم بالدين ويتبين أنها لم يجب شكرا للغنى بل جزاء للفعل فلم يشترط كمال صفة الغنى إنما شرط أدنى ما يصلح لطلب الثواب واصل المال كاف لذلك وعلى هذا الأصل يخرج سقوط العشر بهلاك الخارج لأنه وجب بشرط القدرة الميسرة لأن القدرة على أداء العشر تستغني عن قيام تسعة الأعشار لكنه شرط ذلك لليسر ولم يجب إلا بأرض نامية بالخارج فشرط قيامه لبقاء صفة اليسر وكذلك الخراج يسقط إذا اصطلم الزرع آفة لأنه إنما وجب بصفة اليسر ألا ترى انه لا يجب إلا بسلامة الخارج إلا انه بطريق التقدير بالتمكن لكون الواجب من غير جنس الخارج وبدليل أن الخارج إذا قل حط الخراج إلى نصف الخارج ولما كان كذلك سقط بهلاك الخارج حتى لا ينقلب غرما محضا وهذا مخالف
للحج فانه إذا وجب بملك الزاد والراحلة لم يسقط بفوتهما لأنه وجب بشرط القدرة دون اليسر ألا ترى أن الزاد والراحلة أدنى ما يقطع به السفر ولا يقع اليسر إلا بخدم ومراكب وأعوان وليس بشرط بالإجماع فلذلك لم يكن شرطا لدوام الواجب وكذلك لا يسقط صدقة الفطر بهلاك الرأس وذهاب الغنى لانها لم تجب بصفة اليسر بل بشرط القدرة وقيام صفة الأهلية بالغنى ألا ترى أنها وجبت بسبب رأس الحر ولا يقع به الغنى ووجبت الغنى بثياب البذلة ولا يقع بها اليسر لأنها ليست بنامية فلم يكن البقاء مفتقر إلى دوام شرط الوجوب ولا يلزم أنها لا يجب عند قيام الدين وقت الوجوب لأن الدين يعدم الغنا الذي هو شرط الوجوب وبه يقع أهلية الاغناء بخلاف الدين على العبد فإنه لا يمنع لأنه لا يمنع قيام الغنى بمال آخر يفضل عن حاجته بالغناء مائتي درهم وبخلاف زكوة التجارة فإنها تسقط بدين العبد الذي هو للتجارة لأن الزكوة يقتضي صفة الغنى الكامل تعين النصاب لا بغيره والله أعلم هذا الذي ذكرنا هو في تقسيم صفة الأمر وصفة المأمور به في نفسه فأما ما يكون صفة قائمة بغيره وهو الوقت فلا بد من ترتيبه على الدرجة الأولى وهذا باب
تقسيم المأمور به في حكم الوقت العبادات نوعان مطلقة ومؤقتة أما المطلقة فنوع واحد وأما المؤقتة فأنواع نوع جعل الوقت ظرفا للمؤدي شرط للأداء وسببا للوجوب وهو وقت الصلوات إلا ترى أنه يفضل عن الأداء فكان ظرفا لا معيارا والأداء يفوت بفواته فكان شرطا والأداء يختلف باختلاف صفة الوقت ويفسد التعجيل قبله فكان سببا وهذا القسم أربعة أنواع نوع منها ما يضاف إلى الجزء الأول والثاني ما يضاف
إلى ما يلي ابتداء الشروع من سائر أجزاء الوقت ونوع آخر ما يضاف إلى الجزء الناقص عند ضيق الوقت وفساده والنوع الرابع ما يضاف إلى جملة الوقت ودلالة كون الوقت سببا نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى والقسم الثاني من المؤقتة ما جعل الوقت معيارا له وسببا لوجوبه وذلك مثل شهر رمضان والقسم الثالث ما جعل الوقت معيارا له ولم يجعل سببا مثل أوقات صيام الكفارة والنذور والأصل في أنواع القسم الأول من المؤقتة أن الوقت لما جعل سببا لوجوبها وظرفا لأدائها لم يستقم أن يكون كل الوقت سببا لان ذلك يوجب تأخير الاداء عن وقته أو تقديمه على سببه فوجب أن يجعل بعضه سببا وهو ما يسبق الاداء حتى يقع الاداء بعد سببه وليس بعد الكل جزء مقدر فوجب الاقتصار على الادنى ولهذا قالوا في الكافر إذا ادرك الجزء الاخير بعد ما اسلم لزمه فرض الوقت وقد قال محمد رحمه الله في نوادر الصلاة في مسألة الحائض إذا طهرت وايامها عشرة أن الصلاة تلزمها إذا ادرك شيئا من الوقت قليلا كان ذلك أو كثيرا وإذا ثبت هذا كان الجزء السابق اولى أن يجعل سببا لعدم ما يزاحمه وبدليل أن الاداء بعد الجزء الأول صحيح ولولا أنه سبب لما صح ولما صار الجزء الأول سببا افاد الوجوب بنفسه وافاد صحة الاداء لكنه لم يوجب الاداء للحال لان الوجوب جبر من الله تعالى بلا اختيار من العبد ثم ليس من ضرورة الوجوب تعجيل الاداء بل الاداء متراخي إلى الطلب كثمن المبيع ومهر النكاح يجبان بالعقد ووجوب الاداء يتأخر إلى المطالبة وهو الخطاب فأما الوجوب فبالايجاب لصحة سببه لا بالخطاب ولهذا كانت الاستطاعة مقارنة للفعل وهو كثوب هبت به الريح في دار انسان لا يجب عليه تسليمه إلا بالطلب وفي مسألتنا لم يوجد المطالبة بدلالة أن الشرع خيره في وقت الاداء فلا يلزمه الاداء إلا أن يسقط خياره بضيق الوقت ولهذا قلنا
إذا مات قبل آخر الوقت لا شيء عليه وهو كالنائم والمغمى عليه إذا مر عليهما جميع وقت الصلاة وجب الأصل وتراخي وجوب الاداء والخطاب فكذلك عن الجزء الأول وتبين أن الوجوب يحصل بأول الجزء خلافا لبعض مشايخنا وان الخطاب بالأداء لا يتعجل خلافا للشافعي رحمه الله ثم إذا انقضى الجزء الأول فلم يؤد انتقلت السببية إلى الجزء الثاني ثم كذلك ينتقل لما قلنا من ضرورة تقدم السبب على وقت الاداء وكان ما يلي الاداء به اولى لان ما وجب نقل السببية عن الجملة إلى الاقل لم يجز تقريره على ما سبق قبيل الاداء لأن ذلك يؤدي إلى التخطي عن القليل بلا دليل وإذا انتهى إلى اخر الوقت حتى تعين الاداء لازما ما استقرت السببية لما يلي الشروع في الاداء فإن كان ذلك الجزء صحيحا كما في الفجر وجب كاملا فإذا اعترض الفساد بطلوع الشمس بطل الفرض وان كان ذلك الجزء فاسد انتقص الواجب كالعصر يستأنف في وقت الاحمرار فإذا غربت الشمس وهو فيها لم يتغير لم يفسد ولا يلزم إذا ابتداء العصر في أول الوقت ثم مده إلى أن غربت الشمس قبل فراغه منها فإنه نص محمد أنه لا يفسد وقد كان الوجوب مضافا إلى سبب صحيح ووجهه أن الشرع جعل الوقت متسعا ولكن جعل له حق شغل كل الوقت بالأداء فإذا شغله بالأداء جاز إن اتصل به الفساد لأن ما يتصل من الفساد بالبناء جعل عفو لأن الاحتراز عنه مع الاقبال على الصلاة متعذر وقد روى هشام عن محمد رحمه الله فيمن قام إلى الخامسة في العصر أه يستحب له الاتمام لأنه من غير قصده ثبت فإذا اتصل به الفساد صار في الحكم عفوا فصار بمنزلة المؤدي في وقت الصحة بخلاف حالة الابتداء لأنه بقصده ثبت الفساد إذ الاحتراز عنه ممكن بأن يختار وقتا لا فساد فيه واما إذا خلا الوقت عن الاداء اصلا فقد ذهب الضرورة الداعية عن الكل إلى الجزء وهو ما ذكرنا من شغل الاداء فانتقل الحكم إلى ما هو الأصل وهو
أن يجعل كل الوقت سببا فإذا فاتت العصر اصلا أضيف وجوبها إلى جملة الوقت دون الجزء الفاسد فوجبت بصفة الكمال فلم يجز داؤها بصفة النقصان ولا يلزم إذا اسلم الكافر في اخر وقت العصر ثم لم يؤد حتى احمرت الشمس في اليوم الثاني وقد نسى ثم تذكر فأراد أن يؤديها عند احمرار الشمس لأن هذا لا يروى ومن حكم هذا القسم أن وقت الاداء لما لم يكن متعينا شرعا والاختيار فيه للعبد لم يقبل التعين بتعيينه قصدا ونصا وانما يتعين ضرورة تعين الاداء وهذا لأن تعين الشرط أو السبب ضرب تصرف فيه وليس إلى العبد ولاية وضع الاسباب والشروط فصار إثبات ولاية التعيين قصدا ينزع إلى الشركة في وضع المشروعات وانما إلى العبد أن يرتفق بما هو حقه ثم يتعين به المشروع حكما ونظير هذا الكفارة الواجبة في الأيمان أن الحانث فيها بالخيار إن شاء اطعم عشرة مساكين وان شاء كساهم وان شاء حرر رقبة ولو عين شيئا من ذلك قصدا لم يصح وانما يصح ضرورة فعله لما قلنا ومن حكمه أن التأخير عن الوقت يوجب الفوات لذهاب شرط الاداء ومن حكم كونه ظرفا للواجب أنه لا ينفي غيره لأنه مشروع افعالا معلومة في ذمة من عليه فبقى الوقت خاليا وبقيت منافعه على حقه فلم ينتف غيرها من الصلوات ومن حكمه أن النية شرط ليصير ماله مصروفا إلى ما عليه ومن حكمه أن تعيين النية شرط لان المشروع لما تعدد لم يصر مذكورا بالاسم المطلق إلا عند تعيين الوصف ومن حكمة أه لما لزمه التعيين لما قلنا لم يسقط بضيق وقت الاداء لان التوسعة افادت شرطا زايدا وهو التعيين فلا يسقط هذا الشرط بالعوارض ولا بتقصير العباد واما النوع الثاني من الموقتة فما جعل الوقت معيارا له وسببا لوجوبه مثل شهر رمضان وانما قلنا أنه معيار له لأنه قدر وعرف به وسبب له وذلك شهود جزء من الشهر لما نذكر في باب السبب
إن شاء الله ومن حكمه أن غيره صار منفيا لان الشرع لما اوجب شغل المعيار به وهو واحد فإذا ثبت له وصف انتفى غيره كالمكيل والموزون في معياره فانتفى غيره لكون غير مشروع قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله ولما لم ينو غيره مشروعا لم يجز اداء الواجب فيه من المسافر لان شرع الصوم فيه عام الا ترى أن صوم المسافر عن الفرض يجزيه فيثبت أن مشروع في حقه إلا أن رخص له أن يدعه بالفطرو هذا لا يجعل غير الفرض مشروعا فانعدم فعله لعدم ما نواه وكذلك على قولهما إذا نوى النفل أو اطلق النية وكذلك المريض في هذا كله وقال أبو حنيفة رحمه الله الوجوب واقع على المسافر ولهذا اصح اداؤه بلا توقف إلا انه رخص له الترك قضاء لحقه و تخفيفا عليه فلما ساغ له الترخص بما يرجع إلى مصالح بدنه ففيما يرجع إلى مصالح دينه وهو قضاء ما عليه من الدين اولى وصار كونه ناسخا لغيره معلقا باعراضه عن جهة الرخصة وتمسكه بالعزيمة وإذا لم يفعل بقي مشروعا فصح اداؤه ولان الاداء غير مطلوب منه في سفره فصار هذا الوقت في حق تسليم ما عليه بمنزلة شعبان فقبل سائر الصيامات والطريق الأول يوجب أن لا يصح النفل بل يقع عن الفرض والثاني يوجب أن يصح وفيه روايتان عنه و أما إذا اطلق النية فالصحيح أن يقع عن رمضان لان الترخص والترك لا يتحقق بهذه العزيمة واما المريض فإن الصحيح عندنا فيه أن يقع صومه بكل حال عن الفرض لأن رخصته متعلقة بحقيقة العجز فيظهر بنفس الصوم فوات شرط الرخصة فيلحق بالصحيح فأما المسافر فيستوجب الرخصة بعجز مقدر بقيام سببه وهو السفر فلا يظهر بنفس الصوم فوات شرط الرخصة فلا يبطل الترخص فيتعدى حينئذ بطريق التنبيه إلى حاجته الدينية قال زفر رحمه الله ولما صار الوقت متعينا لهذا المشروع صار ما يتصور من الامساك في هذا الوقت مستحقا على الفاعل فيقع للمستحق
بكل حال كصاحب النصاب إذا وهبه من الفقير بعد الحول وكأجير الواحد يستحق منافعه قلنا ليس التعيين باستحقاق لمنافع العبد لان ذلك لا يصلح قربة وانما القربة فعل يفعله العبد عن اختيار بلا جبر بل الشرع لم يشرع في هذا الوقت مما يتصور فيه الامساك قربة إلا واحدا فانعدم غير الفرض الوقتي لعدم كونه مشروعا لا باستحقاق منافعه كما ينعدم في الليل اصلا ولا استحقاق ثمة فإذا بقيت المنافع له لم يكن بد من التعيين لو يوجد لان عدم العزيمة ليس بشيء بخلاف هبة النصاب لانه عبادة تصلح مجازا عن الصدقة استحسانا وقال الشافعي رحمه الله لما كانت منافعه بقيت على ملكه وجب التعيين حتى يصير مختارا لا مجبورا ولو وضعنا عنه تعيين الجهة لصار مجبورا في صفة العبادة ولخلا معنى العبادة عن الاقبال والعزيمة وقلنا الأمر على ما قلت إلا أنه لما اتحد المشروع في هذا الوقت تعين في زمانه فأصيب بمطلق الاسم ولم يفقد بالخطأ في الوصف كالمتعين في مكانه فصار جوازه بهذه النية على أنه تعيين لا على أن التعيين عنه موضوع فكان هذا منا قولا بموجب العلة وقال الشافعي رحمه الله لما وجب التعيين شرطا بالإجماع وجب من اوله لاه أول اجزائه فعل مفتقر إلى العزيمة فإذا تراخى بطل فإذا اعترضت العزيمة من بعد لم يؤثر في الماضي بوجه لان اخلاص العبد فيما قد عمله لا يتحقق وانما هو لما لم يعمل بعد فإذا فسد ذلك الجزء فسد الباقي لأنه لا يتجزى ووجب ترجيح جانب الفساد احتياطا وهذا بخلاف التقديم لان التقديم واقع على جملة الامساك ولم يعترض عليه ما يبطله فبقى فأما المعترض فلا يحتمل التقدم الا ترى أن النية بعد نصف النهار لا يصح وألا ترى أن في الصوم الدين وجب الفصل بين هذين الوجهين وقلنا نحن أن الحاجة إلى النية لان يصير الامساك قربة وهذا الامساك واحد
غير متجزي صحة وفسادا والثبات على العزيمة حال الاداء ساقط بالإجماع للعجز وحال الابتداء ساقط ايضا للعجز وصار حال الابتداء هنا نظير حال البقاء في الصلوة وحال البقاء نظير حال الابتداء في صلاة ثم العجز اطلق التقديم مع الفصل عن ركن العبادة وجعل موجود تقدير فصار له فضل الاستيعاب ونقصان حقيقة الوجود عند الاداء على حد الاخلاص والعجز الداعي إلى التأخير مومجود في جملة في جنس من يقيم بعد الصبح أو يفيق عن اغمائه وفي يوم الشك ضرورة لازمة لأن تقديم النية من الليل عن صوم الفرض حرام ونية النفل عندك لغو فقد جاءت الضرورة فلأن ثبت بها التأخير مع الوصل بالركن اولى ولهذا رجحان في الوجود عند الفعل وهو حد حقيقة الأصل ونقصان القصور عن الجملة بقليل يحتمل العفو فاستويا في طريق الرخصة بل هو ارجح وهذا الوجه يوجب الكفارة بالفطر فيه وروى ذلك عنهما ولما صح الاقتصار على البعض للضرورة وجب المصير إلى ما له حكم الكل من وجه خلفا عن الكل من وجه وهو أن يشترط الوجود في الاكثر لأن الاقل في مقابلته في حكم العدم ولا ضرورة في ترك هذا الكل تقديرا فلم نجوزه بعد الزوال ورجحنا الكثير على القليل لانه في الوجود راجح وبطل الترجيح على ما قلنا بصفة العبادة لانه حال بعد الوجود والكثرة والقلة من باب الوجود والوجود قبل الحال فوجب الترجيح به على ما يأتي بيانه في باب الترجيح ان شاء الله ولان صيانة الوقت الذي لا درك له اصلا على العباد واجب وهو معنى قول مشايخنا أن اداء العبادة في وقتها مع النقصان اولى فصار هذا الترجيح متعارضا وهذا الوجه يوجب أن لا كفارة فيه ويروي ذلك عن أبي حنيفة رحمه الله ولم نقل بالاسناد ولا بفساد الجزء الأول مع احتمال طريق الصحة والامساك في أول النهار قربة مع قصور معنى الطاعة فيه
لانه لا مشقة في الامساك في أول النهار فصار إثبات العزيمة فيه تقديرا لا تحقيقا وفاء لحقه وتوقيرا لحظة وعلى هذا الأصل قلنا أن صوم النفل مقدر بكل اليوم حتى فسد بوجود المنافي في اوله ولم يتأد إلا من اوله ولم يتأد بالنية في الآخر لان الصوم عرف قربة بمعيار ولم يعرف معياره إلا بيوم كامل فلم يجز شرع العبادة واما الامساك في أول يوم النحر فلم يشرع صوما ولكن ليكون ابتداء التناول من القرابين كراهية للاضياف أن يتناولوا من غير طعام الضيافة قبل طعامها ومن هذا الجنس الصوم لا المنذور في وقت بعينه لما انقلب بالنذر صوم الوقت واجبا لم يبق نفلا لانه واحد يقبل وصفين متضادين فصار واحدا من هذا الوجه فأصيب بمطلق الاسم ومع الخطأ في الوصف وتوقف مطلق الامساك فيه على صوم الوقت وهو المنذور لكنه إذا صامه عن كفارة أو قضاء ما عليه صح عما نوى لأن التعيين حصل بولاية الناذر وولايته لا تعدوه فصح التعيين فيما يرجع إلى حقه وهو أن لا يبقى النفل شرعا فأما في ما يرجع إلى حق صاحب الشرع وهو أن لا يبقى الوقت محتملا لحقه فلا فاعتبر في احتمال ذلك العارض بما لو لم ينذروا ما الوقت الذي جعل معيارا لا سببا فمثل الكفارات الموقتة باوقات غير متعينة كقضاء رمضان والنذر المطلق والوقت فيها معيار لا سبب ومن حكمها انها من حيث جعلت قربة لا تستغني عن النية وذلك في اكثر الامساك ومن حيث إنها غير متعينة لا يتوقف الامساك فيها إلا لصوم الوقت وهو النفل فأما على الواجب فلا لأنه محتمل الوقت وانما التوقف على الموضوعات الاصلية فأما على المحتمل فلا فلهذا كانت النية من اوله شرطا ليقع الامساك من اوله من العارض الذي يحتمله الوقت فأما إذا توقف على وجه فلا يحتمل إلى غيره ومن حكمه أنه لا فوات له لما لم يكن
لانتقال الوقت متعينا وأما النوع الرابع من المؤقتة فهو المشكل منه وهو حج الإسلام ومعنى قولنا أنه مشكل أن وقته العمر وأشهر الحج في كل عام صالح لأدائه أم أشهر الحج من العام الأول وقت متعين لأدائه ولا خلاف في الوصف الأول حتى إذا أخر عن العام الأول كان مؤديا فأما الوصف الثاني فهو صحيح عند أبي يوسف في الحال واشهر الحج في هذا العام الذي لحقه الخطاب به بمنزلة وقت الصلاة فإذا أدرك العام الثاني صار ذلك بمنزلة العام الأول لا يصير كذلك إلا بشرط الإدراك وقال محمد رحمه الله موسعا يسع تأخيره عن العام الأول وقال الكرخي وجماعة من مشايخنا أن هذا يرجع إلى أن الأمر المطلق عن الوقت يوجب الفور أم لا مثل وجوب الزكوة وصدقة الفطر والعشر والنذر بالصدقة المطلقة فقال أبو يوسف على الفور وقال محمد رحمه الله على التراخي فكذلك الحج فأما تعين الوقت فلا والذي عليه عامة مشايخنا أن الأمر المطلق لا يوجب الفور بلا خلاف فأما مسئلة الحج مسئلة مبتداءة فذهب محمد رحمه الله في ذلك أن الحج فرض العمر بلا خلاف إلا أنه لا يتدي في كل عام إلا في وقت خاص فيكون وقته نوعا من أنواع اشهر الحج في عمره وإليه تعيينه كصوم القضاء القضاء وقته النهر دون الليالي والى العبد تعيينه فلا يتعين الذي يليه إلا بتعيينه بطريق الأداء ألا ترى انه متى اداه كان مؤديا ولو كان الأول متعينا لصار بالتأخير مفوتا والدليل عليه أنه بقي وقتا للنفل مع انه لم يشرع في مدة واحدة إلا حج واحد ولو تعين للفرض لما بقي النفل مشروعا كما في شهر رمضان فثبت انه غير متعين إلا بالأداء ومتى تعين بالأداء لم يبق النفل فيه مشروعا ولأبي يوسف رحمه الله أن أشهر الحج من العام الأول متعينة للأداء فلا يحل له التأخير عنها كوقت الظهر للظهر وإنما قلنا هذا لأن الخطاب للأداء لحقه في هذا
الوقت وهذا واحد لا مزاحم له لأن المزاحمة لا يثبت إلا بإدراك وقت آخر وهو مشكوك لأنه لا يدركه إلا بالحياة إليه والحياة والممات في هذه المدة سواء في الاحتمال فلا يثبت الادراك بالشك فيبقى هذا الوقت متعينا بلا معارضة ويسير الساقط بطريق التعارض كالساقط بالحقيقة فيصير كوقت الظهر في التقدير بخلاف الصوم لأن تأخيره عن اليوم الأول لا يفوته والتعارض للحال غير قائم لأن الحياة إلى اليوم الثاني غالبة والموت في ليلة واحدة بالفجاءة نادر فلا يترك الظاهر بالنادر وإذا كان كذلك استوت الأيام كلها كأنه أدركها جملة فخير بينها ولا يتعين أولها ولا يلزم أن النفل بقي مشروعا لأنا إنما اعتبرنا التعيين احتياطا واحترازا عن الفوت فظهر ذلك حق المأثم لا غير فأما أن يبطل اختيار جهة التقصير والمأثم فلا ولا يلزم إذا أدرك العام الثاني لأنا إنما عينا الأول لوقوع الشك فإذا أدركه وذهب الشك صار الثاني هو المتعين وسقط الماضي لأن الماضي لا يحتمل الأداء بعد مضيه وفي إدراك الثالث شك فقام الثاني مقام الأول ومن حكم هذا الأصل أن وقت الحج ظرف له لا معيار ألا ترى أنه يفضل عن أدائه وان الحج افعال عرفت بأسمائها وصفاتها لا بمعيارها فأشبه وقت الظهر فلا يدفع غيره من جنسه ولهذا قلنا أن التطوع بالحج يصح ممن عليه حجة الإسلام كالنفل ممن عليه الظهر وقال الشافعي رحمه الله لما عظم أمر الحج استحسنا في الحجر عن التطوع صيانة له وإشفاقا عليه وهو نظير حجر السفيه فإن هذا من السفه ومثل هذا مشروع فإنه صح بإطلاق النية وصح أصله بلا نية ممن أحرم عنه أصحابه عند الإغماء وبإحرام الرجل عن أبويه لكنا نقول الحجر عن هذا يفوت الاختيار وهذا ينافي العبادة وقط لا يصح العبادة بلا اختيار لكن الاختيار في كل باب بما يليق به والإحرام
عندنا شرط بمنزلة الوضوء فصح بفعل غيره بدلالة الأمر فأما الأفعال فلا بد من أن يتجرى على بدنه وجوازه عند الإطلاق بدلالة التعيين من المؤدي إذ الظاهر انه لا يقصد النفل وعليه حجة الإسلام فصار التعيين لمعنى في المؤدى لا في المؤدى فإذا نوى النفل فقد جاء صريح بخلافه فيبطل به بخلاف شهر رمضان لأنه متعين لا مزاحم له في وقته لا لمعنى في المؤدى وهذا كنقد البلد لما تعين لمعنى في المؤدى وهو تيسير إصابته دلالة بطل عند التصريح بغيره واما الأمر المطلق عن الوقت فعلى التراخي خلافا للكرخي على ما أشرنا إليه والله أعلم ومن هذا الأصل باب النهي
قال النهي المطلق نوعان نهي عن الأفعال الحسية مثل الزنا والقتل وشرب الخمر ونهي عن التصرفات الشرعية مثل الصوم والصلاة والبيع والاجارة وما أشبه ذلك فالنهي عن الأفعال الحسية دلالة على كونها قبيحة في أنفسها لمعنى في أعيانها بلا خلاف إلا إذا قام الدليل على خلافه وأما النهي المطلق عن التصرفات الشرعية فيقتضي قبحا لمعنى في غير المنهي عنه لكن متصلا به حتى يبقى المنهي مشروعا مع إطلاقا النهي وحقيقته وقال الشافعي رحمه الله بل يقتضي هذا القسم قبحا في عينه حتى لا يبقى مشروعا أصلا
بمنزلة القسم الأول إلا أن يقوم الدليل فيجب إثبات ما احتمله النهي وراء حقيقته على اختلاف الأصول وبيان هذا الأصل في صوم يوم العيد وأيام التشريق والربا والبيع الفاسد أنها مشروعة عندنا لأحكامها وعنده باطلة منسوخة لا حكم لها احتج الشافعي رحمه الله بان العمل بحقيقة كل قسم واجب لا محالة إذ الحقيقة أصل في كل باب والنهي في اقتضاء القبح حقيقة كالأمر في اقتضاء الحسن حقيقة ثم العمل بحقيقة الأمر واجب حتى
كان حسنا لمعنى في عينه إلا بدليل فكذلك النهي في صفة القبح وهذا لأن المطلق من كل شيء يتناول الكامل منه ويحتمل القاصر والكمال في صفة القبح فيما قلنا فمن قال بأنه يكون مشروعا في الأصل قبيحا في الوصف يجعله مجازا في الأصل حقيقة في الوصف وهذا عكس الحقيقة وقلب الأصل وإذا ثبت هذا الأصل كان لتخريج الفروع وطريقان أحدهما أن ينعدم المشروع باقتضاء النهي والثاني أن ينعدم بحكمه وبيان ذلك أن من ضرورات كون التصرف مشروعا أن يكون مرضيا قال الله تعالى شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا وللمشروعات درجات وأدناها أن يكون مرضية وكون الفعل قبيحا منهيا ينافي هذا الوصف وإن كان داخلا في المشيئة والقضاء والحكم كالكفر وسائر المعاصي فإنها بمشيئة الله وقضاء الله وحكمه توجد لا يرضاه فصار النهي عن هذه التصرفات نسخا بمقتضاه وهو التحريم السابق والثاني أن من حكم النهي وجوب الانتهاء وان يصير الفعل على خلاف موجبه معصية هذا موجب حقيقته وبين كونه معصية وبين كونه مشروعا وطاعة تضاد وتناف ولهذا لم يثبت حرمة المصاهرة بالزنا لأنها شرعت نعمة تلحق بها الأجنبية بالأمهات والزنا حرام محض فلم يصلح سببا لحكم شرعي هو نعمة وكذلك الغصب لا يفيد الملك لما قلنا ولا يلزم إذا جامع المحرم أو أحرم مجامعا أنه يبقى مشروعا مع كونه فاسدا لأن الاحرام منهي لمعنى الجماع وهو غيره لا محالة لكنه محظورة فصار مفسدا والاحرام لازم شرعا لا يحتمل الخروج باختيار العباد ففسد ولم ينقطع بجناية الجاني وكلامنا فيما ينعدم شرعا لا فيما لا ينقطع بجناية الجاني ولا يلزم الطلاق في الحيض أو في طهر جامعها لأنه منهي عنه لمعنى في غيره وهو الضرر بالمرأة بتطويل العدة أو بتلبيس أمر العدة عليها ولهذا لم يكن سفر المعصية سببا للرخصة للنهي ولا يملك الكافر مال المسلم بالاستيلاء للنهي أيضا فلم يصلح سببا مشروعا
ولا يلزم الظهار لأن كلامنا في حكم مطلوب تعلق بسبب مشروع له ليبقى سببا والحكم به مشروعا مع وقوع النهي عليه فأما ما هو حرام غير مشروع تعلق به جزاء زاجر عنه فيعتمد حرمة سببه كالقصاص ليس بحكم مطلوب بسبب مشروع بل جزاء شرع زاجر فاعتمد حرمة سببه ولنا ما احتج به محمد رحمه الله في كتاب الطلاق أن صيام العيد وأيام التشريق منهي والنهي لا يقع على ما يتكون وبيانه أن النهي يراد به عدم الفعل مضافا إلى اختيار العباد وكسبهم فيعتمد تصوره ليكون العبد مبتلي بين أن يكف عنه باختياره فيثاب عليه وبين أن يفعله باختياره فيلزمه جزاؤه والنسخ لإعدام الشيء شرعا لينعدم فعل العبد لعدم المشروع بنفسه ليصير امتناعه بناء على عدمه وفي النهي يكون عدمه بناء على امتناعه وهما في طرفي نقيض فلا يصح الجمع بحال والحكم الأصلي في النهي ما ذكرنا فأما القبح فوصف قائم بالنهي مقتضا به تحقيقا لحكمه فكان تابعا فلا يجوز تحقيقه على وجه يبطل به ما أوجبه واقتضاه فيصير المقتضى دليلا على الفساد بعد أن كان دليلا على الصحة بل يجب العمل بالأصل في موضعه والعمل بالمقتضى بقدر الإمكان وهو أن يجعل القبح وصفا للمشروع فيصير مشروعا بأصله غير مشروع بوصفه فيصير فاسدا هذا غاية تحقيق هذا الأصل فأما الشافعي رحمه الله فقد حقق المقتضى وأبطل المقتضى وهذا في غاية المناقضة والفساد فإن قيل هذا صحيح في الأفعال الحسية لأنها لا تنعدم بصفة القبح فأما الشرعية فتنعدم لما قلنا فلا بد من إقامة الدلالة على أن المشروعات يحتمل هذا الوصف قيل له قد وجدنا المشروع يحتمل الفساد بالنهي كالاحرام الفاسد والطلاق الحرام والصلاة الحرام والصوم المحظور يوم الشك وما أشبه ذلك فوجب إثباته على هذا الوجه رعاية لمنازل المشروعات ومحافظة لحدودها وعلى هذا الأصول يخرج الفروع كلها منها أن البيع بالخمر منهي بوصفه وهو الثمن
لأن الخمر مال غير متقوم فصلح ثمنا من وجه دون وجه فصار فاسدا لا باطلا ولا خلل في ركن العقد ولا في محله فصار قبيحا بوصفه مشروعا بأصله وكذلك إذا اشترى خمرا بعبد لأن كل واحد منهما ثمن لصاحبه فلم ينعقد في الخمر لعدم محله وانعقد في العبد لوجود محله وفسد بفساد ثمنه بخلاف الميتة لأنها ليست بمال ولا بمتقومة فوقع البيع بلا ثمن وهو غير مشروع وكذلك جلد الميتة لأنه ليس بمال ولا متقوم وكذلك بيع الربا مشروع بأصله وهو وجود ركنه في محله غير مشروع بوصفه وهو الفضل في العوض فصار فاسدا لا باطلا وكذلك الشرط الفاسد في البيع مثل الربا ولهذا قلنا في قوله تعالى ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا أن النهي يعدم الوصف من شهادته وهو الأداء ويبقى الأصل فيصير فاسدا ومنها صوم يوم العيد وأيام التشريق حسن مشروع بأصله وهو الإمساك لله تعالى في وقته طاعة وقربة قبيح بوصفه وهو الإعراض عن الضيافة الموضوعة في هذا الوقت بالصوم فلم ينقلب الطاعة معصية بل هو طاعة انضم إليها وصف هو معصية ألا ترى أن الصوم يقوم بالوقت ولا فساد فيه والنهي يتعلق بوصفه وهو أنه يوم عيد فصار فاسدا ومعنى الفاسد ما هو غير مشروع بوصفه مثل الفاسد من الجواهر وبيانه على وجه يعقل أن الناس أضياف الله تعالى يوم العيد والمتناول من جنس الشهوات بأصله طيب بوصفه فصار تركه طاعة بأصله معصية بوصفه على مثال البيع الفاسد ولهذا صح النذر به لأنه نذر بالطاعة وإنما وصف المعصية متصل بذاته فعلا لا باسمه ذكرا ولهذا قلنا في ظاهر الرواية لا يلزم بالشروع لأن الشروع فيه متصل بالمعصية فأمر بالقطع حقا لصاحب الشرع فصار مضافا إلى صاحب الشرع فبرئ العبد عن عهدته ومنها الصلاة وقت طلوع الشمس ودلوكها مشروعة بأصلها إذ لا قبح في أركانها وشروطها والوقت صحيح بأصله
فاسد بوصفه وهو أنه منسوب إلى الشيطان كما جاءت به السنة إلا أن الصلاة لا توجد بالوقت لأنه ظرفها لا معيارها وهو سببها فصارت الصلاة ناقصة لا فاسدة فقيل لا يتأدى به الكامل ويضمن بالشروع والصوم يقوم بالوقت ويعرف به فازداد الأثر فصار فاسدا فلم يضمن بالشروع والنهي عن الصلاة في أرض مغصوبة متعلق بما ليس بوصف فلم تفسد فكذلك البيع وقت النداء وهو بخلاف بيع الحر والمضامين والملاقيح لأنه أضيف إلى غير محله فلم ينعقد فصار النهي مجازا عن النفي وهذه الاستعارة صحيحة لما بينهما من المشابهة ولا خلاف فيه إنما الكلام في حكم حقيقته وكذلك صوم الليالي لأن الوصال غير مشروع ولا ممكن والنهار هو المتعين لشهوة البطن غالبا فتعين للصوم تحقيقا للابتلاء فصار النهي مستعارا عن النفي ولا يلزم النكاح بغير شهود لأنه منفي بقوله عليه السلام لا نكاح إلا بشهود وكان نسخا وإبطالا وإنما يسقط الحد ويثبت النسب والعدة لشبهة العقد ولأن النكاح شرع لملك ضروري لا ينفصل عن الحل حتى لم يشرع مع الحرمة ومن قضية النهي التحريم فبطل العقد لمضادة ثبتت بمقتضى النهي بخلاف البيع لأنه وضع لملك العين والتحريم لا يضاده لأن الحل فيه تابع ألا ترى أنه شرع في موضع الحرمة وفيما لا يحتمل الحل أصلا كالأمة المجوسية والعبيد والبهائم وكملك الخمر وكذلك نكاح المحارم منفي لعدم محله فلفظ النهي في قوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء مستعار عن النفي وأما استيلاء أهل الحرب فإنما صار منهيا بواسطة العصمة وهي ثابلاتة في حقنا دون اهل الحرب لانقطاع ولايتنا عنهم ولأن العصمة متناهية بتناهي سببهما وهو الاحراز فسقط النهي في حكم الدنيا وأما الملك بالغصب فلا يثبت مقصودا به بل شرطا لحكم شرعي وهو الضمان لأنه شرع جبرا ولا جبر مع بقاء الأصل على ملكه إذ الجبر يعتمد الفوات
وشرط الحكم تابع له فصار حسنا لحسنه وإنما قبح لو كان مقصودا به وفي ضمان المدبر قلنا بزوال المدبر عن ملك المولى لكونه مالا مملوكا تحقيقا لشرط المشروع وهو وجوب الضمان ولا يدخل في ملك المشتري صيانة لحقه ولأن ضمان المدبر جعل مقابلا بالفايت وهو اليد دون الرقبة وهذا طريق جائز لكن لا يصار إليه عن المقابلة بالرقبة إلا عند العجز والضرورة فالطريق الأول واجب وهذا جائز وأما الزنا فلا يوجب حرمة المصاهرة أصلا بنفسه إنما هو سبب للماء والماء سبب للولد وجودا والولد هو الأصل في استحقاق الحرمات ولا عصيان ولا عدوان فيه ثم يتعدى منه إلى أطرافه ويتعدى إلى أسبابه وما يعمل بقيام مقامه غيره فإنما يعمل بعلة الأصل ألا ترى أن التراب لما قام مقام الماء نظر إلى كون الماء مطهرا وسقط وصف التراب فكذلك يهدر وصف الزنا بالحرمة لقيامه مقام ما لا يوصف بذلك في إيجاب حرمة المصاهرة وأما سفر المعصية فغير منهي لمعنى فيه لأنه من حيث أنه خروج مديد مباح وإنما العصيان في فعل قطع الطريق أو التمرد على المولى وهو مجاور له فكان كالبيع وقت النداء ولا يلزم على هذا النهي عن الأفعال الحسية لأن القول بكمال القبح فيها وهو مقتضى مع كمال المقصود ممكن على ما قلنا والنهي في صفة القبح ينقسم انقسام الأمر ما قبح لعينه وضعا مثل الكفر والكذب والعبث وما قبح ملحقا بالقسم الأول وهو بيع الحر والمضامين والملاقيح لأن البيع لما وضع لتمليك المال كان باطلا في غير محله وما قبح لمعنى في غيره وهو البيع وقت النداء الصلوة في أرض مغصوبة وما قبح لمعنى في غيره وهو ملحق به وصفا وذلك مثل البيع الفاسد وصيام يوم النحر والنهي عن الأفعال الحسية يقع على القسم الأول وعن الأمور المشروعة يقع على هذا القسم الذي قلنا أنه ملحق به وصفا
باب معرفة أحكام العموم
العام عندنا يوجب الحكم فيما تناوله قطعا ويقينا بمنزلة الخاص فيما يتناوله والدليل على أن المذهب هو الذي حكينا أن ابا حنيفة رحمه الله قال أن الخاص لا يقضي عن العام بل يجوز أن ينسخ الخاص به مثل حديث العرنيين في بول ما يؤكل لحمه نسخ وهو خاص بقول النبي عليه السلام استنزهوا من البول ومثل قوله عليه السلام ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة نسخ بقوله ما سقته السماء ففيه العشر ولما ذكر محمد رحمه الله فيمن اوصى بخاتمه لانسان ثم بالفص منه الآخر بكلام مفصول أن الحلقة للأول والفص بينهما وانما استحقه الأول بالعموم والثاني بالخصوص وهذا قولهم جميعا وقالوا في رب المال والمضارب إذا اختلفا في العموم والخصوص أن القول قول من يدعي العموم ولولا استوائهما وقيام المعارضة بينهما لما وجب الترجيح بدلالة العقد وقد قال عامه مشائحنا أن العام الذي لم يثبت خصوصه لا يحتمل الخصوص بخبر الواحد والقياس هذا هو المشهور واختاره القاضي الشهيد في كتاب الغرر فثبت بهذه الجملة أن المذهب عندنا ما قلنا ولهذا قلنا أن قول الله تعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه عام لم يلحقه خصوص لان الناسى في معنى الذاكر لقيام الملة مقام الذكر فلا يجوز تخصيصه بالقياس وخبر الواحد وكذلك قوله ومن دخله كان امنا لم يلحقه الخصوص فلا يصح تخصيصه بالآحاد والقياس وقال الشافعي العام يوجب الحكم لا على اليقين وعلى هذا مسائله وقال بعض الفقهاء الوقف واجب في كل عام حتى يقوم الدليل وقال بعضهم بل يثبت به اخص الخصوص اما من قال بالوقف فقد احتج بأن اللفظ العام مجمل فيما أريد
به لاختلاف اعداد الجمع ألا ترى انه يؤكد بما يفسره فيقال جاءني القوم اجمعون وكلهم فلما استقام تفسيره بما يوجب الاحاطة علم انه كان محتملا ألا ترى أن الخاص لا يؤكد بمثله يقال جاءني زيد نفسه لا جمعية لانه يحتمل المجاز دون البيان فلا يؤكد بالجميع وقد ذكر الجميع واريد به البعض مثل قوله تعالى الذين قال لهم الناس ان الناس قد اجمعوا لكم وانما هو واحد فلذلك وجب الوقف وجه القول الآخر ان الاخص وهو الثلاثة من الجماعة والواحد من الجنس متيقن فوجب القول ووجه قولنا والشافعي انه موجب لان العموم معنى مقصود بين الناس شرعا وعرفا فلم يكن له لفظ وضع له لان الالفاظ لا يقصر عن المعاني ابدا الا ترى أن من اراد أن يعتق عبيده كان السبيل فيه أن يعمهم فيقول عبيدي احرار والاحتجاج بالعموم من السلف متوارث وقد احتج ابن مسعود رضي الله عنه في الحمل أنه ينسخ ساير وجوه العدد بقوله واولات الاحمال اجلهن أن يضعن حملهن وقال انه اخرهما نزولا وصار ناسخا للخاص للخاص الذي في سورة البقرة فدل على ما قلنا انه موجب مثل الخاص واحتج على رضي الله عنه في تحريم الجمع بين الاختين وطئا بملك اليمين فقال احلتهما آية وهو قوله تعالى إلا على أزواجهم أو ما ملكت ايمانهم وحرمتهما آية وهو قوله تعالى وان تجمعوا بين الأختين فصار التحريم اولى وذلك عام كله ثم قال الشافعي كل عام يحتمل إرادة الخصوص من المتكلم فتمكنت فيه الشبهة فذهب اليقين ولنا أن الصيغة متى وضعت لمعنى كان ذلك المعنى واجبا به حتى تقوم الدليل على خلافه وارادة الباطن لا تصلح دليل لانا نكلف دليلا درك الغيب فلا يبقى له عبرة أصلا والجواب عما احتج به طائفة أهل المقالة الأولى انا ندعى انه موجب لما وضع له لا انه محكم
لما وضع له فكان محتملا أن يراد به بعضه فيصلح توكيده بما يحسم باب الاحتمال ليصير محكما كالخاص يحتمل المجاز فتوكيده بما يقطعه لا بما يفسره فيقال جاءني زيد نفسه لانه قد يحتمل غير المجيء مجازا باب العام إذا لحقه الخصوص
فان لحق هذا العام خصوص فقد اختلف فيه فقال أبو الحسن الكرخي لا يبقى حجة أصلا سواء كان المخصوص معلوما أو مجهولا وقال غيره إن كان المخصوص معلوما بقي العام فيما وراء المخصوص على ما كان وان كان مجهولا يسقط حكم العموم وقال بعضهم ان كان المخصوص معلوما بقي العام فيما ورائه على ما كان فأما إذا كان مجهولا فان دليل الخصوص يسقط فعلى قول الكرخي يبطل الاستدلال بعامة العمومات لما دخلها من الخصوص وعلى القول الثاني لا يصح الاستدلال بآية السرقة وآية البيع لان ما دون ثمن المجن خص من آية السرقة وهو مجهول وخص الربوا من قوله وحل الله البيع وحرم الربوا وهو مجهول وكذلك نصوص الحدود لان مواضع الشبهة منها مخصوصة وفيها ضرب جهالة واختلاف والصحيح من مذهبه أن العام يبقى حجة بعد الخصوص معلوما كان المخصوص أو مجهولا إلا أن فيه ضرب شبهة وذلك مثل قول الشافعي في العموم قبل الخصوص ودلالة صحة هذا المذهب اجماع السلف على الاحتجاج بالعموم ودلالة أن في ذلك شبهة إجماعهم على جواز التخصيص بالقياس والاحاد وذلك دون خبر الواحد حتى صحت معارضته بالقياس إما الكرخي فقد احتجبان ذلك الخصوص إذا كان مجهولا واجب جهالة في الباقي لان الخصوص بمزلة الاستثناء لانه يبين انه لم يدخل تحت الجملة كالاستثناء وإذا كان معلوما احتمل أن يكون
معلولا وهو الظاهر لان دليل الخصوص نص قائم بنفسه فصلح تعليله ولا يدري أي القدر من الباقي صار مستثنيا فيصير بمنزلة جهالة المخصوص ووجه القول الثاني أن دليل الخصوص إذا كان مجهولا فعلى ما قلنا وان كان معلوما بقي العام موجبا في الباقي لان دليل الخصوص بمنزلة الاستثناء على ما قلنا فلا يؤثر في الباقي لان الاستثناء لا يحمل التعليل فكذلك هذا ووجه القول الآخر ان دليل الخصوص لما كان مستقلا بنفسه حتى لو تراخى كان ناسخا سقط بنفسه إذا كان مجهولا لان المجهول لا يصلح دليلا بخلاف الاستثناء لانه وصف قائم بالأول فأوجب جهالة فيه وهذا قائم بنفسه معارض للأول ودليل ما قلنا أن دليل الخصوص يشبه الاستثناء يحكمه لما قلنا انه يبين انه لم يدخل في الجملة ألا ترى انه لا يكون إلا مقارنا ويشبه الناسخ بصيغته لانه نص قائم بنفسه فلم يجز الحاقه بأحدهما بعينه بل وجب اعتباره في كل باب بنظيره فقلنا إذا كان دليل الخصوص مجهولا اوجب جهالة في الأول بحكمه إذا اعتبر بالاستثناء وسقط في نفسه بصيغته إذا اعتبر بالناسخ وحكمه قائم بصيغته فصار الدليل مشتبها فلم يبطله بالشك وكذلك إذا كان المخصوص معلوما لانه يحتمل أن يكون معلولا وعلى احتمال التعليل يصير مخصوصا من الجملة كأنه لم يدخل لا على سبيل المعارضة للنص فوجب العمل به فيصير قدر ما تناوله النص مجهولا هذا على اعتبار صيغة النص وعلى اعتبار حكمه لا يصح التعليل لانه شبيه بالاستثناء وهو عدم و العدم لا يعلل فدخلت الشبهة أيضا وقد عرف موجبا فلا يبطل بالاحتمال وهذا بخلاف الناسخ إذا ورد في بعض ما تناوله النص معلوما فان الحكم فيما بقي لا يتغير لاحتمال التعليل لان الناسخ إنما يعمل على طريق المعارضة لا على تبين انه لم يدخل
تحت الصيغة فيصير العلة معارضة للنص واما ههنا فان التعلل يقع على ما وضع له دليل الخصوص وهو أن لا يدخل تحت الجملة فلا يصير معارضا للنص فإذا ثبت الاحتمال فلم يخرج عن الدلالة بالشك صار الدليل مشكوكا بأصله فأشبه دليل القياس فاستقام أن يعارضه القياس بخلاف ما ثبت بخبر الواحد لانه يقين بأصله فلم يصلح أن يعارضه القياس ونظير هذه الجملة من الفروع أن البيع إذا اضيف إلى حر وعبد بثمن واحد والى حي وميت وخمر وخل فهو باطل لان أحدهما لم يدخل تحت العقد فبقى الآخر وحده ابتداء بحصته و كذلك إذا قال بعت منك هذين العبدين بألف درهم إلا هذا بحصته من الألف فصارت هذه الجملة نظير الاسثناء وإذا باع عبدين فمات أحدهما قبل التسليم أو استحق أو وجد مدبرا ومكاتبا صح البيع في الباقي لان الآخر دخل في البيع وكذلك المدربر والمكاتب يدخلان في البيع وانما امتنع الحكم صيانة لحقهما فصار الآخر باقيا في العقد بحصته فصار هذا من قسم دليل النسخ ونظير دليل الخصوص مسئلة خيار الشرط قال في الزيادات في رجل باع عبدين بألف درهم على انه بالخيار في واحدهما أن البيع لا يصح حتى يعين الذي فيه الخيار ويسمي ثمنه فأما إذا اجمل الثمن ولم يعين الذي فيه الخيار أو عين أحدهما ولم يعين الآخر لم يجر البيع لان الخيار لا يمنع الدخول في الايجاب ويمنع الدخول في الحكم فصار في السبب نظير دليل النسخ وفي الحكم نظير الاستثناء فقيل لا بد من اعلام الثمن والمبيع لجواز البيع بمنزلة الحر والعبد وإذا وجد التعيين واعلام الحصة صح البيع ولم يعتبر الذي شرط فيه الخيار شرطا فاسدا في الآخر بخلاف الحر والعبد وما شاكل ذلك في قول أبي حنيفة رحمه الله أن يعتبر شرطا فاسدا في الآخر لا محالة فيفسد به البيع والله اعلم
باب ألفاظ العموم
ألفاظ العموم قسمان عام بصيغته ومعناه وعام بمعناه دون صيغته أما العام بصيغته ومعناه فهو صيغة كل جمع مثل الرجال والنساء والمسلمين والمسلمات والمشركين والمشركات وما أشبه ذلك أما صيغته فموضوعه للجمع وأما معناه فكذلك وذلك شامل لكل ما ينطلق عليه وأدنى الجمع ثلثة ذكر ذلك محمد صريحا في كتاب السير في الأنفال وفي غيرها فصار هذا الإسم عاما متنا ولا جميع ما ينطلق عليه غيران الثلاثة أقل ما يتناوله فصار أولى ولهذا قلنا في رجل قال إن اشتريت عبيد فهو كذا أو أن تزوجت نساء إن ذلك يقع على الثلاثة فصاعد الما قلنا والكلمة عامة لكل قسم يتناوله وقد يصير هذا النوع مجاز عن الجنس إذا دخله لام المعرفة لأن لام المعرفة للعهد ولا عهد في أقسام المجموع فجعل للجنس ليستقيم فكان فيه عمل بالوصفين ولو عمل على حقيقتة بطل حكم اللام أصلا فصار الجنس اولى قال الله تعالى لا يحل لك النساء من بعد وقال اصحابنا فيمن قال إن تزوجت النساء اولى اشتريت العبيد فامرأته طالق أن ذلك يقع على الواحد فصاعدا لما قلنا انه صار عبارة عن الجنس فسقطت حقيقة الجمع واسم الجنس يقع على الواحد على انه كل الجنس إلا ترى انه لولا غيره لكان كلا فان آدم صلوة الله عليه كان كل الجنس للرجال وحواء رضي الله عنها وحدها كانت كل الجنس للنساء فلا يسقط هذه الحقيقة بالمزاحمة فصار الواحد للجنس مثل الثلاثة للجمع فكما كان اسم الجمع واقعا على الثلاثة فصاعدا كان اسم الجنس واقعا على الواحد فصاعدا وكان كمن حلف لا يشرب الماء انه يقع على القليل على احتمال الكل واما العام بمعناه دون صيغته
فأنواع منهما ما هو فرد وضع للجمع مثل الرهط والقوم ونحو ذلك مثل الطائفة والجماعة فصيغة رهط وقوم مثل زيد وعمرو ومعناهما الجمع ولما كان فرد بصيغته جمعا بمعناه كان اسما للثلاثة فصاعدا إلا الطائفة فانهما اسم للواحد فصاعدا كذلك قال ابن عباس رضي الله عنه في قول الله تعالى فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة أن يقع على الواحد فصاعدا لانه نعت فرد صار جنسا بعلامة الجماعة ومن ذلك كلمة من وهي يحتمل الخصوص والعموم قال الله تعالى ومنهم من يستمعون إليك ومنهم من ينظر إليك واصلها العموم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من دخل دار ابي سفيان فهو آمن وقال اصحابنا رحمهم الله فيمن قال لعبده من شاء من عبيدي العتق فهو حر فشاؤا جميعا عتقوا فأما إذا قال من شئت من عبيدي عتقه فاعتقه فقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله للمأمور ان يعتقهم جميعا لان كلمة من عامة وكلمة من لتمييز عبيده من غيرهم مثل قوله تعالى فاجتنبوا الرجس من الأوثان وقال أبو حنيفة رضي الله عنه يعتقهم إلا واحدا منهم لأن المولى جمع بين كلمة العموم والتبعيض فصار الأمر متناولا بعضا عاما وإذا قصر عن الكل بواحد كان عملا بهما وهذا حقيقة التبعيض وكذلك قوله من شاء من عبيدي عتقه فهو حر يتناول البعض إلا انه موصوف بصفة عامة فسقط بها الخصوص وهذه الكلمة يحتمل الخصوص لأنها وضعت مبهمة في ذوات من يعقل مثاله ما قال في السير الكبير من دخل منكم هذا الحصن أولا فله من النفل كذا فدخل واحد فله النفل وإن دخل اثنان معا فصاعدا بطل النفل لأن الأول اسم للفرد السابق فلما قرنه بهذه الكلمة دل ذلك على الخصوص فتعين به احتمال الخصوص وسقط العموم فلم يجب النفل إلا لواحد متقدم ولم يوجد وقسم آخر وهي كلمة كل وهي للإحاطة على سبيل الإفراد قال الله تعالى كل نفس ذائقة الموت ومعنى الإفراد أن يعتبر كل مسمى منفردا ليس معه
غيره وهذا معنى ثبت بهذه الكلمة لغة فيما أضيفت إليه كأنها صلة حتى لم تستعمل مفردة وهي تحتمل الخصوص أيضا وهي مثل كلمة من إلا أنها أنها عند العموم تخالفها في إيجاب الإفراد فإذا دخلت على النكرة أوجبت العموم مثل قول الرجل كل امرأة أتزوجها فهي طالق ولا تصحب الأفعال إلا بصلة فإذا وصلت أوجبت عموم الأفعال مثل قول الله سبحانه وتعالى كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها وعلى هذا مسائل أصحابنا وبيان ما قلنا من الفرق بين كلمة كل ومن فيما قاله محمد في السير الكبير من دخل منكم هذا الحصن أولا فله من النفل كذا فدخل جماعة بطل النفل ولو قال كل من دخل منكم هذا الحصن أو لا فله كذا فدخل عشرة معا وجب لكل رجل منهم النفل كاملا على حياله لما قلنا انه يوجب الإحاطة على سبيل الإفراد فاعتبر كل واحد منهم على حياله وهو أول في حق من تخلف من الناس وفي كلمة من وجب اعتبار جماعتهم وذلك ينافي الأولية ولو دخل العشرة فرادى في مسألة كل كان النفل للأول لأنه هو الأول من كل وجه وهي تحتمل الخصوص فسقط عنها الإحاطة وصارت للخصوص وقسم آخر كلمة الجميع وهي عامة مثل كل إلا إنها يوجب الاجتماع دون الانفراد فصارت بهذا المعنى مخالفة للقسمين الأولين ولذلك صارت مؤكدة لكلمة كل وبيان ذلك في قول محمد في السير الكبير جميع من دخل هذا الحصن أولا فله كذا فدخل عشرة منهم أن لهم نفلا واحدا بينهم جميعا بالشركة ويصير النفل واجبا لأول جماعة يدخل فان دخلوا فرادى كان للأول لأن الجميع يحتمل أن يستعار بمعنى الكل وقسم آخر كلمة ما وهي عامة في ذوات ما لا يعقل وصفات من يعقل تقول ما في الدار جوابه شاة أو فرس وتقول ما زيد و جوابه عاقل أو عالم وقال أصحابنا فيمن قال لأمته إن كان ما في بطنك غلاما فأنت حرة فولدت غلاما وجارية لم تعتق لأن الشرط أن يكون جميع
ما في البطن غلاما قال الله تعالى لله ما في السموات وما في الأرض وكذلك كلمة الذي في مسائل اصحابنا وهذه في احتمال الخصوص مثل من كلمة وعلى هذا يخرج قول الرجل لأمرأته طلقي نفسك من الثلاث ما شئت أن على قولهما تطلق نفسها ثلاثا وعند أبي حنيفة رحمه الله واحدة أو اثنتين لما قلنا في الفصل الأول ويجوز ان يستعار كلمة ما بمعنى من وهذه كلمات موضوعة غير معلولة وقسم أخر النكرة إذا اتصل بها دليل العموم لأن النكرة تحتمل ذلك إذ اتصل بها دليله مثل ما قلنا في كلمة كل ودلائل عمومها ضروب وبيان ذلك أن النكرة في النفي تعم وفي الاثبات تخص لأن النفي دليل العموم وذلك ضروري لا لمعنى في صيغة الاسم وذلك انك إذا قلت ما جاءني رجل فقد نفيت مجيء رجل واحد نكرة ومن ضرورة نفيه نفي الجملة ليصح عدمه بخلاف الاثبات لان مجيء رجل واحد لا يوجب مجيء غيره ضرورة فهذا ضرب من دلائل العموم وضرب آخر إذا دخل لام التعريف فيما لا يحتمل التعريف بعينه لمعنى العهد وذلك مثل قول الله تعالى والعصر أن الانسان لفي خسر أي هذ الجنس وكذلك قول الله والسارق والسارقة والزانية والزاني ومثاله قول علمائنا رحمهم الله المرأة التي أتزوج طالق واصل ذلك أن لام المعرفة للعهد وهو أن تذكر شيئا ثم تعاوده فيكون ذلك معهودا قال الله كما ارسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول أي هذا الذي ذكرنا فيكون الثاني هو الأول ومثاله قول علمائنا فيمن اقر بألف مقيدا بصك ثم اقر به كذلك أن الثاني هو الأول وإذا كان كل واحد منهما نكرة كان الثاني غير الأول عند أبي حنيفة رحمه الله إلا أن يتحد المجلس فيصير دلالة على معنى العهد عند أبي يوسف ومحمد يحمل الثاني على الأول وان اختلف المجلس لدلالة العادة على معنى العهد وذلك معنى قول ابن عباس رضي الله عنه في قول الله تعالى فإن مع العسر يسرا لن يغلب عسر واحد يسرين لأن العسر اعيد من معرفة واليسر اعيد نكرة
إن صحت هذه الحكاية عنه وفيه نظر عندنا بل هذا تكرير مثل قوله تعالى اولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى وإذا تعذر معنى العهد حمل على الجنس ليكون تعريفا له مثل قولك فلان يحب الدينار أي هذا الجنس إذ ليس فيه عين معهودة وذلك مثل قوله انت طالق الطلاق وضرب آخر من دلائل العموم إذا اتصل بها وصف عام مثل قول الرجل والله لا أكلم احدا إلا رجلا كوفيا ولا اتزوج امرأة إلا امرأة كوفية والله لا اقربكما إلا يوما اقربكما فيه أن المستثنى في هذا كله يكون عاما لعموم وصفه والنكرة تحتمل ذلك ومن هذا الضرب كلمة أي وهي نكرة يراد بها جزء مما تضاف اليه على هذا إجماع أهل اللغة قال الله تعالى ايكم يأتيني بعرشها ولم يقل يأتونني ويقال أي الرجل اتاك وقال محمد رحمه الله أي عبيدي ضربك فهو حر فضربوه فإنهم يعتقون ولم يقل ضربوك فتثبت إنها كلمة فرد لكنها متى وصفت بصفة عامة عمت بعمومها كساير النكرات في موضع الاثبات وإذا قال أي عبيدي ضربك فقد وصفها بالضرب وصارت عامة وإذا قال أي عبيدي ضربته فقد انقطع الوصف عنها فلم يعتق إلا واحد وعلى ذلك مسائل اصحابنا وكذلك إذا قال ايكم حمل هذه الخشبة فهو حر وهي لا يحملها واحد فحملوا عتقوا وان كان يحملها واحد فحملوا كلهم فرادى عتقوا وإذا اجتمعوا على ذلك لم يعتقوا لأن المراد به فيما يخف حمله انفراد كل واحد منهم في العادة لإظهار الجلادة واما النكرة المفردة في موضع الاثبات فإنها تخص عندنا ولا تعم إلا إنها مطلقة وقال الشافعي رحمه الله هي توجب العموم ايضا حتى قال في قول الله تعالى فتحرير رقبة إنها عامة تتناول الصغيرة والكبيرة والبيضاء والسوداء والكافرة والمؤمنة والصحيحة والزمنة وقد خص منها الزمنة بالإجماع فصح تخصيص الكافرة منها بالقياس بكفارة القتل قلنا نحن هذه مطلقة
لا عامة لانها فرد فيتناول واحدا على احتمال وصف دون وصف والمطلق يحتمل التقييد وذلك مانع من العمل بالمطلق فصار نسخا وقد جعل وجوب التحرير جزاء الأمر فصار ذلك سببا له فيتكرر مطلقا بتكرره وصار مقيدا بالملك لاقتضاء التحرير الملك لا على جهة الخصوص ولم يتناول الزمنة لان الرقبة اسم للبنية مطلقا فوقعت على الكامل من الذي هو موجود مطلق فلم يتناول ما هو هالك من وجه وكذلك التحرير المطلق لا يخلص فيما هو هالك من وجه فلم يدخل الزمن فأما أن يكون مخصوصا فلا وصار ما ينتهي اليه الخصوص نوعان الواحد فيما هو فرد بصيغته أو ملحق بالفرد واما الفرد فمثل الرجل والمرأة والانسان والطعام والشراب وما اشبه ذلك أن الخصوص يصح إلى أن يبقى الواحد واما الفرد بمعناه فمثل قوله لا يتزوج النساء ولا يشتري العبيد أنه يصح الخصوص حتى يبقى الواحد واما ما كان جمعا صيغة ومعنى مثل قوله ان اشتريت عبيد أو ان تزوجت نساء أو ان اشتريت ثيابا فان ذلك يحتمل الخصوص إلى الثلاثة والطائفة يحتمل الخصوص إلى الواحد بخلاف الرهط والقوم وهذا لان ادنى الجمع ثلاثة نص محمد رحمه الله في السير الكبير وعلى هذا عمت مسائل اصحابنا رحمهم الله وقال بعض أصحاب الشافعي أن ادنى الجمع اثنان لما روي عن النبي عليه السلام انه قال الاثنان فما فوقهما جماعة ولان اسم الاخوة ينطلق على الاثنين في قوله تعالى فإن كان له اخوة فلأمه السدس وفي المواريث والوصايا يصرف الجمع إلى المثنى بالإجماع ويستعمل المثنى استعمال الجمع في اللغة يقال نحن فعلنا في الاثنين وقال الله تعالى فقد صغت قلوبكما ولا خلاف أن الإمام يتقدم إذا كان خلفه اثنان وفي المثنى اجتماع كما في الثلاثة ولنا قول النبي عليه السلام الواحد شيطان والاثنان شيطانان والثلاثة ركب ولنا ايضا دليل من قبل الإجماع ودليل من قبل المعقول إما من قبل الإجماع فإن أهل
اللغة مجمعون على أن الكلام ثلاثة اقسام احاد ومثنى وجمع وعلى ذلك بنيت احكام اللغة فللمثنى صيغة خاصة لا يختلف وللواحد ان بنية مختلفة وكذلك الجمع ايضا يختلف ابنيته وليس للمثنى إلا مثال واحد وله علامات على الخصوص واجمع الفقهاء أن الإمام لا يتقدم على الواحد فثبت أنه قسم منفرد واما المعقول فإن الواحد إذا اضيف اليه الواحد تعارض الفردان فلم يثبت الاتحاد ولا الجمع واما الثلاثة فإنما يعارض كل فرد اثنان فسقط معنى الاتحاد اصلا وقد جعل الثلاثة في الشرع حدا في ابلاء الاعذار فأما الحديث فمحمول على المواريث والوصايا أو على سنة تقدم الإمام في الجماعة أن يتقدم على المثنى كما يتقدم على الثلاث وفي المواريث ثبت الاختصاص بقوله تعالى فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك والحجب يبتني على الارث ايضا والوصية يبتني عليه ايضا والثاني قلنا أن الخبر محمول على ابتداء الإسلام حيث نهى الواحد عن المسافرة واطلق الجماعة على ما روينا فإذا ظهر قوة المسلمين قال الاثنان فما فوقهما جماعة واما الجماعة فإنها تكمل بالإمام حتى شرطنا في الجمعة ثلاثة سوى الإمام واما قوله فقد صغت قلوبكما فلان عمة اعضاء الانسان زوج فالحق الفرد بالزوج لعظم منفعته كأنه زوج وقد جاء في اللغة خلاف ذلك وقوله نحن فعلنا لا يصلح إلا من واحد يحكي عن نفسه وعن غيره كأنه تابع فلم يستقم أن يفرد الصيغة فاختير لهما الجمع مجازا كما جاز للواحد أن يقول فعلنا كذا والله اعلم واما المشترك فحكمه الوقف بشرط التأمل ليترجح بعض وجوهه للعمل به واما المأول فحكمه العمل به على احتمال السهو والغلط والله اعلم بالصواب باب معرفة احكام القسم الذي يليه
وهو الظاهر والنصر والمفسر والمحكم وحكم الظاهر وجوب العمل
بالذي ظهر منه وكذلك حكم النص وجوب العمل بما وضح واستبان به على احتمال تأويل هو في حيز المجاز وحكم المفسر وجوب العمل على احتمال النسخ وحكم المحكم وجوب العمل به من غير احتمال لما ذكرنا من تفاوت معاني هذه الالقاب لغة وانما يظهر تفاوت هذه المعاني عند التعارض ليصير الادنى متروكا بالاعلى وهذا يكثر امثلته في تعارض السنن والاحاديث ومثاله من مسائل اصحابنا باب ذكره في - كتاب الإقرار في الجامع رجل قال لاخر لي عليك ألف درهم فقال الآخر الحق اليقين الصدق كان كل ذلك تصديقا ولو قال البر الصلاح لم يكن تصديقا ولو جمع بين البر والحق أو البر واليقين أو البر والصدق حمل البر على الصدق والحق واليقين فجعل تصديقا ولو جمع بين الحق أو اليقين أو الصدق والصلاح جعل ردا ولم يكن تصديقا وحاصل ذلك أن الصدق والحق واليقين من اوصاف الخبر وهي نصوص ظاهرة لما وضعت له من دلالة الوجود للمخبر عنه فيكون جوابا على التصديق وقد يحتمل الابتداء مجازا أي الصدق اولى بك مما تقول واما البر فاسم موضوع لكل نوع من الاحسان لا اختصاص له بالجواب فصار بمعنى المجمل فلم يصلح جوابا بنفسه وإذا قارنه نص أو ظاهر وهو ما ذكرنا حمل عليه واما الصلاح فلفظ لا يصلح صفة للخبر مجال وهو محكم في هذا المعنى فإذا ضم اليه ما هو ظاهر أو نص وجب حمل النص الذي هو محتمل على الحكم الذي لا يحتمل فلم يكن تصديقا وصار مبتدئا فتر حج البعض على البعض عند التعارض ومثاله ايضا قولنا فيمن يزوج امرأة إلى شهر انه متعة لان التزوج نص لما وضع له فكان محتملا أن يراد به المتعة مجازا فأما قوله إلى شهر فمحكم في المتعة لا يحتمل النكاح مجازا فحمل المحتمل على المحكم وضد الظاهر الخفي وحكمه النظر فيه ليعلم أن اختفاءه لمزية أو نقصان فيظهر المراد ومثاله أن النص اوجب القطع على
السارق ثم احتيج إلى معرفة حكم النباش والطرار وقد اختصا باسم خفي به المراد وطريق النظر فيه أن النباش اختص به لقصور في فعله من حيث هو سرقة لان السرقة اخذ المال على وجه المسارقة عن عين الحافظ الذي قصد حفظه لكنه انقطع حفظه بعارض والنباش هو الاخذ الذي يعارض عين من لعله يهجم عليه وهو لذلك غير حافظ ولا قاصد وهذا من الأول بمنزلة التبع من المتبوع وكذلك معنى هذا الاسم دليل على خطر المأخوذ وهذا الذي دل عليه اسم النباش في غاية القصور والهوان والتعدية بمثله في الحدود خاصة باطل واما الطرار فقد اختص به لفضل في جنايته و حذق في فعله لان الطر اسم لقطع الشيء عن اليقظان بضرب فترة وغفلة يعتريه وهذه المسارقة في غاية الكمال وتعدية الحدود في مثله في نهاية الصحة والاستقامة وقد سبق بيان احكام سائر الأقسام في هذا الفصل باب احكام الحقيقة والمجاز والصريح والكناية
قال حكم الحقيقة وجود ما وضع له أمرا كان أو نهيا خاصا أو عاما وحكم المجاز وجود ما استعير له خاصا كان أو عاما وطريق معرفة الحقيقة التوقيف والسماع بمنزلة النصوص وطريق معرفة المجاز التأمل في مواضع الحقايق واما في الحكم فهما سواء إلا عند التعارض فإن الحقيقة اولى منه ومن أصحاب الشافعي من قال لا عموم للمجاز وبيان ذلك أن النبي عليه السلام قال لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء فاحتج الشافعي رحمه الله بعمومه وابى أن يعارضه حديث ابن عمر في النهي عن بيع الدرهم بالدرهمين والصاع بالصاعين لان الصاع مجاز عما يحويه ولا عمولة فإذا ثبت المطعوم به مراد سقط غيره قال لان الحقيقة اصل الكلام والمجاز ضروري يصار اليه توسعة ولا عموم لما ثبت ضرورة تكلم البشر والصحيح ما قلنا لان المجاز أحد نوعي الكلام
فكان مثل صاحبه لان عموم الحقيقة لم يكن لكونه حقيقة بل لدلالة زائدة على ذلك إلا ترى أن رجلا اسم خاص فإذا زدت عليه لام التعريف من غير معهود ذكرته انصرف إلى تعريف الجنس فصار عاما بهذه الدلالة فالصاع نكرة زيد عليه لام التعريف وليس في ذلك معهود ينصرف اليه فانصرف إلى جنس ما أريد به ولو أريد به عينه لصار عاما فإذا أريد به ما يحله ويجاوره مجازا كان كذلك لوجود دلالته إلا ترى أنه استعير له ذلك بعينه ليعمل في ذلك عمله في موضعه كالثوب يلبسه المستعير كان اثره في دفع الحر والبرد مثل عمله إذا لبس بحق الملك إلا انهما تتفاوتان لزوما وبقاء والمجاز طريق مطلق لا ضروري حتى كثر في كتاب الله تعالى وهو افصح اللغات والله سبحانه وتعالى على عن العجز والضرورات ومن حكم الحقيقة انه لا تسقط عن المسمى بحال وإذا استعير لغيره احتمل السقوط يقال للوالد اب ولا ينفي عنه بحال ويقال للجد اب مجازا ويصح أن ينفي عنده لما بينا أن الحقيقة وضع وهذا مستعار فكانا كالملك والعارية إلا أن يكون مهجورا فيصير ذلك دلالة لاستثناء كما قلنا فيمن حلف لا يسكن الدار فانتقل من ساعته وكمن حلف لا يقتل وقد كان جرح ولا يطلق وقد كان حلف وكمن حلف لا يأكل من الدقيق لا يحنث بالاكل من عينه وعند بعض مشائخنا وإذا خلف لا يأكل من هذا الشجر فأكل عين الشجر لم يحنث ايضا ومن احكام الحقيقة والمجاز استحالة اجتماعهما مرادين بلفظ واحد لما قلنا أن أحدهما موضوع والآخر مستعار منه فاستحال اجتماعهما كما استحال أن يكون الثوب على رجل لبسه ملكا وعارية معا ولهذا قلنا فيمن اوصى لمواليه وله موال اعتقهم ولمواليه موال اعتقوهم أن الثلث للذين اعتقهم وليس لموالي معتقية شيء لان معتقيه مواليه حقيقة بأن انعم عليهم وصار ذلك كاولاده لاحيائهم بالاعتاق فأما موالي الموالي فمواليه مجازا لانه لما اعتق الأولين فقد اثبت لهم مالكية
الاعتاق فصار ذلك مسببا لاعتقاهم فنسبوا اليه بحكم السببية مجازا والحقيقة ثابتة فلم يثبت المجاز إلا ترى أن الاسم المشترك لا عموم له مثل الموالي لا يعم الاعلين والاسفلين حتى أن الوصية للموالي وللموصي موال اعتقهم وموال اعتقوه باطلة وهذه معان يحتملها الاسم احتمالا على السواء إلا إنها لما اختلف سقط العموم فالحقيقة والمجاز وهما مختلفان ودلالة الاسم عليها متفاوتة اولى أن لا يجتمعا ولهذا قلنا في غير الخمر انه لا يلحق بالخمر في الحد لان الحقيقة اريدت بذلك النص فبطل المجاز ولهذا قلنا في قوله تعالى أو لامستم النساء أن المس باليد غير مراد لان المجاز مراد بالإجماع وهو الوطئ حتى حل للجنب التيمم فبطل الحقيقة ولهذا قيل فيمن اوصى لاولاد فلان أو لابنائه وله بنون وبنو بنين جميعا أن الوصية لابنائه دون بني بنيه لما قلنا فإن قيل قد قالوا فيمن حلف أن لا يضع قدمه في دار فلان أن يحنث إذا دخلها حافيا أو منتعلا وفيمن قال عبدي حر يوم يقدم فلان أنه أن قدم ليلا أو نهارا عتق عبده وفي السير الكبير قال في حربي استأمن على نفسه وابنائه انه يدخل فيه البنون وبنو البنين وفيمن حلف لا يكن دار فلان أن يقع على الملك والاجارة والعارية جميعا قيل له وضع القدم مجاز عن الدخول لانه موجبه والدخول مطلق فوجب العمل باطلاق المجاز وعمومه وكذلك اليوم اسم للوقت ولبياض النهار ودلالة تعين أحد الوجهين أن ينظر إلى ما دخل عليه فان كان فعلا يمتد كان النهار اولى به لانه يصلح معيارا له وإذا كان لا يمتد كان الظرف اولى وهو الوقت ثم العمل بعموم الوقت واجب فلذلك دخل الليل والنهار بخلاف قوله ليلة يقدم فلان فأنه لا يتناول النهار لانه اسم للسواد الخالص لا يحتمل غيره مثل النهار اسم للبياض الخالص لا يحتمل غيره واما اضافة الدار فإنما يراد به نسبة السكنى اليه فيستعار الدار للسكنى
فوجب العمل بعموم نسبة السكنى وفي نسبة الملك نسبة السكنى موجودة لا محالة فيتناوله عموم المجاز واما مسألة السير ففيها رواية أخرى بعد ذلك الباب أنه لا يتناولهم ووجه الرواية الأولى أن الامان لحقن الدم فبنى على الشبهات وهذا الاسم بظاهره يتناولهم لكن بطل العمل به لتقدم الحقيقة عليه فبقى ظاهر الاسم شبهة فان قيل قد قال أبو يوسف ومحمد فيمن حلف لا يأكل من هذه الحنطة أن يحنث أن آكل من عينها أو ما يتخذ منها وفيه جمع بينهما وكذلك قالا فيمن حلف لا يشرب من الفرات أن يحنث أن كرع أو اغترف وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله فيمن قال لله على أن اصوم رجب أنه إن نوى اليمين كان نذرا ويمينا وهو جمع بينهما قيل له إما أبو يوسف ومحمد رحمهما الله فقد عملا باطلاق المجاز وعمومه لان الحنطة في العادة اسم لما في باطنها ومن اكلها أو ما يتخذ منها فقد أكل ما فيها والشرب من الفرات مجاز للشرب من الماء الذي يجاور الفرات وينسب اليه وهذه النسبة لا ينقطع بالاواني لما ذكرنا في الجامع فصار ذلك عملا بعمومه لا جمعا بين الحقيقة والمجاز واما مسألة النذر فليس بجمع بل هو نذر بصيغته ويمين بموجبه وهو الايجاب لان ايجاب المباح يصلح يمينا بمنزلة تحريم المباح وصار ذلك كشرى القريب تملك بصيغته وتحرير بموجبه فهذه مثله وطريق الاستعارة عند العرب الاتصال بين الشيئين وذلك بطريقين لا ثالث لهما الاتصال بينهما صورة أو معنى لان كل موجود من الصور له صورة ومعنى لا ثالث لهما فلا يتصور الاتصال بوجه ثالث إما المعنى فمثل قولهم للبليد حمار وللشجاع أسد لاتصال ومشابهة في المعنى بينهما واما الصور فمثل تسمية المطر سماء قالوا ما زلنا نطاء السماء حتى اتيناكم أي المطر لاتصال بينهما صورة لان كل عال عند العرب سماء والمطر من السحاب ينزل وهو سماء عندهم فسمى باسمه وقول الله عز و جل أو جاء
أحد منكم من الغائط وهو لمطمئن من الأرض يسمى الحدث بالغائظ لمجاورته صورة في العادة وقال تعالى إني أراني أعصر خمرا أي عنبا لأتصال بينهما ذاتا لأن العنب مركب بثفله ومائه وقشره فسلكنا في الأسباب الشرعية والعلل هذين الطريقين في الاستعارة وهو الاستعارة بالاتصال في الصورة وهو السببية والتعليل لأن المشروع ليس بصورة تحس فصار الاتصال في السبب نظير الصور فيما تحس والاتصال في معنى المشروع كيف شرع اتصال هو نظير القسم الآخر من المحسوس ولا خلاف بين الفقهاء إن الاتصال بين اللفظين من قبل حكم الشرع يصلح طريقا للاستعارة فإن ليس بحكم يختص باللغة لان طريق الاستعارة القرب والاتصال وذلك ثابت بين كل موجودين من حيث وجدا والمشروع قائم بمعناه الذي شرع له وسببه الذي تعلق به فصحت به الاستعارة ولان حكم الشرع متعلقا بلفظ شرع سببا أو علة يثبت من حيث يعقل إلا واللفظ دال عليه لغة والكلام فيما يعقل ولا استعارة فيما لا يعقل ألا ترى أن البيع لتمليك العين شرعا ولذلك وضع لغة فكذلك ما شاكله وهذا في مسائل اصحابنا لا يحصى وقال الشافعي رحمه الله أن الطلاق يقع بلفظ التحرير مجازا والعتاق يقع بلفظ الطلاق مجازا ولم يمتنع أحد من ائمة السلف عن استعمال المجاز فقد انعقد نكاح النبي عليه السلام بلفظ الهبة مجازا مستعارا لا انه العقد هبة لان تمليك المال في غير المال لا يتصور وقد كان في نكاحه وجوب العدل في القسم والطلاق والعدة ولم يتوقف الملك على القبض فثبت أنه كان مستعارا ولا اختصاص للرسالة بالاستعارة ووجوه الكلام بل الناس في وجوه التكلم سواء فثبت أن هذا فصل لا خلاف فيه غير أن الشافعي رحمه الله أبي أن ينعقد النكاح إلا بلفظ النكاح أو التزويج لأنه عقد شرع لامور لا يحصى من مصالح الدين والدنيا ولهذا شرع بهذين اللفظين وليس فيهما
معنى التمليك بل فيهما إشارة إلى ما قلنا فلم يصح الانتقال عنه لقصور اللفظ عن اللفظ الموضوع له في الباب وهذا معنى قولهم عقد خاص شرع بلفظ خاص وهذا كلفظ الشهادة لما كان موجبا بنفسه بقوله اشهد لم يقم اليمين مقامه وهو أن يقول احلف بالله لانه موجب لغيره فلم يصلح الاستعارة وكذلك عقد المفاوضة لا ينعقد إلا بلفظ المفاوضة عندكم كذلك حكى عن الكرخي لان غيره لا يؤدي معناه ولهذا لم يجوزوا رواية الاحاديث بالمعاني والجواب أن لفظ البيع والهبة وضع لملك الرقبة وملك الرقبة سبب لملك المتعة لان ملك المتعة يثبت به تبعا فإذا كان كذلك قام هذا الاتصال مقام ما ذكرنا من المجاورة التي هي طريق الاستعارة فصحت الاستعارة بهذا الاتصال بين السببين والحكمين والجواب عما قال أن هذه الأحكام من حيث هي غير محصورة جعلت فروعا وثمرات للنكاح وبنى النكاح على حكم الملك له عليها لانه أمر معقول معلوم ألا ترى أن المهر يلزم بالعقد لها ولو كان ما ذكرت اصلا وهو مشترك لما صح ايجاب العوض على أحدهما و لهذا كان الطلاق بيد الزوج لهذا كان الطلاق بيد الزوج لأنه هو المالك وإذا كان كذلك قلنا لما شرع هذا الحكم بلفظ النكاح والتزويج ولا يختصان بالملك وضعا ولغة فلان يثبت بلفظ التمليك والبيع والهبة وهي للتمليك وضعا اولى وانما صلح الايجاب بلفظ النكاح والتزويج وان لم يوضعا للملك لانهما اسمان جعلا علما لهذا الحكم والعلم يعمل وضعا لا بمعناه بمنزلة النص في دلائل الشرع وانما يعتبر المعاني لصحة الاستعارة على نحو ما يستعمل للقياس فلما ثبت الملك بهما وضعا صحت التعدية إلى ما هو صريح في التمليك فان قيل فهلا صحت استعارة النكاح للبيع والمناسبة التي ذكرتم قائمة لانها تقوم بالطرفين جميعا لا محالة لا يناسب الشيء غيره إلا وذلك يناسبه كالاخوين قيل له الاتصال من هذا الوجه على نوعين أحدهما اتصال الحكم بالعلة
والثاني اتصال الفرع بما هو سبب محض ليس بعلة وضعت له فالأول يوجب الاستعارة من الطرفين لان العلة لم يشرع إلا لحكمها والحكم لا يثبت إلا بعلته فاستوى الاتصال فعمت الاستعارة ولهذا قلنا فيمن قال أن ملكت عبدا فهو حر فملك نصف عبد ثم باعه ثم ملك النصف الباقي لم يعتق حتى يجتمع الكل في ملكه ولو قال ان اشتريت عبدا عتق النصف الباقي وان لم يجتمع وفي العبد المعين يستويان وان قال عنيت بالملك الشراء كان مصدقا في الحكم والديانة وان قال عنيت بالشراء الملك كان مصدقا في الديانة لانه استعار الحكم لسببه في الفصل الأول واستعار السبب لحكمه في الثاني واما الاتصال الثاني فيصلح طريقا للاستعارة من أحد الطرفين وهو أن يستعار الأصل للفرع والسبب للحكم لان هذا الاتصال ثابت في حق الفرع لافتقاره ولا يصح أن يستعار الفرع للاصل لان هذا الاتصال في حق الأصل معدوم لاستغنائه وهذا كالجملة الناقصة إذا عطفت على الجملة الكاملة توقف أول الكلام على اخره لصحة آخره وافتقاره فأما الأول فتام في نفسه لاستغنائه وعلى هذا الأصل قلنا أن ألفاظ العتق تصلح أن يسعار للطلاق لانها وضعت لازالة ملك الرقبة وذلك يوجب زوال ملك المتعة تبعا لا قصدا على نحو ما قلنا فصحت الاستعارة وقال الشافعي رحمه الله يصح أن يستعار الطلاق للعتق لانهما في المعاني يتشابهان لان كل واحد منهما اسقاط بني على السراية واللزوم والمناسبة في المعاني من اسباب الاستعارة مثل المناسبة في الاسباب وقلنا لا يصح هذه الاستعارة لما قلنا في المسألة الأولى أن اتصال الفرع بالاصل في حق الأصل في حكم العدم ولا تصح الاستعارة للمناسبة في المعاني من الوجه الذي قلنا لان طريق الاستعارة من قبل المعاني المشاكلة في المعاني التي هي من قبيل الاختصاص الذي به يقوم الموجود فأما بكل معنى فلا وهذا الطريق من الخصم نظير طريقه في اوصاف النص أن
التعليل بكل وصف صحيح من غير أثر خاص وقلنا نحن هو باطل لأن الابتلاء يسقط فكذلك الاستعارة يقع بمعنى له أثر الاختصاص ألا ترى أن العرب تسمي الشجاع أسد للاشتراك في المعنى الخاص وهو الشجاعة فأما بكل وصف فلا لأن ذلك يبطل الامتحان ويصير الموجودات في الأحكام كلها متناسبة ولا مناسبة بينهما من هذا الوجه لأن معنى الطلاق ما وضع له اسمه وما احتمله محله وهو رفع القيد لأن الاطلاق عبارة عنه والنكاح لا يوجب حقيقة الرق ولا يسلب المالكية وإنما يوجب قيدا فلا يحتمل إلا إطلاق القيد وأما الاعتاق فإثبات القوة الشرعية لأن ذلك معناه لغة يقال عتق الطير إذا قوى وطار عن وكره ومنه عتاق الطير ويقال عتقت البكر إذا أدركت وهذا شائع في كلام العرب وكذلك الرق ثابت على الكمال وسلطان المالكية ساقط فصبح الاعتاق إثباتا وليس بين إزالة القيد لتعمل القوة الشرعية عملها وبين إثباتها بعد العدم مشابهة كما ليس بين احياء الميت وبين إطلاق الحي مشابهة فما هذا إلا كمن استعار الحمار للذكي والأسد للجبان فإن قيل اليس لا يصح أن يستعار البيع للإجازة كما لا يستعار الإجارة للبيع وملك المنفعة تابع لملك الرقبة قيل له قد قال بعض مشايخنا أن البيع لا ينعقد بلفظ الإجارة والإجارة ينعقد به وذلك يتصور في الحر تقول بعت نفسي منك شهرا بدرهم لعمل كذا وهذا جائز فأما إذا قال بعت منك منافع هذه الدار شهرا بكذا لم يجز كذا ذكره في أول كتاب الصلح وهذا ليس لفساد الاستعارة لكن لفساد في المحل لأن المنفعة لا يصلح محلا للإضافة لأن ذلك معدوم ليس في مقدور البشر حتى لو أضاف إليها الإجارة لم يجز فكذلك ما يستعار لها ولكن العين يقام مقامها في حق الإضافة في الأصل فكذلك فيما يستعار لها وصار هذا كالبيع يستعار للنكاح في غير محله وهي المحرم من النساء فيثبت أن فساده الإضافة إلى غير محله ومن أحكام هذا القسم أيضا المجاز حلف عن الحقيقة في حق التكلم لا في حق الحكم عند أبي حنيفة
رحمه الله وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله هو خلف عن الحكم بيانه فيمن قال لعبده وهو أكبر سنا منه هذا ابني لم يعتق عندهما لأن هذا الكلام لم ينعقد لما وضع له أصلا فصار لغوا لا حكم له فلا يجب العمل بمجازه لأنه خلف عنه في إثبات الحكم ومن شرط الخلف أن ينعقد السبب للأصل على الاحتمال وامتنع وجوده بعارض كمن حلف ليمسن السماء أن اليمين انعقدت للبر لاحتمال وجوده فانعقدت للكفارة خلفا عنه فأما الغموس فلم ينعقد للحكم الأصلي فلا ينعقد لخلفه وهذا نظير مسألة الغموس وقال أبو حنيفة رحمه الله أن المجاز خلف عن الحقيقة في التكلم لا في الحكم بل هو في الحكم أصل ألا ترى أن العبارة تتغير به دون الحكم فكان تصرفا في التكلم فتشترط صحة الأصل من حيث انه مبتدأ وخبر موضوع للإيجاب بصيغته وقد وجد ذلك فإذا وجد وتعذر العمل بحقيقته وله مجاز متعين صار مستعار الحكمة بغير نية كالنكاح بلفظ الهبة وقالا لفظ الهبة ينعقد لحكمه الأصلي في الحرة لأن احتمال بيع الحرة وهبتها مثل احتمال مس السماء وأما هذا فمستحيل بمرة وقال أبو حنيفة رحمه الله هذا تصرف في التكلم فلا يتوقف على احتمال الحكم كالاستثناء فإن من قال لامرأته أنت طالق ألفا إلا تسعمائة وتسعة وتسعين أنه تقع واحدة ذكره في المنتقى وإيجاب ما زاد على الثلث من طريق الحكم باطل لكن من طريق التكلم صحيح والاستثناء تصرف في التكلم بالمنع فصح فكذلك هذا لما كان تصرفا في التكلم صحت الاستعارة به لحكم حقيقته وان لم ينعقد لإيجاب تلك الحقيقة ومن حكم الحقيقة عتقه من حين ملكه فجعل إقرارا به فعتق في القضاء بخلاف النداء لأنه لاستخصار المنادى بصورة الاسم لا بمعناه فإذا لم يكن المعنى مطلوبا لم يجب الاستعارة لتصحيح معناه بخلاف قوله يا حر فإنه يستوي نداؤه وخبره لأنه موضوع للتحرير فصار عينه قائما مقام معناه فصار المعنى مطلوبا بكل حال ومن حكم هذا الباب أن العمل بالحقيقة
متى أمكن سقط المجاز لأن المستعار لا يزاحم الأصل وذلك مثل قولنا في الإقراء أنها الحيض لأن القرء للحيض حقيقة وللطهر مجاز من قبل أنه مأخوذ من الجمع وهو معنى حقيقة هذه العبارة لغة وذلك صفة الدم المجتمع فأما الطهر فإنما وصف به بالمجاورة مجازا ولأن معنى القرء الانتقال يقال قراء النجم إذا انتقل والانتقال بالحيض لا بالطهر فصارت الحقيقة أولى وكذلك العقد لما ينعقد حقيقته وللعزم مجاز وكذلك النكاح للجمع في لغة العرب على ما عرف الاجتماع في الوطئ ويسمى العقد به مجازا لأنه سببه حتى يسمى الوطؤ جماعا فكانت الحقيقة أولى وأمثلة هذا أكثر من أن يحصى ولهذا قال أبو حنيفة رحمه الله في الدعوى في رجل له أمة ولدت ثلاثة أولاد في بطون مختلفة فقال المولى أحد هؤلاء ولدي ثم مات قبل البيان أنه يعتق من كل واحد ثلثة ولا يعتبر ما يصيب كل واحد من قبل أمه حتى يعتق الثالث كله ونصف الثاني كما قال أبو يوسف رحمه الله لأن إصابته من قبل أمه في مقابلة إصابته من قبل نفسه بمنزلة المجاز من الحقيقة وأمثلة هذا أكثر من أن تحصى وإذا كانت الحقيقة متعذرة أو مهجورة صير إلى المجاز بالإجماع لعدم المزاحمة أما المتعذر فمثل الرجل حلف لا يأكل من هذه النخلة أو الكرمة انه يقع على ما يتخذ منه مجازا بخلاف ما إذا حلف لا يأكل من هذه الشاة أو من هذا اللبن أو من هذا الرطب فإنه يقع على عينه لأن الحقيقة قائمة وكذلك إذا حلف لا يأكل من هذا الدقيق وقع على ما يتخذ منه لأن الحقيقة متعذرة وكذلك لو حلف لا يشرب من هذا البئر لم يقع على الكرع وهو حقيقة لما قلنا واختلفوا فيما إذا أكل عين الدقيق أو تكلف فكرع من البئر فقيل لما كان متعذرا لم يكن مرادا فلا يحنث وقيل بل الحقيقة لا تسقط بحال فيحنث والأول أشبه لأن أصحابنا قالوا فيمن حلف لا ينكح فلانة وهي أجنبية أنه يقع على العقد فإن زنى بها لم يحنث فاسقطوا حقيقته واما المهجورة فمثل من حلف لا يضع قدمه في دار فلان أن الحقيقة مهجورة
والمجاز هو المتعارف وهو الدخول فحنث كيف دخل ومثاله أن التوكيل بالخصومة صرف إلى جواب الخصم مجازا فيتناول الانكار والإقرار بإطلاقه لأن الحقيقة مهجورة شرعا والمهجور شرعا مثل المهجور عادة ألا ترى أن من حلف لا يتكلم هذا الصبي لم يتقيد بصباه لأن هجران الصبي مهجور شرعا وعلى هذه الجملة يخرج قولهم في رجل قال لعبده ومثله يولد لمثله وهو معروف النسب من غيره هذا ابني انه يعتق عملا بحقيقته دون مجازه لأن ذلك ممكن فالنسب قد يثبت من زيد ويشتهر من عمرو فيكون المقر مصدقا في حق نفسه وإليه اشار محمد رحمه الله في الدعوى والعتاق أن الأم تصير أم ولد له وقال في الجامع في عبد له ابن ولابنه ابنان فقال المولى في صحته أحد هؤلاء ولدي ثم مات وكلهم يصلح ابنا له انه يعتق من الأول ربعه ومن الثاني ثلثه ومن كل واحد من الآخرين ثلاثة أرباعه وعلى قياس ذلك الجواب لو كان لابن العبد ابن واحد وكلهم يولد لمثله انه يعتق من الأول ثلثه ومن الثاني نصفه ومن الثالث كله لاحتمال النسب ولو كان تحرير العتق من كل واحد ثلثه وأما في الأكبر سنا منه فلأبي حنيفة رحمه الله طريقان أحدهما أنه إقرار بالحرية فيجب أن يصير مقرا بحق الأم أيضا لأنه يحتمل الإقرار والثاني أنه تحرير مبتداء من قبل أن الإقرار بالنسب لو ثبت ثبت تحريرا مبتدأ حتى قلنا في كتاب الدعوى في رجلين ورثا عبدا ثم ادعى أحدهما أنه ابنه غرم لشريكه كأنه أعتقه لأن ثبوت النسب مضاف إلى خبره لأن المخبر به قائم بخبره فإذا كان كذلك جعل مجازا عن التحرير وحق الأم لا يحتمل الوجود بابتداء تصرف المولى لأنه ليس في وسع البشر إثبات أمومية الولد قولا لأنها من حكم الفعل فلم يثبت بدونه وقد يتعذر الحقيقة والمجاز معا إذا كان الحكم ممتنعا لأن الكلام وضع لمعناه فيبطل إذا
استحال حكمه ومعناه وذلك أن يقول الرجل لامرأته هذه بنتي وهي معروفة النسب وتولد لمثله أو أكبر سنا منه فإن الحرمة لا تقع به أبدا عندنا خلافا للشافعي رحمه الله لأن الحقيقة في الأكبر سنا منه متعذر وفي الأصغر سنا تعذر إثبات الحقيقة مطلقا لأنه مستحق ممن اشتهر منه نسبها وفي حق المقر متعذر أيضا في حكم التحريم لأن التحريم الثابت بهذا الكلام لو صح معناه مناف للملك فلم يصلح حقا من حقوق الملك وكذلك العمل بالمجاز وهو التحريم في الفصلين متعذر لهذا العذر الذي أبليناه فلا يمكن أن يجعل النسب ثابتا في حق المقر بناء على إقراره لأن الرجوع عنه صحيح والقاضي كذبه ههنا فقام ذلك مقام رجوعه بخلاف العتاق لأن الرجوع عنه لا يصح ومن حكم هذا الباب أن الكلام إذا كانت له حقيقة مستعملة ومجاز متعارف فالحقيقة أولى عند أبي حنيفة رحمه الله وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله العمل بعموم المجاز أولى وهذا يرجع إلى ما ذكرنا من الأصل أن المجاز عندهما خلف عن الحقيقة في الحكم وفي الحكم للمجاز رجحان لأنه ينطلق على الحقيقة والمجاز معا فصار مشتملا على حكم الحقيقة فصار أولى ومن أصل أبي حنيفة انه خلف في التكلم دون الحكم فاعتبر الرجحان في التكلم دون الحكم فصارت الحقيقة أولى مثاله من حلف لا يأكل من هذه الحنطة يقع على عينها دون ما يتخذ منها عند أبي حنيفة رحمه الله لما قلنا وعندهما يقع على مضمونها على العموم مجازا وكذلك إذا حلف لا يشرب من الفرات يقع على الكرع خاصة عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما يقع على شرب ماء مجاور الفرات وذلك لا ينقطع بالأواني لأنها دون النهر في الإمساك باب جملة ما يترك به الحقيقة
وهو خمسة أنواع قد تترك بدلالة الاستعمال والعادة وقد تترك بدلالة
اللفظ في نفسه وقد تترك بدلالة سياق النظم وقد تترك بدلالة ترجع إلى المتكلم وقد تترك بدلالة في محل الكلام أما الأول فمثل الصلاة فإنها اسم للدعاء قال الله تعالى وصل عليهم أي ادع ثم سمى بها عبادة معلومة مجازا لما إنها شرعت للذكر قال الله تعالى وأقم الصلاة لذكري وكل ذكر دعاء وكالحج فإنه قصد في اللغة فصار اسما لعبادة معلومة مجازا لما فيه من قوة العزيمة والقصد بقطع المسافة وكذلك نظائرها من العمرة والزكاة حتى صارت الحقيقة مهجورة وإنما صار هذا دلالة على ترك الحقيقة لأن الكلام موضوع لاستعمال الناس وحاجتهم فيصير المجاز باستعمالهم كالحقيقة ومثاله ما قال علماؤنا رحمهم الله فيمن نذر صلاة أو حجا أو المشي إلى بيت الله أو أن يضرب بثوبه حطيم الكعبة أن ذلك ينصرف إلى المجاز المتعارف ومثاله كثير وقالوا فيمن حلف لا يأكل رأسا أنه يقع على المتعارف استحسانا على حسب ما اختلفوا ويسقط غيره وهو حقيقة وكذلك لو حلف لا يأكل بيضا أنه يختص ببيض الأوز والدجاجة استحسانا ولو حلف لا يأكل طبيخا أو شواء انه يقع على اللحم خاصة استحسانا وكل عام سقط بعضه كان شبيها بالمجاز على ما سبق وهذا ثابت بدلالة العادة لا غير وأما الثابت بدلالة اللفظ في نفسه فمثل قوله حلف لا يأكل لحما أنه لا يقع على السمك وهو لحم في الحقيقة لكنه ناقص لأن اللحم يتكامل بالدم فما لا دم له قاصر من وجه فخرج عن مطلقه بدلالة اللفظ وكذلك قول الرجل كل مملوك لي حر له يتناول المكاتب وكل امرأة لي طالق لا يتناول المبتوتة المعتدة لما قلنا فصار مخصوصا وللمخصوص شبه بالمجاز ومن هذا القسم ما ينعكس وذلك مثل رجل حلف لا يأكل فاكهة لم يحنث عند أبي حنيفة رحمه الله بأكل الرطب والرمان والعنب وقالا يحنث لأن الاسم مطلق فيتناول الكامل منه وقال أبو حنيفة الفاكهة اسم للتوابع لأنه من التفكه مأخوذ وهو التنعم
قال الله تعالى انقلبوا فكهين أي ناعمين وذلك أمر زائد على ما يقع به القوام وهو الغذاء فصار تابعا والرطب والعنب قد يصلحان للغذاء وقد يقع بهما القوام والرمان قد يقع به القوام لما فيه من معنى الأدوية وإذا كان كذلك كان فيها وصف زائد والاسم ناقص مقيد في المعنى فلم يتناول الكامل وكذلك طريقه فيمن حلف لا يأكل إداما انه يقع على ما يتبع الخبز لأن الإدام اسم للتابع فلم يجز أن يتناول ما هو أصل من وجه وهو اللحم والجبن والبيض وعند محمد يحنث في ذلك كما في المسألة الأولى وعن أبي يوسف رحمه الله روايتان في هذه المسألة واما الثابت بسياق النظم فمثل قول الله تعالى فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا تركت حقيقة الأمر والتخيير بقوله عز و جل إنا أعتدنا للظالمين نارا وحمل على الإنكار والتوبيخ مجازا ومثاله ما قال محمد رحمه الله في السير الكبير في الحربى إذا استأمن مسلما فقال له أنت آمن كان أمانا فإن قال أنت آمن ستعلم ما تلقى لم يكن أمانا ولو قال انزل إن كنت رجلا لم يكن أمانا ولو قال لرجل طلق امرأتي إن كنت رجلا أو إن قدرت أو اصنع في مالي ما شئت إن كنت رجلا لم يكن توكيلا ولو قال رجل لرجل لي عليك ألف درهم فقال الرجل لك علي ألف درهم ما أبعدك لم يكن إقرارا وصار الكلام للتوبيخ بدلالة سياق نظمه وأما الثابت بدلالة من قبل المتكلم فمثل قول الله تعالى واستفزز من استطعت منهم بصوتك انه لما استحال منه الأمر بالمعصية والكفر حمل على إمكان الفعل وإقداره عليه مجازا لأن الأمر للإيجاب فكان من المعنيين اتصال ومثاله من دعى إلى غذاء فحلف لا يتغذى انه يتعلق به لما في غرض المتكلم من بناء الجواب عليه وكذلك امراة قامت لتخرج فقال لها زوجها أن خرجت فأنت طالق انه يقع على الفور لما قلنا ومثاله كثير واما الثابت بدلالة محل الكلام فمثل قوله تعالى وما يستوي الأعمى والبصير
سقط عمومه وذلك حقيقة لان محل الكلام وهو المخبر عنه لا يحتمله لان وجوه الاستواء قائمة فوجب الاقتصار على ما دلت عليه صيغة الكلام وهو التغاير في البصر وكذلك كاف التشبيه لا يوجب العموم لما قلنا من قيام المغايرة من وجوه كثيرة حتى إذا قيل زيد مثلك لم يثبت عمومه إلا أن يقبل المحل العموم مثل قول علي رضي الله عنه في أهل الذمة إنما بذلوا الجزية ليكون دماؤهم كدمائنا واموالهم كأموالهم فان هذا عام عندنا لان المحل يحتمله ومن هذا الباب قول النبي عليه السلام انما الاعمال بالنيات ورفع عن امتي الخطأ والنسيان سقطت حقيقته لان المحل لا يحتمله من قبل أن غير الخطأ غير مرفوع بل هو متصور فسقط حقيقة وصار ذكر الخطأ والعمل مجازا عن حكمه وموجبه وموجبه نوعان مختلفان أحدهما الثواب في الاعمال التي تفتقر إلى النية والمأثم في الحرمات والثاني الحكم المشروع فيه من الجواز والفساد وغير ذلك وهذا أن معنيان مختلفان ألا ترى أن الجواز والصحة يتعلق بركنه و شرطه والثواب أو المأثم يتعلق بصحة عزيمته فان من توضاء بما نجس ولم يعلم حتى صلى ومعنى على ذلك ولم يكن مقصرا لم يجز في الحكم لفقد شرطه واستحق الثواب لصحة عزيمته وإذا صارا مختلفين صار الاسم بعد صيرورته مجازا مشتركا فسقط العمل به حتى يقوم الدليل على أحد الوجهين فيصير مأولا وكذلك حكم المأثم على هذا فصار هذا كاسم المولى والقرء وساير الاسماء المشتركة ومن الناس من ظن أن التحريم المضاف إلى الاعيان مثل المحارم والخمر مجاز لما هو من صفات الفعل فيصير وصف العين به مجازا وهذا غلط عظيم لأنه التحريم إذا أضيف إلى العين كان ذلك إمارة لزومه وتحققه فكيف يكون مجازا لكن التحريم نوعان تحريم يلاقي نفس الفعل مع كون المحل قابلا كأكل مال الغير والنوع الثاني أن يخرج المحل في الشرع من أن يكون قابلا لذلك الفعل فينعدم الفعل
من قبل عدم محله فيكون نسخا ويصير الفعل تابعا من هذا الوجه فيقام المحل مقام الفعل فينسب التحريم اليه ليعلم أن المحل لم يجعل صالحا له وهذا في غاية التحقيق من الوجه الذي يتصور في جانب المحل لتوكيد النفي فأما أن يجعل مجازا ليصير مشروعا بأصله فغلط فاحش ومما يتصل بهذا القسم حروف المعاني فإنها تنقسم إلى حقيقة ومجاز وشطر من مسائل الفقه مبنى على هذه الجملة وهذا الباب لبيان ما يتصل بها من الفروع والله اعلم باب حروف المعاني
ومن هذه الجملة حروف العطف وهي اكثرها وقوعا واصل هذا القسم الواو وهي عندنا لمطلق العطف من غير تعرض لمقارنة ولا ترتيب وعلى هذا عامة أهل اللغة وأئمة الفتوى وقال بعض أصحاب الشافعي أن الواو يوجب الترتيب حتى قالوا في قول الله تعالى فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق يوجب الترتيب واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه و سلم بدا بالصفاء في السعي وقال تبدأ يما بدأ الله عز و جل يريد به قوله تعالى إن الصفا والمروة من شعائر الله ففهم وجوب الترتيب ووجوب الترتيب بقوله تعالى اركعوا واسجدوا هذا حكم لا يعرف إلا باستقراء كلام العرب وبالتأمل في موضوع كلامهم كالحكم الشرعي إنما يعرف من قبل اتباع الكتاب والسنة والتأمل في أصول الشرع وكلاهما حجة عليه ودليل لما قلنا أما الأول فإن العرب تقول جاءني زيد وعمرو وفيفهم منه اجتماعهما في المجيء من غير تعرض للقرآن أو الترتيب في المجيء ولان الفاء يختص بالأجزئة ولا يصلح فيها الواو حتى أن من قال لامراته أن دخلت الدار وانت طالق طلقت في الحال ولو احتمل الواو الترتيب لصلح للجزاء كالفاء وقد صارت الواو للجمع في قول الناس جاءني الزيد وان اصله جاءني زيد
وزيد وزيد وقالوا لا تآكل السمك وتشرب البن معناه لا تجمع بينهما من غير تعرض لمقارنة أو ترتيب في الوجود ولو استعمل الفاء مكانة لبطل المراد ومثله قول الشاعر ... لاتنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم ...
أي لا تجمع بينهما فهذه البيان الوضع وأما الثاني فلان كلام العرب أسماء وأفعال وحروف والأصل في كل قسم منها أن يكون موضوعا لمعنى خاص كذلك التكرار وقد وجدنا حروف العطف وغيرها موضوعة لمعان يتفرد كل قسم بمعناه فالفاء للترتيب ومع للقرآن وثم للتعقيب والتراخي فلو كان الواو للترتيب لتكررت الدلالة وليس ذلك بأصل لكن الواو لما كانت أصلا في الباب كان ذلك دلالة على أنها وضعت لمطلق العطف على احتمال كل قسم من اقسامه من غير تعرض لشيء منها ثم انشعبت الفروع إلى سائر المعاني وهذا كما وضع لكل جنس اسم مطلق مثل الانسان والتمر ثم وضعت لانواعها أسماء على الخصوص وصارت الواو فيما قلنا نظير اسم الرقبة في كونه مطلقا غير عام ولا مجمل ولهذا قلنا أن حكم النص في آية الوضوء التحصيل من غير تعرض لمقارنة أو ترتيب وقد ظن بعض اصحابنا أن الواو للمقارنة وليس كذلك وزعم بعضهم أنها عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله للمقارنة لانهما قالا فيمن قال لامرآته قبل الدخول بها أن دخلت الدار فأنت طالق وطالق وطالق إنها إذا دخلت طلقت ثلثا وانها عند أبي حنيفة رحمه الله تطلق واحدة فدل انه جعلها للترتيب وليس كذلك بل اختلافهم راجع إلى ذكر الطلقات متعاقبة يتصل الأول بالشرط على التمام والصحة ثم الثاني والثالث ما موجبة فقال أبو حنيفة رحمه الله موجبه الافتراق لان الثاني اتصل بالشرط بواسطة والثالث بواسطتين والاول بلا واسطة فلا يتغير هذا الأصل بالواو لانه لا يتعرض