طعون المحدثين في ............
.. الإمام أبي حنيفة دراسة نقدية
جارٍ تحميل الكتاب…
طعون المحدثين في ............
.. الإمام أبي حنيفة دراسة نقدية
طعون المحدثين
في الإمام أبي حنيفة دراسة نقدية
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
* قدم هذا البحث للمجلة العلمية المحكمة التابعة لرئاسة الشؤون الدينية في أنقرة في تركيا في سنة 2020م.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومَن سار على دربه واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
وبعد:
فقد تواصل معي الأخ الحبيب الدكتور حمزة البكري، وأخبرني برغبة المجلة المحكمة التابعة لرئاسة الشؤون الدينية في أنقرة في تركيا بإصدار عدد خاص عن الإمام أبي حنيفة، وأنه تناقش مع الأستاذ الدكتور مرتضى بدر عميد كلية الإلهيات في جامعة إسطنبول بحيث يكون للعبد الفقير مساهمة في هذا العدد المبارك.
فعرضت عليهم الكتابة عن مكانة الإمام أبي حنيفة في الحديث، حيث تعرضت لهذا الأمر في كتاب «إمام الأئمة الفقهاء أبو حنيفة النعمان»، وكتاب «إعلام الأنام باستيعاب مذهب الإمام أبي حنيفة
لأحاديث الأحكام»، فرأيت أن أقتبس ما كتبته هناك في ردّ الطعون الواردة على الإمام أبي حنيفة من قبل بعض المحدثين.
وأهمية البحث ترجع للمكانة الرفيعة للإمام أبي حنيفة وشيوع مذهبه وكثرة أتباعه، فلا يُقبل التَّشكيك بهذا المذهب وإمامه؛ لما فيه من الأثر السلبي أتباع المذهب الحنفي، فكان من الواجب دفع أي شبهات حفاظاً على دين الله تعالى.
وتظهر مشكلة البحث في الإجابة عن السؤال الرئيسي: هل يمكن دفع الطعون الحديثية الواردة على الإمام أبي حنيفة؟ ويتفرع عليه أسئلة فرعية:
1.هل اشتهر عن أبي حنيفة طلب الحديث والاشتغال به؟
2.هل وثق علماء الحديث والإسلام الإمام أبي حنيفة؟
3.هل يمكن ردّ الطعون الحديثية من خلال علم الجرح والتعديل؟
4.هل يمكن رد الطعون الواردة في حقّ أبي حنيفة جملةً؟
5. هل يمكن رد الطعون الواردة في حقّ أبي حنيفة تفصيلاً؟
وكثرة الدِّراسات السَّابقة المتعلقة بهذه القضية، ومنها:
1.كتب اللكنوي طافحةٌ بهذه المسألة، مثل كتاب «الرَّفع والتَّكميل في الجرح والتعديل»، فهو كتابٌ فريدٌ في بابه تعرَّض فيه لدفع هذه الطُّعون من خلال قواعد الجرح والتَّعديل.
وقد أكثر اللكنوي من ردِّ كثير من الشُّبهات المتعلقة بهذه الطعون في عامة كتبه كـ «مقدمة السعاية» و «مقدمة الهداية» و «النافع الكبير» و «مقدمة عمدة الرعاية» و «مقدمة التعليق الممجد»، وغيرها.
2.كتب الكوثري لا سيما كتاب «تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب»، فإنه فصل الكلام بما لا مثيل عليه فيما يتعلق بالروايات الوارد في تاريخ بغداد في الطعن في الإمام أبي حنيفة، وبين الوجوه المتعددة لردها.
وقد أجاد وأفاد في «النكت الطريفة في التحدث عن ردود ابن أبي شيبة على أبي حنيفة» في عرض أدلة الحنفية في المسائل التي ذكرها ابن أبي شيبة اعتراضا على الإمام أبي حنيفة.
وميزت هذه الدِّراسة عن الكتابات السّابقة أنّها جمعت عامّة هذه الشُّبهات والرُّدود وفصَّلتها في مقام واحد، فكانت جامعة وملخصة ومهذبةً لما سَبَق.
وعرضت هذه البحث في مبحثين وخاتمة
المبحث الأول: المكانة الحديثية للإمام أبي حنيفة.
ويشتمل على ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: اهتمام الإمام أبي حنيفة بالحديث.
والمطلب الثاني: توثيق جماهير الفقهاء والمحدثين للإمام أبي حنيفة.
والمطلب الثالث: اعتماد كبار الحفاظ في عصر أبي حنيفة على اجتهاده الفقهي.
والمبحث الثاني: رد انتقادات بعض أهل الحديث على الإمام أبي حنيفة.
ويشتمل على ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: قواعد في علم الجرح والتعديل.
والمطلب الثاني: ردّ الطعون عموماً عن الإمام أبي حنيفة.
والمطلب الثالث: رد الطعون تفصيلا في حق الإمام أبي حنيفة.
وأسأل الله تعالى أن يقبل هذا العمل وأن يجعله خالصاً لوجه الكريم، وصلى الله على سيدنا محمد.
المبحث الأول
المكانة الحديثية للإمام أبي حنيفة
تمهيد:
أُلفت كُتُب خاصّةٌ بمكانة الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - في الحديث ككتاب «مكانة أبي حنيفة في الحديث» لعبد الرشيد النعماني الهندي؛ للمنزلة التي تبوأها هذه الإمام الكبير في علم الحديث، ولا غرابة في ذلك، فهو المجتهد الأكبر في الإسلام، ومذهبه الفقهي أوسع المذاهب وأشهرها، ومن شرط المجتهد المطلق أن يكون مجتهداً في الحديث، فلولا رفعته العظيمة في التعامل مع الأحاديث ثبوتاً ومعنى، لما كان لمذهبه هذه المكانة العلمية المرموقة.
قال الصالحي (¬1): «ولولا كثرة اعتنائه بالحديث، ما تهيّأ له استنباط مسائل الفقه، فإنه أول من استنبطه من الأدلة، وعدم ظهور حديثه في الخارج لا يدل على عدم اعتنائه بالحديث، كما زعمه بعض من
¬
(¬1) في عقود الجمان ص63.
يحسده، وليس كما زعم، وإنما قلت الرواية عنه وإن كان متسع الحفظ» لأمور:
1.اشتغاله عن الرواية باستنباط المسائل من الأدلة، كما كان أجلاء الصحابة كأبي بكر وعمر وغيرهما يشتغلون بالعمل عن الرواية، حتى قلّت روايتهم بالنسبة إلى كثرة اطلاعهم، وكثرت رواية من دونهم بالنسبة إليهم، وكذا الإمام مالك والإمام الشافعي لم يرويا إلا القليل بالنسبة إلى ما سمعاه، كل ذلك لاشتغالهما باستخراج المسائل من الأدلة.
2.أنه كان لا يرى الرواية إلا لما يحفظ، روى الطحاوي عن أبي يوسف، قال: قال أبو حنيفة: «لا ينبغي للرجل أن يحدث من الحديث إلا بما حفظه من يوم سمعه إلى يوم يحدّث به، وروى الخطيب عن إسرائيل بن يونس قال: «نعم الرجل نعمان، ما كان أحفظه لكل حديث فيه فقه، وأشد فحصه عنه، وأعلمه بما فيه من الفقه ... ».» (¬1).
وقال السَّرَخْسيُّ (¬2): «كان الإمام أبو حنيفة أعلم أهل عصره بالحديث، ولكن لمراعاة كمال الضبط قلت روايته».
3.كان يرى رواية الحديث بالمعنى كما عليه جماهير علماء المسلمين: كالبخاري وغيره، قال سبط ابن الجوزي (¬3): «وإنما كان يرى رواية
¬
(¬1) ينظر: عقود الجمان ص63.
(¬2) في أصول الفقه 1: 350.
(¬3) في الانتصار والترجيح ص11.
الحديث بالمعنى فظنوا أن ذلك إساءة في الحفظ»، وقال الكوثري (¬1): «وكان الغالبُ على الفقهاء في مجالس التفقيه الإرسال والرِّواية بالمعنى، وهم أُمناء على الاحتفاظ بالمعنى بخلاف النَّقلة من غيرهم».
وفي هذه الصفحات سنعرض لشذرات تشير لهذا إلى الرفعة والمكانة الحديثية لهذا الإمام الكبير؛ ليكون هذه البحث ممهداً لما بعده من مبحثٍ في رَدِّ الطُّعون الواردة في حق الإمام أبي حنيفة من قبل بعض المحدثين.
• • •
¬
(¬1) في هامش الانتصار ص11.
المطلب الأول
اهتمام الإمام أبي حنيفة بالحديث
إنّ اعتناء الإمام أبي حنيفة بطلب العلم، وتتبع أدلته من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومسائله الدَّقيقة المتداولة بين الفقهاء أَوصله إلى التردد إلى كثير من العلماء الأعلام؛ للاستفادة واللقيا، فبلغ عدد شيوخه الذين أخذ عنهم الحديث والفقه وغيرهما عدّة آلاف.
قال الذَّهبِيّ (¬1): «حدَّثَ عن: عطاء، ونافع، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وسلمة بن كُهَيل، وأبي جعفر محمد بن علي، وقتادة، وعمرو بن دينار، وأبي إسحاق، وخلق كثير» (¬2).
وقال اللكنوي (¬3): «وأما مشايخُه في العلم فكثيرون».
¬
(¬1) في تذكرة الحفاظ 1: 168. وينظر: العبر 1: 214، ومقدمة التعليق 1: 120، ومقدمة السعاية 1: 27.
(¬2) مقدمة التعليق 1: 120.
(¬3) في مقدمة العمدة 1: 34. النافع الكبير ص42.
وقال طاشكبرى (¬1): «عُدَّ مشايخُه فبلغ أربعة الآف شيخ، وفي «الانتصار»: هذا من أدنى فضائله ولا يخلتج في صدرك أن مشايخ البخاري ربما تبلغ عشرة آلاف فيلزم أن يكون أفضل منه؛ لأن مشايخ الحديث ليسوا كمشايخ الفقه، فإنّ الأولين لا بدّ أن يكونوا عالمين دون الآخرين؛ ولهذا قلّ الفقهاء وكثر رواة الحديث».
وأضاف القاري (¬2) بعد ذكر هذا: «والحاصل إن أكثر مشايخ الإمام كانوا جامعين بين الرواية والدراية، وأكثر مشايخ البُخاري برزوا بعلو إسنادٍ في الرواية».
ولا بدّ للمجتهد المستقل في استخراج الأحكام الشرعية من الحديث النبوي، والإطلاع التام عليه، وهذا حظ كل من اعترفت له الأمة بالاجتهاد المطلق، ودانت له بالتقليد، وعلى رأسهم إمام الأئمة أبي حنيفة، فإنه كان على معرفة تامة بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد طلبه وسعى في تحصيله، حتى صار رأساً يشار إليه فيه، وإن لم يهتم بالصنعة الحديثية من علو السند، وجمع الطرق، والجلوس للتحديث؛ لأن الفقه والتفقيه واستخراج المسائل استوعب كل وقته وجهده.
¬
(¬1) في مفتاح السعادة 2: 178.
(¬2) في سند الأنام ص9.
قال الذهبي (¬1): «أبو حنيفة، فقيه الملة، عالم العراق، عني بطلب الآثار، وارتحل في ذلك، وأما الفقه والتدقيق والرأي، إليه المنتهى، والناس عليه عيال في ذلك، طلب الحديث وأكثر منه في سنة مئة وبعدها». وهذا شهادة من الحافظ الذهبي له بالإكثار من الحديث مع التسليم له بدقة الفقه قال (¬2): «وعني بطلب الآثار وارتحل في ذلك، وأما الفقه والتدقيق في الرأي وغوامضه فإليه المنتهى والناس عليه عيال في ذلك».
وقال أيضاً (¬3): «وسمع الحديث من عطاء بن أبي رباح بمكة، وقال: ما رأيت أفضل من عطاء».
وكثرت الشَّهادات للإمام أبي حنيفة من أئمة الحديث في كثرة طلبة العلم والعناية به والجمع له، ومنها:
فعن الحارث بن عبد الرحمن قال: «كنا نكون عند عطاء بعضنا خلف بعض، فإذا جاء أبو حنيفة أوسع له، وأدناه» (¬4).
وعن مسعر بن كدام، قال: «طلبت مع أبي حنيفة الحديث فغلبنا،
¬
(¬1) في سير أعلام النبلاء 6: 396.
(¬2) في سير أعلام النبلاء 6: 392.
(¬3) في مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه ص11.
(¬4) ينظر: أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص83.
وأخذنا في الزهد فبرع علينا، وطلبنا الفقه فجاء منه ما ترون» (¬1).
وعن إسرائيل، قال: «نعم الرجل النعمان، ما كان أحفظه لكل حديث فيه فقه، وأشدّ فحصه عنه وأعلمه بما فيه من الفقه، وكان قد ضبط عن حماد فأحسن الضبط عنه، فأكرمه الخلفاء والأمراء والوزراء، وكان إذا ناظره رجل في شيء من الفقه همته نفسه، ولقد كان مسعر يقول: من جعل أبا حنيفة إماما فيما بينه وبين الله رجوت أن لا يخاف، ولا يكون فرط في الاحتياط لنفسه» (¬2).
وقد أفاض ذكر العديد من النقول التي يضيق المقام عن ذكره عبد الرشيد النعماني (¬3)، ثم عقب عليها فقال: «فهؤلاء الأئمة الأجلة الأعلام، جهابذة النقد: أبو داود، والترمذي، والحاكم، والبيهقي، وابن عبد البر، وابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، قد أذعنوا أن الإمام أبا حنيفة من أئمة الحديث المعروفين الذين يرجع إلى أقوالهم في الجرح والتعديل والتصحيح والتعليل كسائر الحفاظ النقاد من أئمة المحدثين».
وقال أيضاً (¬4): «وعلى كلِّ حال فإمامنا الأعظم أبو حنيفة النعمان من
¬
(¬1) ينظر: مكانة أبي حنيفة في الحديث ص20 عن مناقب المكي 2: 37.
(¬2) ينظر: أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص9، وغيره.
(¬3) في مكانة أبي حنيفة في الحديث ص31 - 32.
(¬4) في مكانة أبي حنيفة في الحديث ص80.
كبار أئمة الجرح والتعديل في عصره، ممن إذا قال قبل قوله، وإذا جرَّح أو عدَّل سمع منه، وكان متثبتاً لا يكاد يروي إلا عن ثقة، كشعبة ومالك، وهو أول من انتقى الرجال من الأئمة، وأعرض عمن ليس بثقة، ولم يكن يروي إلا ما صح، ولا يحدِّث إلا ما يحفظ، وتبعه مالك».
ولم يقف الأمر عند هذا الحديث، بل عدّ عامةُ من ألف في حفاظ الأمة في الحديث الإمام أبا حنيفة من كبار حفاظ الأمة، قال الصالحيّ (¬1): «إن الإمام أبا حنيفة من كبار حفاظ الحديث، وقد تقدم أنه أخذ عن أربعة آلاف شيخ من التابعين وغيرهم، وذكره الحافظ الناقد أبو عبد الله الذّهبيّ في كتابه «الممتع» و «طبقات الحفاظ من المحدثين» منهم، ولقد أصاب وأجاد».
بل عدَّ من أوائل من تكلم في علم الجرح والتعديل، فكان «أبو حنيفة بصيراً بعلل الأحاديث وبالتعديل والتجريح مقبول القول في ذلك، قال التِّرمذي (¬2) عن الحماني: قال: سمعت أبا حنيفة يقول: ما رأيت أكذب من جابر الجعفي، ولا أفضل من عطاء بن أبي رباح.
وورى البيهقي عن الصغاني يقول أبي حنيفة: ما تقول في الأخذ
¬
(¬1) في عقود الجمان ص63.
(¬2) في العلل الصغير للترمذي1: 739.
عن الثوري؟ قال: اكتب عنه فإنه ثقة ما خلا أحاديث أبي إسحاق عن الحارث وأحاديث جابر الجعفي.
وروى الخطيب عن سفيان بن عيينة قال: أوَّل مَن أقعدني للحديث أبو حنيفة قدمت الكوفة فقال أبو حنيفة: إن هذا أعلم الناس بحديث عمرو بن دينار، فاجتمعوا عليّ فحدثتهم، فناهيك بمن يستأمر في الثَّوري ويجلس ابن عيينة» (¬1).
ونخلص مما سبق إلى أن الإمام أبا حنيفة اهتم بطلب الحديث، وبلغ فيه الحدّ الأقصى، وعُدَّ من حفاظ هذه الأمة في الحديث، وكان من أوائل مَن تَكَلَّم في علم الجرح والتَّعديل.
• • •
¬
(¬1) ينظر: العقود الجمان ص167.
المطلب الثاني
توثيق جماهير الفقهاء
والمحدثين للإمام أبي حنيفة
ثناءُ العلماء على الإمام أبي حنيفة، وشهادتهم له باجتهاده في العبادة وتقواه وورعه، ومبلغه في الطاعة، وغيرها من المناقب وأوصافِ النباهة؛ فقد ذكر الخطيبُ (¬1)، والنوويّ (¬2)، وابن حجر (¬3)، والسيوطيّ (¬4)، والذهبيّ (¬5)، واليافعيّ (¬6)، والشَّعرانيّ (¬7)، والمِزْيّ (¬8)، وغيرهم من أجلّة المحدّثين
¬
(¬1) تاريخ بغداد 10: 152 - 165.
(¬2) في تهذيب الأسماء واللغات 2: 216 - 223.
(¬3) في الخيرات الحسان 37 - 42.
(¬4) في تبييض الصحيفة 305 - 334.
(¬5) في مناقب أبي حنيفة 9 - 34.
(¬6) في مرآة الجنان 1: 309 - 313.
(¬7) في الميزان الكبرى 1: 63 - 75.
(¬8) في تهذيب الكمال 29: 422 - 445.
والمؤرّخين من ذلك جملةً وافرة، ولو جمعت في مجموع لكان مجلداً كبيراً، ولنكتفِ ببعضه؛ لأنّ ما لا يدركُ كلُّه لا يتركُ بكماله:
1. علي بن المَدينيّ، قال: «أبو حنيفة روى عنه الثوريّ، وابنُ المبارك، وحمّاد بن زيد، ووكيع، وعباد بن العوام، وجعفر بن عون: وهو ثقة لا بأس به.
2. شبعة بن الحجاج، كان حسن الرأي فيه. وقيل له: مات أبو حنيفة. فقال شعبة: «لقد ذهب معه فقه الكوفة». وسئل ابن معين عن أبي حنيفة، فقال: «ثقة ما سمعت أحداً ضعَّفه، هذا شعبة بن الحجاج يكتب إليه أن يحدّث، ويأمرُه، وشعبة شعبة» (¬1). قال الكشميري (¬2): «فعلم أن الإمام الهمام لم يكن مجروحاً إلى زمن ابن معين، ثم وقعت وقعة الإمام أحمد في مسألة خلق القرآن، وشاع ما شاع، وصارت جماعة المحدثين فيه فرقاً، وإلا فقبل تلك الوقعة توجد في السلف جماعة تفتي بمذهبه».
3.يحيى بن سعيد القطان، وقال: «لا نكذب الله، ربما ذهبنا إلى الشيء من قول أبي حنيفة فقلنا به» (¬3).
¬
(¬1) ينظر: الانتقاء ص197، وغيره.
(¬2) في فيض الباري شرح صحيح البخاري 1: 169.
(¬3) ينظر: الانتقاء ص204، وغيره.
4.يحيى بن معين، قال: لا بأس به، لم يكن متّهماً، ولقد ضربه يزيد بن هبيرة على القضاء، فأبى أن يكون قاضياً. وقال: الفقه فقه أبي حنيفة على هذا أدركتُ الناس. وقال: القراءة عندي قراءة حمزة، والفقه فقه أبي حنيفة. قال اللكنوي: «وهذا اللفظ من ابن معين رئيس النقّاد قائمٌ مقامَ: ثقة، صرّح به الحافظ ابن حجر وغيره» (¬1).
5. الأعمش، كما سبق أنه طلب أن يكتب له أبو حنيفة المناسك للحج.
6.وكيع، قال: «كان أبو حنيفةَ عظيم الأمانة، وكان يؤثر رضاءَ الله على كلّ شيء، ولو أخذته السيوف في الله لاحتملها». وقال يحيى بن معين: «ما رأيت مثل وكيع، وكان يفتح برأي أبي حنيفة» (¬2).
7. ابن عبد البر، قال (¬3): «الذين رَوَوْا عن أبي حنيفة، ووثَّقوه، وأثنوا عليه أكثر من الذين تكلَّموا فيه، والذين تكلَّموا فيه من أهل الحديث أكثرَ ما عابوا عليه الإغراق في الرأي والقياس ـ أي وقد مرّ (¬4) أن ذلك ليس بعيب ـ والإرجاء.
¬
(¬1) ينظر: مقدمة العمدة 1: 34. مقدمة التعليق 1: 121.
(¬2) ينظر: الانتقاء ص211، وغيره.
(¬3) في جامع بيان العلم وفضله 2: 149.
(¬4) أي عند ابن عبد البر في جامع بيان العلم 2: 148.
وكان يقال: يستدل على نباهة الرجل في الماضيين بتباين الناس فيه، قالوا: ألا ترى
إلى علي بن أبي طالب أنه هلك فيه فئتان: محب أفرط، ومبغض أفرط».
وقال أيضاً: «لا نتكلّم في أبي حنيفة بسوء ولا نصدق أحداً يسيءُ القول فيه، فإنّي والله ما رأيت أفضل ولا أورع ولا أفقه منه» (¬1).
8. الذهبي، قال (¬2): «كان إماماً، ورِعاً، عالماً، عاملاً، متعبّداً، كبير الشأن، لا يقبلُ جوائز السلطان، بل يتّجر ويتكسب». وقال (¬3): «وكان من أذكياء بني آدم، وجمع بين الفقه والعبادة والورع والسخاءَ، وكان لا يقبل جوائز الدولة بل ينفقُ ويؤثرُ من كسبه، له دارٌ كبيرةٌ لعمل الخزّ، وعنده صنّاع وأُجراء». وقال (¬4): «قد تواتر قيامه الليل وتهجده وتعبده رحمه الله تعالى».
9. الغَزالي، قال: «أمّا أبو حنيفة فلقد كان أيضاً عابداً زاهداً عارفاً بالله تعالى خائفاً منه مريد وجه الله تعالى بعلمه، والعجب من مقلِّدي
¬
(¬1) مقدمة الهداية 2: 6.
(¬2) في تذكرة الحفاظ 1: 168.
(¬3) في العبر 1: 214.
(¬4) في مناقب أبي حنيفة وصاحبيه 12.
الشافعي كيف يطعنون إماماً كان يتأدّب معه الشافعي، هل هذا إلا طعن في إمام مذهبه» (¬1).
10. الشَّعْرانيّ (¬2)، قال: «لو أنصفَ المقلِّدون للإمام مالك والشافعي لم يضعِّف أحدٌ منهم قولاً من أقوال أبي حنيفة بعدما سمعوا مدح أئمتهم له، ولو لم يكن من التنويه برفعة مقامه إلاَّ كون الشافعيّ ترك القنوت في الصبح لَمَّا صلَّى عند قبر الإمام أبي حنيفة لكان فيه كفاية في لزوم أدب مقلِّديه معه».
11. أبو نُعَيْم الفضل بن دكين، قال: «إنه صلى الصبح بوضوء العشاء أكثر من خمسين سنة، ولم يكن يضع جنبه إلى الأرض في الليل أبداً، وإنّما كان ينامُ لحظةً بعد صلاة الظهر وهو جالس، ويقول قال - صلى الله عليه وسلم -: «استعينوا على قيام الليل بالقيلولة» (¬3). وقال: «كان أبو حنيفة صاحب غوصٍ في المسائل».
12. الباقر محمد بن علي، قال: «ما أحسن هديه وسمته، وما أكثر فقهه» (¬4).
¬
(¬1) ينظر: مقدمة الهداية 2: 5 - 6.
(¬2) في الميزان الكبرى 1: 63.
(¬3) في المعجم الكبير 1: 245، ومصنف عبد الرزاق 4: 229 بألفاظ قريبة منه.
(¬4) ينظر: الانتقاء ص193، وغيره.
13. خالد الواسطي، قال يزيد بن هارون قال لي: «انظر في كلام أبي حنيفة لتتفقّه، فإنه قد احتيج إليك أو قال إليه».
14. إبراهيم بن عكرمة المخزومي، قال: «ما رأيت في عصري كلِّه عالماً أورع ولا أزهد ولا أعبد ولا أعلم من الإمام أبي حنيفة» (¬1).
15.عبد الله بن المبارك، قال: «لولا أن الله أعانني بأبي حنيفة وسفيان الثوري لكنت كسائر الناس»، و «ما رأيت في الفقه مثل أبي حنيفة»، و «كان أبو حنيفة قديماً أدرك الشعبي والنخعي وغيرهما من الأكابر، وكان بصيراً بالرأي، يسلَّم له فيه، ولكنه كان يتيماً في الحديث» (¬2): أي أراد قلة عناية أبي حنيفة بإكثار الطرق في رواية الحديث، كما شأن المتفرغين للرواية، بخلاف المجتهدين المنصرفين إلى استنباط الأحكام، وكان إبراهيم بن سعيد الجوهري يقول: «كل حديث لم يكن عندي من مئة وجه، فأنا فيه يتيم»، فما عند أبي حنيفة من أحاديث الأحكام المروية في المسانيد من غير تكرير للمتن ولا سرد للطرق: مقدار عظيم، لا يستقله من يعلم ما عند مالك والشافعي من أحاديث الأحكام (¬3).
¬
(¬1) ينظر: تهذيب الأسماء 2: 220. والميزان الكبرى 1: 72، وغيرها.
(¬2) ينظر: الانتقاء ص204 - 207، وغيره.
(¬3) ينظر: تأنيب الخطيب ص151 - 154، وهامش الانتقاء ص204 - 205، وغيرها.
16. الفضل بن موسى السِّيْناني، قيل له: ما تقول في هؤلاء الذين يقعون في أبي حنيفة؟ قال: «إن أبا حنيفة جاءهم بما يعقلونه، وبما لا يعقلونه من العلم، ولم يترك لهم شيئاً، فحسدوه» (¬1).
17. عيسى بن يونس، قال: «لا تتكلَّمنَّ في أبي حنيفة بسوء، ولا نصدِّقن أحداً يسيء القول فيه، فإني والله ما رأيت أفضل منه، ولا أورع منه، ولا أفقه منه» (¬2).
18. مالك، «سئل: هل رأيت أبا حنيفة؟ فقال: نعم، رأيت رجلاً لو كلَّمك في هذه الساريةِ أن يجعلَها ذهباً لقام بحجتِه».
19. الشَّافِعِيّ، قال: «مَن أرادَ أن يتبحَّرَ في الفقه فهو عيالٌ على أبي حنيفة، ومَن أرادَ أن يتبحَّرَ في المغازي فهو عيالٌ على محمّد بن اسحاق، ومَن أرادَ أن يتبحَّرَ في النحو، فهو عيالٌ على الكسائي»، وقال: «مَن أرادَ أن يعرفَ الفقه فليلزم أبا حنيفة وأصحابه»، وقال: «كان أبو حنيفة وقوله في الفقه مسلَّماً له فيه».
20. يزيد بن هارون، سئل أيُّهما أفقه أبو حنيفة وسفيان قال: «سفيان أحفظ للحديث وأبو حنيفة أفقه»، وقال: «أدركتُ الناسَ فما رأيتُ أحداً أعقلَ ولا أورعَ من أبي حنيفة».
¬
(¬1) ينظر: الانتقاء ص211، وغيره.
(¬2) ينظر: الانتقاء ص212، وغيره.
21. أبو داود السجستاني، قال: «إن أبا حنيفة كان إماماً».
22. القاسم بن مَعْن، قال حجر بن عبد الجبار له: «أنت ابن عبد الله بن مسعود، ترضى أن تكون من غلمان أبي حنيفة؟ فقال: ما جلس الناس إلى أحد أنفع مجالسة من أبي حنيفة، وقال له القاسم: تعال معي إليه، فجاء فلما جلس إليه لزمه وقال: ما رأيت مثل هذا» (¬1).
23. حُجْر بن عبد الجبار، قال: «ما رأى الناس أحداً أكرم مجالسة من أبي حنيفة ولا أشد إكراماً لأصحابه منه» (¬2).
24. زهير بن معاوية، قال لرجل: «إن ذهابك إلى أبي حنيفة يوماً واحداً، أنفع لك من مجيئك إليّ شهراً» (¬3).
25. سفيان الثّوريّ، قال ابن المبارك قلت للثوريّ: «يا أبا عبد الله ما أبعد أبا حنيفة، ما سمعتُه يغتابُ عدوّاً له». قال: «هو والله أعقلُ من أن يسلّطَ أحداً على حسناته يذهب بها». وعن محمد بن بشر: «كنت أختلفُ إلى أبي حنيفة وسفيان فآتي أبا حنيفة فيقول لي: من أين جئت؟ فأقول: من عند سفيان، فيقول: لقد جئت من عند رجل لو أن علقمة والأسود حضرا لاحتاجا مثله، وآتي سفيان فيقول: من أين جئت؟
¬
(¬1) ينظر: المصدر السابق ص208، وغيرها.
(¬2) ينظر: المصدر نفسه ص208، وغيره.
(¬3) ينظر: نفس المصدر ص208، وغيرها.
فأقول: من عند أبي حنيفة، فيقول: لقد جئت من عند أفقه أهل الأرض». وقال رجل لسفيان: قال أبو حنيفة في هذه المسألة كذا وكذا، قال: «انتَهى إلى ما سَمِع» (¬1).
26. ابن داود (¬2)، قال: «إذا أردت الآثار فسفيان، وإذا أردت تلك الدقائق فأبو حنيفة».
27. الحسن بن صالح، قال: «كان النعمان بن ثابت فَهِماً عالماً متثبِّتاًَ في علمه، إذا صحَّ عنده الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يَعْدُه إلى غيره» (¬3).
28. أبو يوسف، قال: «كنت أمشي مع أبي حنيفة، فقال رجل لآخر: هذا أبو حنيفة - رضي الله عنه - لا ينام الليل، فقال: والله لا يتحدَّث الناسُ عنِّي بما لم أفعل، فكان يُحيي الليل صلاةً ودعاءً وتضرُّعاً» (¬4).
29. ابن جريج، فعن روح بن عبادة، قال: «كنت عند ابن جُريج سنة (خمسين ومئة)، وأتاه موتُ أبي حنيفة فاسترجعَ، وقال: أي علم ذهب» (¬5).
¬
(¬1) ينظر: الانتقاء ص198، وغيره.
(¬2) وهو عبد الله بن داود الواسطي التَّمَّار، أو محمد، قال ابن حجر: ضعيف. ينظر: التقريب 244، والميزان 4: 91.
(¬3) ينظر: الانتقاء ص199، وغيره.
(¬4) تذكرة الحفاظ 1: 168. مرآة الجنان 1: 310. العبر 1: 214.
(¬5) ينظر: الانتقاء ص209، وغيره.
30. زائدة، قال: «صليتُ مع أبي حنيفة في مسجده العشاء، وخرج الناس، ولم يعلم أنّ في المسجد أحداً، فأردت أنّ أسألَه مسألةً، فقامَ فافتتحَ الصلاة فقرأ حتى بلغ هذه الآية: {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُوم} [الطور:27]، فلم يزل يردِّدُها حتى أذّن المؤذِّن للصبح، وأنا أنتظرُه».
31. عبد الرزاق الصنعاني، قال: «ما رأيت أحد قط أحلم من أبي حنيفة ... » (¬1).
32. عبدُ العزيز بن أبي رَوَّاد، قال: «الناسُ في أبي حنيفة رجلان: جاهلٌ به، وحاسد».
33. علي بن عاصم، قال: «لو وزنَ عقلُ أبي حنيفةَ بعقلِ أهلِ الأرضِ لرجحَ بهم».
34. سعيد بن أبي عروبة، قال: «كان أبو حنيفة عالم العراق» (¬2).
35. عبد الله بن داود الخُرَيْبِيّ، قال: «يجب على أهل الإسلام أن يدعوا لأبي حنيفة في صلاتهم، وذكر حفظه عليهم السنن والآثار».
¬
(¬1) ينظر: الانتقاء ص209، وغيره.
(¬2) ينظر: الانتقاء ص201، وغيره.
36. مسعر بن كِدام (¬1)، قال: «أتيتُ أبا حنيفة فرأيتُه يصلِّي الغداة، ثمّ يجلسُ للناس للعلم إلى أن يصلِّي الظهر، ثمّ يجلسُ إلى العصر، فإذا صلَّى جلسَ إلى المغرب، فإذا صلَّى المغرب جلس إلى العشاء، فقلت في نفسي: هذا الرجل في هذا الشغل متى يتفرّغ للعبادة لأتعاهدنَّه هذه الليلة، فتعاهدته فلَمَّا خرجَ الناس انتصبَ للصلاة إلى أن طلع الفجر، ودخل مَنْزله، ولبس ثيابه، وخرجَ إلى المسجد لصلاة الفجر».
37. أيوب السختياني؛ قال لحماد بن زيد: «بلغني أن فقيه أهل الكوفة أبا حنيفة يريد الحج، فإذا لقيته فأقرئه مني السلام» (¬2).
38. خارجة بن بديل، «دعا أبو جعفر المنصور أبا حنيفةَ إلى القضاء فأبى عليه فحبسه، ثمّ دعاه فقال: أترغبُ عمّا نحن فيه، فقال: أصلحُ الله أميرَ المؤمنين، إنّي لا أصلح للقضاء، فقال له: كذبت، ثمّ عرض عليه الثانية، فقال أبو حنيفة: قد حكمَ عليَّ أميرُ المؤمنين أنّي لا أصلح للقضاء؛ لأنّه نسبني إلى الكذب، فإن كنت كاذباً فلا أصلح، وإن كنت صادقاً فقد أخبرت أنّي لا أصلح للقضاء».
39. ابن شُبْرُمة، قال: «عَجَزَت النساء أن تَلِدَ مِثلَ النعمان» (¬3).
¬
(¬1) ينظر: المصدر السابق ص195، وغيره.
(¬2) ينظر: الانتقاء ص195، وغيره.
(¬3) ينظر: المصدر السابق ص202، وغيره.
وقد أطلت في ذكر هذه الشَّهادات لأكابر أئمة ومحدثي الأمة في شأن الإمام أبي حنيفة في الحديث ومكانته العلمية وتقواه وعدالته وتزكيته وتوثيقه، حتى تكون مانعة من قبول أي كلام يخالف ذلك في الطعن أو اللمز في هذا الإمام.
قال أبو غدة في التعقيب على ما نقله ابن عبد البر من ذكر سبعين ممن وثَّقوا الإمام أبا حنيفة (¬1): «ويكفي ثناء خمسة منهم أو عشرة لإثبات فضل أبي حنيفة وعلمه، ودينه وورعه وتزكيته، وإمامته في الدين، وهو بشر يخطئ ويصيب وليس بالمعصوم من الخطأ في الاجتهاد كسائر المجتهدين، وحسبك منهم: ثناء أبي جعفر الباقر، وحماد بن أبي سليمان ومسعر بن كدام، وأيوب السختياني، والأعمش، وشعبة، وسفيان الثوري، والحسن بن صالح، وسعيد بن أبي عروبة وحماد بن زيد، فهؤلاء العشرة الجبال في الثقة والدين والعلم، لو شهدوا على أمر لقبلت شهادتهم وردّت شهادة مخالفهم دون تردد والثناء شهادة.
وإن شئت أن تزيد إلى شهادتهم شهادة آخرين هم جبال أيضاً في الثقة والدين والعلم، فخذ شهادة ابن شبرمة، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الله بن المبارك، وزهير بن معاوية، وابن جريح، وعبد الرزاق،
¬
(¬1) في هامش الانتقاء ص230 - 231.
والشافعي، ووكيع بن الجراح، وخالد الواسطي، وسفيان بن عيينة، فهؤلاء عشرة على العشرة الأولى فغدوا عشرين إماماً مزكياً ...
هؤلاء كلهم قد أطبقوا على الثناء على أبي حنيفة في دينه وصلاحه وتعبده، وورعه وعلمه وفقهه، وتثبّته وثقته وإمامته، وعقله ونباهته وهديه وسمته وكرمه، وامتناعه عن تولي القضاء ورعاً وخوفاً على دينه وآخرته، وأنه اختار الحبس وما ناله من العذاب على تولي القضاء، وتلك شهادتهم فيه، وهم براء من التّعصب له، والتعصب على شانِئِيه».
• • •
المطلب الثالث
اعتماد كبار الحفاظ في عصر
أبي حنيفة على اجتهاده الفقهي
إن للفقه درجة رفيعة في العلم الشرعي لا يصل إلى منتهاها إلا أفراد قلائل فتح الله عليهم بالعلم، بعد أن اجتهدوا كثيراً في تحصيله، وجمع أدواته، والنظر في أدلته واستيعابها والجمع بينهما.
فالمجتهد المطلق لا يتكلم إلا بحجة ودليل، وإن لم نقف لدليل على قوله، فإن قوله يعدّ دليلاً؛ لأنه لا يكون إلا عن فهم صحيح أو دليل صريح، قال ابن المبارك: «قول أبي حنيفة عندنا كالأثر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا لم نجد أثراً» (¬1)، وقال: «لا تقولوا رأي أبي حنيفة، ولكن قولوا: إنه تفسير الحديث» (¬2).
¬
(¬1) ينظر: عقود الجمان ص189.
(¬2) أثر الحديث ص133\المنهاج عن ذيل الطبقات المضية للقاري2: 460.
وقال حميد البصري: كنت عند أحمد بن حنبل نتذاكر في مسألة فقال رجل لأحمد: يا أبا عبد الله لا يصح فيه حديث، فقال: إن لم يصح فيه حديث ففيه قول الشافعي، وحجته أثبت شيء فيه، ثم قال: قلت للشافعي: ما تقول في مسألة كذا وكذا؟ قال: فأجاب فيها فقلت: من أين قلت: هل فيه حديث أو كتاب، قال: بلى فنزع في ذلك حديثاً للنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو حديث نص (¬1).
ولما كان قول المجتهد إخبار عن حكم الشارع الحكيم فلا بد أن يكون مستنداً إلى دليل، قال المطيعيّ (¬2): «كل حكم من تلك الأحكام كان مأخوذاً من الأدلة الأربعة صريحاً أو اجتهاداً على وجه صحيح، فهو حكم الله وشرعُه وهديُ محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي أمرنا الله باتباعه؛ لأنّ رأيَ كلِ مجتهد شرع الله في حقّه، وحق كلّ مَن قلَّده»، وقال الشَّاطبيُّ (¬3): «المفتي قائمٌ في الأمّة مقام النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -».
وبلغ أبو حنيفة من المكانة في الاجتهاد والثقة عند حفاظ ومحدثي عصره أنهم كانوا يعتمدوا على رأيه واجتهاده فيما يلزمهم من أحكام الشرع» (¬4).
¬
(¬1) ينظر: التمذهب ص265 عن تاريخ دمشق51: 351، وتاريخ بغداد2: 66.
(¬2) في أحسن الكلام ص6، كما في أثر الحديث ص131ـ132\المنهاج.
(¬3) في الموافقات5: 253.
(¬4) ينظر: عقود الجمان ص196.
وقال أبو يوسف: «سفيان الثوري أكثر متابعة لأبي حنيفة مني» (¬1).
وقال يحيى بن سعيد القطان: «لا نكذب الله تعالى ما سمعنا أحسن من رأي أبي حنيفة، ولقد أخذنا بأكثر أقواله، وقال يحيى بن معين: وكان يحيى بن سعيد يذهب في الفتوى قول الكوفيين، ويختار قول أبي حنيفة من أقوالهم ويتبع رأيه من بين أصحابه» (¬2).
وقال علي بن مسهر: «خرج الأعمش إلى الحجّ، فشيعه أهل الكوفة وأنا فيهم، فلما أتى القادسية رأوه مغموماً فسألوه عن ذلك، فقال أعلي بن مسهر شيعنا؟ قالوا: نعم، قال: ادعوه لي فدعوني، وكان يعرفني بمجالسة الإمام أبي حنيفة، فقال لي: ارجع إلى المصر ـ يعني الكوفة ـ وسل أبا حنيفة أن يكتب لي المناسك، فرجعت وسألته فأملى عليّ ثم أتيت بها الأعمش» (¬3).
وهذا لأنه لا يستقيم الحديث إلا باستعمال الرأي فيه، بأن يدرك معانيه الشرعية التي هي من مناط الأحكام، ولا يستقيم العمل بالرأي إلا بانضمام الحديث إليه، قال إبراهيم النخعي: «لا يستقيم رأي إلا
¬
(¬1) ينظر: عقود الجمان ص191.
(¬2) عقود الجمان ص195.
(¬3) ينظر: الانتقاء ص195،وعقود الجمان ص181.
برواية، ولا رواية إلا برأي» (¬1)، وهي الطريقة المثلى في الأخذ بالحديث والرأي.
وقوة استناد الإمام فيما ذهب إليه من أقوال من أبرز الأسباب لتمسك تلامذته من بعده بمذهبه وإشاعته في البلاد والحكم به، فرغم أنّهم سافروا في طلب الحديث من الأئمة الآخرين واشتهروا به ولم يقتصروا على علم الإمام أبي حنيفة، إلا أنهم لم يتركوا مذهبه، ودافعوا عنها وأشاعوها.
فأبو يوسف أبرز تلاميذ الإمام أبي حنيفة يقول عنه يحيى بن معين: «ما رأيت في أصحاب الرأي أثبت في الحديث ولا أحفظ ولا أصحّ رواية من أبي يوسف» (¬2).
وأبو يوسف رغم هذا المقام الرفيع الذي بلغه في الحديث وفي العلم والقضاء إلا أنه بقي مدافعاً عن علم أبي حنيفة، وهذا لثقته بثبوته واعتماده على سنّة النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فهو ناشر المذهب في المعمورة؛ لأنه كان أول من تولى منصب قاضي القضاة في الإسلام، فعيّن القضاة من تلاميذه وتلاميذ أبي حنيفة في أرجاء الدولة الإسلامية العبَّاسيّة في زمن هارون الرَّشيد، فكان سبباً لانتشار المذهب وشيوعه وتطبيقه والعمل به، وهو
¬
(¬1) في حلية الأولياء 4: 225، وغيره.
(¬2) أثر الحديث الشريف ص119 عن مناقب الذهبي ص40.
القائل: «ما رأيت أعلم بتفسير الحديث من أبي حنيفة، وكان أبصرَ بالحديث الصَّحيح منّي» (¬1)، وهو تصريحٌ منه بالمكانةِ التي وصلها أبو حنيفة في الحديث.
وألفّ أبو يوسف كتاباً يرد فيه على الأوزاعي في مسائل اعترض فيها على أبي حنيفة، وبين فيه للأوزاعي أنّ اعتراضك في غير محلّة؛ لاعتماد أبي حنيفة على سنّة مأثورة في ذلك، حيث خفي على الأوزاعي مأخذ أبي حنيفة، والكتاب مطبوع.
وأمّا محمد بن الحسن الشيباني فذهب إلى المدينة وسمع «الموطأ» على مالك ولم يترك مذهب أبي حنيفة؛ لأنه مذهب مبني على السنة ومستوعباً لها، ولو كان غير ذلك لتركه واتبع مذهب مالك، بل نجده يروي «موطأ مالك» مع بيان قول الحنفية فيه بأخذهم بما روى مالك، وعدم أخذهم لبعضه، وبيان حجتهم فيما لم يأخذوا مما روى مالك حيث زاد فيه ما يقارب (175) حديثاً، وألف كتاباً سمّاه «الحجة على أهل المدينة» ملأه بمئات الآثار التي يحتج فيها للحنفية على أهل الكوفة، وكلّ هذا لثقته الكاملة بمذهبه واحاطته بسنته - صلى الله عليه وسلم -.
• • •
¬
(¬1) أثر الحديث الشريف ص119 عن الخيرات الحسان ص25و61.
المبحث الثاني
رد انتقادات بعض أهل الحديث
على الإمام أبي حنيفة
ورد عن بعض المحدثين طعون في الإمام أبي حنيفة، فسيكون هذا البحث في تضعيفها وردها؛ لمعارضتها لما هو أقوى منها مما سبق ذكر، ويحسن بنا قبل الشّروع في ذكرها تفصيلاً ووجه الردّ عليها أن نذكر وجوهاً عامة في ردّ أمثال مثل هذه الطعون، كما في المطلب الثاني، ونبين في المطلب الأول أبرز قواعد علم الجرح والتعديل التي تتعلق بموضوع بحثنا.
• • •
المطلب الأول
قواعد في علم الجرح والتعديل
الأولى: التدافع بين العلماء من سنن الله - جل جلاله - في حفظ دينه:
قال {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِين} [البقرة:251].
وقال - عز وجل -: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} [الحج:40].
فهاتان الآيتان تقرران حقيقة يغفل عنها الكثير: من أن استمرار الحياة البشرية وتطورها وازدهارها منوط بالتدافع بين الأفراد والجماعات والدول.
وإن حفظ هذا الشرع العظيم الذي تعهّد به ربّ العزّة في قوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون} [الحجر:9] مبنيٌّ على وسائل وطرق منها التنافس والتدافع بين العلماء، الذي يكون سبباً لارتفاع
الهمم في الاحتجاج والتأصيل والتفريع ونشر العلم، وبيان الصحيح من السقيم.
فالتدافع يجعل كلاً يعتز بما عنده، ويسعى لإثباته أمام خصمه بشتى الطرق الممكنة، فالمحدث يسعى لجمع الحديث والتدقيق في الأسانيد والتمحيص في الرجال في مقابل غيره من المحدثين والفقهاء؛ لئلا يتهمه أحدهم بالتخاذل والتقصير وغيرها.
والفقيه يهتم بالتفريع والتأصيل والاستدلال لما ذهب إليه بالحجج والبراهين في وجه خصومه من الفقهاء والمحدثين، فالحنفي يحتج في مقابل الشافعي أو المحدث لمسائله، والشافعي في مقابل المالكي أو الحنبلي، وهكذا، فيزدهر العلم وينتشر، ويحرص كلّ على التدقيق والتصحيح؛ لئلا يظهر عوار ما هو عليه، ويضعف ما ذهب إليه.
فعلى طالب العلم أن لا يغفل في النظر إلى ما وقع بين الأئمة من كلام عن هذه القاعدة، فيحمل كلامهم على حسن الظنّ بهم جميعاً، وأن ذلك طريق حفظ العلم ووصوله إلينا لا غير، فعن ابن عبّاس - رضي الله عنه -: «خذوا العلم حيث وجدتم ولا تقبلوا قول الفقهاء بعضهم على بعض، فإنهم يتغايرون تغاير التيوس في الزريبة» (¬1).
¬
(¬1) ينظر: جامع بيان العلم وفضله 2: 151.
وعن مالك بن دينار: «يؤخذ بقول العلماء والقراء في كل شيء إلا قول بعضهم في بعض، فإنهم أشد تحاسداً من التيوس تصب لهم الشاة الضارب، فينبّ هذا من هاهنا وهذا من هاهنا» (¬1).
وقال التاجُ السُّبكيُّ: «ينبغي لك أيُّها المسترشد أن تسلُكَ سبيل الأدب مع الأئمة الماضين، وأن لا تنظر إلى كلام بعضهم في بعض، إلاَّ إذا أُتي ببرهان واضح، ثمّ إن قدرت على التأويل وحسن الظن، فدونك، وإلاَّ فاضربْ صفحاً عما جرى بينهم، وإيّاك، ثمّ إيّاك أن تصغي إلى ما اتفق بين أبي حنيفة وسفيان الثوري، أو بين مالك وابن أبي ذئب، أو بين النسائي وأحمد بن صالح، أو بين أحمد والحارث بن أسد المحاسبي، وهلمّ جرّاً، إلى زمان العز بن عبد السلام والتقيّ بن الصلاح، فإنّك إذا اشتغلت بذلك وقعت على الهلاك، فالقوم أئمة أعلام، ولأقوالهم محامل، وربَّما لم نفهم بعضها فليس لنا إلاَّ الترضي والسكوت عمَّا جرى بينهم، كما نفعل فيما جرى بين الصحابة» (¬2).
وقال السخاوي (¬3): «وأما ما أسند الحافظ أبو الشيخ بن حيَّان في كتاب «السنة» له، من الكلام في حقّ بعض الأئمة المقلّدين ـ ويعني بهذا
¬
(¬1) في جامع بيان العلم وفضله 2: 151.
(¬2) ينظر: مقدمة التعليق 1: 123، ومقدمة الهداية 2: 5.
(¬3) في الإعلام بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ ص65.
أبا حنيفة ـ، وكذا الحافظ أبو أحمد بن عدي في «كامله»، والحافظ أبو بكر الخطيب في «تاريخ بغداد»، وآخرون ممن قبلهم: كابن أبي شيبة في «مصنفه»، والبخاري، والنسائي، مما كنت أنزههم عن إيراده، مع كونهم مجتهدين ومقاصدهم جميلة، فينبغي تجنّب اقتفائهم فيه. ولذا عزَّر بعض القضاة الأعلام من شيوخنا من نسب إليه التحدث ببعضه، بل منعنا شيخنا الحافظ ابن حجر حين سمعنا عليه كتاب «ذم الكلام» للهروي من الرواية عنه لما فيه من ذلك».
الثانية: مَن ثبتت إمامته وعدالته رد جرحه بتعصب أو غيره:
معناه أن من صار إماماً متبعاً في هذا الأمة، وانتشر علمه بين العباد، ورغب النَّاس فيه، وصار قدوة معتبرة عند أهل السنة، فهو يكون ممن جاوز القنطرة؛ لقبول الله تعالى لعلمه ورضاه عنه وتوثيقه له، فلم يعد أمثاله ممن يحتاجون للتوثيق من البشر مما بلغت مرتبتهم، ولم يعد يلتف لقول قائل فيهم، بل يكون قوله مردوداً عليه وسبباً للطعن فيه.
قال التاج السُّبكيّ (¬1): «الحذرُ كلُّ الحذرِ أن تفهم أن قاعدتَهم أن الجرح مقدَّم على التعديل على إطلاقها، بل الصواب أن مَن ثبتت إمامته وعدالتُه، وكثرُ مادحوه وندر جارحه، وكانت هناك قرينةٌ دالّةٌ على سبب جرحه من تعصبٍ مذهبيٍّ أو غيرِهِ لم يُلتفت إلى جرحه».
¬
(¬1) في طبقات الشافعية الكبرى 1: 188.
ثم قال أي التاج السُّبكيّ (¬1) بعد كلام طويل: قد عرفناك أن الجارح لا يُقبل فيه الجرح وإن فسَّرَه في حقِّ مَن غلبت طاعاته على معصيته، ومادحوه على ذامِّيه، ومزكُّوه على جارحيه، إذا كانت هناك قرينة تشهد بأن مثلَها حاملٌ على الوقيعة فيه من تعصبٍ مذهبيٍّ أو مناقشةٍ دنيويةٍ، وحينئذٍ فلا يلتفت لكلام الثوري في أبي حنيفة، وابن أبي ذئب وغيره في مالك، وابن معين في الشافِعِيّ، والنَّسَائيّ في أحمد بن صالح، ونحوه، قال: ولو أطلقنا تقديم الجرح لما سَلِمَ لنا أحدٌ من الأئمة إذ ما من إمام إلاَّ وقد طعن فيه طاعنون، وهلك فيه هالكون» (¬2).
وأبان هذه القاعدة ووضحها ابن عبد البر، فقال (¬3): «هذا باب قد غلط فيه كثير من الناس، وضلت به نابتة جاهلة لا تدري ما عليها في ذلك، والصحيح في هذا الباب أن من صحت عدالته وثبتت في العلم أمانته وبانت ثقته وعنايته بالعلم لم يلتفت فيه إلى قول أحد إلا أن يأتي في جرحته ببينة عادلة تصح بها جرحته على طريق الشهادات، والعمل فيها من المشاهدة والمعاينة لذلك بما يوجب قوله من جهة الفقه والنظر.
¬
(¬1) في طبقات الشافعية 1: 190.
(¬2) ينظر: مقدمة التعليق 1: 122.
(¬3) في جامع بيان العلم 2: 152.
وأما من لم تثبت إمامته ولا عرفت عدالته ولا صحت لعدم الحفظ والاتقان روايته، فإنه ينظر فيه إلى ما اتفق أهل العلم عليه، ويجتهد في قبول ما جاء به على حسب ما يؤدي النظر إليه والدليل.
على أنه لا يقبل فيمن اتخذه جمهور من جماهير المسلمين إماماً في الدين قول أحد من الطاعنين؛ لأن السلف رضوان الله عليهم قد سبق من بعضهم في بعض كلام كثير في حال الغضب، ومنه ما حمل عليه الحسد كما قال ابن عبّاس - رضي الله عنه - ومالك بن دينار أبو حازم، ومنه على جهة التأويل مما لا يلزم القول فيه ما قاله القائل فيه، وقد حمل بعضهم على بعض بالسيف تأويلاً واجتهاداً لا يلزم تقليدهم في شيء منه دون برهان ولا حجة».
الثالثة: الجرح لتعصب أو عداوة أو منافرة أو غيرها مردود:
اشتهر أنه لا يقبل الجرح ما لم يكن مُفسَّراً، ولا يقبل أي تفسير له، بل لا بدّ أن يكون أمثال هذا التفسير مقبولة في الرد والطعن، فإن تبين أن الجرح صادر عن تعصيب أو عداوة أو منافر، فلا شكّ في ردّ وتركه وعدم اعتباره.
قال اللكنوي (¬1): «بيان حكم الجرح غير البريء: فالجرح إذا صدر من تعصب أو عداوة أو منافرة أو نحو ذلك، فهو جرح مردود، ولا يؤمن به إلا المطرود؛ ولهذا لم يقبل قول الإمام مالك في محمد بن إسحاق صاحب «المغازي»: إنّه دجال من الدجاجلة، لما علم أنه صدر منه منافرة باهرة، بل حققوا أنه حسن الحديث، واحتجت به أئمة الحديث ... وقدح أحمد في الحارث المُحاسبيّ، وقدح ابن منده في أبي نُعَيْم الأَصْفَهانيّ، ونظائره كثيرةٌ في كتب الفن شهيرة، ومن ثم قالوا: لا يقبل جرح المعاصر على المعاصر: أي إذا كان بلا حجة؛ لأن المعاصرة تفضي غالباً إلى المنافرة».
وقال عبد العلي السِّهالوي (¬2): «لا بُدَّ للمزكِّي أن يكون عدلاً عارفاً بأسباب الجرح والتعديل، وأن يكون منصفاً ناصحاً، لا أن يكون متعصِّباً ومعجباً بنفسه؛ فإنّه لا اعتداد بقول المتعصِّب، كما قدح الدَّارَقُطْنِيّ في الإمام الهُمام أبي حنيفة بأنه ضعيفٌ في الحديث. وأي شناعة فوق هذا؟ ! فإنه إمام ورع تقي نقي خائف من الله، وله كرامات شهيرة، فبأي شيء تطرق إليه الضعف؟!».
¬
(¬1) في الرفع والتكميل 409 - 415.
(¬2) في فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت 2: 154.
لذلك نرى أن الأسباب التي طعن فيها على الإمام أبي حنيفة لم تكن معتبرة، قال السِّهالوي (¬1): «تارةً يقولون: إنه كان مشتغلاً بالفقه. انظر بالإنصاف أي قبح فيما قالوا؟! بل الفقيه أولى بأن يأخذ الحديث منه.
وتارةً يقولون: إنه لم يلاق أئمة الحديث إنما أخذ ما أخذ من حمَّاد. وهذا أيضاً باطل، فإنّه روى عن كثير من الأئمة كالإمام محمد الباقر والأعمش وغيرهما، مع أن حمَّاداً كان وعاء للعلم، فالأخذ منه أغناه عن الأخذ عن غيره، وهذا أيضاً آيةٌ على ورعه وكمال تقواه وعلمه، فإنّه لم يكثر الأساتذة؛ لئلا تتكثر الحقوق، فيخاف عجزه عن إيفائها.
وتارةً يقولون: إنّه كان من أصحاب القياس والرأي، وكان لا يعمل بالحديث، حتى وضع أبو بكر بن أبي شيبة في كتابه باباً للرد عليه: ترجمه: (باب الردّ على أبي حنيفة)، وهذا أيضاً من التعصب! كيف وقد قبل المراسيل؟! وقال: ما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبالرأس والعين، وما جاء عن أصحابه فلا أتركه، ولم يخصص بالقياس عام خبر الواحد ـ فضلاً عن عام الكتاب ـ، ولم يعمل بالإخالة (¬2)، والمصالح المرسلة.
¬
(¬1) في فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت 2: 154.
(¬2) الإخالة: مسلك من مسالك العلة التي ذكرها الأصوليون في مباحث أصول الفقه لا يقول به الحنفية، ويقول به الشافعية. وتمامه في هامش الرفع والتكميل 76 - 77.
والعجب أنهم طعنوا في هذا الإمام مع قبولهم الإمام الشافعي، وقد قال في أقوال الصحابة: كيف أتمسك بقول من لو كنت في عصره لحاججته؟ وخصص عام الكتاب بالقياس، وعمل بالإخالة، وهل هذا إلا بهت من هؤلاء الطاعنين؟
والحقُّ أن الأقوال التي صدرت عنهم في حق هذا الإمام الهمام كلها صدرت من التعصّب، لا تستحقّ أن يلتفت إليها، ولا ينكفئ نور الله بأفواههم، فاحفظ وتثبت» (¬1).
الرابعة: جرح الأقران لبعضهم بلا حجّة مردود:
إن النفاس بين الأقران أمر ظاهر لا يخفى على أحد، ولم ينج من الوقوع به إلا المعصومين، وهذا يقتضي منا أن لا نقبل أقوال بعضهم في بعض.
قال ابن حجر: «إن الطعن إن كان من غير أقران الإمام فهو مقلّد لما قاله، أو كتبه أعداؤه، وإن كان من أقرانه فلا يعتدُّ به؛ لأن قولَ الأقران بعضُهم في بعض غير مقبول. كما صرّح به الذهبي، قال: ولا سيما إذا لاح أنه لعداوة المذهب إذ الحسدُ لا ينجو منه إلاّ من عصمه الله تعالى» (¬2).
¬
(¬1) ينظر: الرفع والتكميل 69 - 77.
(¬2) ينظر: مقدمة الهداية 2: 5.
وقال الذَّهَبِيُّ: «وما علمت أن عصراً سَلِمَ أهلُه من ذلك إلاَّ عصر النبيين والصدقين» (¬1).
وقال اللكنوي (¬2): «قد صرّحوا بأن كلمات المعاصر في حق المعاصر غير مقبولة، وهو كما أشرنا إليه مقيّدٌ بما إذا كانت بغير برهان وحجّة، وكانت مبنيَّة على التعصّب والمنافرة، فإن لم يكن هذا ولا هذا فهي مقبولة بلا شبهة، فاحفظه فإنه ينفعك في الأولى والآخرة».
الخامسة: يقدم التعديل على الجرح المفسّر ما لم يكن مقبولاً:
سبق ذكر نصوص كثيرة عن أئمة الإسلام بتوثيق الإمام أبي حنيفة، وهي مقدمة في نفسها على ذكر من جرح عن الإمام أبي حنيفة؛ لا سيما إن لم يكن مفسَّراً، أو كان مُفسَّراً بما لا يُعدُّ من أسباب الجرح.
قال اللكنوي (¬3): «قد يقدم التعديل على الجرح مفسَّراً أيضاً بوجوه عارضة تقتضي ذلك؛ ولهذا: لم يقبل جرح بعضهم في الإمام أبي حنيفة وشيخه حمَّاد بن أبي سليمان وصاحبيه محمد وأبي يوسف وغيرهم من أهل الكوفة بأنهم كانوا من المرجئة. ولم يقبل جرح النَّسائيّ في أبي
¬
(¬1) ينظر: مقدمة التعليق 1: 123.
(¬2) في الرفع والتكميل 431.
(¬3) في الرفع والتكميل 120 - 121.
حنيفة ـ وهو ممَّن له تعنَّت وتشدد في جرح الرجال ـ المذكور في «ميزان الاعتدال»: ضعفه النَّسائيّ من قبل حفظه».
وقال السَّخاوي (¬1): «سئل: ابن حجر عما ذكره النسائي في «الضعفاء والمتروكين»: عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه ليس بقويّ في الحديث، وهو كثير الغلط والخطأ على قِلَّة روايته، هل هو صحيح؟ وهل وافقه على هذا أحد من أئمة المحدِّثين أم لا؟ فأجاب: النسائي من أئمة الحديث، والذي قاله إنما هو حَسَب ما ظَهَرَ له وأدَّاه إليه اجتهادُه، وليس كلُّ أحدٍ يؤخذُ بجميع قولِه، وقد وافق النسائي على مطلق القول جماعة من المحدِّثين، واستوعب الخطيب في ترجمته من «تاريخه» أقاويلهم، وفيها ما يقبل وما يردُّ، وقد اعتذر عن الإمام بأنه كان يرى أنه لا يحدِّث إلا بما حَفِظَه منذ سمعه إلى أنّ أدَّاه؛ فلهذا قلَّت الروايةُ عنه، وصارت روايتُهُ قليلةً بالنسبة لذلك، وإلا فهو في نفس الأمر كثير الرواية.
وفي الجملة: تركُ الخوض في مثل هذا أولى، فإن الإمام وأمثالَه ممن قَفَزوا القَنْطَرة، فما صار يُؤثِّرُ في أحدٍ منهم قولُ أحد، بل هم في الدرجة التي رفعهم الله تعالى إليها، من كونهم متبوعين يقتدى بهم، فليعتمد هذا، والله وليّ التوفيق».
¬
(¬1) في الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر 65.
ورجَّح عبد الفتاح أبو غدة (¬1) أن النسائي رجع عن تضعيف أبي حنيفة لإخراجه عنه في «سننه» وعدم إعلال الحديث به، وتمامه في موضعه.
فهذا القواعد في الجرح والتعديل لا بدّ من استحضارها دائماً عند سماع أي طعن في إمام من أئمة المسلمين في الحديث؛ لأنها توضح لنا كيفية فهم هذه العلم والتعامل معه؛ لما يترتب عليه من آثار كبيرة وخطيرة.
• • •
¬
(¬1) في هامش مكانة الإمام أبي حنيفة في الحديث 126 - 127.
المطلب الثاني
ردّ الطعون عموماً عن الإمام أبي حنيفة
بعد العرض السابق لأبرز قواعد الجرح والتعديل المتعلقة ببحثنا، فإنّه يتوجب علينا توظيفها في ردّ الطعون عن الإمام أبي حنيفة عموماً قبل أن نذكر الردود على وجه التفصيل في حقّ كل من تعرض للإمام أبي حنيفة.
الأولى: إن الإمام أبا حنيفة ممن جاوز القنطرة في إمامته وعدالته فلا يضره طعن طاعن:
سبق تقرير أن كلَّ مَن تجاوز القنطرة لا يُقبل طعن طاعنه فيه، والإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه - هو أبرز أئمة الإسلام وأشهر وأكثرهم أتباعاً عبر التاريخ، فهو أحقُّ مَن يردّ طعن كلّ طاعن وارد في فيه.
قال اللكنوي (¬1): «لم يقبل جرح الخطيب البغدادي فيه وفي متبعيه، بعد قول ابن حجر في «الخيرات الحسان» نقلاً عن ابن عبد البر رأس
¬
(¬1) في الرفع والتكميل 127 - 128.
علماء الشأن: الذين رووا عن أبي حنيفة ووثقوه وأثنوا عليه أكثر من الذين تكلَّموا فيه. والذين تكلموا فيه من أهل الحديث: أكثر ما عابوا عليه الإغراق في الرأي والقياس: أي وقد مرّ أن ذلك ليس بعيب».
الثانية: الطعون صادرة عن تعصب مقيت، فهي طعن فيمن قالها لا غير:
إن المتتبع للطعون الوارد في حقّ الإمام أبي حنيفة يجدّ أن قدراً منها ورد بسبب الاختلاف في المذهب الفقهي أو العقدي، وأمثال هذا يعد من التعصب المذموم الذي يقبل قول قائله.
قال اللكنوي (¬1): «بعض من العلماء السابقين الذين لهم تعصب لا يبالون بالطعن على الأئمة: كالخطيب طعن على أبي حنيفة والإمام أحمد، وكابن الجوزي فإنه تابعَ الخطيب في الطعن على أبي حنيفة، وقال سبطُ ابن الجوزي: ليس العجب من الخطيب فإنه طعن في جماعة من العلماء، إنّما العجب من الجدّ كيف سلك أسلوبه، وكأبي نُعَيم فإنه لم يذكر أبا حنيفة في «الحلية» وذكر مَن دونه علماً وزهداً».
وقال السُّيوطي: «لا تغترّ بكلام الخطيب، فإن عنده العصبية الزائدة على جماعة من العلماء كأبي حنيفة وأحمد وبعض أصحابه، وتحامل
¬
(¬1) في مقدمة الهداية 2: 5.
عليهم بكل وجه، وصنّف فيه بعضهم «السهم المصيب في كبد الخطيب»»: أي الملك المعظم عيسى (ت624هـ).
وقال اللكنوي: «الحاصل أنه إذا علم بالقرائن المقالية أو الحالية أن الجارح طعن على أحد بسبب تعصب منه عليه، لا يقبل منه ذلك الجرح، وإن علم أنه ذو تعصب على جمع من الأكابر، ارتفع الأمان عن جرحه، وعدَّ من أصحاب القرح» (¬1).
الثالثة: إن هذه الطعون واردة بأسانيد مردودة، فاللوم على مَن يوردها للاحتجاج بها:
وقد أفاض الكوثري في كتابه النفيس «تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب» ببيان جهالة وسقوط رواة أسانيد مثالب الإمام الأعظم.
قال ابن حجر الهيتمي (¬2) في ردِّ ما نقله الخطيب في «تاريخه» من القادحين في أبي حنيفة: «اعلم أنَّه لم يقصد بذلك إلاَّ جمعَ ما قيل في الرجل على عادة المؤرِّخين، ولم
¬
(¬1) الرفع والتكميل 69 - 78.
(¬2) في الخيرات الحسان في مناقب النعمان 76، 29.
يقصد بذلك انتقاصه، ولا حطَّ مرتبته بدليل أنّه قدّم كلام المادحين، وأكثر منه ومن نَقْل مآثره، ثمّ عقبه بذكر كلام القادحين، وممَّا يدل على ذلك أيضاً: إن الأسانيدَ التي ذكرها للقدح لا يخلو غالبها من مُتَكلَّم فيه أو مجهول، ولا يجوزُ إجماعاً ثَلْمُ عِرضِ مسلمٍ بمثل ذلك، فكيف بإمام من أئمة المسلمين.
وبفرض صحّة ما ذكره الخطيب من القدح عن قائله لا يُعتدّ به، فإنه إن كان من غير أقران الإمام فهو مقلِّدٌ لما قاله أو كتبه أعداؤه، وإن كان من أقرانه فكذلك لما مرّ أن قول الأقران بعضُهم في بعض غيرُ مقبول، وقد صرَّحَ الحافظان: الذهبيُّ وابنُ حجر بذلك، قالا: لا سيما إذا لاح أنه لعداوة أو لمذهب، إذ الحسد لا ينجو منه إلاَّ من عصمه الله».
الرابعة: أنها قد تكون مدسوسة بأيدي بعض المتلاعبين:
فإنَّ كثيراً من العبارات دُسّت في كتب الأئمة في الطعن على أبي حنيفة من الحساد والمتعصبين: كترجمته في «ميزان الاعتدال»، فإنَّه لا أثر لها في النسخ المعتبرة والصحيحة منه (¬1).
¬
(¬1) أطال البحث والتنقيب في ذلك الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى وتابع ذلك في خزائن المخطوطات في العالم من النسخ الخطية للميزان، وتوصل إلى عدم وجود ترجمة لأبي حنيفة في النسخ المعتبرة، والتفصيل في هامش الرفع التكميل ص121 - 127.
وعلَّق الدكتور بشار عواد في هامش تهذيب الكمال (29: 445) أثناء ذكر ترجمة أبي حنيفة: بأنَّ ترجمة أبي حنيفة في الميزان مدسوسة، ففي خزانة كتبي نسخة المؤلّف التي بخطه مصورة، وليس فيها ترجمته.
وقد صرّح بذلك العراقي (¬1)، والسَّخاوي (¬2)، والسُّيوطي (¬3)، وغيرهم، ويؤيده: أنَّ الذهبي عدَّ أبا حنيفة من حفاظ الحديث وذكر له ترجمة طويلة في «تذكرة الحفاظ» (¬4)، ولم ينقل جرحه عن أحد من الحفّاظ.
قال الكوثري (¬5): «وأما كون تاريخ الخطيب قد تصرفت فيه الأقلام فأمر لا شك فيه بدلائل ناهضة، وقد تكلم الحافظ ابن طاهر المقدسي في ابن خَيرون، الذي كان وصي الخطيب عند وفاته. وكان الخطيب سلَّم إليه كتبه، فاحترقت تلك الكتب في بيت هذا الوصي، وبينها نسخة الخطيب من تاريخ بغداد، حتى روى الناس تاريخ الخطيب عن ابن خيرون لا عن خط الخطيب ....
ومن الغريب أن المثالب الشنيعة المتعلقة بأبي حنيفة في «تاريخ الخطيب» لم تُذع إلا بعد أن تحنف عالم الملوك الملك المعظم الأيوبي،
¬
(¬1) في شرح الألفية 3: 260.
(¬2) في شرح الألفية ص477.
(¬3) في تدريب الراوي ص209.
(¬4) تذكرة الحفاظ 1: 168.
(¬5) في تأنيب الخطيب ص55.
ولذلك كان هو أول من ردّ عليها، ولو ذاعت المثالب قبل ذلك لما تأخر العلماء من الرد عليها، كما فعلوا مع عبد القاهر البغدادي وابن الجويني وأبي حامد الطوسي وغيرهم، وسبط ابن الجوزي رد على الخطيب أيضاً في عصر الملك المعظم في كتاب سماه «الانتصار لإمام أئمة الأمصار» وهو في مجلدين».
• • •
المطلب الثالث
رد الطعون تفصيلاً في حق الإمام أبي حنيفة
في هذا المطلب نفصل في ذكر الطعن والجواب، بعد أن أجملنا الردود في المطلب السابق، سعياً في استيعاب الأمر، وتناوله من جوانبه المتعددة،
أولاً: أن الدارقطني قد ضعّفه، ويجاب عنه بما يلي:
أنه من المتأخرين وجرحه صادر عن التعصب المذهبي كما تشهد القرائن الجلية بأنه في هذا الجرح من المتعسِّفين، والتعصُّب أمر لا يخلو منه البشر إلاَّ من حفظه خالق القُوى والقُدَر، وقد تقرَّر أن مثل ذلك غيرُ مقبول من قائله، بل هو موجب لجرح نفسه. قال العيني (¬1) في حقِّ الدَّارَقُطْنِيّ: «من أين له تضعيف أبي حنيفة؟ وهو مستحِقّ للتضعيف، فإنّه روى في «مسنده» أحاديثَ سقيمة، ومعلولة، ومنكرة، وغريبة، وموضوعة».
¬
(¬1) في البناية في شرح الهداية 9: 363.
وفي قوله: في (بحث إجارة أرض مكّة ودورها): «وأمّا قول ابن القطان: وعلَّتُه ضعف أبي حنيفة، فإساءة أدب، وقلّة حياء منه، فإن مثل الإمام الثوريّ وابن المبارك وأضرابهما وثّقوه وأثَنْوا عليه خيراً فما مقدار مَن يضعِّفُه عند هؤلاء الأعلام».
قال ابن قُطْلُوبُغا (¬1): «وقوله: إن أبا حنيفة ضعيف مردود عليه فقد نقل المزي في كتابه «تهذيب الكمال» عن يحيى بن معين أنه قال أبو حنيفة ثقة في الحديث. وروى ابن جرير في مسنده قال: حدثنا الشيخ أبو منصور الشيخي قال: حدثنا أبو نعيم التنوخي قال: حدثنا أبو بكر قال: حدثنا أحمد قال: سمعت يحيى بن معين يقول وهو يسأل عن أبي حنيفة أثقة هو في الحديث فقال: نعم ثقة ثقة كان والله أورع من أن يكذب وهو أجل قدراً من ذلك، وسئل عن أبي يوسف فقال: صدوق ثقة. وروى الإمام الأجل عبد الخالق تاج الدين بن الزين ثابت في معجمه بسنده إلى عبد الله بن محمد المصري قال: سمعت يحيى بن معين يقول: أبو حنيفة ثقة في الحديث وأبو يوسف كذلك، وهو أكثر حديثا، وأما مناقبه وفضائله كالبدر لا تختفي ليلا أشعته إلا على أكمه لا يعرف القمرا سببه».
¬
(¬1) ينظر: البيان والتعريف 1: 70.
ثانياً: جرح ابن الجوزي له، ويجاب عنه بما يلي:
1. إن هذا الجرح صادر ممن هو معروف بالتشدد في جرح الرواة، قال اللكنوي (¬1): «إن بعض العلماء لهم تشدّدٌ في جرح الرواة، فيجرحون الرواة من غير مبالاة ويدرجون الأحاديث الغير الموضوعة في الموضوعات، منهم: ابن الجَوْزيّ، والصَّغانيّ، والجُوزقانيّ والمجد الفَيْرُوزآباديّ، وابن تيميةَ الحَرَّانيّ الدمشقيّ، وأبو الحسن بن القطّان، كما بسطته في «الأجوبة الفاضلة» (¬2)، فلا يجترئ على قبول قولهم من دون التحقيق إلاَّ مَن هو غافلٌ عن أحوالهم».
2. إن هذا الجرح بسبب اعتماد الإمام على القياس، وهذا مدح لا ذم، كما علم، قال سبط ابن الجوزي (¬3): «سألت مرة شيخنا الإمام العالم جمال الدين شمس الحفاظ أبا الفرج بن الجوزي، فقلت: يا سيدي لم وقع بعض المحدثين في أبي حنيفة؟ فقال: لأنه أخذ بالقياس. فقلت: غيره من الأئمة قد أخذ بالقياس. فقال: لكن هو أكثر قياساً منهم. فقلت: هلا وقعوا في أولئك بقدر ما أخذوا من القياس؟ فانقطع».
¬
(¬1) في مقدمة التعليق 1: 123 - 127.
(¬2) الأجوبة الفاضلة 171 - 179.
(¬3) في الانتصار والترجيح ص12.
ثالثاً: إيراد ابن عدي في «كامله»، والعقيلي في «الضعفاء» مثالبه، ويجاب عنه:
1. إن من عادة ابن عدي أن يورد في كتابه كل ما قيل في الرجل من مدح وذم، قال الإمام اللكنوي: «من عادته كابنِ عَديّ في «كامله» (¬1)، والذهبي في «ميزانه»، أنه يذكر كل ما قيل في الرجل من دون الفصل بين المقبول والمهمل، فإيّاك ثم إيّاك أن تجرح أحداً بمجرّد قولهم من دون تنقيده بأقوال غيرهم، فضلاً عن إمام الأئمة بمجرَّد ذكر ابن عَدِي فيه أقوالَ التجريح، ومن ثُمَّ سمَّى بعض من أوتي فهماً ونظراً «كامل ابن عَدي» ناقصاً، وقد صرَّح بما ذكرنا الذَّهَبِيُّ في «ميزان الاعتدال»، و «تذكرة الحفَّاظ» كما في «الرفع والتكميل» (¬2)» (¬3).
2. إن هذا الجرح غير مقبول؛ لأنه صادر عن تعصب مذهبي من ابن عدي، كما نبه على ذلك اللكنوي (¬4).
3. رجوع ابن عدي عن عدوانه لأبي حنيفة قال الكوثري (¬5):
¬
(¬1) الكامل 7: 5.
(¬2) الرفع والتكميل 339 - 351.
(¬3) ينظر: مقدمة التعليق 1: 123 - 124، وغيره.
(¬4) ينظر: المصدر السابق 1: 123 - 127، وغيره.
(¬5) في التأنيب ص169 عن أبي حنيفة النعمان ص241.
«وكان ابن عدي على بعده عن الفقه والنظر والعلوم طويل اللسان في أبي حنيفة وأصحابه، وثم لما اتصل بأبي جعفر الطحاوي وأخذ عنه تحسنت حاله يسيراً، حتى ألف مسنداً في أحاديث أبي حنيفة».
4. إن ابن الدخيل المصري (ت388هـ) صاحب العقيلي وراويته ألف كتاباً في مناقب أبي حنيفة؛ رداً على العقيلي في تهجمه على أبي حنيفة. فسمعه حكم بن المنذر من ابن الدخيل بمكة، وسمعه منه ابن عبد البر، فساق غالب ما فيه في المناقب في ترجمة أبي حنيفة من «الانتقاء».
وإنما حمل ابن الدخيل على تأليف ذلك الكتاب تورعه عن حمل تبعة ما كتبه العقيلي في ترجمة أبي حنيفة في كتاب الضعفاء له، الذي كان ابن الدخيل انفرد بروايته عن العقيلي.
وابن الدخيل ليس من أهل مذهبه حتى يظن به أنه تحيّز له، وقد ذكر فيه جملة ممن أثنى على أبي حنيفة، وليس ابن عبد البر ولا الحكم بن المنذر، ولا ابن الدخيل ممن يرمون برواية غير المحفوظ في مناقب أبي حنيفة بوسيلة من الوسائل، وأحوالهم في الأمانة والحفظ معروفة، وليسوا من أهل مذهبه حتى يتوهم فيهم الانحياز له (¬1).
¬
(¬1) ينظر: هامش الانتقاء ص187 - 188، والتأنيب ص33، وفقه أهل العراق ص53 وص83.
5. إن العقيلي من المتعنتين في الجرح، وقد رد كلامه كثير من الحفاظ، قال الكوثري: «والعقيلي من أكبر المعتنتين في الجرح، كثير الحكم بالنفي، وهذا ما حمل الذهبي على التنكيت عليه في «ميزانه» مع أنه كبير الدفاع عن الرواة الحنابلة».
ومما قال الذهبي فيه بعد تضعيفه ابن المديني (¬1): «وهذا أبو عبد الله البخاري وناهيك به قد شحن «صحيحه» بحديث علي بن المديني، وقال: ما استصغرت نفسي بين يدي أحد إلا بين يدي علي بن المديني، ولو تركت حديث عليّ وصاحبه محمد وشيخه عبد الرزاق وعثمان بن أبي شيبة وإبراهيم بن سعد وعفان وأبان العطار وإسرائيل وأزهر السمان وبهز بن أسد وثابت البناني وجرير بن عبد الحميد لغلقنا الباب، وانقطع الخطاب، ولماتت الآثار، واستولت الزنادقة ولخرج الدجال، أفما لك عقل يا عقيلي أتدري فيمن تتكلم وإنما تبعناك في ذكر هذا النمط لنذب عنهم ولنزيف ما قيل فيهم، كأنك لا تدري أن كل واحد من هؤلاء أوثق منك بطبقات بل وأوثق من ثقات كثيرين لم توردهم في كتابك، فهذا مما لا يرتاب فيه محدث، وأنا أشتهي أن تعرفني من هو الثقة الثبت الذي ما غلط ولا انفرد بما لا يتابع عليه، بل الثقة الحافظ إذا انفرد بأحاديث كان أرفع له، وأكمل لرتبته، وأدل على اعتنائه بعلم الأثر
¬
(¬1) في ميزان الاعتدال 5: 169.
وضبطه دون أقرانه لأشياء ما عرفوها اللهم إلا أن يتبين غلطه ووهمه في الشيء فيعرف ذلك».
رابعاً: ذكر الخطيب مثالبه في «تاريخ بغداد»، ويجاب عنه بما يلي:
1. إن عادة الخطيب ذكر كل ما قيل في المترجم دون تمحيص.
2. إن هذه الجروح لا تثبت برواية معتبرة، وأكثر مَن جاء بعده عيال على روايته، فهي مردودة ومجروحة.
قال العلامة ابن حجر المكي (¬1): «اعلم أن الخطيبَ لم يقصد بذلك إلاَّ جمع ما قيل في الرجل على عادة المؤرِّخين ولم يقصد بذلك حطَّه عن مرتبتِهِ وانتقاصهِ بدليل أنّه قَدَّمَ كلامَ المادحين، وأكثرَ منه ومن نقلِ مآثره السابقة، إذ أكثرها ممَّا اعتمد أهلُ المناقب فيه على «تاريخ بغداد» للخطيب، ثمّ عقَّبَه بذكر كلام القادحين فيه، وممَّا يدلُّ على ذلك أيضاً؛ أنّ الأسانيد التي ذكرها للقدح لا يخلو غالبُها من متكلِّم فيه أو مجهولٌ، ولا يجوزُ إجماعاً ثلم أعراض المسلمين بمثل ذلك، فكيف بإمام من أئمة المسلمين، وبفرض صحّة ما ذكره الخطيب من القدح عن قائله لا يعتدُّ به».
¬
(¬1) في الخيرات الحسان 83.
3. إن هذا الجرح صادر عن تعصب مذهبي، قال العلامة ابن عبد الهادي الحنبلي في «تنوير الصحيفة بمناقب الإمام أبي حنيفة»: «لا تغتر بكلام الخطيب، فإن عنده العصبية الزائدة على جماعة من العلماء: كأبي حنيفة وأحمد وبعض أصحابه، وتحامل عليهم بكل وجه» (¬1).
خامساً: أنّه جرحَه سفيانُ الثوريُّ، ويجاب عنه.
1. إن الثوري من المادحين للإمام أبي حنيفة كما نقله الحافظ ابن عبد البر (¬2)، كما سبق، فليعتمد عليه. قال سبط ابن الجوزي (¬3): «على أن مدار الطعن كله على سفيان الثوري، وقد افتري على سفيان، وروي أنه رجع عن ذلك وروي عنه».
2. إن مطلقَ الجرح إن كان عيباً يُترك به المجروح، فليترك البُخاري ومسلم والشافعي وأحمد ومالك ومحمد بن إسحاق صاحب المغازي وغيرهم من أجلّة أصحاب المعاني، فإن كلاًّ منهم مجروح ومقدوح، بل لم يَسْلَمْ من الجرح أصحابُ الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فهل يقول قائل: بقبول الجرح فيهم؟ كلا، والله لا يقول به من هو من أرباب العقول.
¬
(¬1) ينظر: أبو حنيفة النعمان ص220، والرفع والتكميل ص62 - 64، وغيره.
(¬2) في الانتقاء ص197 - 198.
(¬3) في الانتصار والترجيح ص12.
3. إن جرحَ المعاصر لا يُقبلُ في حقِّ المعاصر، لا سيما إذا كانت لتعصبٍّ أو عداوةٍ، وإلاَّ فليقبل جرح ابن معين في الشافعي، وأحمد في الحارث المحاسبيّ، والحارث في أحمد، ومالك في محمد ابن إسحاق صاحب حديث القُلّتين والقراءة خلف الإمام وغيرهم. كلا، والله لا نقبل كلامهم فيهم ونوفِّيهم حظَّهم.
قال اللكنوي: «إنّه لا يقدحُ أيضاً، فإنّه من المعاصرين، وكلامُ الأقران بعضُهم في بعض غيرُ مقبول عند الماهرين لا سيما إذا ظهرَ أنّه لتعصّئُب ومنافرة، ولم يخل عن وجود الأقوال المعدّلة» (¬1).
سادساً: أنه طعن فيه ابن حبان، ومما قال (¬2): «أبو حنيفة الكوفي، كان أبوه مملوكاً لرجل من نجد، من بني قفل، فأعتق أبوه وكان خبَّازاً لعبد الله بن قفل، وكان أبو حنيفة جدلاً ظاهر الورع، لم يكن الحديث صناعته، حدّث بمئة وثلاثين حديثاً مسانيد، ما له حديث في الدنيا غيره، أخطأ منها في مئة وعشرين حديثاً، إما قلب إسناده أو غيَّر متنه من حيث لا يعلم، فلما غلب خطؤه على صوابه استحق ترك الاحتجاج به في الأخبار.
¬
(¬1) غيث الغمام 145 - 146.
(¬2) في الضعفاء والمتروكين ص232 - 233.
ومن جهة أخرى: لا يجوز الاحتجاج به؛ لأنه كان داعياً إلى الإرجاء، والداعية إلى البدع لا يجوز أن يحتج به عند أئمتنا قاطبة، لا أعلم بينهم فيه خلافاً، على أن أئمة المسلمين وأهل الورع في الدين في جميع الأمصار، وسائر الأقطار، جرحوه وأطلقوا عليه القدح إلا الواحد بعد الواحد ... »، ويجاب عنها بما يلي:
1. إن هذا القدح صادر عن التعصب المذهبي المقيت، وإلا فكيف يثني عليه إمامك الشافعي، وقبله مالك وشعبة ويحيى بن سعيد ووكيع وابن معين وغيره من أهل النّقد.
2. إنّ ابنَ حبان وصفه أهل الصنعة بأنه لا يدرك ما يصدر منه، ولعلّ ذلك لفرط تعصبه، قال الحافظان الذهبي (¬1) وابن حجر (¬2): «ابن حبان ربما جرح الثقة حتى كأنه لا يدري ما يخرج من رأسه».
قال الكوثري (¬3): «والكلام في ابن حبان طويل الذيل، وأقلّ ما قيل فيه: قول ابن الصلاح: غلط الغلط الفاحش في تصرّفه، ووصفه الذهبي بالتشغيب والتشنيع، ومما يؤخذ أنه قد ذكر في كتاب «الثقات» خلقاً كثيراً، ثم أعاد ذكرهم في «المجروحين»، وادعى ضعفهم، وذلك من
¬
(¬1) في الميزان 1: 274.
(¬2) في القول المسدد ص33.
(¬3) في تأنيب الخطيب ص146.
تناقضه وغفلته، وكثيراً ما تراه يذكر الرجل الواحد في طبقتين متوهماً كونه رجلين.
وطريقته في التوثيق من أوهن الطرق، وإن سبقه في ذلك شيخه ابن خزيمة، وهو جد عريق في التعصب، جامع بين التعنت البالغ والتساهل المرذول في موضع وموضع، ويصفه بعضهم بقلة الدين إلى أن رماه بعضهم بالزندقة؛ لقوله في النبوة: إنها علم وعمل، راجع ترجمته من «ميزان الاعتدال»، و «معجم ياقوت» في بست، و «المنتظم» لابن الجوزي، تستخلص منها حال الرجل في التشغيب وسوء التصرف، نعوذ بالله من الخذلان».
3. إن كبار النقاد المعتمد عليهم من أهل الإنصاف لم ينقلوا شيئاً من مثالبه في مصنفاتهم، فقد جرى على هذا المنوال المزِّي والذهبي والحسيني والبرهان الحلبي وابن حجر العسقلاني، قال الحافظ السيوطي (¬1): «والذي أقوله: إن المحدِّثين عيال الآن في الرجال وغيرها من فنون الحديث على أربعة: المزّّي، والذهبيّ، والعراقي، وابن حجر».
قال محمد عبد الرشيد النعماني بعد أن أسهب في ذكر النقولات من كتب الجرح والتعديل عن كبار أهل الصنعة (¬2): «فهؤلاء الحفاظ النقاد
¬
(¬1) في تذكرة الحفاظ ص348.
(¬2) في مكانة الإمام أبي حنيفة في الحديث ص114.
أئمة الجرح والتعديل لم يوردوا في تصانيفهم شيئاً مما ذكر أعداؤه وحسّاده من مطاعنه ومَثَالبه، فثبت من صنيع هؤلاء جميعاً أن كلّ ما ذكر في بعض كتب الرجال من جرحه ينبغي أن يرمى به عُرْض الحائط. ولا شك أن ما طعن أحد في قول من أقواله إلا لجهله به، إما من حيث دليله، وإما من حيث دقّة مداركه عليه، وقد أجمع السلف والخلف على كثرة علمه، وورعه، وعبادته، ودقة مداركه واستنباطه، ولا عبرة بقول الجهال والحسّاد والأعداء على كل حال».
وقد أطال أبو غدة (¬1) في ردّ كلام ابن حبان في (22صحيفة) وفيها ما يغني المقام عن زيادة الكلام، والعظة والعبرة، لكل صاحب بصيرة.
وقال أبو غدة (¬2): «وهناك طائفة قليلة اتهموا أبا حنيفة في دينه، وادعوا استخفافه بالشريعة وصاحبها، وتلبّسه بأنواع من البدع كالبخاري، وابن الجارود، والعقيلي، وابن حبان، وابن عدي، والخطيب، وابن الجوزي .... ولكن الذهبي لم يتلفت إلى هذه الدعاوي أصلاً، ولم يرها قابلة للنقل، فهي تأتي عنده في الأقوال المطروحة لا المختلف فيها، إذ لم يعرِّج عليها ولم يشر إليها».
¬
(¬1) في هامش الانتقاء ص232 - 254.
(¬2) في هامش الانتقاء ص247.
سابعاً: ذكر بعضهم أن البخاري قال في تاريخه: أبو حنيفة ضعيف تركوا حديثه. ولم يخرج له في «صحيحه»، ويجاب عنه:
1. إن البخاري صحب بعض المتحاملين على الإمام أبي حنيفة، كالحميدي وإسماعيل بن عرعرة وغيرهما، وتأثر بأقوالهم فيه، ودوَّن في تاريخه ما سمعه من هؤلاء المجازفين، وقد كذب محمد بن عبد الله بن الحكم الحميديَّ في كلامه في الناس (¬1).
2. إن الإمام البخاري يرى أن الإيمان يزيد وينقص، مع العلم أنه لم يصحح حديثاً في ذلك؛ لأنه ليس فيه حديث صحيح، وكان الإمام أبو حنيفة يرى: إن الإيمان عقيدة يمتلئ بها القلب فلا يتصور فيه زيادة؛ لأنه لا زيادة فوق اليقين ولا نقصان؛ لأنه إذا نقص فلا يبقى يقيناً.
فالبخاري يرى أن الأعمال جزء من الإيمان، والإمام أبو حنيفة يرى أن الإيمان هو عقد القلب على التصديق بالله تعالى والنطق بالشهادتين، أما الأعمال فليست جزءاً من الإيمان، فمن فعل المعاصي المختلفة ومات دون توبة، فإنه أمره مؤخر إلى الله تعالى، إن شاء عذبه بها بعدله، وإن شاء عفا عنه فيها بفضله، كما قال - جل جلاله -: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ
¬
(¬1) ينظر: أبو حنيفة النعمان ص213 عن طبقات السبكي 1: 224، وينظر: لامع الدراري 1: 14.
ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [النساء:48]، لذا نرى البخاري يقول فيه: رمي بالإرجاء.
وكان البخاري - رضي الله عنه - يقول: إنه لم يخرج في «صحيحه» لمَن لا يقول بزيادة الإيمان ونقصه، مع أنه كان يروي عن بعض غلاة الخوارج، مثل: عمران بن حطّان الخارجي الذي أيد عبد الرحمن بن ملجم في قتل أمير المؤمنين، باب مدينة العلم، وصهر النبي - صلى الله عليه وسلم - على ابنته فاطمة، علي - رضي الله عنهم -، فقال:
يا ضربة من تقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ عند الله رضوانا
ومعاذ الله أن يتقرب إلى الله تعالى بقتل ابن عمّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأول صغير دخل في الإسلام، وقد روى الإمام البخاري - رضي الله عنه - عن واحد وثمانين راوٍ من أهل الفرق المنحرفة، كما ذكرهم الحافظ ابن حجر في «هدي الساري»، والسيوطي في «تدريب الرواي» (¬1).
قال الحافظ الذهبي (¬2): «مسعر بن كدام حجة إمام ولا عبرة بقول السليماني كان من المرجئة مسعر، وحماد بن أبي سليمان والنعمان وعمرو بن مرة وعبد العزيز بن أبي رواد وأبو معاوية وعمرو بن ذر وسرد
¬
(¬1) ينظر: أبو حنيفة النعمان ص212 - 214.
(¬2) في ميزان الاعتدال 6: 409.
جماعة، فالإرجاء مذهب لعدّة من أجلة العلماء لا ينبغي التحامل على قائله».
فكلام البخاري في هذا الجانب إنما هو من قبل المذهب الذي مال إليه كل منهما، ولا مجال للرد بمخالفة المذهب، فلكل وجهة هو موليها (¬1).
3. إن البخاري قال في حق الإمام: تركوا حديثه، وأضاف: «روى عنه عباد بن
العوام وابن المبارك وهشيم ووكيع ومسلم بن خالد ومعاوية والمقرئ»، قال العلامة وهبي غاوجي (¬2): «إن رجلاً روى عنه هؤلاء وأمثالهم، لا يقال فيه تركوا حديثه، ولا ينبغي ذلك».
4. إن كلام البخاري وقع منه بسبب الخلاف المذهبي لا غير، وذلك لا يعد قدحاً، ولا يجعل الإمام موضع اتهام بحال، قال التاج السبكي: «ومما ينبغي أن يتفقد عند الجرح حال العقائد واختلافها بالنسبة إلى الجارح والمجروح، فربما خالف الجارح المجروح في العقيدة فجرحه لذلك، وقد أشار شيخ الإسلام وسيد المتأخرين تقي الدين بن دقيق العيد في كتابه «الاقتراح» إلى هذا، وقال: «أعراض المسلمين حفرة
¬
(¬1) ينظر: الإمام أبو حنيفة ص216، وغيره.
(¬2) في أبي حنيفة النعمان ص216 - 217.
من حفر النار، وقف على شفيرها طائفتان من الناس: المحدثون والحكام ... ومن أمثلة ما قدمنا قول بعضهم في البخاري: تركه أبو زرعة وأبو حاتم من أجل مسألة اللفظ».
5. إن البخاري وغيره لم يهتموا بالتخريج للأئمة الفقهاء المشهورين، وإنما خرجوا ما خرجوا لمن خشوا فوات حديثه إذا تركوا روايته، ولم يرووا أو لم يكثروا عمن له تلامذة يروون حديثه ويتناقلونه (¬1).
قال الكوثري (¬2): «ومما يلفت إليه النظر أن الشيخين لم يخرجا في الصحيحين شيئاً من حديث الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - مع أنهما أدركا صغار أصحابه، وأخذا عنهم، ولم يخرجا أيضاً من حديث الإمام الشافعي مع أنهما لقيا بعض أصحابه، ولا أخرج البخاري من حديث أحمد إلا حديثين أحدهما تعليقاً، والآخر نازلاً بواسطة مع أنه أدركه ولازمه، ولا أخرج مسلم في صحيحه عن البخاري شيئاً مع أنه لازمه ونسج على منواله، ولا عن أحمد إلا قدر ثلاثين حديثاً، ولا أخرج أحمد في مسنده عن مالك عن نافع بطريق الشافعي ـ وهو أصح الطرق أو من أصحها ـ إلا أربعة أحاديث، وما رواه عن الشافعي بغير هذا الطريق لا يبلغ
¬
(¬1) ينظر: الإمام أبو حنيفة النعمان ص206، وغيره.
(¬2) في هامش شروط الأئمة الخمسة ص63.
عشرين حديثاً مع أنه جالس الشافعي، وسمع موطأ مالك منه، وعد من رواة القديم.
والظاهر من دينهم وأمانتهم أن ذلك من جهة أنهم كانوا يرون أن أحاديث هؤلاء في مأمن من الضياع لكثرة أصحابهم القائمين بروايتها شرقاً وغرباً، وجل عناية أصحاب الدواوين بأناس من الرواة ربما كانت تضيع أحاديثهم لولا عنايتهم بها؛ لأنه لا يستغنى من بعدهم عن دواوينهم في أحاديث هؤلاء دون هؤلاء، ومن ظن أن ذلك لتحاميهم عن أحاديثهم أو لبعض ما في كتب الجرح من الكلام في هؤلاء الأئمة كقول الثوري في أبي حنيفة، وقول ابن معين في الشافعي، وقول الكرابيسي في أحمد، وقول الذهلي في البخاري ونحوها، فقد حملهم شططاً، وهذا البخاري لولا إبراهيم بن معقل النسفي وحماد بن شاكر الحنفيان لكان ينفرد الفربري عنه في جميع الصحيح سماعاً، كما كاد أن ينفرد إبراهيم بن محمد بن سفيان الحنفي عن مسلم سماعاً بالنظر إلى طرق سماع الكتابين من عصور دون طرق الإجازات فإنها متواترة إليهما عند من يعتد بالإجازة كما لا يخفى على من عني بهذا الشأن».
ويرى الكوثري أن سبب انحراف البخاري عن الحنفية (¬1): «كان البخاري نظر في الرأي وتفقّه على فقهاء بخارى من أهل الرأي، ومن
¬
(¬1) في حسن التقاضي ص86 - 89.
أوائل شيوخه: أبو حفص الكبير، ولما رحل البخاري وعاد إلى بخارى، حسده علماء بلده، شأن كل من يرتحل للعلم ويعود إلى أهله بالجمّ منه، حتى أمسكوا له فتوى كان أخطأ فيها، فأخرجوه من بخارى بسببها، وأبو حفص الصغير ـ ولد أبي حفص الكبير ـ هو صاحب القصّة في إخراج البخاري من بخارى.
فلما أخرجوه من بخارى بسبب تلك الفتوى انقلب عليهم، وجرى بينه وبينهم ما جرى كما سبق للبخاري مثيله مع المحدثين في نيسابور، فأخذ يبدي بعض تشدّد
نحوهم في كتبه، مما هو من قبيل نفثة مصدور، لا تقوم بها الحجة، ويرجى عفوها له ولهم، سامحهم الله تعالى».
وقال اللكنوي (¬1): «خلاصة المرام في هذا المقام: أنّه لا شبهةَ في كونِ أبي حنيفة ثقةٌ، وكونِ روايته معتبرةٌ مصححةٌ، والجروحُ الواقعةُ عليه: بعضُها: مبهمةٌ. وبعضُها: صادرةٌ من أقرانه. وبعضُها: من المتعصِّبين المخالفين له. وبعضُها: من المشدِّدين المتساهلين. فكلُّها غيرُ مقبولةٍ عند حُذَّاق العلماء، وإن آمن بها جمعٌ من السفهاء، فاحفظ هذا كلَّه بقوة الحافظة، ينفعُك في الدنيا والآخرة».
¬
(¬1) في غيث الغمام 146.
ونختم كلامنا بعد ذكر الطاعنين بكلمة لطيفة لمحدث العصر شبير العثماني فيما ينبغي على المسلم أن يكون عليه من النظر لعلمائه رغم ما ورد منهم في بعضهم (¬1): «اعلم أن الذين طعنوا في إمامنا أبي حنيفة، وتحاملوا عليه من أكابر أقرانه، لا نظنّ بهم إلا خيراً، فإن المؤمن الغيور الصادق في نيّته، إذا بلغه عن أحد من المعروفين شيء، يزعم فيه أن القول به يرادف هدم الدين، وردّ أحاديث سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - وإن لم يكن الواقع كذلك تأخذه غيرةٌ دينيّة، وحَميّة إسلامية، ينشأ عنها غضب في الله تعالى على ذلك القائل وإبغاضه لوجه الله تعالى.
فيحمله على الوقيعة وإغلاظ القول فيه، والتكلّم بمستشنعات الأقوال في حقه، ظناً منه أنه بصنيعه هذا مناضل عن الدين، وذابّ عن حوض الشريعة.
ومثاله ما تكلم به مسلم في حق البخاري في بحث اشتراط اللقاء في مقدمة «صحيحه»، ظناً منه أن الأصل الذي أصله البخاري إن سلّم صحته لكان مستلزماً لرد ذخيرة من الأحاديث الصحيحة وتوهينها، فاشتد نكيره على تلك المقال وقائلها بأشنع ما يمكن، ومع هذا فعامّة
¬
(¬1) في فتح الملهم بشرح صحيح مسلم 1: 73.
الشرّاح قد رجحوا مذهب البخاري وصوبوه ولم يلوموا مسلماً في تشديده وتغليظه (¬1).
وهكذا ما جرى بين الصحابة من المشاجرات والفتن، بناء على التأويل والاجتهاد، فإن كل فريق ظنّ أن الواجب ما صار هو إليه، وأنه أوفق للدين، وأصلح لأمور المسلمين، فلا يوجب ذلك طعناً فيهم، وانظر في قصة موسى مع هارون عليهما السلام، وتأمل فيها تجد فيها شفاء لما يتخالج في الصدور من مشاجرات الصحابة ومناقشات الأئمة الثقات .... ».
• • •
¬
(¬1) قال عبد الفتاح أبو غدة في هامش الانتقاء ص272: الصحيح أن مسلماً يعنى بكلامه علي بن المديني كما بينته في آخر الموقظة للذهبي ص134 - 140.
الخاتمة:
نذكر فيها أهم النتائج التي توصلنا لها من خلال هذا البحث:
1. أن الإمام أبا حنيفة أكثر من طلب الحديث وكان من كبار علمائه، وعدّه من ألف في طبقات الحفاظ من حفاظ الحديث، ووصوله إلى درجة المجتهد المطلق يدلّ على ذلك.
2.كثرة عبارات أئمة الحديث والإسلام في الثناء على الإمام أبي حنيفة وتوثيقه وتعديله، والاعتراف بمكانته العلمية.
3.تمسك أصحاب الإمام أبي حنيفة ومن جاء بعدهم من محدثي المذهب بمذهب الإمام أبي حنيفة ودفاعهم عنهم يدلّ على تأييد للمكانة الرفيعة للإمام أبي حنيفة في الحديث.
4.إمكانية الاستناد للعديد من قواعد الجرح التعديل في دفع الطعون على الإمام أبي حنيفة.
5.يمكن إجمال الجواب على الطعون على الإمام أبي حنيفة فيما يلي:
أ. التعصب المذهبي نتيجة اختلاف المذهب الفقهي أو العقدي.
ب. التنافس بين الأقران.
ج. الطعن بما ليس من أسباب الطعن كالإكثار من الفقه.
د. أسانيد هذه الطعون ضعيفة ومردودة ولا تثبت.
هـ. دست كثير من العبارات في الكتب للطعن في الإمام أبي حنيفة.
6. لا عبرة بكل هذه الطعون الواردة في حق الإمام أبي حنيفة؛ لمعارضتها لما هو أقوى منها، ولصدورها بأسباب غير مقبولة.
• • •
المراجع:
1. أثر الحديث الشريف في اختلاف الأئمة الفقهاء - رضي الله عنهم -: لمحمد عوامة، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط4، 1418هـ.
2. الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة: لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304هـ)، تحقيق: الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب، ط3، 1994م.
3. أحسن الكلام فيما يتعلق بالسنة والبدعة من الأحكام: لمحمد بخيت المطيعي الحنفي (ت1354هـ)، مطبعة كردستان العلمية، القاهرة، ط2، 1329هـ.
4. أخبار أبي حنيفة وأصحابه: للحسين بن علي الصيمري (ت426هـ)، ت: أبو الوفاء الأفغاني، 1394هـ، لجنة إحياء المعارف النعمانية، حيدرآباد الهند.
5. الإعلام بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ: لمحمد بن عبد الرحمن السَّخَاوِيّ القاهريّ الشَّافِعِيّ شمس الدِّين (831 - 902هـ)، الرتقي دمشق، 1349هـ.
6. الانتصار والترجيح للمذهب الصحيح: ليوسف بن فرغل سبط ابن الجوزي (654هـ)، تحقيق: محمد زاهد الكوثري، المكتبة الأزهرية للتراث، 1415هـ.
7. الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء: ليوسف بن عبد البر (ت462هـ)، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب، ط1، 1417هـ.
8. البناية في شرح الهداية: لأبي محمد محمود بن أحمد العَيْنِي بدر الدين (762 - 855هـ)، دار الفكر، ط1، 1980مـ.
9. البيان والتعريف: لإبراهيم بن محمد الحسيني (ت1120هـ)، تحقيق: سيف الدين الكاتب، دار الكتاب العربي، بيروت، 1401هـ.
10. تاريخ بغداد: لأبي بكر أحمد بن علي الخطيب (393 - 463هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت.
11. تاريخ دمشق: لعلي بن الحسن أبي محمد بن هبة الله، المعروف بـ (ابن عساكر) (499 - 571هـ)، دار الفكر، دمشق.
12. تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب: لمحمد زاهد بن الحسن الكوثري (ت1371هـ)، المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة، ط1، 1419هـ.
13. تبييض الصحيفة في مناقب الإمام أبي حنيفة: لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي جلال الدين (849 - 911هـ)، دار إحياء العلوم، ضمن الرسائل التسعة له.
14. تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي: لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي جلال الدين (849 - 911هـ)، تحقيق: صلاح عويضة، دار الكتب العلمية.
15. تذكرة الحفاظ: لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذَّهَبِي شمس الدين (673 - 748هـ)، دار الكتب العلمية.
16. تقريب التهذيب: لأحمد بن علي ابن حَجَر العَسْقَلاني (ت852هـ)، تحقيق: عادل مرشد، مؤسسة الرسالة، ط1، 1996مـ.
17. التمذهب: لعبد الفتاح بن صالح اليافعي، مؤسسة الرسالة، ناشرون، ط1، 2006م.
18. تهذيب الأسماء واللغات: لأبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النَّوَوِيّ الشَّافِعِيّ (631 - 676هـ)، المطبعة المنيرية.
19. تهذيب الكمال في أسماء الرجال: لأبي الحجاج يوسف المزي (654 - 742هـ)، تحقيق: بشار عواد، مؤسسة الرسالة ط1، 1992م.
20. جامع بيان العلم: ليوسف بن عبد البر (ت463هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، 1398هـ.
21. الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر: لمحمد بن عبد الرحمن السَّخَاوِيّ القاهريّ الشَّافِعِيّ شمس الدِّين (831 - 902هـ)، تحقيق: الدكتور حامد عبد المجيد والدكتور طه الزيني، لجنة إحياء التراث الإسلامي، وزارة الأوقاف، مصر، 1986م.
22. حسن التقاضي في سيرة الإمام أبي يوسف القاضي: لمحمد بن زاهد الكوثري (ت1378هـ)، دار الأنوار للطباعة والنشر، مصر، 1368هـ.
23. حلية الأولياء حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: لأبي نُعَيْم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (ت430هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1403هـ، وأيضاً: طبعة دار الكتاب العربي، بيروت، ط4، 1405هـ.
24. الخيرات الحسان في مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان: لأحمد بن علي بن حجر المكي الهيتمي الشافعي (909 - 974هـ)، بغداد، 1989م.
25. الرفع والتكميل في الجرح والتعديل: لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304هـ)، تحقيق: الشيخ عبد الفتاح أبو غدة. مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب، ط3، 1987م.
26. سند الأنام شرح مسند الإمام أبي حنيفة: لأبي الحسن علي بن سلطان محمد القاري الهروي (930 - 114هـ)، تحقيق: خليل الميس، دار الكتب العلمية، بيروت.
27. سير أعلام النبلاء: لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذَّهَبِي شمس الدين (673 - 748هـ)، تحقيق: شعيب الأرناؤوط ومحمد نعيم العرقسوي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط9، 1413هـ.
28. شرح الألفية: لزين الدين عبد الرحيم العراقي، دار الكتب العلمية، بيروت.
29. شروط الأئمة الخمسة: لمحمد بن موسى الحازمي، تحقيق: محمد زاهد الكوثري، مكتبة الشرق الجديدة، بغداد.
30. طبقات الشافعية: لأبي بكر أحمد بن محمد بن عمر تقي الدين ابن القاضي شهبة الدمشقي (779 - 851هـ)، تحقيق: الدكتور الحافظ عبد العليم خان، دار الندوة الجديدة، بيروت، 1408هـ.
31. طبقات الشافعية الكبرى: لعبد الوهاب بن علي السبكي الشافعي تاج الدين (727 - 771هـ)، دار المعرفة، ط2.
32. العبر في خبر من غبر: لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذَّهَبِي شمس الدين (673 - 748هـ)، تحقيق: الدكتور صلاح الدين المنجد، مطبعة حكومة الكويت، 1963مـ.
33. عقود الجمان في مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان: لمحمد بن يوسف الصالحي (ت942هـ)، مكتبة الإيمان، المدينة المنورة.
34. غيث الغمام على حواشي إمام الكلام: لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304هـ)، المطبع العلوي، لكنو، 1304هـ.
35. فتح الملهم بشرح صحيح الإمام مسلم: لمحمد شفيع العثماني، مكتبة دار العلوم كراتشي، ط1، 1422هـ.
36. فواتح الرحموت بشرح مُسَلَّم الثُّبُوت: لعَبْد العلي مُحَمَّد بن نظام الدِّين الأَنْصَارِيّ، دار العلوم الحديثة، بيروت.
37. فيض الباري شرح صحيح البخاري: لمحمد أنور شاه الكشميري، مطبعة حجازي، 1357هـ.
38. الكامل في ضعفاء الرجال: لعبد الله بن عدي أبو أحمد الجُرْجاني (277 - 365هـ)، تحقيق: يحيى مختار غزاوي، دار الفكر، بيروت، ط3، 1409هـ.
39. مرآة الجنان وعبر اليقظان في ما يعتبر من حوادث الزمان: لعبد الله بن أسعد اليافعي (ت768هـ)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط1، 1970م.
40. المصنف: لعبد الرزاق بن همام الصنعاني (126 - 211هـ)، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط2، 1403هـ.
41. المعجم الكبير: لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطَّبَرَاني (260 - 360هـ)، تحقيق: حمدي السلفي، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، ط2، 1404هـ.
42. مفتاح السعادة ومصباح السيادة: لأحمد بن مصطفى طاشكبرى زاده (ت968هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1405.