إمام الأئمة الفقهاء ............
... أبو حنيفة النعمان بن ثابت
جارٍ تحميل الكتاب…
إمام الأئمة الفقهاء ............
... أبو حنيفة النعمان بن ثابت
إمام الأئمة الفقهاء
أبو حنيفة النعمان بن ثابت
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
الأردن، عمان
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة:
الحمد لله على هدايته بقرآنه الكريم وسنّة نبيه العظيم، والمرشد ببيان الحلال من الحرام باجتهاد المجتهدين، ممن رزقهم القبول بين العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحابته ومَن تبعهم إلى يوم الدين.
وبعد:
إن إمامنا الأعظم أبا حنيفة النعمان رضي الله عنه وأرضاه يوم يلقاه نال من الرضا والقبول بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ما لم ينله عالم، فانتشر فقهه ومذهبه في ربوع البلاد، تتسابق الدول إلى تطبيقه قبل أفرادها؛ لما عاينوا فيه من الفهم الثاقب لكتاب الله - جل جلاله - وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، والاتساع لما يقع من الناس وما تحتاجه الحكومات، والإمكانية لتطبيقه لدى العامي والعالم؛ ليسره وسهولة تناوله، وغيرها من الأسباب التي يدركها المشتغلون بالفقه.
وكان من سنّة الله - عز وجل - في حفظ دينه أن ييسر له العلماء العاملين،
المنافحين عن أئمة الإسلام وفقههم في وجه شرذمة قليلة تسعى بكل جهدها عبر التاريخ للنيل من الفقه وأئمته؛ لضعف بصيرتهم وقلّة حيلتهم وحسدهم وتعصّبهم.
فهبَّ الفقهاء والمؤرخون والمحدثون في الذود عن الدين وأهله، وألفوا عشرات بل مئات التآليف في الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -، يبينون فيها حاله من العلم والفقه والحديث والتقوى والورع، ولم يقتصر ذلك على علماء مذهبه، بل صنّف فيه كبار علماء المذاهب الأخرى من المالكية والشافعية والحنابلة، وكلها تآليف أنيقة بديعة في بابها، تردّ كيد الكائدين، وحسد الحاسدين.
إلا أنني لما رأيت سوء الظن من بعضهم؛ لجهله بالفقه ومعناه وتسلسله التاريخي وكيفية استخراج مسائله والاستدلال لها مما جعلهم يقعون في فقهائنا، عزمت على جمع كتاب يبيِّن حقيقة الأمر، ويرفع اللثام عن الفقه وطريقة انتقاله للإمام الأعظم، ويكشف الستار عن مستند الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - فيما ذهب إليه، ويدفع الترهات التي علقت في أذهان بعضهم من قبل الأقران والمتعصبين والحاسدين.
فحققت في الفصل الأول مكانة مدرسة الكوفة الفقهية بما كان مسلّماً عند سلفنا، وفصّلت في الفصل الثاني في طبقة الإمام أبي حنيفة، وبيَّنت في الفصل الثالث توثيق العلماء المنصفين له، وهكذا.
ومن المعلوم أن الإحاطة بجوانب علم وفقه وحديث وورع وسلوك وشخصية هذا الإمام العظيم غير متيسّر في كتاب، إلا إذا بلغ آلاف
الصفحات، فقد ألفت فيه كتب نافت عن الخمسمئة صحيفة كمناقب الموفق المكي، ومناقب الكردري، ومع ذلك لم تحط، بل إنك تجد في كل تأليف عنه فوائد ودرر لم يحوها غيره من كتب مناقبه؛ لذلك سلط الضوء في هذا الكتاب على الجانب الحديثي من حيث ورده واستناده له واستدلاله به ودفع بعض الشبه المتعلقة به؛ لكثرة ما يدور فيها من الكلام، لا سيما في هذا الزمان؛ لأسباب ليس هنا محل بسطها.
وعرجت على الجانب الفقهي والسلوكي والعقدي وغيره بما يبيّن حقيقة الحال التي استحقّ بها أن يكون إماماً للمسلمين، وسمَّيت هذا التأليف:
«إمام الأئمة الفقهاء أبو حنيفة النعمان بن ثابت»
وأسأل الله - جل جلاله - أن يجعلَه خالصاً لوجه الكريم، وأن ينفع به المؤمنين، ويبصِّر به المهتدين؛ للخروج من الطعن في أئمة الدين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آهل وصحابته أجمعين.
وكتبه
الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
29/آب/2005م
الموافق 24/رجب/1426هـ
الأردن/عمان/صويلح
تمهيد في معنى الإمام والفقه:
قبل الولوج في هذه الدراسة يحسن بنا الوقوف عند كلمات العنوان، ومعرفة معانيها، وملاحظة مدى انسجامها مع ما نحن فيه.
أولاً: الإمام:
الأول: معنى الإمام لغة:
الإمام كل من اقتدي به سواء كان على الصراط المستقيم أو كان من الضالين ... وإمام كل شيء: قيِّمُه والمُصْلحُ له، وبهذا المعنى وردت في القرآن في ثلاثة عشرة مرّة (¬1)، ومنها: {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} (¬2)، و {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} (¬3).
الثاني: من صفات الإمام:
هذا من المسائل التي تحتاج إلى تنقيح وتحقيق ليتميّز مَن يستحقّ أن يطلق عليه إمام من غيره، ويتبيّن مراتب الأئمة فإن لهم حداً أدنى وحدّاً أعلى، ويوضح أن منهم مَن يكون إماماً في علم، ومنهم من يكون إماماً في
¬
(¬1) ينظر: المعجم المفهرس ص103.
(¬2) الاسراء: من الآية71.
(¬3) الفرقان: من الآية74.
علوم، وهكذا، وإنني في كتاب «المنهج الفقهي للإمام اللكنوي» (¬1) قمت بشيء من الاستقراء في كتب التراجم لتتبع صفات مَن يطلق عليه إمام؛ ليتحصّل لنا تصوّر إجمالي عنه، مع معرفة بالصفات التي تكون سبباً في الإمامة، ومنها:
1.عدم الأخذ بالشاذ في العلم، يقول ابن عبد البر - رضي الله عنه - (¬2): «ولا يكون إماماً في العلم من أخذ بالشاذ في العلم».
2.تفوقه على الأقران وعدم وجود نظير له فيما بوّأه هذه المنزلة (¬3).
3.التميُّز بكثرة الحفظ والإطلاع والقبول عند الناس: جاء في ترجمة عمر النسفي (ت537هـ): «أحد الأئمة المشهورين بالحفظ الوافر والقبول التام» (¬4).
4.الرجوع إليه في الفتوى: جاء في ترجمة محمد البارعي: «كان علامة زمانة من كبار الأئمة أقرّ له أهل زمانه بالفتوى» (¬5).
5.الاشتغال بالعلم ونفع الناس به: جاء في ترجمة أبي إسحاق الشيرازي (ت476هـ): «أكثر الأئمة اشتغالاً بالعلم» (¬6).
¬
(¬1) المنهج الفقهي ص24 - 25.
(¬2) في الاستذكار 1: 309، وينظر: إبراز الغي ص9، وغيره.
(¬3) ينظر: معجم الأدباء 6: 6، 12.
(¬4) ينظر: الفوائد البهية ص149، ومقدمة السعاية 1: 44، وغيرها.
(¬5) ينظر: الفوائد ص166، 56، ومقدمة العمدة 1: 22، وغيرها.
(¬6) ينظر: طبقات الشافعية لهداية الله ص208، والفوائد ص123، وغيرها.
6.البراعة في التأليف: جاء في ترجمة ابن حجر (ت752هـ): «وكل تصانيفه تشهد بأنه إمام الحفاظ محقق المحدثين، لم يخلف بعده مثله» (¬1).
7.التبحر في العلم: جاء في ترجمة الحسن بن منصور الأوزجندي (ت593هـ): «كان إماماً كبيراً، بحراً عميقاً، غوّاصاً في المعاني الدقيقة كبير الشأن، فارساً في الأصول والفروع» (¬2).
8.الاقتداء به في العلم، قال اللكنوي: «الترمذي أحد الأئمة الذي يقتدى بهم في علم الحديث، وكان يضرب به المثل» (¬3).
9.انتهاء العلم إليه: جاء في ترجمة عبد الشكور الكاكوري: «وانقطع إلى التأليف والمناظرات والردّ على الشيعة ... وانتهت إليه الإمامة في هذا الشأن في عصره، لا يدانيه في الإحاطة بهذا الغرض أحد من معاصريه إلا أن يكون عند الله علم بذلك» (¬4).
وإذا نظرنا نظرة سريعة إلى انطباق هذه الصفات على الإمام الأعظم، فإننا نجدها من المسلّمات في شخصيته، وسيأتي تحقيق ذلك فيما بعد أثناء دراسته والإطلاع على أحواله وصفاته، فسيتبيّن بكل جلاء عدم اعتماده شاذ العلم، وإنما على الثابت المشهور المتناقل جيلاً بعد جيل في مدرسة الكوفة
¬
(¬1) ينظر: التعليقات السنية ص16، والفوائد ص174، وغيرها.
(¬2) ينظر: مقدمة السعاية 1: 22، ومقدمة التعليق 1: 23، وغيرها.
(¬3) ينظر: مقدمة السعاية 1: 22، ومعجم الأدباء 3: 75، وغيرها.
(¬4) ينظر: نزهة الخواطر 8: 254، 468، وغيره.
الفقهية، وقد بلغ من المكانة والرفعة ما فاق به أقرانه في العلم والعمل حتى حسدوه لما كان عليه.
ومن سعة حفظه واطلاعه ذكرته كتب الحفاظ في حفاظ هذه الأمة، وإليه انتهت الفتوى في الكوفة، ونال من القبول بين الخلق ما لم ينله إنسان بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ خضعت له رقاب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وقلدته في فقهه، وطبقته الدول المتعاقبة في قضائها وحكمها، وما هذا إلا لكثرة اشتغاله بالعلم، وتبحره وبراعته فيه، حتى وصف بأن الفقه صنعته، وأن الناس عيال عليه فيه، فهو حقاً إمام الأئمة الفقهاء.
ثانياً: الفقه:
الأول: معنى الفقه لغة:
هو الفهم مطلقاً فهو ما يَدُلُّ على إدراكِ الشّيء، والعلم به، والفهمِ له، والعلمِ بغرض المخاطب من خطابه: أي فهم غرض المتكلم من كلامه (¬1)، قال - جل جلاله -: {فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} (¬2)،و {قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ} (¬3).
¬
(¬1) ينظر: العين 2: 70، ومفردات القرآن ص398، ومعجم مقاييس اللغة 4: 442، ولسان العرب 5: 3450، والكليات ص67، وغيرها.
(¬2) النساء: من الآية78.
(¬3) هود: من الآية91.
الثاني: اصطلاحاً:
فعرّفه الإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه -: معرفةُ النَّفسِ ما لها، وما عليها عملاً.
ولفظ: عملاً زاده أصحابه - رضي الله عنهم -؛ لتخرجَ الاعتقادات والوجدانيات، فيخرج الكلام والتَّصوف.
والمعرفة إدراكُ الجزئياتِ عن دليل.
ومعنى ما لها وما عليها: ما يجوز لها، وما يحرم عليها، فيشملان جميع الأصناف (¬1).
وعرَّفه الأصوليون بتعاريف كثيرة أشهرها: العلم بالأحكام الشَّرعيَّة العملية المكتسب من أدلتها التَّفصيليَّة (¬2). وهو منقول عن أصحاب الإمام الشافعي - رضي الله عنه -.
¬
(¬1) التوضيح1: 10 - 11. وينظر: حاشية نسمات الأسحار على شرح إفاضة الأنوار ص10.
(¬2) ينظر: نهاية السول 1: 22، وحاشية قمر الأقمار على كشف الأسرار علىلمنار1: 2، والتعريفات ص147، والمستصفى 1: 4، والدر المختار 1: 26 - 27، وفواتح الرحموت بشرح مُسَلَّم الثُّبُوت 1: 12، والكليات ص690، والميزان الكبرى 1: 107، وأصول الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي1: 19، وأصول الفقه تاريخه ورجاله ص10، وعلم أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف ص11، ومحاضرات في أصول الفقه لفتضل شاكر ص4، وأصول الفقه الاسلامي لبدران أبو العينين ص25، وأصول الفقه لمحمد الطاهر النيفر ص2، وغيرها.
فالأدلة التفصيلية: هي الأدلة الجزئية التي يتعلّق كلّ دليل منها بمسألة معيّنة وينص على حكم خاص بها (¬1) كقوله - جل جلاله -: {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ} (¬2)، فهي دليل جزئي يتعلّق بحكم قتل النفس بغير حق.
وخرج بالأحكام: العلم بالذوات والصفات والأفعال، وبالشرعية: العقلية, والمراد بها ما يتوقف معرفتها على الشرع. وبالعملية: عن العلمية, ككون الإجماع وخبر الواحد حجة (¬3).
وعرّف الفقهاء الفقه: بأنه علم يبحث فيه عن أحوالِ الأعمالِ من حيث الحلِّ، والحرمةِ، والفساد، والصِحة (¬4). ويطلق على: حِفظ جملة من الفروع (¬5). ويطلق أيضاً على: مجموعة من الفروع (¬6).
فالحاصل أن الفقه في الأصول: علم الأحكام من دلائلها ... ، فليس الفقيه إلا المجتهد عندهم، وإطلاقه على المُقلِّد الحافظ للمسائل مجاز، لكن
¬
(¬1) ينظر: المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية ص55، وغيره.
(¬2) الأنعام: من الآية151.
(¬3) ينظر: البحر المحيط 1: 34،والتقرير والتحبير 1: 19، وشرح الكوكب المنير ص11، وحاشية العطار 1: 52.
(¬4) ينظر: حاشية الخادمي على شرح الدرر ص3، وغيره.
(¬5) الدر المختار 1: 26 - 27، وعند أهل الحقيقة الجمع بين العلمِ والعمل، لقول الحسن البصريّ: إنَّما الفقيه المعرض عن الدنيا الزاهد في الآخرة، البصير بعيوب نفسه.
(¬6) ينظر: المدخل الفقهي العام 1: 55، وغيره.
صرح الأصوليون بأن الحقيقة تترك بدلالة العادة، وحينئذٍ فينصرف كلام الواقف الموصي للفقهاء إلى ما هو المتعارف في زمنه؛ لأنه حقيقة كلامه العرفية، فتترك به الحقيقة الأصلية، ويكون حقيقة في عرف الفقهاء.
وتكلّموا في المقدار الأدنى الذي يجب أن يحفظه الشخص حتى يطلق عليه لقب: الفقيه؛ وانتهوا إلى أن هذا متروك للعرف، ونستطيع أن نقرّر أن عرفنا الآن لا يطلق لقب: فقيه إلا على من يعرف موطن الحكم من أبواب الفقه المتناثرة بحيث يسهل عليه الرجوع إليه (¬1).
أما بالنسبة إلى الإمام الأعظم فإنه بلغ أعلى درجات الاجتهاد المطلق، حتى صار قدوة وإماماً للمجتهدين والفقهاء في اجتهادهم وفقههم وتفقيههم، ومن مدرسته الفقهية تخرج مئات الآلاف من الأئمة والعلماء والفقهاء عبر القرون، حتى استحقّ أن يطلق عليه إمام الأئمة الفقهاء.
• • •
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار 1: 26، وحاشية الخادمي ص3، والموسوعة الفقهية الكويتية 1: 14، والمنهج الفقهي للإمام اللكنوي ص20 - 21، المدخل إلى دراسة الفقه ص16، وغيرها.
الفصل الأول
الفقه من العصر النبوي
إلى زمن الإمام أبي حنيفة
ويشتمل على مبحثين، وهما:
المبحث الأول: الفقه في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة
المبحث الثاني: مكانة الكوفة العلمية
المبحث الأول
الفقه في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم -
والصحابة - رضي الله عنه -
المطلب الأول
الفقه في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم -
فصَّلت الكلام عن الفقه في العصر النبوي وعصر الصحابة - رضي الله عنهم - في «المدخل إلى دراسة الفقه» (¬1)، وإنني أجمل الكلام فيهما هنا بما يوضح للناظر صورة الفقه قبل الانتقال للحديث عن مدرسة الكوفة، ومن ثمَّ عن إمامها وناقل فقهها الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -.
من مميزات الفقه في العصر النبوي ما يلي:
أولاً: إن المرجع للأحكام الفقهية فيه هو الوحي:
فمصدر الأحكام الوحي وإن حصل اجتهاد من الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو من بعض أصحابه - رضي الله عنهم - فيه إلا أن هذا الاجتهاد كان مؤيّداً بالوحي، فلو أنه لم يصب مراد
¬
(¬1) المدخل إلى دراسة الفقه ص35 - 75.
الله تعالى لقوِّم إلى ما هو الصواب، فالمعتمد ما أقره الوحي من التشريع إلا ما كان من اجتهاد ممن بعثهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لخارج المدينة المنورة كمعاذ وعلي عند بعثهم إلى اليمن فإنهم كانوا يجتهدوا في كل ما لم يجدوا في الكتاب والسنة دون رجوع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحثَّ - صلى الله عليه وسلم - معاذاً على الاجتهاد حين بعثه: (بمَ تقضي يا معاذ؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنَّة رسوله، قال: فإن لم تجد؟ قال: اجتهدُ فيه برأيي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الحمدُ لله الذي وفَّق رسولَ رسولِه بما يرضى به رسوله) (¬1).
ومن الأمثلة على اجتهاد الصحابة - رضي الله عنهم -:
1.عن زيد بن أرقم أن رجلاً من أهل اليمن (حدث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن
¬
(¬1) أخرجه أبو داود في سننه 3: 313 والترمذي في جامعه 3: 616 وأشار إلى ضعفه وله شواهد موقوفة عن عمرو بن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس أخرجهما البيهقي في سننه الكبير10: 114 عقيب تخريج هذا الحديث تقوية له. كذا في مرقاة الصعود شرح سنن أبي داود للسُّيوطي. وقال الخطيب في الفقيه والمتفقه1: 188: إن أهل العلم قد تقبلوه واحتجوا به فوقفنا بذلك على صحته عندهم كما وقفنا على صحة قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا وصية لوارث)، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في البحر: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة تحالفا وترادا)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (الدية على العاقل)، وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد لكن لما تلقتها الكافة عن الكافة غنوا بصحتها عندهم عن طلب الإسناد لها فكذلك حديث معاذ لما احتجوا به جميعاً غنوا عن طلب الإسناد له. وتمامه في هامش: الحدود والأحكام الفقهية ص82 - 83، وفقه أهل العراق وحديثهم ص290.
ثلاثة وقعوا على امرأة في طهر , فأتوا علياً يختصمون في الولد ... فقال: أنتم شركاء متشاكسون إني مقرع بينكم فمن قرع فله الولد وعليه لصاحبيه ثلثا الدية فأقرع بينهم فجعله لمن قرع, فضحك الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه أو أضراسه) (¬1).
2.عن جابر - رضي الله عنه - قال: (غزونا جيش الخبط وأُمِّرَ أبو عبيدة، فجعنا جوعاً شديداً، فألقى لنا البحر حوتاً ميتاً لم نر مثله يقال له: العنبر فأكلنا منه نصف شهر، فأخذ أبو عبيدة عظماً من عظامه فمرّ الراكب تحته، فأخبرني أبو الزبير أنه سمع جابراً يقول قال أبو عبيدة - رضي الله عنه -: كلوا فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال كلوا رزقاً أخرجه الله، أطعمونا إن كان معكم فأتاه بعضهم بعضو فأكله) (¬2).
3.أن عمرو بن العاص - رضي الله عنه -: (كان على سرية وأنه أصابهم برد شديد لم يروا مثله، فخرج لصلاة الصبح قال: والله لقد احتلمت البارحة فغسل مغابته وتوضأ وضوءه للصلاة ثم صلى بهم فلما قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه فقال: كيف وجدتم عمراً وأصحابه فأثنوا عليه خيراً
¬
(¬1) في المستدرك 2: 225، وصححه، وسنن البيهقي الكبير 10: 267، وسنن أبي داود 2: 281، وسنن النسائي 3: 380، وسنن ابن ماجة 2: 786، ومصنف ابن أبي شيبة 6: 286، وشرح معاني الآثار 4: 382، والمعجم الكبير 5: 173، وغيرها.
(¬2) في صحيح البخاري 4: 1586، واللفظ له، ومسند أحمد 3: 311، ومسند أبي عوانة 5: 22، وغيرها.
وقالوا يا رسول الله صلى بنا وهو جنب فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عمرو فسأله فأخبره بذلك وبالذي لقي من البرد وقال يا رسول الله: إن الله قال: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} (¬1)، ولو اغتسلت مت فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عمرو) (¬2). (¬3)
3.عن ابن عمر - رضي الله عنه -: (أنه نادى فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم انصرف من الأحزاب: لا يصلين أحد الظهر (¬4) إلا في بني قريظة فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا دون بني قريظة. وقال آخرون: لا نصلي إلا حيث أمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن فات الوقت. قال: فما عنف واحداً من الفريقين) (¬5).
ولم يتوقف اجتهاد الصحابة - رضي الله عنهم - على مَن كان خارج المدينة، بل اجتهدوا داخل المدينة وبين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فعن صفوان بن سليم - رضي الله عنه -: «لم يكن يفتي في المسجد زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير هؤلاء: عمر، وعلي، ومعاذ، وأبي
¬
(¬1) النساء: من الآية29.
(¬2) في صحيح ابن حبان 4: 143، والمستدرك 1: 285، وسنن البيهقي الكبير 1: 226، وسنن الدارقطني 1: 179، وغيرها.
(¬3) ومن أراد الاستفاضة في اجتهادات الصحابة - رضي الله عنهم - عنهم فليرجع إلى الفصول في الأصول 4: 37 وما بعدها، وغيره.
(¬4) في رواية صحيح البخاري 1: 321 لفظ: العصر.
(¬5) في صحيح مسلم 3: 1391، وصحيح ابن حبان 4: 320، ومسند أبي عوانة 4: 264، وسنن البيهقي الكبير 10: 119، وغيرها.
موسى» (¬1)، ومن هذا الاجتهاد:
أ. تحكيم النبي - صلى الله عليه وسلم - سعد بن معاذ - رضي الله عنه - في بني قريظة باجتهاده فحكم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (لقد حكمت بحكم الله أو حكم الملك) (¬2).
ب. عن أبي قتادة الأنصاري - رضي الله عنه -: (خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام حنين فذكر قصته في قتله القتيل وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من قتل قتيلاً فله سلبه, ... فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله وسلب ذلك القتيل عندي فأرضه عنّي، فقال أبو بكر جواباً؛ لهذا القائل: لاها الله إذن لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه، فقال - صلى الله عليه وسلم -: صدق) (¬3) فإن الظاهر أن هذا من أبي بكر - رضي الله عنه - بالاجتهاد, وهو بحضرته, وقد صوبه - صلى الله عليه وسلم - بتصديقه له في ذلك (¬4).
ثانياً: التدريج في التشريع:
إن الأحكام الشرعية لم تنْزل دفعة واحدة، وإنما نزلت في أوقات
¬
(¬1) ينظر: سير أعلام النبلاء 2: 389، وغيرها.
(¬2) في صحيح البخاري 3: 1384، وصحيح مسلم 3: 1389، وصحيح ابن حبان 15: 496.
(¬3) في صحيح البخاري 3: 1144، وصحيح مسلم 3: 1371، وغيرهما باختصار.
(¬4) ينظر: تفصيل مسألة اجتهاد الصحابة - رضي الله عنهم - في التحرير ص528، والتقرير والتحبير 3: 301 - 303، والبحر المحيط 8: 255 - 264، وغيرها.
متفاوتة في مدة نبوته - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك تدرّج في أحكام بعض التشريعات: كالخمر فإنها لم تحرم رأساً وإنما مهد لها ببيان أضرارها أولاً {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} (¬1)،ثم النهي عن قربان الصلاة في حالة السكر ثانياً {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} (¬2)، ثم جاء التحريم القاطع أخيراً (¬3) {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} (¬4).
ثالثاً: النسخ:
وهو أن يرد دليل شرعي متراخياً عن دليل شرعي مقتضياً خلاف حكمه (¬5)، قال - جل جلاله - تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} (¬6)، وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يصلي إلى بيت المقدس إلى أن نسخ الله تعالى الصلاة إلى تلك الجهة وأمره بالتوجه إلى الكعبة بقوله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
¬
(¬1) البقرة: من الآية219.
(¬2) النساء: من الآية43.
(¬3) ينظر: المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية ص94، وغيره.
(¬4) المائدة:90
(¬5) ينظر: التوضيح 2: 62، والتلويح 2: 62، وغيرهما.
(¬6) البقرة: من الآية106.
وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} (¬1)، وقال: - جل جلاله -: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (¬2).
رابعاً: إقرار الشارع لتقليد المجتهدين:
إن تقليد العوام للعلماء المجتهدين بدأ من عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بإرشاد من الشارع الحكيم قال - جل جلاله -: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (¬3)، وقام الرسول - صلى الله عليه وسلم - ببعث أصحابه إلى خارج المدينة وأرشدهم إلى الاجتهاد كما سبق ذكره في بعث معاذ - رضي الله عنه - وعلي - رضي الله عنه - إلى اليمن، واجتهادهم لا يكون إلا فيما لا نص فيه مما وقع لهم من حوادث ومسائل سئلوا عنها؛ ليقلدهم الناس فيها.
قال العلامة ابن فرحون المالكي - رضي الله عنه - (¬4): «قال - جل جلاله -: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (¬5)،وأمر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالاقتداء بالخلفاء بعده وأصحابه وقد بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه في الناس ليفقهوهم في الدين ويعلموهم ما كتب عليهم».
¬
(¬1) البقرة: من الآية144.
(¬2) البقرة: الآية 142.
(¬3) النحل: من الآية43.
(¬4) في الديباج المذهب 1: 11.
(¬5) النحل: من الآية43.
أضف إلى ذلك إقرار الرسول - صلى الله عليه وسلم - لاجتهادات صحابته في المدينة وتقليد غيرهم لها كما سبق، قال سهل بن أبي حثمة - رضي الله عنه -: «كان الذي يفتون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة من المهاجرين وثلاثة من الأنصار عمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت» (¬1).
قال الإمام الكوثري - رضي الله عنه - (¬2): «وقد درب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصحابة - رضي الله عنهم - على الرأي واستنباط أحكام النوازل غير المنصوص عليها من النصوص، بإرجاع النظير إلى النظير، وكان المجتهدون من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يقولون بالرأي وكذلك الفقهاء من التابعين».
• • •
¬
(¬1) ينظر: طبقات الفقهاء للشيرازي ص20، وغيره.
(¬2) في تأنيب الخطيب ص168.
المطلب الثاني
الفقه في عصر الصحابة - رضي الله عنهم -
أولاً: من أبرز مظاهر هذا العصر ما يلي:
الأول: متابعة الصحابة - رضي الله عنهم - لهدي نبيّهم - صلى الله عليه وسلم - في الرجوع إلى القرآن ثم السنة في معرفة الأحكام الفقهية فإن لم يجدوا فيهما اجتهدوا برأيهم؛ لبيان مقصود الله - جل جلاله - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - فيما لا نصّ فيه مما يجد من مسائل، ويتجلّى ذلك في الفروع العديدة التي رويت عنهم - رضي الله عنهم - كما في «مصنف عبد الرزاق» و «مصنف ابن أبي شيبة» وغيرها من الكتب الحديثية والفقهية، وكذلك في النصوص الكثيرة الواردة عنهم - رضي الله عنهم - في اجتهادهم باستعمال رأيهم في استنباط الأحكام على مراد الشارع، فعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن رجلاً تزوج امرأة فلم يفرض لها ولم يمسّها حتى مات قال: فردّهم، ثم قال: أقول فيها برأيي فإن
كان صواباً فمن الله وإن كان خطأً فمنّي، أرى لها صداق امرأة من نسائها لا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث (¬1).
الثاني: تقليدهم - رضي الله عنهم - للأعلم والأصلح فيهم فيما اجتهد به من مسائل، لحض النبي - صلى الله عليه وسلم - على ملازمة طريقة خلفائه وفهمهم - رضي الله عنهم -؛ لأنهم أعلم أصحابه وأورعهم وأتقاهم، وأعرفهم بمقصود الشرع الكريم، قال - صلى الله عليه وسلم -: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين (¬2) فتمسّكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كلّ محدثة بدعة وكلّ بدعة ضلالة) (¬3).
قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «إنه قد أتى علينا زمان ولسنا نقضي ولسنا هنالك، ثم إن الله - جل جلاله - قدر علينا أن بلغنا ما ترون، فمَن عرض له منكم قضاء بعد اليوم، فليقض بما في كتاب الله، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله، فليقض بما قضى به نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فليقض بما قضى به الصالحون، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه - صلى الله عليه وسلم - ولا قضى به الصالحون، فليجتهد رأيه ولا يقول: إنّي أخاف وإنّي
¬
(¬1) المنتقى 1: 179، وصحيح ابن حبان 9: 409، والمستدرك 2: 196، وسنن أبي داود 2: 237، وغيرها.
(¬2) أطال الإمام اللكنوي - رضي الله عنه - في تحفة الأخيار بإحياء سنة سيد الأبرار ص48 - 53 الكلام عن سنة الخلفاء الراشدين، وفيه فوائد جمّة لمن طالعه.
(¬3) في صحيح ابن حبان 1: 179، والمستدرك 1: 174، والمسند المستخرج 1: 36، وجامع الترمذي 5: 44، وسنن الدارمي 1: 57، وغيرها.
أخاف، فإن الحلالَ بيِّن والحرامَ بيِّن، وبين ذلك أمور مشتبهات، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (¬1).
الثالث: حرص الصحابة - رضي الله عنهم - على الاجتهاد فيما جدّ من مسائل لمَن كان أهلاً لذلك، كما سبق في ابن مسعود - رضي الله عنه - وغيره.
الرابع: حرصهم على المشاورة في الأحكام الشرعية، إدراكاً منهم للفهم الصواب للمسألة، ولئلا يكون فيها نصٌّ خفي عن بعضهم، روى عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن أبا بكر - رضي الله عنه - كان إذا نزل به أمر يريد فيه مشاورة أهل الرأي والفقه دعا رجالاً من المهاجرين والأنصار، دعا عمر وعثمان وعلياً وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم - فمضى أبو بكر - رضي الله عنه - على ذلك، ثم ولي عمر - رضي الله عنه - فكان يدعو هؤلاء النفر (¬2). وقال الشعبي - رضي الله عنه -: «من سرّه أن يأخذ بالوثيقة في القضاء فليأخذ بقضاء عمر - رضي الله عنه - فإنه كان يستشير» (¬3).
الخامس: تحرِّيهم في قَبول السنة، فليس كل مَن نسب شيئاً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأخذون به دون أن ينظروا موافقته لغيره من نصوص الشرع العظيم، فمثلاً: قالت فاطمة بنت قيس رضي الله عنها: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، فردّ عمر - رضي الله عنه -: لا نترك كتاب الله وسنّة نبينا - صلى الله عليه وسلم - لقول امرأة لا
¬
(¬1) في سنن النسائي 3: 469، وقال النسائي: هذا الحديث جيد، والمجتبى 8: 230.
(¬2) ينظر: طبقات الفقهاء للشيرازي ص21، وغيره.
(¬3) ينظر: طبقات الفقهاء للشيرازي ص20، وغيره.
ندري لعلها حفظت أو نسيت لها السكنى والنفقة، قال الله - جل جلاله -: {لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} (¬1). (¬2)
السادس: حصول اختلاف بينهم في كثير من المسائل الفقهية دون إنكار منهم لذلك؛ لعلمهم أن لكل مجتهد نصيب ما دام من أهل الاجتهاد ويبتغي تحصيل حكم الله في المسألة، وكتب الفقه والحديث تطفح بخلافتهم - رضي الله عنهم - في ذلك.
السابع: مراعاتهم - رضي الله عنهم - لعلل النصوص وضوابطها ومخصّصاتها ومبيّناتها لا لظواهرها فحسب، فإنهم - رضي الله عنهم - عاشوا عصر التشريع مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفهموا الأحكام الشرعية على حقيقتها وكنهها، فطبقوها على مراد الشارع منها، ولا يكون إلا ذلك من الصحابة - رضي الله عنهم - لمن أنْزلهم منْزلتهم من العلم والتقوى والورع، فلا يليق بهم - رضي الله عنهم - أن يقدموا أفهام أنفسهم على أوامر الشارع، والمصلحة المبنيّة على العقل على مصلحة المشرع، ومَن ادّعى ذلك فقد جازف وضلّ عن سواء السبيل.
الثامن: الكفُّ عن الاجتهاد إلا لمن كان أهلاً لذلك، ورأى في إمكانه الاجتهاد فيما سئل عنه، فلم يكن باب الاجتهاد مفتوحاً على مصرعيه لكلّ أحد، فزمانهم زمان ورع ودين، فلا يتجاسر شخص فيه على أحكام الشرع
¬
(¬1) الطلاق: من الآية1.
(¬2) في صحيح مسلم 2: 1118، واللفظ له باختصار، وصحيح ابن حبان 10: 63، وجامع الترمذي 3: 484، وغيرها.
إلا إذا ظنّ قدرته على الوفاء بهذا الواجب العظيم، وفيما روينا عن ابن مسعود - رضي الله عنه - من تردده مرات في الاجتهاد فيمن مات عنها زوجها ولم يسمِّي لها مهراً، ولما روي (أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار) (¬1).
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى - رضي الله عنه -، قال: «أدركت عشرين ومئة من الأنصار من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسأل أحدهم عن المسألة، فيردّها هذا إلى هذا, وهذا إلى هذا، حتى ترجع إلى الأول. وفي رواية: أدركت عشرين ومئة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فما كان منهم محدّث إلا ودّ أن أخاه كفاه الحديث، ولا مفت إلا ودّ أن أخاه كفاه الفتيا» (¬2)
وعن ابن مسعود وابن عباس - رضي الله عنهم -: من أفتى عن كل ما سئل فهو مجنون (¬3).
وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لا يسمح لأي من الصحابة بتحديث الناس وتعليمهم، فها هو أبو هريرة الصحابي الجليل - رضي الله عنهم - ينهاه عن التحديث، فيقول له: (لتتركنَّ الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو لألحقنك بأرض دوس، وقال لكعب: لتتركن الحديث أو لألحقنك بأرض القردة) (¬4).
¬
(¬1) رواه ابن عدي عن عبد بن جعفر مرسلاً. ينظر: كشف الخفاء 1: 51، وغيره.
(¬2) في الزهد لابن المبارك 1: 19 وقال: أخرجه ابن سعد من طريق سفيان وشعبة. وينظر: جامع الترمذي 5: 504 والمجموع 1: 73، وأصول الإفتاء ص3. والآداب الشرعية 2: 59، وكشاف القناع 6: 299، والموسوعة الفقهية الكويتية 32: 22، وغيرهم.
(¬3) ينظر: المجموع 1: 73، وأصول الإفتاء ص3، وغيرهما.
(¬4) في تاريخ ... أبي زرعة 1: 286، والبداية ... والنهاية 8: 106، وتاريخ ابن عساكر 19:
117/ 2كما في سير أعلام النبلاء 2: 600 - 601، قال الشيخ شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح.
التاسع: شيوع الاتباع والتقليد، حتى سمّي مَن بعدهم بالتابعين، ولا يكون ذلك إلا لشدّة الملازمة والمتابعة لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما كانوا عليه، فالصحابة - رضي الله عنهم - انتشروا في البلاد المفتوحة واستقروا فيها؛ ليعلموا الناس دينهم، ويفتوهم فيما جدّ عليهم من مسائل، وينقلوا لهم كلّ ما تلقوه عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قرآن وسنة وفقه.
فصار للصحابة - رضي الله عنه - في البلاد التي انتقلوا إليها أصحاب وتلاميذ يتعلمون على أيديهم وينقلوا علومهم وفتاويهم، وصار الغالب على أهل كل بلد فقه مَن عاش فيه من الصحابة - رضي الله عنه -، وكان حال العامّة هو التقليد لمذاهب هؤلاء الصحابة - رضي الله عنهم - كلٌ على حسب ما يصل إليه من علم، ولا يصل إليهم في العادة إلا علم وفتاوى من هم بين أظهرهم من الصحابة - رضي الله عنهم - في بلدتهم.
وهذا التقليد والاتباع لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولمن جاء بعدهم من العلماء المجتهدين لأنه كما يقول العلامة تقي الدين العثماني (¬1): «إن الطاعة بالذات لا تصلح في الشريعة الإسلامية إلا لله سبحانه ورسوله، وإن أحكام الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - مبيّنة في الكتاب والسنة إما صراحة وإما تضمناً كما بسطه الأصوليون في كتبهم، فكل حكم وجد في الكتاب والسنة صريحاً ولا يحتمل إلا المعنى الظاهر منهما ولا يعارضه حكم آخر في الكتاب والسنة، فإن ذلك
¬
(¬1) في أصول الافتاء ص15 - 17.
الحكم يجب العمل به عند الأمة جميعاً، وليست تلك المسألة محلاً للاجتهاد أو التقليد مثل فرضية الصلاة والأركان الأخرى وحرمة الزنا وشرب الخمر وأكل الربا والكذب في الكلام وأمثال ذلك، فإن جميع هذه الأحكام ثابتة بالكتاب والسنة لا مجال فيها للاجتهاد ولا حاجة فيها إلى التقليد.
ولكن هناك أحكاماً كثيرة في الكتاب والسنّة يوجد فيها شيء من الإجمال أو الإبهام أو احتمال أكثر من معنى واحد أو يعارضها أحكام أخرى في نفس الكتاب والسنّة، وهناك طريقان للعمل بمثل هذه الأحكام ولا ثالث لهما:
الطريق الأول: أن يبذل الرجل قصارى جهده في معرفة مراد الشارع ورفع هذا الإبهام أو التعارض بملكته العلمية الراسخة التي تؤهله لذلك، فهذا هو الاجتهاد.
الطريق الثاني: أن لا يجتهد الرجل بنفسه في الوصول إلى النصوص بل يعتمد في ذلك على من يزعمه أعلم وأفقه من نفسه عملاً بقوله سبحانه وتعالى: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (¬1).
وليتنبه هاهنا أنه قد اختلفت عبارات الأصوليين في تعريف التقليد:
فعرّفه بعضهم بقوله: العمل بقول الغير من غير معرفة دليله.
وعرفه الآخرون بقولهم: هو العمل بقول الغير من غير مطالبة دليله.
¬
(¬1) النحل: من الآية43.
وهذا الثاني هو الأصح، فلا يشترط للمقلد أن يعرف دليل إمامه ولكن يشترط أن لا يطالبه بذلك.
ثم إن عيّن المقلّد إماماً مخصوصاً للرجوع إليه في كل مسألة دون أن يرجع إلى إمام آخر في مسألة من المسائل، فإنه يسمّى تقليداً شخصياً.
وإن لم يلتزم المقلّد ذلك بل يرجع في كلِّ مسألة إلى ما تيسر له، فإنه يسمّى تقليداً مطلقاً.
ثم وإن كان التقليد موجوداً في عهد الصحابة والتابعين بنوعيه المذكورين، ولكن معظم الصحابة والتابعين الذين وجودوا أنفسهم قاصرين عن الاجتهاد كانوا يعملون بالتقليد المطلق من غير التزام لمذهب معيّن وكان التقليد الشخصي فيهم نادراً، ولكن لما تغيّرت الزمان وكثرت الأهواء وفسدت الأفكار اختار العلماء لغير المجتهدين أن يلتزموا مذهب إمام معين، لا لأنه كان حكماً شرعياً، بل لكف الناس عن اتباع الهوى، فإن الرجل العامي إذا حصلت له الحرية في أن ينتقي من أقوال الفقهاء ما يوافق أهواءه لصار الدين لعبة في أيدي المتطفلين، تتلاعب به أهوائهم وهذا مما لا يبيحه أحد، فكان حكم التقليد الشخصي سداً لذريعة لا تشريعاً لما لم يثبت من الصحابة والتابعين، قال شيخ الهند: التقليد الشخصي ليس بحكم شرعي، بل هو فتوى انتظامي».
وهذا الكلام في غاية الدقة والروعة إلا أنه يستدرك عليه بأن التقليد الشخصي هو الغالب أيضاً في عصر الصحابة - رضي الله عنهم -، بدليل أن أهل كلّ بلد
كانوا يقلّدون مَن فيها من الصحابة - رضي الله عنه - أو العلماء فيما بعد، ولم يكن شائعاً عندهم فتوى غيرهم مثل فتاويهم، إلا أنه لم يكن منتشراً مفهوم مذهب، بمعنى أنني على مذهب فلان، وإن كان حقيقة هو الواقع بتقليده لفلان، فهؤلاء الصحابة - رضي الله عنهم - لم يدعوا لأنفسهم مذاهب ويحملوا الناس عليها، ومثلهم مَن أتى بعدهم من العلماء، وإن كان العامة يقلدونهم، فحاصل الأمر أن اصطلاح مذهب لم يوجد في هذا العصر وإنما عرف متأخراً.
وهذه الملازمة لأهل كلِّ بلد لمن حلّ فيها من الصحابة - رضي الله عنهم - وغيرهم من المجتهدين كانت لمعرفتهم بهم ووثوقهم بمروياتهم، فليس من السهل عليهم التحول عما ألفوه وعرفوه وساروا عليه، كما لا يحسوا بالحاجة الملحة الشديدة إلى معرفة فقه غير بلدهم وبحث ما عند فقهائه، وهكذا نجد كل قطر يلزم فتاوى وأقضية فقهائه، فأهل المدينة أكثر ما يتبعون عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - وأهل الكوفة فتاوى ابن مسعود وتلامذته علقمة النخعي والأسود بن يزيد وإبراهيم النخعي، وأهل البصرة فتاوى أبي موسى الأشعري وأنس بن مالك ومحمد بن سيرين، وأهل الشام فتاوى معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وتلامذتهم كأبي إدريس الخولاني وعمر بن عبد العزيز، وأهل مصر فتاوى عبد الله بن عمرو بن العاص (¬1).
قال العلامة ولي الله الدّهْلَويّ (¬2): «رأى كل صحابي ما يسرّه الله له من
¬
(¬1) ينظر: المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية ص113، وغيره.
(¬2) في الإنصاف في أسباب الاختلاف ص22 - 23.
عبادته وفتاواه وأقضيته - صلى الله عليه وسلم - فحفظها وعَقَلها وعرف لكل شيء وجهاً من قبل حُفُوف القرائن به، فحمل بعضها على الإباحة وبعضها على الاستحباب وبعضها على النسخ؛ لأمارات وقرائن كانت كافية عنده، ولم يكن العمدة عندهم إلا وجود الاطمئنان والثلج من غير التفات إلى طرق الاستدلال، كما ترى الأعراب يفهمون مقصود الكلام فيما بينهم، وتثلجُ صدورهم بالتصريح والتلويح والإيماء من حيث لا يشعرون.
فانقضى عصره الكريم وهم على ذلك، ثم إنهم تفرقوا في البلاد وصار كل واحد منهم مقتدى في ناحية من النواحي. فكثرت الوقائع ودارت المسائل، فاستفتوا فيها فأجاب كل واحد حسب ما حفظه أو استنبطه، وإن لم يجد فيما حفظه أو استنبطه ما يصلح للجواب اجتهد برأيه وعرف العلّة التي أدار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليه الحكم حيثما وجدها لا يألو جهداً في موافقة غرضه - صلى الله عليه وسلم -».
وقال العلامة ظفر أحمد التهانوي - رضي الله عنه - (ت1394هـ) بعد أن ذكر شيئاً من النصوص في شيوع التقليد بين الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - (¬1): ((فهذه النصوص تدلك على أن طريق التقليد كان شائعاً في الصحابة والتابعين حتى كان بعض المجتهدين يقلد بعضاً منهم فضلاً عن أهل الاجتهاد، بل أرشدهم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى التقليد حيث أمرهم باتباع سنة الخلفاء الراشدين، بل أرشدهم
¬
(¬1) في إعلاء السنن 20: 11.
الله إلى التقليد حيث قال - جل جلاله -: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (¬1).
فالقول بأن التقليد بدعة حدثت في القرن الرابع أو بدعة حدثت في القرن السادس كتمان، والحقّ أن التقليد متوارث من عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى زماننا هذا، وثابت من النصوص التي ذكرنا بعضها في هذه الفائدة وتركنا بعضها خوفاً من الإطناب».
ثانياً: عدد مجتهدي الصحابة - رضي الله عنهم -:
إن عدد المجتهدين من الصحابة - رضي الله عنهم - لا يتجاوز العشرين، قال الإمام ابن الهُمام - رضي الله عنه - (¬2): «لا تبلغ عدة المجتهدين الفقهاء منهم أكثر من عشرين كالخلفاء والعبادلة (¬3) وزيد ابن ثابت ومعاذ بن جبل وأنس وأبي هريرة - رضي الله عنهم - وقليل والباقون يرجعون إليهم ويستفتون منهم».
وأيّده الإمام الكوثري - رضي الله عنه - (¬4) فقال: «ومن أحاط خبراً بأدلة الجمهور من الكتاب والسنة وأقوال السلف وبأحوال الصحابة - رضي الله عنهم -، يدرك مبلغ قوة كلام ابن الهمام في عدّة المجتهدين من الصحابة، وإن سعى ابن حزم في تكثير عددهم جداً في «أحكامه» بأن حشر في عدادهم كلّ مَن روي عنه مسألة أو
¬
(¬1) النحل: من الآية43.
(¬2) في فتح القدير 3: 469.
(¬3) وهم: عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهم -. ينظر: طبقات الفقهاء للشيرازي ص32، وغيرها.
(¬4) في الإشفاق ص33.
مسألتين في الفقه لا إجلالاً لمنْزلة الصحابة في العلم، بل ليتمكَّن من معاكسة الجمهور في مسائل الإجماع باشتراط النقل عن كلٍّ منهم، وأنى لمن لم يرو عنه إلا مسألة أو مسألتان في الفقه، أو حديث أو حديثان في السنة أن يعدّ في المجتهدين كائناً من كان، وإن كانت مَنْزلة الصحابة - رضي الله عنهم - في الصحبة عظيمة القدر جداً».
هذه المبالغة من ابن جزم - رضي الله عنه - في تضخيم عدد المجتهدين من الصحابة كان محلّ انتقاد من العلماء، قال العلامة ابن القيم - رضي الله عنه -: «وما أدري بأي طريق عدّ ابن حزم معهم الغامدية وماعزاً»: أي من المجتهدين، قال العلامة الحجوي - رضي الله عنه - (¬1): «وفي ذكر مَن تروى عنهم إلا المسألة والمسألتان نظر».
وهذا موافق لما نقل عن مسروق - رضي الله عنه - قال: «شافهت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجدت علمهم انتهى إلى هؤلاء الستة: عمر وعلي وعبد الله وأبيّ وأبي الدرداء وزيد ابن ثابت - رضي الله عنهم -» (¬2).
• • •
¬
(¬1) في الفكر السامي 1: 341 - 342.
(¬2) ينظر: طبقات الفقهاء للشيرازي ص26، وغيرها.
المبحث الثاني
مكانة الكوفة العلمية
قليلٌ من الناس يدرك ما كانت عليه الكوفة من المكانة العلمية الرفيعة؛ ولذلك طال لسان كثيرين بالطعن على مدرسة الكوفة الفقهية بأنها قليلة البضاعة في الحديث، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى اعتبار أن فقه الرأي شاع في الكوفة لقلة الحديث، فلو كانت لديهم الأحاديث لما احتاجوا إلى الرأي، وهذا كله زور وبهتان، فهل الدين يؤخذ من العقل؟ حتى يصح ذلك، أما يدرك الناشئة من طلبة العلم أن مصدر الأحكام الشرعية هو الكتاب والسنة، وأن باقي المصادر الشرعية المذكورة في أصول الفقه راجعة لهما، فالقرآن والسنة هما المادة الأساسية لاستخراج الأحكام الشرعية، فمن لا يملكهما لا يستطيع جزماً أن يستخرج شيئاً من الأحكام، إلا إذا اعتبرنا العقل مشرعاً.
فلما سبق فإنني أردت في هذا البحث أن أرفع الستار عن حقيقة مدرسة الكوفة التي ضلَّ في النظر إليها أقوام؛ ليكون بصيرةً لأولي الأبصار، ومرشداً لأهل الرشاد.
وسعياً في تحقيق ذلك فسيكون الكلام في حال الصحابة الذين نزلوا في الكوفة وما قاموا به من نشر للعلم، ثم في كيفية نقل فعلهم وأقوالهم وتواترها جيلاً بعد جيل إلى أن وصلت إلى إمام الأئمة أبي حنيفة - رضي الله عنه - الذي نقل فقه إلينا بطرق متواترة أو مشهورة.
فمَن يدقِّق النظر يجد أن فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقوله المنقول من خلال مدرسة الكوفة ظفر بعناية فائقة في كل طبقة من الطبقات حتى وصل إلينا، بلا شكّ في رجل من السند، أو وهم راوٍ، أو تدليس شيخ، أو اضطراب لفظ وسند، أو انقطاع، أو نقل حديث بالمعنى، أو غيرها مما يقع في الحديث النبوي الشريف؛ لأنه نقل من طريق الفقهاء الكبار الضابطين في كل طبقة البالغ عددهم حدّ التواتر، بخلاف ما يكون مروياً بطرق بعض الرواة، وبطرق آحاد.
بسبب ذلك وجدنا الإمام مالك - رضي الله عنه - لا يعير بالاً لحديث مخالف لعمل أهل المدينة، ليس لأن فعل أهل المدينة مقدّم على كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلا عاقل يقول بذلك، بل لأنه - رضي الله عنه - يسعى التثبت فيما نقل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فالكل راجع له - صلى الله عليه وسلم -، ومسترشد بقوله، فما نقل بطرق متواترة من فعل وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - من الصحابة - رضي الله عنهم - المقيمين بالمدينة، ومن التابعين ومن بعدهم - رضي الله عنهم - جزماً أقوى مما نقل بطرق آحاد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمكن أن الراوي نسي أو أخطأ أو غير معنى أو غير ذلك مما يطول (¬1).
¬
(¬1) وتمام الكلام في عمل أهل المدينة في الكتب المتخصصة في ذلك مثل: عمل أهل المدينة،
و خبر الواحد إذا خالف عمل أهل المدينة، و المسائل التي بناها الإمام مالك على عمل أهل المدينة، وغيرها من مطبوعات مركز البحوث في دولة الإمارات.
وهذا الأمر بتمامه حاصل بالكوفة، فهي حاضرة الإسلام بعد المدينة المنورة، وفيها حلّ كبار الصحابة - رضي الله عنهم - وفقهوا أهلها وحمل عنهم التابعين ومَن بعدهم وعلى رأسهم الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -، فكل ما يخالف العمل المتوارث المنقول من فعل وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - بالطرق المتظافرة نجد الإمام أبو حنيفة لا يتركه لحديث حفظ راويه أو نسي، كما كان يفعل أئمة مدرسة الكوفة من قبله، فها هو الإمام إبراهيم النَّخَعيّ - رضي الله عنه - يحتجّ بذلك العمل المتوارث من صحابة رسول اله - صلى الله عليه وسلم - الذين نزلوا في الكوفة في مسألة، فيقول: «هبط الكوفة ثلاثمئة من أصحاب الشجرة، وسبعون من أهل بدر، لا نعلم أحداً منهم قصر، ولا صلَّى الركعتين اللتين قبل المغرب» (¬1).
فهذه الحقيقة واضحة لكل مشتغل بالمذهب الحنفي والاستدلال له، فكل مسألة خالف فيها أبو حنيفة غيره وأعوزه الحديث فيها، وجدنا أنه قد قال بها ابن مسعود - رضي الله عنه - أو علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أو غيرهم من الصحابة - رضي الله عنهم - الذي حلّوا في الكوفة، وكان عمل فقهاء أهل الكوفة المعتمدين عليها، حتى وصل للإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -، فاعتماده - رضي الله عنه - على هذا النقل المستفيض عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغنيه عن حديث الآحاد فيها.
وحاصل الكلام أن مدرسة المدينة ومدرسة الكوفة اعتمدتا في فقههما
¬
(¬1) ينظر: طبقات ابن سعد 6: 9.
على النقل المتوارث جيلاً بعد جيل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما اختلف فيه، فكل منهما يقدم ما نقل مجتهدي الصحابة - رضي الله عنهم - الذي حلوا في بلده، ومَن بعدهم من الفقهاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويحتج به، وهذا وإن كان مصرحاً به في كتب المالكية ومنها «الموطأ»، إلا أننا نلاحظ الأمر نفسه متبع في كتب الأحناف ضمناً لمن يراجع كتب الاستدلال لهم ككتاب «إعلاء السنن»، وغيره، بخلاف ما عند الشافعية من الاعتماد على نقل الثقة عن غيره إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فهذا هو سبيل الإمام الشافعي - رضي الله عنه - للظفر بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لتأخره زماناً عن الإمام أبي حنيفة والإمام مالك، وتنقله بين البلاد، فلمّا لم يحصل له ما حصل لهما من النقل المدرسي المتوارث، ولا ضير عليه في ذلك؛ لأن كلاً منهما أصل الأصول المعتبرة في استخراج الفروع ونقل فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى غدا كلّ واحد منها لإحكام قواعده راجح في ذاته إذا نظرنا لمسائله من خلال أصوله، مرجوح لمقلّد غيره إذا نظر له من خلال أصول غيره.
وتوضيحاً لما أجمل نبسط الكلام في مدرسة الكوفة واهتمامها بنقل فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالطرق المعتبرة المعتمدة ببيان حال صحابته - صلى الله عليه وسلم - في الكوفة وأصحابهم وأصحاب أصحابهم، فنقول وبالله التوفيق:
بناء الكوفة:
إن بعد افتتاح العراق في خلافة الفاروق - رضي الله عنه - بنيت الكوفة سنة سبع عشرة للهجرة، بناها عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على يد سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - (¬1)، وأسكن حولها الفصّح من قبائل العرب (¬2)، فعمر - رضي الله عنه - أول مَن مصَّر الأمصار: الكوفة، والبصرة، والجزيرة، والشام، ومصر، والموصل، وأنزلها العرب، وخط الكوفة والبصرة خططاً للقبائل، وهو أول مَن استقضى القضاة في الأمصار، وهو أول مَن دوَّن الديوان، وكتب الناس على قبائلهم، وفرض لهم الأعطية من الفيء، وقسَّم القسوم بين الناس، وفرضَ لأهل بدر وفضلهم على غيرهم، وفرض للمسلمين على أقدارهم، وتقدمهم في الإسلام (¬3).
الطبقة الأولى: الصحابة:
أولاً: عدد الصحابة - صلى الله عليه وسلم - الذين توطنوا الكوفة:
فاق عدد الصحابة الذي حلَّوا بالكوفة ألف وخمسمئة بينهم كبار المجتهدين والفقهاء كعلي وابن مسعود وأبي موسى الأشعري وغيرهم، فعن قتادة قال: «دخل الكوفة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ألف وخمسون منهم ثلاثون
¬
(¬1) ينظر: وفيات الأعيان 1: 207، وغيرها. قال ابن جرير: في سنة 15هـ مَصَّرَ سعدُ الكوفة، فليحرر. ينظر: تاريخ الخلفاء 1: 131، وغيره.
(¬2) ينظر: مقدمة نصب الراية ص301، والمدخل إلى الفقه الإسلامي ص86، وغيرها.
(¬3) ينظر: الطبقات الكبرى 5: 255، وغيرها.
بدريون» (¬1)، قال الإمام الكوثري - رضي الله عنه - (¬2): «بينما ترى محمد بن الربيع الجيزي - رضي الله عنه -، والسيوطي - رضي الله عنه - لا يستطيعان أن يذكرا من الصحابة - رضي الله عنهم - الذين نزلوا مصر إلا نحو ثلاثمئة صحابي، تجد العجلي يذكر أنه توطَّن الكوفة وحدها من الصحابة - رضي الله عنهم -، نحو ألف وخمسمئة صحابي، بينهم نحو سبعين بدرياً، سوى مَن أقام بها، ونشر العلم بين ربوعها، ثم انتقل إلى بلد آخر، فضلاً عن باقي بلاد العراق».
وهذا التوطن من هذا الجم الكبير من الصحابة - رضي الله عنهم - في الكوفة لا سيما من الكبار منهم كان له الأثر البالغ في تفقيه أهلها، والارتقاء بهم، وهذا محسوس لكل دارس متتبع ذلك؛ لأنه واقع ملموس في زمن الصحابة - رضي الله عنهم - ومن بعدهم، فعن قتادة عن خيثمة ابن أبي سبرة الجعفي - رضي الله عنه - قال: «أتيت المدينة فسألت الله تعالى أن ييسر لي جليساً صالحاً، وقال إبراهيم: سألت الله أن يرزقني جليس صدق، فيسَّر لي أبا هريرة - رضي الله عنه - فجلست إليه، فقلت: إني سألت الله أن ييسر لي جليساً صالحاً فوفقت لي، فقال: ممن أنت؟ فقلت: من أهل الكوفة جئت لألتمس الخير والعلم، قال حماد فقال: تسألني وفيكم علماء أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - وابن عمه عليّ بن أبي طالب، وفيكم سعد بن مالك مجاب الدعوة، وفيكم عبدالله بن مسعود صاحب وسائد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونعليه، وفيكم حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعمار بن ياسر الذي
¬
(¬1) ينظر: الإرشاد 2: 533، وغيره.
(¬2) في مقدمة نصب الراية ص304.
أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وسلمان صاحب الكتابين، قال قتادة: الكتابان الانجيل والفرقان» (¬1).
فإن الصحابة - رضي الله عنهم - هم الذين نقلوا لنا هذا الدين عن صاحب الرسالة - صلى الله عليه وسلم -، وهم أعرف الناس بالإسلام، وأكثرهم فهماً لها؛ لأن عايشوا نزول القرآن، وتعلموا أحكامه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفقهوا مسائله، قال الإمام الشافعي - رضي الله عنه - عنهم - رضي الله عنهم -: «أدوا إلينا سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وشاهدوه والوحي ينزل عليه، فعلموا ما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عامّاً وخاصّاً، وعَزْماً وإرشاداً، وعرفوا من سننه ما عرفنا وجهلنا، وهم فوقنا في كل علم واجتهاد، وورع وعقل، وأمر استدرك به علم واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمد، وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا» (¬2).
ففقه مدرسة الكوفة مبنيّ على ما نقله وقال به صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي مقدمتهم ابن مسعود - رضي الله عنه -، وهذه ميزة له لا تعدوها ميزة؛ لأنه لا يشك عالم عاقل في أن الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا من أكثر الخلق تتبعاً لآثار النبي - صلى الله عليه وسلم - في قولهم وسلوكهم، وأشدّ الناس أمانة على دين الله تعالى، فمن يتمسك بهديهم، فهو على هدى؛ لأنه سائر على شرع الله - جل جلاله -.
وقد بينت كتب التراجم الخاصة بالصحابة - رضي الله عنهم - كـ «الإصابة» لابن حجر وغيره الصحابة الذين نزلوا في الكوفة، ولا يمكننا في هذا المقام ذكرهم
¬
(¬1) ينظر: حلية الأولياء 4: 120، وغيرها.
(¬2) ينظر: عبد الله بن مسعود ص247، وغيره.
وحصرهم، وإنما نكتفي بالإشارة في ذكر مشاهيرهم وعرض بعض أسماء غيرهم:
ثانياً: تراجم مجتهدي الصحابة - رضي الله عنهم - الذين سكنوا الكوفة:
1. سعد بن أبي وقاص:
وهو فاتح العراق، وباني الكوفة، وأول والٍ عليها من قبل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، ثم عزل، ووليها من قبل عثمان بن عفان - رضي الله عنه -، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وآخرهم موتاً، وكان أحد الفرسان، وأول مَن رمى بسهم في سبيل الله، وأحد الستة أهل الشورى، وقال عمر - رضي الله عنه -: «إن أصابته الإمرة فذاك، وإلا فليستعن به الوالي»، وكان مجاب الدعوة مشهوراً بذلك.
روى عن النبي كثيراً، وروى عنه بنوه إبراهيم وعامر ومصعب وعمر ومحمد وعائشة، ومن الصحابة عائشة وابن عباس وابن عمر وجابر بن سمرة - رضي الله عنهم -، ومن كبار التابعين سعيد بن المسيب وأبو عثمان النهدي وقيس بن أبي حازم وعلقمة والأحنف وآخرون، توفي سنة (51هـ) (¬1).
2. عمار بن ياسر - رضي الله عنهم -:
تولى إمارة الكوفة بعد سعد - رضي الله عنه -، فكتب عمر - رضي الله عنه - إلى أهل الكوفة: «أما بعد: فإني قد بعثت إليكم عماراً أميراً، وعبد الله قاضياً ووزيراً، وإنهما من نجباء أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وممّن شهد بدراً فاسمعوا لهما وأطيعوا فقد
¬
(¬1) ينظر: الإصابة 3: 73 - 74، وتاريخ الخلفاء 1: 153، وغيرها.
آثرتكم بهما على نفسي» (¬1)، وكان بعثهما ليعلموا أهلها القرآن، ويفقهوهم في الدين، ويجيبوا عن أسئلتهم فيما يقع لهم، قال الشعبي - رضي الله عنه -: «سئل عمار عن مسألة، فقال: هل كان هذا بعد؟ قالوا: لا. قال: فدعونا حتى يكون، فإذا كان تجشَّمناه لكم».
وهو ممَّن قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (اهتدوا بهدي عمّار) (¬2)، وعن عمر بن الحكم - رضي الله عنه -: «كان عمار يعذّب حتى لا يدري ما يقول، وكذا صهيب - رضي الله عنهم -، وفيهم نزلت: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (¬3)».
روى عنه: عليّ، وابن عباس، وأبو موسى الأشعري، وأبو أمامة الباهلي، وجابر بن عبد الله، ومحمد بن الحنفية، وعلقمة، وزرّ، وأبو وائل، وهمام بن الحارث، وغيره - رضي الله عنهم -.
وكان سلوكه في اقتفاء حال النبي - صلى الله عليه وسلم - منارة يقتدي بها أهل الكوفة في التواضع وغيره، فعن عبد الله بن أبي الهذيل - رضي الله عنه -: «رأيت عماراً اشترى قتاً (¬4) بدرهم، وحمله على ظهره، وهو أمير الكوفة»، توفي سنة (37هـ) (¬5).
¬
(¬1) ينظر: طبقات الشيرازي ص24، وغيره.
(¬2) في صحيح ابن حبان 15: 328، والمستدرك 3: 79، وجامع الترمذي 5: 668.
(¬3) النحل:41.
(¬4) القت: وهو الرطبة من علف الدواب. ينظر: هامش السير 1: 423، وغيرها.
(¬5) ينظر: سير أعلام النبلاء 1: 406 - 428، وغيرها.
3. عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -:
فقيه الكوفة (¬1)، وأحد أذكياء العالم (¬2)، وهو من أوائل مَن أسلم قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «لقد رأيتني سادس ستة، وما على ظهر الأرض مسلم غيرنا)) (¬3)، وهو أول مَن جهر بالقرآن بمكة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬4)، وكان من أشد الناس ملازمة للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فعن أبي موسى - رضي الله عنه -، قال: «قدمت أنا وأخي من اليمن، فمكثنا حيناً، وما نحسب ابن مسعود وأمَّه إلا من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لكثرة دخولهم وخروجهم عليه» (¬5)، ورخص له النبي - صلى الله عليه وسلم - بما لم يرخص لغيره، فعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إذنك عليَّ أن ترفع الحجاب، وأن تستمع سوادي ـ أي سري ـ حتى أنهاك) (¬6).
وكان - رضي الله عنه - من أكثر الصحابة - رضي الله عنهم - ملازمة للنبي - صلى الله عليه وسلم - فعن القاسم بن عبد الرحمن - رضي الله عنه -، قال: «كان عبد الله يُلبس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نعليْه، ثم يمشي أمامه بالعصا، حتى إذا أتى مجلسه نزع نعليه فأدخلهما في ذراعه، وأعطاه العصا،
¬
(¬1) ينظر: طبقات المحدثين 1: 24، وغيرها.
(¬2) ينظر: سير أعلام النبلاء 1: 462، وغيرها.
(¬3) في حلية الأولياء 1: 126، والمستدرك 3: 313، وصححه، ووافقه الذهبي، قال الشيخ شعيب: وهو كما قالا. ينظر: هامش السير 1: 464.
(¬4) في سيرة ابن هشام 1: 314، والإصابة 6: 215، قال الشيخ شعيب: رجاله ثقات. ينظر: هامش السير 1: 466.
(¬5) سنن النسائي الكبرى 5: 103، وصحيح البخاري 3: 1373، وغيرها.
(¬6) في صحيح مسلم 4: 1708، وصحيح ابن حبان 15: 545، وغيرها.
وكان يدخل الحجرة أمامه بالعصا» (¬1)، هذا الأمر جعله من أكثر الصحابة - رضي الله عنهم - حالاً وصفة للنبي - صلى الله عليه وسلم -، حتى قال عنه حذيفة - رضي الله عنه -: «كان أقرب الناس هدياً، ودَلاً، وسمتاً، برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابن مسعود، حتى يتوارى منّا في بيته، ولقد علم المحفظون (¬2) من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - أن ابن أم عبد هو أقربهم إلى الله زلفى» (¬3).
ونال - رضي الله عنه - من فيض النبوة وعلمها ما فاق به غيره، فعن أبي الأحوص - رضي الله عنه - قال: «كنا في دار أبي موسى مع نفر من أصحاب عبد الله، وهم ينظرون في مصحف، فقام عبد الله، فقال أبو مسعود: ما أعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك بعده أعلم بما أنزل الله من هذا القائم، فقال أبو موسى: أما لئن قلت ذاك لقد كان يشهد إذا غبنا، ويؤذن إذا حجبنا» (¬4)، وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: «لقد قرأت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بضعاً وسبعين سورة، ولقد عَلِمَ أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إني أعلمهم بكتاب الله، ولو أعلم أن أحداً أعلم منِّي لرحلت إليه، قال شقيق: فجلست في حلق أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - فما سمعت أحداً يرد ذلك عليه ولا يعيبه) (¬5)، وعن يحيى بن سعيد أن رجلاً سأل أبا موسى الأشعري - رضي الله عنه - فقال: «إني مصصت عن امرأتي من ثديها لبناً، فذهب في بطني، فقال أبو موسى: لا
¬
(¬1) ينظر: سير أعلام النبلاء 1: 469 - 470، وغيره.
(¬2) في سير أعلام النبلاء 1: 470: المتهجدون، وقال الذهبي: لعله المجتهدون.
(¬3) في جامع الترمذي 5: 673، وقال: حديث حسن صحيح.
(¬4) في صحيح مسلم 1: 1912، وغيره.
(¬5) في صحيح مسلم 4: 1912، وغيره.
أراها إلا قد حرمت عليك، فقال عبد الله بن مسعود: انظر ماذا تفتي به الرجل، فقال أبو موسى: فماذا تقول أنت؟ فقال عبد الله بن مسعود: لا رضاعة إلا ما كان في الحولين، فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء ما كان هذا الحبر بين أظهركم» (¬1).
ولا أعظم من أن يشهد بفضله - رضي الله عنه - ومكانته مشكاة النبوة، ومما ورد عنها أنه - صلى الله عليه وسلم -، قال: (رضيت لأمتي ما رضي لهم ابن أم عبد، وكرهت لأمتي ما كره ابن أم عبد) (¬2)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: (تمسّكوا بعهد ابن أم عبد) (¬3)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن سرَّه أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد) (¬4)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: (خذوا القرآن من أربعة: من ابن أم عبد فبدأ به ومعاذ بن جبل وأبي ابن كعب وسالم مولى أبي حذيفة) (¬5).
¬
(¬1) في موطأ مالك 2: 607، وسنن البيهقي الكبير 6: 233، وسنن النسائي الكبرى 4: 71، ومسند أحمد 1: 463، وغيرها.
(¬2) في المعجم الأوسط 7: 70، ومسند البزار 5: 354، وفيه: لا نعلم أسند منصور عن القاسم عن أبيه عن عبد الله إلا هذا الحديث ولا نعلم رواه مسنداً إلا عمرو بن أبي قيس.
(¬3) في مصنف ابن أبي شيبة 7: 433، صحيح ابن حبان 15: 328، والمستدرك 3: 79، وجامع الترمذي 5: 668، والسنة 2: 580، وغيرها.
(¬4) في صحيح ابن حبان 15: 542، واللفظ له، والمستدرك 2: 247، والأحاديث المختارة 1: 385، وغيرها.
(¬5) في صحيح مسلم 4: 1913، واللفظ له، وصحيح البخاري 3: 1385، وغيرهما.
فأي فقه يكون صادراً ممَّن لازم النبي - صلى الله عليه وسلم - منذ بدء الإسلام، ولم يكن يحتجب عنه، وكان مشهوراً بالعلم والفضل، حتى شهد له النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك، لهو أحرى بالقبول والتلقي والعمل من غيره، فهو - رضي الله عنه - من أعلى الصحابة - رضي الله عنهم - مكانة في العلم والفقه، بحيث لا يستغني عنه مثل عمر - رضي الله عنه - في فقه ويقظته (¬1)؛ لذلك قال عمر - رضي الله عنه - عنه: «كُنَيف ملئ فقهاً» (¬2). وفي رواية: «علماً» (¬3). وقال علي - رضي الله عنه -: «علم القرآن والسنة» (¬4)، وقال الشعبي - رضي الله عنه -: «ما كان من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أفقه صاحباً من ابن مسعود» (¬5). وما ورد في فضل ابن مسعود - رضي الله عنه -، في كتب السنة شيء كثير جداً (¬6)، وليس هنا محل استقصاؤه وإنما التنبيه على علمية وفضل هذا الصحابي الذي قام عليه فقه الكوفة.
فابن مسعود - رضي الله عنه - عُني بتفقيه أهل الكوفة، وتعليمهم القرآن من سنة بناء الكوفة إلى أواخر خلافة عثمان - رضي الله عنه - عناية لا مزيد عليها، إلى أن امتلأت
¬
(¬1) ينظر: مقدمة نصب الراية ص301 - 302، وغيرها.
(¬2) في مصنف ابن أبي شيبة 6: 384، والمعجم الكبير 9: 85، وفي مجمع الزوائد 9: 291: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
(¬3) في مصنف عبد الرزاق 10: 13، وآثار أبي يوسف ص133، والمعجم الكبير 9: 349، في مجمع الزوائد 6: 303،: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح إلا أن قتادة لم يدرك عمر ولا ابن مسعود.
(¬4) ينظر: طبقات الشيرازي ص24، وغيره.
(¬5) ينظر: المصدر السابق ص25، وغيره.
(¬6) ينظر: مقدمة نصب الراية ص301 - 302.
الكوفة بالقراء، والفقهاء المحدثين، بحيث أبلغ بعض ثقات أهل العلم (¬1) عدد من تفقه عليه، وعلى أصحابه، نحو أربعة آلاف عالم (¬2)، قال الإمام السَّرَخسي (¬3): «كان - رضي الله عنه - بالكوفة وله أربعة آلاف تلميذ يتعلمون بين يديه حتى روي أنه لمَّا قدم علي - رضي الله عنه - الكوفة وخرج إليه ابن مسعود - رضي الله عنه - مع أصحابه حتى سدوا الأفق، فلمَّا رآهم علي - رضي الله عنه -، قال: ملأت هذه القرية علماً وفقهاً».
فتلاميذه - رضي الله عنه - كانوا علماء الكوفة، الذي يرشدون الناس إلى خيرهم في دنياهم وآخرتهم، ومنارة للمستنيرين بهدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال سعيد بن جبير - رضي الله عنه -: «كان أصحاب عبد الله سُرُج هذه القرية» (¬4)، ومن أمثله شدّة عنايته - رضي الله عنه - بتعليم أصحابه ما ورد عن علقمة - رضي الله عنه -: «كنا عند عبد الله، فجاء خبَّاب بن الأرت - رضي الله عنه - حتى قام علينا، في يده خاتم من ذهب، فقال: أكل هؤلاء يقرؤون كما تقرأ؟ فقال عبد الله: إن شئت أمرت بعضهم يقرأ، قال: أجل، فقال: اقرأ يا علقمة، فقال فلان: أتأمُره أن يقرأ وليس بأقرئنا؟ قال عبد الله: إن شئت حدثتك بما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قومه وقومك. قال علقمة: فقرأت خمسين آية من سورة مريم، فقال عبد الله: ما قرأ إلا كما أقرأ. ثم قال عبد الله: ألم يأن لهذا الخاتم أن يطرح؟ فنزعه، ورمى به، وقال: والله لا تراه علي أبداً» (¬5).
¬
(¬1) هو الإمام السرخسي في المبسوط 16: 68.
(¬2) ينظر: مقدمة نصب الراية ص302.
(¬3) في المبسوط 16: 68.
(¬4) ينظر: طبقات الشيرازي ص81، وطبقات ابن سعد 6: 10، وغيرها.
(¬5) قال الشيخ شعيب في هامش السير 1: 471: رجاله ثقات.
ومعلوم أن علم العالم يظهر بتلاميذه الذين يقومون بنقل مسائله ونشرها بين الناس، فلولا التلاميذ يضيع فقه الإمام كائناً من كان، فهم حلقة نقله إلى الآخرين (¬1)، يوضح ذلك قول الإمام الشافعي: «الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به» (¬2)، وقد كان ابن مسعود - رضي الله عنه - من النفر القلائل من الصحابة - رضي الله عنهم - الذين تيسر لهم التلاميذ الكثر، فقاموا بنقل علمهم وفقهم الذي ورثوه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال علي بن المديني: «لم يكن من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أحد له أصحاب يقولون بقوله في الفقه إلا ثلاثة: عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس - رضي الله عنهم -» (¬3)، وقال محمد بن جرير: «لم يكن أحد له أصحاب معروفون، حرَّروا فتياه ومذاهبه في الفقه غير ابن مسعود - رضي الله عنه - وكان يترك مذهبه وقوله لقول عمر - رضي الله عنه -، وكان لا يكاد يخالفه في شيء من مذاهبه، ويرجع من قوله إلى قوله» (¬4).
بسبب ذلك نجد التابعي الكبير مسروق - رضي الله عنه - يقول: «شاممت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجدت علمهم انتهى إلى ستة نصفهم أهل الكوفة (¬5):إلى عمر،
¬
(¬1) ينظر: المدخل إلى الفقه الإسلامي ص181.
(¬2) ينظر: وفيات4: 127 - 128، وطبقات الشيرازي ص75 - 76، والأعلام6: 115، وغيرهم.
(¬3) ينظر: ابن مسعود - رضي الله عنه - ص279، وغيره.
(¬4) ينظر: مقدمة نصب الراية ص305، والمدخل إلى الفقه الإسلامي ص89، وابن مسعود - رضي الله عنه - ص279، وغيرها.
(¬5) ينظر: طبقات الشيرازي ص25، وغيره.
وعلي، وعبد الله، ومعاذ، وأبي الدرداء، وزيد بن ثابت، فشاممت هؤلاء الستة فوجدت علمهم انتهى إلى عليّ وعبد الله» (¬1)، فعمر - رضي الله عنه - لم يتوطَّن الكوفة، ولكن شيخ الكوفة ابن مسعود - رضي الله عنه - كان يتابعه في اجتهاداته، ويترك اجتهاده لاجتهاد عمر - رضي الله عنه -، مما جعل فتاوى عمر - رضي الله عنه - مصدراً أساسياً في فقه أهل الكوفة، ويدرك ذلك كلّ مشتغل بالاستدلال لمسائل أهل الكوفة، فإنها تكون موافقة لقول عمر - رضي الله عنه -.
لهذا قال الإمام الكوثري (¬2): «وبهذا يكون حتى علم عمر - رضي الله عنه - قد غذيت به الكوفة وكان مستنداً لهم في فقههم، فإن كان ذلك يكون قد اجتمع لهم علم أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فحقّ لهم أن يبنوا لمن خلفهم هذا البنيان الفقهي الشامخ الذي بهروا به الأبصار.
وكان بين فقهاء الصحابة مَن يوصي أصحابه بالالتحاق إلى ابن مسعود، إقراراً منهم بواسع علمه، كما فعل معاذ بن جبل - رضي الله عنه -، حيث أوصى صاحبه عمرو بن ميمون الأودي - رضي الله عنه - باللحاق بابن مسعود - رضي الله عنه - بالكوفة»؛ لأنه كان من أعظم فقهاء الصحابة أجمعين، توفي - رضي الله عنه - بالمدينة سنة (32هـ) (¬3).
¬
(¬1) في المعجم الكبير 9: 94، والجرح والتعديل 7: 27، وسير أعلام النبلاء 1: 493، وصفوة الصفوة 1: 403 والطبقات الكبرى 2: 351، وعلل المديني ص42، ومجمع الزوائد 9: 160، وينظر: ابن مسعود - رضي الله عنه - ص279، والمدخل إلى الفقه الإسلامي 89، وغيرها.
(¬2) في مقدمة نصب الراية ص305.
(¬3) ينظر: مشاهير علماء الأمصار 1: 10، وغيرها.
وسيأتي مزيد تفصيل في ذكر تلاميذ هذا الصحابي الجليل - رضي الله عنه - فيما بعد.
4. علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -:
وهو رابع الخلفاء الراشدين الذي قال فيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إنه مَن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، فتمسكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كلَّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) (¬1).
وقد تربَّى - رضي الله عنه - في بيت النبوة، وتزوج قرة عين المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، لذلك قال فيه - صلى الله عليه وسلم -: (علي مني، وأنا من علي) (¬2)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) (¬3).
وكان - رضي الله عنه - من كبار علماء ومجتهدي الصحابة - رضي الله عنهم -، حتى بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن ليعلم ويفتي أهلها، فعن علي - رضي الله عنه - قال: (بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن فقلت: يا رسول الله تبعثني وأنا شاب أقضي بينهم ولا أدري ما القضاء؟ قال: فضرب بيده في صدري، ثم قال: اللهم اهد قلبه وثبت لسانه،
¬
(¬1) في صحيح ابن حبان 1: 179، والمستدرك 1: 174، والمسند المستخرج 1: 35، وجامع الترمذي 5: 44، وسنن الدارمي 1: 57، وغيرها.
(¬2) في جامع الترمذي 5: 636، وحسنه، وسنن ابن ماجة 1: 44، ومصنف ابن أبي شيبة 6: 371، ومسند أحمد 4: 165، ومسند أبي يعلى 1: 293، والمعجم الكبير 4: 16، وغيرها.
(¬3) في صحيح مسلم 4: 1870، وصحيح البخاري 3: 1359، وغيرها.
قال: فما شككت بعد في قضاء بين اثنين) (¬1)، وقال فيه - صلى الله عليه وسلم -: (أنا مدينة العلم وعليّ بابها) (¬2)، وقال عمر - رضي الله عنه -: «علي أقضانا» (¬3)، وعن سعيد بن المسيب - رضي الله عنه -: «كان عمر يتعوذ من مُعْضلة ليس فيها أبو الحسن» (¬4)، وعن ابن عباس - رضي الله عنهم -: «إذا حدثنا ثقة علي بفتيا لا نعدوها» (¬5)، وعن عائشة رضي الله عنها أن علياً ذكر عندها، فقال: «أما إنه أعلم من بقي بالسنة» (¬6)، وقال علي بن أبي طالب
¬
(¬1) في سنن ابن ماجة 2: 774، ومسند البزار 3: 125، ومسند عبد بن حميد 1: 61، قال السيوطي في تاريخ الخلفاء ص170: أخرجه الحاكم وصححه.
(¬2) في المستدرك 3: 137، وصححه، والمعجم الكبير 11: 65، قال السيوطي في تاريخ الخلفاء ص170: هذا حديث حسن على الصواب. لا صحيح كما قال الحاكم، ولا موضوع كما قاله جماعة منهم ابن الجوزي والنووي، وقد بينت حاله في التعقبات على الموضوعات.
(¬3) في المستدرك 3: 345، ومصنف ابن أبي شيبة 6: 138، ومسند أحمد 5: 113، وغيرها.
(¬4) ينظر: فتح الباري 13: 343، وتهذيب الكمال 20: 485، وتهذيب التهذيب 7: 296، وصفوة الصفوة 1: 314، والاستعياب 3: 1103، والطبقات الكبرى 2: 339، والإصابة 4: 568، وتاريخ الخلفاء ص171 وغيرها.
(¬5) ينظر: الطبقات الكبرى 2: 338، وفتح الباري 7: 73، وتاريخ الخلفاء ص171.
(¬6) ينظر: تاريخ الخلفاء ص171، وغيرها.
- رضي الله عنه -: «أعلم أهل المدينة بالفرائض علي بن أبي طالب» (¬1)، وعن سعيد بن المسيب - رضي الله عنه -: «لم يكن أحد من الصحابة يقول سلوني إلا علي» (¬2).
وقال مسروق - رضي الله عنه -: «انتهى العلم إلى ثلاثة: عالم بالمدينة، وعالم بالشام، وعالم بالعراق، فعالم المدينة علي بن أبي طالب، وعالم العراق عبد الله بن مسعود، وعالم الشام أبو الدرداء، فإذا التقوا سأل عالم العراق وعالم الشام عالم المدينة، ولم يسألهما» (¬3).
وبانتقال عالم المدينة - رضي الله عنه - إلى الكوفة اجتمع علمه - رضي الله عنه - وعلم ابن مسعود - رضي الله عنه - لأهلها؛ إذ أن باب مدينة العلم، لم يكن بأقل عناية بالعلم من ابن مسعود - رضي الله عنه -، فوالى تفقيههم، إلى أن أصبحت الكوفة لا مثيل لها في أمصار المسلمين، في كثرة فقهائها، ومحدثيها، والقائمين بعلوم القرآن، وعلوم اللغة العربية فيها، بعد أن اتخذها علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، عاصمة الخلافة، وبعد أن انتقل إليها أقوياء الصحابة - رضي الله عنهم - وفقهاؤهم، توفي سنة (40هـ) (¬4).
وهذا المذكور من حال علي وابن مسعود - رضي الله عنهم - غيض من فيض، إذ لا يتسع المقام الإحاطة بحالهما، وإنما المراد التنبيه والإشارة إليه؛ لأن على علمهما
¬
(¬1) في الاستيعاب 3: 1105، وتاريخ الخلفاء ص171، وغيرها.
(¬2) ينظر: تاريخ الخلفاء ص171، وفيض القدير 4: 357، وفتح الباري 8: 599، وتهذيب التهذيب 7: 297 وتهذيب الكمال 20: 487، وغيرها.
(¬3) ينظر: المصدر السابق ص23، وغيره.
(¬4) ينظر: المدخل إلى الفقه الإسلامي ص88، وغيره.
المنقول عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واجتهادهما، وفقههما اعتمد فقه أهل الكوفة، فما من مسألة يطول فيها الكلام على المذهب الحنفي الممثل لمدرسة الكوفة، وإلا وتجد أنهم يحتجون بما يروى عن علي - رضي الله عنه - أو ابن مسعود - رضي الله عنه -؛ لما عرف من حالهما، وفضلهما، قال الإمام السَّرَخسي - رضي الله عنه - (¬1) في مسألة استدل فيها الإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه - بقول إبراهيم النخعي - رضي الله عنه -: «وما ذكر هذا على سبيل الاحتجاج بقول إبراهيم; لأن أبا حنيفة - رضي الله عنه - كان لا يرى تقليد التابعين, وكان يقول هم رجال ونحن رجال, ولكن ظهر عنده أن إبراهيم فيما كان يفتي به يعتمد قول علي وابن مسعود - رضي الله عنهم - , فإن فقه أهل الكوفة دار عليهما, وكان إبراهيم أعرف الناس بقولهما، فما صح عنه فهو كالمنقول عنهما, فلهذا حشا الكتاب من أقاويل إبراهيم».
5. أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه -:
وهو ممن ولي إمرة الكوفة والبصرة لعمر - رضي الله عنه -، وجاهد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وحمل عنه علماً كثيراً، واستعمله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعاذاً على زَبيد، وعَدَن، واستعمله عثمان - رضي الله عنه - على الكوفة، وكان عمر - رضي الله عنه - إذا رآه قال: «ذكِّرنا ربنا يا أبا موسى»، فيقرأ عنده، وكان أبو موسى - رضي الله عنه - هو الذي فقَّه أهل البصرة وأقرأهم، سكن الكوفة وتفقه به أهلها حتى استعمله عثمان عليهم بعد عزل سعيد بن العاص (¬2).
¬
(¬1) في المبسوط 11: 2.
(¬2) ينظر: الإصابة 4: 211 - 213، وسير أعلام النبلاء 2: 380 - 381، وغيرها.
وقال أنس - رضي الله عنه - بعثني الأشعري - رضي الله عنه - إلى عمر - رضي الله عنه - فأتيته فسألني عنه، فقلت: «تركته يعلم الناس». قال: «أما أنه كيس فلا تسمعها إياه» (¬1)، وقال أبو البختري: سئل علي - رضي الله عنه - عن أبي موسى - رضي الله عنه -، فقال: «صبغ في العلم صبغة». وقال الأسود بن يزيد: «لم أر بالكوفة أعلم من عليّ وأبي موسى» (¬2). توفي بالكوفة سنة (42هـ) (¬3).
وقال الشعبي: «يؤخذ العلم عن ستة: عمر، وعبد الله، وزيد، يشبه علمهم بعضه بعضاً، وكان عليّ، وأبيّ، وأبو موسى يشبه علمهم بعضه بعضاً، يقتبس بعضهم من بعض» (¬4).
6. حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه -:
وهو من نجباء أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو صاحب السرّ، بعثه عمر - رضي الله عنه - على المدائن، فقرأ عهده عليهم، فقالوا: سل ما شئت، قال: طعاماً آكله، وعلف حماري هذا ما دمت فيكم من تِبْن، فأقام فيهم ما شاء الله، ثم كتب إليه عمر: اقدم، فلما بلغ عمر قدومه، كمن له على الطريق؛ فلما رآه على الحال
¬
(¬1) قال الشيخ شعيب في هامش السير 2: 390: رجاله ثقات، أخرجه ابن سعد 4: 108، وابن عساكر 506 - 507.
(¬2) ينظر: سير أعلام النبلاء 2: 388، وغيرها.
(¬3) ينظر: طبقات الفقهاء 1: 25، وتاريخ الخلفاء 1: 156، وسير أعلام النبلاء 2: 382، وغيرها.
(¬4) ينظر: سير أعلام البلاء 2: 389، و غيرها.
التي خرج عليها، أتاه فالتزمه، وقال: أنت أخي، وأنا أخوك، قال أبو إسحاق: «كان حذيفة يجيء كل جمعة إلى الكوفة» (¬1).
والكلام في فضله ومكانته طويل، أكتفي منه بقول علي - رضي الله عنه -: «عَلِمَ المنافقين، وسأل عن المعضلات، فإن تسألوه تجدوه بها عالماً» (¬2)، توفي بالمدائن سنة (36هـ).
7. سلمان الفارسي - رضي الله عنه -:
وهو من مشاهير الصحابة - رضي الله عنهم - التي ورد في حكمته وفضله آثار عديدة يضيق المكان عن بسطها، نقتصر منها على ما قاله حميد بن هلال: «أوخي بين سلمان وأبي الدرداء، فسكن أبو الدرداء الشام، وسكن سلمان الكوفة، وكتب أبو الدرداء إليه: سلامٌ عليكم، أما بعد، فإن الله رزقني بعدك مالاً وولداً، ونزلت الأرض المقدسة، فكتب إليه سلمان: اعلم أن الخير ليس بكثرة المال والولد، ولكن الخير أن يعظم حلمُك، وأن ينفعك علمُك، وإن الأرض لا تعمل لأحد، اعمل كأنك ترى، واعدُد نفسَك من الموتى»، توفي بالمدائن سنة (36هـ) (¬3).
8. البراء بن عازب - رضي الله عنه -:
وهو ممن استصغر يوم بدر، وشهد خمسة عشر غزوة، وما قدم النبي
¬
(¬1) ينظر: سير أعلام النبلاء 2: 366، وغيرها.
(¬2) قال الشيخ شعيب في هامش السير 2: 363: رجاله ثقات.
(¬3) ينظر: سير أعلام النبلاء 1: 548، 554 وغيرها.
المدينة حتى قرأ سوراً من المفصل، وكان ممَّن بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن مع علي - رضي الله عنهم -، ثم رجع معه، فأدركوا حجة الوداع سنة عشر (¬1)، قال الذهبي (¬2): «الفقيه الكبير أبو عمارة الأنصاري الحارثي المدني نزيل الكوفة من أعيان الصحابة - رضي الله عنهم -»، توفي سنة (72هـ).
ثالثاً: ذكر بعض الصحابة - رضي الله عنه - الذين نزلوا الكوفة:
سبق أن ذكرنا أنه نزل الكوفة ما فاق عن الألف والخمسمئة صحابي، ولا يمكننا في هذا المقام ذكرهم وبيان حالهم، وإنما نمثل بذكر بعضهم:
1. الأغلب بن جثم بن عمرو العجلي الراجز المشهور، قال ابن قتيبة - رضي الله عنه -: «أدرك الإسلام فأسلم، وهاجر ثم كان ممن سار إلى العراق مع سعد فنزل الكوفة واستشهد في وقعة نهاوند» (¬3).
2. أنس بن الحارث بن نبيه، وقال ابن منده: «عداده في أهل الكوفة»، وقال البخاري: «قتل مع الحسين بن علي» (¬4).
3. أهبان بن أوس الأسلمي، قديم الإسلام صلى القبلتين، ونزل الكوفة، ومات بها في ولاية المغيرة، قال البخاري: «له صحبة يعد في أهل الكوفة» (¬5).
¬
(¬1) ينظر: التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة 1: 211، وغيرها.
(¬2) في سير أعلام النبلاء 3: 194 - 195.
(¬3) ينظر: الإصابة 1: 98، وغيرها.
(¬4) ينظر: المصدر السابق 1: 121، وغيرها.
(¬5) ينظر: المصدر نفسه 1: 141، وغيرها.
4. بشير بن معبد أبو معبد الأسلمي، قال ابن حبان: «له صحبة، عداده في أهل الكوفة». وقال البخاري: «له صحبة، حديثه في الكوفيين» (¬1).
5. بُلَيْل بن بلال بن أحيحة الأنصاري، ذكره خليفة فيمن نزل الكوفة من الصحابة. وقال العدوي: «شهد أحداً وما بعدها» (¬2).
6. ثابت بن قيس بن الخطيم الأنصاري الظفري، وقال أبو عمر: «هو مذكور في الصحابة استعمله سعيد بن العاصي على الكوفة لما طلبه عثمان لشكوى أهل الكوفة منه» (¬3).
7. جابر بن سمرة بن جنادة العامري السوائي، أخرج له أصحاب الصحيح، وعن جابر - رضي الله عنه - قال: «جالست النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر من مائة مرة»، قال ابن السكن: «نزل الكوفة، وابتنى بها داراً، وتوفي فيها سنة (74هـ)» (¬4).
8. جابر بن طارق بن أبي طارق الأحمسي البجلي، وكان من أهل القادسية، سكن الكوفة (¬5).
9. جرير بن عبد الله بن جابر البجلي الصحابي الشهير، وكان جرير جميلاً، قال عمر - رضي الله عنه -: «هو يوسف هذه الأمة»، وقدمه عمر في حروب العراق على
¬
(¬1) ينظر: نفس المصدر 1: 314، وغيرها.
(¬2) ينظر: الإصابة 1: 329، وغيرها.
(¬3) ينظر: المصدر السابق 1: 393، وغيرها.
(¬4) ينظر: الإصابة 1: 431، وغيرها.
(¬5) ينظر: المصدر السابق 1: 432، وغيرها.
جميع بجيلة، وكان لهم أثر عظيم في فتح القادسية، ثم سكن جرير الكوفة وأرسله علي - رضي الله عنه - رسولاً إلى معاوية - رضي الله عنه -، ثم اعتزل الفريقين وسكن قرقيسيا حتى مات سنة (ت51هـ) (¬1).
10. جعدة بن خالد بن الصمة الجشمي، قال ابن السكن: «إنه نزل الكوفة» (¬2).
11. جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي، ثم العلقي، أبو عبد الله، سكن الكوفة، ثم البصرة، قدمها مع مصعب بن الزبير، وروى عنه أهل المصرين (¬3).
12. الحارث بن سويد التميمي، أبو عائشة، يقال: أدرك الجاهلية، ونزل الكوفة (¬4).
13. حبة بن خالد الخزاعي، صحابي، نزل الكوفة (¬5).
14. حُبْشي بن جنادة بن نصر السَّلولي، صحابي، شهد حجة الوداع، ثم نزل الكوفة، يكنى أبا الجَنُوب، روى عنه أبو إسحاق السبيعي وعامر الشعبي، وصرح بسماعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال العسكري: «شهد مع علي مشاهده» (¬6).
¬
(¬1) ينظر: المصدر نفسه 1: 475، وغيرها.
(¬2) ينظر: نفس المصدر 1: 483، وغيرها.
(¬3) ينظر: الإصابة 1: 509، وغيرها.
(¬4) ينظر: المصدر السابق 2: 157، وغيرها.
(¬5) ينظر: المصدر نفسه 2: 14، وغيرها.
(¬6) ينظر: الإصابة 2: 13، وغيرها.
15. الحجاج بن عبد الله الثقفي، ذكره خليفة فيمن نزل البصرة، ثم الكوفة من الصحابة - رضي الله عنهم - (¬1).
16. حذيفة بن أُسيد الغفاري، أبو سريحة، شهد الحديبية، وذكر فيمن بايع تحت الشجرة، ثم نزل الكوفة، روى عنه الشعبي وغيره، توفي سنة (42هـ) (¬2).
17. حصين بن سبرة، له إدراك، وسمع من عمر - رضي الله عنه -، نزل الكوفة، روى عنه إبراهيم التيمي، ذكره البخاري أيضاً (¬3).
18. حنظلة بن الربيع بن صيفي، روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكتب له وأرسله إلى أهل الطائف فيما ذكر ابن إسحاق، وشهد القادسية، ونزل الكوفة (¬4).
19. خباب بن الأرتَّ بن جندلة التميمي، أبو عبد الله، سبي في الجاهلية، فبيع بمكة فكان مولى أم أنمار الخزاعية، وكان من السابقين الأولين، روى الباوردي أنه أسلم سادس ستة، وهو أول من أظهر إسلامه، وعُذِبَ عذاباً شديداً لأجل ذلك، وشهد المشاهد كلها، وآخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين جبر بن عتيك، روى عنه أبو أمامة وابنه عبد الله بن خباب وأبو معمر وقيس بن أبي حازم ومسروق وآخرون، وعن زيد بن وهب قال: «لما رجع عليّ - رضي الله عنه - من
¬
(¬1) ينظر: المصدر نفسه 2: 33، وغيرها.
(¬2) ينظر: المصدر السابق 2: 43، وغيرها.
(¬3) ينظر: نفس المصدر 2: 174، وغيرها.
(¬4) ينظر: المصدر نفسه 2: 134، وغيرها.
صفين مرَّ بقبر خباب - رضي الله عنه -، فقال: رحم الله خباباً، أسلم راغباً، وهاجر طائعاً، وعاش مجاهداً، وابتلى في جسمه أحوالاً، ولن يضيع الله أجره»، وشهد خباب بدراً، وما بعدها، ونزل الكوفة ومات بها سنة (37هـ) (¬1).
20. دُكَين بن سعيد الخثعمي، وهو معدود فيمن نزل الكوفة من الصحابة - رضي الله عنهم - (¬2).
21. زياد بن حُدَير الأسدي، نزيل الكوفة، له إدراك، وكان كاتباً لعمر - رضي الله عنه - على العشور (¬3).
22. سالم بن عبيد الأشجعي، من أهل الصفة، ثم نزل الكوفة، وروى له من أصحاب السنن (¬4).
23. سبرة بن الفاكه المخزومي، صحابي، نزل الكوفة (¬5).
24. سعد بن إياس بن أبي إياس، أبو عمرو الشيباني، أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم -، نزل الكوفة (¬6).
¬
(¬1) ينظر: الإصابة 2: 285، وغيرها.
(¬2) ينظر: الإصابة 2: 390، وغيرها.
(¬3) ينظر: نفس المصدر 2: 641، وغيرها.
(¬4) ينظر: الإصابة 3: 10، وغيرها.
(¬5) ينظر: المصدر السابق 3: 31، وغيرها.
(¬6) ينظر: المصدر نفسه 3: 254 وغيرها.
25. سلمان بن ربيعة بن يزيد الباهلي، أبو عبد الله، له صحبة، روى عنه كبار التابعين كأبي وائل وأبي ميسرة وأبي عثمان النهدي وسويد بن غفلة، وشهد فتوح الشام، ثم سكن العراق، وولي غزو أرمينية في زمن عثمان، فاستشهد قبل الثلاثين أو بعدها، وقال ابن حبان: «وهو أول مَن استقضي على الكوفة، وكان رجلاً صالحاً يحج كل سنة» (¬1).
26. سلمة بن سلامة الثعلبي، من أهل الكوفة (¬2).
27. سلمة بن يزيد بن مشجعة الجعفي، نزل الكوفة (¬3).
28. سمعان بن هبيرة بن مساحق الأسدي، أبو السمالّ، الشاعر، له إدراك، ونزل الكوفة (¬4).
29. شريك بن طارق بن سفيان الحنظلي، ذكره الواقدي وخليفة بن خياط وابن سعد فيمن نزل الكوفة من الصحابة - رضي الله عنهم - (¬5).
30. شَكَل بن حميد العبسي، صحابي، نزل الكوفة (¬6).
¬
(¬1) ينظر: نفس المصدر 3: 139، وغيرها.
(¬2) ينظر: الإصابة 3: 149، وغيرها.
(¬3) ينظر: المصدر السابق 3: 156، وغيرها.
(¬4) ينظر: المصدر نفسه 3: 264، وغيرها.
(¬5) ينظر: نفس المصدر 3: 346، وغيرها.
(¬6) ينظر: الإصابة 3: 253، وغيرها.
31. شيبان بن مالك الأنصاري السَّلَمي، قال مسلم وابن حبان: «له صحبة»، وقال البغوي: «سكن الكوفة» (¬1).
32. صخر بن العَيْلة بن عبد الله البجلي الأحمسي، قال البغوي: «سكن الكوفة» (¬2).
33. صفوان بن عَسَّال المرادي، له صحبة، وقال البغوي: «سكن الكوفة»، وقال ابن أبي حاتم: «كوفي له صحبة مشهور» (¬3).
34. ضرار بن الأزور الأسدي، أبو الأزور، قال البخاري وأبو حاتم وابن حبان: «له صحبة»، وقال البغوي: «سكن الكوفة» (¬4).
35. طارق بن أشيم بن مسعود الأشجعي، قال البغوي: «سكن الكوفة» (¬5).
36. طارق بن شهاب بن عبد شمس البجلي الأحمسي، أبو عبد الله، رأى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو رجل، قال البغوي: «ونزل الكوفة» (¬6).
¬
(¬1) ينظر: المصدر السابق 3: 368، وغيرها.
(¬2) ينظر: الإصابة 3: 416، وغيرها.
(¬3) ينظر: المصدر السابق 3: 436، وغيرها.
(¬4) ينظر: المصدر نفسه 3: 481، وغيرها.
(¬5) ينظر: نفس المصدر 1: 507، وغيرها.
(¬6) ينظر: الإصابة 3: 510، وغيرها.
37. طارق بن عبد الله المحاربي، صحابي، نزل الكوفة، وروى عنه أبو الشعثاء وربعي بن خراش وأبو ضمرة (¬1).
38. طارق بن علقمة بن أبي رافع، قال البغوي: «سكن الكوفة» (¬2).
39. عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي، أبو معاوية، شهد الحديبية، وروى أحاديث شهيرة، ثم نزل الكوفة، توفي سنة ست أو سبع وثمانين (¬3).
40. عبد الله بن أبي عقيل الثقفي، ذكر الطبري أنه نزل الكوفة، وكان أحد الأمراء الأربعة الذين توجّهوا في خلافة عمر - رضي الله عنه - للأحنف بمرو الشاهجان (¬4).
الطبقة الثانية: أصحاب ابن مسعود وعلي - رضي الله عنهم -:
تمهيد:
إن مؤسس مدرسة الكوفة هم صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين رووا فعله وقوله إلى أهل الكوفة، وعلى رأسهما ابن مسعود - رضي الله عنه - وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، وبانيها هم التابعون من تلاميذ الصحابة - رضي الله عنهم - الذي حلّوا فيها وفي مقدمتهم علقمة والأسود ومسروق وشريح - رضي الله عنهم -، فإنهم حافظوا على ما ورثوه من فقه
¬
(¬1) ينظر: المصدر السابق 3: 511، وغيرها.
(¬2) ينظر: نفس المصدر 3: 512، وغيرها.
(¬3) ينظر: المصدر نفسه 4: 18، غيرها.
(¬4) ينظر: الإصابة 4: 180، وغيرها.
الصحابة - رضي الله عنهم -، وما نقلوه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأضافوا إليه ما جدَّ من فروع بنوها على ما عرفوه، وهكذا الحال فيمن بعدهم كما سيأتي، وهذه كلمة جامعة من المؤرخ الذهبي توضح ذلك؛ إذ قال (¬1): «أفقه أهل الكوفة علي وابن مسعود - رضي الله عنهم -، وأفقه أصحابهما علقمة، وأفقه أصحابه إبراهيم، وأفقه أصحاب إبراهيم حماد، وأفقه أصحاب حماد أبو حنيفة، وأفقه أصحابه أبو يوسف، وانتشر أصحاب أبي يوسف في الآفاق، وأفقههم محمد، وأفقه أصحاب محمد أبو عبد الله الشافعي».
قال المحدث الكبير الشعبي - رضي الله عنه -: «ما كنت أعرف فقهاء الكوفة إلا أصحاب عبد الله - رضي الله عنه - قبل أن يقدمَ علينا علي - رضي الله عنه -، ولقد كان أصحاب عبد الله - رضي الله عنه - يسمون قناديل المسجد أو سرج المصر» (¬2).
وقال إبراهيم التيمي - رضي الله عنه -: «كان فينا ستون شيخاً من أصحاب عبد الله» (¬3)، وليس المقصد من كلامهم حصرهم، وإنما بيان أرفعهم وأعلاهم مكانة من المشهورين المعروفين، وإلا فقد فاق أعدادهم آلاف على ما سيأتي.
أولاً: صفات أصحاب ابن مسعود وعلي - رضي الله عنهم -:
وفي الصفة العامة للعلماء الكبار الذين ربَّاهم ابن مسعود - رضي الله عنه - يقول الحافظ الشعبي: «ما رأيت أحداً كان أعظم حلماً، ولا أكثر علماً، ولا أكف
¬
(¬1) في سير أعلام النبلاء 5: 236.
(¬2) ينظر: سير أعلام النبلاء 4: 309، وغيرها.
(¬3) ينظر: طبقات ابن سعد 6: 10، وغيرها.
عن الدماء من أصحاب عبد الله، إلا ما كان من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» (¬1)، ولا غرابة في ذلك؛ لأنهم تعلموا وتأدبوا على أفضل الخلق بعد الأنبياء، وهم صحابة الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -، وفي طليعتهم علي - رضي الله عنه - الذي تربى في حجر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وابن مسعود - رضي الله عنه - الذي وصفه حذيفة - رضي الله عنه - كما مرَّ: «إنه أقرب الناس هدياً ودلاً وسمتاً برسول الله - صلى الله عليه وسلم -».
فلم يكن علمهم الذي ورثوه عن الصحابة - رضي الله عنهم - مقتصراً على ألفاظ مجردة جافة، بل شمل الخلق والسلوك مع القول والفعل، فكانوا أعظم من حمل الإسلام عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بكل ما فيه من قول وعمل وعقيدة وسلوك، وكانوا أحرص الناس على ذلك في حياتهم، حتى كتب الله لهم القبول، ونشر علم هذه المدرسة الممثلة للإسلام الحق بمعنى الكلمة إلى أرجاء الأرض، فأصبح عامة المسلمين في بقاع الأرض يتعبدون الله على ما ورثوه عن مدرسة الكوفة، وشمل ذلك الدول المتعاقبة في الإسلام في الحكم والتطبيق في القضاء وغيره لفقه هذه المدرسة الأمينة العظيمة العريقة.
ثانياً: ذكر أسماء بعض أصحابيهما:
إن من أراد الاستفاضة في معرفة أصحاب ابن مسعود وعلي - رضي الله عنهم - فليراجع «الطبقات الكبرى» لابن سعد، فإنه أورد أسماء الذين رووا عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، وترجم لهم، وأحاط بشيء من أخبارهم، وقد قسمهم إلى
¬
(¬1) ينظر: المصدر السابق 6: 11 - 12، وغيرها.
عدّة طبقات، أذكرهم هاهنا كما فعل العلامة عبد الستار الشيخ (¬1) على سبيل الإجمال والإيجاز ليتبيَّن لنا كم كان العلم الذي نشره عبد الله والصحابة عامة، ثم مدى إقبال أؤلئك العظماء على الصحابة - رضي الله عنهم - ليأخذوا عنهم ما حفظوه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
1) طارق بن شهاب. 2) قيس بن أبي حازم. 3) رافع بن أبي رافع. 4) سويد بن غفل. 5) الأسود بن يزيد. 6) مسروق بن الأجدع. 7) سعيد بن نمران. 8) النزّال بن سبرة. 9) زهرة بن حميضة. 10) معدي يكرب. 11) علقمة بن قيس. 12) عبيدة بن قيس. 13) أبو وائل. 14) زيد بن وهب. 15) عبد الله بن سَخْبرة. 16) يزيد بن شريك. 17) أبو عمرو الشيباني. 18) زر بن حبيش. 19) عمرو بن شرحبيل. 20) عبد الرحمن ابن أبي ليلى. 21) عبد الله بن عكيم. 22) عبد الله بن أبي الهذيل. 23) حارثة بن مُضَرّب. 24) عبد الله بن مسلمة. 25) مرّة بن شراحيل. 26) عبيد بن نضلة. 27) عمرو ابن ميمون. 28) المعرور بن سويد. 29) همّام بن الحارث. 30) الحارث بن الأزمع. 31) الأسود بن هلال. 32) سليم بن حنظلة. 33) النعمان بن حميد. 34) عبد الله بن عتبة. 35) أبو عطية الوادعي. 36) عامر بن مطر. 37) عبد الله بن خليفة. 38) عبد الرحمن ابن يزيد. 39) الحارث بن سويد. 40) الحارث بن قيس. 41) الحارث الأعور. 42) عمير بن
¬
(¬1) في كتابه النافع الماتع: ابن مسعود عميد حملة القرآن، وكبير فقهاء الإسلام ص282 - 284.
سعيد. 43) سعيد بن وهب. 44) هبيرة بن يريم. 45) عمرو بن مسلمة. 46) أبو الزعراء. 47) أبو عبد الرحمن السلمي. 48) عبد الله بن معقل. 49) عبد الرحمن ابن معقل. 50) سعد بن عياض. 51) أبو فاخته. 52) الربيع بن عميلة. 53) قيس بن السكن. 54) الهزيل بن شرحبيل. 55) الأرقم بن شرحبيل. 56) أبو الكنود الأزدي. 57) شداد بن معفل. 58) جبة بن جوين. 59) خمير بن مالك. 60) عمرو بن عبد الله. 61) عبد الله بن سنان. 62) زاذان أبو عمرو الكندي. 63) عباد بن عبد الله. 64) كميل ابن زياد. 65) قيس بن عبد. 66) حصين بن قبصة. 67) أبو القعقاع الجرمي. 68) أبو رزين. 69) عرفجة. 70) عبد الرحمن بن عبد الله. 71) شتيرين شكل. 72) أبو الأحوص. 73) الربيع بن خُثَيم. 74) أبو العبيدين. 75) حريث بن ظهير. 76) حسام أبو سعيد. 77) قبيصة بن برعة. 78) صلة بن زفر. 79) أبو الشعثاء المحاربي. 80) المستورد بن الأحنف. 81) عامر بن عبدة. 82) ابن معيز السعدي. 83) شداد بن الأزمع. 84) عبد الله بن ربيعة. 85) عتريس بن عرقوب. 86) عمرو بن الحارث. 87) ثابت بن قطبة. 88) أبو عقرب الأسدي. 89) عبد الله بن زياد. 90) خارجة بن الصَّلْت. 91) سَحيم بن نوفل. 92) عبد الله بن مرداس. 93) الهيثم بن شهاب. 94) مروان أبو عثمان. 95) أبو حيان. 96) أبو يزيد. 97) عبيدة بن ربيعة. 98) الأخنس. 99) أبو ماجد الحنفي. 100) أبو الجعد. 101) سعد بن الأخرم. 102) ضرار الأسدي. 103) أبو كنف. 104) عم مهاجر بن شماس. 105) أبو ليلى الكندي. 106) الخشف بن مالك. 107) المنهال.
108) نُفَيع. 109) عدسة الطائي. 110) سليمان بن شهاب. 111) مؤثرة بن غفارة. 112) وألان. 113) عميرة بن زياد. 114) أبو الرضراض. 115) أبو زيد. 116) وائل بن مهاثة. 117) بلاز بن عصمة. 118) وائل بن ربيعة. 119) الوليد ابن عبد الله. 120) عبد الله بن حلام. 121) فلفلة الجعفي. 122) يزيد بن معاوية. 123) أرقم بن يعقوب. 124) حنظلة بن خويلد. 125) عبدالرحمن بن بشر. 126) البراء بن ناجية. 127) تمام بن حذلم. 128) حوط العبدي. 129) عمرو بن عتبة. 130) قيس بن عبد. 131) قيس بن حبتر. 132) العنبس بن عقبة. 133) لقيط بن قبيصة. 134) حصين بن عقبة. 135) شبرمة بن الطفيل. 136) عبد الرحمن بن خنيس. 137) عمير. 138) كردوس بن عباس. 139) سلمة بن صهيبة. 140) عبدة النهدي. 141) أبو عبيدة بن عبد الله. 142) خثيمة بن عبد الرحمن. 143) سلمة بن صهيب. 144) مالك ابن عامر. 145) عبد الله بن سخبرة. 146) خلاس بن عمرو. 147) الربيع بن خيثم. 148) عتبة بن فرقد. 149) زياد بن جرير. 150) زيد بن صوحان.
ثالثاً: ترجمة مشاهير أصحابهما:
بعد ذكر مجموعة من أصحابهما، يحسن بنا أن نُسَلِّطَ الضوءَ على أبرز هؤلاء الأصحاب بذكر شيء من أحوالهم، يكون فيه تمام التصور لهذا الحلقة من حلقات مدرسة الكوفة:
1. علقمة بن قيس النخعي - رضي الله عنه -، أبو شبل الكوفي، وهو أبرز من نقل علم ابن مسعود - رضي الله عنه -، حتى شهد له ابن مسعود بذلك فقال - رضي الله عنه -: «لا أعلم شيئاً إلا
وعلقمة يعلمه»، وقال عثمان - رضي الله عنه -: «علقمة أعلم بعبد الله»، وقال ابن المديني: «أعلم الناس بعبد الله علقمة والأسود وعبيدة والحارث»، وقال داود بن أبي هند: «قلت للشعبي أخبرني عن أصحاب عبد الله كأني أنظر إليهم. قال: كان علقمة أبطن القوم به، وكان مسروق قد خلط منه ومن غيره، وكان الربيع بن خيثم أشد القوم اجتهاداً، وكان عبيدة يوازي شريحاً في العلم والقضاء».
وقال ابن سعد (¬1): «عن إبراهيم عن علقمة، قال: كان عبد الله يشبه بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في هديه ودَله وسَمته، وكان علقمة يشبّه بعبد الله ... فعن أبي معمر قال: دخلنا على عمرو بن شرحبيل فقال: انطلقوا بنا إلى أشبه الناس هدياً وسمتاً بعبد الله فدخلنا على علقمة ... فعن إبراهيم: إن علقمة قرأ على عبد الله. فقال: رَتل فداك أبي وأمي، فإنه زين القرآن»، فهذه النصوص تفيدنا أن شيئاً من علم ابن مسعود - رضي الله عنه - لم يضيع؛ لحرص أمثال علقمة - رضي الله عنه - على أخذ علمه المأخوذ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفقهه الذين بناه عليه.
بل إن سعة علم علقمة جعلته مقدماً على بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العلم، قال قابوس ابن أبي ظبيان قلت لأبي: «كيف تأتي علقمة وتدع أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - قال: يا بني إن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا يسألونه».
ولم يكن علمه مقتصراً على ابن مسعود وعلي والصحابة الذين حلّوا في الكوفة - رضي الله عنهم - فقط، بل شمل غيرهم من كبار فقهاء الصحابة في البلاد الأخرى،
¬
(¬1) في الطبقات الكبرى 3: 154، 6: 89.
فإن له رحلة إلى أبي الدرداء - رضي الله عنه - بالشام، وإلى عمر، وزيد، وعثمان بن عفان وعائشة - رضي الله عنهم - بالمدينة، وهو ممن جمع علوم الأمصار، توفي بالمدينة في سنة (62هـ) (¬1).
2. مسروق بن الأجدع الهمداني - رضي الله عنه -، معمّر مخضرم، أدرك الجاهلية، روى عن عمر، وعلي، وعبد الله، وخباب، وأبي بن كعب، وعبد الله بن عمرو، وعائشة - رضي الله عنهم -، وله رحلات واسعة في العلم، حتى قال الشعبي عنه: «ما رأيت أحداً أطلب للعلم في أفق من الآفاق من مسروق»، وهذا الكلام ينقض ما توهمه بعضهم من أن الرحلة في طلب الحديث والعلم كان في عصر الشافعي وأحمد - رضي الله عنهم -، مما أوصلهم إلى تضعيف ردّ كثير من مسائل من سبقهما بحجة أن الحديث لم يصلهما؛ لتقصير في طلبه، وهذه فرية بلا مرية، سيأتي تفصيل ردها.
وكان عالماً عابداً خاشعاً متواضعاً زاهداً، فعن أبي إسحاق: «حج مسروق فما نام إلا ساجداً على وجهه»، وعن مسروق قال: «كفى بالمرء علماً أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلاً أن يعجب بنفسه». وروي أن مسرق أخذ بيد ابن أخ له، فارتقى على كناسة بالكوفة، فقال: ألا أريكم الدنيا؟! هذه
¬
(¬1) ينظر: طبقات الحفاظ 1: 20، وتهذيب الكمال 20: 300 - 308. والتقريب ص337، وطبقات الشيرازي ص79، والطبقات الكبرى 6: 86، ومقدمة نصب الراية ص304 - 305، وغيرها.
الدنيا: أكلوها فأفنوها، ولبسوها فأبلوها، وركبوها فأضنوها، سفكوا فيها دماءهم، واستحلوا فيها محارمهم، وقطعوا في أرحامهم».
وكان من أعلم الناس بالفقه والقضاء، قال الشعبي - رضي الله عنه -: «كان مسروق - رضي الله عنه - أعلم بالفتوى»، وقال مسروق: «لأن أقضي بقضية فأوافق الحق أو أصيب الحق أحب إلي من رباط سنة في سبيل الله».
ونختم الكلام في ترجمته بكلمة لطيفة منه تبيِّن أن ديننا دين اتباع لا ابتداع، وأن مدرسة الكوفة ما نالت ما عليه من المجد والرفعة إلا بهذا الاتباع لسنن مَن قبلهم، فهذا مسروق، وهو أحد أعلامها يقول عند موته: «اللهم لا أموت على أمر لم يسنّه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا أبو بكر ولا عمر، والله ما تركت صفراء ولا بيضاء عند أحد من الناس غير سيفي هذا، فكفنوني به»، توفي سنة (63هـ) (¬1).
3. الحارث بن عبد الله الأعور الهَمْداني - رضي الله عنه -، ويسمّى راوية علي - رضي الله عنه -، كما كان يسمى سعيد بن المسيب - رضي الله عنه - راوية عمر - رضي الله عنه -، وما ذلك إلا لحرصهما على تتبع لكل ما كان يصدر عن هذين الصحابيين من قول وفعل.
¬
(¬1) ينظر: الإرشاد 2: 534، والطبقات الكبرى 6: 76 - 78، وتقريب التهذيب ص460، وطبقات الشيرازي ص80، وتسمية فقهاء الإمصار 1: 128، ومقدمة نصب الراية ص305، وابن مسعود ص290 - 292، وكشف الظنون 1: 430، وأبجد العلوم 2: 180، وغيرهم.
وكان يعد من أكابر علماء الكوفة، قال ابن سيرين - رضي الله عنه -: «أدركت الكوفة وهم يقدمون خمسة مَن بدأ بالحارث ثنى بعبيدة ومن بدأ بعبيدة ثنى بالحارث ثم علقمة الثالث ثم مسروق ثم شريح - رضي الله عنهم -»، توفي سنة (65هـ) (¬1).
4. عبيدة بن عمرو (¬2) المرادي السلماني، أبو مسلم - رضي الله عنه -، وهو من كبار فقهاء التابعين من أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود - رضي الله عنه - سمع عمر وعلياً والزبير ابن العوام، قال ابن سيرين: «قدمت الكوفة وبها خمسة من العلماء: عبيدة وعلقمة ومسروق والحارث والضحاك».
وكان عالماً كبيراً بصيراً بمعرفة الفرائض، حتى أن مثل القاضي شريح المعروف بكمال اليقظة في الفقه، وأحكام القضاء، كان يسأله في الفرائض، قال أبو إسحاق - رضي الله عنه -: «كان يقال: ليس بالكوفة أعلم من عبيدة بالفريضة والحارث الأعور، وكان عبيدة يجلس في المسجد، فإذا ورد على شريح فريضة فيها حد رفعها إلى عبيدة، ففرض»، توفي سنة (72هـ) (¬3).
¬
(¬1) ينظر: النجوم الزاهرة 1: 185، وتهذيب الكمال 5: 244 - 252، وطبقات الشيرازي ص81، والتقريب ص86، وغيرهم.
(¬2) وقال ابن قتيبة: هو عبيدة بن قيس، والأشهر الأول، كما في التدوين في تاريخ قزوين 1: 118 - 119.
(¬3) ينظر: الإرشاد 2: 534 - 535، وطبقات الشيرازي ص80، والتدوين في تاريخ قزوين 1: 118 - 119، ومقدمة نصب الراية ص304، وابن مسعود ص288، وغيرها.
5. عمرو بن ميمون الأودي - رضي الله عنه -، من قدماء أصحاب معاذ بن جبل - رضي الله عنه -، معمِّر مخضرم، أدرك الجاهلية، روى عن عمر وعبد الله وسمع من معاذ باليمن في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وروى عن أبي مسعود الأنصاري، وعبد الله بن عمرو، وسلمان بن ربيعة، والربيع بن خيثم، وحجّ مئة عمرة وحجة، توفي سنة (74هـ) (¬1).
6. عبد الله بن حبيب السلمي الكوفي - رضي الله عنه -، مقرئ الكوفة الإمام العلم، عرض القرآن على عليّ - رضي الله عنه -، وهو عمدته في القراءة، وقد فرَّغ نفسه لتعليم القرآن لأهل الكوفة بمسجدها، أربعين سنة، ومنه تلقى السبطان الشهيدان القراءة بأمر أبيهما، وعاصم تلقى قراءة عليٍّ - رضي الله عنه - عنه، وهي القراءة التي يرويها حفص عن عاصم، وقراءة عاصم بالطريقين في أقصى درجات التواتر في جميع الطبقات، وعرض السلمي أيضاً على عثمان - رضي الله عنه -، وزيد بن ثابت - رضي الله عنه -.
قال أبو عمرو الداني: «أخذ القراء عرضاً عن عثمان وعلي وزيد وأبي وابن مسعود. أخذ عنه القرآن: عاصم بن أبي النجود، ويحيى بن وثاب، وعطاء بن السائب، وعبد الله بن عيسى، ومحمد بن أبي أيوب، والشعبي، وإسماعيل بن أبي خالد، وعرض عليه الحسن والحسين - رضي الله عنهم -»، قال أبو إسحاق: «كان أبو عبد الرحمن السلمي يقرئ الناس في المسجد الأعظم أربعين سنة»، فهذه النصوص تفيدنا أن علم أهل الكوفة الذي ورثوه عن صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن مقتصراً على الفقه والحديث والسلوك فحسب،
¬
(¬1) ينظر: الطبقات الكبرى 6: 117، ومقدمة نصب الراية ص304، وغيرها.
بل شمل كيفية قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - للقرآن، فمن أهل الكوفة أبرز مَن عرف بالتلقي للقرآن، ومَن إليه المنتهى في قراءته، توفي سنة (74هـ) (¬1).
7. الأسود بن يزيد بن قيس النخعي - رضي الله عنه -، مُعَمِّر مخضرم، روى عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وسلمان، وأبي موسى، وعائشة - رضي الله عنهم -، حج ثمانين، ما بين حجة وعمرة وهو ابن أخي علقمة، وكان خال إمام أهل العراق، إبراهيم النخعي، وهو من قالت فيه عائشة رضي الله عنها: «ما مات رجل بالعراق أكرم عليَّ من الأسود».
وكان مع علمه الوفير عابداً زاهداً، قال الذهبي - رضي الله عنه -: «ورد أنه كان يصلي في اليوم والليلة سبعمئة ركعة»، عن علي بن مدرك: «إن علقمة كان يقول للأسود: لما تعذب هذا الجسد؟! فيقول: إنما أريد له الراحة». توفي سنة (74هـ) (¬2).
8. شريح بن الحارث الكندي الكوفي، أبو أمية - رضي الله عنه -، مُعَمِّر مخضرم، وَلي قضاء الكوفة في عهد عمر وعثمان وعلي ومعاوية - رضي الله عنهم - ستين سنة إلى أيام الحجاج فاستعفى، وله مئة وعشرون سنة، فمات بعد سنة، وهو الذي يقول فيه عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -: «قم يا شريح! فأنت أقضى العرب»، فناهيك
¬
(¬1) ينظر: سير أعلام النبلاء 4: 267 - 268، ومعرفة القراء الكبار 1: 52 - 53، ومقدمة نصب الراية ص304، وابن مسعود ص294 - 295، وغيرها.
(¬2) ينظر: العبر 1: 86. والتقريب ص50، وطبقات الشيرازي ص79، ومقدمة نصب الراية ص305، وابن مسعود ص289 - 290، وغيرها.
بقاض يكون مَرْضيَّ القضاء في عهد الراشدين، وفي الدولة الأموية طول هذه المدة، وقد غَذَّى بأقضيته الدقيقة، فقه أهل الكوفة، ودربهم على الفقه العلمي.
فهذا أشهر قضاة الإسلام، المشهود لهم بالمكانة السامية الرفيعة، من أهل الكوفة، ومن ناشري الفقه في ربوعها؛ إذ أن مَن كان بهذه المنزلة تكون أقضيته مشهورة متداولة بين العامة والخاصة، قال ابن سيرين: «إن شيوخ أهل الكوفة أربعة: عبيدة السلماني، والحارث الأعور، وعلقمة بن قيس، وشريح وكان أحسنهم». توفي سنة (80هـ) (¬1).
9. زر بن حُبَيْش بن حباشة الأسدي، أبو مريم - رضي الله عنه -، معمِّر مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، ولم ير النبي - صلى الله عليه وسلم -، مقرئ الكوفة مع السلمي، كان يؤم الناس في التراويح، وهو ابن مئة وعشرين سنة، وهو راوية قراءة ابن مسعود، ومنه أخذها عاصم. وكان زرٌّ - رضي الله عنه - من أعرب الناس، وكان ابن مسعود - رضي الله عنه - يسأله عن العربية، توفي سنة (83هـ) بوقعة دير الجماجم (¬2).
¬
(¬1) ينظر: طبقات الحفاظ 1: 27، وفيات الأعيان 2: 460 - 463، ومرآة الجنان 1: 158 - 159، والعبر 1: 89 وطبقات الشيرازي ص80 - 81، والأعلام 3: 236، ومقدمة نصب الراية ص305، وغيرهم.
(¬2) ينظر: سير أعلام النبلاء 1: 166، ومقدمة نصب الراية ص304، والأعلام 3: 75، وغيرها.
10. سويد بن غََفَلة المَذحِجي، أبو أمية الجُعْفي - رضي الله عنه -، مخضرم، من كبار التابعين، ولد عام الفيل، قدم المدينة يوم دفن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان مسلماً في حياته، ثم نزل الكوفة، وصحب أبا بكر - رضي الله عنه -، ومن بعده، توفي سنة (80هـ) (¬1).
11. عبد الرحمن بن أبي ليلى - رضي الله عنه -، أدرك مئة وعشرين من الصحابة - رضي الله عنهم - كما مرّ، وولي القضاء، قال الذهبي (¬2): «من أئمة التابعين وثقاتهم». توفي سنة (83هـ) (¬3).
12. شقيق بن سلمة الأسدي أسد خزيمة الكوفي، أبو وائل - رضي الله عنه -، أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يره، وحدث عن عمر، وعثمان، وعلي، وعمار، ومعاذ، وابن مسعود، وأبي الدرداء، وأبي موسى، وحذيفة وعائشة، وخباب، وأسامة ابن زيد، والأشعث بن قيس، وسلمان بن ربيعة، وسهل بن حنيف، وشيبة بن عثمان، وعمرو بن الحارث المصطلقي، وقيس بن أبي غرزة، وأبي هريرة، وأبي الهياج الأسدي - رضي الله عنهم -، وخلق سواهم. وقال أبو عبيدة: «أعلم أهل الكوفة بحديث ابن مسعود - رضي الله عنه -». قال الأعمش: «قال لي إبراهيم النخعي: عليك بشقيق فإني أدركت الناس وهم متوافرون وإنهم ليعدونه من خيارهم». ووصفه الذهبي: «بالإمام الكبير شيخ الكوفة، وكان من أئمة الدين». توفي سنة (82هـ) (¬4).
¬
(¬1) ينظر: تقريب التهذيب ص201، ومقدمة نصب الراية ص304، وغيره.
(¬2) في الميزان 4: 311.
(¬3) ينظر: ميزان الاعتدال 4: 311، ومقدمة نصب الراية ص305، وغيرها.
(¬4) ينظر: طبقات الحفاظ 1: 28، وسير أعلام النبلاء 4: 161 - 163، وغيرها.
13. عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلي - رضي الله عنه -، كان من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة روى عن علي وابن مسعود - رضي الله عنهم - (¬1).
14. قيس بن أبي حازم الأحمسي البجلي الكوفي - رضي الله عنه -، وقد جاوز المئة سمع أبا بكر وطائفة من البدريين، وكان من علماء الكوفة. توفي سنة (97هـ) (¬2).
فحاصل الكلام مما سبق أن هؤلاء التابعين الذين صحبوا صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الكوفة وغيرها كانوا شديدي الملازمة لهم، وحريصين على اقتفاء أثرهم وهديهم في كل أمرهم، فلم يفوتهم شيء من قولهم ولا فعلهم ولا سلوكهم إلا وحملوه ونقلوه إلى مَن بعدهم، وفي مقدمة هؤلاء الصحابة علي وابن مسعود - رضي الله عنهم -؛ لأنهم أشهر من توطّن الكوفة وعلم أهلها، ولم يقتصر علم هؤلاء التابعين على من حلَّ من الصحابة - رضي الله عنهم - بالكوفة، بل رحلوا إلى البلاد وجمعوا علم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها، وفي مقدمتها مكة والمدينة، فدين الله حفظ بهؤلاء الثقات الأثبات من الفقهاء فيما نقلوا، وفيما أفتوا، قال الإمام الكوثري (¬3): «وأكثر هؤلاء لقوا عمر وعائشة - رضي الله عنهم - أيضاً، وأخذوا عنهما، وهؤلاء كانوا يفتون بالكوفة، بمحضر الصحابة - رضي الله عنهم -، فجمعوا فقه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحديثهم».
¬
(¬1) ينظر: النجوم الزاهرة 1: 199، وغيرها.
(¬2) ينظر: العبر 1: 115، وغيرها.
(¬3) في مقدمة نصب الراية ص305 - 306.
وقال العلامة عبد الستار الشيخ (¬1): «وإن الناظر في صفات هؤلاء العظماء يجد فيها: التقوى والورع، والزهادة في الدنيا وإيثار الآخرة، والخوف من عذاب الله ورجاء عفوه وثوابه، والعلم الواسع والعمل العريض، والتمسك بهدي الصالحين، وحمل الناس على سلوك سبيل الراشدين.
وإن هذا لمما يتمِّم صورة عبد الله، ذلك أن التلاميذ صورة لمعلِّمهم، كما أن أخلاق الناس دليل على مضامين المبدأ الذي تربّوا عليه، وكأن ابن مسعود - رضي الله عنه - كان إناء من مسك يتضوّع منه رائحته العطرة متمثلاً بهؤلاء الأصحاب النجباء، فكنت ترى في كل ناحية منهم رأساً وسيداً، وفي كل صوب منهم معلِّماً ومرشداً، وفي كل جهة منهم رائداً وهادياً، فرضي الله عنهم وجمعنا بهم في مستقر رحمته».
الطبقة الثالثة: أصحاب أصحابهما - رضي الله عنهم -:
فهذا الدين محفوظ بنص كتاب الله - جل جلاله -، وحفظته أئمة عدول في كلّ جيل من العلماء العاملين المنصفين، فقد تتلمذ على أصحاب علي وابن مسعود - رضي الله عنهم - خيرة القوم من أهل الكوفة الذين لا يحصون عدداً، ولا نملك في هذا المقام إلا الإشارة إليهم وذكر مشاهيرهم.
ومما يلفت الانتباه إلى كثرة العلماء في الكوفة في تلك الحقبة أن الذين خرجوا مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث على الحجاج الثقفي في دير الجماجم سنة (83هـ)، من الفقهاء والقراء خاصة ممن أدرك صحابة رسول
¬
(¬1) في ابن مسعود ص298.
الله - صلى الله عليه وسلم -، قال الإمام الجصَّاص (¬1): «وخرج عليه من القراء أربعة آلاف رجل، هم خيار التابعين، وفقهاؤهم، فقاتلوه مع عبد الرحمن بن محمد ابن الأشعث».
وهذا يوضح العدد الهائل من العلماء والفقهاء المخلصين والمجاهدين في الكوفة رعاية لدين الله - جل جلاله -، ودفعاً للظلم وأهله، قال الإمام الكوثري - رضي الله عنه - (¬2): «فإذا نظرت إلى علماء سائر الأمصار يعدُّ من أحسنهم حالاً من يهاجر أباه، ومن يقبل جوائز الحكام، ويساير أهل الحكم، وقَلَّ بينهم مَن يخطر له على بال مقاومة الظلم، وبذل كل مرتخص وغال في هذا السبيل، فبذلك أصبحت أحوال الكوفة في أمر الدِّين والخُلُق والفقه وعلم الكتاب والسنة واللغة العربية ماثلة أمام الباحث المنصف، فيحكم بما تمليه النَّصَفة، في الموازنة بين علماء الأمصار.
وهذا مما يجعل للكوفة مركزاً لا يسامى على توالي القرون، ولولا ذلك لما كانت الكوفة معقل أهل الدين، يفرّ إليها المضطهدون، طول أيام الجور في عهد الأموية».
ومن مشاهير هذه الطبقة:
1. سعيد بن فيروز الطائي، أبو البختري - رضي الله عنه -، وكان من كبار فقهاء الكوفة، روى عن ابن عباس - رضي الله عنهم - وطبقته، قال سلمة بن كهيل - رضي الله عنه -: «كان أبو البختري
¬
(¬1) في أحكام القرآن 1: 71.
(¬2) في مقدمة نصب الراية ص 306 - 307.