الشذا الأنسي في أخبار ........
... برهان الدين الطرابلسي
جارٍ تحميل الكتاب…
الشذا الأنسي في أخبار ........
... برهان الدين الطرابلسي
الشذا الأنسي
في أخبار برهان الدين الطرابلسي
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
بعد أن تيسر تحقيقي لكتاب «الإسعاف في أحكام الأوقاف» قبل سنوات؛ للإمام الهمام، والبحر الفهام، علامة عصره، وإمام دهره برهان الدين الطرابلسي، المتوفى سنة (922هـ)، قمت بترجمة موجزة في بيان حاله، ورفعة مقامه، وعلو شأنه.
عرضتُ فيها أحواله ومشايخه ومؤلفاته والمكانة العلمية التي تبوأها، والدرجة الاجتهادية التي وصل إليها بأوجز عبارة.
وذكرتُ هذه في بداية كتاب «الإسعاف»، ثمّ رأيت هذه الأيام أن أفردها لوحدها لإشاعتها ونشرها، وسميتها:
الشذا الأنسي
في أخبار برهان الدين الطرابلسي
سائلاً المولى - عز وجل - أن يتقبل هذا العمل ويجعله خالصاً لوجهه، ويرزقنا الصدق في القول والعمل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
عمان /صويلح
بتاريخ9 ـ 8 ـ 2020
المطلب الأول
اسمه ونسبه ونسبته
ولقبه ومذهبه وولادته
أولاً: اسمه:
اتفق مَن ترجمه له (¬1) على اسمه واسم أبيه وجدِّه وجدِّ أَبيه: وهو إبراهيم بن موسى بن أبي بكر بن الشيخ علي.
ثانياً: نسبته:
ذكروا (¬2) نسبته: الطرابلسي، وبعضهم (¬3) ذكر نسبه أيضاً: الدمشقي.
¬
(¬1) ينظر: الضوء اللامع1: 178، والطبقات السنية1: 73، وشذرات الذهب10: 150، والكواكب السائرة1: 113، والدر المختار4: 475، ومعجم المؤلفين1: 117، والأعلام1: 76.
(¬2) ينظر: الضوء اللامع1: 178، والطبقات السنية1: 73، وشذرات الذهب10: 150، والكواكب السائرة1: 113، والعقود الدرية1: 159، والدر المختار4: 475، ومعجم المؤلفين1: 117، والأعلام1: 76، وغيرها.
(¬3) ينظر: الكواكب السائرة1: 113.
ثالثاً: مذهبه:
اتفقوا (¬1) على مذهبه الفقهي: وهو المذهب الحنفي.
رابعاً: لقبه:
ذكر بعضهم (¬2) لقبه، وهو: برهان الدين.
خامساً: ولادته:
بيَّنوا أنَّه ولد (853هـ ـ 1449م) (¬3) بطرابلس الشام.
فتلخص ممّا سبق أنَّه إبراهيم بن موسى بن أبي بكر بن الشيخ علي الطرابلسي الدمشقي الحنفي، برهان الدين، المولود (853هـ).
• • •
¬
(¬1) ينظر: الضوء اللامع1: 178، والطبقات السنية1: 73، وشذرات الذهب10: 150، والكواكب السائرة1: 113، والدر المختار4: 475، و العقود الدرية1: 159، ومعجم المؤلفين1: 117، والأعلام1: 76، وغيرها.
(¬2) ينظر: العقود الدرية1: 159، والأعلام1: 76، والكواكب السائرة1: 113، وشذرات الذهب10: 150
(¬3) ينظر: الأعلام1: 76، و معجم المؤلفين1: 117.
المطلب الثاني
شيوخه
أخذ الطرابلسي العلم في دمشق عن جماعة من العلماء، منهم:
1.الصّلاحُ الطَّرابلسيّ:
وهو محمد بن محمد بن يوسف، ولد (833هـ) بطرابلس، ونشأ فيها فحفظ القرآن والشاطبية وألفية الحديث والمختار وأصول الأخسيكتي، ولازم الأمين الأقصرائي وأخذ عنه: «شرح المجمع» لابن فرشتا وبعض كلٍّ من «شرح الكنز» للفخر الزيلعي، و «الهداية» و «تحفة الحريص شرح التلخيص» للعلاء بن بلبان و «شرحي المغني» للسراج الهندي وللقاغاني، وشروح «المنار» للقوام الكاكي ولأكمل الدين وللمصنف، و «المنار» و «الكنز» و «التوضيح» و «التلويح» و «العضد» و «حاشيته السعدية» و «شرح العقائد» و «ابن عقيل على الألفية» و «الكشاف»، وصار مدار الفتوى في مذهب الحنفية عليه .. (¬1).
¬
(¬1) ينظر: الضوء اللامع10: 29.
قال الغزيّ (¬1) وابن العماد (¬2): «وكان منقطعاً في خلوة بالمؤيدية عند الشيخ صلاح الدين الطَّرابلسي». وقال السَّخاوي (¬3): «لازمه ورغب له عن تصوفه بالمؤيدية لما أعطي مشيخة الأشرفية».
2.الشّرفُ بن عيد:
قال السَّخاوي (¬4): «وقدم معه القاهرة حين طلب لقضائها».
3.الدِّيَمي:
وهو عثمان بن محمد بن عثمان بن ناصر المصري الشافعي، فخر الدين، ولد (821هـ)، قرأ على النور الوراق المالكي في ابن عقيل، وكذا حضر في العربية عند الزين طاهر، حفظ عشرين ألف حديث، (ت908هـ) (¬5)، قال السَّخاوي (¬6): «أخذ عن الديمي شرح ألفية العراقي للناظم».
¬
(¬1) في الكواكب السائرة1: 113.
(¬2) في شذرات الذهب10: 150.
(¬3) في الضوء اللامع1: 178. وينظر: الطبقات السنية1: 73،
(¬4) في الضوء اللامع1: 178. وينظر: الطبقات السنية1: 73.
(¬5) ينظر: الضوء اللامع5: 140، والنور السافر ص46، والأعلام4: 214.
(¬6) في الضوء اللامع1: 178، وينظر: الطبقات السنية1: 73، والكواكب السائرة1: 113
4.السِّنباطيّ:
وهو عبد الحق بن محمد بن عبد الحق بن أحمد، الشافعي، ولد (842هـ)، وحفظ العمدة والألفيتين والشاطبيتين والمنهاج الأصلي وتلخيص المفتاح والجعبرية في الفرائض والخزرجية، وعرض على خلق كالجلال المحلي وابن الهمام وابن الديريّ وأبي الفضل المغربيّ والولي السنباطيّ والبدر البغداديّ، (ت931هـ) (¬1)، قال السَّخاويّ (¬2): «وعن السنباطيّ أشياء».
5.السَّخاويّ:
وهو محمد بن عبد الرحمن بن محمد الشَّافِعِيّ، شمس الدِّين، ولد (831هـ)، قال اللَّكنويّ: «قد طالعت من تصانيفه: «فتح المغيث»، و «المقاصد الحسنة»، و «ارتياح الأكباد بفقد الأولاد»، وكلُّها نفيسةٌ جداً مشتملةٌ على فوائد مطربة»، (ت902هـ) (¬3). قال السَّخاويّ (¬4): «وكذا
¬
(¬1) ينظر: الضوء اللامع4: 37، والنور السافر ص141، وشذرات الذهب10: 248.
(¬2) في الضوء اللامع1: 178. وينظر: الطبقات السنية1: 73.
(¬3) ينظر: التعليقات السنية ص69، والضوء اللامع 8: 2 - 32، والنور السافر ص18 - 23، البدر الطالع 2: 184 - 187، الأعلام 7: 67 - 68.
(¬4) في الضوء اللامع1: 178. وينظر: الطبقات السنية1: 73، والكواكب السائرة1: 113.
سمع عليَّ «شرح معاني الآثار» و «الآثار» لمحمد بن الحسن وغيرهما، وعلَّق عنّي بعض التآليف».
6.أبو السُّعود الغراقي:
وهو محمّد بن محمد بن محمّد بن علي بن يوسف الشّافعيّ، ولد (795هـ) بالغراقة، نشأ بها فقرأ القرآن وصلى به وتلا لأبي عمرو على الزينبن اللبان الدمشقي وحفظ العمدة والمنهاجين الفرعي والأصلي وألفيتي الحديث والنحو والزهر البسام فيما حوته عمدة الأحكام من الأنام نظم البرماوي والجعبرية في الفرائض والحاجبية (¬1)، قال السخاوي (¬2): «سمع على أبي السعود الغراقي».
7.الرّضا الأوجاقي:
وهو محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عز الدين، ولد (799هـ)، وحفظ القرآن والعمدة والتنبيه وألفية النحو، (889هـ) (¬3).
قال السَّخاوي (¬4): «سمع على ... الرضا الأوجاقي»
¬
(¬1) ينظر: الضوء اللامع9: 253.
(¬2) في الضوء اللامع1: 178.
(¬3) ينظر: الضوء اللامع9: 199.
(¬4) في الضوء اللامع1: 178.
المطلب الثالث
رحلته وثناء العلماء عليه
أولاً: رحلته:
ولد في طرابلس الشَّام، وأخذ بدمشق عن جماعةٍ، وانتقل إلى القاهرة وتوفي بها (¬1)، فهو نزيل القاهرة بعد دمشق (¬2)، ونزل في المدرسة المؤيّدية من القاهرة (¬3) ـ كما سبق ـ مع شيخه الصلاح الطرابلسيّ.
والمدرسة المؤيديّة: انتهت عمارتُها في سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة، وبلغت النَّفقة عليها أربعين ألف دينار (¬4)، أنشأها الملك المؤيّد تحت القلعة بالمؤيديّة (¬5).
¬
(¬1) ينظر: الأعلام1: 76، ومعجم المؤلفين1: 117.
(¬2) ينظر: الدر المختار4: 475.
(¬3) ينظر: الضوء اللامع1: 178، والكواكب السائرة1: 113
(¬4) ينظر: حسن المحاضرة2: 272، وتاريخ الخلفاء ص357.
(¬5) ينظر: رفع الإصر عن قضاة مصر2: 284.
ثانياً: ثناء العلماء عليه:
بلغ إمامنا الطرابلسي درجة علمية كبيرة جداً، حتى كانت مؤلّفاته محطَّ أنظار لمن جاء بعده، وبقيت متداولةً بين أيدي الطلبة والكملة، فلا تُحصى المرّات التي نقلوا فيها عن كتبه سواء «الإسعاف» أو «البّرهان»، فلولا إتقان كتبه ودرجته الرفعية في الاجتهاد لا يهتم بها كل هذا الاهتمام، ومن عباراتهم في الثّناء عليه:
قال السَّخاوي (¬1): «وعد في النَّوادر ... وهو فاضلٌ ساكنٌ دينٌ».
وقال ابن عابدين (¬2): «الشيخ العالم الصالح».
وقال الغزي (¬3): «الشيخ الصالح العلامة».
وقال ابن العماد (¬4): «الإمام العلّامة».
• • •
¬
(¬1) في الضوء اللامع1: 178.
(¬2) في العقود الدرية1: 159.
(¬3) في الكواكب السائرة1: 113.
(¬4) في شذرات الذهب10: 150.
المطلب الرابع
عصره ومنصبه
أدرك مترجمنا أواخر عصر الدُّولة المملوكية وأوائل دخول الدولة العثمانية إلى بلاد العرب.
فعاش في عصر الظَّاهِر تَمُرْبُغَا (ت879هـ) في سنة (872هـ) ثم تولى بعده في نفس السنة قايتباي المحمودي الأشرفي ثم الظاهري من سنة (872هـ) إلى سنة (902هـ)، وكان متقشفاً، له اشتغال بالعلم، وكان كثير المطالعة، فيه نزعة صوفية، شجاع عارف بأنواع الفروسية، مهيب عاقل حكيم، إذا غضب لم يلبث أن تزول حدّته (¬1).
وتولى قانصوه بن قانصوه الأشرفي، حيث جعله السلطان الناصر دواداراً كبيراً، فعظم أمره، ولما قتل الناصر اتفق الأمراء على توليته، فبويع بالقاهرة سنة (904هـ)، ولم تطل مدّته، خلعه أمراء الجيش (سنة 905هـ) بعد سنة وثمانية أشهر و13 يوماً من ولايته.
¬
(¬1) ينظر: الأعلام5: 188.
ثم ولي قانصوه بن عبد الله الظاهري (ت922هـ)، فبويع بالسلطنة بقلعة الجبل (في القاهرة) سنة (905 هـ) (¬1).
ثم طومان باي، أبو النصر، الملقب بالملك الأشرف (ت923هـ)، ولما آلت السلطنة لقانصوه الغوري، قدمه، ثم جعله (دواداراً) كبيراً وأنابه عن نفسه حين توجه من مصر، لحرب العثمانيين في حلب، سنة (922هـ)، وجاء الخبر بمقتل قانصوه بحلب، فاتفق الأمراء على تولية طومان باي، فبويع بالقاهرة سنة (922هـ)، ومدّة سلطنته ثلاثة أشهر و 14 يوما. وبمقتله دخلت مصر في حكم الدولة العثمانيّة (¬2).
قال السَّخاوي (¬3) عن مترجمنا: «ممن حضر بعد في أثناء سنة أربع وتسعين بالقبة الدَّواداريّة بين يدي السُّلطان، وعلم بحاله وفضله فأنعم عليه بشيءٍ ثم قرَّره في الجوالي المصريّة عن الكوراني ونعم الصنع».
فيكون هذا مع السُّلطان قايتباي.
فضُمَّت مصر للدَّولة العثمانيّة سنة (923هـ) على يد السلطان سليم الأول (ت926هـ) (¬4)، فلعلّه أدرك بدايات دخولهم لبلاد العرب، ونال
¬
(¬1) ينظر: الأعلام5: 187.
(¬2) ينظر: الأعلام3: 234.
(¬3) في الضوء اللامع1: 178.
(¬4) ينظر: الدولة العثمانية ص186.
مقاماً رفعياً عند العثمانيين، قال الغزيّ (¬1) وابنُ العماد (¬2): «وترقى مقامه عند الأتراك بواسطة اللِّسان، ثم صار شيخ القجماسية».
والمدرسة القجماسية: داخل باب النصر وباب السعادة، أنشأها نائب الشام قجماس الإسحاقي الشركسي، كفل دمشق سبع سنين وثمانية شهور ورتَّب فيها أربعين مقرئاً بعد العصر كلِّ يوم يقرأ كلّ منهم جزءاً من الربعة وشيخاً ومجاورين وشيخاً لهم وأوقافاً دارة (¬3)، وأوَّل مَن درَّس بها شمسُ الدِّين أبو تراب محمّد الأمامي، وهي عامرة في الجملة (¬4).
• • •
¬
(¬1) في الكواكب السائرة1: 113.
(¬2) في شذرات الذهب10: 150.
(¬3) ينظر: الدارس في تاريخ المدارس ص434.
(¬4) ينظر: خطط الشام6: 93. وينظر: منادمة الأطلال ومسامرة الخيال ص192.
المطلب الخامس
مؤلفاته ودرجة اجتهاده ووفاته
أولاً: مؤلفاته:
وقفت له على ثلاثة مؤلفات، وهي مشهورة جداً، وهي:
الأول: «الإسعاف في أحكام الأوقاف»:
نسبَه للطَّرابلسيِّ ما لا يحصى من العلماء: كالشرنبلالي (¬1)، وابن عابدين (¬2)، واللكنوي (¬3)، وعلي بن غانم المقدسي، والتميمي (¬4)، والحَصْكَفي (¬5)، والزَّركلي (¬6)، وكحالة (¬7)، وغيرهم.
¬
(¬1) في الشرنبلالية1: 275.
(¬2) في منحة الخالق5: 240، ورد المحتار1: 76.
(¬3) في الإنصاف في حكم الإعتكاف ص19.
(¬4) في الطبقات السنية1: 73.
(¬5) في الدر المختار4: 475.
(¬6) في الأعلام1: 76.
(¬7) في معجم المؤلفين1: 117.
ونَسَبَ عليّ بن بالي (¬1) وحاجي خليفة (¬2) والبابي (¬3) والزَّركلي (¬4) إلى ابنِ الحنائي (ت979هـ) كتاباً باسم: «الإسعاف في علم الأوقاف» (¬5)، ولا ندري هل هو نفس كتابنا أم كتاباً آخر.
وإن كان عين كتابنا، فالرَّاجح أنَّ مؤلّفه هو الطرابلسي كما شهدت كلام المؤرخين والفقهاء.
والرّاجح في اسمه ما أثبته مؤلفه في ديباجته، وهو: «الإسعاف في أحكام الأوقاف»، وما ذكر العلماء له من أسماء فيها نوع تغير، هو من باب المعنى لا تحقيق الاسم، كما قال الزَّركلي (¬6): «الإسعاف لأحكام الأوقاف»، وابن عابدين (¬7): «الإسعاف في الأوقاف».
وشاع ذكره في كتب الفقه مختصراً باسم: «الإسعاف»، أو «إسعاف».
¬
(¬1) في العقد المنظوم ص417.
(¬2) في الكشف1: 21.
(¬3) في هدية العارفين1: 748.
(¬4) في الأعلام 5: 165.
(¬5) أشار بروكلمان (2: 433) إلى وجود نسختين مخطوطتين منها في الجزائر تحت الرقم (1716/ 6، 1293/ 2).
(¬6) في الأعلام1: 76.
(¬7) في رد المحتار1: 76.
وقد كتاب «الإسعاف» أعلى الدرجات في الضبط والتحرير والتنقيح والتحقيق، فكان المعوّل عليه في باب الوقف عند السادة الحنفية؛ لذلك يمكن القول: بأنَّه من الكتب المعتمدة في المذهب، وهي التي تحتوي المسائل المعتمدة في المذهب، ويندر وجود غير المعتبر فيها.
ومن أسباب اعتبار الكتب هي:
1.التزام ذكر القول المعتمد فيها إلا نادراً.
2.خلوها من الرّوايات الضّعفية والمردودة والشاذة في المذهب.
3.عدم مخالفتها لظاهر الرواية وأصول المذهب.
4.دلالة عباراتها على المقصود بدون إيهام وخلل إلا نادراً.
5.رفعة مكانة مؤلفيها وعلو درجتهم في الاجتهاد والفقه.
6.قَبول العلماء لها، وكثرة الاعتماد عليها، والاهتمام بها إفتاء وتدريساً وشرحاً وتعليقاً.
وكل هذه الأسباب نجدها متوفرة في كتاب «الإسعاف».
وميزة كتب هذه الطبقة الثقة الكبيرة بمسائلها، فإليها يحتكم عند اختلاط عبارات الكتب واضطراب كلام الفقهاء، فهي أشبه بالأساس المتين الذي يرجع إليه عند الاختلاف، وهي أقرب ما يكون بالدستور الذي يردُّ إليه المسائل.
ويترتب على عدّ كتاب «الإسعاف» من هذه الطبقة التي هي أرفع الطبقات وأقوها وأحراها بالقَبول، أنَّه يمكن الاستفادة منه لمَن درس الفقه، وعرف مصطلحاته، وضبط قواعد أبوابه، بالدراسة على الأساتذة المتقنين، وهذا شرط مَن أراد الاستفادة من كتب علم.
بخلاف كتابيه: «البرهان» و «المواهب»، فإنَّها من الكتب المقبولة: وهي التي تحتوي المسائل المعتمدة في المذهب، ويكثر وجود غير المعتبرة فيها، وينتفع بها افتاءً وتدريساً وقضاءً؛ لأنَّ عامة مسائله معتمدة، وما يعارض من مسائلها ما هو أعلى منها من الكتب المعتمدة لا يؤخذ به، ويقدم غيره عليه، قال العثماني (¬1): «أن لا يؤخذ منها ما كان مخالفاً للكتب المعتمدة».
ولا يحتكم إليها فيما تضطرب إليه عبارات الفقهاء، وتختلف فيه أفهامهم، ولا تحقّق المسائل المشكلة منها؛ لدنو درجتها عن الطبقة السابقة، فمسائلها إجمالاً أقل اعتباراً.
ويكون الأخذ منها للإفتاء لأصحاب الملكة الفقهية القادرين على تمييز مسائلها، وإدراك بناء المسائل الأبواب، حتى لا يعتمد على غير المعتمد منها، وتمامه في بحثي «طبقات الكتب عند الحنفية».
¬
(¬1) في أصول الإفتاء ص32.
ويُعَدُّ كتاب «الإسعاف» أشهر كتاب في الأقاف عند السادة الحنفية؛ لما امتاز به من ميزات عديدة، منها:
1.اشتماله على الكتب الأصول في الأوقاف، وهما كتابي: الخَصَّاف وهلال، قال الطرابلسي في ديباجته: «إنَّ كتاب «أحكام الأوقاف» للإمام الهُمام أبي بكر أحمد بن عمرو الخَصَّاف ـ بوأه الله دار السلام ـ، لمَّا كان العمدةُ في هذا الفنّ من تأليفِ الأوائل، وكان مكرَّر الصور والمسائل، مشحوناً بجعل أحكام الوصايا له دلائل، وكان كثير الأبواب غير خالٍ عن الإطناب، اختصرته إلى كتاب احتوى على ما فيه من المقاصد، وعلى ما في كتاب: «هلال بن يحيى» من الزَّوائد».
2.إضافة كثير من الفروع والأصول من الكتب الأخرى له: كقاضيخان، قال الطرابلسي في ديباجته: «وضممت إليه كثيراً من المسائل والأصول».
3.حسن الترتيب لمسائله في أبواب وفصول، قال الطرابلسي في ديباجته: «رتبتُه على أبواب وفصول».
4.اعتماده على الفروع المعتمدة لما فيه مسائل الخَصَّاف وغيره، قال ابن عابدين (¬1): «الخَصَّاف كبير في العلم يقتدى به، ... الذي أذعن بفضله
¬
(¬1) في رد المحتار1: 164.
أهل الوفاق والخلاف، وصار عمدة أهل المذاهب في مسائل الأوقاف، وتبعه صاحب «الإسعاف»».
ولذلك نجد من جاء بعد الطرابلسي عوّلوا على «الإسعاف» فيما يتعلق بالوقف، وأصبح الأصل والمرجع لهم، فرجعوا إليه ما لا يحصى، ومن ذلك رجوع الشُّرنبلالي إليه في «الشُّرنبلالية» ثلاث مرّات، وابن نجيم في «الأشباه» ثمان مرات، وفي «البحر» خمسين مرة، وغانم البغدادي في «مجمع الضمانات» مرّتين، وشيخ زاده في «مجمع الأنهر» ثلاث مرات، والحموي في «غمز العيون» أكثر من عشرين مرة، والحصكفي في «الدر المختار» سبع مرات، والقاري في «فتح باب العناية» مرة واحدة، ونظام الدين في «الفتاوى الهندية» ثمان مرات، وابن عابدين في «رد المحتار» أكثر من مئة مرة، وفي «العقود الدرية» أكثر من خمسين مرّة، والزرقا في «شرح القواعد الفقهية» مرة واحدة، وعلي حيدر في درر الحكام أربع مرات.
ومن شدّة عناية العلماء به كانوا ينصحون غيرهم بالرُّجوع إليه فيما يحتاجون له من أحكام الأوقاف، قال الحَصْكَفيُّ (¬1): «ومَن أحوجه حوادث زمانه إلى ما خفي من مسائل الأوقاف، فلينظر إلى كتاب
¬
(¬1) في الدر المختار4: 475.
«الإسعاف» المخصوص بأحكام الأوقاف، الملخص من كتاب هلال والخَصَّاف».
الثاني: «مواهب الرحمن في مذهب النعمان»:
نَسبه إليه ابن غانم المقدسي، والتميمي (¬1)، وكحالة (¬2)، وغيرهم، وهو الآن يحقق في جامعة العلوم الإسلامية العالمية في الأردن.
الثالث: «البرهان شرح مواهب الرحمن»:
نسبه له ابنُ غانم المقدسيّ، والتَّميميّ (¬3)، والحَصْكَفيّ (¬4)، وكحالة (¬5)، وغيرهم، وحُقِّق في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة.
¬
(¬1) في الطبقات السنية1: 73.
(¬2) في معجم المؤلفين1: 117.
(¬3) في الطبقات السنية1: 73.
(¬4) في الدر المختار4: 475.
(¬5) في معجم المؤلفين1: 117.
ثانياً: درجته في الاجتهاد:
للمجتهدين في المذهب الحنفي أربعة طبقات مشهورة، وهي:
أولاً: مجتهد مطلق:
هو مَن استقلّ بأصوله عن اجتهاد منه وإن تأثّر في بعضها من شيوخه ومدرسته التي نشأ فيها، وبنى عليها الفروع مثل أبي حنيفة ومالك والشافعيّ وأحمد - رضي الله عنهم -.
ثانياً: مجتهد مطلق منتسب:
هو مَن استقلّ بأُصوله عن اجتهاد منه ووافق بعض أصوله أصول مَن انتسب لمذهبه لموافقة رأيه رأي إمامه فيها، وبَنَى عليها فُرُوعاً مثل أبي يوسف ومحمّد بن الحسن وزفر والحسن - رضي الله عنهم -، وانتسابهم إلى أبي حنيفة انتساب أدب وإلا فقد خالفاه في ثُلُثَيْ مذهبه.
ثالثاً: مجتهد منتسب:
هو الذي مشى على أصول إمامه وفروعه إلا أنَّه قد يُخالف في أصولٍ وفروع عن اجتهادٍ منه فيستنبط بها من الكتاب والسّنّة، وهذا مثل أبي جعفر الطحاويّ وأَمثاله من علماء القرن الثالث والرابع.
رابعاً: المجتهدون في المذهب، وهم على درجات إجمالاً على حسب التسلسل الزمانيّ، وبدأت هذه الطبقة من القرن الخامس إلى يومنا، وعملهم:
1.التخريج على فروع وقواعد أئمّة المذهب خاصّة دون الكتاب والسّنّة، وبنوا على أصول المذهب كثيراً من الفروع المستجدّة.
2.التّرجيحُ والتّصحيحُ بين أَقوالِ أئمّةِ المذهب على حسبِ قواعدِ رسم المفتي، ويدخل في ذلك أخذهم واعتمادهم لأقوال بعض المجتهدين المنتسبين في المذهب وترجيحهم لقولهم على مَن سبقهم أو التَّرجيح بين أقوال المنتسبين.
3.التّقعيد والتّأصيل لفروع المذهب بصورة أدقّ وأحكم ممَّن سبقهم بحيث أنَّهم اهتمّوا بربطِ الفروع بقضايا الأصول الكليّة: كأُصول البَزدويّ.
4.حفظ المذهب وتمييز ما هو المعتمد فيه، فألّفوا المتون في إظهار المعتمد من مسائله، وتُعدُّ متونُهم أدق كتب المذهب في نقله وبيان المعوّل عليه فيه (¬1)، وتمامه في بحثي «التقسيم الزّماني لطبقات الفقهاء عند الحنفية».
¬
(¬1) ينظر: الوجيز في فقه الاختلاف ص138.
فإمامُنا من طبقة المجتهدين في المذهب، إلا أنَّه لم يبلغ إلى أعلى درجاتها كما هو الواقع في علماء القرن الخامس والسّادس: كالسَّرَخسيّ والكاسانيّ والبَزْدَويّ والمَرْغينانيُّ وقاضيخان.
حيث يلاحظ أنَّ ترجيحَه في «البرهان» كان موافقاً لمدرسة محدّثي الفقهاء من متأخري الحنفية، حيث رجَّحوا في العديد من المسائل بظواهر الحديث، لا بأصول البناء والعلل الفقهية للمسائل والأبواب، ممَّا جعل ترجيحهم أقلّ مرتبةً من ترجيح من قبلهم من أئمة المذهب من مدرسة الفقهاء، كما فصّلته في عدّة أبحاث، فليراجع.
ثالثاً: وفاته:
توفي في القاهرة في أواخر سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة (¬1) (922هـ - 1516م) (¬2).
وصليتُ عليه صلاةَ الغائب في دمشق رغم أنَّه توفي في مصر؛ لمِا كان له من المكانة العظيمة والشُّهرة الكبيرة والدَّرجة العالية الرَّفيعة.
¬
(¬1) ينظر: الدر المختار4: 475.
(¬2) ينظر: الأعلام1: 76، ومعجم المؤلفين1: 117.
وكان الصلاة عليه غائبة بجامع دمشق مع البرهانين ابن أبي شريف (¬1) وابن (¬2) الكركي (¬3).
• • •
¬
(¬1) قال ابن العماد في الشذرات10: 150: «الآتي في السنة التي بعد هذه»، وهو إبراهيم بن محمد بن أبي بكر المقدسي المصري الشافعي، برهان الدين، أبو إسحاق، المعروف بابن أبي شريف، الشيخ الإمام والحبر الهمام العلّامة المحقّق والفهّامة المدقّق شيخ مشايخ الإسلام ومرجع الخاص والعام، (ت923هـ)، ينظر: شذرات الذهب10: 166.
(¬2) وهو إبراهيم بن عبد الرحمن بن محمد الكَرَكِيّ الحنفي، برهان الدين، من مؤلفاته: «فيض المولى الكريم على عبد إبراهيم» في فتاوى الفقه الحنفي، (835 - 922هـ). ينظر: الكشف2: 1303، والنور السافر ص101 - 103، والضوء اللامع1: 59 - 64، والفوائد ص433، الأعلام1: 39.
(¬3) ينظر: الكواكب السائرة1: 113، وشذرات الذهب10: 150.
المراجع:
1. الأعلام: لخير الدين الزَّركلي، دار العلم للملايين، ط15، 2002م.
2. الإنصاف في حكم الإعتكاف: لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304هـ)، المطبع المصطفائي، لكنو، 1299هـ، تحقيق: مجد بن أحمد مكي، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط3، 1420هـ.
3. تاريخ الخلفاء: لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي جلال الدين (849 - 911هـ)، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة السعادة، مصر، 1371هـ.
4. التعليقات السنية على الفوائد البهية: لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304هـ)، ت: أحمد الزعبي، دار الأرقم، بيروت، ط1، 1998م، وأيضاً: طبعة السعادة، مصر، ط1، 1324هـ.
5. حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة: لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي جلال الدين (849 - 911هـ)، مطبعة دار الوطن، القاهرة.
6. خطط الشام: لمحمد بن عبد الرزاق بن محمَّد، كُرْد عَلي (ت: 1372هـ)، مكتبة النوري، دمشق، ط3، 1403هـ - 1983م.
7. الدارس في تاريخ المدارس: لعبد القادر بن محمد النعيمي الدمشقي (ت: 927هـ)، ت: إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية، ط1،1410هـ - 1990م.
8. الدر المختار شرح تنوير الأبصار: لمحمد بن علي بن محمد الحصكفي الحنفي (ت1088هـ)، مطبوع في حاشية رَدّ المُحْتَار، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
9. الدولة العُثمانية عَوَامل النهُوض وأسباب السُّقوط: لعَلي محمد محمد الصَّلاَّبي، دار التوزيع والنشر الإسلامية، مصر، ط1، 1421 هـ - 2001 م.
10. ردّ المحتار على الدر المختار: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
11. رفع الإصر عن قضاة مصر: لأبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت: 852هـ)، ت: الدكتور علي محمد عمر، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط1، 1418 هـ - 1998 م.
12. شذرات الذهب في أخبار من ذهب: لعبد الحي بن أحمد العكري (ت1089هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت.
13. الضوء اللامع لأهل القرن التاسع: لمحمد بن عبد الرحمن السَّخَاوِيّ القاهريّ الشَّافِعِيّ شمس الدِّين (831 - 902هـ)، دار الكتب العلمية، بدون تاريخ طبع.
14. الطبقات السنية في تراجم الحنفية: لتقي الدين بن عبد القادر التميمي، ت: الدكتور عبد الفتاح الحلو، دار الرفاعي، الرياض، 1403هـ.
15. العقد المنظوم في ذكر أفاضل الروم: لعلي بن بالي (ت992هـ)، دار الكتاب العربي، بيروت، 1395هـ.
16. العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252هـ)، المطبعة الميرية ببولاق، مصر، 1300هـ.
17. كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون: لمصطفى بن عبد الله القسطنطيني الحنفي (1017 - 1067)، دار الفكر.
18. الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة: لنجم الدين الغزي، ت: الدكتور جبريل جبور، الناشر: محمد أمين وشركاه، 1945م.
19. معجم المؤلفين: لعمر كحالة، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1414هـ.
20. منادمة الأطلال ومسامرة الخيال: لعبد القادر بن أحمد بن مصطفى بدران (ت: 1346هـ)، ت: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي – بيروت، ط2، 1985م.
21. منحة الخالق على البحر الرائق: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252هـ)، ط2، دار المعرفة.
22. المنهاج الوجيز في فقه الاختلاف: للدكتور صلاح أبو الحاج، دار الفاروق، عمان، الأردن، ط1، 2015م.
23. موطأ مالك: لمالك بن أنس الأصبحي (93 - 179هـ)، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، مصر.
24. ميزان الاعتدال في نقد الرجال: لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذَّهَبِي شمس الدين (673 - 748هـ)، ت: الدكتور عبد الفتاح أبو سنة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1416هـ.
25. النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: ليوسف بن تغرة بردة الأتابكي (813 - 874)، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، المؤسسة المصرية العامة.
26. النور السافر عن أخبار القرن العاشر: لعبد القادر بن شيخ بن عبد الله العَيدروسي محيي الدين (1570 - 1628م)، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1405هـ.
27. هدية العارفين: لإسماعيل باشا البغدادي (ت1339هـ)، دار الفكر، 1402هـ.
• • •