التقسيم الزماني ..................
... لطبقات المجتهدين عند الحنفية
جارٍ تحميل الكتاب…
التقسيم الزماني ..................
... لطبقات المجتهدين عند الحنفية
الطبعة الأولى
1441هـ ـ 2020م
التقسم الزماني لطبقات
المجتهدين عند الحنفية
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
* نشر في مجلة العلوم الإنسانية في جامعة النجاح.
ملخص البحث:
سعيت في هذا البحث لإثبات أنَّ التقسيم الزماني لطبقات الفقهاء هو الأولى لفهم مراحل الفقه ودرجات الفقهاء؛ لاختلاف الاجتهاد من زمن إلى زمن، وتطوره من مرحلة إلى مرحلة، فنجد كل مرحلة من الاجتهاد توصل لما بعدها، فكان الاجتهاد المطلق ثُمَّ المنتسب ثُمَّ المذهبي، وكان المجتهد المطلق على صورتين: المجتهد المستقل ويتمثل في أبي حنيفة، والمجتهد المستقل المنتسب ويتمثل في أبي يوسف ومحمد، والمجتهد المنتسب في علماء القرن الثالث والرابع: كالخصاف والطحاوي والكرخي والجصاص، والمجتهد المذهبي بعد القرن الرابع إلى يومنا، وله صورتان: المجتهدون المتقدمون في المذهب: كالقدوري والمرغيناني وقاضي خان والكاساني، والمجتهدون المتأخرون في المذهب: كابن الهمام وابن نجيم وابن عابدين، والكل مشتركون بالقيام بوظائف الاجتهاد من استنباط وتخريج وترجيح وتمييز وتقرير، إلا المجتهد في المذهب فهو لا يقوم بوظيفة الاستنباط فقط، ودرجات المجتهدين متفاوتة في تحقيق كل وظيفة من وظائف الاجتهاد.
The Era-based Classification of the Jurisprudential Levels of the Mujtahidin of the Hanafis
Research Summary:
In this study, I have striven to prove that the era-based classification (al-taqsim al-zamani)for the ranking of the levels (tabaqat) of the scholars of jurisprudence(fuqaha') is foremost in understanding the different stages of fiqh and the levels of the fuqaha' due to the differing of ijtihad from era to era and its development from stage to stage. So, we find that every phase of ijtihad leads to the level which is after it. There wasunbounded and absolute ijtihad (al-ijtihad al-mutlaq), which led to affiliated ijtihad (al-ijtihad al-muntasib), then to ijtihad within a singular school of law (madhhab). There were two forms to al-ijtihad al-
mutlaq: The first is the entirely independent mujtahid, embodied and exemplified in Abu Hanifah. The second form is the independent mujtahidwho is affiliated with a madhhab. This form is personified in Abu Yusuf and Muhammad. Next, there is the category of mujtahids that were affiliated with a madhhab (al-mujtahid al-muntasib) in the third and fourth Islamic centuries, namely al-Khassaf, al-Tahawi, al-Karkhi, and al-Jassas. Finally, there is the stage of the mujtahid within a single madhhab (al-mujtahid al-madhhabi), which began after the fourth Islamic century until today. This level of mujtahids has two forms: The mujtahids that came earlier, such as al-Quduri, al-Marghinani, Qadi Khan, and al-Kasani. The second type is of those who came later on, such as IbnHumam, IbnNujaym, and Ibn `Abidin. All of the above scholars of the respective levels of ijtihad share in establishing the
differing functions, tasks, and duties of ijtihad, from extracting rulings from primary sources, to giving preponderance to certain jurisprudential rulings over others, tomaking profound decisions in fiqh. However, the mujtahid within a single madhhab does not extract rulings from primary sources. Similarly, the levels of the mujtahids differ in regards to their realizing all of the different tasks of ijtihad.
* * *
عناصر الأصالة:
ـ بيان أن التقسيم هو التقسيم الصحيح لطبقات المجتهدين؛ لأن يسهل مراتبهم ووظائف، ويبين الأدوار التي مرّ بها الفقه.
ـ إظهار أن تعدد أنواع الاجتهاد من مطلق ومنتسب ومذهب مرجعه للحقبة الزمنية التي عاش فيها.
ـ تفصيل الوظائف والأعمال التي قامت بها كل طبقة من طبقات الاجتهاد.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة:
الحمدُ لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه ومَن تبعهم إلى يوم الدين، وبعد:
فلمَّا كان الاجتهاد مبناه على الملكات الفقهية، وكان الفقه علماً له قواعده ومسائله التي تزداد يوماً بعد يوم، ويتطوَّر من جيل إلى جيل، فكانت الحاجات في اكتماله مختلفة، اقتضى بعد إكمال كلّ مرحلة الانتقال للمرحلة التي تليها، وهذا يجعل الاجتهاد المحتاج إليه في كلِّ مرحلة مختلف عمّا سبقها إجمالاً، وبسبب كونه علماً عمليّاً يحتاج إليه الناس والمجتمعات في حياتهم، اقتضى توفّر الوظائف الآتية للمجتهد من أجل تطبيقه والاستفادة منه، لكنَّها مُتفاوتةٌ في وجودها في كلّ مرحلةٍ على حسب حاجة الفقه لاكتمال بنائه.
وتقرير هذا يوصلنا إلى أنَّ الفقه مرّ بمراحل في الاجتهاد معتمدة على الزمن، وأنَّ وظائف الاجتهاد كانت متوفرة في كلّ الأزمان، على
تفاوت بينها بحسب الحاجة العلميّة للفقه والمجتمع، وأنَّ العلماء كانت درجاتهم متفاوتة في تحقيق هذا الاجتهاد على حسب الزمان؛ لكثرة العلم عند المتقدمين وقلّة الجهل بخلاف المتأخرين، فكلّما تأخّر الزمان كثرت الأقوال فصعب الوصول إلى الحقّ والعلم من بينها، ولأنَّه كلّما تأخّر الزّمان توسّع العلم، وأصبح من الصَّعب ضبطه تماماً والتمكّن من جميع مسائله وقواعده، وهذا واضح لمَن يقارن بين كتب المتقدّمين والمتأخّرين.
وبالتالي ينبغي فهم طبقات الاجتهاد على الزّمان؛ لتطوّر الفقه من زمان إلى زمان وانتقاله من مرحلة إلى مرحلة، وعلماء كلّ زمان يقرّرون في علمهم الحاجة التي وصل لها الفقه، وهذا يفسّر لنا عدم كتابة فقهاء الحنفيّة في الطبقات؛ لرسوخ فكرة الزمان في الاجتهاد، ولتفاوت درجات العلماء في وظائف الاجتهاد، وهو يحتاج إلى كثرة قراءة وتتبع للمسائل والفروع الفقهيّة في الكتب المختلفة، فيتعرّف من خلالها درجة كلّ منهم ومقامه.
وغفلة ابن كمال باشا عن هذا، وإتيانه بطبقاته المشهورة، صنعت تشويشاً كبيراً في هذا الباب، لم ينتبه له بعض العلماء، ولكن وجدنا جمع من المحقِّقين كالمرجاني (¬1) ...............................................
¬
(¬1) المرجاني، شهاب بن بهاء الدين. (1287هـ). ناظورة الحق في فرضية العشاء وإن لم يغب الشفق. طبعة قازان. ص193.
واللكنوي (¬1) والكوثري (¬2) والعثماني (¬3) حقّقوا المسألة وردّوا طبقات ابن كمال باشا جملةً وتفصيلاً، ورأوا أنَّها انحرافٌ بالفقه عن طريقه.
وتكمن أهمية البحث: في إحياء فكرة الاجتهاد الفقهي التي تردد كثيراً بين الباحثين منعها وإغلاقها، وتبيين المراحل الحقيقة للاجتهاد في التاريخ الإسلامي، وتسليط الضوء على الوظائف التي قامت بها كل طبقة من طبقات المجتهدين.
وتظهر مشكلة المبحث: في الإجابة على السؤال التالي: كيف نفهم طبقات المجتهدين من فقهاء الحنفية عبر التاريخ؟ ويتفرّع عليه: ما هو التقسيم الزماني لطبقات المجتهدين؟ وما هي المراحل الاجتهادية التي مرّ بها الفقه؟ وما هي وظائف كل طبقة من طبقات المجتهدين؟
والمنهج المتبع هو المنهج الاستقرائي بتتبع الكتب الفقهية والأصولية والتاريخية لجمع ما يتعلق بأحوال المجتهدين، ثُمَّ المنهج
¬
(¬1) اللكنوي، عبد الحي. (1406هـ). النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير. ط1. عالم الكتب. ص15.
(¬2) الكوثري، محمد بن زاهد (1368هـ).حسن التقاضي في سيرة الإمام أبي يوسف القاضي. دار الأنوار للطباعة والنشر، مصر. ص85 - 86.
(¬3) العثماني، محمد تقي الدين. (1432هـ).أصول الإفتاء. طبعة مكتبة معارف القرآن، كراتشي، باكستان. ص 18.
التحليلي لما جمعت من معلوماتٍ، ثُمَّ الاستنباطيّ في التوصل لما تمّ تقريره في البحث.
والدراسات السابقة: وُجِدت تقاسيم متعدّدة للطبقات كتقسيم ابن كمال وتقسيم الدّهلوي وتقسيم أبي زهرة (¬1)، لكنَّ البحث ركّز على فكرة أنًّ القسمة الأفضل هي المتعلّقة بملاحظة التّسلسل الزّماني للفقه لمروره بأكثر من مرحلة, ولم أقف على مَن أثار هذه الفكرة ونبّه عليها رغم أنَّها تمثل الطريقة المتبعة في منهج الفقهاء.
وتحقيقاً للمقصود من البحث قسمته إلى تمهيد وثلاثة مباحث وخاتمة.
التمهيد: في وظائف المجتهدين.
والمبحث الأول: في طبقة المجتهد المطلق، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: في طبقة المجتهد المستقل.
والمطلب الثاني: في طبقة المجتهد المستقل المنتسب.
والمبحث الثاني: في طبقة المجتهدين المنتسبين.
والمبحث الثالث: في المجتهدين في المذهب، وفيه مطلبان:
¬
(¬1) أبو زهرة، محمد. (د. هـ). أبو حنيفة حياته وعصره وآراؤه وفقهه. ط2. دار الفكر المعاصر، مصر. ص499.
المطلب الأول: في طبقة المتقدمين من المجتهدين في المذهب.
المطلب الثاني: في طبقة المتأخرين من المجتهدين في المذهب.
والخاتمة: في أبرز النتائج التي توصلت إليها.
سائلاً المولى - عز وجل - السداد في تحقيق المقصود.
* * *
تمهيد: في وظائف المجتهدين:
لما كان بحثنا متعلّق بالاجتهاد في الأطوار التّاريخية المخلتفة لزمنا أن نمهد له بذكر سريع لوظائف المجتهدين؛ لأنَّه سيتم البناء عليها في كلِّ مرحلة، وحتى يحصل التصوّر لطبيعة الاجتهاد العملية، فيتسنى لنا تقرير القسمة الصّحيحة للطبقات.
وإنَّ المتأمّلَ في التّصرّفات الصّادرة عن الفقهاء يرى أنَّها لا تخرج عن الوظائف الآتية:
الأولى: استنباط الأحكام من الكتاب والسُّنة وآثار الصَّحابة - رضي الله عنهم -، وفيه نوعان:
1.الاعتماد على أصول استخرجها المجتهد بنفسه.
2.الاعتماد على أصول مقرّرةٍ في المذهب استخرج أُسسها أئمته، قال ابنُ كمال باشا (¬1): «طبقةُ ... يستنبطون الأحكامَ من المسائل التي لا
¬
(¬1) ابن كمال، أحمد بن سليمان. (م). طبقات الفقهاء، من مخطوطات معهد الثقافة الإسلامية بجامعة طوكيو. ل1\ب.
نَصَّ فيها عنه على حسبِ أصولٍ قرَّرها ومُقتضى قواعد بسطها».
الثانية: التخريج على أقوال أئمة المذهب، وفيه نوعان:
1.حمل قول المجتهد المطلق على محمل معيّن بأن يكون كلامُه من الفرائض أو الواجبات أو السنن أو المبطلات أو غيرها.
2.التفريعُ على مسائلِ المجتهد وقواعدِه في المسائل المستجدة، قال النّوويّ (¬1) والمرداويّ (¬2): «يتّخذ نصوصَ إمامِه أُصولاً يستنبطُ منها كفعلِ المستقلّ بنصوص الشَّرع».
الثالثة: التَّرجيح والتَّصحيح بين أقوال علماء المذهب، وفيه نوعان:
1.الترجيح بين الأقوال بناءً على الأصول والقواعد والمعاني وأسس الأبواب الفقهية: أي من حيث قوّة البناء الفقهيّ والأُصوليّ.
2.التَّرجيحُ بين الأقوال بناءً على قواعدِ رسم المفتي من المصلحة والعرف والتيسير وتغير الزَّمان والضرورة والحاجة: أي من حيث
¬
(¬1) النَّوَوِيّ، أبو زكريا يحيى بن شرف. (1417هـ). المجموع شرح المهذب. ط1. بيروت. دار الفكر. تحقيق: محمود مطرحي. ج1/ ص 76.
(¬2) المرداوي، أبو الحسن بن سليمان. (د. هـ). الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف. دار إحياء التراث العربي. بيروت. ج12/ص260.
الأنسب في التَّطبيق في الواقع، قال ابنُ عابدين (¬1): «تتغيّر الأحكام لاختلاف الزَّمان في كثيرٍ من المسائل على حسب المصالح».
الرابعة: التمييز والتفضيل بين الأقوال والرِّوايات، وفيه نوعان:
1.تمييز أصل المذهب (ظاهر الرواية) عن غيره من الأقوال.
2.تمييز بين الأقوى والقوي، والصَّحيح والضَّعيف: أي المعتمد في المذهب عن غيره من الأقوال، قال ابن كمال باشا (¬2): «طبقةُ ... القادرين على التمييز بين الأقوى والقوي والضَّعيف وظاهر الرِّواية وظاهر المذهب والرِّواية النّادرة».
الخامسة: التقرير والتطبيق في العمل والإفتاء والقضاء بالمناسب للواقع، وفيه نوعان:
1. تقرير ما هو الأنسب والأرفق والمفتى به بناءً على قواعد رسم المفتي من عرف وضرورة وغيرها.
2.تقرير المسألة بعد تصوّرها جيداً، وإدراك أنَّها هي المناسبة للواقعة، وفهم علَّتها ومبناها وأصلها ومحلها في الإفتاء والعمل، وذكر ابنُ عابدين (¬3)
¬
(¬1) ابن عابدين، محمد أمين بن عمر. (د. هـ). ردّ المحتار على الدر المختار. دار إحياء التراث العربي، بيروت. ج2، ص 47.
(¬2) ابن كمال، طبقات الفقهاء، ل1\ب.
(¬3) ابن عابدين، رد المحتار، ج2/ص398.
مطلباً مهماً: «والتحقيقُ: المفتي في الوقائع لا بدّ له من ضرب اجتهاد ومعرفة بأحوال الناس»، ونقل هذا عن ابن الهُمام (¬1).
فهذه عشرة وظائف للمجتهد، وكلُّ وظيفة منها تشتمل على درجات عديدةٍ يتفاوت العلماءُ في تحصيلها، حتى الاجتهاد المستقل درجات، فانظر كم وُجد مجتهدون في القرنين الأَولين، ولم يبقَ لأحد منهم اجتهاداً إلى يومنا إلاّ الأئمة الأربعة؛ لارتفاع درجتهم في الاجتهادِ عن غيرِهم، قال ابن حَجَر المكيّ (¬2): «كانت ملكة الاجتهاد فيهم أقوى من غيرهم».
فحال الفقه كسائر العلوم: أنَّ الاجتهاد بدرجته الأدنى يبدأ من قدرةِ الدَّارس على تصوُّر المسائل وتطبيقها على نفسه وإفتاء غيره بها: أي تطبيق ما تعلّم على نفسِه وغيرِه، والطلبةُ متفاوتون في تحقيق هذا النوع من الاجتهاد.
¬
(¬1) ابن الهمام، كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي. (د. هـ). فتح القدير للعاجز الفقير على الهداية. دار إحياء التراث العربي. بيروت، وأيضاً: طبعة دار الفكر. ج2،ص334، وينظر: شيخ زاده، عبدِ الرَّحمنِ بنِ محمد. (1316هـ). مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر. دار الطباعة العامرة. ج1/ ص 246.
(¬2) ابن حجر، أحمد بن علي. (د. هـ). الفتاوى الفقهية الكبرى. المكتبة الإسلامية. ج1/ص157.
ويبقى يرتقي في تحصيله لكلّ وظيفة إلى منتهاها، وإلى قدرته على تحصيل وظائف أُخرى من الاجتهاد من التَّمييز والتَّرجيح والتَّخريج، حتى يتمكَّن من معرفة ما لم ينصّ عليه من المستجدات ممَّا درس من الفروع والقواعد.
فتفاوت المشتغلين في الفقه على قدر تحصيلهم لهذه الوظائف، والأهمُّ هو قدرتُهم على أداءِ كلِّ وظيفةٍ بتمامِها، بأن يبلغوا أعلى مراتب الاجتهاد فيها.
وبالتالي لا تقبل دعوى توقف الاجتهاد؛ لأنه إيقاف لتطبيق الفقه، وإنما الصحيح أن الاجتهاد ينتقل من مرحلة إلى مرحلة على حسب الحاجة وتغير الزمان، ومرَّ بمراحل عديدة في التاريخ الفقهي، فمَن لم ينتبه لهذه الوظائف ظنّ أنه التوقف، والمدقِّق في كتب المتقدمين والمتأخرين يجد أنها لا تخلو عن قيام بهذه الوظائف الاجتهادية، فهو مستمر إلى يوم القيامة.
* * *
المبحث الأول
طبقة المجتهد المطلق
معلومٌ أنّ الاجتهادَ: استفراغُ الفقيه الوسعَ لتحصيل ظَنٍّ بحكم شرعيٍّ فرعيٍّ (¬1).
ونلاحظ أنَّ الاجتهاد المطلق عند الحنفية على قسمين:
1. مجتهدٌ مستقلٌ، وتحقَّق في إمام المذهب أبي حنيفة.
2.مجتهدٌ مستقلٌ منتسبٌ، وتحقَّق في تلاميذ أبي حنيفة: أبي يوسف، ومحمّد بن الحسن الشيباني، وزفر بن هذيل، وسأعرض لكلٍّ منهما في مطلب:
¬
(¬1) الفناري، محمد بن حمزة. (1289هـ).فصول البدائع في أصول الشرائع. مطبعة يحيى أفندي. ج2/ ص 474.
المطلب الاول: طبقة المجتهد المستقل:
وهو مَن استقلّ بأصوله عن اجتهاد منه وإن تأثّر في بعضها من شيوخه ومدرسته التي نشأ فيها، وبنى عليها الفروع مثل: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد - رضي الله عنهم -.
فشرطه أن يحوي علوماً ثلاثة:
1.أن يعرف آيات القرآن المتعلِّقة بمعرفة الأحكام لغةً: أي إفراداً وتركيباً، فيفتقر إلى ما يُعلم في اللغة والصَّرف والنَّحو والمعاني والبيان سليقةً أو تعلماً وشريعة: أي مناطات الأحكام وأقسامه من أنَّ هذا خاصٌّ أو عامٌّ أو مجملٌ أو مبيّنٌ أو ناسخٌ أو منسوخٌ أو غيرُهما.
وضابطه: أن يتمكّن من العلم بالقدر الواجب منها عند الرُّجوع إليها.
2.معرفةُ السنة المتعلِّقة بالأحكام وطريق وصولها إلينا من تواتر وغيره، ويتضمَّن معرفة حال الرواة والجرح والتعديل والتَّصحيح والتَّسقيم وغيرها، وطريقه في زماننا الاكتفاء بتعديل الأئمة الموثوق بهم؛ لتعذُّر حقيقة حال الرُّواة اليوم.
3. معرفةُ القياسِ بشرائطِه وأركانِه وأقسامِه المقبولة والمردودة.
4.معرفة المسائل المجمع عليها؛ لئلا يخرق به الإجماع (¬1).
المطلب الثاني: طبقة المجتهد المستقل المنتسب:
وهو مَن استقلّ بأُصوله عن اجتهادٍ منه ووافق بعض أُصوله أصول مَن انتسب لمذهبه لموافقة رأيه رأي إمامه فيها، وبَنَى عليها فُرُوعاً مثل أبي يوسف ومحمد بن الحسن وزفر والحسن - رضي الله عنهم -.
وانتسابُهم إلى أبي حنيفة انتسابُ أدب، وإلا فقد خالفاه في ثُلُثَيْ مذهبه كما نَصَّ عليه العزالي (¬2)، وصَرّحوا به في كتب ظاهر الرواية فذكروا قولهم مع قول أبي حنيفة، وكذلك جعل الدَّبوسيّ في «تأسيس النظر» لهم أصولاً مخالفة لأصول أبي حنيفة، وهذا ما ذكر في كثير من كتب الأصول في الاختلاف بين أصول أبي حنيفة وأصولهم في بعض الجزئيات وكلّ ذلك يؤيِّدُ ما وصلوا إليه من درجةِ الاجتهادِ المطلق وإن آثروا الانتساب إلى إمامهم أَدباً معه وسعوا في نشر مذهبه مع أقوالهم، وهذا ما أيّده المرجانيّ واللكنويّ والكوثريّ والمطيعي وابن عابدين والعثماني وأبو زهرة.
¬
(¬1) ينظر: الفناري، فصول البدائع، ج2/ ص475، السبكي، علي بن عمر. (1404هـ). الإبهاج في شرح المنهاج على منهاج الوصول إلى علم الأصول. ط1. دار الكتب العلمية. بيروت. تحقيق: جماعة من العلماء. ج3/ص255.
(¬2) الغزالي، محمد بن محمد. (1419هـ). المنخول من تعليقات الأصول. ط3. تحقيق: د. محمد حسن هيتو. دار الفكر المعاصر، بيروت، دار الفكر، دمشق. ص608.
وهاتان الدَّرجتان في الحقيقةِ هما واحدة، وهي الاجتهادِ المطلق، وإنّما فصّلناهما؛ لتفسير وصول الصَّاحبين إلى درجةِ الاجتهاد المطلق ولم يكن لهما مذهبٌ مستقل.
والاجتهاد المطلق كان حال علماء المئة الأُولى والثانية، فكلُّ مَن اشتغل في الإفتاء أو القضاء من الصحابة أو التابعين أو تابعيهم هم مجتهدون مطلقون مع تفاوت درجاتهم في هذا الاجتهاد المطلق.
وهذا التفاوت لا يخرجهم من درجة الاجتهاد المطلق؛ لأنَّ الاجتهاد في تلك الحقبة كان بهذا الوصف؛ لقرب العهد بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وقصر الأسانيد، وكثرة العلم وقلّة الجهل، فإمكانية الوصول للاجتهاد المطلق متيسرة لمن جدّ واجتهد، وهذا يفسّر لنا حال فقهاء تلك المرحلة كيف كانوا يعتمدون الاستنباط من الكتاب والسنة والآثار في استخراج الأحكام.
ولا شَكَّ أنَّ طبقةَ المجتهدِين المطلقين بصورتيهم: المجتهدين المستقلين والمجتهدين المنتسبين، بلغوا أعلى درجات الاجتهاد، وتحقَّقت فيهم كلُّ وظائف المجتهدين على أكمل صورة من استنباط وتخريج وترجيح وتمييز وتقرير.
أمّا الاستنباط، فهي الوظيفة التي اختصوا بها عن سائر المجتهدين على صورتها الكاملة.
وأمّا التّخريج، فاشتغلوا به بطرفيه من تخريج الفروع على الأصول الفقهية التي أصل الفروع؛ لأنَّها الطريقة المعتبرة في التفريع، ولا شكّ أنهم فعلهم الأعلى لمن جاء بعدهم فيه، وكذلك التخريج بالطرف الثاني وهو بيان معاني مَن سبقهم من المجتهدين، فمثلاً «خرَّجَ أبو حنيفة وأصحابه قولَ ابن عبّاس - رضي الله عنهم - في تكبيرات العيدين أنّها ثلاث عشرة تكبيرة بحمل أنّها على هذا العدد بإضافة التّكبيرات الأصلية، والشّافعيّ وأتباعه بحملها على الزَّوائد.
وخرَّجَ أبو يوسف - رضي الله عنه - قولَ الشَّعبيّ: إن للخنثى المشكل من الميراث نصفَ النّصيبين بأن ذلك ثلاث من سبعة، ومحمّد بأنه خمس من اثني عشر» (¬1).
وأمّا التّرجيح والتّمييز، فهم نشأوا في مدارس فقهية مشوا على طريقها واستفادوا منها وبنوا علمهم عليها، فأبو حنيفة عاش في مدرسة الكوفة ودرس علومها وسار على فقهها وأصولها إجمالاً، فيحتاجون إلى الترجيح بين اجتهادات، والتّمييز بين الغثّ من السَّمين من الأقوال في مدارسهم.
وأمّا التقرير، فهم يطبقون ما يجتهدون فيه على مجتمعهم، كما في الاستحسان، فإنَّ جزءاً كبيراً منه يرجع للعرف والضرورة والحاجة،
¬
(¬1) ينظر: الكوثري، حسن التقاضي، ص89 - 91.
حيث يترك المجتهد القياس ويعمل بالمسألة استحساناً بهذه الأمور؛ مراعاة للواقع.
* * *
المبحث الثاني
طبقة المجتهدين المنتسبين
وهو الذي وافق على أُصول إمامه وفروعه إلاّ أنَّه يُخالف في أصولٍ وفروع أحياناً عن اجتهادٍ منه، فيستنبط بها من الكتاب والسُّنَّة.
وشرطه ضبط أصول مقلده؛ لأنَّ استنباطَه على حسبها (¬1).
وشملت هذه الحقبة عامّة علماء المئة الثّالثة والرّابعة مثل: أبو حفص الكبير، وأبو سليمان الجُوزجانيّ، وعيسى بن أبان، ومحمد بن مقاتل، والخصاف، والطحاويّ، والكرخي، والهندواني، وأبو الليث السمرقندي، والجصاص، وغيرهم، ويمكن تلخيص عملهم على النحو الآتي:
1.الاستنباط من الكتاب والسنة بالاعتماد على أصول المذهب عموماً وعلى أصولهم خصوصاً؛ إذ كانوا في هذه الطّبقة يسيرون في عامّة طريقهم على مسلكِ أحد المذاهب الفقهيّة؛ لكفاية حاجتهم فيه
¬
(¬1) ينظر: الفناري، فصول البدائع، ج2/ ص 475.
وضبطهم له، وعسرة الوصول إلى طبقة الاجتهاد المطلق؛ لبعد الزَّمان وتشعب الأسانيد وطولها، لكن بقيت عندهم إمكانيةٌ لاستخراج بعض الأحكام من الكتاب والسُّنة والآثار بأصول لهم خاصّة أو بالاعتماد على أصول مذهبهم.
فمثلاً انفرد الكَرخيُّ عن أبي حنيفة وغيره بأصول منها:
أنَّ العامّ بعد التَّخصيص لا يبقى حجّةً أصلاً، فلم يعد يفيد القطع ولا الظنّ.
وأنَّ خبرَ الواحد الوارد في حادثةٍ تعمّ بها البلوى، لا يكون حجة؛ لضرورة تواتره وشهرته بسبب عموم البلوى واحتياج الناس له.
ومتروك المحاجة عند الحاجة ليس بحجّة قط، فلمّا اختلف الصحابة - رضي الله عنهم - وتكلّموا بالرأي في المسألة ولم يحتجوا بشيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها دلّ على عدم ثبوت حديث في الموضوع.
وانفرد أبو بكر الرازي الجصاص في أصول عن أبي حنيفة منها:
أنَّ العامّ المخصوصَ حقيقةٌ إن كان الباقي جمعاً وإلا فمجاز (¬1).
¬
(¬1) ملا جيون، أحمد بن أبي سعيد. (1316هـ). نور الأنوار شرح المنار. المطبعة الأميرية ببولاق، مصر. ج1، ص 89.
وهذه المخالفة للأصول والفروع كانت نادرة بالنسبة للموافقة عمّا ورد عن أئمة المذهب، قال الكرخي (¬1): «إن كل خبر يجيء بخلاف قول أصحابنا فإنه يحمل على النسخ أو على أنه معارض بمثله، ثم صار إلى دليل آخر أو ترجيح فيه بما يحتجّ به أصحابنا من وجوه الترجيح أو يحمل على التوفيق، وإنما يفعل ذلك على حسب قيام الدليل، فإن قامت دلالة النسخ يحمل عليه، وإن قامت الدلالة على غيره صرنا إليه».
فهو يدلُّ على التأييد الكامل لكل ما ورد عن أئمة المذهب من وجوه الاستدلال، والثقة الكبيرة، وإحسان الظنّ فيهم، إلا أننا في الواقع نجد حصول نوع مخالفة في الأصول والفروع.
فالتَّدرج التَّاريخي اقتضى هذه الكيفية من الاجتهاد المنتسب الذي سلك طريق الاستخراج من الكتاب والسنة والآثار، والتخريج على أصول المذهب.
وهذه يفسّر لنا أحوال العلماء في المرحلة كيف كانوا مذهبين من جهة ولهم اختيارات خاصّة بهم تخالف مذهبهم، ولم يعترف بالاجتهاد المطلق لأحدٍ في هذه المرحلة، قال اللَّكنوي (¬2): «ولم يدع الاجتهاد المطلق
¬
(¬1) الكرخي. عبيد الله بن الحسين. (د. هـ).الأصول. ط1. المطبعة الأدبية. مصر. ص84.
(¬2) اللكنوي، النافع الكبير ص14.
غير المنتسب بعد الأئمة الأربعة إلا الإمام محمد بن جرير الطبري، ولم يسلم له ذلك».
وبالتَّالي بقي الاستنباط من الكتاب والسنة والآثار للمعاني والقواعد والأسس والوجوه التي تُبنى عليها الأحكام لمدّة أربعمئة سنة من كبار فحول الأمّة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم من الأكابر، فما أبقوا وجهاً صحيحاً للبناء إلا واستخرجوه لمَن بعدهم من أجل بناء الأحكام عليه، وقال الشِّهاب الرَّمليّ (¬1): «ومَن تصوَّرَ مرتبة الاجتهاد المطلق استحيا من الله - جل جلاله - أن ينسبَها لأحد من أهل هذه الأزمنة ... بل نقل ابن الصلاح - رضي الله عنه - عن بعض الأصوليين: أنَّه لم يوجد بعد عصر الشافعي - رضي الله عنه - مجتهد مستقلّ ... ».
وقال ابنُ الحسين المالكيّ (¬2): «الجمهورُ على أنَّ شروط الاجتهاد المطلق المذكورة لم تتحقَّق في شخصٍ من علماء القرن الرابع فما بعده، وأنَّ مَن ادّعى بلوغها منهم لا تُسلَّم له دعواه ضرورة أن بلوغها لا يثبت بمجرد الدَّعوى ... ».
¬
(¬1) المناوي، عبد الرؤوف. (1356هـ). فيض القدير شرح الجامع الصغير. ط1. المكتبة التجارية الكبرى، مصر. ج1/ص15 - 16.
(¬2) المالكي، محمد على حسين. (1431 - 2010). تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية. وزارة الأوقاف السعودية، مطبوع بهامش الفروق للقرافي. ج2/ص188.
وقال الإمام الزَّرْكَشيّ - رضي الله عنه - (¬1): «والحقّ أنَّ العصرَ خلا عن المجتهد المطلق، لا عن مجتهد في مذهب أحد الأئمة الأربعة».
وقال ابن مفلح المقدسي (¬2): «إنَّ الإجماع انعقد على تقليد كلّ من المذاهب الأربعة, وأنَّ الحقّ لا يخرج عنهم».
وقال الحطّاب (¬3): «الذي عليه الجمهور: أنَّه يجب على مَن ليس فيه أهليّة الاجتهاد أن يقلِّدَ أحدَ الأئمة المجتهدين سواء كان عالماً أو ليس بعالم».
ومن الواجبِ التَّنبيه على أنَّ مدرسةَ محدّثي الفقهاء من متأخّري الحنفية وافقوا سير هذه الطبقة في اعتمادهم أُصولاً للتَّرجيح مشوا عليها، ولكن هناك تفاوت ظاهر بينهم وبين هذه الطبقة في التمكّن من الأصول والفروع، يظهر في ضعف ترجيحاتهم بخلاف هذه الطبقة فإنَّ ترجيحها من أقوى التَّرجيحات وكذلك تخريجها، والأصول التي اعتمدوها قويّةٌ بالمقارنة مع أصولِ الأئمة، كما سيأتي.
¬
(¬1) الزركشي، محمد بن بهادر الزركشي. (1989م). البحر المحيط في أصول الفقه. ط1. الكويت. تحقيق: الدكتور عمر الأشقر. ج8، ص 242.
(¬2) المقدسي، محمد بن مفلح. (1418هـ).الفروع. ط1. دار الكتب العلمية، بيروت. تحقيق: حازم القاضي. ج6،ص421.
(¬3) الحطاب، محمد بن محمد. (1398هـ). مواهب الجليل شرح مختصر خليل. ط2. دار الفكر، بيروت. ج1،ص30.
2.اهتموا بالتَّخريج اهتماماً بالغاً على أصول الأبواب التي وردت عن الأئمة؛ لإكمال التفريع المحتاج له في الواقع، وجمعت فتاويهم في «مختارات النوازل» لأبي الليث السمرقندي، وكانت تفاريعهم العمدة لمن جاء بعدهم في التفريع في المذهب في كتب «الفتاوى» خاصة، وفي غيرها عامّة، قال قاضي خان (¬1): «ذكرتُ في هذا الكتاب من المسائل التي يغلب وقوعها وتمس الحاجة إليها وتدور عليها واقعات الأمة ويقتصر عليها رغبات الفقهاء والأئمة، وهي أنواع وأقسام فمنها ما هي مروية عن أصحابنا المتقدمين، ومنها ما هي منقولة عن المشايخ المتأخرين». وطبقة المجتهد المنتسب هم المقصود بالمشايخ المتأخرين، حيث اعتنت فتاوى المجتهدين بالمذهب بنقل أقوالهم والاعتماد عليها.
قال اللَّكنويُّ (¬2): «مسائلَ النَّوازل والواقعات، هي مسائلٌ استنبطها المتأخرون من أصحاب محمّد وأَصحاب أصحابه ونحوهم فمن بعدهم ... وأوّل كتاب جمع فيه مما علم «النوازل» لأبي الليث السمرقندي (ت375هـ)، وجمع فيه فتاوى المتأخرين من المجتهدين من مشايخه، وشيوخ مشايخه: كمحمد بن مقاتل ومحمد بن سلمة ونصير بن يحيى، وذكر فيها اختياراته أيضاً، ثمّ جمع المشايخ فيه كتبً: كـ «مجموع
¬
(¬1) قاضي خان، حسَن بن مَنْصُور الأُوزْجَنْدِيّ. (1310هـ). الفتاوى الخانية (فتاوى قاضي خان). المطبعة الأميرية ببولاق. مصر. ج1، ص 1.
(¬2) اللكنوي، النافع الكبير، ص18 - 19، وغيره.
النوازل» و «الواقعات» للناطفي والصدر الشهيد، ثم جمع من بعدهم من المشايخ الفتاوى لكنهم خلطوا فيها مسائل ظاهر الرواية والنوادر والنوازل مع بعضها كما في «جامع قاضي خان» و «الخلاصة»، وغيرها من الفتاوى».
وبلغت هذه الطبقة في التخريج أعلى الدرجات، فهم الركيزة الأساسية في هذا لمَن جاء بعدهم، فاجتهادهم معتبر في المذهب إذا اعتمده أهل الاجتهاد والنظر ممَّن جاء بعدهم، وفي بعضِ الأحيان يكون هو المفتى به، ومن أمثلةِ احتجاج أهل النظر بأقوال هذه الطبقة الثالثة قولُ الحلوانيّ عن الجصاص (¬1): «إنّا نقلّده ونأخذ بقوله».
3. التمييز بين ظاهر الرِّواية وغيره، ولأصحاب هذه الطبقة مساهمة كبيرة في ذلك، فكانت البدايات في تأليف مختصرات في المذهب تحتوي أمهات مسائله من علماء هذه الطبقة، فألف الحاكم الشهيد (ت344هـ) مختصر «الكافي» من كتب ظاهر الرواية لمحمد، وألف الطحاوي «مختصراً»، وألف الكرخي «مختصراً»، إلا أنّ أصحابها؛ لكونهم من المجتهدين المنتسبين، فإنّ لهم اختيارات تُخالف المذهب، قال
¬
(¬1) المرجاني، ناظورة الحق، ص205.
عبد العزيز الدِّهلويّ (¬1): ««مختصرَ الطّحاويّ» يدلُّ على أنه كان مجتهداً ولم يكن مقلِّداً للمذهبِ الحنفيّ تقليداً محضاً، فإنّه اختار فيه أَشياء تخالف مذهبَ أبي حنيفةَ - رضي الله عنه - لما لاح له من الأدلّةِ القويَّة».
واعتنى بعضُهم بشرح هذه المختصرات المؤلَّفة في طبقتهم كما فعل الجصاص (ت370هـ) في «شرح مختصر الكَرخيّ»، و «شرح مختصر الطَّحاويّ» (¬2).
4. التقرير بمراعاة الرسم (¬3) والأصول، فإنَّه معمول به عندهم على أتم هيئة؛ لرفعة مكانتهم العلمية والاجتهادية، يدلُّ عليه نقل اختياراتهم في الطبقات التي جاءت بعدهم، فكثيراً ما يقولون: اختاره الخصاف أو الجصاص أو الفقيه أبو الليث أو الهندواني (¬4)، وما جمع عنهم من فتاوى
¬
(¬1) اللكنوي، عبد الحي. (1998م).التعليقات السنية على الفوائد البهية. ط1. دار الأرقم. بيروت. تحقيق: أحمد الزعبي. ص32.
(¬2) ينظر: القرشي، عبد القادر بن محمد. (1413هـ).الجواهر المضية في طبقات الحنفية، ط2. مؤسسة الرسالة. بيروت. تحقيق: عبد الفتاح الحلو. ص633، أبو الحاج، صلاح محمد. (2004م).المدخل إلى دراسة الفقه الإسلامي. ط1. دار الجنان، عمان. ص318.
(¬3) أي قواعد رسم المفتي: وهي القواعد التي يلتزمها علماء المذهب في الترجيح بين الأقوال، كما بيَّنها ابن عابدين في منظومة عقود رسم المفتي.
(¬4) ينظر: ابن مازه، محمود بن أحمد. (1424هـ - 2004م).المحيط البرهاني في الفقه النعماني فقه الإمام أبي حنيفة. ط1. دار الكتب العلمية، بيروت. تحقيق: عبد الكريم سامي الجندي، ج1، ص 463.
يظهر جلياً رسوخ قدمهم بهذه الوظيفة.
5. العناية بشرح كتب ظاهر الرواية، مثال: الطحاويّ (ت321هـ) في «شرح الجامع الكبير»، و «شرح الجامع الصغير»، والكرخي (ت340هـ) في «شرح الجامع الكبير» و «شرح الجامع الصغير» (¬1)، و «شرح الجامع» (¬2)، وأبو الليث السَّمرقندي (ت375هـ) في «شرح الجامع الصّغير»، وغيرهم.
* * *
¬
(¬1) ينظر: القرشي، الجواهر المضية، ج2،ص493 - 494.
(¬2) ينظر: الداودي، محمد بن علي. (1392هـ). طبقات المفسرين. ط1. مكتبة وهبة، مصر. تحقيق: علي محمد. ج1/ ص 55.
المبحث الثالث
طبقة المجتهدين في المذهب
وهم على درجات إجمالاً على حسب التَّسلسل الزَّمانيّ:
وشرط المجتهد في المذهب ضبطُ الفروع والأصول والرسم على مذهب إمامه، قال الفناريّ (¬1): «فممارسةُ الفقه طريقٌ إلى تحصيلِ الاجتهادِ في زماننا هذا».
وظهرت هذه المرحلة من الاجتهادِ بعد أن أُشبع الاجتهادُ المذهبيُّ باستخراج جميع الوجوه المعتبرة؛ لتَّخريج الأحكام من الكتاب والسُّنّة والآثار، فتوجهت جهود العلماء وهممهم إلى تأييد مذاهب بالأدلة والتفريع والتأصيل والتقعيد، فعظم بناء المذاهب وقوي واتسع.
قال قاضي خان (¬2): «المفتي في زماننا من أصحابنا إذا استفتي في مسألةٍ، وسئل عن واقعة، إن كانت المسألة مرويةً عن أصحابنا في
¬
(¬1) الفناري، فصول البدائع، ج2/ص475.
(¬2) قاضي خان، الفتاوى الخانية، ج1/ص1.
الرِّوايات الظاهرة، بلا خلاف بينهم، فإنه يميل إليهم ويُفتي بقولهم، ولا يخالفهم برأيه وإن كان مجتهداً متقناً؛ لأنّ الظَّاهر أن يكون الحقّ مع أصحابنا ولا يعدوهم واجتهاده لا يبلغ اجتهادهم، ولا ينظر إلى قول مَن خالفهم ولا يقبل حجته لأنهم عرفوا الأدلّة، وميزوا بين ما صحّ وثبت وبين ضده». فهذا النصُّ صريح من أكبر أئمة هذه الحقبة يصف فيه هذه المرحلة التي تمّ بها الالتزام بالمذهب تماماً، وعدم قبول الترجيح لغيره من جهة الدَّليل.
وبعد أن اكتمل بدر الاستنباط في مرحلة الاجتهاد المطلق والمنتسب، وكثر التخريج ببيان وجوه الأئمة وتفسيرها والتفريع عليها، احتجنا في المرحلة التالية إلى متابعة التخريج فيما يحتاج إليه؛ لأنَّه باب لا يغلق إلى يوم القيام؛ لتجدد الحوادث وتغير الزمان.
ولا بدّ من الترجيح بين هذه التخاريج المتعدّدة ببيان الصحيح منها من الضعيف بالنسبة لأصول الأبواب، فهي مراجعة وتثبت من صحّة التخريج، وهو أمر ضروري لصحة العمل به، مع مراعاة ما هو الأنسب من هذه التخاريج للواقع بإمرارها على قواعد رسم المفتي من الضرورة والتيسير والمصلحة والعرف.
وهذا الأمر كان محلّ اهتمام الطبقة الأولى من المجتهدين في المذهب لمتابعة أطوار الفقه مع عملهم بالوظائف الأخرى للمجتهدين ما عدا الاستنباط.
المطلب الأول: طبقة المتقدمين من المجتهدين في المذهب:
وهي الطبقة العليا من أكابر مجتهدي في المذهب، وتشمل علماء القرن الخامس والسَّادس والسّابع والثامن.
وهذه أَوّل طبقات المجتهد في المذهب التي تابعت سير الفقه فيما وصل إليه، ويتلخّص عملهم فيما يلي:
1.التّخريج على فروع وقواعد أئمّة المذهب خاصّة لا على الكتاب والسنة، وقد تميّزوا بذلك إلى حدٍّ كبير لاهتمامهم بضبطِ أُصول المذهب، فبنوا عليه كثيراً من الفروع المستجدّة.
2.التّرجيحُ والتّصحيحُ بين أَقوالِ أئمّةِ المذهب على حسبِ قواعدِ رسم المفتي كما صرّح بذلك قاضي خان في ديباجة «فتاويه» (¬1) تحت فصل في رسم المفتي، ويدخل في ذلك أخذهم واعتمادهم لأقوال بعض
¬
(¬1) قاضي خان، الفتاوى الخانية، ج1/ص1.
المجتهدين المنتسبين في المذهب وترجيحهم لقولهم على مَن سبقهم أو التَّرجيح بين أقوال المنتسبين.
وترجيح هذه الطبقة أعلى أنواع الترجيح، قال ابن قُطْلُوبُغا (¬1): «ما يصحِّحه قاضي خان مُقدم على تصحيح غيره؛ لأنَّهُ فقيه النَّفس»، فوصف تصحيح أحد رجال هذه الطبقة بأنَّه أقوى تصحيح.
ووصف ابنُ عابدين الطبقة التي سبقتهم في التَّرجيح، فقال (¬2): «ولا يخفى أنَّ المتأخرين ... كصاحب «الهداية» وقاضي خان وغيرهما من أهل التَّرجيح هم أعلمُ بالمذهب منّا، فعلينا اتباع ما رجَّحوه وما صحَّحوه كما لو أَفتونا في حياتهم».
وإن كان جُلّ تصحيحُهم راجعٌ إلى المدارس الفقهيّة التي نشؤوا فيها: كمدرسة سمرقند أو بُخارى مثلاً، كما هو ظاهر في ترجيح بعض المسائل في «الوقاية» (¬3) مخالفاً لما في «الهداية» رغم أنَّه استخلص الكتاب من «الهداية».
¬
(¬1) ابن قطلوبغا، قاسم. (2002م). التصحيح والترجيح على مختصر القدوري. ط1. دار الكتب العلمية. بيروت. تحقيق: ضياء يونس. ص134.
(¬2) ابن عابدين، رد المحتار، ج1،ص192.
(¬3) ينظر: صدر الشريعة، عبيد الله بن مسعود. (2006م). شرح الوقاية. مؤسسة الوراق. عمان. تحقيق: الدكتور صلاح محمد أبو الحاج (منتهى النقاية).ج4،ص56.
3.حفظ المذهب وتمييز ما هو المعتمد فيه من ظاهر الرواية والنوادر ومسائل النوازل، فألّفوا المتون في إظهار ظاهر الرّواية في المذهب والمعتمد من مسائله، وتُعدُّ متونهم أدق كتب المذهب في نقله وبيان المعوّل عليه فيه، قال ابن عابدين (¬1): «إذا اختلف التصحيح لقولين وكان أحدهما قول الإمام أو في المتون أخذ بما هو قول الإمام؛ لأنَّه صاحب المذهب، وبما في المتون؛ لأنَّها موضوعة لنقل المذهب». وقال (¬2): «المتون ... تمشي غالباً على ظاهر الرواية»، وقال ابن نجيم (¬3): «العمل على ما هو في المتون؛ لأنّه إذا تعارض ما في المتون والفتاوى، فالمعتمد ما في المتون، وكذا يقدّم ما في الشروح على ما في الفتاوى».
فإذا أُطلقت المتون عند مَن جاء بعدهم، فالمقصود بها متونهم، وهذا راجع للملكة القويّة لديهم في الاعتناء في حفظِ المذهب وتمييز الراجح فيه، قال اللكنوي (¬4): «وإن المتأخرين قد اعتمدوا على المتون الثلاثة: «الوقاية»، و «مختصر القدوري»، و «الكنز»، ومنهم من اعتمد على الأربعة: «الوقاية»، و «الكنز»، و «المختار»، و «مجمع البحرين». وقالوا: العبرة
¬
(¬1) ابن عابدين، رد المحتار، ج4، ص 33.
(¬2) ابن عابدين، محمد أمين. (د. ه). منحة الخالق على البحر الرائق. ط2، دار المعرفة، بيروت. ج7، ص 76.
(¬3) ابن نجيم، زين الدين إبراهيم المصري. (د. هـ). البحر الرائق شرح كَنْز الدقائق. دار المعرفة. بيروت. ج6،ص310.
(¬4) ينظر: اللكنوي، النافع الكبير، ص23، وغيره.
لما فيها عند تعارض ما فيها وما في غيرها؛ لما عرفوا من جلالة قدر مؤلفيها، والتزامهم إيراد مسائل ظاهر الرواية، والمسائل التي اعتمد عليها المشايخ».
4.التَّقريرُ بمراعاة قواعد رسم المفتي وأُصول الأبواب الفقهيّة كما هو ظاهر في كتب الفتاوى فيه هذا العصر مثل: «النتف في الفتاوى» للسغدي (ت461هـ) (¬1)، و «الفتاوى الخانية» لقاضي خان (ت592هـ) (¬2)، و «مختارات النوازل» للمِرغينانيّ (ت593هـ) (¬3)، و «الفتاوى الكبرى» و «الفتاوى الصُّغرى» لحسام الدِّين ابن مازه (ت536هـ) (¬4)، و «جامع الفتاوى»، و «خلاصة المفتي»، و «الملتقط في الفتاوى الحنفية» (ت556هـ) (¬5)، و «الواقعات»، و «الفتاوى» لبرهان
¬
(¬1) ينظر: ابن الحنائي، علي بن أمر الله. (1380هـ). طبقات الحنفية. ط2. مطبعة الزهراء الحديثة، الموصل. ص73.
(¬2) ينظر: الزَّركلي، خير الدين. (2002م). الأعلام. ط15. دار العلم للملايين. ج2،ص238.
(¬3) ينظر: اللكنوي، عبد الحي. (1401هـ).مقدمة الهداية. ديوبندسهارنيور. ج3،ص2 - 4.
(¬4) ينظر: الأتابكي، يوسف بن تغرة. (د. ه). النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة. وزارة الثقافة والإرشاد القومي، المؤسسة المصرية العامة. ج5، ص 268 - 269.
(¬5) ينظر: القرشي، الجواهر المضية، ج3، ص 409.
الشريعة المحبوبي (ت683هـ) (¬1)، و «الفتاوى الصوفية» لفضل الله (ت666هـ) (¬2)، و «الفتاوى الطرسوسية» للطرسوسي (ت758هـ) (¬3)، و «بغية القنية في الفتاوى» للقونوي (ت770هـ) (¬4)، و «الفتاوى التَّاتارخانيَّة» لعالم بن علاء صفنها في سنة (777هـ).
5.التَّقعيدُ والتَّأصيلُ لفروع المذهب بصورةٍ أدقّ وأحكم ممَّن سبقهم بحيث أنَّهم اهتموا بربط الفروع بقضايا الأصول الكليّة، وألّفوا كتباً في الأصول على طريقة الفقهاء: كـ «أصول البزدويّ»، و «أصول السَّرَخْسيّ»، و «الميزان» للسَّمَرقنديّ (ت539هـ) (¬5).)، وغيرها مما بيّنت الأُصول الكليّة التي مشى عليه أئمّة المذهب، وكل مَن جاء بعدهم عالة
¬
(¬1) ينظر: كحالة، عمر رضا. (1414هـ). معجم المؤلفين. ط1. مؤسسة الرسالة، بيروت. ج3، ص 818، و اللكنوي، عبد الحي. (1976م). مقدمة السعاية. باكستان. ج1، ص 2 - 6.
(¬2) ينظر: القسطنطيني، مصطفى بن عبد الله. (د. هـ). كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون. دار الفكر، بيروت. ج2، ص 1225.
(¬3) ينظر: اللكنوي، عبد الحي. الفوائد البهية في تراجم الحنفية. ط1. دار الأرقم، بيروت. تحقيق: أحمد الزعبي، وأيضاً: (1324هـ). ط1. طبعة السعادة، مصر. ص27 - 28.
(¬4) ينظر: ابن قُطْلُوبُغَا، قاسم. (1992مـ). تاج التراجم. ط1. دار القلم، دمشق. تحقيق: محمد خير رمضان. ص289 - 290.
(¬5) ينظر: السمرقندي، محمد بن أحمد. (1407هـ). ميزان الأصول في نتائج العقول في أصول الفقه. ط1. طباعة وزارة الأوقاف العراقية. تحقيق: الدكتور عبد الملك السعدي. ج1، ص 17.
عليهم في الأصول، كما صرّح بذلك جمع من العلماء، قال ملاجيون (¬1): «وهذا كلُّه من تفننِ فخر الإسلام - رضي الله عنه -، والنّاس أتباع له».
وفي أواخر هذه الطبقة اعتنوا بالتأليف في الأصول على طريقة الجمع بين أصول المتكلّمين والفقهاء؛ إذ قام جمع من علماء هذا الزمان بمحاكاة أصول المتكلّمين، وعرض أصول فقهاء الحنفيّة على هيئتها وصورتها كترتيب وتنظيم، وذكر لبعض المباحث التي لم يتعرّض لها في أصول الفقهاء وذكروها في أصول المتكلّمين، ويظهر هذا جليّاً في «بديع النظام» لابن الساعاتي (ت694هـ)، و «التوضيح شرح التنقيح» لصدر الشريعة (ت747هـ).
6.الاستدلال لمسائل المذهب بالمعقول والمنقول، ورد أدلة المخالفين، قال القدوري في «التّجريد» (¬2): «قد أفردنا في هذا الكتاب ما خالف فيه الشَّافعيّ بإيجاز الألفاظ، واستيفاء معانيه، وأَوردنا التَّرجيح؛ ليشترك المبتدئ والمتوسط في فهمه والانتفاع به»، فاهتمَّ فيه بذكر قول الحنفية في مقابل قول الشَّافعي عُمُوماً، وذكر أدلّة الحنفية ورد أدلّة الشّافعية، وأفاض في ردّ ما يرد من وجوه على أدلة الحنفية.
¬
(¬1) ملا جيون، نور الأنوار، ص299.
(¬2) القدوري، أحمد بن محمد. (2004م). التجريد. دار السلام. تحقيق: مركز الدراسات الفقهية والاقتصادية. ج1، ص 53.
ولكثرة المناقشات الحاصلة بين أئمة المذاهب ظهر علم الخلاف، و هوعلم يُعرف به كيفية إيراد الحجج الشَّرعية ودفع الشُّبهة وقوادح الأدلّة الخلافية بإيراد البراهين القطعيّة (¬1).قال طاشكبرى زاده (¬2): «ويمكن جعل علم الجدل والخلاف من فروع علم أصول الفقه»، واعتبروا أنَّ أوّلَ مَن أخرج علم الخلاف في الدنيا هو أبو زيد الدبوسي (ت430هـ) (¬3).
7.العناية الفائقة بكتب ظاهر الرواية شرحاً وتوضيحاً وتفصيلاً، حيث انصرفت هممهم إلى خدمة كتب محمد - رضي الله عنه - بهيئة لم تحصل لغيره، وهذا يفسّر الملكية الفقهية الرفيعة التي وصلوها حيث تربوا على كتب محمّد فأثرت في منهجهم وطريقهم كثيراً، فالتزموا بالمذهب التزاماً كاملاً، ولم يقدموا قولاً على أقوال أئمتهم، كما صرح به قاضي خان فيما سبق.
¬
(¬1) ينظر: الزبيدي، محمد بن محمد الحسيني. (د. ه). إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين. بيروت. دار الفكر. ج1،ص278.
(¬2) طاشكبرى زاده، أحمد بن مصطفى. (1405هـ). مفتاح السعادة ومصباح السيادة. ط1. دار الكتب العلمية، بيروت. ج1،ص284.
(¬3) طاش كبرى زاده، مفتاح السعادة، ج1، ص 284.
ومن أمثلة ذلك: الدبوسي (ت430هـ) في «شرح الجامع الكبير» (¬1)، والحَلْوَانِيّ (ت456هـ) في «المبسوط» (¬2)، والسُّغْدِيّ (ت461هـ) في «شرح الجامع الكبير» (¬3)، وفخر الإسلام البَزدويّ (ت482هـ) في «شرح الجامع الكبير»، و «شرح الجامع الصَّغير» (¬4)، وخواهر زاده (ت483هـ) في «المبسوط» (¬5)، والسَّرَخْسيّ (ت483هـ) في «شرح السِّير الكبير» و «شرح الزِّيادات»، و «المبسوط»، والصدر الشهيد (ت536هـ) في «شرح الجامع الصغير» (¬6)، وعبد الغفور الكَرْدَرِي (ت562هـ) في «شرح الجامع الصغير»، و «شرح الجامع الكبير»، و «شرح الزيادات» (¬7)، وعمر النسفي (ت537هـ) في «نظم الجامع
¬
(¬1) ينظر: البغدادي، إسماعيل باشا. (1402هـ).هدية العارفين. دار الفكر. بيروت. ج5، ص648.
(¬2) الذهبي، محمد بن أحمد. (1413هـ) سير أعلام النبلاء. ط9. مؤسسة الرسالة، بيروت. تحقيق: شعيب الأرناؤوط ومحمد نعيم العرقسوي. ج18، ص 177 - 178، و المزي، يوسف. (1992م). تهذيب الكمال في أسماء الرجال. ط1. مؤسسة الرسالة. تحقيق: بشار عواد. ج3/ ص 111.
(¬3) ينظر: القرشي، الجواهر المضية، ج2/ص567.
(¬4) ينظر: الكفوي، محمود بن سليمان. كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار. من مخطوطات المكتبة القادرية، بغداد. ق156/ب-157/ب.
(¬5) ينظر: الذهبي، محمد بن أحمد. (1963مـ).العبر في خبر من غبر. مطبعة حكومة الكويت. تحقيق: الدكتور صلاح الدين المنجد. ج3/ ص 302.
(¬6) ينظر: الأتابكي، النجوم الزاهرة، ج5،ص268 - 269.
(¬7) ينظر: ابن الحنائي، طبقات الحنفية، ص108.
الصغير» (¬1)، والكِرْمَانِيّ (ت543هـ) في «شرح الجامع الكبير» (¬2)، والعَتَّابِي (ت586هـ) في «شرح الجامع الصغير» و «شرح الجامع الكبير»، و «شرح الزيادات» (¬3)، وقاضي خان (ت592هـ) في «شرح الجامع الصغير»، و «شرح الزيادات» (¬4)،وعبيد الله المَحْبُوبِي (ت602هـ) في «شرح الجامع الصغير» (¬5)، والملك المعظم أبو المظفر عيسى (ت624هـ) في «شرح الجامع الكبير» (¬6)، والحصيري (ت636هـ) في «التحرير شرح الجامع الكبير»، و «شرح السير الكبير» (¬7)، والخِلاطيّ (ت652هـ) في «تلخيص الجامع الكبير» (¬8) , وسبط ابن الجوزي
¬
(¬1) ينظر: اليافعي، عبد الله بن أسعد. (1970م). مرآة الجنان وعبر اليقظان في ما يعتبر من حوادث الزمان. ط1. مؤسسة الأعلمي للمطبوعات. ج3/ص268، و الحموي، ياقوت بن عبد الله. (د. هـ) معجم الأدباء. الطبعة الأخيرة. مكتبة عيسى البابي الحلبي. ج16/ص70 - 71.
(¬2) ينظر: اللكنوي، مقدمة السعاية، ص20.
(¬3) ينظر: اللكنوي، الفوائد البهية، ص66.
(¬4) ينظر: ابن قطلوبغا، تاج التراجم، ص151 - 152.
(¬5) ينظر: الذهبي، العبر، ج5/ص120، و القاري، علي بن سلطان. الأثمار الجنية في طبقات الحنفية. من مخطوطات مكتبة الأوقاف، العراق، ق35/ب.
(¬6) ينظر: ابن خلكان، أحمد بن محمد. (د. ه). وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان. دار الثقافة. بيروت. تحقيق: الدكتور إحسان عباس. ج3/ص494 - 496.
(¬7) ينظر: اللكنوي، النافع الكبير، ص56.
(¬8) ينظر: الزركلي، الأعلام، ج7/ص51.
(ت654هـ) في «شرح الجامع الكبير» (¬1)، والتُّمُرْتَاشِيّ في «شرح الجامع الصغير» (¬2)، والرَّامُشِيّ الضرير (ت666هـ) في «شرح الجامع الكبير»، و «شرح الجامع الصغير» (¬3)، وعثمان الزيلعي (ت743هـ) في «شرح الجامع الكبير» (¬4) وغيرهم.
وبعد هذا الجهد الضخم من أصحاب هذا الدَّور في التَّخريج والتَّرجيح والتَّمييز والتَّقرير الذي امتدَّ قرابة ثلاثة قرون، ظهرت الحاجة إلى تقرير أصل المذهب وتمييز ظاهر الرّواية عن غيره بطريقة تُمكن الطّالب من حفظه، فاشتهر التالي بعناية بهذا التمييز.
المطلب الثاني: طبقة المتأخرين من مجتهدين المذهب:
وتشمل علماء القرن التاسع وما بعده، ويتلخّص عملهم فيما يلي:
1. التَّخريج على أصول الأئمّة وفروعهم كمَن سبقهم، فهذه الوظيفةُ لا يستغنى عنها في زمان ومكان، إلا أنَّها تقلّ كلّما تأخّر الزَّمان لقلّة الفروع المستجدّة، لكن في زماننا هذا بسبب التطوّر المدنيّ الضخم
¬
(¬1) ينظر: اليافعي، مرآة الجنان، ج4/ص136.
(¬2) ينظر: القرشي، الجواهر المضية، ج1/ص147 - 148.
(¬3) ينظر: ابن قطلوبغا، تاج التراجم، ص215.
(¬4) ينظر: اللكنوي، الفوائد البهية، ص194 - 195.
دعت إليها الحاجة بدرجة كبيرة؛ لأنَّها الطريقةُ المعتبرةُ في معرفة ما يجدّ من أحكام، عوضاً عن وظيفة الاستنباط التي كانت في مرحلةِ سابقةٍ من أطوار الفقة، فهي الوظيفةُ التي يحيى بها الفقه في الواقع، والوصول إليها بعد كلّ هذا التّنقيح لعلوم الفقه ممكن ومتيسّر لمَن وفّقه الله تعالى.
وكثيراً ما يُعبر المتأخرون عن هذا التَّخريج: هذا بحث لفلان، قال الطحطاوي (¬1): «هذا بحث للمصنِّف ... »، وقال ابن عابدين (¬2): «ورأيت الشرنبلالي ذكر بحثاً: أنَّه ينبغي أن يرجع بالزيادة على الراهن، اهـ. وذكر الشرنبلالي بحثاً آخر .... ».
2.التصحيح والترجيح للأقوال على حسب قواعد رسم المفتي، وبمراعاة مباني الأبواب، وهي المعاني التي تَوصل لها المجتهد باستقرائه لما ورد في الباب من قرآن وآحاديث وآثار، وبالتَّالي هي معاني إمّا قطعيّة أو ظنيّة قويّة صادرةٌ من مجتهدٍ معتبرٍ لا يقول بخلاف القرآن والسنة أَبداً، فإن ترك ظاهر حديث فقد وافق ما هو أقوى منه من معاني القرآن والأحاديث الأُخرى، فإهمالُ تأصيله للفقه في التَّرجيح، والتَّرجيح
¬
(¬1) الطحطاوي، أحمد بن محمد. (1418هـ). حاشية الطَّحْطَاوي على مراقي الفلاح. ط1.دار الكتب العلمية. بيروت. تحقيق: محمد عبد العزيز الخالدي. ج2/ ص 204.
(¬2) ابن عابدين، رد المحتار، ج6/ ص 506.
بظواهر الأحاديث بعيد عن الصّواب؛ ولذلك لم يلتفت له أكابر الفقهاء لإدراكهم هذا المعنى.
لكن نجد أنَّ تصحيحَهم وتضعيفهم أقلُّ درجة ممَّن سبقهم؛ لانتشار فكرة محدّثي الفقهاء، والاعتماد عليها، وهي التَّرجيح بظواهر الأحاديث ممَّا تسبب في ضعفِ تصحيحهاتهم وترجيحاتِهم؛ لأنَّ مراعاةَ قواعد رسم المفتي ثابتةٌ بأدلّة قطعيّة، فعدم مراعاتها تماماً مخالفٌ لهذه النُّصوص القطعيّة، كتصحيح الشُّرُنْبلاليّ (¬1) جواز قراءةُ الفاتحة بقصد الثناء؛ لحديث: «أنَّه صَلَّى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب، وقال: لتعلموا أنَّه من السنّة» (¬2).
3.التمييز بين ظاهر الرواية من غيره، والصحيح من الضعيف، وهذا ظاهر في المتون التي ألفوها، لكنَّها أَضعف من الطبقةِ التي سبقتهم، حيث إنَّهم ذكروا في متونهم وكتبهم بعض مسائل الفتاوى والنوادر وغيرها مما ليس بمعتمدٍ في المذهب ومشوا عليه، مثل: «نور
¬
(¬1) الشرنبلالي، حسن بن عمار. (1411هـ).مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح ونجاة الأرواح. ط1. دار النعمان للعلوم، بيروت. تحقيق: عبد الجليل عطا. ص218.
(¬2) البُخَارِيّ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي (1407هـ). صحيح البخاري. ط3. دار ابن كثير واليمامة. بيروت. تحقيق: الدكتور مصطفى البغا، ج1/ص448، رقم (1335)، باب قراءة الفاتحة على الجنازة.
الإيضاح» للشرنبلاليّ (ت1069هـ)، قال ابن عابدين (¬1): «لا يخفى أنّ المرادَ بالمتون المتون المعتبرة كـ «البداية» و «مختصر القدوري» و «المختار» و «النقاية» و «الوقاية» و «الكنز» و «الملتقى» فإنّها الموضوعة لنقل المذهب ممَّا هو ظاهر الرواية، بخلاف متن «الغرر» لمنلاخسرو (ت885هـ) ومتن «التنوير» للتُّمُرْتاشيّ الغزّي (ت1004هـ)، فإن فيها كثيراً من مسائل الفتاوى».
قال اللَّكنويُّ (¬2): ««التنوير» وإن كان أحسن الكتب المصنفة في الفن، لكن بعض المسائل المذكورة فيه وقعت في غير موقعها، كمسألة أفضلية كثرة الركوع والسجود من طول القيام، وهي وإن كان ذهب إليها صاحب «البحر» وغيره، لكنه مخالف لجمهور الفقهاء، وكمسألة انتقاض وضوء مدمن الخمر بعرقه، وغير ذلك كما لا يخفى على مَن طالعه».
ولعلَّ مقصدهم من هذا التَّوسُّع فيما يذكر في المتون بأن لا تقتصر على ظاهر الرّواية فحسب بل لتشمل مسائل يرون أنَّها يحتاج إليها في قراءة المتون.
¬
(¬1) ابن عابدين، محمد أمين بن عمر (د. هـ). شرح عقود رسم المفتي. دار إحياء التراث العربي. بيروت. ص37، وغيره.
(¬2) اللكنوي، عبد الحي. طرب الأماثل بتراجم الأفاضل. ط1. دار الأرقم، بيروت، ط1، 1998م، تحقيق: أحمد الزعبي. ص562 - 563، واللكنوي، مقدمة السعاية، ص11.
4.التقرير للمسائل الفقهية في الواقع بمراعاة بنائها وقواعد رسم المفتي، وهذا ظاهر كتب الفتاوى، ومنها: «الوجيز» المشهور بـ «الفتاوى البزَّازية» لابن البزَّاز (ت827هـ) (¬1)، و «مشتمل الأحكام» في الفتاوى الحنفية لفخر الدين الرومي (ت864هـ) (¬2)،و «خزانة الرِّوَايَات» للكجراتي (ت920هـ) (¬3)، و «الفتاوي الخيرية لنفع البرية» للرملي (ت1081هـ) (¬4)، و «الفتاوى العمادية الحامدية» (ت1171هـ). و «الفتاوى المهدية في الوقائع المصرية» للعباسي (ت1315هـ) (¬5)، وغيرها.
5.جمع الأقوال المصحّحة والمرجَّحة؛ إذ ظهرت الحاجة للتمييز بين الأقوال العديدة التي رُجِّحت وصُحِّحت في الطبقات السَّابقة، فاهتمّ علماء هذه الطبقة بجمعها وتنقيح الخلاف فيها، وبيان أَقواها تصحيحاً وترجيحاً: كما فعل ذلك ابن قطلوبغا (ت879هـ) في «التصحيح
¬
(¬1) ينظر: اللكنوي، الفوائد البهية، ص309.
(¬2) ينظر: اللكنوي، عبد الحي. (1340هـ). مقدِّمة عمدة الرعاية حاشية شرح الوقاية. المطبع المجتبائي، دهلي. ج1/ص12.
(¬3) ينظر: الحسني، عبد الحي. (1999م). نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر. دار ابن حزم، بيروت. ج4، ص 82.
(¬4) المحبي، محمد أمين. (د. ه). خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر. دار صادر. ج2/ص134.
(¬5) ينظر: كحالة، معجم المؤلفين، ج3/ص381.
والترجيح على مختصر القُدُوري» (¬1)، وإسماعيل النابلسيّ (ت1062هـ) في «الإحكام شرح الدرر» (¬2)، والبيريّ (ت1099هـ) في «عمدة ذوي البصائر على الأشباه والنَّظائر»، و «شرح تصحيح القدوري» (¬3)، وابن عابدين (ت1252هـ) في «رَدّ المحتار» (¬4)، واللَّكنويُّ (ت1304هـ) في «عمدة الرعاية على شرح الوقاية».
6.الاهتمام بتقعيد علم رسم المفتي، وجمع قواعده المختلفة من كلام السَّابقين، بما يدلّ عليه فعل الفقهاء في كتبهم، فهو عبارة عن شذرات متفرّقة وفوائد مذكورة هنا وهناك في كتب علماء الطبقات السابقة، وأوسعها عند المتقدِّمين هو كلام قاضي خان في مقدمة «فتاواه» (¬5) المشهورة، وهي في أسطر معدودة.
واهتمّ علماء هذه الطبقة بتقييد هذه الفوائد، بسبب توسّع العلوم، وكثرة الاختلاف أكثر من المتقدمين، وصاروا يصرّحون بها كثيراً في مؤلفاتهم، مثل: الكادوري (ت832هـ) في مقدمة «جامع المضمرات
¬
(¬1) ينظر: السخاوي، محمد بن عبد الرحمن. (د. ه). الضوء اللامع لأهل القرن التاسع. دار الكتب العلمية، بيروت. ج5،ص184 - 190.
(¬2) ينظر: اللكنوي، طرب الأماثل، ص430 - 431.
(¬3) ينظر: اللكنوي، النافع الكبير، ص105 - 106.
(¬4) ينظر: الشطي، محمد جميل. (1414هـ). أعيان دمشق في القرن الثالث عشر ونصف القرن الرابع عشر. ط1. دار البشائر. بيروت. ص252 - 255.
(¬5) ينظر: قاضي خان، الفتاوى الخانية، ج1، ص1.
شرح القدوري» (¬1)، وابن قُطْلُوبُغا (879هـ) في مقدمة «التصحيح»، وابن نُجيم (ت970هـ) في «الأشباه» و «البحر الرائق»، والشرنبلاليّ (1069هـ) في «المراقي» و «الشرنبلالية»، ولكن بقيت فوائد متفرّقة يخبر عنها عند الحاجة.
وجمعها ورتّبها ابن عابدين (1252هـ)، حيث جمعها في منظومته المسمّاة «عقود رسم المفتي» وشرحها، فهي أوسع ما كُتب في هذا العلم إلى يومنا هذا.
وذكر قدراً منها المرجاني (ت1285هـ) في «ناظورة الحقّ».
واهتمّ بجمعها اللكنوي (ت1304هـ) في «مقدمة عمدة الرعاية» و «النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير».
7.كثرة الاستدلال بالسنة بطريق المحدثين لمسائل الحنفية، حيث ظهرت مدرسة عند الحنفية من محدثي الفقهاء كان لهم عناية فائقة بجمع الأدلة من الأحاديث النبوية في تأييد فروع المذهب الحنفي، وإعمال قواعد وأصول المحدثين في الاستدلال.
¬
(¬1) ينظر: اللكنوي، الفوائد البهية، ص380.
ومن أبرز شخصيات هذه المدرسة: ابن الهمام (ت861هـ) في «فتح القدير» وابن أمير حاج في «حَلَبة المُجلي» (¬1)، والحلبي (ت956هـ) في «غنية المستملي» (¬2)، والقاري (ت1014هـ) في «فتح باب العناية»، والشُّرُنْبلالي (ت1069هـ) في «المراقي»، والحصكفي (ت1088هـ) في «الدر المختار» (¬3)، واللكنوي (ت1304هـ) في «عمدة الرعاية» و «السعاية» و «التعليق الممجد».
وبهذه الطريقة قدمت هذه المدرسة خدمة عظيمة للمذهب الحنفي حيث أصبح فقه الحنفية مؤيداً بطريق المحدثين، فجمعوا فيها طريقة الحنفية في الفقه وبين المحدثين في الاستدلال.
ويؤخذ على مدرسة محدثي الفقهاء من متأخري الحنفية: أنَّهم وافقوا سير طبقة المجتهد المنتسب في اعتمادِهم أُصولاً للتَّرجيح مشوا عليها، ولكن هناك تفاوت ظاهر بينهم وبين هذه الطبقة في التمكّن من الأصول والفروع، يظهر فيها ضعف ترجيحاتهم بخلاف طبقة المنتسب،
¬
(¬1) ينظر: الكتاني، محمد بن جعفر الكتاني. (د. ه.). الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة. مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة. ص146 - 147.
(¬2) ينظر: طاشكبرى زاده، أحمد بن مصطفى. (1975م). الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية. دار الكتاب العربي، بيروت. ص295 - 296.
(¬3) ينظر: المحبي، خلاصة الأثر، ج4 / ص63 - 65.
فإنَّ ترجيحَها من أقوى التَّرجيحات، وكذلك تخريجها وأصولُها التي اعتمدوها قويّةٌ بالمقارنة مع أصولِ الأئمة.
وأمّا هذه المدرسة المتأخرة فمدار أصولهم على أصول المحدّثين مع ضعفٍ ظاهر منهم لما يوردون من أحاديث في استدلالاتِهم يرجِّحون من خلالها، حتى أنَّ إمامَ هذه المدرسة ـ وهو الإمامُ ابنُ الهُمام ـ تكلّموا فيه أنَّه لم يكن من المشتغلين والمتمرّسين في علم الحديث، حيث وصفه تلميذه السَّخاوي (¬1) بقوله: «وكان إماماً علامّة عارفاً بأصولِ الدِّيانات والتَّفسير والفقه وأصوله والفرائض والحساب والتَّصوف والنَّحو والصَّرف والمعاني والبيان والبديع والمنطق والجدل والأدب والموسيقى وجلّ علم النَّقل والعقل، متفاوت المرتبة في ذلك، مع قلّةِ علمِه في الحديث، عالم أهل الأرض ومحقِّق أولى العصر، حجة أعجوبة، ذا حجج باهرة، واختيارات كثيرة، وترجيحات قويّة، بل كان يصرّح بأنَّه لولا العوارض البدنية من طول الضعف والأسقام وتراكمهما في طول المدد لبلغ رتبة الاجتهاد ... ».
وقال تلميذه ابن قطلوبغا: إنَّه لا يتلفت لأبحاث شيخنا المخالفة للمذهب (¬2)، ونقل عن الكشميري (¬3): «أنَّ الشيخ ابن الهمام كل ما ذكره في
¬
(¬1) السخاوي، الضوء اللامع، ج8/ص131.
(¬2) ينظر: ابن عابدين، رد المحتار، ج3، ص 74.
(¬3) الكوثري، محمد زاهد. (1997م). مقدمة نصب الراية. ط1. دار الثريا، دمشق، ج1/ص8.
«فتحه» من أدلة مذهبنا، مستفاد من تخريج الإمام الزيلعي، ولم يزد عليه دليلاً، إلا في ثلاثة مواضع: منها مسألة المهر، وقدر ما يجب» ـ.
ويظهر من حالهم غفلةٌ واضحةٌ عن طريقةِ الفقهاء في تصحيح الأحاديث وقبولها وردّها، قال الجصّاص (¬1): «لا أعلم أحداً من الفقهاء اعتمد طريق المحدِّثين ولا اعتبر أصولهم»، لاسيما أنَّ الوقوفَ على النّصوص الحديثيّة بصورتها الأدقّ والأحكم بالنسبة إلى طبقة المنتسب أقوى؛ لقربها من العهد النبويّ، فحكمُهم أصحُّ وأثبتُ وأَصوب، كما صَرَّح الذهبيُّ (¬2): «وهذا في زماننا يعسُرُ نقدُه على المحدِّث، فإنَّ أولئك الأئمة: كالبُخاريّ وأبي حاتم وأبي داود، عاينوا الأصول، وعَرَفوا عِلَلَها، وأمّا نحن فطالَتْ علينا الأسانيد، وفُقِدَت العباراتُ المُتيقّنة، وبمثلِ هذا ونحوه دَخَل الدَّخَلُ على الحاكم في تصرُّفِهِ في المستدرك».
ويلاحظ عدم انتباه مَن في هذه المدرسة لقضيّة النَّقل المدرسيّ المتوارث المعتبر عند الحنفيّة والمالكيّة.
¬
(¬1) الجصاص، أبو بكر. (2010م). شرح مختصر الطحاوي. ط1. طبعة دار البشائر. تحقيق: الدكتور سائد بكداش وآخرون، ج4، ص 244.
(¬2) الذهبي، محمد بن أحمد. (1405هـ).الموقظة في علم مصطلح الحديث. ط1. مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب. تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة. ص46.
وهذا يفسّر ردّ ابن عابدين لكثير من أقوالِهم وترجيحاتِهم والرّجوع إلى مَن سبقهم في الوقوف على المعتبر من المذهب، وهم متفاوتون في الاعتماد على الحديث.
8.التوضيح والتقييد والتفصيل بالتّحشية على شروح الطبقة التي سبقتهم وشروح طبقتهم بما يزيل الإشكال ويبين المقصود ويعين على الفهم السديد ويخدم الكتاب وينبه على ما فيه مؤخذات، فيكون القارئ له على بصيرة، وأمثاله كثيرة منها: الشريف الجُرْجَانِيّ (ت816هـ) في «حاشية الهداية» (¬1)، وملا خسرو (ت885هـ) في «حاشية شرح الوقاية» و «حاشية التلويح» (¬2)، والسِّهالوي (ت1103هـ) في «حاشية على التلويح»، والشرنبلالي (ت1069هـ) في «حاشية الدرر»، ونوح أفندي (1070هـ) في «حاشية الدرر»، وقاضي زاده (ت988هـ) في «حاشية شرح الوقاية»، والدِّمياطي (ت1238هـ) في «تعاليق الأنوار على الدر المختار» (¬3)،والسندي (ت1138هـ) في «حاشية على فتح القدير» (¬4)، وسعدي أفندي (ت945هـ) في «حاشية على العناية شرح الهداية» (¬5)،
¬
(¬1) ينظر: السخاوي، الضوء اللامع، ج5/ ص 328 - 330.
(¬2) ينظر: اللكنوي، الفوائد البهية، ص302 - 303.
(¬3) ينظر: اللكنوي، التعليقات السنية، ص31.
(¬4) ينظر: القسطنطيني، كشف الظنون، ج4،ص175.
(¬5) ينظر: علاء الدين، علاء الدين محمد ابن عابدين. (1416هـ). الهدية العلائية. ط5. تحقيق: محمد سعيد البرهاني. ج1، ص 203.
والحميدي (ت973هـ) في «حاشية على شرح الوقاية»، والطَّحْطَاويّ (ت1231هـ) في «حاشية على الدر المختار»، و «حاشية على مراقي الفلاح» (¬1)، وغيرها.
9. الاهتمام بالأصول بطريقة الجمع بين طريقة المتكلّمين والفقهاء؛ إذ تابعوا فيها سير الطبقة التي سبقتهم كملا خسرو (ت885هـ) في «مرقاة الأصول»، وشرحه «مرآة الأصول» (¬2) ومحب الله بن عبد الشكور (ت1119هـ) في «مُسلَّم الثبوت» (¬3)، وعبد العليّ اللكنويّ (ت1225هـ) في «فواتح الرحموت في شرح مسلم الثبوت» (¬4).
10.تخريج أحاديث الكتب التي اشتهرت ممَن سبقهم، ونسبتها إلى مظانها من الكتب الحديثية، ومنهم: عبد الله الزَّيْلَعِيِّ (ت762هـ) في «نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية»، قال اللكنوي: هذا الكتاب هو أحسن تخاريج أحاديث «الهداية» (¬5)، وابن التركماني (ت750هـ) في
¬
(¬1) ينظر: الزركلي، الأعلام، ج1/ ص 232 - 233.
(¬2) ينظر: اللكنوي، الفوائد البهية، ص302 - 303.
(¬3) ينظر: شعبان، شعبان مُحَمَّد إِسْمَاعِيل. (1981م). أصول الفقه تاريخه ورجاله. ط1. دار المريخ. الرياض. ص507 - 508.
(¬4) ينظر: الحسني، نزهة الخواطر، ج7، ص 289 - 294.
(¬5) ينظر: السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر. (د. هـ).حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة. مطبعة دار الوطن، القاهرة. ج1/ص203، و اللكنوي، عبد الحي. (1304هـ).غيث الغمام على حواشي إمام الكلام. المطبع العلوي، لكنو. ص18.
«التنبيه على تخريج أحاديث الهداية والخلاصة»، وابن قطلوبغا (ت879هـ) في «الإخبار بتخريج أحاديث الاختيار»، ووحيد الزمان الملتاني الحيدر آبادي (ت1338هـ) في «إشراق الأبصار في تخريج أحاديث نور الأنوار» (¬1)، وغيرهم.
11.تقعيد القواعد الفقهية وترتيبها بهيئة واضحة المعالم، حتى أصبحت علماً معروفاً، وقد كانت بداياته من الكَرخيّ (ت340هـ) في «أصوله» ثم الدبوسي (ت430هـ) في «تأسيس النظر»، لكن تميّز كعلم أوضح بظهور كتاب «الأشباه والنظائر» لابن نجيم (ت970هـ)، حيث اهتمّ به العلماء كثيراً في الشرح كالغزي (ت1005هـ) في تنوير البصائر على الأشباه والنظائر»، والحموي (ت1098هـ) في «غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر»، وابن بيري (ت1099هـ) في «عمدة ذوي البصائر لحل مهمات الأشباه والنظائر»، أبو السعود الحسيني (ت1172هـ) في «عمدة الناظر على الأشباه والنظائر»، وغيرها، وألف فيه: ناظر زاده (ت1061هـ) في «ترتيب اللآلئ في سلك الأمالي» وابن
¬
(¬1) ينظر: الحسني، نزهة الخواطر، ج8، ص 513 - 515.
حمزة الحسيني (ت1305هـ) في «الفرائد البهية في القواعد والفوائد الفقهية»، وغيرهم (¬1).
12. تقنين القوانين من المسائل الفقهيّة على هيئة تُناسب الأزمنة المتأخرة، وكان القانون في الدول الإسلامية المتعاقبة هو نفس الكتب الفقهية في متونها وشروحها، فيلتزم القاضي المعتمد منها، ولكن أمر سلطان الهند عالمكير (ت1018هـ) (¬2) بجمع كتاب يكون مرجعاً للقضاة، فتولى جمع كبير من العلماء تأليف «الفتاوى الهندية»، وهي من أوسع الكتب عند الحنفية، وجمعت في الدولة العثمانية «مجلة الأحكام العدلية» سنة (1285هـ) (¬3)، وألف قدري باشا (ت1306هـ) عدة كتب على هيئة مواد قانونية مثل: «قانون العدل والإنصاف للقضاء على مشكلات الأوقاف» و «مرشد الحيران في المعاملات» و «الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية» (¬4).
¬
(¬1) ينظر: الندوي، علي أحمد. (1420هـ). القواعد الفقهية. ط5. دمشق، دار القلم. ص162 - 183.
(¬2) ينظر: الحسني، نزهة الخواطر، ج9/ص211 - 212.
(¬3) ينظر: لجنة مكونة من عدة علماء وفقهاء في الخلافة العثمانية. (د. هـ).مجلة الأحكام العدلية. كارخانه تجارتِ كتب، آرام باغ، كراتشي. تحقيق: نجيب هواويني، نور محمد. ص49.
(¬4) ينظر: الزركلي، الأعلام، ج7/ص10.
ولا نستطيع أن نستوفي بهذه البحث جميع الأعمال والجهود التي قامت بها كلُّ طبقة من هذه الطبقات، وإنَّما المقصود الإشارة إلى بعضها ليتبيّن لنا عملية التكوين الفقهي للمذاهب الحنفي، وكيف أنه انتقل من مرحلة إلى أخرى في إكمال بدره، وأنّ تصرّفات كلّ طبقة اقتضتها المرحلة العلمية التي وصل إليها الفقه، فهي محطات كل منها توصل للأخرى.
وبذلك يظهر للباحث جليّاً أنّ الأولى في فهم طبقات الاجتهاد هو النّظر إلى العامل الزَّمني؛ لتطور الفقه من زمن إلى زمن، واختلافات الحاجيات الفقهية بانتقاله لزمن جديد، والمجتهد إنَّما هو يحقِّق هذه الحاجيات من خلال اجتهاده، فينال الوصف الاجتهادي المستحق له من مستقل أو منتسب أو مذهب على حسب الدرجة التي وصل لها.
* * *
الخاتمة:
في نهاية هذا البحث توصلنا إلى النتائج الآتية:
1.إنَّ المجتهد له وظائف متعددة يقوم بها، منها: الاستنباط والتخريج والترجيح والتمييز والتقرير.
2.إنَّ الاجتهاد المطلق كان شائعاً في القرنين الأولين، ثم الاجتهاد المنتسب كان القرن في الثالث والرابع، ثمّ اجتهاد المذهب من بعد القرن الرابع إلى يومنا.
3.إنَّ الاجتهاد المطلق لها صورتان: مستقل تتمثل في أبي حنيفة، ومستقل منتسب تتمثل في تلاميذ أبي حنيفة: كأبي يوسف ومحمد وزفر، وكان انتسابهم إلى أبي حنيفة انتساب أدب، ولم يبلغ أحدٌ مما جاء بعدهم مرتبتهم.
4.إنَّ الاجتهاد المنتسب هو السير على طريق المذهب في عامة الفقه، لكن يكون عنده مخالفة في بعض الأصول مما يؤدي إلى مخالفة في الفروع أيضاً؛ لأنَّها مستخرجة بواسطة الأصول، وأصحاب هذه الطبقة يقدرون على الاجتهاد من القرآن والسنة والآثار.
4.إنَّ الاجتهاد المذهبي هو الاجتهاد المعتبر في المذهب الحنفي من بعد القرن الرابع، والمجتهد فيه يقوم بأربعة وظائف من خمسة وظائف للمجتهد المطلق، فهو لا يفعل الاستنباط فقط.
5.إنَّ الاجتهادَ المذهبيّ: ينقسم إلى المتقدّمين والمتأخرين، ودرجة المتقدّمين أعلى في القيام بوظائف الاجتهاد من المتأخرين من التّخريج والتّرجيح والتّمييز والتّقرير؛ لذلك تعتبر متونهم هو المعتمدة في المذهب؛ لتمسكهم بمدرسة الفقهاء من التأصيل والتفريع الفقهي، والمتأخرون ظهرت لديهم مدرسة محدثي الفقهاء، فأثرت في التخريج والترجيح الفقهي، إلا أنَّها أفادت كثيراً في الاستدلال لمذهب الحنفية بطريقة المحدثين.
6.إنَّ التقسيم الزماني لطبقات الفقهاء هو الأولى والأفضل في التعامل مع الفقهاء ودرجاتهم ووظائفهم؛ لأنَّها لا تنفك عن أزمنتهم والمرحلة الفقهية التي وصل لها الفقه، وهو الملاحظ عند الفقهاء
السابقين، حيث لم يفعلوا تقسيماً للطبقات، وما فعله ابن كمال باشا مخالف لذلك، فردوا عليه فيه كثيراً.
References:
1. ??Abu al-Haj, Salah Mohammed. Introduction to study Islamic jurisprudence. First edition. Dar Jinan, Amman.
2. Abu Zahra, Muhammad. Abu Hanifa's life and times and his views and his understanding. second edition. Dar Alfekr Almoa`ser, Egypt.
3. Aladdin, Aladdin Mohammed Ibn Abidin. (1416). Alhadeya Alalayah. Fifth edition. Tahqeq: Mohammed Saeed Borhani.
4. Alatabeki, Yusuf bin Taghra. Brilliant Stars in the kings of Egypt and Cairo. The Ministry of Culture and National Guidance, Egyptian General Corporation.
5. Al-Bukhari, Abu Abdullah Muhammad bin Ismail Aljafee (1407). Sahih Bukhari.Third edition. Dar Ibn Kathir and Al-Yamamah. Beirut. Tahqeq: Dr. Mustafa Albga.
6. Al-Ghazali, Muhammad ibn Muhammad. (1419). Comments Mankhool of assets. I 3. Tahqeq: Mohammed Hassan Hito. Dar contemporary thought, Beirut, Dar Al-Fikr, Damascus.
7. Al-Hamwi, Yaqoot bin Abdullah.Moajam Alodaba`a. Latest edition. Issa al-Halabi portal library.
8. Al-Hassani, Abdul Hai. (1999 m). Nozhat Alkhawater wa Bahjat Almasama` wa Alnawader. First edition. Dar Ibn Hazm, Beirut.
9. Alhattab, Muhammad bin Muhammad. (1398). Talents of Galilee brief explanation Khalil.t 2. Dar Al-Fikr, Beirut.
10. Aljassas, Abu Bakir.( 2010).Shareh Mokhtasar Altahawi. First edition.Dar Albashair. Tahqeq: Dr. Said Bakdash and others.
11. Alkaddouri, Ahmed bin Mohammed. (2004). Altajreed. Dar Alsalaam. Tahqeq: Center jurisprudence and economic studies.
12. Alkafawi, Mahmoud bin Sulaiman. Kataeb A`alam Alakhyaer men Foqaha`a Mathhab Alnomaan Almokhtaer. Qadiriya library of manuscripts, Baghdad.
13. Alkarkhi. Obaidullah bin al-Hussein. Alusul. First edition. Literary printing press. Egypt.
14. Alkawthari, Mohammad Zahid. (1997). Introduction of Naseb Alrayah. First edition. Dar Al Thuraya, Damascus.
15. Alkawthari, Mohammed bin Zahid (1368) .Husun Altakadi in the biography of Imam Abu Yusuf Alkadi. Dar Alanwar for printing and publishing, Egypt.
16. Alketani, Mohammed bin Jaafar Alketani. Alresalah Almostatraphah. Library colleges Azhar, Cairo.
17. Alkostanteni, Mustafa bin Abdullah. Kashf Althonoon an Asami Alkotoob wa Alfonoon. Dar Alfikr, Beirut.
18. Allaknwi, Abdul Hai. (1304) .Ghayeth Alghamam on Hawashi Emam Alkalam. Almtaba Alalawi, Lucknow.
19. Allaknwi, Abdul Hai. (1340). Introduction of Omdat Alreayah Hasheyat Shareh Alwiqayah. Almojtbai Press, Delhi.
20. Allaknwi, Abdul Hai. (1401) Introduction of Alhedayah .deubnd sharnillor.
21. Allaknwi, Abdul Hai. (1406). Alnafea Alkabeer for who read Aljame`a Alsagheer . First edition. The world of books.
22. Allaknwi, Abdul Hai. (1976). Introduction of Alse`ayah. Pakistan.
23. Allaknwi, Abdul Hai. (1998) Altaliqat Alsunnyah on Alfawa`ed Albaheyah. First edition. Dar Al-Arqam. Beirut. Tahqeq: Ahmad Zu'bi.
24. Allaknwi, Abdul Hai. Alfawa`ed Albaheyah in translations of Alhanafyah. First edition. Dar al-Arqam, Beirut. Tahqeq: Ahmad Zu'bi, and also: (1324). First edition. Alsa`adah edition, Egypt.
25. Allaknwi, Abdul Hai. Tarab Alomathel in Tarageem Alafadel. First edition. Dar al-Arqam, Beirut, i 1.1998 m, Tahqeq: Ahmad Zu'bi.
26. Almaliki, Mohammed Ali Hussein. (1431 - 2010). Tahtheeb Alforouk and Alkawaed Alsonyah in Alasrar Alfiqheyah. The Ministry of Awqaf Arabia, printed by a margin of Alforrok for Alkarafi.
27. Almanaawi, Abdul Rauf. (1356). Fayed Alqadeer Shareh Aljameh Alsagheer. First edition. Major commercial library, Egypt.
28. Almaqdesi, Mohammed bin Mofleh. (1418) . Alfrua`a. First edition. Dar Alkootob Alelmyah. Beirut. Tahqeq: Hazem Alqadi.
29. Almardaawi, Abu al-Hassan bin Sulaiman. Alensaf in the correct knowledge of the Alrajeh from Alkhelaf. Dar revival of Arab heritage. Beirut.
30. Almazzi, Joseph. (1992). Tahtheb Alkamal in the names of Alrejal. First edition. Alrsalh Foundation. Tahqeq: Bashar Awad.
31. Almohebi, Mohammed Amin. Kholasat Alathaer in Ayaan the Eleventh century. Dar Sader.
32. Almorjani, Shihab bin Bahauddin. (1287). Nathourat Alhaaq in Faradyat Alesha`a. Kazan edition.
33. Alnadawi, Ali Ahmed. (1420). Rules of jurisprudence. Fifth edition. Damascus, Dar Alkalam.
34. Alnawawi, Abu Zakaria Yahya bin Sharaf. (1417). Almajmoo`a Sharh Almohathab. First edition. Beirut. Dar Alfeker. Tahqeq: Mahmoud Mtrahi.
35. Alothmani, Mohammed Taqi al-Din. (1432) .Usul Alefta. Koran library Knowledge, Karachi, Pakistan.
36. Alphanari, Mohammed bin Hamza. (1289) Fosoul Albadae`a fe Usul Alshara`e. Yahya Effendi Press.
37. Alqari, Ali bin Sultan. Alathmar Aljanyah fe Tabaqat Alhanafyah. Awqaf library of manuscripts, Iraq.
38. Alsakhaawi, Mohammed bin Abdul Rahman. Aldao`a Allame`a for the people of the nineteenth century. Dar Alkootob Alelmyah, Beirut.
39. Alsamarqandi, Mohammed bin Ahmed. (1407). Mezan Alusul fe nataej Alokoul fe Usul Alfigh.
First edition. Print the Iraqi Ministry of Religious Endowments. Tahqeq: Dr. Abdul Malik al-Saadi.
40. Al-Shatti, Mohammed Jamil. (1414). Damascus notables in the thirteenth century and a half of the fourteenth century Ashr. First edition. Dar Albashaer. Beirut.
41. Alshoronbolali, Hassan Bin Ammar. (1411) .Maraki Alfalah Sharh Noor Aledah and Najat Alarwah. First edition. Dar al-Nu'man of Sciences, Beirut. Tahqeq: Atta Abdul Jalil.
42. Alsobki, Ali bin Omar. (1404). Alebhaj in Sharh Almenhaj . First edition. Dar Alkootob Alelmyah. Beirut. Tahqeq: a group of scientists.
43. Alsuyuti, Abdul Rahman bin Abi Bakr. .Husun Almohadara in News of Egypt and Cairo. Dar Al-Watan Press, Cairo.
44. Altahtawi, Ahmed bin Mohammed. (1418). Hasheyat Altahtawi on Maraki Alfalah . First
edition. Dar Alkootob Alelmyah. Beirut. Tahqeq: Mohammed Abdul Aziz al-Khalidi.
45. Althahabi, Mohammed bin Ahmed. (1405) . Almawoqzh in Alhadith science. First edition. Islamic Publications Office, Aleppo. Achieve: Abdul Fattah Abu gland.
46. Althahabi, Mohammed bin Ahmed. (1413) Sear A`allam Alnobala`a. Nineth edition . Alresalah Foundation, Beirut. Tahqeq: Shoaib Alarnaout and Muhammad Naeem Alerkasosi.
47. Althahabi, Mohammed bin Ahmed. (1963). Alebbar fe Khabar man Ghabar. Government of Kuwait Press. Tahqeq: Dr. Salah al-Din Almonged.
48. Alyafei, Abdullah bin Asaad Alyafei. (1970). Miraat Aljinan and Ebar Alyaqthan in what is considered one of Alzaman accidents. Alaalmi Foundation publications.
49. Al-Zarkashi, Mohammed bin Bahadur Zarkashi. (1989). Albahr Almoheet in Usul Alfigh. First edition. Kuwait. Tahqeq: Dr. Omar Al-Ashqar.
50. Al-Zubaidi, Muhammad bin Muhammad al-Husseini. Ethaf Alsada Almotaqeen besharh Ehya`a Ulum Aldeen. Beirut. Dar Alfikr.
51. Baghdadi, Ismail Pasha. (1402) .hadeyat Alarefeen. Dar Alfeker. Beirut.
52. Daoudi, Mohamed bin Ali. (1392). Tabaqat Almofaseren . Egypt. First edition. Achieve: Muhammad Ali.
53. Ibn Abidin, Mohammed Amin ibn Umar. Sharh oqood Rasem Al Mufti. Dar revival of Arab heritage. Beirut.
54. Ibn Abidin, Mohammed Amin. Menhat Alkhaleq Ala Albahr Alraeq second edition. Dar Almarefa, Beirut.
55. Ibn Abidin, Muhammad Amin Bin Omar. Radd Almohtar on Durr al-Mukhtar. Dar revival of Arab heritage, Beirut.
56. Ibn Al-Hinai, Ali bin Amro Allah. (1380h). Tabaqat Alhanafya. second edition. Modern Printing Press Zahra, Mosul.
57. Ibn Alhomam, Kamal al-Din Muhammad ibn Abdul Wahid Alsyuasi. Fateh Alqadeer lelaajez Alfaqeer. Dar revival of Arab heritage. Beirut, and also: Dar Alfekr.
58. Ibn Hajar, Ahmed bin Ali.Alfatawa Alfeqhea Alkobra.
59. Ibn Kamal, Ahmed bin Sulaiman. Layers of scholars, scripts of Islamic Culture Institute at the University of Tokyo.
60. Ibn Khalkan, Ahmed bin Mohammed.Wafayat Alayan wa Anba`a Abna`a Alzaman.Dar Althaqafa. Beirut. Realization: Dr. Ihsan Abbas.
61. Ibn Mazah, Mahmoud bin Ahmad. (1424 - -2 004 m) .ALmohet ALborhani in Nomani Fiqh jurisprudence of Imam Abu Hanifh. First edition. Dar Alkotob Allmeyah, Berott.thakiq: Abdul Karim Sami soldier.
62. Ibn Nojim, Zain Eddin Ibrahim al-Masri. Albahr Alraeq Sharh kanz Aldaqaeq. Dar Almarefa, Beirut.
63. Ibn Qotlobgha, Qasim. (1992 m). Taj Altrajm. First edition, Dar Alqalam, Damishq. Tahqeq: Mohammed Khayer Rammadan.
64. Ibn Qotlobgha, Qasim. (2002 m). Atasheh wa Atarjeh ala mokhtarsa El Kaddouri. First edition, Dar Alkotob Allmeyah. Beirut. Tahqeq: Zia Younis
65. Kadikhan, Hassan bin Mansour Aloozjendi. (1310). Fatawa Akhanih (fatwah Kadikhan). The printing press princely Bulaq. Egypt.
66. Kahalah, Omar Redah . (1414). Moa`gam Almoalefen. First edition. Alresalah Foundation, Beirut.
67. Mullah Jeon, Ahmed ibn Abi Said. (1316). Noor Alanwar Sharh Al-Manar. The printing press princely Bulaq, Egypt.
68. Qurashi, Abdul Qadir bin Mohammed. (1413) .Aljawaher Almodah in Alhanafyah layers, second edition. Alresalah Foundation. Beirut. Tahqeq: Abdel Fattah Alhelo.
69. Sader Alsharia, Obaidullah bin Masood. (2006). Sharh Alweqaya. Alwarraq Foundation. Amman. Tahqeq: Dr. Salah Mohammed Abu al-Haj.
70. Shaaban, Shaaban Mohammed Ismail. (1981 m). Jurisprudence history and his men. First edition. Dar Almarekh. Riyadh.
71. Sheikh Zadeh, Abdul Rahman bin Mohammed. (1316). Magma Alanhour Sharh Moultaqa Alabhour. Dar Altabaa`a ALamerah.
72. Tashkobra Zada, Ahmed Bin Mustapha. (1405). Moftah Alsa`adah wa Mesbah Alseyadah. First edition. Dar Alkootob Alelmyah. Beirut.
73. Tashkobra Zada, Ahmed Bin Mustapha. (1975). Alshaqaeq Alnomanya in scientists in the Ottoman Empire. Arab Book House, Beirut.
74. The committee is made up of several scientists and scholars in the Ottoman Empire. ladleyah. Karkanh Tejarat Kottob, Aram Bagh, Karachi. Tahqeq: Najib Hoowiny, Noor Muhammad.
75. Zarkali, Khayer Aldeen. (2002). Ala`alam. Fifteenth edition. Dar Alelm for millions.
* * *