الجزء 1 · صفحة 1
الكتاب: البدور المضية في تراجم الحنفية
تأليف: محمد حفظ الرحمن بن محب الرحمن الكُمِلَّائي
الناشر: دار الصالح (القاهرة - مصر)، مكتبة شيخ الإسلام (دكا - بنجلاديش)
الطبعة: الثانية، 1439 هـ - 2018 م
عدد الأجزاء: 23 (آخر 2 فهارس)
[ترقيم الكتاب موافق المطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 4 رمضان 1443
الجزء 1 · صفحة 2
1
البُدُورُ المَضِيَّةُ في تَراجِمِ الحَنَفِيَّةِ
للإمَام الفَقِيهِ المُحَدِّث الشيخِ الأستاذُ المُفتِي
محمد حفظ الرحمن بن الشيخ العلامة محب الرحمن الكملائي
رئيس دار الإفتاء بالجامعة الرّحمانيّة العربية
داكا - بنجلاديش
دَارُ الصَّالِح
الجزء 1 · صفحة 3
2
نِيَّاتُ قِرَاءَةِ الكِتَابِ (*)
اللَّهُمَّ إِنِّي أُقَدِّمُ إلَيْكَ بَينَ يَدَي كُلِّ نَفَسٍ وَلَمَحَةٍ وَطَرْفَةٍ يَطرِفُ بِهَا أَهلُ السَّمَاوَاتِ وَأَهلُ الأرضِ، وَكُلِّ شَيءٍ هُوَ في عِلْمِكَ كَائِنٌ أَوْ قَدْ كان.
أُقَدِّمُ لَكَ بَيْنَ يَدَي ذَلِكَ كُلِّهِ ..
نَوَيتُ بِالتَّعَلُّمِ وَجْهَ الله تَعَالَى، وَنَشْرَ الْعِلْمِ، وَتَعلِيمِهِ، وَبَثَّ الْفَوَائِدِ الشَّرْعِيَّةِ، وتَبْلِيغَ أَحْكَامِ اللهِ تَعَالَى، وَالازدِيادَ مِن العِلمِ، وَإِحْيَاءَ الشَّرع الشَّرِيف، وَدَوامَ ظُهُورِ الْحَقِّ، وَخُمُول الْبَاطلِ، وَإِظهَارَ الصَّوَابِ، والرُّجُوعَ اِلَى الْحَقِّ، وَالاجْتِمَاعَ عَلَى ذِكْرِ اللهِ تَعَالى، وَالدُّعَاءَ لِلْمُسْلِمينَ، ولِلسَّلَفِ الصَّالحِينَ، وَدَوَامَ خَيِرْ الأُمَّةِ، بِكَثْرَةِ عُلُمَائِهَا، وَاغتِنَامَ ثَوَابِهِمْ، وَتَحصِيلَ ثوَابَ مَن يَنتَّهِي إلَيْهِ هَذَا الْعِلْمُ، وَبَرَكَةَ دُعَائِهِمْ لِي وَتَرَحُمُهُمْ عَلَيَّ، ودُخُولِي فيِ سِلْسِلَةِ الْعِلْمِ بَينَ رِسُولِ الله صَلَّى اللهُ تعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّم، وَبْنَهُمْ، وعِدَادِي في جُمْلَةِ مُبَلِّغِي الوَحْي، وَأَحْكَامِهِ، وَإِزَالَةِ الجْهْلِ عَنْ نَفْسِي وَعَنْ غَيْرِي لله تَعَالَى.
وَشُكْرَ اللهِ عَلَى نِعَمِهِ: الصِّحَّةِ، وَالْعَقْلِ، والمَال، وَ. . . . . . وَ. . . . . . وَ. . . . . .
(*) دار الصالح.
الجزء 1 · صفحة 4
5)
مقدمة الطبعة الثانية
الحمدُ لله حمد الذاكرين والشاكرين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد؛ فهذه الطبعة الثانية من كتابي "البدور المضية في تراجم الحنفية"، وقد أنعم الله عليَّ بإعادة طبعه مزيدًا من التحقيق والتدقيق، منقّحًا من التصحيف والتحريف، الذي بقي في طبعته الأولى، مع ما كنت بذلت من أقصى الجهد في تنقيحها وتصحيحها، فالحمد لله جَلَّ وعَلَا، الذي يسَّر وأعان.
هذا، وقد لقي الكتاب قبولًا كريمًا من القرَّاء وطلبة العلم، والفضل لله وحده والحمد له، وتلقيت كلمات كثيرة من كبار العلماء، تخصه بالتقدير والثناء، ونفدت طبعته الأولى في وقت قصير لم يكن مقدَّرًا أن تنفد فيه، ولما كثر الطلب عليه رأيت إعادة طبعه، وحرصت أن يخرج في حلَّة قشيبة جميلة محبَّبة إلى القرَّاء، ليبقى محافظًا على سمته الرفيع، الذي خرج فيه في طبعته الأولى.
والله تعالى هو ولي التوفيق والسداد، بيده الهدى والرشاد، نرجو منه أن يتقبل هذا الكتاب، ومن ساعدني في هذا الصدد. آمين.
محمد حفظ الرحمن بن الشيخ العلامة محب الرحمن الكملائي
رئيس دار الإفتاء بالجامعة الرّحمانيّة العربية - داكا - بنجلاديش
17 ربيع الثاني 1439 هـ
الجزء 1 · صفحة 8
8)
ترجمة مؤلف الكتاب
الشيخ الفاضل مولانا محمد حفظ الرحمن بن العلامة محب الرحمن بن القاريء المقريء سمير الدين بن الشيخ سليمان بن علي محمود بن شيخ فطن بن محمود حسين المِيَانْجِي الكُمِلَّائي البَنْغَلادِيْشِي.
من بيت العلم والفضل، كان أبوه ممن تخرَّجَ على شيخ الإسلام المحدث الكبير السيد حسين أحمد المدني رحمه الله تعالى، وقد أجازه في السلوك والطريقة، وكان من شيوخه أستاذ العلماء العلامة رسول خان الهزاروي، والمفتي الأعظم عزيز الرحمن الديوبندي صاحب "الفتاوى العزيزية"، والعلامة السيد أصغر حسين الديوبندي، والعلامة إبراهيم البلياوي، صاحب "ضياء النجوم" والعلامة إعزاز علي الأمروهوي، صاحب "نفحة العرب" والمفتي الأعظم محمد شفيع، صاحب "معارف القرآن" رحمهم الله تعالى، وكان جده من الأب القاريء سمير الدين من أخص تلامذة شيخ القراء القاريء المقريء الشيخ إبراهيم الأجانوي رحمه الله تعالى، وجده من الأم العلامة غياث الدين الرئيس الأعلى للمدرسة الإسلامية بـ "نواخالي" كان من أرشد تلامذة شيخ الهند محمود حسن الديوبندي، ومن زملاء شيخ الإسلام السيد حسين أحمد المدني رحمهم الله تعالى.
ولد المؤلفُ في السادس والعشرين من رمضان المبارك سنة سبع وسبعين وثلاثمائةِ بعد الألف من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام في مولوي باري، من قرية "فِنُوَا الشمالية، من "أتَّرْ حَوْلَا"، من مضافات "لَكْسَام" من أعمال "كُمِلَّا" من أرض "بَنْغَلادِيش"، فنشأ فيها، وترعرع، ودأب، وحصل.
قرأ مبادئ العلم على أبويه الكريمين، ثم التحق بالمدرسة الفرقانية أمام داره، التي أسَّسها أحد أجداده من الأب العلامة آفتاب الدين رحمه الله
الجزء 1 · صفحة 9
9)
تعالى، وكان من خرّيجي مظاهر العلوم سهارنبور. وهو الذي أسَّس دار العلوم برورا، كملا، وهي من أكبر الجامعات وأقدمها في هذا البلد، وهو ممن أجازه شيخ القرَّاء الشيخ إبراهيم الأجانوى في الطريقة والسلوك.
قرأ المؤلف القرآن الكريم مع التجويد والإتقان فيها على أعمامه الثلاث: المولوى عبد الودود بن القارئ حمير الدين، والحافظ يوسف بن العلامة آفتاب الدين، والمولوي عبد المتين بن مولانا منير الدين، رحمهم الله تعالى، وقرأ أيضا الكتب الأردية الابتدائية عليهم.
ثم التحق بالمدرسة العصرية سنة ست وثمانين وثلاثمائة بعد الألف، فقرأ العلوم العصرية إلى الصف السابع في عدة أساكيل، ونجح في سائر الامتحانات بدرجة الامتياز بفضله جل وعلا، ثم التحق بالمدرسة الإسلامية الحسينية الواقعة بمنشير هات سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة بعد الألف، وقرأ فيها سنتين، ومن أساتذته فيها مولانا عبد المنَّان البَرَلَّاوي، رحمه الله تعالى: قرأ عليه "الميزان"، و"المنشغب" في علم التصريف، ومولانا صفى الله الأتِيَا باروي، حفظه الله تعالى، قرأ عليه الكتب الابتدائية في اللغة الفارسية، منها: "فارسى كي بهلي كتاب"، و"الكلستان" للشيخ مصلح الدين الشيرازي المعروف بسعدي، و"نحو مير" للسيد الجرجاني، و"شرح مائة عامل"، وغيرها من الكتب، ومولانا عاصم بالله بن العلامة المحدث دلاور حسين الفِنُوَائى، رحمه الله تعالى، قرأ عليه "كريما" في الأشعار الفارسية للشيخ مصلح الدين الشيرازي، وعدة كتب من الأردية، ومولانا صالح أحمد البَرَلَّاوي رحمه الله تعالى، قرأ عليه "بهمشتي زيور" في الفقه لحكيم الأمة الإمام أشرف على التهانوي رحمه الله تعالى، ومولانا عبد الله الأتَّرْحَولَاوي، حفظه الله تعالى، قرأ عليه عدة كتب ابتدائية.
ثم سَارَ إلى "جاتجام" سنة خمس وتسعين وثلاثمائة بعد الألف، والتحق بالمدرسة حامي السنة كيخل، التي أسّسَها المفتي الأعظم محمد فيض الله الجاتجامي، تلميذ الإمام الكشمميري، صاحب "فيض الباري شرح البخاري" رحمهما الله تعالى، وقرأ فيها خمس سنين متوالية.
الجزء 1 · صفحة 10
10)
من شيوخه فيها مولانا عزيز الله النواخالوي، رحمه الله تعالى، قرأ عليه "نحو مير" للسيد الجرجاني، و"شرح مائة عامل" للعلامة عبد القاهر الجرجاني، و"كلستان" لمصلح الدين الشيرازي، و"مفيد الطالبين" في الأدب العربي، و"فيض الكلام"، و"هدية العباد" للمفتي الأعظم فيض الله الجاتجامى، ومن شيوخه فيها المفتي سيف الإسلام السنديفى رحمه الله تعالى، قرأ عليه عدة أوراق من أوائل "نحو مير"، والمفتي غلام قادر الساتكانوي، حفظه الله تعالى، قرأ عليه "أخلاق محسني" للكاشفي في الأدب الفارسى، و"هداية النحو"، و"نور الإيضاح"، و"أصول الشاشي" في أصول الفقه، ومولانا مظفر حسين الميخلى، رحمه الله تعالى، قرأ عليه "المختصر" في الفقه الحنفي للإمام القدوري، و"كنز الدقائق" في الفقه الحنفى، ومولانا نعمان الميخلى، حفظه الله تعالى، صاحب المؤلفات الكثيرة، قرأ عليه "علم الصيغة" للمفتي عنايت أحمد الكاكوروي، و"الصغرى"، و"الأوسط"، و"الكبرى" في المنطق للسيد الجرجاني، و"ميزان المنطق"، و"نفحة اليمن" في الأدب العربي، و"شرح الكافية" للملا الجامي، ومولانا الحافظ عزيز الرحمن الميخلى، رحمه الله تعالى، قرأ عليه "الميزان"، و"المنشعب"، و"بنج كنج"، و"زبده" في علم التصريف، و"الكافية" لابن الحاجب، و"شرح الجامي" بحث الفعل، وشرح التهذيب لليزدي في المنطق، والمفتي إبراهيم الميخلي، حفظه الله تعالى، قرأ عليه "بوستان" للشيخ مصلح الدين الشيرازي، و"نفحة العرب" في الأدب العربي، ومولانا يوسف رحمه الله تعالى، قرأ عليه "المرقاة" في المنطق، و"قصيدة الإمام البوصيري" رحمه الله تعالى.
ثم التحق سنة أربعمائة وألف من الهجرة بأكبر الجامعات في "بنغلاديش" وهي الجامعة الأهلية دار العلوم معين الإسلام هاتهزاري، التي أسَّسَها العلامة البارع الداعي الكبير مولانا حبيب الله القريشى سنة 1320 هـ، وكان تلميذا خاصا للإمام حكيم الأمة أشرف علي التهانوى رحمه الله تعالى.
قرأ فيها أيضا خمس سنين متوالية، فمن شيوخه فيها: العلامة المحدث الكبير عبد العزيز رحمه الله تعالى، قرأ عليه "الصحيح" للإمام البخاري، و"الجامع" للإمام الترمذي، والمفتي الأكبر العلامة أحمد الحق المجاز الخاص
الجزء 1 · صفحة 11
11)
من شيخ الإسلام السيد حسين أحمد المدني، رحمه الله تعالى، قرأ عليه الجزء الأول والثاني من "الهداية" للإمام المرغيناني، و"الموطأ" للإمام محمد، و"الصحيح" للإمام مسلم بن الحجَّاج القُشَيري، والعلامة محمد حامد، رحمه الله تعالى، قرأ عليه الجزء الأول من "تفسير الجلالين" المحلّي والسيوطى، والجزء الأول من "السنن" للإمام أبي داود السجستاني، والعلامة حافظ الرحمن رحمه الله تعالى، قرأ عليه "نور الأنوار" في أصول الفقه، والجزء الثاني من "تفسير الجلالين" المحلّي والسيوطى، والعلامة أبو الحسن البابونغرى، رحمه الله تعالى، صاحب "تنظيم الأشتات في حل عويصات المشكاة"، و"تنظيم الدراية في حل عويصات الهداية"، قرأ عليه عدة أحاديث من أوائل "السنن" للإمام النسائي، ومن أوائل "قاضى مبارك" في المنطق، والعلامة الأديب محمد علي النظامبوري، رحمه الله تعالى، صاحب "مرآة الأماليح في شرح مشكاة المصابيح"، و"العقد الفرائد على شرح العقائد" للإمام النسفى، قرأ عليه "شرح العقائد النسفية"، و"المقامات" للعلامة الحريري، والعلامة شيخ الإسلام أحمد شفيع صاحب المصنفات الكثيرة حفظه الله تعالى، وبارك في حياته، شيخ الجامعة وشيخ الحديث لها، مجاز شيخ الإسلام السيد حسين أحمد المدني، قرأ عليه "ديوان الحماسة"، و"المعلقات السبع" في الأدب العربي، و"الصدرا"، و"الشمس البازغة" في الفلسفة، والجزء الأول من "مشكاة المصابيح" للخطيب التبريزي، و"الشمائل" للإمام الترمذي، و"السنن" للإمام النسائي، والحديث الأول والحديث الآخر من "صحيح البخاري"، والعلامة عبد الحق المدَارْشَاهي رحمه الله تعالى، قرأ عليه "شرح الوقاية" في الفقه، و"الميبذي" في الحكمة، والجزء الثاني من "مشكاة المصابيح"، والعلامة محمد هارون الهاتهزاروي رحمه الله تعالى، قرأ عليه "الأمور العامة"، و"السنن" لابن ماجه، والعلامة محمد قاسم الفتحبُوري رحمه الله تعالى، قرأ عليه "القطي"، و"الميرقطي" في المنطق، "مختصر المعاني" في علم المعاني والبيان للتفتازاني، والجزء الثالث والرابع من "الهداية" للمرغيناني، و"حجة الله البالغة" لإمام الهند الشماه ولي الله الدهلوي، و"التصريح"، و"أوقليدس"، و"شرح
الجزء 1 · صفحة 12
12)
جغميني"، و"شرح معاني الآثار" للإمام أبي جعفر الطحاوي، والجزء الثاني من "السنن" لأبي داود السجستاني، والعلامة شيخ أحمد حفظه الكه تعالى، قرأ عليه "سلَّم العلوم"، و"ملا حسن"، و"القاضي مبارك"، و"حمد الله"، وحصة من أواخر "شرح العقائد" للنسفي، و"حاشية العلامة الخيالي" على شرح العقائد، و"ديوان المتن"، و"لامية المعجزات"، و"التوضيح" مع "التلويح"، و"مسلَّم الثبوت" في أصول الفقه، وحصة من أوائل الجزء الثالث من "الهداية"، و"موطأ الإمام مالك".
بعد إتمام الدراسة التحق بإرشاد شيخه وأستاذه العلامة أحمد شفيع حفظه الله تعالى بدار العلوم برورا سنة خمس وأرلعمائة بعد الألف، التي هي من أكبر الجامعات، وأقدمها بعد جامعة هاتهزاري، درس فيها سنة واحدة، ثم ارتحل إلى "باكستان" سنة ست وأربعمائة بعد الألف، والتحق بقسم التخصص في الفقه الإسلامي في جامعة العلوم الإسلامية علامه بنوي تاؤن كراتشى، ومن شيوخه فيها المفتي الأعظم ولي حسن خان التونكي، الذي أجازه في الطريقة والسلوك شيخ الحديث زكريا الكاندهلوي، صاحب "أوجز المسالك في شرح موطأ الإمام مالك"، قرأ عليه مقدمة "الدر المختار" للعلاء الحصكفي، والعلامة المحدث الناقد عبد الرشيد النعماني، صاحب المصنفات الكثيرة الممتعة، منها: "ما تمس إليه الحاجه لما يطالع سنن ابن ماجه"، ألَّفَ تحتَ إشرافه مقالته التي عنوانها: "ما ينبغي به العناية لمن يطالع الهداية"، والعلامة المفتى عبد السلام الجاتجامي، صاحب "جواهر الفتاوى"، كتب تحت إشرافه الفتاوى والفرائض، والتحق في آخر السنة الثانية بامتحان تكميل الحديث تحتَ وفاق المدارس العربية باكستان، وفاز بدرجة الامتياز.
ثم وصلَ إلى وطنه الأليف سنة ثمان وأربعمائة بعد الألف، والتحق بالمدرسة السابقة، إلتي كان يدرس فيها، واشتغل بالتدريس والإفادة والتصنيف والتأليف، وكان يدرس فيها "كافية ابن الحاجب"، و"شرحه" للعلامة الجامي، و"سلم العلوم"، و "ملا حسن"، والجزء الثالث لـ"لهداية"، و"تفسير البيضاوي"، والجزء الأول من "مشكاة المصابيح"، و"الموطأ" للإمام
الجزء 1 · صفحة 13
13)
محمد، و"السنن" للإمام النسائي، و"الصحيح" للإمام مسلم القشيري، وغيرها من الكتب الدراسية، وأقام على هذه الخدمة الجليلة خمس عشرة سنة، وعين أمين التعليم سنة خمس عشرة وأربعمائة بعد الألف، وأقام على هذا المنصب الجليل خمس سنين، ثم فارق منها، والتحق بالجامعة الرحمانية العربية داكا، التي هي من أشهر الجامعات في بنغلاديش سنة عشرين وأربعمائة بعد الألف، وبعد سنة عين رئيس دار الإفتاء، ويدرس فيها "شرح الكافية" للجامي، والجزء الثالث من "الهداية" للمرغيناني، والجزء الأول من "الصحيح" للإمام مسلم القشيري، وكان يدرس "الصحيح" للإمام البخاري خلال هذه المدة في الجامعات المختلفة، منها: الجامعة الإسلامية لالْ مَاتِيا، والجامعة الإسلامية بيت الفلاح، ومظهر العلوم ميرفور، والجامعة الإسلامية العربية ميرفور، وغيرها من المدارس العربية الإسلامية.
ألف كتبا ممتعة كثيرة، باللغة البنغالية والعربية، فأفاد، وأجاد، ومن مؤلفاته العربية: "التعليقات" على أصول الإفتاء، لشيخ الإسلام العلامة محمد تقي العثماني، صاحب "تكملة فتح الملهم" شرح صحيح مسلم، و"مكانة أبي حنيفة في الفقه والحديث"، و"التعليقات" على فقه أهل العراق وحديثهم، الذي ألَّفَه الإمام محمد زاهد بن الحسن الكوثري رحمه الله تعالى تقدمة على "نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية"، و"ما ينبغى به العناية لمن يطالع الهداية"، و"معجم الفقيه والمتفقه"، و"الدرر المنتقاة على مقدمة الشيخ"، و"فتح الودود على شرح العقود"، و"الروض النضير على النافع الكبير"، و"الإمام محمد وكتابه الجامع الصغير"، و"الإمام القدوري وكتابه المختصر"، و"البدر المنير على الفوز الكبير"، و"البدور المضية في تراجم الحنفية"، وغيرها، من الكتب النفيسة.
وهو الآن في عقد الستين، أطال الله بقاءه بالعمر المديد، والعيش الرغيد، آمين.
الجزء 1 · صفحة 14
14)
التقاريظ
تقريظ المحدث الجليل والفاضل النبيل العلامة البارع الشيخ أبي القاسم النعماني، حفظه الله تعالى ورعاه، الرئيس الأعلى لأزهر الهند دار العلوم، ديوبند، الهند.
?
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسيلن، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى الأئمة المتبوعين، الذين حذوا حذوَهم في فهم القرآن والحديث، خصوصا على الإمام الهمام أبي حنيفة النعمان، وتلامذته وأصحابه، الذين بذلوا جهودَهم في نشر علوم القرآن والسنة.
وبعدا فإن مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان يعدّ من المذاهب الحقّة، التي انتشرتْ في البلاد شرقا وغربا، قديما وحديثا، وهو أكثر المذاهب تبعا، وأوفرها رجالا، وإن العلماء الحنفية لهم سعى مشكور في خدمة الحديث النبوي وعلومه، لكن الحَسَدة الجَهَلة يغضّون أبصارَهم عن خدماتهم ومساعيهم، خصوصا في مجال الحديث الشريف وعلومه، يكثرون الغوغاء، ويقولون ما يقولون.
فمست الحاجةُ إلى تأليف مجموعة تكشفُ عن براعة الحنفية في الحديث النبوي، وخاصة في هذا العصر الراهن، لكثرة المطاعن والمثالب من بعض الجَهَلة اللامذهبية، فنحمد الله ونشكره على أنه وفّق الأخ المكرم محمد حفظ الرحمن الكملائي لهذا العمل الجليل، فصنّف كنابا حاويا، هو شفاء العليل بل الغليل، وسماه "البدور المضية في تراجم الحنفية"، ورتبه على ترتيب الحروف الهجائية، ليكون سهل المنال والإفادية.
وهذا كله بإشارة شيخه المحدث الكبير الشيخ عبد الرشيد النعماني - تغمده الله بغفرانه - فكفى لهذا الكتاب استنادا واعتمادا، إني وإن لم أطالع
الجزء 1 · صفحة 15
15)
هذا الكتاب مباشرة لكثرة الاشتغال، لكني أثق أنه كتاب جامع، شامل في موضوعه.
نسال الله جلَّ وعلا أن يديم نفعَه إلى يوم القيامة، ويعمّم فيضه في الدنيا والآخرة، ويكون سدا لباب المطاعن على الحنفية، وأن يوفّق المؤلف لمزيد من العمل البناء، وخدمة العلم وأهله، وما ذلك على الله بعزيز.
* * *
تقريظ المحدث الكبير الفقيه الضليع الجهبذ العلامة المفتي سعيد أحمد البالنبوري، حفظه الله ورعاه، شيخ الحديث بدار العلوم ديوبند، وصدر المدرسين بها.
?
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد، وآله وصحبه أجمعين، ومن تبعَهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد! فإن العلماء الحنفيين لهم دور بارز في الفقه، وجهد مشكور في الحديث وعلومه، ولما كان الجانب الحديثيّ قد يختفي على بعض
الجزء 1 · صفحة 16
16)
الأذهان لكثرة اشتغالهم بالفقه وفنونه، ويجعله الحَسَدَة ذريعة إلى النيل منهم مسّت الحاجةُ إلى تأليف كتب تكشف عن براعة الحنفية في الحديث النبوي الشريف، لا سيما في العصر الراهن، فالناس في أمسّ حاجة إلى ذلك لكثرة الغوغاء من بعض الجهَلَة اللامذهبية.
وقد قدم إليَّ الأخ محمد حفظ الرحمن الكملائي البنغلاديشي صفحات من كتابه القيّم: "البدور المضية في تراجم الحنفية"، الذي ألَّفه بإشارة المحدث الكبير عبد الرشيد النعماني رحمه الله تعالى، وبذل في جمعه وترتيبه أقصى مجهود عبر مدة طويلة.
وإني وإن لم أجدْ فرصة للاستفادة من هذا الكتاب، لكننى واثق بحسن جمعه وجودة ترتيبه اعتمادا بالصلة، التي كانتْ بينه وبين المحدث الجليل عبد الرشيد النعماني رحمه الله تعالى، حيث أعدّ تحت إشرافه مقالة علمية، وشرع في تأليف هذا الكتاب بإشارته.
أسأل الله العظيم أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، ويحقّق به أمنية شيخه النعماني رحمه الله تعالى، آمين، يا رب العالمين.
الجزء 1 · صفحة 17
17)
تقريظ شيخ الإسلام المحدث الكبير الفقيه البارع العلامة الشاه أحمد شفيع، حفظه الله تعالى ورعاه، الرئيس الأعلى وشيخ الحديث لأكبر الجامعات في بنغلاديش، الجامعة الأهلية دار العلوم معين الإسلام هاتهزاري، جاتجام، بنغلاديش.
?
الحمد لله الذي أعلى منازل الفقهاء، ووفَّقهم في خدمة الشريعة السمحة البيضاء، والصلاة والسلام على سيّد الأنبياء، وعلى آله الأتقياء، وأصحابه الأصفياء، أما بعد! فإن علم التاريخ وسير الأفراد من العلوم التي يُحتاج إليها، إذ به يعرف الخلف أحوال السلف، وبه يُعرف الوفاء ومحاسن الأخلاق، وتجد الأجيال دراسة للحياة، وزادا للمعاد.
قال تعالى حكاية عن إبراهيم الخليل ?: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ}.
قال محمد على الصابوني ? في تفسيره: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ} أي: اجعل ذكرا حسنا، وثناء عاطرا، {فِي الْآخِرِينَ} أي فيمن يأتي بعد إلى يوم القيامة، أذكر به، ويقتدي بي، فاستجابَ الله دعاءَه، فوهب له من العلم والحكم، وجعله مقتدى في جميع الملل في كل الأوقات، ونالت هذه الأمة ما يقتدي به له.
فلا شك أن تراجم الرجال مدارس الأجيال، وهذا الفن الشريف من أفضل الفنون، التي تحفظ أنساب الأفراد من أن تُنْسَى، قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ}، وقال تعالى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}.
الجزء 1 · صفحة 18
18)
ورحم الله الإمام الصفدي، حيث قال: والتاريخ للزمان مرآة، وتراجم العالم للمشاركة في المشاهدة مرقاة، وأخبار الماضين لمعاقر الهموم ملهاة.
وربما أفاد التاريخ حزمًا وعزمًا، وموعظةً وعلمًا، وهمةً تذهب همًا، وبيانًا يزيل وهنًا ووهمًا، وجيلًا تثار للأعادي من مكامن المكايد، وسبلًا لا تعرج بالأماني إلى أن تقع من المصائب في مصايد، وصبرًا يبعثه التأسّي بمن مضى، واحتسابًا يوجب الرضا بما مرّ، وحلا من القضا، {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ}، فكم تشبث من وقف على التواريخ بإذيال معال تنوعت أجناسها، وتشبه بمن أخلده خموله إلى الأرض، وأصعده سعده إلى السهى، لأنه أخذ التجارب مجانًا من أنفق فيها عمره، وتجلت له العبر في مرآة عقله، فلم تطفح لها من قلبه جمرة، ولم تسفح لها في خده عبرة، {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.
ولقد أدرك العقلاء والفضلاء أهمية علم التراجم وسير الأفراد، لأن ذكر رجالات الأمم والبلدان فيه إحياء الأولين والآخرين من علمائها ... ، فإن ذكرها حياة جديدة، و {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}.
ومن فوائد التراجم: حسن الاقتداء بمن سلف، قال الحافظ ابن الجوزي: واعلم أن في ذكر السير والتواريخ فوائد كثيرة، أهمها فائدتان: أحدهما أنه إذا ذكرت سيرة حازم، ووصفت عاقبة حاله، أفادت حسن التدبير، واستعمال الحزم، وإن ذكرت سيرة مفرط، ووصفت عاقبته، أفادت الخوف من التفريط، فيتأدّب المتسلط، ويعتبر المتذكر، ويتضمن ذلك شحذ صوارم المعقول، ويكون روضة للمتنزه في المنقول.
الجزء 1 · صفحة 19
19)
إن صاحبي وتلميذي الخاص المفتي محمد حفظ الرحمن الكُمِلَّائي الذي قرأ عليَّ عدة كتب من الكتب الدراسية، حينما كان طالبا في الجامعة الأهلية دار العلوم معين الإسلام هاتهزاري، منها: "ديوان الحماسة"، و"المعلقات السبع" في الأدب العربي، و"الصدرا"، و"الشمس البازغة" في الحكمة والفلسفة، والجرء الأول من "مشكاة المصابيح"، و"الشمائل" للإمام الترمذي، و"السنن" للإمام النسائي، والحديث الأول والآخر من "صحيح البخاري"، واستجازَ مني روايةَ الحديث، فأجزتُه، وإنه ألف عدة كتب نفيسة في العربية، والآن يقدم إليَّ كتابه "البدور المضية في تراجم الحنفية"، جع فيه أماثل الفضلاء وأفاحل العلماء من السادة الحنفية من قديم الزمان إلى العصر الراهن، فطالعتُ عدة مواضع منها، فأشكر له من صميم فؤادي، لأنه أبدى لدى أهل العلم هذه الموسوعة الكبرى التي تشتمل على تراجم الحنفية في البلدان العامة لا سيما في بنغلاديش والهند وباكستان، الذين كانوا مختفين في كنز مخفي، ولم تدر الدنيا خدماتهم الجليلة، فجزاه الله عنا وعن جميع المستفيدين منه إلى يوم الدين، تقبل الله هذه الخدمة العظيمة، وجعلها نافعة للأجيال المستقبلة. آمين.
الجزء 1 · صفحة 20
20)
تقريظ المحدث الكبير بحر العدوم العلامة نعمة الله الأعظمي الهندي أستاذ الحديث بدار العلوم ديوبند الهند
?
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد! فإن مما يبعث الفرحَ والسرورَ أن إخواننا من بنغلاديش المتضلِّعين في علوم الدين يعنون بخدمة السنَّة - بجانب عنايتهم بالفقه - عنايةً بالغةً، ويَتنوَّعون في خدمتها تنوُّعًا حسنًا، فقد طلعتْ في الأيام الأخيرة تأليفات مُتنوِّعة، كلُّها تهدف إلى خدمة السنة المشرَّفَةِ، وهذه سلسلةٌ مشكورةٌ قدَّرَ اللهُ لها النفعَ والقبولَ والدوامَ.
ومن تلك السلسلة الذهبية هذا الكتاب البسيط الجامع "البُدور المضيَّة في تراجم الحنفيَّة" للشيخ محمد حفظ الرحمن الكملائي، وهي موسوعةٌ للرجال الحنفية، الذين لهم دَوْرٌ بارزٌ في الفقه والحديث أو أحدِهما، وقد رأيتُ جزءًا منه، فوجدتُه نافعًا.
أسأل اللهَ تعالى أن يَجْعَلَه نافعًا، ويُقَدِّرَ له القبولَ، ويجعله ذُخْرًا لمؤلِّفِهِ آمين، يا رب العالمين.
الجزء 1 · صفحة 21
21)
تقريظ العلامة الكبير المحدث النبيل مولانا محمد عاقل، حفظه الله تعالى، صدر المدرسين، وأستاذ الحديث الشريف بمظهر العلوم، سهارنبور، الهند.
?
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد!
فقد أرسل إليّ أخي في الله الشيخ محمد حفظ الرحمن الكملائي البنغلاديشي طائفة من كتابه: "البدور المضية على تراجم الحنفية"، وطلب مني أن أقرظ له بكلمات، فأقول - وبالله التوفيق -:
إني رأيت قطعة من المجلد الثاني للكتاب، فوجدت أن مؤلّفه قد وفّق - بعون الله تعالى - فترجم لكل من ورد ذكرُه في كتب التراجم من علماء الحنفية: من أشهر أئمتهم إلى عامة أهل العلم منهم، حتى المعاصرين وأشباههم ترجمة عالم يرد ذكرُه في مجال العلم، ولا يجد هناك مصدرا يلقي ضوءً على شخصيته الذاتية، بل ربما لا يستطيع تحديد زمنه وتعيين طبقته، حتى تجمع لدى بعض العلماء فهرس لمساتير العلماء، الذين هم معروفون بأعمالهم العلمية، وفيضانهم العلمي، ومغمورة شهرتهم الشخصية والذاتية.
فالله أسأل أن يجزي عنا مؤلّفه، ويبارك في حياته، ويتقبل عمله هذا وسائر أعماله، والله ولي كل خير وتوفيق، وصلى الله تعالى على خير خلقه محمد وآله وأصحابه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وكتبه
محمد عاقل
(صدر المدرسين، أستاذ الحديث)
مظاهر العلوم، سهارنفور، يوبي، الهند.
التاريخ: 15/ 2/ 1438 هـ،
يوم الأربعاء
الجزء 1 · صفحة 22
22)
تقريظ العلامة الجهبذ الفقيه الضليع المفتي عبد السِّلام الجاتجامي حفظه الله تعالى ورعاه،
رئيس دار الإفتاء بجامعة العلوم الإسلامية، علامة بنوري تاؤن كراتشي، باكستان، سابقا، ورئيس دار الإفتاء بالجامعة الأهلية دار العلوم معين الإسلام هاتهزاري، بنغلاديش، حالا.
?
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين، محمد بن عبد اللّه، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعَهم بإحسان، ودعا بدعوتهم إلى يوم الدين، أما بعد!
فإن علم التاريخ هو علم جليل القدر وجدير الذكر، تزيّن به الأمة مستقبلها، وتضيئ أيامها القادمة، وتنهض به الأجيال الناشئة، وتعينها على السلوك في سبيل السواء والتقدم إلى مقابلة التحدّيات، خلال توضيح الحق على رؤوس الأشهاد.
وإن هذا الفن الميمون يتشعب بشعب متفرقة، وصنوف مشتتة، ومن أجلّها علم تراجم الكبار وأخبار الأخيار، من الأئمة المجتهدين، والعلماء العاملين، والفضلاء المحققين.
وإن المتقلدين بمذهب الحنفية من المذاهب الأربعة الحقة منهم الأئمة المجتهدون، والفقهاء المناضلون، والمحدّثون البارعون، وغيرهم من العلماء العاملين، والفضلاء المحققين، والأعيان الفاضلين، والمشايخ المعظمين، ولكن الأسف البالغ أننا لم نطلع على كثير من هؤلاء الأجلة الكرام والسادة العظام، فنشعر بالفراغ المؤلم والخلاء العظيم، وننتظر بكتاب يحتوي على تراجمهم رحمهم الله تعالى.
الجزء 1 · صفحة 23
23)
فمن بواعث الفخر والسرور ودواعي الفرحة والبحور أن أخي الفاضل تلميذي العزيز مولانا محمد حفظ الرحمن بن الشيخ العلامة محب الرحمن الكُمِلَّائي قد قام على إرشاد شيخه العلامة البحاثة الناقد عبد الرشيد النعماني رحمه الله تعالى رحمة واسعة بتأليف هذا المعجم الكبير، الذي يحتوي على تراجم السادة الحنفية والعلماء الأعزة، ويشتمل على أخبارهم، وفضائلهم، ومناقبهم، وذكر مؤلفاتهم، ومصنفاتهم، ومحاسن أشعارهم، ونوادر أخبارهم، وهو كتاب جليل فريد وحيد في تراجم الأجلة الحنفية في الدفة الواحدة.
قد سرحت النظر في بعض تراجمها، فوجدا متحلية بالفوائد النافعة والتراجم النادرة للعلماء الحنفية، ومرتبة على حروف المعجم، كترتيب أكثر المؤرخين، ليكون الانتفاع أسهل، والتحصيل أكمل، وإضافةً إلى ذلك أنه ضمن الملحقات الممتعة المفيدة، حتى صار معجما مزينا بالترتيب الأنيق، ومهذبا بتنسيقه البديع، وفائقا على جميع أمثال هذه المعاجم المصدَّرة حتى الآن، فللّه درّ المؤلّف، حيث أفاد، وأجاد بما يبرد به الأكباد، ويرضى عنه الأعيان.
وأدعو الله تعالى المولى الجليل أن يكثر فوائده، ويغزر عوائده، ويفتق به قريحة المعلمين والمتعلمين، ويجعله مرجعا للمحققين، ومفزعا للمدرسين، وغنيمة للمحصلين، ومطلبا للمستفيدين، كشفا لكرب الملهوفين.
وأدعو الله تعالى أن يجزي صاحبه أحسنَ الجزاء، ويوفقه للنهوض لمثل هذه الأعمال المثمرة المقبولة عند الله، وعند المصنفين، والراسخين في العلم، والشاهدين بالفضل، وأن يديم لنا وله العافية والتوفيق، ويرزقنا حسنَ الخاتمة، ويجمعَنا جميعا في دار النعيم. آمين.
كتبه
عبد السلام الجاتجامي
1 صفر الخير 1438 هـ.
الجزء 1 · صفحة 24
24)
تقريظ العلامة البارع المحدث الجليل مولانا حبيب الرحمن الأعظمي، أطال الله بقاءه، أستاذ دار العلوم ديوبند، الهند.
?
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وبعد!.
فإن نشؤ الفقه الإسلامي في صدر الإسلام، لكنه شبّ وترعرع في العصر العبّاسي، بل إذا قلنا: إن العصر العباسي هو عصر الفقه والفقهاء فلا نخطئ في قولينا.
وقد شهد التاريخ أن البلاد الإسلامية قد شهدت عديدا من المدارس الفقهية منذ عصر الصحابة والتابعين، فقد انتشر العلماء والفقهاء في مختلف الأمصار الإسلامية لنشر العلوم والثقافة الإسلامية، فكانوا يعلّمون أهل بلده الكتاب والسنّة، وهم الذين كانوا يتعرّضون للنوازل والواقعات، ويبحثون عن حكمها في كتاب الله وسنة رسوله، وكانوا يحكمون بينهم في قضاياهم، ومن الطبيعى أن تختلف آراؤهم في مثل هذه الأمور، وبقى اختلافهم هذا ينتقل من جيل إلى جيل، حتى نشأت مدارس الفقه المختلفة: الحنفية، والشافعية، والمالكية، والحنبلية.
ثم كان الفقهاء والعلماء في الأجيال المتلاحقة قد احتاجوا في البحث وتمحيص مسائل الفقه والحديث إلى الإسناد، لتعذر تميز قوتها من سقيمها بدونه، ولذلك فقد نشأ علم الرجال وتدوين طبقات العلماء، فقاموا بتدوين تراجم الفقهاء، وألَّف الشيخ أبو عبد الرحمن هيثم بن عدي الثعالبي (المتوفى 207 هـ) في ذلك "طبقات الفقهاء والمحدثين"، والشيخ عبد الملك بن حبيب المالكى (المتوفى 238 هـ) "طبقات الفقهاء والتابعين"، كما ألَّف الشيخ محمد بن عبد الملك، وأبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازى، وأبو الوليد سليمان بن خلف الباجي، وآخرون في طبقات الفقهاء.
الجزء 1 · صفحة 25
25)
ثم توجَّه العلماء إلى تدوين طبقات فقهاء المذاهب المختلفة في كتب مستقلة، فألَّف الإمام عمر بن علي، وتاج الدين علي بن أنجب الساعي، وآخرون في طبقات الفقهاء الشافعية، وصنَّف القاضي أبو الحسين وبرهان بن إبراهيم بن محمد اليماني في تراجم الفقهاء الحنابلة، والمالكية على الترتيب.
أما طبقات الحنفية فقد ألَّف فيها المتقدمون كتبا كثيرة، إلا أن معظمها ضاعتْ، ولم يبق الآن إلا أسماء مصنّفيها، راجع لأسماءهم "كشف الظنون"، نعم! قد بقيت بعضها محفوظة سالمة، مثل "أخبار أبي حنيقة وأصحابه" للشيخ حسين بن علي الصيمري، وقد طبع، ونشر هذا، ومن مؤلفات المتأخرين كتاب "الجواهر المضية في طبقات الحنفية" للحافظ عبد القادر القرَشي المتوفى 775 هـ، معروف متداول بين العلماء، ويوجد في المكتبات الإسلامية، ومن الكتب الجديرة بالذكر "تاج التراجم" للحافظ قاسم بن قطلوبغا المتوفى 879 هـ، وهو مقتبس من "الجواهر المضية".
ومن الكتب النافعة في هذا الموضوع "الأثمار الجنية في أسماء الحنفية" للملا علي القاري المتوفى 1014 هـ وهو مأخوذ أيضا من "الجواهر المضية"، وهكذا كتاب "الفوائد البهية في تراجم الحنفية" لمولانا أبي الحسنات عبد الحي الفرنكي المحلى المتوفى 1304 هـ، فهذه الكتب النافعة المحققة في موضوعها توجد في المكتبات الإسلامية، والحمد لله على ذلك. هذا، وكتاب "حدائق الحنفية" أيضا من الكتب الشاملة إلى حد كثير.
وعلى الرغم من ذلك، فلا نستطيع أن نقول: لسنا في حاجة إلى كتاب جديد في هذا الموضوع، فإن كل كتاب جديد يشتمل عموما على فوائد ومعلومات مفيدة ونافعة، ثم إن موضوع التراجم من أوسع الموضوعات نطاقا وانتشارا، فلا يمكن أن يأتي أحد في كتابه بما لا مزيد عليه، فإن الإمام الذهبي على عظمته وعلوّ كعبه في هذا الفن، ومكانته التي يعرفها كلُّ من يطالع تأريخَ الرجال لم يسلم تأليفُه من استدراكات العلماء عليه.
ثم إن الفقه الحنفي من بين المذاهب الفقهية قد ظفر - بفضل الله تعالى ومنه - من الانتشار والذيوع بما لم يظفر به غيره، فلا بد أن يكون عدد
الجزء 1 · صفحة 26
26)
العلماء والفقهاء فيه أكثر من غيره بكثير، فالحاجة ماسة إلى كتاب شامل لهم، وإلى من يصنفه.
وقد سرَّني كثيرا أن الشيخ محمد حفظ الرحمن بن العلامة محب الرحمن البنغلاديشي قد ألف كتابا أودعه - بصفة عامة - تراجم المحدثين والفقهاء الحنفية.
وجدير بالذكر أن المؤلف الفاضل من تلاميذ المحدث المعروف، والباحث المشهور، ذي الرأي والبصيرة الضيخ عبد الرشيد النعماني، وقد ألفَ هذا الكتاب بإيعاز منه وإرشاده، فلذا نقول بثقة أن الكتاب سيكون إضافة قيّمة إلى فهرست تراجم الحنفية.
ندعو الله يضع للكتاب ومؤلفه حسن القبول بين عباده، آمين.
تقريظ العالم الجليل الفاضل النبيل المحدث بن المحدث محمد جنيد البابونغري، حفظه الله تعالى، ورعاه، أستاذ الحديث وعلومه بالجامعة الأهلية دار العلوم معين الإسلام هاتهزاري.
?
نحمد الله العلى العظيم، ونصلى ونسلم على رسوله الكريم، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
الجزء 1 · صفحة 27
27)
أما بعد! فإن من بواعث السرور والفرحة أن أخانا الفاضل محمد حفظ الرحمن الكملائي الذي هو أحد الفضلاء من الجامعة الأهلية معين الإسلام هاتهزارى حفظه الله تعالى ورعاه ورئيس دار الإفتاء في أشهر الجامعات في داكا الجامعة الرحمانية العربية، وصاحب التآليف الكثيرة من الكتب العربية الدرسية وغيرها قد صنَّف كتابا حاويا على تراجم أجلة العلماء الحنفية من أعظم الأئمة وسراج الأمة الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى إلى العلماء المعاصرين في العهد الحاضر.
وقد سرحت النظر في صفحات من هذا الكتاب، فسررت به سرورا بالغا، لا أستطيع أن أبين بلساني، ولا أطيق أن أصف بكلامي، فوجدته ممتلأ بالفراغ العظيم، الذي نشعر به طوال أيام كثيرة، وغنيمة مفيدة غاية الفائدة لطالبي العلوم الشرعية، المشتغلين في الفتاوى والحديث والتفسير والقارئين في الدراسات العليا في خارج البلاد وداخلها، وقريحة ميمونة للعلماء والمحدثين والمفتين والباحثين في مشارق الأرض ومغاربها، فنشكر له تعالى شكرا جزيلا من سوداء قلبي، حيث وفِّق المؤلف العلام لهذة الخدمة الجليلة، ونشكر المؤلف أيضا، حيث بذل تمام جهده لهذا العمل الجليل.
نسأل الله تعالى أن يحييه حياة طيبة مباكة، وندعو الله تعالى أن يهديه إلى الصراط المستقيم حتى أتاه اليقين، آمين يا رب العالمين، وصلى الله تعالى على رسوله الأمين.
الجزء 1 · صفحة 28
28)
تقريظ العالم الجلبل مولانا عبد الله المعروفي، حفظه الله تعالى، مشرف قسم التخصص في علوم الحديث بدار العلوم ديوبند، الهند.
?
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد!
فإن العلماء الحنفية لهم دور بارز في خدمة الحديث النبوي الشريف، وسائر العلوم الإسلامية، ولا يخفى على أحد خدماتهم الفقهية.
وقد توالت السلسلة التأليفية في تراجم الحنفية: حفاظهم ومحدثيهم وفقهائهم، فمن باسط وآخر موجز، وهذه سلسلة مشكورة - جزى الله عن جميع المسلمين كل مَنْ ساهمَ فيها.
وقد وقفنا في الأيام الأخيرة على كتاب فريد شامل على تراجم العلماء الحنفية، لمؤلفه مولانا حفظ الرحمن الكملائي حفظه الله تعالى، ألفه بإشارة شيخه المحدث الناقد الشيخ عبد الرشيد النعماني - رحمه الله تعالى رحمة واسعة - وعانا في إتمامه صنوفا من المشاكل عبر مدة طويلة، واستهلَّه بمقدمة نفيسة، حوتْ على أسماء الله تعالى الحسنى، وسيرة سيد المرسلين، عليه أفضل الصلوات والتسليم، وترجمة تفصيلية للإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان رحمه الله تعالى، ثم وضع الأسماء على ترتيب المعجم.
فجاء كتابا حاويا سهل المنال، وقد رأينا طائفة من هذا الكتاب، فوجدناها نافعة قيمة، ولله الحمد. نرجو الله تعالى أن يقدر له القبول في الأوساط العلمية، ويديم نفعه، ويجعله ذخرا لمؤلفه، آمين يا رب العالمين.
الجزء 1 · صفحة 29
29)
تقريظ العلامة الجليل الفقيه البارع الداعية الكبير المفتي محمد دلاور حسين، حفظه الله تعالى، ورعاه الرئيس الأعلى لدار العلوم المسجد الأكبر، ميربور، داكا، بنغلاديش.
?
الحمد لله العليم القديم، الذي هدانا إلى الدين القويم، والصراط المستقيم، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن تبعَهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد! فإن ديننا دين الإسلام، يبقى بتبقيته ? إلى يوم القيام، كما قال نفسه:
{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]
أي حفظه بإبقاء شريعته إلى يوم القيامة، قاله الإمام الحسن - رحمه الله تعالى - كذا في "روح المعاني" 14: 16.
غير أنه يحافظ دينه لا بنزوله إلى الأرض، بل بالرجال النبلاء من القراء، والمحدثين، والفقهاء وغيرهم، فبجهدهم البليغ حفظ الله سبحانه حياتهم وتراجمهم كحفظ دينه الغراء، وهذا من خصائص الأمة المحمدية، فهم صنَّفوا في التراجم والأنساب والطبقات والوفيات والسير، لم تر فيما سواهم من الأمم الماضية، شكر الله تعالى سعيَهم.
فعليكم "الإصابة" للحافظ ابن حجر العسقلاني، و"أسد الغابة" لابن الأثير، و"الاستيعاب" لابن عبد البر، و"سير أعلام النبلاء" للحافظ الذهبي، و"تذكرة الحفاظ"، و"الميزان"، و"تاريخ الإسلام" له، وللبخاري، و"الأنساب" للسمعاني، و"وفيات الأعيان" لابن خلكان، و"الكامل" لابن عدي، و"تهذيب الكمال" للحافظ المزي، و"طبقات" الواقدي، وأبي عبد الرحمن السلمي، والسبكي، وعبد القادر القرشي، والمجد الشيرازي، والقطب اليافعي، والقطب المكّي، والكَفَوي، و"حلية الأولياء" لأبي نعيم، و"نزهة الخواطر" للسيد عبد الحي والد أبي الحسن علي الندوي، وغيرهم رحمهم الله تعالى،
الجزء 1 · صفحة 30
30)
تجدها كتبا مدهشة نادرة ثمينة، تحصل بمثل هذه الكتب فوائد كثيرة، ومنافع مهمة، ومنها:
1 - التأدّب بآدابهم، والتخلّق بأخلاقهم، فيحشر في زمرتهم، وإن لم يكن منهم، وذلك لا يمكن إلا بعد الاطلاع على مناقبهم وأوصافهم، ونباهتهم وجلالتهم، ومحاسن أثارهم.
2 - الأمن من تنزيل أعلى الرتبة إلى الأدنى، وتعريج أدنى المرتبة إلى الأعلى، واختيار قول أدناهم على أعلاهم عند تعارض أقوالهم وإفاداتهم، وذلك لا يتيسر أيضا إلا بعد معرفة مراتبهم ومدارجهم.
3 - الأمن من جعل القديم حديثا، والحديث قديما، والمتقدم متأخرا، والمتأخر متقدما، وهذا أيضا لا يمكن ولا ييسر إلا بعد العثور على مواليدهم وأعصارهم ووفياتهم وأزمانهم.
4 - التحرك بعرق الشوق إلى الاهتداء بهداهم، والاقتداء بسيرهم، وهو أيضا غير ممكن إلا بعد الوقوف على آثارهم وحكاياتهم، وفيوضهم، وتصانيفهم.
5 - تحصيل السكينة، لأن بذكر أولياء الله ومقرّبيهم نزلت السكينة.
6 - معرفة مصنفاتهم، وما لها من الجلالة، وذلك العلم كله.
7 - الأمن من الجهل بأئمتنا المتقدمين، والأمن من الإهمال بمعرفتهم، مع أنهم أسلافنا وأئمتنا كالوالدين لنا، فالواجب علينا أن نحصل على معرفتهم، فييسر لنا اقتداءهم.
8 - التشكّر لإحسانهم، والأمن من كفرانهم، فإننا وجدنا ديننا الإسلام بنقلهم إلينا بجهد كثير، وسعي بليغ، فكيف نجهلهم ونهملم؟
9 - تعلم الاجتهاد والاستنباط، وذلك لا يمكن إلا بمعرفة نهج اجتهادهم من الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة.
الجزء 1 · صفحة 31
31)
10 - معرفة أسلوب التصنيف والتأليف والدعوة والإرشاد والخبرة بها، وهي لا تسهل ولا تؤثّر إلا بهديهم.
11 - التمييز بين العالِمَين، لاسِيَّما إذا اتحدت الأعلام والألقاب، والأعصار والأنساب، فمن لم يعرف ذلك وقع في الخلط بين المعروف والمجهول، والمردود والمقبول، ولا يمكنه أن يفرق بين الغثّ والثمين، ولا الشمال عن اليمين، وما إلى ذلك، عصمنا الله تعالى عنه.
لكن في بلادنا "بنغلاديش" لم يصنّف في هذا الفن العظيم الثمين كتاب حتى الآن على نمطهم، نمط المصنفين القدماء في بلاد شتى، وإن وصل الإسلام إلى بلادنا قبل ألف سنة، فكم من رجال من هذه القارة الذين صنَّفوا، ونقَّحوا، وبلَّغوا، وهذبوا، وجهدوا، ودعوا الناسَ إلى الحق سبحانه، ولهم نصيب وافر من خدمات الدين المتين، وهم مدفونون تحت التراب، ولم يذكروا في ورقة الكتاب؛ بل أسماءهم مفقودة، وتحت حجب الاختفاء مقهورة.
فمسَّت الحاجةُ إلى هذا العمل القيّم في بلادنا حاجة شديدة منذ زمان، فوفّق الله سبحانه أخانا العلامة النابغة، والفهَّامة الخافقة، والفقيه النبيل، المحدّث الجليل بن المحدّث النجيب (1)، والأديب الأريب، والحبر السامي، والبحر الطافي، فريد عصره، وحيد دهره، المكثر البارع، والثقة اللامع، الداعية الكبير، المحقّق البصير، النسَّاك الحذَّاق، مولانا المفتي محمد
1 - هو الشيخ المحدث محب الرحمن ? سبحانه -، تلميذ الشيخ المحدث الكبير النساك حسين أحمد المدني - قدس سره -، قد قضى طول عمره في خدمة السنة النبوية، ودرس صحيح البخاري إلى آخر عمره، وأنه ولد من أسرة كريمة نجيبة دينية، قد ورث العلم والدين أبًا عن جدٍ، جيلا بعد جيل.
الجزء 1 · صفحة 32
32)
حفظ الرحمن الفائق بين الأقران - حفظه الله تعالى، ورعاه المنَّان - ونفعنا، ونفع الناس بعلومه وبتصانيفه الكثيرة النافعة.
فإنه قد اعتنى بأداء هذا الدَّين عن أعناقنا بتأليف كتاب قيّم في هذا الفن باسم "البدور المضية في تراجم الحنفية"، يحتوي على ثلاثة وعشرين مجلدا، - فجزاه الله تعالى أحسنَ الجزاء -، قد طالعتُ منه مجلدا، فوجدتُه كتابا ثمينا، نادرا فقيدا، عزيزا وحيدا، وهو موسوعة بمعنى الكلمة.
وليس في الختام إلا أن أدعو لطلبة العلم للإقبال على هذا الكتاب الهام، بالمطالعة بتوجُّه تام، وأدعو الله سبحانه بأن يحظى هذا الكتاب عند الفحول في موقع حسن، وأحسن القبول عند علماء الزمن.
وشكرا لله بأخينا العلامة، وجزاه عن العلم والسنة والفقه خيرَ ما يجزي به العلماء الصادقين، وجعلنا وإياه من الذين يعلمون فيعلمون، ويعملون فيخلصون، ويخلصون فيقبلون.
وصلى الله تعالى على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليما كثيرًا كثيرًا.
وكتبه
دلاور حسين
خادم الطلبة بالجامعة الإسلامية دار العلوم (المسجد الأكبر) ميربور، داکا
الجزء 1 · صفحة 33
33)
تقريظ العالم الكبير المحدث الجليل العلامة الفهامة مولانا عبد المالك الكملائي، حفظه الله تعالى، ورعاه
أمين التعليم المركز الدعوة الإسلامية، ميرفور، داکا، بنغلاديش.
?
كلمة التحديث بالنعمة
الحمد لله على ما أنعم وأكرم، أسبغ نعمه علينا ظاهرة وباطنة، لا نحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، أشهد من صميم قلبي أنه لا إله إلا هو، وحده لا شريك له، وأشهد شهادة صادقة أن محمدا نبينا عبده ورسوله، وأسأله وهو المولى الكريم أن يصلي ويسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد النَّبِيّ المعظم، خاتم النبيين والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فإن من أهم علوم أهل الإسلام علم سير الأعلام النبلاء، وتاريخ أحوال الرواة من الثقات والضعفاء، رواة علوم الشريعة على اختلاف أنواعها، وتنوع أصنافها.
ولهذا العلم وحده شعب كثيرة جدا، من أهم تلك الشعب قسم تراجم الأئمة الفقهاء وطبقات أصحابهم وعلماء مذاهبهم في جميع الأمصار وعلى ممر الأعصار، ومن أنواع هذا القسم علم طبقات علماء الحنفية وفقهائهم.
والأسف أن هذا النوع من علم السير والتاريخ كان قد هُضِم حَقَّه من قديم الزمن، فنشكر القليلين الذين تَوَجَّهوا إلى تدوينه ولو على فترات، وباختصار شديد، وفي حدود ضيقة جدا، نشكرهم بعد حمد الله تعالى وشكره، فلولا تَوُجُّهُهم لحُرم المسلمون من هذه البقية الباقية أيضًا.
وكان شيخنا العلامة الفقيه، المحدث الناقد القدوة، مولانا الشيخ محمد عبد الرشيد النعماني رحمه الله تعالى، كثير الحض لطلابه على سد الخلا والخلل في باب التدوين والتصنيف بوجه عام، وفي هذا النوع من العلم بوجه خاص.
الجزء 1 · صفحة 34
34)
وكان أمر مرة طالبًا من طلابه لتجريد تراجم الحنفية من كتاب "سير أعلام النبلاء" للذهبي رحمه الله تعالى ففعل، وأمرني وأنا في السنة الأولى من قسم علوم الحديث بتجريد تراجم الحنفية من كتاب "النجوم الزاهرة" لابن تغري بردي، وقد وفقت لذلك، ولله الحمد.
وكان يحضهم بوجه عام لجمع كتاب جامع في تراجم الحنفية، وأوصى بذلك خاصة غير واحد من طلابه، في رأسهم فضيلة أخينا الكبير ومربينا الفاضل، الأستاذ العالم الجليل، والمصنف الصابر النشيط، الشيخ حفظ الرحمن بن محب الرحمن الموقر حفظه الله تعالى ورعاه، كتب له الستر والسلامة والعفو والعافية والمعافاة في الدين والدنيا والآخرة، وأمد في حياته الطيبة بإذن الله تعالى، والشيخ حفظ الرحمن هو رفيق شقيقى الأكبر الأستاذ الشيخ أبي الحسن محمد عبد الله حفظه الله تعالى ورعاه، وكانا رفيقين أيضا في التلمذ على شيخنا النعماني رحمه الله تعالى.
فحفظ الشيخ حفظ الرحمن وصية الأستاذ النعماني ووفى بحق التلمذ، وحُقَّ له ذلك، فقد كان سيدي الشيخ يحبه كثيرا، وكان ألف رسالته للتخصص في الفقه الإسلامي في جامعة العلوم الإسلامية بنوري تاؤن كراتشي تحت إشراف شيخنا النعماني رحمه الله تعالى، وكان يتمنى له أن يلتحق بقسم التخصص في علوم الحديث الشريف ويقضي فيه أيضا مدة، ولكن لم يتيسر له ذلك لبعض الأعذار، مع إتمامه إجراء أمور الالتحاق، والخير فيما وقع إن شاء الله تعالى.
وأحمد الله تعالى وأشكره على هذه النعمة الجليلة التي أكرمنا بها بواسطة الشيخ حفظ الرحمن، إذ وفقه لجمع هذا المعجم الكبير الذي وصل إلى ثلاث وعشرين مجلدا، نشكره على ما وُفِّق له وهُدِي إليه شكرًا جزيلًا، ونرحبه به غاية الترحيب.
ومن قديم نرى الشيخ المولف يهتم بالتأليف بالعربية، وفي موضوعات علمية، ويعتني بتحقيق بعض الكتب العلمية المؤلفة باللغة العربية، واختيار
الجزء 1 · صفحة 35
35)
اللغة العربية للتحقيق أو التأليف في هذه الديار، ثم الاستقاهة عليه بهذه الطريقة أمر مستغرب جدا، وهذا كما يدل على عُلُوِّ همة هذا المؤلف يدل أيضا على أن البيئة العلمية في هذه البلاد قد أَنِسَتْ باللغة العربية الفطرية قراءة ومطالعة، وكما يقول بعض الأفاضل الأعلام أن الفضل يرجع في هذا التأنيس إلى فضيلة الأستاذ الشيخ الأديب أبو طاهر مصباح حفظه الله تعالى ورعاه، شكر الله تعالى سعي أبي طاهر ومشايخه وأعوانه، ومن تقدمه في خدمة اللغة العربية في هذه الديار وغيرها.
نرجع إلى كتاب المعجم الكبير في تراجم الحنفية، الذي سمي: "البدور المضية في تراجم الحنفية"، والذي أتحفنا به الشيخ المؤلف في هذه المرة، بعد أن قضى في جمع شتاته سنوات متوالية، وقد نظرت في فهرست مصادر الكتاب ومراجعه، كثرتُها مع تنوعها متطابقة مع ضخامة الكتاب ودالة على الجهود العظيمة التي بذلها المؤلف حفظه الله تعالى، كما أن هذه الفهرست لعدم تجاوزها أربع مئة كتاب تشير إلى أن على المؤلف قضاء شوط آخر طويل، ليصل الكتاب إلى تمام جمعه كمال صنعته.
وبما أني لم أقف إلا على صفحات من الكتاب ليس لي أن أفصل الكلام فيه، وإنما أكتفي بنقل كلام للمؤلف وصف فيه كتابه، رأيته في رسالته إلى الأستاذ العلامة الحجة الشيخ محمد عوامة حفظه الله تعالى ورعاه، تذكار السلف الصالح في هذا العصر، كتب إليه المؤلف يصف كتابه ويرجو منه الدعاء، ما نصه:
"فعملا بتلك الوصية ألفت هذا الكتاب، وجمعت فيه ما دونه الأقدمون من عهد الحافظ القرشي إلى عهد الإمام اللكنوي، وزدت إلى ذلك:
1 - جماعة ممن فاتهم
2 - جماعة كبيرة ممن جاءوا بعدهم
الجزء 1 · صفحة 36
36)
استخرجتهم من كتب التراجم العامة، ومن الجرائد والمجلات، وغرها.
وتوجهت بوجه خاص إلى رجال شبه القارة الهندية بما فيهم أعلام بنغلاديش.
ويجيء الكتاب في ثلاث وعشرين مجلدا مع المقدمة والفهارس.
ولا ريب أن العمل الآن في خطوته الأولى، وسأحاول ما فات أو تجدد في طبعات لاحقة إن شاء الله تعالى، كما يستمر عمل التصحيح والتجويد والإتقان قبل كل طبعة إن شاء الله تعالى ... ". انتهى.
ولا شك أن هذا العمل في خطوته الأولى نافع أيضا، ويفيدنا في معرفة تراجم جماعة كبيرة جدا من طوائف أهل العلم، من مختلف الأمصار والأعصار، ومختلف الألسنة والألوان، ومختلف الأمزجة والمشارب، كما يفيد إخواننا في الهند والسند في معرفة رجال بنغلاديش، ويفيد إخواننا العرب في معرفة رجال الهند الكبرى عامة، ورجال بنغلاديش خاصة.
بارك الله تعالى في حياة المؤلف وبارك في جهوده، كتب له ولذريته وطلابه الخير بحذافيره، وأعاذه وإياهم من كل سوء وآفة.
هذا، وصلى الله تعالى وبارك وسلم على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كتب العبد
محمد عبد المالك
خادم الطلاب في مركز الدعوة الإسلامية داكا
في 25/ 1/ 1438 هـ
الجزء 1 · صفحة 37
37)
مقدمة الكتاب
?
الحمد لله الحكم العلي الكبير، اللطيف الخبير البصير، الذي خلق كل شيء فأحسن التقدير، ودبَّر الخلائق فأكمل التدبير، وقضى بحكمته على العباد بالسعادة والشقاوة، فريق في الجنة، وفريق في السعير، وأرسلَ رسلَه الكرام بأصدق الكلام وأبين التحرير، وختمَهم بالسيّد أبي القاسم البشير النذير، السراج المنير، فأرسلَه رحمةً للعالمين من نار السعير، وحفظ شريعتَه من التبديل والتغيير، وصيّرَ أمتَه خيرَ أمة أخرجتْ للناس، فيا حبّذا التصيير، وجعلَ فيهم أئمةً سادةً وفقهاءَ قادةً من الصحابة والتابعين، ومن تبعَهم إلى يوم الدين، الذين يدققون النقيرَ والقطميرَ، ويتبصّرون في ضبط آثار نبيهم أتمَّ التبصير، ويتعوّذون باللّه من الهوى والتقصير.
ما أعظم شانَه، أشكرُه شكرا جزيلا على أنه جعلَ اختلافَ المذاهب رأفة ورحمة، وافتراقَ المضارب فضلا ونعمة، فبأيّها اقتدى بنو آدم اهتدى إلى طريق الجنان.
وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وحدَهـ لا شريكَ له شهادةً أدّخرُها لسؤال منكَر ونكير، وأردفُها بشهادة أن محمد عبده ورسوله خير في وأصدق نذير، صلى الله عليه وعلى آله أولي العزم والتشمير.
أما بعد فيقول العبد الفقير إلى الله جلَّ وعلا محمَّد حفظ الرحمن بن العلامة المحدث محب الرحمن بن القاري حمير الدين الفِنُوَائي الكُمِلَّائي البَنْغَلادِيْشي تجاوزَ الله عن ذنبه الجلي والخفي: إن علم التاريخ أجلّ ما يطالعُه ذوو العقول، وأعزّ ما ينتفع به الجهول، وأفضل ما يعانيه نقّاد الفحول، وأعلى ما يتبصّر الغفول، وفيه عبرةٌ لمن اعتبر، وموعظةٌ لمن افتكر، ولهذا الفن شعب متفرّقة وصنوف متشتّة، وأجلّها فن تراجم الكبار وأخبار الأخيار، من الأئمة المهتدين والعلماء العاملين، والفضلاء المحققين والمحققين الفاضلين، ممن لم يردْ
الجزء 1 · صفحة 38
38)
بالعلم مماراةً ولا مباهاةً، ولا مجادلةً ولا مضاهاةً، بل قصر ليله على العبادة، ونهاره على الإفادة، ويقول الحقَّ، ويعملُ به، ويفعلُ الخيرَ، ويرشد إليه، ولا تأخذه في الله لومةُ لائم، ولا تصدّه عن الحق رهبةُ ظالم.
ولا سبيل إلى هذا السبيل إلا بعد معرفتهم، والوقوف على درجاتهم، والإحاطة بأوصاف أخيارهم، والاطلاع على جملة أخبارهم، ففيه فوائد جمة.
أولا: الاطلاع على مناقبهم ونباهتهم وجلالتهم، ليحصل التأدّبُ بآدابهم، والتخلّقُ بأخلاقهم.
وثانيا: الاطلاع على مراتبهم ومدارجهم، فيؤمن به من تنزيل الأعلى إلى الأدنى، واختيار قول الأدنى على الأعلى عند تعارض أقوالهم.
وثالثا: الاطلاع على مواليدهم وأعصارهم ووَفَياتهم، فيؤمن من جعل القديم حديثا والعكس.
ورابعا: الاطلاع على أثارهم وحكاياتهم وتصانيفهم، فيحصل الشوقُ إلى الاهتداء والاقتداء.
وخامسا: إنهم أئمتنا وأسلافنا كالوالدين لنا، وأجدى علينا مصالح أخرتنا، التي هي دار قرارنا، وأنصح لنا فيما هو أعود علينا، فيَقْبُح علينا أن نجهلَهم، وأن نمهلَ معرفتَهم.
قال الداعية الكبير أبو الحَسَن الندوي ?: كتب التراجم والسير في الإسلام - وهي أوسع مكتبة وأثراها في تاريخ أمة من الأمم العِلْمِيّ والتأليفيّ - زاخرة بهذه الأخبار التي تُثير الهممَ، وتُشْعِل الموَاهب، وتنفُخُ في القاريء روحا جديدة، وحَمَاسا جديدا، وتعالج الفُتورَ في الهمم، والقناعة بالدُّون، والخمودَ في الطبائع، والاشتغال بسَفَاسِف الأمور: معالجة رفيقةً حكيمةً، لا يستثقلُها القاريء، ولا يشعُرُ بمرارة الدواء أو لَذْع آلة الجراحة.
وقد سبقَ في هذا المضمار علماءُ الشافعية، فبدأُوا مبكرين في النصف الأول من القرن الخامس للهجرة، قال التاج السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى": فأول من بلغني صنَّف في ذلك الإمام أبو حفص عمر المطَّوِّعي المتوفى نحو سنة 444 هـ، فصنّف كتابا، حماه "المذْهَب في ذكر شيوخ
الجزء 1 · صفحة 39
39)
المذهَب"، ثم ألَّف القاضي أبو الطيب الطبَرى المتوفى 405 هـ مختصرا، ثم ألَّف الإمام أبو عاصم العبَّادي المتوفى 458 هـ كتابه، ثم ألَّف الأمام أبو إسحاق الشيرازى المتوفى 476 هـ كتابه، وهو أيضا مختصر، وهو غير مقتصر على الشافعية، ثم ألَّف الحافظ عبد الله الجرجاني المتوفى 489 هـ كتابه "الطبقات"، ثم ألَّف القاضي عبد الوهَّاب الشيرازي المتوفى 500 هـ كتابه "تاريخ الفقهاء"، ثم ألَّف المحدث أبو الحسن البيهقى المعروف بفُنْدُق المتوفى 565 هـ، وسماه "وَسَائل الألمعي في فضائل أصحاب الأمام الشافعي"، ثم جمع الإمام أبو النجيب السهروردي مجموعا، ثم جاء الشيخ ابنُ الصلاح المتوفى 643 هـ، فألَّف كتابَه، وكان الكتاب مسودة، فأخذَه الشيخ الإمام النَّوَوي المتوفى 676 هـ، وزاد فيه أساميَ قليلة، ومات، ثم بيَّضه أبو الحجَّاج المزّي المتوفى 742 هـ، ثم ألَّف الشيخ عماد الدين بن باطيش المتوفى 655 هـ كتابه، حتى جاء تاجُ الدين السبكى المتوفى سنة 771 هـ، فصنّف "طبقات الشافعية الكبرى".
أما علماءُ الحنفية فقد تأخّرَ إلى القرن الثامن للهجرة، وكانتْ تراجمُهم في الزمان الماضي ضمنَ كتب التاريخ العامة، وتواريخ البلدان، وطبقات الأدباء، والشعراء، واللغويين، والفقهاء، والمحدثين، ثم قاموا بهذا الأمر الهام، فجاءوا بمؤلفات كثيرة في القرون: الثامن، والتاسع، والعاشر، والحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، ترجمتْ لعلماء المذهب.
ففي القرن الثامن ألَّف نجمُ الدين إبراهيم الطَّرَسُوسي المتوفى 758 هـ "وَفَيات الأعيان من مذهب النعمان"، وألَّفَ صلاحُ الدين عبد الله ابن المهندس المتوفى 769 هـ تاريخا كبيرا للفقهاء، ثم جاء الحافظ القُرَشي المتوفى 775 هـ، فصنَّفَ "الجواهر المضية في طبقات الحنفية"، وقال حاجي خليفة: إنه أول من صنَّف في طبقات الحنفية.
وفي القرن التاسع ألَّف صارمُ الدين إبراهيم القاهري المتوفى سنة 809 هـ "نظم العقيان في طبقات أصحاب إمامنا النعمان"، وهو كما ذكرَ حاجي خليفة في ثلاث مجلدات، وجاء بعده مجدُ الدين الفيروز آبادي السميرازي الشافعي المتوفى
الجزء 1 · صفحة 40
40)
سنة 817 هـ، فألَّف كتابا، سمَّاه "المرقاة الوفية في طبقات الحنفية"، ثم صنّف تقي الدين أحمد المقْريزي المتوفى سنة 845 هـ "التذكرة"، وجمعَ منها قاسمُ بن قطلوبغا السودوني الجمالي المتوفى سنة 879 هـ مادةَ كتابه "تاج التراجم"، وصنّف القاضي بدر الدين محمود العيني المتوفى سنة 855 هـ كتابا في طبقات الحنفية، ويذكر ابن الشّحنة في هوامشه على "الجواهر" أن الإمام مسعود بن شيبة السندي وابن سابق جمعَا طبقات أصحاب أبي حنيفة، ولابن الشّحنة هذا وهو أبو الفضل محمد بن محمد الثقفي الحلَبي المتوفى سنة 890 هـ كتابٌ في طبقات الحنفية في عدة مجلدات.
أما القرن العاشر فقد ألَّف شمسُ الدين بن طولون الصالحي الدمشقي المتوفى سنة 953 هـ "الغرف العلية في تراجم متأخّري الحنفية"، وألَّف شمس الدين بن آجا محمد كتابا في طبقات الحنفية في ثلاث مجلدات، واختصر إبراهيم الحَلَبى المتوفى 956 هـ كتابَ صلاح الدين ابن المهندس، كما اختصر "الجواهرَ المضية"، وألَّف محمد بن عمر المتوفى 959 هـ كتابا في طبقات الحنفية، وصنّف المولى علي بن أمر الله الحنَّائى المتوفى 979 هـ مختصرا، ذكرَ فيه المشاهيرَ، وألَّفَ محمودُ بن سليمان الرومى الكفوي المتوفى 990 هـ "كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار"، يقع في 573 ورقة، وألَّف قطب الدين محمد النهرُوَاني الهندي المتوفى سنة 990 هـ كتابا في طبقات الحنفية في أربع مجلدات.
أما القرن الحادي عشر، فألَّف تقي الدين التميمي "الطبقات السنية في تراجم الحنفية"، ثم ألَّف الملا على القاري المتوفى 1014 هـ "الأثمار الجنية في أسماء الحنفية".
ثم في القرن الثالث عشر اشتغل الإمام عبد الحي اللكنوي المتوفى 1304 هـ بهذا الأمر الجليل، فقال: إنه لو جمع تراجم رجال الحنفية في كتاب فسيصير المجموع أكبر، ففرَّقهم في عدّة كتب، كـ "مقدمة الهداية"، و"النافع الكبير"، و"مقدمة عمدة الرعاية"، و"مقدمة السعاية"، ثم لخَّص كتاب الكفوي، وسماه "الفوائد البهية في تراجم الحنفية"، وفرغ منه سنة 1292 هـ، ثم
الجزء 1 · صفحة 41
41)
انقطعت هذه السلسلة، ولم يؤلفْ كتاب في طبقات الحنفية يحتوي على السادات الحنفية الذين جاءوا بعده.
فأوصاني وأرشدَني شيخى وأستاذي المحدّث الكبير البحَّاثة الناقد العلامة عبد الرشيد النعماني ? ?، حينما أتممتُ مقالتي: "ما ينبغى به العناية لمن يطالع الهداية" تحت إشرافه في جامعة العلوم الإسلامية العلامة بنوري تاؤن بـ "كراتشى" إلى أن أؤلّف معجما كبيرا، يحتوي على جميع تراجم الأعلام الحنفية من المحدّثين والفقهاء، والسادات والنبلاء، فمن ذلك الحين لم أزلْ متشوّقا إلى استدراك أخبارهم، فإن الحاجة إليه لأصحابنا الحنفية أكثر، والاحتياج في بلادنا أظهر، فنظرتُ إلى الأسلاف والأكابر، فرأيتُهم أضم صنَّفوا في أحوالهم الدفاترَ، فمنهم من أفردَهم، كالحافظ عبد القادر الوفائي القُرَشى، والمجد الشيرازي، وقاسم بن قطلوبغا، والمَطب المكّى، والملا على القاري الهروي، وتقي الدين التميمى المصري، والعلامة عبد الحى اللكنوي، وغيرهم، ومنهم من خلطهم بغيرهم، كالجلال السيوطى، والحافظ الذهبي، والحافظ العسقلاني، والشمس السخاوي، والقطب اليافعي، والعلامة محمد خليل المرادي، ومحمد بن فضل الله المحبي، وغيرهم، رحمهم الله تعالى.
فصرفتُ عنانَ العناية إلى جمع تراجمهم، فكم طالعتُ فيه من كتب السير والطبقات وأسفار حوادث السنين والأوقات، فحصل عندي من ذلك الحظ الأوفر، واختزن منه القدر الأكثر، فخطر في خلدى أن أجمع ذلك في مجموع، هو منتهى الجموع، فالَّفْتُ كتابا مفردا حاويا لتراجم السادات الحنفية، من البداية إلى زماننا هذا، يشتمل على أخبارهم وفضائلهم ومناقبهم، وذكر مؤلّفاتهم ومصنّفاتهم ومحاسن أشعارهم ونوادر أخبارهم، بحسب الطاقة ونهاية القدرة.
وجعلت تراجمَ "الطبقات السنية" لتقى الدين التميمى في كتابي هذا مندمجةً، لكونه أكبر الكتب المتأخر، ونسخة "الطبقات" التي أمامنا من تحقيق الشيخ عبد الفتاح محمد الحلو، وناشرها دار الرفاعي بالرياض، وهذا الكتاب يوجد غير تام، آخر أرقام التراجم 1388، وخُتِمَ في الطبع على فصل في من
الجزء 1 · صفحة 42
42)
اسمه عُبيد، ومجموع التراجم في أصله 3034، فبعد عُبَيْدٍ اعتمدتُ على "الجواهر المضية" للقُرَشي، لأنه أكبر قبل "الطبقات"، ومجموع التراجم فيه 2115، فأول التراجم منها التي اندمجتْ في كتابي ترجةُ عتبةَ بن خيثمة برقم 913، فجاءتْ من "الجواهر" في كتابي هذا 1302 ترجمةً، والمجموع من منها ومن "الطبقات السنية" 2690 ترجمةً، ومجموع تراجم كتابي 6270 ترجمة، فما بقي بعد هذين الكتابين من التراجم من الكتب الأخرى، عدد كبير منهم من رجال الهند، والسند وباكستان وبنغلاديش، وبلاد أخرى مختلفة.
وقد صدَّرتُ أصلَ الكتاب بجزء مستقل، ذكرتُ فيه فوائد مهمة، لها ارتباط بعلم التااريخ، ودكرتُ أسماءَ الله الحسنى، وما يتعلق بها، وسيرةً وجيزةً لقرّة أعيُننا محمد بن عبد الله ?، وفضائلَ صحابته البرَرَة ومناقبَهم، رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وأسماءَ أصحاب الفتيا منهم، ومن التابعين، ثم ذكرتُ تراجمَ عبد الله بن مسعود، وعلقمة بن قيس النخعى، وإبراهيم النخَعي، وحماد بن أبي سليمان، ثم دكرتُ سيرةَ إمامنا الأعظم أبي حنيفة النعمان ? أجمعين بالبسط والتفصيل، سميتُه "البدور المضية في تراجم الحنفية".
ورَتَّبْتُ التراجمَ على حروف المعجم كترتيب أكثر المؤرخين، ليكون الانتفاع أسهل، والتحصيل أكمل، وبدأتُ أولا الاسم الذي أوله همزة ممدودة، ثم ما كان أوله ألف، فيكون، (آدم) قبل (إبراهيم) لألفين في بدء الأول، و (محمد) قبل (محمود) لسبق الدال الواو، و (إبراهيم بن أحمد) قبل (إبراهيم بن أدهم) لتقدم الحاء الدال في اسمي الأبوين، وهكذا، لكني قدّمتُ في حرف العين من كان اسمه عبد الله على غيره ممن يبدأ ايمه بكلمة "عبد"، على طريق صاحب "الجواهر".
أما ما كان مبدوءا بلفظ (أب) أو (أم) أو (ابن) أو (بنت) كأبي بكر، وأم سلمة، وابن أبيه، وابن أبي داود، فعددتُ الأب والأم ونظائرهما لغوا، وجعلت (أبا بكر) في حرف الباء مع الكاف، و (أم سلمة) في
الجزء 1 · صفحة 43
43)
حرف السمين مع اللام، و (ابن أبيه) في حرف الألف مع الباء فالياء، و (ابن أبي دواد) في الدال مع الواو، واتخذتُ رسم الحروف أساسا، فجعلتُ (صدى) في حرف الصاد مع الدال والياء، ومومنا في حرف الميم مع الواو.
ثم ذكرت في أواخر الكتاب أصحاب الكُنَى جميعًا في حرف الهمزة، قدمت من لم يعرف له اسمٌ سوى الكنية، ثم من له اسم، واشتهر بكنيته، وله ترجمة في حرف من الحروف، ذكرته باختصار، ولا أعدت له ترجة، وذكرت اسمه واسم أبيه ليسهل كشفه في محله.
وذكرت جميع هذه الكُنَى مُرتبة ترتيب الأسماء، وبالنظر إلى ما بعد ذكر الأب، كأبي إبراهيم، ذكرت مُقدمًا على أبي أحمد، وأبي داود مُقدمًا على أبي ذر، وهكذا إلى آخر الحروف.
وذكرت في آخر الكتاب بابًا للألقاب، وبابًا فيمن اشتهر بابن فلان، وبابًا في الأنساب.
قدمت في كل من البابين الأولين من اشتهر بلقبه، واشتهر بأبيه ولم يعرف له اسم، ثم من له اسم منهما ذكرته باختصار، كما فعلته في الكُنَى.
وأما الأنساب فقدمت فيها من لا يعرف إلا بالنسبة، ولم يذكر له في الكتاب ترجمة، وأما من ذكر له في الكتاب ترجمة، فقد ذكرته في نسبته، وتارة ما ذكرته، لأن ذكر جميع من انتسب في الكتاب إلى "الموصل" أو "الشام" أو "حماة" مثلًا في تلك النسبة، مما يطول شرحه، ويُميلّ ذكره، بلا كبير فائدة.
والحقيقة أن هذا العمل الجليل المبارك ليس إلا نتيجة إرشاد أستاذنا وشيخنا النعماني، فجزاه الله ? أحسنَ الجزاء وأطيبَه، وباركَ في هذا المشروع المبارك، ورزقَه حسنَ القبول لديه.
وأيضا لا بدَّ من تقديم الشكر إلى سيدي وشيخي ملك العلماء المحدث الكبير العلامة عبد الحفيظ المكي أطال الله بقاءه، فإنه شجَّعني، ورغَّبني في هذا الباب، ودعا عند الله ? للإتمام والإكمال.
الجزء 1 · صفحة 44
44)
كما لا يسعُني في هذا المقام أن أنسى زميلي الخاص ورفيقى الشيخ مولانا المفتي محمد نعمان أحمد الكملائي، صاحب المؤلفات الكثيرة، رحمه الله تعالى، فإنه كان يزيدني همةً حينا بعد حين، رفع الله درجته في الجنة.
ولا يسعني ههنا إلا أن أشكر بصميم قلبي كلَّ مَنْ ساعدَني، وأعانني من أهل الخير والصلاح في هذا الصدد بأيّ نوع كان، لاسيما تلامذتي الأربعة: الأخ في الله المفتي الفاضل روح الأمين، أستاذ قسم التخصص في الفقه الإسلامي بمركز الإسلام، محمد فور، داكا، والأخ الفاضل محمد الله شميم المانِكْغَنْجي، والأخ الفاضل محمد شميم أحمد الفريدفوري، والأخ الفاضل دين محمد الكُمِلائي، فإنهم أعانوني طوالَ هذه المدة في مراجعة الكتب والاستخراج والنقل، جزاهم الله تعالى أحسنَ الجزاء، وأكرمَهم بالفوز الكبير في الدارين، وتقبلهم وإيانا لخدمة العلم والدين.
وإني وإن قصرت فما قصرت، وطولت فما تطولت، وغاية البليغ في هذا المضمار الخطير أن يعترف بالقصور، ويلتزم بالتقصير، فإن المرء ولو بلغ جهده فالإحاطة في هذا الشأن لله وحده.
وقد شرعتُ في تأليف هذا الكتاب شهر شوَّال المكرَّم سنة ثلاثين وأربعمائة بعد الألف، وقد تم بعونه ? بعد عشاء يوم الثلاثاء ليلة العاشوراء من محرَّم الحرام سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة بعد الألف من الهجرة النبوية على صاحبها ألف ألف صلاة وتحية، فالحمد لله على ذلك حمدا كثيرا كثيرا.
وإلى الله أتضرع في سدّ خللي، وستر زللي، ودفن عيبي، إنه الجواد الكريم، ومنه الهداية إلى الصراط المستقيم.
والله أسئل أن يتقبل من العبد الضعيف جهد المقل، وأن يفتح عليه بالعلم والعمل، وأن يرزقه فيهما الإخلاص والقبول، وأن ينفع بهذا الكتاب كل قاريء له وواقف، ويوفقني للمزيد راجيا من المنتفعين دعوة صالحة، يقول لهم الملَك عندها: ولك بمثل.
الجزء 1 · صفحة 45
45)
وصلى الله وسلّم على سيّد الحامدين والشاكرين، وإمام الهادين والمتقين والزاهدين والعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ولله الحمد على ما أبدى وأسدى، وللآخرة خير لك من الأولى.
وكتبه
العبد الفقير إليه تعالى
محمد حفظ الرحمن الكملائي
خادم الطلبة
بالجامعة الرحمانية العربية، داكا، بنغلاديش
الجزء 1 · صفحة 46
46)
الباب الأول في فوائد مهمة، تتعلق بفن التاريخ: لا يسع المؤرخ جهلها، وهو يشتمل على ثلاثة فصول:
الفصل الأول (1) فيما تؤرخ العرب به:
قال الأمام التميمي الداري رحمه الله تعالى نقلا عن الصفدي: كانت العرب تؤرخ في بني كنانة من موت كعب بن لؤي، فلما كان عام الفيل أرخت منه، وكانت المدة بينهما مائة وعشرين سنة.
قال أبو الفرج الأصبهاني، صاحب "الأغاني": إنه لما مات الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، أرخت قريش بوفاته مُدة؛ لأعظامها إياه، حتى إذا كان عام الفيل جعلوه تاريخا، هكذا ذكره ابن دأب (2). وأما الزبير بن بكّار فذكر أنها كانت تؤرخ بوفاة هشام بن المغيرة تسع سنين، إلى أن كانت السنة التي بنوا فيها الكعبة، فأرخوا. انتهى.
وأرّخ بنو إسماعيل ? من نار إبراهيم ? إلى بنائه البيت، ومن بنائه البيت إلى تفرق معدّ، ومن تفرق مَعَدِّ إلى
(1) راجع: الوافي بالوفيات 1: 9 - 12.
(2) أبو الوليد عيسى بن يزيد بن بكر.
الجزء 1 · صفحة 47
47)
موت كعب بن لؤي؛ ومن عادة الناس أن يؤرّخوا بالواقع المشهور، والآمر العظيم، فأرّخ بعض العرب بأيام الخُنان لشُهرتها.
قال النابغة الجعدي (1):
فَمَنْ يَكُ سائلًا عني فإني ... مِن الفِتيْان أيامَ الخُنَان
مَضَتْ مائةٌ لعام وُلدتُ فيه ... وعامٌ بعد ذاك وحجتان
وَقد أبْقَتْ صُرُوفُ الدَّهر مني ... كما أبقتْ من السَّيْفِ اليَمَاني
قال الشريف المرتضى في كتابه "غُرر الفوائد ودُرر القلائد": إن أيام الخُنان أيام كانت للعرب قديمة، هاج بهم فيها مرض في أنوفهم وحلوقهم.
قلت: وهو بضم الخاء وفتح النون، وقد يشتبه بالخِتان، بكسر الخاء والتاء المثناة من فوق.
وكانت العرب تؤرخ بالنجوم، وهو أصل قولك: نَجَّمتُ على فلان كذا، حتى يُؤديه في نجوم، وأول من أرَّخ الكتب من الهجرة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، في شهر ربيع الأول، سنة ست عشرة، وكان سبب ذلك، أن أبا موسى الأشعري رضى الله عنه كتبَ إلى عمر ?: إنه يأتينا من قبل أمير المؤمنين كتب، لا ندري على أيّها نعمل، قد قرأنا صكًا منها محلّه شعبان، فما ندري أيّ الشعبانين، الماضي أو الآتي، فعمل عمر رضي الله تعالى عنه على كتب التاريخ، فأراد أن يجعل أوله رمضان، فرأى أن الأشهر الحرم تقع حينئذ في سنتين، فجعله من المحرّم، وهو آخرها، فصيره أولًا لتجتمع في سنة واحدة.
وكان قد هاجر ? يوم الخميس، لأيام من المحرّم، فمكث مُهاجرًا بين سير ومقام مُدة شهرين وثمانية أيام.
(1) شعر النابغة الجعدي.
الجزء 1 · صفحة 48
48)
الفصل الثاني في تحقيق لفظ التاريخ وقاعدته
تقول العرب: أرَّخت وورَّخت، فيقلبون الهمزة واوًا، لأن الهمزة نظير الواو في المخرج، فالهمزة من أقصى الحلق، والواو من آخر الفم، فهى تحاذيها، ولذلك قالوا في وعد: أعد، وفي وجوه: أجُوه، وفي أثؤب: أثوب، وفي أحد: وحد، فعلى ذلك يكون المصدر تاريخا وتوريخا بمعنى.
وقاعدة التاريخ عند أهل العربية أن يؤرّخوا بالليالي دون الأيام؛ لأن الهلال إنما يُرى ليلًا، ثم إنهم يُؤنثون المذكر، ويذكرون المؤنث، على قاعدة العدد؛ لأنك تقول: ثلاثة غلمان، وأربع جواري.
إذا عرفت ذلك، فإنك تقول في الليالي ما بين الثلاث إلى العشر: ثلاث ليالي، وأريع ليالي، إلى بابه.
وتقول في الأيام ما بين الثلاثة إلى العشرة: ثلاثة أيام، وأربعة أيام، إلى بابه.
وأما واحد واثنان، فلم يُضيفوهما إلى مميز، فاما ما جاء من قول الشاعر:
كأنَّ خُصْيَيْه مِن التَّدَلدُلِ ... ظَرف عجُوزٍ فيه ثِنتا حَنظَلِ
فبابهُ الشعر، وضرورة الشعر لا تكون قاعدة، وإنما امتنعوا من ذلك؛ لأنه يكون من باب إضافة الشيء إلى نفسه؛ فإنك إذا قلت: اثنا يومين، أو واحد رجل، فاليومان هما الاثنان، والواحد هو الرجل، وإذا قلت: يومٌ ورجلان، فقد دللت على الكمية والجنس، وليس كذلك في أيام ورجال، فيما فوق الثلاثة؛ لأن ذلك يصح على القليل والكثير، فيُضاف العدد إليه لتعلم الكمية.
الجزء 1 · صفحة 49
49)
وأضافوا العدد من الثلاثة إلى العشرة إلى جموع القِلة، فقالوا: ثلاثة أيام، وأربعة أحمال، وخمسة أشهر، وستة أرغفة، ولا يورد هاهنا قوله تعالى: {ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ}، لأنه ميز الثلاثة يحمع الكثرة؛ لأن المعنى كل واحد من المطلّقات تتربّص للعدة ثلاثة أقراء، فلما كان مجموع الأقراء من المطلّقات كثيرًا ميز الثلاثة، يجمع الكثرة، ولا يُضاف عدد أقل من ستة إلى مُميزين؛ ذكرٍ وأنثى؛ لأن كل واحدٍ من المميزين جمع، وأقل الجمع ثلاثة.
وقالوا في العدد المركب من بعد العشرة إلى العشرين، وهو أحد عشر وبابه: إحدى عشرة ليلة، وما بعده إلى العشرين، بإثبات التأنيث في الجُزءين من إحدى عشرة، واثنتي عشرة، وحذف التأنيث من الجزء الأول في الباقي للمؤنث، وأحد عشر يومًا، واثنا عشر يوما، وثلاثة عشر يوما، وما بعده إلى العشرين، بخلو الجزءين الأولين من التأنيث، وإثباته في الجزء الأول لما بعده في المذكر، والحجازيون يسكنون الشين في عشرة، وبنو تميم يكسرونها.
وميزوا ما بعد العشرة إلى العشرين وما بعدها من العُقود إلى التسعين بمنصوب، فقالوا: أحد عشر كوكبًا، وأربعين ليلة، وأتوا بواو العطف بعد العشرين، ومنعوها بعد العشرة إلى العشرين، فقالوا: أحد وعشرون، وأحد عشرة، وقالوا: مائة يوم، ومائتا يوم؛ فجعلوا المميز من المائة إلى الألف وما بعده مُضافًا، ولم يُجروه مجرى ما بعد العشرة إلى التسعين.
وقالوا: ثلاثمائة وأربعمائة، وبابه، فميزوه بالمفرد، ولم يميزوا بالجمع، وقالوا: ألف ليلة. فأجروا ذلك في التمييز مجرى المائة.
فائدة في استعمال "ألْف":
لفظ "ألف" مُذكر، والدليل عليه قوله تعالى: {يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ}، وقد تقرَّر أن المعدود المذكر يؤنث، والمؤنث يذكر.
ولا يورد قولهم: "هذه ألف درهم"؛ فإن الإشارة إنما هي إلى الدراهم، لا إلى الألف، وتقديره: هذه الدّراهم ألف.
الجزء 1 · صفحة 50
50)
فائدة أخرى في تعريف العدد المضاف:
إذا أردت تعريف العدد المضاف، أدخلت الأداة على الاسم الثاني، فتعرف به، نحو "ثلاثة الرجال"، "ومائة الدرهم" كقولك: "غُلام الرجُل". قال ذو الرُّمَّة:
وهل يَرْجعُ التسليمَ أو يكشِف العَمَى ... ثلاثُ الأثافي والرِّسُومُ البَلاقِعُ
ولا يجوز "الخمسة دراهم"؛ لأن الإضافة للتخصيص، وتخصيص الأول باللام يُغنيه عن ذلك، فاما ما لم يُضف، فأداة التعريف في الأول نحو "الخمسة عشر درهمًا"؛ إذ لا تخصيص بغير اللام، وقد جاء شئ على خلاف ذلك.
تنبيه في استعمال كلمة "ثماني":
الفصيح أن تقول: "عندي ثماني نسوة"، و"ثماني عشرة جارية"، و"وثماني مائة درهم"؛ لأن الياء هُنا ياء المنقوص، وهي ثابتة في حالة الإضافة والنصب، كياء قاضي، وأما قول الأعشى:
وَلقد شربتُ ثمانيًا وَثمانيًا ... وَثَمانِ عشرَةَ واثْنتَين وأربَعَا
فبابه ضرورة الشعر، كما قال الآخر:
وطرْتُ بمُنْصُلِي في يَعْمَلاتٍ ... دَوَامِي الأيدِ يَخْبِطْنَ السرِيحَا
يريد "الأيدي" على أنه قد قُرِئ: {وَلَهُ الْجَوَارُ الْمُنْشَآتُ}، بضمِّ الرَاء.
الفصل الثالث في كيفية كتابة التاريخ
تقول للعشرة وما دونها: خَلَون؛ لأن المميز جمع، والجمع مؤنث.
وقالوا لما فوق العشرة: خَلَت، ومَضت؛ لأنهم يزيدون أن مميزه واحد.
وتقول من بعد العشرين: لتسع إن بقين، وثمان إن بقين، تأتي بلفظ الشك؛ لاحتمال أن يكون الشهر ناقصًا أو كاملًا.
الجزء 1 · صفحة 51
51)
وقد منع أبو علي الفارسي: لمستَهَلّ؛ لأن الاستهلال قد مضى، ونصّ على أن يؤرّخ بأول الشهر في اليوم، أو بليلة خَلت منه.
قال الحريري في "درة الغوَّاص": والعرب تختار أن تجعل النون للقليل والتاء للكثير، فيقولون لأربع: خلون، ولأربع عشرة ليلة: خلت.
قال: ولهم اختيار آخر، وهو أن تجعل ضمير الجمع الكثير الهاء والألف، وضمير الجمع القليل الهاء والنون المشدَّدة، كما نطق القرآن به، قال الله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ}، فجعل ضمير الأشهر الحرم بالهاء والنون لقلتهن، وضمير شهور السنة الهاء والألف لكثرتها.
وكذلك اختاروا أيضًا أن ألحقوا لصفة الجمع الكثير الهاء، فقالوا: أعطيته دراهم كثيرة، وأقمت أيامًا معدودة، وألحقوا لصفة الجمع القليل الألف والتاء، فقالوا: أقمت أيامًا معدودات، كسوته أثوابًا رفيعات.
وعلى هذا جاء في سورة البقرة: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً}، وفي سورة آل عمران {إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ}، كأنهم قالوا أولا: بِطُول المدّة، ثم إنهم رجعوا عنه، فقصروا المدة. انتهى.
والواجب أن تقول في أول الشهر: لليلة خلتْ منه، أو لغرَّته، أو لمستهلّه.
فإذا تحققت آخره، قلت: انسلاخُهُ، أو سَلخُه، أو آخره.
قال ابن عصفور: والأحسن أن تؤرخ بالأقل فيما مضى وما بقى، فإذا استويا أرخت بأيهما شئت.
وقال الصلاح الصفدي بعد نقله كلام ابن عصفور هذا: قلتُ: بل إن كان في خامس عشر، قلت: منتصف، أو في خامس عشر، وهو أكثر
الجزء 1 · صفحة 52
52)
تحقيقًا؛ لاحتمال أن يكون الشهر ناقصًا، وإن كان في الرابع عشر، ذكرته، أو السادس عشر ذكرته.
تنبيه في كتابة بعض الشهور
قال الصلاح الصفدي: رأيت الفضلاء قد كتبوا بعض الشهور بشهر كذا، وبعضها لم يذكروا معه شهرًا، وطلبت الخاصة في ذلك، فلم أجدهم أتوا بشهر إلا مع شهر يكون أوله حرف راء، مثل شهري ربيع، وشهر رجب، وشهر رمضان، ولم أدْرِ العلة في ذلك ما هي؟، ولا وجه المناسبة؟ لأنه كان ينبغي أن يُحذف لفظ شهر من هذه المواضع؛ لأنه يجتمع في ذلك راآن، وهم قد فرّوا من ذلك، كتبوا: داود، وناوس، وطاوس، بواو واحدة؛ كراهية الجمع بين المثلين. انتهى.
وقال الحافظ جلال الدين السيوطي في كتابه "نظم العقيان في أعيان الأعيان" بعد نقله كلام الصفدي هذا: قلت: قد تعرض للمسئلة من المتقدمين ابن درستويه في الكتاب "المتمم"، فقال: الشهور كلها مُذكرة إلا جمادى، وليس شئ منها يُضاف إليه شهر إلا شهرا ربيع، وشهر رمضان، قال الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}.
وقال الراعي:
شَهْرَيْ رَبيعٍ مَا تذُوق لَبُونهُم ... إلا حُمُوضًا وَخْمَة ودَوِيلًا
فما كان من أسمائها أسمًا للشهر، أو صفة قامت مقام الاسم، فهو الذي لم يَجُزْ أن يضاف الشهر إليه، ولا يُذكر معه، كالمحرّم، إنما معناه الشهر المحرّم؛ وهو من الأشهر الحرم، كصفر، وهو اسم معرفة كزيد، من قولهم: صفر الإناء يُصفر صفرًا، إذا خلا، وجُمادى، وهي معرفة، وليست بصفة، وهي من جمود الماء، ورجب وهو معرف، مثل صفر، وهو من قولهم: رجبت الشيء، أي عَظمته؛ لأنه أيضًا من الأشهر الحرم، وشعبان؛ وهو صفة بمنزلة عطشان،
الجزء 1 · صفحة 53
53)
من التشعّب والتفرّق، وشوَّال، وهو صفة جَرَت مجرى الاسم، وصارتْ معرفة، وفيها تشول الإبل، وذي القعدة، وهي صفة قامت مقام الشهر والقعود عن التصرف، كقولك، هذا الرجل ذو الجلسة، فإذا حذفت الرجل قلت: ذو الجلسة، وذي الحِجة مثله، مأخوذ من الحج.
وأما الربيعان، ورمضان، فليست بأسماء للشهر، ولا صفات له، فلا بد من إضافة شهر إليها، كقولك شهر ربيع، وشهر رمضان، ويدُلُّك على ذلك أن رمضان فعلان من الرمضاء، كقولك: الغليان، وليس الغليان بالشهر، ولكن الشهر شهر الغليان، وجعل رمضان اسمًا معرفة للرمضاء، فلم يُصرف لذلك، فأما رواة الحديث فيرون أن اسم من أسماء الله تعالى.
وربيع إنما هو اسم للغيث، وليس الغيث بالشهر، ولكن الشهر شهر غيث، فصار ربيع اسمًا للغيث معرفة كزيد، فإذا قلت: شهر ربيع الأول والآخر، فهما صفتان لشهرٍ، وإعرابهما كإعرابه، ولا يكونان صفة لربيع، وإن كان معرفة، لأنه ليس هنا ربيعان، وإنما هو ربيع واحد، وشهرا ربيع، ولو كان كذلك لكانا نكرتين، ولكانا مُضافين إلى معرفة، وصارا به معرفة. انتهى كلام ابن درستويه، كما نقله السيوطي.
ويؤخذ منه أن رجب لا يُضاف إليه لفظ شهر، كما ذكر الصفدي، فليتأمل.
وجرت العادة بأن يقولوا في شهر المحرم: شهر الله، وفي شهر رجب: شهر رجب الفرد، أو الأصم، أو الأصب، وفي شعبان: المكرّم، وفي رمضان: رمضان المعظّم، وفي شوَّال: شوَّال المبارك، ويؤرِّخوا أول شوَّال بعيد الفطر، وثامن الحجّة بيوم التروية، وتاسعه بيوم عرفة، وعاشر بعيد النحر، وتاسع المحرم بيوم تاسوعاء، وعاشره بيوم عاشوراء، فلا يحتاجون أن يذكروا الشهر، ولكن لا بد من ذكر السنة.
الجزء 1 · صفحة 54
54)
فائدة في استعمال"نيف" و"بضع":
قد يجئ في بعض المواضع "نيف" و"بضع"، مثل قولهم: نيف وعشرون، وهو بتشديد الياء، ومن قال: نيف بسكونها، فذاك لحن، وهذا اللفظ مُشتق من أناف على الشئ، إذا أشرف عليه، فكأنه لما زاد على العشرين كان بمثابة المشرف عليها، ومنه قول الشاعر:
حَلَلْتُ برَابِيةٍ رَأسُهَا ... على كُلِّ رابِيَةٍ نيَفُ
واختلف في مقداره، فذكر أبو زيد أنه ما بين العقدين، وقال غيره: هو الواحد إلى الثلاثة.
قال الصفدي: ولعل هذا الأقرب إلى الصحيح.
وقولهم: بِضع عشر سنة، البضع أكثر ما يستعمل فيما بين الثلاث إلى العشر، وقيل: بل هو ما دون نصف العقد، وقد انزوى القول الأول إلى النبي ?، في تفسير قوله تعالى: {وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ}، وذلك أن المسلمين كانوا يحبون أن تظهر الروم على فارس، لأنهم أهل كتاب، وكان المشركون يميلون إلى أهل فارس، لأنهم أهل أوثان، فلما بشَّر الله تعالى المسلمين بأن الروم سيغلبون في بضع سنين، سُرَّ المسلمون بذلك، ثم إن أبا بكر رضي الله تعالى عنه بادر إلى مشركي قريش، فأخبرهم بما نزل عليهم فيه، فقال أبي بن خلف: خاطرْني على ذلك، فخاطره على خمس قلائص، وقدر له مُدة الثلاث سنين، ثم أتى النبي صلى اله عليه وسلم، فسأله كم البضع، فقال: ما بين الثلاث إلى العشر، فأخبره بما خاطر به أبي بن خلف، فقال: ما حملك على تقريب المدة؟، فقال: الثقة بالله ورسوله ?، فقال النبي ?: "عُدْ إليهِمْ فَزِدْهُمْ في الخَطْرِ وَازْدَدْ في الأجَلِ"، فزادهم قلوصين، وازداد منهم في الأجل سنتين، فأظفر اللّه تعالى الروم بفارس قبل انقضاء الأجل الثاني، تصديقا لتقدير أبي بكر ?،
الجزء 1 · صفحة 55
55)
وكان أُبَيٌّ قد ماتْ من جرح رسول الله ?، فأخذ أبو بكر الخطر من ورثة أُبي، فقال النبي ?: "تَصدَّق بِهِ"، وكانت المخاطرة بينهما قبل تحريم القِمار.
وقيل: الذي خاطر أبا بكر رضى الله عنه إنما هو أبو سفيان، والأول أصح.
كذا في "الوافي بالوفيات" للصلاح الصفدي، رحمه الله تعالى.
الباب الثاني في بيان العَلَم، والكُنية، وتعريف التاريخ وما يتعلق به وهو يشتمل على أربعة فصول.
الفصل الأول فيما يكون مصدَّرا بأب وأم
اعلم أن الدال على مُعين مطلقا إما أن يكون مُصدَّرًا بأبٍ أو أمّ، كأبي بكر، وأمّ كلثوم، وأمّ سلمة، وإما أن يشعر برفعة المسمّى، كمُلاعب الأسنة، وعروة الصعاليك، وزيد الخيل، والرشيد، والمأمون، والواثق، والمكتفى، والظاهر، والناصر، وسيف الدولة، وعضد الدولة، وجال الدين، وعز الدين، وإمام الحرمين، وصدر الشريعة، وتاج الشريعة، وفخر الإسلام، وملك النحاة، وإما أن يشعر بضعة المسمّى كجُحى، وشيطان الطاق، وأبي العبر، وجحظة، وقد لا يشعر بواحد منهما، بل أجري عليه ذلك بواقعة جرت، مثل: غسيل الملائكة، وحمى الدَّبر، ومُطين، وصاع جزرة، والمبرَّد، وثابت قُطنة، وذي الرمَّة، والصعق، وصرَّدرَّ، وحيص بيص.
فهذه الأقسام الثلاثة تسمّى الألقاب.
الجزء 1 · صفحة 56
56)
وإلا فهو الاسم الخاص، كزيد وعمرو، وهذا هو العلم، وقد يكون مفردًا كما تقدم، وقد يكون مركبًا، إما من فعل وفاعل، كتأبَّط شرًا، وبرق نحرُه، وإما من مُضاف ومضاف إليه، كعبد الله، أو من اسمين قد رُكبا، وجُعلا بمنزلة اسم واحد، كسيبويه، والمفرد قد يكون مُرتجلًا، وهو الذي ما استعمل في غير العلمية، كمِذْحَج، وَأْدُد، وقد يكون منقولًا، إما من مصدرٍ؛ كسعد، وفضل، أو من اسم فاعل؛ كعامر، وصالح، أو من اسم مفعول؛ كمحمد، ومسعود، أو من أفعل تفضيل؛ كاحمد، وأسعد، أو من صفة؛ كثقيف، وهو الذَّرِبُ بالأمور الظافر بالمطلوب، وسَلول، وهو الكثير السل، وقد يكون منقولًا من اسم عين؛ كأسد، وصقر، وقد يكون منقولًا من فعل ماض؛ كأبان، وشمَّر، أو من فعل مضارع؛ كيزيد، ويشكر.
وإذ قد عرفت العَلَم، والكنية، واللقب، فسردها يكون على الترتيب: تُقدم اللقب على الكنية، والكنية على العَلَم، ثم النسبة إلى البلد، ثم إلى الأصل، ثم إلى المذهب في الفروع، ثم إلى المذهب في الاعتقاد، ثم إلى العَلَم، أو الصناعة، أو الخلافة، أو السلطنة، أو الوزارة، أو القضاء، أو الإمرة، أو المشيخة، أو الحج، أو الحرفة، كلها مقدم على الجميع.
فتقول في الخلافة: أمير المؤمنين الناصر لدين الله أبو العبَّاس أحمد السامري، إن كان بسُرَّ مَنْ رَأى، البغدادي، فرقًا بينه وبين الناصر الأموي صاحب "الأندلس"، الحنفي، الأشعري، إن كان يتمذهب في الفروع بفقه أبي حنيفة، ويميل في الاعتقاد إلى أبي الحسن الأشعري، ثم تقول: القُرشي، الهاشمي، العبَّاسي.
وتقول في السلطنة: السلطان الملك الظاهر ركن الدين أبو الفتح بَيْبَرَس الصالحي - نسبة إلى أستاذه الملك الصالح - التُركى الحنفى البندقدار، أو السلاح دار.
الجزء 1 · صفحة 57
57)
وتقول في الوزراء الوزير فلان الدين أبو كذا، وتسرد الجميع كما تقدم، ثم تقول: وزير فلان.
وتقول في القضاة كذلك: القاضي فلان الدين، وتسرد الباقي، كما تقدم.
وتقول في الأمراء كذلك: الأمير فلان الدين، وتسرد الباقي، إلى أن تجعل الآخر وظيفته التي كان يُعرف بها قبل الإمرة، مثل الجاشَنْكير، أو الساقي، أو غيرهما.
وتقول في أشياخ العلم: العلامة، أو الحافظ، أو المسنِد، فيمن عُمِّر وأكثر الرِّواية، أو الإمام، أو الفقيه، وتسرد الباقي إلى أن تختم الجميع بالأصُولي، أو النحوي، أو المنطقي.
وتقول في أصحاب الحرف: فلان الدين، وتسرد الجميع إلى أن تقول الحرفة إما البزَّاز، أو العطَّار، أو الخيَّاط.
فإن كان النسب إلى أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قلت: القُرشى، التيمي، البَكري؛ لأن القرشي أعمّ من أن يكون تيميًا، والتيمي أعمّ من أن يكون من ولد أبي بكر ?.
وإن كان النسب إلى عمر بن الخطَّاب رضي الله تعالى عنه، قلت: القرشي، العدوي، العُمري.
وإن كان النسب إلى عثمان رضي الله تعالى عنه، قلت: القرشي، الأموي، العُثماني.
وإن كان النسب إلى علي بن أبي طالب رضى الله تعالى عنه، قلت: القُرشي، الهاشمي، العلوي.
وإن كان النسب إلى طلحة رضى الله تعالى عنه، قلت: القرشي، التيمي، الطلحي.
وإن كان النسب إلى الزبير رضي الله تعالى عنه، قلت: القرشي، الأسدي، الزبيري.
الجزء 1 · صفحة 58
58)
وإن كان النسب إلى سعد بن أبي وقَّاص رضي الله تعالى عنه، قلت: القرشي، الزهري، السعدي.
وإن كان النسب إلى سعيد رضي الله تعالى عنه، قلت: القرشي، العدوى، السعيدي، إلا أنه ما نُسب إليه فيما عُلم.
وإن كان النسب إلى عبد الرحمن بن عوف رضى الله تعالى عنه قلت: القرشي، الزهري، العوفي، من ولد عبد الرحمن بن عوف.
وإن كان النسب إلى أبي عبيدة بن الجرَّاح، قلت: القرشي، من ولد أبي عبيدة، على أنه ما أعقب.
هذا الذي. ذكرته هنا هو القاعدة المعروفة، والجادَّة المسلوكة المالوفة، عند أهل العلم.
وإن جاء في الكتاب في بعض التَّراجم ما يُخالف ذلك من تقديم وتأخير، فإنما هو سبق من القلم، وذهول من الفكر، وما خالف الأصل يُردُّ إليه، ولا يعترض بحد وضوح الاعتذار عليه. والله أعلم.
تنبيه
كلما رفعت في أسماء الآباء والنسب وزدت انتفعت بذلك، وحصل لك الفرق، فقد حكى أبو الفرج المعافي بن زكريا النهرُوَاني، قال: حججتُ في سنةٍ، كنت بمنى أيام التشريق، فسمعت مُناديًا يُنادي: يا أبا الفرج، فقلت: لعله يريدني، ثم قلت: في الناس كثير ممن يُكنى أبا الفرج، فلم أجبْه، فنادى: يا أبا الفرج المعافي، فهممت بإجابته، ثم قلت: قد يكون من اسمه المعافي، وكنيته أبو الفرج، فلم أجبه، فنادى يا أبا الفرج المعافي بن زكريا النهرواني، فقلت: لم يبق شك في مناداته إياي؛ إذ ذكر كنيتي، واسمي، واسم أبي، وبلدي، فقلت: ها أنا ذا، فما تريد؟ فقال: لعلك من نهروان الشرق؟ فقلت: نعم.
الجزء 1 · صفحة 59
59)
فقال: نحن نريد نهروان الغرب، فعجبت من اتفاق ذلك. انتهى.
وكذلك الحسن بن عبد اللّه العسكري أبو هلال، صاحب كتاب "الأوائل"؛ والحسن بن عبد اللّه العسكري أبو أحمد اللغوي، صاحب كتاب "التصحيف" كلاهما الحسن بن عبد الله العَسكري، الأول كان موجودًا في سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، والثاني توفي سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة، فاتفقا في الاسم، واسم الأب، والنسبة، والعَلَم، وتقاربا في الزمان، ولم يُفرق بينهما إلا بالكنية؛ لأن الأول أبو هلال؛ والثاني أبو أحمد، والأول ابن عبد الله بن سهل بن سعيد، والثاني ابن عبد الله بن سعيد بن إسماعيل؛ ولهذا كثير من أهل العلم بالتاريخ لا يفرّقون بينهما، ويظنّون أنهما واحد.
ومثل هذا كثير جدًّا، وفي هذا القدر كفاية. واله تعالى أعلم.
الفصل الثاني في معرفة أصل الوفاة من حيث اللغة وفي ذكر فائدتها في التواريخ
فنقول: أصلها وَفَيَة، بتحريك الواو والفاء والياء، على وزن بقرة، ولما كانت الياء حرف علة سكنوها، فصارتْ وَفَيْة، فلما سُكنت الياء، وانفتح ما قبلها قُلبت ألفا، فقالوا: وَفَاة، ولهذا لما جمعوه رجعوا به إلى أصله، فقالوا: وَفَيات، بفتح الواو والفاء والياء، كما قالوا: شجرة وشجرات. وقالوا في الفعل منه: تُوفِّي زيد، بضم التاء والواو كسر الفاء وفتح الياء، فبنوه على ما لم يُسمَّ فاعله؛ لأن الإنسان لا يتوفى نفسه، فعلى هذا المتوفي بكسر الفاء هو الله، أو أحد الملائكة بأمره تعالى، وزيد المتوفى، بفتح الفاء.
وقد حُكي أن بعضهم حضر جنازة، فسأل بعض الفضلاء، وقال: من المتوفِّي؟ بكسر الفاء، فقال: الله تعالى، فأنكر ذلك، إلى أن بين له الغلط،
الجزء 1 · صفحة 60
60)
فقال: قُل المتوفَّى بفتح الفاء، ذكر ذلك الصفدي في مقدمة تاريخه "الوَافي بالوفيات".
وذكر فيه أيضًا فوائد للتاريخ، وقال: منها واقعة رئيس الرؤساء مع اليهودي الذي أظهر كتابًا فيه أن رسول الله ? أمر بإسقاط الجزية عن أهل خيبر، وفيه شهادة الصحابة رضي الله تعالى عنهم، منهم على بن أبي طالب رضى الله تعالى عنه، فحمل الكتاب إلى رئيس الرؤساء، ووقع الناس منه في حيرة، فعرضه على الحافظ أبي بكر، خطيب "بغداد"، فتأمَّله، وقال: إن هذا مزوَّر، فقيل له: من أين لك ذلك؟. فقال: فيه شهادة معاوية رضى الله تعالى عنه، وهو أسلم عام الفتح، وفتوح خيبر سنة سبع، وفيه سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه، ومات سعد يوم بني قريظة قبل خيبر بسنتين، ففرَّج ذلك على المسلمين غمًّا.
قال الصلاح الصفدي: وروي عن إسماعيل بن عيَّاش، أنه قال: كنت بـ "العراق"، فأتاني أهل الحديث، فقالوا: ههنا رجل يحدث عن خالد بن مَعْدان، فأتيته، فقلت: أيّ سنة كتبت عن خالد بن مَعْدان؟.
فقال: سنة ثلاثة عشرة، يعني: ومائة.
فقلت: أنت تزعم أنك سمعت منه بعد موته بسبع سنين، لأن خالدًا مات سنة ست ومائة.
وروي عن الحكم أبي عبد الله، أنه قال: لما قدم أبو جعفر محمد بن حاتم الكشّي - بالشين والسين معًا - وحدث عن عبد اللّه بن حميد، سألته عن مولده، فذكر أنه ولد سنة ستين ومائتين، فقلت لأصحابنا: هذا سمع من عبد بن حميد بعد موته بثلاث عشرة سنة.
وفوائد تاريخ الوفاة لا تنحصر، وهذا القدر كافٍ منها، واللّه أعلم.
الجزء 1 · صفحة 61
61)
الفصل الثالث في تعريف علم التاريخ وما يتعلق به
أقول وبالله التوفيق: قد كثرت الأقوال في تعريف التاريخ، وبيان فضيلته، وأحسن ما وقفت عليه من ذلك، ما نقله صاحب كتاب "غرر المحاضرة ودُرر المكاثرة"، وهو الشيخ الإمام المؤرخ تاج الدين علي بن أنجب المعروف بابن الخازن، فإنه قال في كتابه المذكور: قال العُلماء: التاريخ مَعادٌ معنوي؛ لأنه يعيد الأعصار، وقد سلفت، وينشر أهلها، وقد ذهبت آثارهم، وعفت، وبه يستفيد عقول التجارب من كان غرًا، ويلقى آدم، ومن بعده من الأمم، وهلمَّ جرا، فهم لديه أحياء، وقد تضمنتهم بطون القبور، وغُيَّاب، وهم عنده في عداد الحضور، ولولا التاريخ لجُهلت الأنساب، ونسيت الأحساب، ولم يعلم الإنسان أن أصله من تُراب، وكذلك لولاه لماتت الدول بموت زعمائها، وعمّي على الأواخر حالُ قُدمائها.
ولمكان العناية به لم يخل منه كتاب من كتب الله المنزلة، فمنها ما أتى بأخباره المجملة، ومنها ما أتى بأخباره المفصلة، وقد ورد في التوراة سفر من أسفارها، يتضمن أحوال الأمم السالفة ومُدد أعمارها.
وكانت العرب على جهلها بالقلم وخطه، والكتاب وضبطه، تصرف إلى التواريخ جُلّ دواعيها، وتجعل لها أوفر حظّ من مساعيها، وتستغني بحفظ قلوبها عن حفظ مَكتوبها، وتعتاض برقم صدورها، عن رقم مسطورها، كل ذلك عناية باخبار أوائلها، وأيام فضائلها، فهل للإنسان إلا ما أسّسَه وبناه، وهل البقاء لصورة لحمه ودمه لولا بقاء معناه. انتهى.
الجزء 1 · صفحة 62
62)
قاعدة حسنة في أدب المؤرخ:
وأما أدب المؤرخ، فقد ذكر ابن السُبكي في "طبقاته الكبرى" له قاعدة حسنة، فقال: قاعدة في المؤرخين نافعة جدًّا، فإن أهل التاريخ ربما وضعوا من أناس، أو رفعوا أناسًا، إما لتعصّب، أو لجهل، أو لمجرّد اعتماد على نقل من لا يوثق به، أو غير ذلك من الأسباب، والجهل في المؤرخين أكثر منه في أهل الجرح والتعديل، وكذلك التعصّب، قلّ أن رأيت تاريخًا خاليًا من ذلك.
وأما تاريخ "شيخنا الذهبي" غفر الله له، فإنه على حسنه وجمعه مشحون بالتعصّب المفرط، لا واخذه الله، فلقد أكثر الوقيعة في أهل الدين، أعني الفقراء، الذين هم صفوة الخلق، واستطال بلسانه على كثير من أئمة الشافعيين والحنفيين، ومال، فأفرط على الأشاعرة، ومدح، فزاد في المجسّمة، هذا وهو الحافظ المِدْرَه، والإمام المبجّل، فما ظنّك بعوام المؤرّخين.
ما يشترط في المؤرخ:
فالرأي عندنا أن لا يقبل مدح ولا ذم من المؤرخين، إلا بما اشترطه إمام الأئمة، وحبر الأمة، وهو الشيخ الإمام الوالد رحمه الله تعالى، حيث قال، ونقلته من خطّه في مجاميعه: يُشترط في المؤرخ الصدق، وإذا نقل يعتمد اللفظ دون المعنى، وأن لا يكون ذلك الذي نقله أخذه في المذاكرة، وكتبه بعد ذلك، وأن يسمي المنقول عنه؛ فهذه شروط أربعة فيما ينقله. ويُشترط فيه أيضًا لما يُترجمه من عند نفسه، ولما عساه يطول في التراجم من المنقول ويقصر، أن يكون عارفًا بحال صاحب الترجمة، علمًا، ودينًا، وغيرهما من الصفات، وهذا عزيز جدًّا، وأن يكون حسن العبارة، عارفًا بمدلولات الألفاظ، وأن يكون حصن التصوّر، حتى يتصوّر حال ترجمته جميع حال ذلك الشخص، ويعبر عنه بعبارة لا تزيد عليه، ولا تنقص عنه، وأن لا يغلبه الهوى،
الجزء 1 · صفحة 63
63)
فيخيّل إليهِ هواه الإطناب في مدح من يحبّه، والتقصير في غيره، بل يكون مجرّدًا عن الهوى، وهو عزيز جدًّا، وإما أن يكون عنده من العدل ما يقهر به هواه، ويسلك طريق الإنصاف. فهذه أربعة شروط أخرى، ولك أن تجعلها خمسة؛ لأن حسن تصوّره وعلمه قد لا يحصل معهما الاستحضار حين التصنيف، فتجعل حضور التصوّر زائدًا على حسن التصوّر، والعلم.
فهذه تسعة شروط في المؤرّخ، وأصعبها الاطلاع على حال الشخص في العلم؛ فإنه يحتاج إلى المشاركة في علمه، والقرب منه حتى يعرف مرتبته. انتهى.
ثم ذكر أن كتابته لهذه الشروط بعد أن وقف على كلام ابن معين في الشافعي، وقول أحمد بن حنبل: إنه لا يعرف الشافعي، ولا يعرف ما يقول.
قلت: وما أحسن قوله "ولما عساه يطوّل في التَّراجم من المنقول، ويقصِّر"، فإنه أشار به إلى فائدة جليلة، يغفل عنها كثيرون؛ ويحترز منها الموفَّقون، وهي تطويل التَّراجم وتقصيرها؛ فرب محتاط لنفسه لا يذكر إلا ما وجده منقولًا، ثم يأتي إلى من يُبغضه، فينقل جميع ما ذكر من مذامّه، ويحذف كثيرًا مما نقل من ممادحه، ويجئ إلى من يُحبّه، فيعكس الحال فيه، يظنّ المسكين أنه لم يأت بذنبٍ؛ لأنه ليس يجب عليه تطويل ترجمة أحدٍ ولا استيفاء ما ذكر من ممادحه، وما يظنّ المغترّ أن تقصيره لترجمته بهذه النِّية استزراء به، وخيانة لله، ولرسوله ?، وللمؤمنين، في تأدية ما قيل في حقِّه من مدح وذمّ، فهو كمن يُذكر بين يديه بعض الناس، فيقول: دعونا منه، أو: إنه عجيب، أو: الله يصلحه، فيظنّ أنه لم يعتبهُ بشيء من ذلك، وما يظنّ أن ذلك من أقبح الغيبة.
الجزء 1 · صفحة 64
64)
ولقد وقفت في "تاريخ الذهبي" على ترجمة الشيخ الموفَّق بن قدامة الحنبلي، والشيخ فخر الدين بن عسكر، وقد أطال تلك، وقصَّر هذه، وأتى بما لا يشكّ الثبت أنه لم يحمله على ذلك إلا أن هذا أشعري، وذلك حنبلي، وسيقفون بين يدي ربّ العالمين.
وكذلك ما أحسن قول الشيخ الإمام: "وأن لا يغلبه الهوى"؛ فإن الهوى غلَّاب إلا من عصمه الله تعالى.
وقوله: "فإما أن يتجرّد عن الهوى، أو يكون عنده من العدل ما يقهر به هواه" عندنا فيه زيادة، فنقول: قد لا يتجرّد من الهوى، ولكنّه لا يظنّه هوى، بل يظنّه لجهله، أو لبدعته حقًا؛ ولذلك لا يتطلّب ما يقهر به هواه؛ لأن المستقرّ في ذهنه أنه محقّ، وهذا كما يفعل كثير من المتخالفين في العقائد بعضهم في بعض، فلا ينبغي أن يقبل قول مُخالف في العقيدة على الإطلاق، إلا أن يكون ثقة، وقد روي شيئًا مضبوطًا عاينه أو حقّقه.
وقولنا: "مضبوطًا" احترزنا به عن رواية ما لا ينضبط، من التُّرَّهات التي لا يترتّب عليها عند التأمل والتحقّق شيء.
وقولنا "عايَنَه أو حقّقه" ليخرج ما يرويه عن من غلا أو رخّص ترويجا لعقيدته.
وما أحسن اشتراطه العلم، ومعرفة مدلولات الألفاظ، فلقد وقع كثيرون بجهلهم في جرح جماعة بالفلسفة، ظنًا منهم أن علم الكلام فلسفة، إلى أمثال ذلك، مما يطول عَدّة، فقد قيل في أحمد بن صالح، الذي نحن في ترجمته: إنه يتفلسف، والذي قال: هذا، لا يعرف الفلسفة. وكذلك قيل في أبي حاتم الرازي، وإنما كان رجلًا مُتكلمًا. وقريب من هذا قول الذهبي في المزني: إنه يعرف مضايق المعقول، ولم يكن الذهبي ولا المزني يدريان شيئًا من المعقول.
الجزء 1 · صفحة 65
65)
والذي أفتي به أنه لا يجوز الاعتماد على كلام شيخنا الذهبي في ذم أشعري، ولا شكر حنبلي، والله المستعان. انتهى كلام ابن السبكي بحروفه.
قلت: أكثر هذه الشروط مفقودة في أكثر المؤرخين، وفي غالب التواريخ، خصوصًا تواريخ المتأخرين، وقلما تراها مجتمعة، حتى إن ابن السبكي نفسه يخالفهم في كثير من المواضع، ومن تأمل "طبقاته" حقّ التأمل، ووقف على كلامه في حق بعض المعاصرين له، ظهر له صحة ما ذكرنا، ونحن نسأل الله تعالى أن يوفقنا للعمل بجميعها، وأن يعيننا عليه، ويسامحنا بما طغى به القلم، وحصل فيه الذهول، وكلَّ عنه الفكر، وقصَّر في التعبير عنه اللسان، بمنّه وكرمه.
الفصل الرابع في كيفية ضبط حروف المعجم
قالوا: الباء الموحّدة، وبعضهم يقول: الباء ثاني الحروف، والتاء المثناة من فوق، لئلا يحصل الشبه بالياء، لأنها مثنَّاة، ولكنها من تحت، وبعضهم قال: ثالثة الحروف، والتاء المثلثة، والجيم، والحاء المهملة، والخاء المعجمة، والدال المهملة، والذال المعجمة، والراء، والزاي، وبعضهم يقول: الراء المهملة، والزاي المعجمة، والسين المهملة، والشين المعجمة، والصاد المهملة، والضاد المعجمة، والطاء المهملة، والظاء المعجمة، والعين المهملة، والغين المعجمة، والفاء، والقاف، والكاف، واللام، والهاء، والواو، والياء المثناة، وبعضهم يقول: آخر الحروف.
الجزء 1 · صفحة 66
66)
هكذا يقولون إذا أرادوا ضبط كلمة؛ فإن أرادوا زيادة قالوا: على وزن كذا، فيذكرون كلمة توازنا، وهي أشهر منها، كما إذا قيَّدوا فَلُوَّا، وهو المهر، قالوا فيه: بفتح الفاء وضم اللام، وتشديد الواو، على وزن عَدوّ، فحينئذ يكون الحال قد اتضح، والإشكال قد زال.
الباب الثالث في بيان أسماء الله الحسنى، وهو يشتمل على ثلاثة فصول.
الفصل الأول في عدد أسماء الله الحسنى
قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}، وقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى}، وقال تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى}، وقال الله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى}، فهذه أربع آيات، ذكر الله فيها أسماءه الحسنى.
وقال رسول الله ?: إن لله تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة. رواه البخاري من حديث أبي هريرة ?، وفي رواية من حفظها، وفي رواية مائة إلا واحدة، وفي رواية إن الله وتر يحبّ الوتر. وقال الترمذي حدثنا إبراهيم بن يعقوب، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ?، قال: قال رسول الله ?: إن الله تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة، هو: الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، الملك، القدّوس، السّلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبّار،
الجزء 1 · صفحة 67
67)
المتكبر، الخالق، البارئ، المصوّر، الغفّار، القهّار، الوهّاب، الرزّاق، الفتّاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعزّ، المذلّ، السميع البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المصي، المبديء، المعبد، المحيي المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدّم، المؤخّر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البر، التوَّاب، المنتقم، العفو، الرؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المعطي، المانع، الضارّ، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، حدثنا به غير واحد عن صفوان بن صالح، ولا نعرفه إلا من حديث صفوان بن صالح، وهو ثقة عند أهل الحديث، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة ? عن النبي ?، لا نعلم في كثير شيء من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث.
وقد روى آدم بن أبي إياس هذا الحديث بإسناد غير هذا عن أبي هريرة ? عن النبي ?، وذكر فيه الأسماء، وليس له إسناد صحيح، والله أعلم.
قال القرطبي: قال علماءنا رحمة الله عليهم: لما قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}، والدعاء بها قبل معرفتها بأعيانها محال، وتحضيض الشرع على إحصائها وأمره بالدعاء بها، وهو لم يبّينها، ولم يعينها، من تكليف ما لا يطاق، ولم يرد به الشرع، فوجب تطلّبها، والوقوف عليها، حتى ندعو بها.
الجزء 1 · صفحة 68
68)
معنى قوله ?: من أحصاها:
قوله ?: "من أحصاها"، اختلف العُلماء فيه، فقيل: عدّها وحفظها، فتارة بالبحث والتفتيش عنها، فيكون ثوابه على هذا الإحصاء الجنة، وتارة يكون إحصاؤها حفظها، بعد أن وجدها محصاة، قد أحصاها غيره، ويشهد لهذا ما تقدم من قوله: من حفظها.
قال الإقليشي أبو العباس أحمد: ولعله ? وكل إحصائها في قوله "من أحصاها" وكل العُلماء إلى إحصائها بالبحث والنظر، ثم أشفق على أمته، ويسَّر لهم الأمرَ، فأحصاها لهم، وأخرجَها محصاةً، وقال: من حفظها دخل الجنة.
وقيل: إحصاؤها الفهم لها، والعلم بها.
وقيل: إحصاؤها أن ينزل كل اسم منها منزلته من غير تفريط.
هل أسماء الله محصورة في التسعة والتسعين:
قال القرطبي: واختلفوا هل أسماء الله ? محصورة في التسعة والتسعين أم لا، فذهب قوم، منهم علي بن حزم إلى أن أسماءه محصورة في التسعة والتسعين، وذهب آخرون، وهم الأكثرون إلى أنه يجوز أن يكون له أسماء زائدة، قالوا: ومعنى ما أخبرنا بها النبي ? من التسعة والتسعين إنما هو معنى الشرع لنا في الدعاء بها، كما قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}، وغيرها من الأسماء لم يشرع الدعاء بها، وهو الصحيح، لقوله ? في حديث الشفاعة: "فأحمده بمحامد لا أقدر عليها، إلا أن يلهمنيها الله ?"، رواه مسلم.
وروى أبو بكر، قال: "علَّمني رسول الله ? هذا الدعاء، قال: قل: اللهم إني أسئلك بمحمد نبيك، وبإبراهيم خليلك، وبموسى
الجزء 1 · صفحة 69
69)
نجيك، وبعيسى روحك، وكلمتك، وبتوراة موسى، وبإنجيل عيسى، وبزبور داود، وبفرقان محمد ?، وكل وحي أوحيتَه، وقضاء قضيتَه، وأسئلك بكل اسم هو لك، أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم غيبك، وأسئلك باسمك الطُّهر الطاهر الأحد الصمد الوتر، وبعظمتك وكبريائك، وبنور وجهك أن ترزقني القرآن والعلم، وأن تخلطه بلحمي ودمي وسمعي وبصري، وتستعمل به جسدي بحولك وقوتك، فإنه لا حولَ ولا قوةَ إلا بك".
وخرَّج البيهقي وغيره عن عبد الله بن مسعود ?، قال: "قال رسول الله ?: ما أصاب مسلمًا قط حزن ولا همّ، فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسئلك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علَّمته أحدا من خلقك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، وجلاءَ حزني، وذهابَ همي، إلا أذهب الله همَّه، وأبدله مكان همَّه فرحا، قالوا: يا رسول الله ألا نتعلم هذه الكلمات، قال: بلى، ينبغي لمن سمعهن أن يتعلَّمهن. وفي رواية بعد قوله: وجلاء حزني، قال رسول الله ?: ما قالهن مهموم قط، إلا أذهب الله همَّه وأبدله فرجا، قالوا: يا رسول الله ألا نتعلمهن، قال: فتعلموهن، وعلّموهن، وذكر غير ذلك من الأحاديث.
واحتجّوا أيضًا بحديث "إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة، وحملوه على قضية واحدة، لا قضيتين، ويكون تمام الفائدة في خبر إن في قوله: من أحصاها، لا في قوله تسعة وتسعين، وهو كقول القائل: إن لزيد ألف درهم أعدّها للصدقة، وقوله: إن لعمرو مائة
الجزء 1 · صفحة 70
70)
ثوب، من زاره خلعها عليه، وهذا لا يدلّ على أن ليس عنده من الدراهم إلا ألف درهم، ولا من الثياب أكثر من مائة ثوب، وإنما دلالته أن الذي أعدّه زيد من الدراهم للصدقة ألف درهم، وأن الذي أرصدَه عمرو من الثياب للخلع مائة ثوب، وأجاب الأوَّلون، فقالوا: هو محمول على قضيتين، إحداهما: أن لله تسعة وتسعين اسما، والثانية: أن من أحصاها دخل الجنة.
الفصل الثاني في أقوال العُلماء في تسمية الله أسماءه بالحسنى
في تسمية الله ? أسماءه بالحسنى عدّة أقوال، قيل: لما فيها من العلو والتعظيم والتقديس والتطهير، وقيل: لما وعد فيها من الثواب، وقيل: لأنها حسنة في الأسماع والقلوب، وقيل: لأنها تدل على توحيده وكرمه.
قال أبو بكر بن العربي: قوله: {فَادْعُوهُ بِهَا} أي اطلبوا منه بأسماءه، فيطلب بكل اسم ما يليق به، تقول: يا رحيم ارحمني، يا حكيم احكم لي، يا رازق ارزقني، يا هادي اهديني، يا فتّاح افتح لي، يا توّاب تب عليَّ، هكذا، فإن دعوتَ باسم عام قلتَ: يا ملك ارحمْني، يا عزيز احكمْ لي، يا لطيف ارزقْنِي، فإن دعوت بالاسم الأعظم قلت: يا الله، فهو متضمّن لكل اسم، ولا تقول: يا رازق اهدني، إلا أن تريد يا رزّاق ارزقْني الخير، وهكذا رتّب دعاءك، تكن من المخلصين.
جاءتْ روايات كثيرة في تعديد أسماء الله الحسنى، وفي بعضها أسماء بدل أسماء، وفي بعضها زيادة، قال القرطبي: وأما الأحاديث التي فيها عدد الأسماء فكلها مضطربة، وأشبهها ما خرَّجه محمد بن إسحاق بن خُزيمة.
الجزء 1 · صفحة 71
71)
الفصل الثالث في أسماء الله المرتبة على حروف المعجم
قال القرطبي: لما قال رسول الله ?: إن لله تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة، أردت أن يكون لي في هذا الإحصاء نصيب، وذكر عن بعضهم أنه من أراد الإحصاء فليقرأ القرآنَ من أوله إلى آخره، فيستوفي الأسماء كلَّها في أضعاف التلاوة.
قال الخطابي: وذكر أبو عبد الله الزبيدي أنه أخرج الأسماء كلها من القرآن، وذكر أنا مائة وثلاثة عشر اسما، وهي هذه مرتبة على حروف المعجم.
حرف الألف: الله، اللهم، إله، أحد، أول، آخر، إلٌّ في أحد وجُوه أيل، أعزّ، أعظم، أسرع، أحكم، أجلّ، أقدر، أوسع، أكثر، أكبر، أكرم، أعلم، أقرب، أحسن، أصدق، أعلى، أبقى، أهل التقوى، أهل المغفرة، آمر، أبد، آمين.
حرف الباء الموحّدة: باق، باطن، بصير، بديع، باري، بريء، بر، بار، باسط، باعث، بالغ أمره، بادي، بدي، برهان.
حرف التاء: توَّاب، تام.
حرف الثاء: قال الإقليشي: ولم يرد اسم مفتتح بالثاء، ولم يجيء ثابت في القرآن، ولا في الأثر، وإن كان يوصف الله تعالى به في معرض المدح، فيقال: الله ثابت سلطانه، وثابت علمه، وثابت قِدَمه، إلى غير ذلك مما يستحقّه.
حرف الجيم: جليل، جبّار، جامع، جواد، جاعل، جميل، جابر.
حرف الحاء: حكيم، حكم، حاكم، حاسب، حسيب، حليم، حنَّان، حافظ، حفيظ، حفي، حي، حق.
الجزء 1 · صفحة 72
72)
حرف الخاء: خبير، خالق، خلَّاق، خافض، خليفة، خير، خفي.
حرف الدال: دائم، دهر، ديّان، دافع، داع.
حرف الذال: ذو الجلال والإكرام، ذو الفضل، ذو الطول، ذو المعارج، ذو العرش، ذو القوة، ذو الرحمة، ذو رحمة واسعة، ذو مغفرة، ذو عقاب، ذاريء، ذات.
وفي (كتاب الترمذي) يا ذا الحَيْل الشديد، بالياء المعجمة باثنتين، وهو الصحيح. ومن رواه بالباء الموحّدة فقد غلط، والحَيْل هو القوة، ومنه لا حولَ ولا قوةَ، ولا حيلَ إلا بالله، ولا احتيالَ.
حرف الراء: رحمن، رحيم، رؤوف، رقيب، راشد، رشيد، رازق، رزاق، رافع، رفيع الدرجات، رب، رفيق، رمضان، راتق، راض، رابع ثلاثة.
حرف الزاي: زكي، ذكره ابن برجان، زارع أم نحن الزارعون، ذكره ابن العربي.
حرف السين: سامع، سميع، سلام، سيّد، سريع الحساب، سريع العقاب، ساخر، ساخط، ستير، ستَّار، ساتر، سادس خمسة.
حرف الشين المعجمة: شيء، شهيد، شاكر، شكور، شديد العقاب، شافي، شفيع.
حرف الصاد: صمد، صبور، صادق، صانع، صاحب.
حرف الضاد: ضار.
حرف الطاء: طاهر، طالب، طيب، طبيب.
حرف الظاء: ظاهر.
حرف العين: عالم، عليم، علام، علي، عزيز، عدل، عفو، عظيم، عاصم، عدو، عامل، عادل.
الجزء 1 · صفحة 73
73)
حرف الغين: غافر، غفور، غفَّار، غالب، غيور، غضبان.
حرف الفاء: فتّاح، فاعل، فعال، فارج الهم، فاكل، فاطل، فالق، فليق، فائق، فرد.
حرف القاف: قادر، قدير، قوي، قيّوم، قايم، قاهر، قهَّار، قدّوس، قابض، قريب، قديم، قاض، قابل التوب.
حرف الكاف: كبير، كريم، كاف، كاشف، كابن، كامل، كنز.
قال الإقليشي: وليس في الصفات كامل وصفا لله تعالى في أثر، ولو ورد كان معناه كمعنى تام، فإن ذات الله تعالى وأفعاله تامة كاملة.
حرف اللام: لطيف.
حرف الميم: موجود، معبود، منشيء، مصوّر، مكوّن، مخرج، موجد، مبدع، مبتدع، محدث، ملك، مالك، مليك، ملك الملوك، مالك الملك، مجيد، ماجد، متكبر، مقتدر، متعال، محصي، محيط، مؤمن، مهيمن، مقسط، مقيت، متين، مبين، منير، مجيب، مستجيب، مناد، مناج، مغيث، منيع، ملي، معطي، مغني، مانع، معز، مذل، مقدّم، مؤخّر، مبدئ، معيد، محيي، مميت، منتقم، محسن، محسان، مفضل، منّان، مولى، مستعان، مدبر، مريد، مكلم، متكلّم، مبرم، منذر، مرسل، منزل، مهلك، معدم، معذب، مبغض، معاذ، مسعر، مبلي، مبتلي، ممتحن، متوف، مغني، مبقي، مكرم، مطهر، موئل، موسع، ماهد، موهن، مقلّب القلوب، مثبتها، مجري السحاب، مصرفها، مستهزيء، ماكر، مضل، متمّ نوره، مقبل، ممرض، منصح، مداوي، مجير، معلم، ميسّر، مسهّل، مسترزق، متكفل.
حرف النون: نور، نافع، ناصر، نصير، ناظر، نظيف، نعم المولى، ونعم النصير، ناء.
الجزء 1 · صفحة 74
74)
حرف الواو: واحد، واجد، واسع، وكيل، وال، ودود، وهّاب، وارث، وتر، واف، وفي، ولي.
حرف الهاء: هاد.
قال الإقليشي: وليس في القرآن ولا في الأثر من أسماء الله تعالى اسم مفتتح بها غيرها، وقد ذكر بعض العُلماء في شرح الأسماء هو والهوي.
قلت: قال القرطبي غفر الله له: وفيه اسم رابع هازم الأحزاب.
حرف لام ألف: قال الإقليشي: وليس في الأسماء اسم مفتتح بلام ألف.
قلت: قال القرطبي غفر الله له: فيه لا إله إلا هو.
حرف الياء: وليس في الأسماء مفتتح بياء غير ما ذكره بعض العُلماء في يس، إنه اسم من أسماء الله تعالى، كسائر حروف التهجّي، وهي أربعة عشر حرفا، ألف، حا، را، طا، كاف، لام، ميم، نون، صاد، عين، قاف، سين، ها، يا.
قال القاضي ابن عربي: وعندي أنه ليس لله تعالى اسم ولا صفة إلا وقد اطلع عليها رسول الله ?، قال ابن الحصّار: وهذا عندي حسن، قال: والذي عليه جل العُلماء أن ما وجب لله سبحانه لا يحيط به مخلوق، ويدل عليه قوله تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي} الآية، وقوله ?: "سبحان الله عدد خلقه" ... الحديث.
الجزء 1 · صفحة 75
75)
الباب الرابع في سيرة النبي ? وهو يشتمل على خمسة فصول
ولما كان رسول الله ? هو الذي أظهر هذا الدين القويم، وأنار هذا الصراط المستقيم، وكان كل فضل منسوبًا إلى فضله، كل علم مستفادًا من علمه، ولولاه ما كان عالم يذكر، ولا فاضل علمه يُنشر، قال البوصيري:
فهو الذي تم معناه وصورته ... ثم اصطفاه حبيبا بارئ النسم
منزه عن شريك في محاسنه ... فجوهر الحسن فيه غير منقسم
وكانت سائر الأفاضل، والعلماء الأماثل، والأولياء المخلصين، والصلحاء السابقين، يغترفون من ذلك البحر، ويستنيرون بذلك البدر.
وكانوا كما قال البوصيري رحمه الله تعالى:
وكلُّهُمْ مِن رَسُولِ اللهِ مُلتمِسٌ ... غَرْفًا من البَحْر أو رَشْفًا من الدَّيَمِ
تعين أن نبدأ بذكر شئ يسير من سيرته الشريفة، وأوصافه المنيفة، لتكون لهذا الكتاب مشرفة، وعلى غيره من الطبقات التي خلت عنها مُفضلة، ويكون لهم في الذكر إمامًا، كما كان لهم في الدين هاديًا وهُمامًا.
ثم نتلوه بذكر فضائل أصحابه البررة، رضى الله عنهم، الذين أختارهم الله لصحبة حبيبه ونبيه ?، ثم نذكر أسماء فقهاء الصحابة رضي الله، ثم ترجمة حبر الأمة فقيه الملة الصحابي الجليل عبد اللّه مسعود ?، ثم أرشد تلاميذه علقمة بن قيس النخعي، ثم أعز تلاميذه إبراهيم النخعي، ثم أشهر تلامذته حماد بن أبي سليمان، الذي تخرج عليه إمامنا
الجزء 1 · صفحة 76
76)
الأعظم أبو حنيفة النعمان رضي الله تعالى عنهم، نذكرهم خصوصًا لتعلق الفقه الحنفي بهم.
قال الحافظ الذهبي في "سيره" (5: 236): أفقه أهل "الكوفة" علي وعبد الله بن مسعود، وأفقه أصحابهما علقمة، أفقه أصحابه إبراهيم، وأفقه أصحاب إبراهيم حماد، أفقه أصحاب حماد أبو حنيفة.
الفصل الأول في نسبه وأساميه ?
ذكر سيرته المباركة الإمام تقي الدين التميمي الداري المصري، وقال ما نصه: هو محمد رسول الله ?، وحبيبه وصفيه وخيرته من خلقه، وأفضل الأولين والآخرين، أبو القاسم بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، الذي قيل فيه:
وكم أبٍ قد عَلا بابنٍ ذُرَى شرَفٍ ... كما عَلَا برَسولِ الله عَدْنانُ
هذا هو المتفق على صحته، ومن هنا إلى آدم ? مختلف فيه، ومذكور في كتب السيرة المطولة، فمن أراد الوقوف عليه فليراجعها.
قال الحافظ عبد القادر القرشي في كتابه "الجواهر": في نسب سيِّدنا رسول الله ?: هو أبو الأرامل، وأبو القاسم، وأبو إبراهيم، رسول الله ?، محمد، وأحمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان إلى هنا إجماع الأمة، وما وراءه فيه اختلاف واضطراب، والمحققون ينكرونه، قاله النووي.
الجزء 1 · صفحة 77
77)
ومن أشهره عدنان بن أدد بن مقوَّم بن ناحور بالنون والحاء المهملة ابن تيرح بفتح التاء المثناة من فوق والراء ابن يعرب بن يشجُب بضم الجيم ابن نابت بالنون ابن إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن ? بن تارَح بالمثناة فوق وفتح الراء، وهو آذر بن ناحور بالحاء المهملة ابن فالح بالفاء واللام وبالمعجمة ابن عيبر بمهملة ثم مثناة تحت ساكنة، ثم موحّدة مفتوحة ابن شالخ بالمعجمتين واللام المفتوحة ابن أرفَخْشَد بالراء والمعجمات وفتح الفاء والشين وإسكان الحاء ابن سام بن نوح بن لاملك بفتح الميم وكسرها ابن متوشلخ بميم مفتوحة، ثم مثناة مشدّدة مضمومة، ثم واو ساكنة، ثم شين معجمة، ثم لام مفتوحتين، ثم خاء معجمة، ويقال: متوشلح ابن حنوخ بحاء مهملة، ويقال: معجمة ثم نون مضمومة، ثم واو، ثم خاء معجمة ابن يرد بمثناة تحت مفتوحة، ثم راء ساكنة ابن مهليل، ويقال: مهلايل بن قينين، ويقال: قينان بالقاف ابن يانش، ويقال: أنش، ويقال: أنوش بالنون والشين المعجمة ابن شيث بن آدم ?.
وذكر أبو الحسن المسعودي وآخرون بين عدنان وإبراهيم نحو أربعين أبا، وهذا أقرب، فإن المدة بينهما طويلة جدًّا، ولكن في لفظها وضبطها اختلاف كثير، ومنها: أن عدنان من نسل قيدار بن إسماعيل. قال: وأما الحديث المشهور عن ابن عباس ? أن رسول الله ? قال: بعد عدنان كذب النسَّابون، فهو ضعيف، والأصح أنه من كلام ابن مسعود، ?.
كنيته ?:
أما كنيته ? بأبي الأرامل، فقد ذكر الإمام أبو عبد الله سلام بن عبد الله الباهلي الإشبيلي في "كتاب الذخائر والأعلاق في آداب النفوس ومكارم الأخلاق" أن كنية النبي ? في التوراة
الجزء 1 · صفحة 78
78)
أبو الأرامل، وأما كنيته ? بأبي القاسم فابنه القاسم، قال أبو نعيم: القاسم ابن رسول الله ? بكر ولده، وبه كان يكنى.
وأما كنيته بأبي إبراهيم فقد ذكر الحاكم حديثًا من طريق ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، وعقيل عن الزهري، عن أنس ? قال: لما ولد إبراهيم ابن النبي ? أتاه جبريل، فقال: السَّلام عليك يا أبا إبراهيم.
ذكر أسمائه ?:
وأما أسماؤه فقد قال الإمام أبو بكر بن العربي في (شرح الترمذي): قال بعض الصوفية: لله ? ألف اسم، وللنبي ? ألف اسم، فأما أسماء النبي ? فلم أحصها إلا من جهة الورود الظاهرة بصفة الأسماء البينة، فوعيت منها جملة، الحاضر منها سبعة وستون اسما، ثم ساقها، وستأتي قريبًا.
وقال أبو الخطَّاب بن دحية في كتابه "المستوفى في أسماء المصطفى" ?: فإذا فحصنا عن جملتها من الكتب المتقدمة والقرآن العظيم والحديث النبوي وَفَت الثلاثمائة، وكذلك صنَّف الشيخ أبو الحسن علي بن أحمد بن الحسن التجيبي المعروف بالحالي باللام نسبة إلى قرية من قرى "مرسية" (كتاب أسماء النبي) ?، وذكرها تسعة وتسعين اسما، وذكر أبو الفرج بن الجوزي أن لنبينا ? ثلاثة وعشرين اسما، وذكر أبو عبد الله محمد بن علي بن عسكر لنبي الله ? عشرين اسما.
وهذا سياق ما ذكره أبو بكر ابن العربي من أسمائه على ما تقدّم، فقال الرسول ?: المرسل، النبي، الأمي، الشهيد، المصدّق، النور،
الجزء 1 · صفحة 79
79)
المسلم، البشير، المبشّر، النذير، المنذر، المبين، الأمين، العبد، الداعي، السراج المنير، الإمام، الذكر، المذكّر، الهادي، المهاجر، العامل، المبارك، الرحمة، الآمر، الناهي، الطيّب، الكريم، المحلّل، المحرّم، الواضع، الرافع، المخبر، خاتم النبيين، ثاني اثنين، منصور، أذن خير، مصطفى، أمين، مأمون، قاسم، نقيب، المزَّمّل، المدّثّر، العلي، الحكيم، المؤمن، الرؤوف الرحيم، الصاحب، الشفيع، المشفَّع، المتوكّل، محمّد، أحمد، الماحي، الحاشر، المقفّي، العاقب، نبي التوبة، نبي الرحمة، نبي الملحمة، عبد الله.
وذكر أبو الفرج بن الجوزي أن لنبينا ? ثلاثة وعشرين اسما، وذكر ما علمت عليه هكذا من الأسماء التي ذكرها ابن العربي، وزاد ابن الجوزي، قال: والشاهد، والضحوك، والقتّال، والفاتح، والقثم.
قال ابن الجوزي: هذه كلها أسماؤه، ومعلوم أن بعضها صفات، قلت: وفي "صحيح مسلم" من حديث أبي موسى، قال: سمي لنا رسول الله ? نفسَه بأسماء، منها: ما حفظنا، فقال: أنا محمد، وأنا أحمد، والمقفّى، ونبي التوبة، ونبي الرحمة، ونبي المقتلة، فهذه ستة، تقدم منها خمسة، والسادس مما لم يتقدم، نبي المقتلة، والله أعلم.
وذكر الحميدي حديث أبي موسى في "الجمع بين الصحيحين"، وذكر نبي المرحمة بدل نبي الرحمة. وروى الترمذي من حديث حذيفة نحو حديث أبي موسى، وقال: فيه: ونبي الملاحم.
قلت: وفي هذه الرِّواية لما ذكر رسول الله ? أسماءه قال: فإذا كان يوم القيامة لواء الحمد معي، ولواء الحمد هي الراية، التي يمسكها صاحب الجيش.
قال ابن مسعود وفي كتابه "الخصائص": سأل عبد الله بن سلام رسول الله ? عن لواء الحمد ما صفته، فقال: طوله مسيرة ألف
الجزء 1 · صفحة 80
80)
سنة، وستمائة سنة، من ياقوتة حمراء، وقصبته أو قال: قبضته من فضة بيضاء، وزجّه من زمردة خضراء، له ثلاث ذوايب، ذوابة بالمشرق، وذوابة بالمغرب، وذوابة وسط الدنيا، عليه مكتوب ثلاثة أسطر، الأول: بسم الله الرحمن الرحيم، والثاني: الحمد لله رب العالمين، والثالث: لا إله إلا الله محمد رسول الله، طول كل سطر مسيرة ألف عام، قال: صدقت يا محمد.
قال ابن دحية: فإن قال قائل: كيف تدعون زيادة أسمائه ? إلى ثلاثمائة، وفي "الموطأ"، و"الصحيحين"، وغيرهما أن رسول الله ? قال: لي خمسة أسماء.
الجواب أما قوله ?: لي خمسة أسماء: محمد، وأحمد، والماحي، والحاشر، والعاقب، لا يدلّ على الحصر، وخصت هذه الخمسة بالذكر في وقت لمعنى ما، إما لعلم السامع بما سواها، فكأنه قال: لي خمسة فاضلة معظمة، أو شهرتها كأنه قال لي خمسة أسماء مشهورة، أو لغير ذلك مما يحتمله اللفظ من المعاني.
وقال أبو العباس القرطبي: خصت هذه الأسماء بالذكر، لأنها هي الموجودة في الكتب المتقدمة، وأعرف عند الأمم السالفة، قال: ويحتمل أن يقال: إنه في الوقت الذي أخبر به لم يكن أوحي إليه في ذلك الوقت غيرها. انتهى.
أسمائه ? في الأشعار:
قال الصلاح الصفدي في (الوافي بالوفيات): أنشدني لنفسه قراءة منِّي عليه الشيخ الإمام الحافظ فتح الدين بن سيد الناس اليعمري، فيما وافق من أسماء الله الحسنى لأسماء رسول الله ?، في قصيدة له في مدحه:
الجزء 1 · صفحة 81
81)
وَحلَّاهُ من حُسْنى أسَامِيه جُمْلةً ... أتى ذكرُها فِي الذِّكْرِ ليس يبيدُ
وفي كُتب الله المقدَس ذِكرُها ... وفي سُنَّةٍ تأتي بها وتُفِيدُ
رَؤوفٌ رحيمٌ فاتحٌ ومُقدّسٌ ... أمينٌ قويٌ عَالِمٌ وشهيدُ
وَليٌّ شكورٌ صادقٌ في مَقالِه ... عَفُوٌ كريمٌ بالنَّوَالِ يعودُ
ونُورٌ وجبارٌ وهَادي من اهتدَى ... ومولى عزيزٌ ليس عنه مَحيدُ
بَشيرٌ نذيرٌ مؤمنٌ ومُهَيْمِنٌ ... خَبيرٌ عَظيمٌ بالعَظيم يَجُودُ
وحقٌّ مُبينٌ آخرٌ أول سما ... إلى ذِروة العلياء وهو وَليدُ
فآخِرُ أعْني آخِرَ الرُّسْل بَعْثُه ... وأولُ مَن ينشقُ عَنهُ صَعِيدُ
أسامٍ يَلَذ السَّمعُ إن هي عُدِّدَتْ ... نعُوتُ ثَنَاءٍ والثناءُ عَديدُ
وقال حسَّان بن ثابت، رضى الله تعالى عنه:
فشقّ له إسْمهِ ليُجِلَّهُ ... فذُو الْعَرشِ محمودٌ وهذا مُحمَّدُ
انتهى كلام الصفدي.
الفصل الثاني في ولادة النبي وأحواله ?
ولد ? يوم الاثنين، في شهر ربيع الأول من عام الفيل، قيل: ثانيه، وقيل: ثالثه، وقيل: ثاني عشره، وقيل: غير ذلك.
يَوْمٌ أضاء به الزمانُ وفتَّحتْ ... فيه الهدَايةُ زَهْرةَ الآمالِ
وقال عبد المطلب يوم ولادته:
الحمد لله الذي أعطاني ... هذا الغلام الطيب الأردان
قد ساد في المهد على الغلمان ... أعيذه بالله ذي الأركان
حتى أراه بالغ البنيان ... أعيذه من شر ذي شنآن
من حاسد مضطرب العنان
الجزء 1 · صفحة 82
82)
ومات أبوه وله من العمر ثمانيةٌ وعشرون شهرًا، وقيل شهران، وقيل: سبع، وقيل: وهو حَمْل، كفله جَدُّه عبد المطلب، ثم توفي عبد المطلب وله ? من العمر إذ ذاك ثمان سنين وشهران وعشرة أيام، فكفله عمُّه أَبو طالب.
وماتت أمه آمنة، وهو ابن أربع سنين، وقيل: ست.
وأرضعتْه حَليمة السعدية، وثويبة الأسلمية، وحضنتْه أم أيمن.
ولما بلغ اثنتي عشرة سنة وشهرين وعشرة أيام، خرج مع عمِّه أَبي طالب إلى "الشام"، فلما بلغ "بُصرى" رآه بحيرى الراهب، فعرفه بصفته، فجاءهُ، وأخذ بيده، وقال: هذا رسول ربِّ العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين، إنكم حين أقبلتم من العقبة لم يبق حجرٌ ولا شجر إلا خَرَّ ساجدًا، ولا يسجد إلا لنبي، وإنا نجده في كُتبنا.
وقال لأبي طالب: لئن قدمت به إلى "الشام" لتقتله اليهود، فرده خوفًا عليه منهم.
ثم خرج مرة ثانية إلى "الشام"، مع ميسرة غلام خديجة بنت خويلد، في تجارة لها قبل أن يتزوّجها، فلما قدم "الشام"، نزل تحت ظل شجرة قريبًا من صومعة راهب، فقال الراهب: ما تىل تحت ظلّ هذه الشجرة إلا نبي.
وكان ميسرة يقول: إذا كان الهاجرة، واشتدّ الحر، نزل ملكان يُظلانه.
ولما رجع من سفره تزوَّج خديجة بنت خويلد، وعمره خمس وعشرون سنة وشهران وعشرة أيام، وقيل: غير ذلك.
ولما بَلغ خمسًا وثلاثين سنة شهد بنيان الكعبة، ووضع الحجر الأسود بيده.
الجزء 1 · صفحة 83
83)
ونشأ رسول اللّه ? في قومه ولَدْ طهَّره الله تعالى من دنس الجاهلية ومن كل عيب، ومنحه كل خُلُق جميل، حتى لم يكن يُعرف من بينهم إلا بالأمين؛ لما رأوه من أمانته، وصدق لسانه، وطهارته.
ولما بلغ أربعين سنة ويومًا بعثه الله بشيرًا ونذيرًا، وأتاه جبريل ? بـ "غار حراء"، فقال: اقرأ.
فقال: ما أنا بقارئ.
قال رسول الله ?: فأخذني فغطَّني، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ.
فقلت: ما أنا بقارئ.
فقال في الثالثة: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} إلى قوله تعالى: {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}.
وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: "أول ما بُدئ به رسول الله ? من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، وكان لا يرى رُؤيا إلا جاءت مثل فلق الصُبح، وحُبِّب إليه الخَلاء، وكان يخلو بـ"غار حراء"، فيتحنَّث فيه - وهو التعبَّد - الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزوّد لذلك، ثم يرجع لخديجة، فيتزوَّد لمثلها، حتى جاءه الحقُّ". رواه البخاري ومسلم.
وكان مبدأ النبوة فيما ذُكر يوم الاثنين ثامن شهر ربيع الأول.
ثم حصره أهل "مكة" هو وأهل بيته في الشعب ثلاث سنين، ثم خرج من الشعب وله تسع وأربعون سنة.
وبعد ذلك بثمانية أشهر وأحد وعشرين يومًا، مات عمُّه أبو طالب.
وماتت خديجة، رضي الله تعالى عنها بعد أبي طالب بثلاثة أيام.
وكانت أول من آمن بما جاء به، ثم آمن أبو بكر، ثمَّ علي بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وبلال رضي الله تعالى عنهم، ثم بعد هؤلاء عمرو بن