[15]
مِن مَسَائِلِ الشُّيُوع
تَأْلِيفُ
العَلَّامَة قَاسِم بْنِ قُطْلُوبُغَا الحَنَفِي
المولود سَنَة 802 هـ والمتوفى سَنة 879 هـ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
جارٍ تحميل الكتاب…
[15]
مِن مَسَائِلِ الشُّيُوع
تَأْلِيفُ
العَلَّامَة قَاسِم بْنِ قُطْلُوبُغَا الحَنَفِي
المولود سَنَة 802 هـ والمتوفى سَنة 879 هـ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
431)
(15) مِن مَسَائِلِ الشُّيُوع
قال رحمه الله:
سئلتُ عن بيع حصّةٍ شائعةٍ من عقارٍ.
فأجبت: بالجواز. ثم أخبرت عن بعض من يزعم العلم بالفقه: أنّ ذلك غير جائزٍ.
فقلتُ: لا أعلم خلافاً في المذهب فيما ذكرت. وإنما اختلف في بيع الحصة الشائعة من العمارة.
والصحيح: الجواز.
قال جمال الإسلام في فتاويه: أرضٌ بين رجلين أثلاثًا، والزّرع فيها نصفان، فباع صاحب الثلث نصيبه مع نصف الزرع مشاعاً من أجنبيٍّ، صحّ في الأرض دون الزرع.
وقال: ثوب بينهما، باعَ أحدهما بغير إذن شريكه، ولم يجز الشريك. لزم في نصيب البائع.
ومثل ذلك في العبيد المشتركة.
وقال: باع نصف حبّة مقلوعةٍ أو نصف عمامةٍ، أو مشيدٍ مشاعاً، جازَ.
وإن كان في قسمتها صورتين.
قال: وأمّا بيع نصف العمارة مشاعاً. ففيها اختلاف الروايتين. والمشايخ:
432)
الجواز أصح وأرفق. انتهى.
قلت: العمارة: البناء في الضيعة والرقبة للوالي.
قالوا: لأنّ العمارة تبقى، فأشبهت الرقبة.
وفي الصّغرى: بناء بين رجلين باع أحدهما نصيبه من أجنبي بغير إذن شريكه، لم يجز. وكذا الشجرة والزرع. ولو باع من شريكه جاز.
وفي المحيط (1)، عن نوادر بشر، عن أبي يوسف: رجلان بينهما دار فباع أحدهما نصف بيت منها شائعًا في البيت، والبيت معلوم. فإن أبا حنيفة قال: لا يجوز؛ لأن فيه ضرراً على شريكه في تقطيعه (2) نصيبه عليه عند القسمة.
قال: أرأيت لو باع نصف كل بيتٍ من الدّار، لم يتقطع (3) نصيب شريكه.
قال: وكذلك الأرض.
ولو كان بينهما عشر ثيابٍ هروية (4)، مما يقسم باع أحدهما نصف ثوب بعينه من رجلٍ، فإن أبا حنيفة قال:
هذا جائز. وكذا (5) الغنم. وهذا لا يشبه (6) الدّار الو احدة.
(1) المحيط البرهان لبرهان الدين مازه (7/ 323 - 324).
(2) في المخطوط: (لقطته).
(3) في المخطوط: (ينقطع).
(4) في المحيط: (ولو كان بين رجلين عشر من الغنم وعشرة أثواب مروية). الأثواب نسبة إلى بلدانها: هراة ومرو.
(5) في المحيط: (وكذلك).
(6) في المحيط: (ولا يشبه هذا).
433)
وقال أبو يوسف: ينبغي أن يكون هذا والدار سواء في قوله، ألا ترى أنه لو باع من كل شاةٍ نصفها من إنسانٍ على حدةٍ (1) لم يستطع شريكه أن يجمع له نصيبه فيها، فقد دخل (2) عليه ضرر، ويتقطع (3) نصيبه، [فكيف يختلفان].
ولو كان بينهما (4) أرض ونخلٌ باع أحدهما نصف نخله معينة بأصلها (5) من رجلٍ لم يجز في قول أبي حنيفة.
[وهذا كالبيت الذي وصفنا، ولو باع أحدهما نصف الأرض واشترى نصف النخيل بأصله، فإن هذا مثل ذلك في قياس قول أبي حنيفة].
وكذلك لو باع (6) نصف الدار شائعاً إلاّ (7) بيتاً معلوماً منها، لم يدخل في البيع.
وقال أبو يوسف: إناّ نرى كل هذا جائزاً لا أنقض بيعاً من أجل قسمة لا ندري (8) أتكون أم لا تكون، ولا يُدرى لعلّها إذا كانت لا يدخل (9)
(1) في المحيط: (ألا ترى أنه لو باع نصف كل شاة منها من رجل على هذه).
(2) في المخطوط: (عليه).
(3) في المخطوط: (وينقطع).
(4) في المخطوط: (منها).
(5) في المحيط: (نخل بعينه بأصله).
(6) في المحيط: (باعه).
(7) في المحيط: (أن).
(8) في المحيط: (يدري).
(9) في المحيط: (تدخل).
434)
في القسمة ضرر من قبل [هذا] البيع (1).
قلت: وحيث خفي حكم المشاع من العقار، فلا بأس بالإسعاف ببيان ذلك فيما يقع فيه، وقد ضبط الإمام العلامة حسام الدين برهان الأئمة عمر بن عبد العزيز ? فقال: تفصيل ما اختلف في مسائل الشيوع وما اتفق عليه، فالكلام في معرفة مسائل الشيوع في أربعة فصول:
[الفصل] الأوّل: في معرفة أقسام الشيوع.
والفصل الثاني: في معرفة عدد مسائل الشيوع.
والفصل الثالث: في معرفة مذاهب السلف في مسائل الشيوع.
والفصل الرابع: في معرفة طرقهم في مسائل الشيوع.
أما الفصل الأوّل:
فنقول: الشائع ينقسم إلى قسمين: شائع يحتمل القسمة كنصف الدار، ونصف البيت الكبير. وشائع لا يحتمل القسمة كنصف العبد ونصف الحمام ونصف الثوب ونصف البيت الصغير. والفاصل بين القسمين: حرفٌ واحدٌ وهو: أن ينظر لو كان بين اثنين وطلب أحدهما القسمة وأبى الآخر؛ فإن أجبره القاضي على القسمة كان من القسم الأول، وإن لم يجبره كان من القسم الثاني إذ الجبر مطرد، فإنه نص في الكتاب: أنه إذا وهبَ نصف عبدين من إنسانٍ جازَ بالإجماع على الفعل محل أنه قبول المحل ذلك الفعل، فإن قيل: هذا الحرف غير وهذا آية أنه من القسم الثاني والعبد لو كان بين اثنين فطلب أحدهما القسمة وأبى الآخر قسم القاضي بينهما عند أبي يوسف ومحمد وهذا
(1) انتهى كلام المحيط.
435)
أنه آية من القسم الأوَّل عندهما. قيل له عندهما: إنه يقسم القاضي بينهما إذا رأى الصّلاح في القسمة، فكانت قسمة القاضي مقيدة بهذا الشرط. وهذا الشرط غير ثابت وقت العقد، فكان وقت العقد من القسم الثاني.
وأمّا الفصل الثاني:
فنقول: أمّهات مسائل الشيوع سبع: بيع الشائع، وإجازة الشائع، وإعارة الشائع، وهبة الشائع، وصدقة الشائع، ووقف الشائع، ورهن الشائع.
وأما الفصل الثالث:
فنقول: إذا باع الشائع فهذا على قسمين: إمّا أنْ يحتمل القسمة أو لا يحتمل القسمة. وكل قسمةٍ على وجهين: إمَّا إن باع من أجنبي أو من شريكه. والوجه الأوّل وهو البيع من الأجنبي على صنفين.
أمَّا إنْ كان الكل له فباع النصف، أو كان بين اثنين فباع أحدهما نصيبه والبيع جائز في المواضع أجمع.
وأمّا أجرُ الشّائع وهذا أيضاً على قسمين: إمّا أن يحتمل القسمة أو لا يحتمل. وكل قسمٍ على وجهين: إما إن أجِّر من أجنبي أو من شريكه. والوجه الأول وهو الإجارة من الأجنبي على وجهين (1).
إمَّا أنْ كان الكل له فأجر النصف. أو كان بين اثنين فأجر أحدهما نصيبه من الأجنبي. والجواب في القسمين واحد، وهو ما يحتمل القسمة وما لا يحتمل القسمة.
(1) جاء في هامش المخطوط: (صنفين).
436)
فنقول في الصنف الأول من الوجه الأول، وهو ما إذا كان الكل له، فأجر النصف من الأجنبي، فعند أبي حنيفة لا يجوز. وعن أبي يوسف ومحمد يجوز (1).
واختلف المشايخ على قول أبي حنيفة.
منهم من قال: لا ينعقد. فلا يجب الأجر أصلاً.
ومنهم من قال: بأنه ينعقد فاسداً حتى يجب أجر المثل. وهو الصحيح.
وفي الصنف الثاني من الوجه الأوّل وهو ما إذا كان بينهما فأجَّر أحدهما النصف.
اختلف المشايخ على قول أبي حنيفة.
حكى أبو طاهرٍ الدبّاس: أنه يجوز.
وحكى عنه غيره: أنّه لا يجوز. وإليه مال شمس الأئمة أبو بكر محمد ابن أبي سهل السرخسي، والشيخ الإمام برهان الأئمة.
قلت: قال الإمام الكرخي في جامعه (2): نص أبو حنيفة: أنه إذا أجّر بعض ملكه أو أجّر أحد الشريكين نصيبه من أجنبي، فهو فاسدٌ، سواء فيما يقسم وفيما لا يقسم.
(1) في المخطوط: (لا يجوز) وهو سبق قلم من الناسخ. والله أعلم.
(2) الجامع الكبير في فروع الحنفية لأبي الحسن عبيد الله بن حسين الكرخي الحنفي، المتوفى سنة 340 هـ. قال صاحب كشف الظنون (1/ 570): ذكره في مختصره، وقال: من أراد مجاوزة ما في هذا الكتاب - يعني: المختصر - فلينظر في الجامع الصغير الذي ألفناه، وإن أراد أكثر من ذلك فالكبير يستغرق ذلك كله.
437)
وقال في الصغرى والتتمة (1) وقاضي خان والحقائق: الفتوى على قول أبي حنيفة.
قال: وفي الوجه الثاني وهو ما إذا أجر من شريكه جاز بالاتفاق في ظاهر الرواية.
وروي عن أبي حنيفة: أنه لا يجوز. هذا هو الكلام في الشيوع المقارن.
وأمّا الشيوع الطارئ: ففي ظاهر الرواية: لا يفسد.
وروى خالد بن صبيح، عن أبي حنيفة أنه يفسد.
قلت: فإذا مات أحد الأجيرين أو المستأجرين تنقضي الإجارة في نصيب الميت، ويبقى في نصيب الحي في ظاهر الرواية مع الشيوع الطارئ.
قال: هذا إذا أجّر النصف من واحدٍ. أنها إذا أجّر الكلّ من اثنين، فهذا على وجهين.
أمّا إذا أجمل بأن قال: أجرت الدار منكما أو فصّل. والتفصيل لائح لما إذا كان تفضّلاً بالتنصيف بأن قال: نصفها منك ونصفها منك أو بالأثلاث بأن قال: ثلثها منك وثلثيها منك.
ففي الوجه الأوّل وهو الإجمال جاز بالاتفاق.
وفي التفضيل بالتنصيف أو بالأثلاث.
يجب أن تكون المسألة على قول أبي حنيفة على الاختلاف الذي حكيناه
(1) تتمة الفتاوى للإمام برهان الدين محمود بن أحمد بن عبد العزيز الحنفي صاحب المحيط، المتوفى سنة 616 هـ. تقدّم الكلام عنه.
438)
في النصف الثاني من الوجه الأوّل، وهو ما إذا كان الكل بين اثنين، وأجر النصف أحدهما.
وأمّا إذا أعار الشائع جازت الإعارة في الوجوه كلها.
قلت: وهذا يكون مع الشريك ووديعة المشاع أيضاً جائزة. ذكرها ظهير الدين في فتاويه. ويكون أيضاً مع الشريك.
و قرض المشاع جائزٌ قضاءً. ذكره في الهداية.
قال في الشرح: كما إذا دفع ألفاً. وقال: خمس مئة منه قرض، وخمس مئة شركة.
وغصب المشاع.
ذكر أبو الفضل الكرماني في إشارات الجامع: أنّه لا يتحقق.
وذكر الصّدر الشهيد: أنه يتصور.
وفي البزدوي (1) -وعليه الفتوى-: وذكر له صوراً في الفصول. والله أعلم.
وأمّا إذا وهب الشائع. فهذا أيضاً على قسمين:
(1) قال المصنف في تاج التراجم (ص 14): علي بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم ابن موسى بن عيسى بن مجاهد، أبو الحسن، فخر الإسلام، البزدوي، الفقيه بما وراء النهر، صاحب الطريقة على مذهب الإمام أبي حنيفة، توفي يوم الخميس خامس رجب سنة اثنين وثمانين وأربع مئة، ودفن بسمرقند، له كتاب المبسوط أحد عشر مجلداً، وشرح الجامع الكبير، وشرح الجامع الصغير، وكتابه في أصول الفقه مشهور. قلت [ابن قطلوبغا]: قد خرجت أحاديثه، ولم أسبق إلى ذلك، والله الموفق. قال الذهبي: وكان مولده في حدود الأربع مئة، روى عنه: أبو المعالي محمد بن نصر الخطيب.
439)
إمّا أن يحتمل القسمة أو لا يحتمل. وكل قسمٍ على وجهين:
أمّا إن وهب من أجنبي، أو من شريكه.
والوجه الأوّل: وهو ما إذا وهب من أجنبي على صنفين. أمّا إذا كان الكل له فوهب النصف من أجنبي أو كان بين اثنين فوهب النصف أحدهما. والجواب في القسمين يختلف. ففيما لا يحتمل القسمة يجوز الهبة في المواضع أجمع. وفيما يحتمل القسمة.
ففي الوجه الأول: لا تجوز الهبة عندنا في المصنفين جميعاً.
وفي الوجه الثاني: كذلك. هذا هو الكلام في الشيوع المقارن.
وأمّا الشيوع الطارئ: لا تفسد الهبة بالاتفاق. هذا كله إذا وهب النصف من واحدٍ.
أمّا إذا وهب الكل من اثنين فهذا على وجهين:
أمّا إن بان. قال: وهبت الدار منكما أو فصل والفصل لائحٌ. إمّا أن يكون بالتنصيف بأن قال: نصفها منك ونصفها منك أو بالأثلاث بأن قال: ثلثها منك وثلثيها منك.
وفي الوجه الأول: لا يجوز عند أبي حنيفة، وجاز عند أبي يوسف ومحمّد.
وفي الوجه الثاني: إن كان بالأثلاث. فعند أبي حنيفة وأبي يوسف لا يجوز. وعند محمّدٍ يجوز.
وأمّا إذا تصدّق بالشّائع. فهذا وهبه الشاع في جميع ما ذكرنا سواء إلَّا في خصلةٍ واحدةٍ وهو: أنه إذا وهبَ الكلّ من اثنين وسلم إليهما عند أبي
440)
حنيفة: لا يجوز رواية واحدة من غير اختلافٍ.
وفي التصدق اختلف المشايخ:
منهم من قال: لا يجوز أيضًا.
ومنهم من قال: في المسألة روايتان. على رواية الأصل لا يجوز. وعلى رواية الجامع يجوز. وهو الصحيح.
وأمّا إذا وقف الشائع: لا يجوز عند محمد، وعند أي يوسف: يجوز.
قلت: قال في الهداية (1): هذا فيما يحتمل القسمة، فأمَّا ما لا يحتمل القسمة فيجوز مع الشُّيوع عند محَمَّدٍ. انتهى.
وفي الحقائق والكبرى والتجنيس: الفتوى على قول محمد.
وبقول أبي يوسف، أخذ الصغار. واختاره مشايخ بلخٍ.
وأمّا إذا رهنَ الشائع. فهذا أيضاً على وجهين:
إما أن يحتمل القسمة، أو لا يحتمل.
وكل قسم على وجهين:
أمَّا إن رهن من أجنبي أو من شريكه والأوجه الأول على صنفين.
إمَّا أن يكون الكل له، فرهن النصف، وأمّا إن كان الكل بين اثنين فرهن أحدهما النصف.
فالجواب: في المواضع أجمع عندنا: لا يجوز.
وعند الشافعي: يجوز.
(1) انظر فتح القدير لابن الهمام (14/ 78) والعناية شرح الهداية (8/ 329).
441)
واختلف المشايخ في قول علمائنا: إنَّه لا ينعقد أو ينعقد فاسداً على حسب اختلافهم على قول أبي حنيفة في الإجارة. هذا هو الكلام في الشيوع المقارن.
وأمّا الشيوع الطارئ: ففيه روايتان:
في روايةٍ: لا يفسد.
وفي رواية: بأن التنصيف يفسد هذا كله إذا رهن النصف من واحدٍ. أمَّا إذا رهن الكل من اثنين فهذا على وجهين:
أمّا إن أجمل بأن قال: وهبت الدار منكما أو فصل والتفصيل لائحٌ.
إما أن يكون بالتنصيف بأن قال: نصفها منك ونصفها منك.
وبالأثلاث بأن قال: ثلثها منك وثلثيها منك.
ففي الوجه الأول: جاز بالاتفاق.
وفي الوجه الثاني: لا يجوزُ.
كان التفصيل بالتنصيف أو بالأثلاث.
وأمّا الفصل الرابع:
فنقول: الشيوع في البيع غير مانع بالاتفاق، وطريق عمل البيع في الشائع أنه يفيد الملك في الشائع، لكن الملك لا يراد لعينه (1)، وإنما يراد لغيره، وهو: الانتفاع. والانتفاع إنما يكون بالمفرز، والمفرز إنما يحصل بالقسمة. فتصير القسمة ملحقة بالملك. ويصير الحاصل من النصف المفرز نصف غير حقه،
(1) في المخطوط: (لمعينة).
442)
ونصف بدل حقه. فيصير العقد الوارد على الشائع مطلقاً له الانتفاع بالمفرز بواسطة القسمة.
وأمّا إجارة المشاع:
فالشيوع عند أبي يوسف ومحمد: غير مانع جوازها.
وطريق عمل الإجارة في الشائع عندهما ما هو طريق عمل البيع في الشائع بالاتفاق.
وأمّا عند أبي حنيفة: فالشيوع فيها مانعٌ جوازها؛ لأنه لا يمكن طريق عمل البيع في الشائع بالاتفاق.
وأمّا عند أبي حنيفة فالشيوع فيها مانع جوازها؛ لأنه لا يمكن سد طريق عمل البيع في الإجارة من تحقيق المبادلة؛ لأنّ ذلك إنما يكون بين ملك المتملك وبين ملك المالك. وهذا لا يمكن تحقيقه في الإجارة على ما ذكر في المسألة، ثم بعد هذا لأبي حنيفة وجهان:
أحدهما: أن الحكم يدور مع الشائع. فعلى هذا: يمتنع جوازها في النصف الثاني من الوجه الأوّل. وهو ما إذا أجّر أحد الشريكين نصيبه من أجنبي.
قال شمس الأئمة الحلواني والشيخ الإمام برهان الأئمة: ويمنع جواز الإجارة في الوجه الثاني وهو ما إذا أجّر من شريكه.
وفي الشيوع الطارئ: يتخير: إن شاء يمنع وإن شاء يسلم.
والوجه الثاني: أن الحكم يدور مع المانع. فعلى هذا الوجه يسلم جوازها في النصف الثاني من الوجه الأوّل وهو ما إذا أجّر أحد الشريكين نصيبه من
443)
الأجنبي كما حكى أبو طاهر الدباس.
ويسلم جوازها في الوجه الثاني وهو ما إذا أجر من شريكه.
وفي الشيوع الثاني: يتخير أيضاً.
وأمّا الإعارة في الشائع: فعلى الوجه الأوّل.
يفرق أبو حنيفة فيقول: الحكم يدور مع الشيوع في عقدٍ يتصور المانع.
وفي الإعارة: لا يتصور المانع وهو العجز من التسليم مع توجه الخطاب بالتسليم. وعلى الوجه الثاني: يفرق أيضاً ويقول: لا مانع هنا.
وفي الإجارة: أبو يوسف ومحمد فرّقا. والفرق: أنّ في الإجارة لا مانع. وهنا مانع.
قلت: يعني في الهبة. وذلك أحد أمرين.
أمّا لزوم ضمان القسمة، وإمّا يمكن النقصان في القبض. والمانع: هو الشيوع المتمكن وقت التسليم. والحكم فيها يدور مع الشيوع حتى لم يجز في الصنف الثاني من الوجه الأول وهو ما إذا كان الكل بين اثنين فوهب أحدهما نصيبه، ولم يجز أيضاً في الوجه الثاني، وهو ما إذا وهبَ من شريكه. فإن قيل: لو كان الحكم فيها يدور مع الشيوع وجب أن لا يختلف الجواب بين القسمين وهو ما يحتمل القسمة وما لا يحتمل كما في الإجارة. لم يختلف.
قيل له: الحكم يدور مع الشيوع لكن في تحمّلٍ يتصور المانع وهو ضمان القيمة أو نقصان القبض بعد اشتراط الكمال، وكلاهما لا يتصور فيما لا يحتمل القسمة.
فإن قيل: لو كان الحكم يدور مع الشيوع في محل القصور المانع وجب
444)
أن يجوّز الإجارة في النصف الثاني من الوجه الأوَّل وهو ما إذا أجّر أحد الشريكين نصيبه من الأجنبي.
وقد قلت: إنه لا يجوز على الأوّل وهو إرادة الحكم مع الشيوع.
قيل له: نعم. وقد عجز الأجر عن تسليم هذا النصف إلى المستأجر متصورٍ بأسبابٍ، فإذا كان المحل يتصوّر فيه عجز آخر، عن التسليم. دار الحكم مع الشيوع في محلٍّ يتصور هذا المانع.
وأبو حنيفة سوَّى بين الهبة والإجارة على الوجه الأوّل في الإجارة وهو إدارة الحكم مع الشيوع. وفرّق على الوجه الثاني.
والفرق: أن الشيوعَ في الهبة سبب لذلك المعنى المانع؛ لأن تمليك الشائع سببٌ لثبوت الملك في الشائع. والملك في الشائع سبب المطالبة بالقسمة. فكان تمليك الشائع سبباً لذلك المعنى. والمعنى يدور مع السبب كما دارت الرخصة في السفر.
فأمَّا الشيوع في الإجارة: فإنه ليس بسبب المعنى، لكن قد يتحقق ذلك المعنى المانع وقد لا، فلا يدور الحكم في الشيوع، ثم الطريق في الهبة عند أبي يوسف ومحمد: أن الشيوع المتمكن في العقد وقت التسليم مانعٌ. فإذا وهب الكل من رجلين وسلم إليهما، لم يتمكن الشيوع في العقد وقت القبض، فجاز عندهما. وكذا إذ فصّل بالتنصيف؛ لأن التفصيل بالتنصيف في العقد لم يصح؛ لأنه لو صحّ إنما صحّ لفائدةٍ. وفائدة العقد: الحكم. وحكم هذا العقد حال الإجمال والتفصيل بالتنصيف سواء، فلم يفد، فلم يصح، فلم يتمكن الشيوع في العقد وقت التسليم، فلم يجز.
445)
وقال محمد: إن أفاد من حيث وصف التفصيل لم يفد من حيث أصل التفصيل، فيقع الشك في الجهة، فلا يصح، فلا يتمكن الشيوع في العقد. والطريق لأبي حنيفة. ما هو الطريق عندهما، لكنه قال حال الإجماع: يمكن الشيوع في العقد وقت التسليم بدلالة: أن الحكم في المجمل والمتصل بالتنصيف سواء، ولم يتمكن الشيوع في العقد حال الإجمال، لم يكن الحكم فيهما على السواء كما في الرهن.
وأمّا الصّدقة: فالطريق فيها ما هو الطريق في الهبة، إلَّا أنه إذا تصدّق بالكل على اثنين جاز عند أبي حنيفة على رواية الجامع الصغير (1)، والهبة لم تجز.
والفرق: أن في صدقة الشيوع، لم يتمكن وقت العقد؛ لأنّها إخراج المال إلى الله تعالى، لم يصر الفقر من الله.
وأمّا الوقف: فالكلام فيه تبين على حرفٍ، وهو: أن التسليم إلى المتولي عند محمد شرطٌ فيتصور أحد المانعين وهو تمكن النقصان في القبض فيقام الشيوع مقامه.
وأمّا الرهن: فالشيوع فيه مانعٌ جوازه عندنا. فبعد ذلك لنا طريقان:
أحدهما: أن الحكم يدور مع الشيوع حتى لم يجز في النصف الثاني من الوجه الأوّل وهو ما إذا رهن من شريكه. ويستوي الجواب في القسمين وهو الشائع الذي يحتمل أوْ لا يحتمل القسمة.
فإن قيل: هلاّ فرّقت بين القسمين بما فرقت به بينهما في الهبة. وإن كان
(1) انظر الجامع الصغير (1/ 435).
446)
الحكم في الهبة أيضاً دائر مع الشيوع.
قلنا: في الهبة للقسم الثاني وهو الشائع الذي لا يحتمل القسمة ما هو المانع: لا يتصور قط هنا. يتصوّر كما نبين.
والوجه الثاني: أن الحكم يدور مع المانع وهو تأقيت العقد، فلم يجز في النصف الثاني من الوجه الأوّل وهو: ما إذا رهن أحد الشريكين نصيبه من الأجنبي، ولم يجز في الوجه الثاني، وهو ما إذا رهن من شريكه؛ لأن ما هنا المانع هنا متحققٌ وهو تأقيت العقد.
ويستوي الجواب في القسمين وهو الشائع الذي يحتمل القسمة، والذي لا يحتمل القسمة؛ لأنّ ما هو الماح يشمل القسمين، وهو تأقيت العقد على ما علم. والله ? أعلم.
447)