[20]
مَسْأَلَةٌ فِي الوَقْفِ وَاشْتِرَاطِ النَّظَرِ لِلأَرْشَدِ فَالأَرْشَدِ
تَأْلِيفُ
العَلَّامَة قَاسِم بْنِ قُطْلُوبُغَا الحَنَفِي
المولود سَنَة 802 هـ والمتوفى سَنة 879 هـ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
جارٍ تحميل الكتاب…
[20]
مَسْأَلَةٌ فِي الوَقْفِ وَاشْتِرَاطِ النَّظَرِ لِلأَرْشَدِ فَالأَرْشَدِ
تَأْلِيفُ
العَلَّامَة قَاسِم بْنِ قُطْلُوبُغَا الحَنَفِي
المولود سَنَة 802 هـ والمتوفى سَنة 879 هـ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
601)
(20) مَسْأَلةٌ في الوَقْتِ وَاشْتِرَاطِ النَّظَرِ لِلأَرْشَدِ فَالأَرْشَدِ
قال - رحمه الله تعالى -:
وسئلت عن واقفٍ شرط أن يكون النظر للأرشد فالأرشد من أولاده وأولاد أولاده، وأثبتت بنت الواقف أنها أرشد الموجودين.
وحكمَ لها بذلك، ثم بعد مدّةٍ أثبت ابن ابن الواقف أنه أرشد الموجودين، وحكم له أيضًا بذلك مع بقاء الحجة. فمن يستحق النظر أبنت الواقف لتقدم ثبوتها والحكم لها أو ابن ابن الواقف لوجود ثبوت الصفة المشروطة بعد ذلك؟ وهل يقاس على ما ذكره الخصّاف في أحكام الوقف؟.
قلت: فإن قال على أن ولاية هذه الصدقة إلى الأفضل فالأفضل من ولدي. وتولاها أفضلهم، ثم صار في ولده من هو أفضل من الذي تولاها الأوّل أو يشتركان. أفتونا مأجورين وابسطوا في الجواب.
فكتبت:
الحمد لله. ربّ زدني علمًا.
لم نقف لعلمائنا - رحمهم الله تعالى - على كلام في ولاية الأرشد على الوقف، والرشد عنهما: صلاح المال، ولا شكٌ إذ أرشد أفعل تفضيل. وفيه: لا بد أن يكون المفضل والمفضل عليه مما يصدق عليهما الاسم بالتواطؤ. ولأحدهما الزيادة فيه. هذا لصدق الاسم. وليس بكافٍ في الشرع كما نصّ
602)
عليه علماؤنا من أنه لا بد مع ما يشرط الواقف، وأنه يراه القاضي موضعًا للولاية على الوقف. وليس ما ذكره الخصاف مما يثبت بالشهادة اليوم؛ لأنّ الذي ذكره الخصاف مصرّح بأن الثاني مشارك الأول في الزيادة التي كان لها أفضل وزاد عليه، أو أنّ الأول عرض له ما صار به مفضولاً.
وأمّا الشهادة اليوم فليس فيها، وإنما يحكم بها من غير إفصاحٍ، فلا يتأتّى العمل بها إلاّ على قول بعض متأخري الشافعية من أن حكم الأول مستصحب إلى صدور الثانية، فيعارضها الثانية إلى آخرها.
قال: وإنما قلت: بأنه يحكم بالشهادة من غير إفصاحٍ؛ لأنّ الشهادة بالأرشدية يحتاج أن يكون الأولاد وأولاد الأولاد محصورين معلومين حتى يكون المشهود له أرشد من باقيهم.
ومن شرط الدعوى: سماع البينة في وجه الخصم. فالخصم قد يكون أجنبيًا لمطالبته بالأجرة ونحوها. فلا يكون إثبات الأرشدية بكون الخصم أحد الأولاد وأولاد الأولاد، فيكون إثبات الأرشدية والنظر متصور ولتقديمه على قرابته المشاركة له في الولاية. فإذا قامت بينة أخرى بالأرشدية لغيره فلا بد من تصريحها بأن هذا أمر تجدد وحينئذٍ يصير كما قال الخصاف. والله أعلم.
* صورة سؤال ورد على الشيخ ? من دمشق:
الوقف في الشرع ما يباع في كلّ يومٍ عند وجود ما هو أصلح منه، ولما سمعت من عدم جواز بيع حبس به علةً يرجى زوالها إلخ.
وقال في الفتاوى الظهيرية: سئل شمس الأئمة الحلواني عن أوقاف
603)
المساجد، إذا تعطلت وتعذّر استغلالها، هل للمتولي أن يبيعها ويشتري بثمنها مكانها أخرى؟ قال: نعم (1).
قيل: إن لم يتعطل، ولكن يوجد بثمنها ما هو خيرٌ منها، هل له أن يبيعها؟ قال: لا.
قال: ومن المشايخ من لم يجوز بيع الوقف تعطل أو لم يتعطل، ولم يجوز الاستبدال. وهكذا حكي عن شمس الأئمة السرخسي. وإليه رجع الظهير.
ويؤيد صحّة هذا: ما ذكر قاضي القضاة فخر الدين أبو عمر عثمان بن إبراهيم التركماني النفي في جواز الاستبدال، فإني وإن كنت أعتقد صحّته حين يتعطل الوقف أو يؤل إليه لو ترك على حاله لما فيه من إحيائه وإبقائه مع استقرار البيع للموقوف عليهم، وتحصيل غرض الواقف.
اعلم: أن بهذا الحق يتوصلون إلى الباطل. انتهى.
فصار الحاصل المنع، والجواز بشرط أن يشترطه أو حصول خللٍ لا ينجبر بما ذكر من عمارته بأنه بمال من له المنفعة أو بإجارته أو استدامة لا وجود راغبٍ بما هو أنفع من غير ضرورة في الوقف. فقد صح أن ما اعتمده في الاستبدال مسوّغًا ليس بمسوغّ عند من يرى صحة الاستبدال، وحيث لم يوجد المسوغ بطل ما ابتنى عليه. وقد وجهوا المنع بظاهر الحديث المتقدم.
والجواز عند الاشتراط بما قال في المحيط: قال أبو يوسف: إن اشتراط
(1) انظر مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (31/ 212 - . . .) رسالة في إبدال الوقف، فإنها جديرة بالقراءة.
604)
الاستبدال شرطٌ يقتضيه العقد؛ لأنه ريما تقع الضرورة إليه؛ لأن الأرض ريما لا يخرج منها بما لا يفضل من المُؤنِ فيؤدي إلى أن لا يصل في الموقوف عليهم شيءٌ لفسادٍ يحدث في الأرض وتكون الأرض الأخرى أصلح وأنفع للموقوف عليهم. فلهذه الضرورة جوّزنا شرط الاستبدال في الوقف.
ومحمّدٌ جرى على أصله: من أنّ اشتراط شيءٍ للوقفِ يمنع الخلوص على ما عرف في موضعه، فلم يعتبر هذا الشرط، ووجه له: بأنّ في بيع ما ضعف من الوقف واستبداله بغيره عين مصلحته، ومراعاة بقائه، وإن أخّر حتى انعدمت منفعته بالكلية، ريما لا يرغب أحدٌ في شرائه ألبتّة، فيؤدي إلى استهلاكه وتعطيل منافعه. وفيه: إضاعة المال المنهي عنه شرعًا.
فإن قلت: النصوص المتقدمة مطلقة، والمطلق يجري على إطلاقه.
قلت: راوي الأصل قد أجاز النقل.
فروى صالح بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، ومن جهته: رواه الخلال.
وعنه: رواه أبو بكر، عن القاسم قال: لما قَدِمَ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وكان سَعْدُ بنُ مالكٍ قَدْ بَنَى القَصْرَ، واتّخذ مسجدًا عند أصحاب التَّمْرِ (1)، قَالَ: فَنَقِبَ بَيْتُ المَالِ، فَأخذَ الرّجلَ الّذي نقِبَهُ. فكتبَ إلى عمرَ ابن الخطّاب، فكتب عمر: أن لا يقطع الرّجل، وانقلِ المسجدَ، واجعل بيت المالِ في قبلته، فإنّه لا يزال في المسجد مصل. فَنَقَلَهُ عبدُ اللهِ، فَخَطّ له لهذه الخطة (2).
(1) تحرف في المخطوط إلى: (النمر).
(2) هذا الأثر غير موجود في مسائل صالح المطبوعة، لعله بسبب وجود سقط في المخطوطة. =
605)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ورواه الطبراني في الكبير (8949) قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو نعيم، حدثنا المسعودي، عن القاسم قال: قدم عبد الله وقد بنى سعد القصر، واتخذ مسجدًا في أصحاب التمر، فكان يخرج إليه في الصلوات، فلما ولي عبد الله بيت المال، نقب بيت المال، فأخذ الرجل، فكتب عبد الله إلى عمر، فكتب عمر: أن لا تقطعه، وانقل المسجد، واجعل بيت المال مما يلي القبلة، فإنه لا يزال في المسجد من يصلي، فنقله عبد الله، وخط هذه الخطة، وكان القصر الذي بنى سعد شاذر، وإن كان الإمام يقوم عليه، فأمر به عبد الله فنقض حتى استوى مقام الإمام مع الناس. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (6/ رقم 10654): رواه الطبراني، والقاسم لم يسمع من جده، ورجاله رجال الصحيح.
وروى الطبري في التاريخ (2/ 479) قال: كتب إليّ السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو وسعيد في قصة طويلة فيها: (. . . وقد بنى سعد في الذين خطوا للقصر بحيال محراب مسجد الكوفة اليوم، فشيده وجعل فيه بيت المال وسكن ناحيته، ثم إن بيت المال نقب عليه نقبًا وأخذ من المال، وكتب سعد بذلك إلى عمر، ووصف له موضع الدار وبيوت المال من الصّحن مما يلي ودعة الدار، فكتب إليه عمر أن انقل المسجد حتى تضعه إلى جنب الدار، واجعل الدار قبلة، فإن للمسجد اهلاً بالنهار وبالليل، وفيهم حصن لما لهم فنقل المسجد، وأراغ بنيانه. . .) وإسناده واهٍ، لا يصح.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (31/ 215 -): قال أبو بكر عبد العزيز في الشافي الذي اختصر منه زاد المسافر: حدثنا الخلال، حدثنا صالح ابن أحمد، حدثنا أبي، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا المسعودي، عن القاسم قال: لما قدم عبد الله بن مسعود ?. على بيت المال، كان سعد بن مالك قد بنى القصر، واتخذ مسجدًا عند أصحاب التمر، قال: فنقب بيت المال، فأخذ الرجل الذى نقبه، فكتب إلى عمر بن الخطاب، فكتب عمر: أن لا تقطع الرجل، وانقل المسجد، واجعل بيت المال في قبلته، فإنه لن يزال في المسجد مصل، فنقله عبد الله، فخط له هذه الخطة. قال صالح: قال أبي: يقال: إن بيت المال نقب من مسجد الكوفة، فحوّل عبد الله بن مسعود المسجد، فموضع التمارين اليوم في موضع المسجد=
606)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= العتيق. قال: وسألت أبي عن رجل بنى مسجدًا، ثم أراد تحويله إلى موضع آخر؟ قال: إن كان الذي بنى المسجد يريد أن يحوله خوفًا من لصوصٍ، أو يكون موضعه موضع قذر، فلا بأس أن يحوله، يقال: إن بيت المال نقب، وكان في المسجد، فحول ابن مسعود المسجد. حدثنا محمد بن علي، حدثنا أبو يحيى، حدثنا أبو طالب: سئل أبو عبد الله: هل يحول المسجد؟ قال: إذا كان ضيقًا لا يسع أهله، فلا بأس أن يجعل إلى موضع أوسع منه. حدثنا محمد بن علي، حدثنا عبد الله بن أحمد قال: سألت أبي عن مسجد خرب، ترى أن تباع أرضه، وتنفق على مسجد آخر أحدثوه؟ قال: إذا لم يكن له جيران، ولم يكن أحد يعمره، فلا أرى به بأسًا أن يباع وينفق على الآخر. حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا أبو داود قال: سمعت أحمد سئل عن مسجد فيه خشبتان لهما قيمة، وقد تشعثت، وخافوا سقوطه، أتباع هاتان الخشبتان، وينفق على المسجد، ويبدل مكانهما جذعين؟ قال: ما أرى به بأسًا، واحتج بدواب الحبيس التي لا ينتفع بها، تباع ويجعل ثمنها في الحبيس.
ولا ريب أن في كلامه ما يبين جواز إبدال المسجد للمصلحة، وإن أمكن الانتفاع به؛ لكون النفع بالثاني أكمل، ويعود الأول طلقًا. وقال أبو بكر في زاد المسافر: قال أحمد في رواية صالح: نقب بيت المال بالكوفة، وعلى بيت المال ابن مسعود، فكتب إلى عمر بن الخطاب ?، فكتب إليه عمر: أن انقل المسجد، وصيّر بيت المال في قبلته، فإنه لن يخلو من مصل فيه. فنقله سعد إلى موضع التمارين اليوم، وصار سوق التمارين في موضعه، وعمل بيت المال في قبلته، فلا بأس أن تنقل المساجد إذا خربت. وقال في رواية أبي طالب: إذا كان المسجد يضيق بأهله، فلا بأس أن يحول موضع أوسع منه. جوّز تحويله لنقص الانتفاع بالأول لا لتعذره. وقال القاضي أبو يعلى: وقال في رواية صالح: يحوّل المسجد خوفًا من لصوص، وإذا كان موضعه قذرًا. وبالثاني قال القاضي أبو يعلى. وقال في رواية أبي داود: في مسجد أراد أهله أن يرفعوه من الأرض، ويجعل تحته سقاية وحوانيت، وامتنع بعضهم من ذلك؟ ينظر إلى قول أكثرهم. . .
وانظر مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى (12/ 451 - 452).
607)
فإن قلت في هذا: إنه أمرَ بنقل المسجد، ولم يكن متعطلاً، فينفذ ما يدّعيه بعض الحنابلة.
قلت: بل فيه إشارة إلى تعطيله، فإنه علل بأنه لا يزال في المسجد مُصَلٍّ.
فلو كان الأوّل كالثاني لما صحَّ هذا التعطيل، غير أن التعطيل قد يكون من الجماعة وإن كان باقيًا على أصل بينته.
وقد يكون بسبب خراب بعضه أو غير ذلك. والله أعلم.
وهاهنا مسألةٌ مهمّةٌ وهي: ما إذا وجد مسوّغ البيع والاستبدال فباعه بثمنٍ يتغابن الناس فيه جازَ البيع، وإن كان لا يتغابن الناس فيه، فالبيع باطلٌ نصّ عليه في التتارخانية (1) وغيرها.
وهاهنا مسألة أخرى: قال في القُنْيَة للعلامة (2) نجم الأئمة البخاري: مبادلة دار الوقف بدارٍ أخرى إنَّما يصحُّ إذا كانتا في محلَّةٍ واحدةٍ، أو يكون محلُّهُ المملوك خيرًا من محلِّهِ الموقوف، وعلى عكسه لا يجوز، وإن كانت المملوكة أكثر مساحةً وأكثر قيمةً وأجرةً لاحتمال خرابها في أدوَنِ المحلَّتين لدناءتها وقلَّة رغبات النَّاس فيها (3).
(1) للإمام الفقيه عالم بن علاء الحنفي. مرّ الكلام عنها.
(2) تحرف في المخطوط إلى: (بعلامة). وهو الشيخ الإمام، أبي الرجاء، نجم الدين مختار بن محمود الزاهدي الحنفي، المتوفى سنة 658 هـ صاحب كتاب قنية المنية على مذهب أبي حنيفة.
(3) البحر الرائق شرح كنز الدقائق (14/ 396) ومجمع الأنهار في شرح كنز الدقائق (5/ 45) ورد المحتار (17/ 335).
608)
ومسألة أخرى: وهي ما شرط الواقف أن لا يباع ولا يستبدل به، ولا يناقل إلخ.
فعلى قول من لا يجوّز الاستبدال هاهنا من باب أولى.
وكذا على قول من لا يجوّز إلاّ إذا شرطه.
وأمّا على قول محمّدٍ: فينبغي أن يجوّز الاستبدال؛ لأنه تعارض فيه شرط الواقف ومصلحة الوقف. ومصلحته مقدّمٌ، كما إذا شرط أن لا يؤجّر أكثر من سنةٍ أو شَرَط أن لا يخرج عن النّاظر، وطرأ (1) عليه ما يوجب إخراجه.
نصّ على الأوّل في الفتاوى الفيريقية، وعلى الثاني الكافي. والله أعلم.
ثم أوقفني على أجرته أهل العصر من علمائنا الحنفية، فأجرها صورته هكذا:
الاستبدالات الواقعة في هذا العصر لا يكاد يوجد فيها في شيءٌ من الشروط عند من يرى جوازها لا سيما بخبر المقوّمين الذين لا ينظرون إلى البدل والمبدل عنه، فضلاً عن تقويم منفعته، ورعاية جانب الوقف.
وإذا تبيّن أن لا غبطة في الاستبدال حين وقوعه ببينةٍ معدّلةٍ سرًا وجهرًا عارضه لذلك نظر في أمر البينة المسوّغة لوقوعه.
ومما يقوي النظر في أمرهم مما ذكر من الموانع الواقعة في البدل المفضية إلى سلب الانتفاع رأسًا.
هذا ولا يمنع المستحقين الطلب واسترجاع حكم الحاكم.
وعند تعذّر العقد يراعى المقصود من ذلك بما يحصل به لجهة الوقف
(1) في المخطوط: (طوى).
609)
ريعٌ مستمرٌّ ولا يضرُّ. والحالة هذه.
ثانيهما: إذا تبينَ وتحقق بالشهادة المفيدة للعلم، وتصور القطعة الأرض عن قيمة المُقَرّ به وتفاوت ما بينهما التفاوت الفاحش الذي لا يختلف فيه المقومون، ولا يتوقف فيه النّاظرون. فهذا دليلٌ على كذب المقوم في تلبيسهم الأمر على الحاكم الذي حكم بالغبطة فلا يعمل بتلك الشهادة، ولا بما يترتب عليها، وإنما ينشأ من التقصير بعدم الاستقصاء بطل شروط الحكم أو بالاجتراء مع العلم بفوات الشروط أو بعضها فيجب على من تحقق ذلك أن يبني الأمر على ما حقق وحصل به لإنفاذه لا على ما ليس وقرّه به على الحاكم أو حصل به الاجتراء في الأحكام.
ثالثها: عبارته: بطلان هذا الاستبدال إذا ثبت ما ذكر من عدم الغبطة والحظ والمصلحة على مذهب من لا يرى جواز الاستبدال في الوقف ظاهرٌ.
أمّا على مذهب من يراه، وكذلك لانتفاء شرط صحته عنده، فالواجب على من ثبت ذلك عنده من الحاكم إبطال هذا الحكم، وإعادة الوقف إلى أهله بطريق الشرع، فيثاب بذلك الثواب الجزيل. والله ? أعلم.
رابعها: هذا الاستبدال باطلٌ من وجوهٍ:
الأوّل: عدم المسوّغ فيه على قول من يقول بذلك.
الثاني: من جهة استهتار الشهود فيه.
الثالث: من جهة استهتار القاضي الذي حكم به.
الرابع: من جهة رغبة المستبدل فيه من حيث قال: إن القطعة التي هي البدل هي أكثر غلّةٌ وأقرب استبدالًا. فإذا كان كذلك فما الفائدة فيه: أن يعطي
610)
بدلًا أكثر من ريع المستبدل. فهذا يدل على أنّ غرضه تلك القرية بهذه الحيازة.
الخامس: أن الملكية في البدل لم تثبت.
السّادس: أن المستفتي ذكر أن البدل كان مرصدًا في ديوان الأحباس. والذي يرصد في ديوان الأحباس على شرف الزوال، فلا يجوز جعله وقفًا، ولا يبدل وقفٌ إلاّ بعد الشكر من بيت المال على الوجه الشرعي.
السّابع: أن الاستبدال في المقر به ليس كالاستبدال في الدور؛ لأنّ الاستبدال في الدور على قول من يرى بذلك، خوفًا من أن يؤل إلى الخراب، أو كان فيه بعض خرابٍ، والقرية ليس كذلك. فإِنّ أرضها لا تخرب أصلًا.
الثامن: ظهور على المقر به أكثر من البدل. يدلّ على تكذيب الشهود وتهوير الحاكم.
التاسع: ظهور بعض القطعة المذكورة خرسًا، فإنّ هذا أيضًا من أقوى الوجوه ليبطل هذا الاستبدال.
العاشر: نزول الظلمة من الأجناد على القطعة المذكورة، وزرعهم فيها من غير أجرةٍ. فهذا الاستبدال باطلٌ من عشرة وجوه.
فالحكم فيه: أن ترد القرية المذكورة إلى وقفية واقفها، ويلغى ما ذكر في ذلك من الحظ والمصلحة، فلا حظّ ولا مصلحة في ذلك. وأمّا ريعها الذي حصل، فإنه مضمونٌ. والله أعلم.
خامسها: نعم هذا الاستبدال غير صحيحٍ. ولو حكم به، فإنّ الاستبدال في الوقف لا يصحُّ على المذهب إلاّ في رواية عن أبي يوسف بشرط حصول الغبطة للوقف وأن يكون برأي القاضي وتدبيره.
611)
فأيّ غبطةٍ في هذه الصورة المنصوصة أعلاه المشتملة على فاحش الغبن، بل على إعدام جهة الوقف. فالقرية واقعة على حكم الوقف ولا عبرة بمثل هذا الاستبدال ولا معوّل عليه.
ولو حكم به مع اختلال شروطه، وكذب شهوده، وعدم القرية للاستبدال بمثل هذا البدل خصوصًا مع احتمال وقفيته فيتعين. ويجب على النّاظر السعي في رفع هذه المفسدة برفع أمره إلى الحكام وولاة أمور الاستبدال. ويتعين عليهم: إزالةُ هذا المنكر الشنيع، ويثابون على ذلك الثواب الجزيل ويصيرون شركاء الواقف في الأجر بالمساعدة في استرجاع القرية إلى مستحقيها.
وليس للنّاظر طلب عوضٍ عن القطعة المذكورة من أرضٍ أو بناءٍ أو ما يقوم مقام ذلك، ففيه تقريرٌ للفساد. والله الموفق للعباد.
سادسها: إذا ظهر يقينًا كون البدل دون الوقف، ظهر أنْ (1) لا أثرَ لذلك الحكم، كما لو حكم بموتِ رجلٍ، فجاء حيًّا، وإن لم يظهر الغبن فيه، فإن كان الواقف شرط أن يستبدل به إذا شاء المتولي أو كانت القرية ضعف نزلها وتوجه إليها الخراب جاز الاستبدال وإن لم يكن واحدًا إلا من أمرين لم يجز، وعلى النّاظر أن يخاصم في رفع ذلك. والله أعلم.
وقال: ظاهر الأوّل: أنه يكتفي بشهادةٍ إذا كانوا عدولًا ولا عارفين في أنّ المبدل له أكثر قيمة ويكون ثبوت هذا مسوّغًا وهو خلاف ما نقلته لي من الكتب الذي سميت، فمن أين هذا؟.
قلت: لا أعلم إلا ما نقلت لك. وعليك من تتبع الكتب وعندك من
(1) في المخطوط تحرفت إلى: (إذ).
612)
الأهلية ما يكفيك في معرفة الحق.
قال: وظاهر قوله: وإذا تبين أن لا غبطةَ ببينة معدلة إلى آخره.
إنّ طريق إبطال هذا الاستبدال معارضة البينة التي حكم بها في الاستبدال ببينةٍ أخرى يشهد أن لا غبطة. وترجّح هذه البينة بثبوت ما ذكر في السؤال وهو خلاف قواعد الشرع من أنّها شهادة في معارضة إثبات مؤيدة بحكمٍ. فكيف تسمع، ثم يطلب ترجيحها.
وأيضًا: وإذا ثبتت الموانع التي أشار إليها أثبت كذب الشهود المسوّغ. وبطل الحكم المبني عليها، فأيّ حاجةٍ بعد ذلك إلى بينةٍ لا تسمع في الشرع.
قال: وقوله: عند تعذّر العود. كيف يتصوّر هذا التعذّر فيما ذكر.
قلت: ولا أنازع أهل الفتوى في معلوماتهم، وإنّما أذكر ما أعلمه.
قال: وقول الثاني: إذا تبين إلخ. ظاهرٌ في أنّ طريق إبطال هذا الاستبدال أن يحمل القاضي إلى القطعة المستبدل بها ليشاهدها ويكون من أهل الخبرة بقيمة الأراضي، ثم يقضي بعلمه أن هذه دون تلك يبطلان هذا الاستبدال مع معارضة هذا للحكم المتقدّم المعتمد على البينة المقبولة عند الحاكم.
وترجّح هذا. وفي هذا خلاف قواعد الشرع وعسر ظاهرٌ.
وقد لا يرضى القاضي بذلك فيضيع الحق، ثم هو مخالفٌ لقول المفتي الأوّل: إذا ثبت بالبينة مع كونهما مقلدي إمامٍ واحدٍ، ثم هو مخالفٌ لما نقلت لي من الكتب الذي سميت: أنّ الشرط ما ذكرت.
قلت: تقدم جوابي في مثل هذا، وأنت غنيٌّ عن إعادته.
قال: فما معنى قوله: وإنّما ينشأ ذلك. . . إلخ؟.
613)
قلت: علمي وعلمك فيه سواء، بل ينبغي أن تكون أجد مني بعلم ذلك، فإنّك قد باشرت الأحكام زمانًا مع دوام الدروس والمطالعة.
قال: وما الحاجة إلى قول الثالث ببطلان هذا الاستبدال إلى قوله: أمّا على مذهب من يراه، فكذلك؟.
قلت: تقدّم جوابي عن مثل هذا في الجواب الأوّل.
قال: وقوله: لانتفاء شرط صحّته عنده ظاهرٌ في أنّه لو كان حكم القطعة كما ذكر شهود الاستبدال كان صحيحًا، وهو خلاف ما نقلت لي من الكتب التي سميت.
قلت: تقدّم الجواب. والله أعلم بالصّواب.
قال: فما معنى قوله: إبطال هذا الحكم؟.
قلت: أن يحكم بأن ذلك باطلٌ لعدم شرط صحّته.
قال: فما معنى قوله: وإعادته إلى أهله بالطريق الشرعي؟.
قلت: تمكينهم منه بسبب حكمه وإبطال الحكم الأوّل.
قال: قول الرابع هذا الاستبدال باطل الأول، عدم مسوّغٍ فيه.
يدلُّ على أنه لو كانت القطعة المذكورة، كما ذكر الشهود.
ويصح الاستبدال وهو خلاف ما نقلت لي من الكتب التي سمّيت.
قلت: قد علمت جوابي، ولا أزيد عليه.
قال: قوله الثاني من جهته استهتار القاضي ما معناه.
قلت: الإفصاح على ما في كلٍّ جرى مما يقع للناس، فتح باب معاداتهم، ولا حاجة لي في ذلك، بل لم أزل سلمًا للكل. والله أعلم.
614)
قال: قوله الرابع: من جهة رغبة المستبدل إلى آخره.
يقتضي: أن أحدًا لا يستبدل وقفًا بما هو أنفع منه. فكيف نصّ الفقهاء على ما لم يقع.
قلت: أنت خبيرٌ بعدم حصر القرض في الاسترباح، فلا يحتاج إلى الجواب عن مثل هذا.
قال: فما الفرق بين الخامس والسادس؟.
قلت: هو مثل ما بين الأوّل والثاني.
قال: فما قوله بعد الشراء من بيت المال فيما هو وقفٌ محبس على معنى؟.
قلت: مثلك لا يسأل عن معنى هذا أو صورته إذا مات يستحقه من ديوان الأحباس. وعادت الأرض إلى بيت المال، ثم ثبت والعياذ بالله حاجة بيت المال إلى بيع هذه الأرض فاشتراها، استحقوا، ثم لما ملكها تستبدل بها وقفًا.
قال: قوله: الاستبدال في القرية ليس كالاستبدال في الدور. إنّ الاستبدال في الدور خوفًا من أن تؤول إلى الخراب.
والقرية ليست كذلك؛ لأنّ أرضها لا تخرب أصلًا مخالفٌ لما نقلت لي عن محمّدٍ من قوله: وإذا ضعفت الأرض الموقوفةُ عن الاستغلال. إلخ.
ولما في السؤال من قوله: في الأرض البدل بعضها خرسٌ إلى غير ذلك. فكيف قال هذا.
قلت: - والله أعلم - بما يصوّره من معنى خراب الأرض.
615)
قال: قوله: التاسع: ظهور بعض القطعة المذكورة خرسًا كيف يكون هذا الظّهور؟.
قلت: على قول المعنى الأوّل بالبيّنة على قول المفتي الثاني بالمشاهدة وظاهرها مشاهدة الحاكمِ.
قال: قوله: إن نزول الظَلَمَة في الأرض وزرعهم إياها بغير أجرةٍ كيف مبطلاً للاستبدال؟.
قلت: لعلّه أراد: أن بهذا يمتنع تسليم البدل. والله أعلم.
فالأبعد: التسليم. وهي مما يصح الاستبدال بها، لا يبطل الحكم بسبب تعدي متعدٍّ على ذلك.
قال: فما معنى قوله: فالحكم فيه: أن ترد القرية إلى وقفية واقفها. وأنت قلت: فالقرية المذكورة وقفٌ على ما كانت عليه.
قلت: معناه: أن يجري عليها حكم الوقف. والله أعلم.
قال: وقول الخامس: الاستبدال لا يصحّ علي إلا في رواية عن أبي يوسف بشرط حصول الغبطة. إلخ. مخالفٌ لما نقلت لي عن قول أبي يوسف من الكتب التي سميت.
قلت: لا. بل هو مطابقٌ بالمعنى لظاهر الرواية التي نسبت لأبي يوسف وهي التي نقلتها لك عن قاضي خان حيث قال:
وأمّا بدون الشرط: أشار في السير إلى أنه لا يملك الاستبدال إلا القاضي إذا رأى المصلحة في ذلك. وهي التي نقلها أبو بكر الرازي في أدب القضاء حيث قال: وإن لم يشرط. قيل: للقاضي ولاية الاستبدال إذا رآه مصلحةً في
616)
روايةٍ عن أبي يوسف. وقد علمت: أن أحدًا من أهل هذا القطر لا يشترط الاستبدال في وقفه بل ربما ينص على عدمه. فلهذا قال المفتي: إنه لا يصح إلا على رواية عن أبي يوسف إلخ.
لكن هذا إذا حصل في الوقف خلل كما قدمت لك، فهذه الرواية في المعنى مطابقةً لرواية هشام عن محمد كما نقلته لك عن المنتقى. والله أعلم.
قال: وأمّا الحاجة إلى قول السّادس: إذا ظهرَ يقينًا كون البدل دون الوقف ظهر أَنْ لا أثرَ لذلك الحكم مع قوله: وإن لم يظهر الغبن فيه، فإن كان الواقف شرط أن يستبدل به إذا شاء المتولي أو كانت القرية ضعف نزلها، وتوجه إليها الخراب. جاز الاستبدال وإن لم يكن واحد من الأمرين، لم يجز. فإنّ في هذا تصريحات شرط الاستبدال كما ذكر. وهو مفقود فيما اعتمده الحاكم بصحة الاستبدال.
قلت: ذكر ذلك ليطابق السؤال، فإنّ في السؤال أنه تبين كذا وكذا. فقال: إن كان هذا صحيحًا كان الحكم كذا. ثم أفاد من قبل نفسه تبرعًا في الجواب: أنه إن لم يكن ما ذكر في السؤال صحيحًا أو تعذر ثبوته. فينظر: هل المسوّغ للاستبدال في نفس الأمر ثابتٌ أم لا؟ وأفاد ما هو المسوّغ في نفس الأمر وهو اشتراط الاستبدال عند أبي يوسف أو ضعف الوقف عما عليه من الريع والمُؤن، وتسارع الخراب على قول محمد. فهذا الجواب هو المشتمل على إصابة الصواب. والله أعلم.
617)